Indexed OCR Text

Pages 81-100

الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
-
٧٧
حتّى لو امتثَلَ أمرَ غيره فقيل له: تقدَّمْ فتقدَّمَ، أو دخَلَ فرجةَ الصفِّ أحدٌ فوسَّعَ له
فسَدَتْ، بل يمكُثُ ساعةً ثُمَّ يتقدَّمُ برأيه، "قُهُستاني"(١) معزيَّاً لـ "الزاهديِّ"، ومرَّ
ويأتي، "فتنَّهُ"(٢). وقَّدَ بقصدِ الجواب لأَنَّه لو لم يُرِدْ جوابَهُ، بل أرادَ إعلامَهُ بأنّه
في الصلاة لا تفسُدُ اتَّفاقاً، "ابن ملك" و"ملتقى" (٣).
(وفَتْحُهُ على غيرِ إمامِهِ) إلا إذا أرادَ التلاوة،.
[٥٢٦٠] (قولُهُ: حَتّى لو امتثَلَ إلخ) هذا امتثالٌ بالفعل، ومثلُهُ ما لو امتثَلَ بالقول، وهو ما في
"البحر "(٤) عن "القنية": ((مسجدٌ كبيرٌ يَجهرُ المؤذِّثُ فيه بالتكبيرات، فدخَلَ فيه رجلٌ أمَرَ المؤذِّنَ أنْ
يجهر بالتكبير، وركع الإِمامُ للحال فجهَرَ المؤذِّن إِنْ قصَدَ جوابه فسدت صلاته)).
[٥٢٦١] (قولُهُ: أو دخَلَ فُرجةَ إلخ) المعتمدُ فيه عدمُ الفساد، "ط)" (٥).
[٥٢٦٢] (قولُهُ: ومرَّ(٦) أي: في باب الإمامة عند قوله: ((ويصفُّ الرجالُ))، وقدَّمنا (٧) عن
"الشرنبلاليِّ" عدمَ الفساد، وتقدَّمَ تمامُ الكلام عليه هناك(٨).
[٥٢٦٣] (قولُهُ: ويأتي (٩) أي: في هذا الباب عند قول "المصنّف": ((وردُّ السلامِ بيده)).
[٥٢٦٤] (قولُهُ: وفتحُهُ على غير إمامه) لأَنَّه تعلُّمٌ وتعليمٌ من غير حاجةٍ، "بحر"(١٠). وهو شاملٌ
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل ما يفسد الصلاة ١١٧/١ بتصرف.
(٢) في "ب": (( قنية )).
(٣) "ملتقى الأبحر": كتاب الصلاة ١٠٣/١.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٦/٢ بتصرف.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٤/١.
(٦) ٥٥٦/٣ وما بعدها "در".
(٧) المقولة [٤٨١٠] قوله: ((فهل ثم فرق)) .
(٨) المقولة [٤٨٠٩] قوله: ((لكن نقل "المصنف" وغيره)) .
(٩) صـ ١٥٣ - "در".
(١٠) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٦/٢.

قسم العبادات
٧٨
حاشية ابن عابدين
وكذا الأخذُ إلاّ إذا تذكّرَ فتلا قبل تمامِ الفتح (بخلاف فتحِهِ على إمامِهِ) فإنّه لا يُفسِدُ ..
لفتح المقتدي على مثله، وعلى المنفرد، وعلى غير المصلِّي، وعلى إمامٍ آخر، ولفتح الإمام والمنفرد
على أيِّ شخصٍ كان إنْ أرادَ به التعليم لا التلاوة، "نهر "(١).
[٥٢٦٥] (قولُهُ: وكذا الأخذُ) أي: أخذُ المصلِّي غيرِ الإِمام بفتح مَن فَتَحَ عليه مفسدٌ أيضاً
كما في "البحر"(٢) عن "الخلاصة"(٣)، أو أخذُ الإِمام بفتح مَن ليس في صلاته كما فيه (٤) عن
"القنية"(٥).
[ ٢٥٢٦٦ (قولُهُ: إلَّ إذا تذكَّرَ إلخ) قال في "القنية"(٦): ((ُرتِجَ على الإِمام، ففتَحَ عليه مَن ليس
في صلاته وتذكَّرَ، فإنْ أخَذَ في التلاوة قبل تمام الفتح لم تفسد، وإلاَّ تفسُدُ؛ لأنَّ تذكُّره يضاف إلى
الفتح)). اهـ "بحر"(٧).
قال في "الحلبة "(٨): ((وفيه نظرّ؛ لأَنَّه إنْ حصَلَ التذكُّر والفتح معاً لم يكن التذكُّرُ ناشئاً عن
الفتح، ولا وجهَ لإفساد الصَّلاة بتأخَّرِ شروعه في القراءة عن تمام الفتح، وإنْ حصَلَ التذكُّرُ بعد
الفتح قبل إتمامه فالظاهرُ أنَّ التذكِّر ناشئٌ عنه، ووجبت إضافةُ التذكُّر إليه، فتفسُدُ بلا توقُّفٍ
للشروع في القراءة على إتمامه)) اهـ ملخّصاً.
قلتُ: والذي ينبغي أنْ يقال: إنْ حصَلَ التذكُّر بسبب الفتح تفسُدُ مطلقاً، أي: سواءٌ شَرَعَ في
التلاوة قبل تمام الفتح [٢/ق٥ /ب] أو بعده لوجود التعلُّم، وإنْ حصَلَ تذكّره من نفسه لا بسببٍ
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦١/أ بتصرف يسير.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٧/٢.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث عشر فيما يفسد الصلاة وفيما لا يفسد ق ٣٢/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٧/٢.
(٥) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الأقوال المفسدة ق ١٥/ب.
(٦) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الأقوال المفسدة ق١٥/ب.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٧/٢.
(٨) "الحلبة": فصل في مفسدات الصلاة ٢/ق ٢١٩/أ.

الجزء الرابع
٧٩
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
(مطلقاً) لفاتحٍ وآخِذٍ بكلِّ حالٍ، إلاَّ إذا سَمِعَهُ المؤتَمُّ من غيرِ مصلٍّ ففتَحَ به
تبطُلُ(١) صلاةٌ الكلِّ، وينوي الفتحَ لا القراءة.
(ولو جَرَى على لسانِهِ نَعَمْ).
الفتح لا تفسُدُ مطلقاً، وكونُ الظاهر أنَّه حصَلَ بالفتح لا يؤثِّرُ بعد تحقُّق أنَّه من نفسه؛ لأنَّ
ذلك من أمور الدِّيانة لا القضاء حتى يبني على الظاهر، ألا ترى أنَّه لو فَتَحَ على غير إمامه
قاصدً القراءةً لا التعليمَ لا تفسُدُ مع أنَّ ظاهر حاله التعليمُ، وكذا لو قال مثلَ ما قال المؤذِّثُ
ولم يقصد الإجابة، فليتأمَّل.
[٥٢٦٧] (قولُهُ: مطلقاً) فسَّرَهُ بما بعده.
[٥٢٦٨] (قولُهُ: بكلِّ حالٍ) أي: سواءٌ قرأ الإِمامُ قَدْرَ ما تجوزُ به الصَّلاة أم لا، انتقلَ إلى آيةٍ
أخرى أم لا، تكرَّرَ الفتح أم لا، هو الأصحُّ، "نهر"(٢).
[٢٥٢٦٩ (قولُهُ: إلاّ إذا سَمِعَه المؤتَمُّ إلخ) في "البحر "(٢) عن "القنية"(٤): ((ولو سَمِعَه المؤْتَمُّ ممن
ليس في الصَّلاة ففتَحَ به على إمامه يجبُ أنْ تبطل صلاةُ الكلِّ؛ لأنَّ التلقين من خارجٍ)) اهـ. وأقرَّهُ
في "النهر "(٥).
ووجهُه: أنَّ المؤتَمَّ لَمَّ تلقَّنَ من خارجٍ بطلت صلاته، فإذا فَتَحَ على إمامه وأخَذَ منه بطلت
صلاته، لكن قال "ح"(٦): ((وهذا يقتضي أنَّه لو سَمِعَه من مصلٍّ ولو غيرَ صلاته ففتَحَ به
لا تبطل، وهو باطلٌ كما لا يخفى، إلاَّ أنْ يُرادَ بقوله: من غيرِ مصلٍّ" أي: صلاحَهُ)) اهـ.
[٥٢٧٠] (قولُهُ: وينوي الفتحَ لا القراءةَ) هو الصحيحُ؛ لأنَّ قراءة المقتدي منهيٌّ عنها، والفتحُ
على إمامه غيرُ منهيٍّ عنه، "بحر "(٧).
(١) في "ب":(( تفسد)).
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦١/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٧/٢.
(٤) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الأقوال المفسدة ق١٥ /ب.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦١/أ.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ق ٩٠/أ.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٦/٢.

قسم العبادات
٨٠
حاشية ابن عابدين
أو آري (إنْ كان يعتادُها في كلامه تفسُدُ) لأَنَّه من كلامِهِ (وإلاَّ لا) لأَنَّه قرآنٌ
(وأكَلُهُ و شربُهُ.
( تتمَّةٌ)
يكرهُ أنْ يفتح من ساعته، كما يكرهُ للإمام أنْ يُلجئَه إليه، بل ينتقلُ إلى آيةٍ أخرى
لا يلزمُ من وصلِها ما يُفسِدُ الصلاة، أو إلى سورةٍ أخرى، أو يركعُ إذا قرأ قدْرَ الفرض كما
جزَمَ به "الزيلعيُّ)(١) وغيره، وفي روايةٍ: قدْرَ المستحبِّ كما رجَّحَهُ "الكمال"(٢): ((بأَنَّه الظاهرُ
من الدليل))، وأقرَّهُ في "البحر"(٣) و"النهر "(٤)، ونازعَهُ في "شرح المنية"(٥) ورجَّحَ قَدْرَ الواجب
لشدَّةٍ تأكُّده.
[٥٢٧١] (قولُهُ: أو آرِيْ) كلمةٌ فارسيَّةٌ كما في "شرح المنية"(٦)، وهي بمدِّ الهمزة وكسر الراء
بمعنى نعم كما تقدَّم(٧).
[٥٢٧٢] (قولُهُ: لأَنَّه من كلامه) بدليلِ الاعتياد.
[٥٢٧٣] (قولُهُ: لأَنّه قرآنٌ) هذا ظاهرٌ في نعم، وكذا في آرِيْ على روايةٍ أنَّ القرآن اسمٌ
للمعنى، أمَّا على روايةٍ أَنَّه اسمٌ للنظم والمعنى فلا.
( تنبيهٌ)
وقَعَ في ألغاز "الأشباه"(٨): [٢/ق٦ /أ] ((أيُّ مصلٍّ قال نعم ولم تفسُد صلاته؟ فقلْ: مَن
اعتادَهُ في کلامه)) اهـ.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٥٧/١.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٣٤٩/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٦/٢.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦١/أ.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ ٣٦٤ -.
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يفسد الصلاة صـ ٤٥٢ -.
(٧) المقولة [٥٢٧١] قوله: ((أو آري)) .
(٨) "الأشباه والنظائر": الفن الرابع - كتاب الصلاة صـ ٤٦٧ -.

١
الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
٨١
مطلقاً) ولو سمسمةً ناسياً (إلاّ إذا كان بين أسنانه مأكولٌ) دونَ الحمِّصة كما في
الصوم، هو الصحيحُ، قَالَهُ "الباقائيُّ" (فابتلَعَهُ) أمَّا المضغُ فِمُفسِدٌ.
قال في "الخزائن)"(١): ((وفيه اشتباهٌ))، أي: اشتبَهَ عليه الحكمُ إنْ لم يكن سبقَ قلمٍ.
[٥٢٧٤] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ كان كثيراً أو قليلاً، عامداً أو ناسياً، ولذا قال: ((ولو
سمسمةٌ ناسياً))، ومثلُهُ ما لو وقَعَ في فيه قطرةُ مطرِ فابتلَعَها كما في "البحر "(٢).
[٥٢٧٥] (قولُهُ: الحمِّصةِ) بكسر الحاء وتشديد الميم مكسورةً ومفتوحةً، "ح"(٣).
[٥٢٧٦] (قولُهُ: قَالَهُ "الباقَانِيُّ")(٤) أي: في "شرح الملتقى"، ونصُّهُ: ((وقال "البقَّالِيُّ": الصحيحُ
أنَّ كلَّ ما يفسُدُ به الصومُ تفسد به الصلاة)) اهـ.
٤١٨/١
وعليه مشى "الزيلعيُّ" (٥) تبعاً لـ "الخلاصة"(٦) و"البدائع(٧)، قال في "النهر "(٨): ((وجعَلَ في
"الخانيَّة"(٩) هذا قولَ البعض، وقال بعضهم: ما دون ملء الفم لا يُفسِدُ، وفرَّقَ بين الصلاة
والصوم، وما في "الزيلعيّ" أَولى)).
[٥٢٧٧] (قولُهُ: أمَّ المضغُ فمُفسِدٌ) أي: إنْ كَثُرَ، وتقديرُه بالثلاث المتواليات كما في غيره،
(١) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ق ١١٥/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١١/٢ نقلاً عن "الحلبيّ".
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ق ٨٢/أ.
(٤) في "د" زيادة: ((عبارة الباقانيّ عند قول "الملتقى": (فيما لا يفسد): أو أكُلَ ما بين أسنانه دون الحمصة، ويفسد في
قدرها. وقد نقلنا عن "المحيط" عدَمَه إلا أن يقال ذلك في الابتلاع وذا في الأكل، وفي "الخلاصة": وقدرُ الحمصة
لا يفسد، وفي "غريب الرواية": أنَّ القليل ما دون الحمصة، وسَوَّى بين الصلاة والصوم، وقال بعضهم: هو ما دون
ملء الفم، فلا يفسد به الصلاة، وفرَّق بين الصلاة والصوم)).
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٥٩/١.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث عشر فيما يفسد الصلاة وفيما لا يفسد ق ٣٣/ب.
(٧) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في حكم الاستخلاف ٢٤٢/١.
(٨) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦٢/أ.
(٩) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيما يفسد الصلاة ١٢٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية").

قسم العبادات
٨٢
حاشية ابن عابدين
کسُكِّرٍ في فيه يبتلعُ ذَوْبَه.
(و) يُفسِدُها (انتقالُهُ من صلاةٍ إلى مُغايرتِها) ولو من وجهٍ، حَتَّى لو كان منفرداً،
فَكَّرَ ينوي الاقتداءَ.
كذا في "شرح المنية"(١)، وفي "البحر"(٢) عن "المحيط" وغيره: ((ولو مضَغَ العِلك كثيراً فسدت،
وكذا لو كان في فيه إهلِيْلَجَةٌ فلاكَها فإِنْ دَخَلَ في حلقه منها شيءٌ يسيرٌ من غيرِ أن يلوكَها
لا تفسُّدُ، وإنْ كثُرَ ذلك فسدت)) اهـ.
[٥٢٧٨] (قولُهُ: كسُكَّرٍ إلخ) أفاد أنَّ المفسد إمَّا المضغُ الكثير، أو وصولُ عين المأكول إلى
الجوف بخلاف الطَّعم، قال في "البحر"(٣) عن "الخلاصة"(٤): ((ولو أكل شيئاً من الحلاوة وابتلَعَ
عينَها، فدخل في الصلاة فوجَدَ حلاوتها في فيه وابتلعها لا تفسُدُ صلاته، ولو أدخَلَ الفائِيْذَ أو
السُّكَّرَ في فيه ولم يمضغه، لكنْ يصلّي والحلاوةُ تصلُ إلى جوفه تفسُدُ صلاته)) اهـ.
[٥٢٧٩] (قولُهُ: ويُفسِدُها انتقالُهُ إلخ) أي: بأنْ ينويَ بقلبه مع التكبيرة الانتقالَ المذكور،
قال في "النهر"(٥): ((بأنْ صلّى ركعةً من الظهر مثلاً، ثم افتتح العصرَ أو التطوُّع بتكبيرةٍ، فإنْ
كان صاحبَ ترتيبٍ كان شارعاً في التطوُّع عندهما خلافاً لـ "محمَّدٍ"، أو لم يكن - بأنْ سقَطَ
للضيق أو للكثرة - صحَّ شروعه في العصر؛ لأَنَّه نوى تحصيل ما ليس بحاصلٍ، فخرَجَ عن الأوَّل،
(قولُهُ: كان شارعاً في التطوُّع عندهما إلخ) لأَنَّه عندهما لا يلزمُ من بطلان الوصف بطلانُ الأصل،
وعند "محمَّدٍ" لَمَّا لم يصحَّ شروعُهُ بقي في صلاته.
(١) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يفسد الصلاة صـ٤٥١ -.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٢/٢.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٢/٢.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث عشر فيما يفسد الصلاة وفيما لا يفسد ق ٣٣/ب.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦٢/أ.

الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فیها
-
٨٣
أو عكسَهُ صار مُستأنِفاً بخلاف نيَّةِ الظهر بعد ركعة الظُّهر، إلاَّ إذا تلفّظَ بالنّة
فيصيرُ مُستأنِفاً ...
فمناطُ الخروج عن الأوَّلِ صحَّة الشروع في المغاير ولو من وجهٍ، فلذا لو كان منفردً، فكبَّرَ ينوي
الاقتداء أو عكسه أو إمامةَ النساء فسَدَ الأوَّلُ، وكان [٢/ق٦ /ب] شارعاً في الثاني، وكذا لو نوى
تقلاً أو واجباً، أو شرَعَ في جنازةٍ فجِيْءَ بأخرى، فَكَّرَ ينويهما أو الثانيةَ يصيرُ مستأنفاً على الثانية،
كذا في "فتح القدير"(١))) اهـ.
[٥٢٨٠] (قولُهُ: أو عكسَهُ) بالنصب عطفاً على ((منفرداً))، "ح)"(٢).
[٥٢٨١] (قولُهُ: بخلافِ نَّة الظهر إلخ) أي: نَتِهِ مع التكبيرة كما مرَّ(٣)، قال في "البحر "(٤):
(قولُهُ: أو إمامةَ النساءِ إلخ) قَيَّدَ بإمامة النساء لأَنَّ لو كَّرَ ينوي إمامةَ الرجال بعد شروعِهِ منفرداً
لا تفسد، قال في "الكفاية": ((لو افتتَحَ منفرداً ثُمَّ اقتدى به رجلٌ فافتَحَ ثانياً لأجله فهو على الافتتاح
الأوَّلِ إلاَّ أن يكون الداخلُ امرأةً )) اهـ.
(قولُهُ: يصيرُ مستأنفاً على الثانية) أي: على الصلاة الثانية، أي: ما نواه ثانياً في الصور الأربع، لا في
الأخيرة كما توهَّمَهُ بعضهم، فاعترَضَ بأنَّ ما ذكره "مسلمٌ" فيما إذا كُبَّرَ ينوي الثانيةَ، أمّا إذا نواهما
يصيرُ مستأنفاً عليهما، ثمَّ ما ذكرَهُ مأخوذٌ من "الفتح"، ونقله عنه في "النهر"، وفي "النهاية" ما يخالفه
حيث قال: ((وفي نوادر الصلاة: لو صلَّى رجلٌ على جنازةٍ فَكَبَّرَ تكبيرةً، ثمَّ جيء بأخرى، فوُضِعَتْ
يجنبها، فإنْ كَّرَ الثانية ينوي الصلاةَ على الأولى، أو عليهما، أو لا نَّةً له فهو على الجنازة الأُولى على
حاله، يُتِمُّها ثمَّ يستقبل الصلاة على الثانية؛ لأَنَّ نوى إيجادَ الموجود وهو لغوٌ، وإن كبَّرَ ينوي الصلاة
على الثانية يصيرُ رافضاً للأولى شارعاً في الثانية؛ لأَنَّه نوى ما ليس بموجودٍ فصحَّتْ نَيْتُهُ اهـ. ونحوُهُ في
"التبيين")). اهـ من "حاشيته" على "البحر"، وذكر في "الخانيَّة" و"السِّراج" مثلَ ما في "النهاية".
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٣٥٠/١ بتصرف.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ق ٩٠/أ.
(٣) المقولة [٥٢٧٩] قوله: ((ويفسدها انتقاله)) .
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٠/٢.

قسم العبادات
٨٤
حاشية ابن عابدين
مطلقاً (وقراءتُهُ من مصحفٍ) أي: ما فيه قرآنٌ (مطلقاً) لأنَّه تعلُّمٌ،
((يعني: لو صلّى ركعةً من الظهر، فكَبَّرَ ينوي الاستئنافَ للظهر بعينها لا يفسُدُ ما أدَّه، ويُحتسَبُ
بتلك الركعةِ، حتّى لو صلَّى ثلاث ركعاتٍ بعدها ولم يقعد في آخرها حتّى صلَّى رابعةً فسدت
الصلاة، ولغت النَّةُ الثانية)).
(٥٢٨٢] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ انتقَلَ إلى المغايرة أو المتَّحدة؛ لأنَّ التلفّظ بالنيّة كلامٌ مفسدٌ
للصلاة الأُولى، فصحَّ الشروعُ الثاني.
[٥٢٨٣] (قولُهُ: أي: ما فيه قرآنٌ) عمَّمَهُ ليشملَ المحراب، فإنّه إذا قرأ ما فيه فسدت في
الصحيح، "بحر"(١).
[٥٢٨٤] (قولُهُ: مطلقاً) أي: قليلاً أو كثيراً، إماماً أو منفرداً، أمّاً لا يمكنُه القراءة إلاَّ منه أوْ لا.
[٥٢٨٥] (قولُهُ: لأَنّه تعلُّمٌ) ذكروا لـ "أبي حنيفة" في علَّة الفساد وجهين:
أحدهما: أنَّ حملَ المصحف والنظرَ فيه وتقليب الأوراق عملٌ كثيرٌ.
والثاني: أنَّه تلقُّنٌ من المصحف، فصار كما إذا تلقَّنَ من غيره، وعلى الثاني لا فرقَ بين
الموضوع والمحمول عنده، وعلى الأوَّل يفترقان، وصحَّحَ الثانيَ في "الكافي"(٢) تبعاً لتصحيح
"السرخسيّ" (٣)، وعليه لو لم يكن قادراً على القراءة إلاَّ من المصحف، فصلَّى بلا قراءةٍ ذكَرَ
"الغضليُّ": ((أَنّها تُحْزِيهِ))، وصحَّحَ في "الظهيريَّةِ"(٤) عدمَه، والظاهرُ أَنَّه مفرٌَّ على الوجهِ الأَوَّل
الضعيف، "بحر "(٥).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١١/٢ بتصرف يسير.
(٢) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١/ق ٣٦/ب.
(٣) أورد السَّرْحَسيّ هذه المسائل في "جامعه الصغير"، وانظر "البحر" ١١/٢.
(٤) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثالث - الفصل الثاني فيما يفسد الصلاة ق٢٥/أ. وعبارتها: ((لو لم يكن قادراً
على القراءة من المصحف)) دون ((إلا)) والظاهر أنه سَقْطٌ؛ إذ السياق يقتضي وجودها.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١١/٢ ملخصاً.

باب ما یفسد الصلاة وما یکره فیها
٨٥ -
الجزء الرابع
إلاّ إذا كان حافظاً لِما قرَأَهُ وقرأ بلا حملٍ، وقيل: لا تفسُدُ إلَّ بآيةٍ، واستظهَرَهُ
"الحلبيُّ"، وجوَّزَهُ "الشافعيُّ" بلا كراهةٍ، وهما بها للتشبُّهِ بأهل الكتاب، أي: إِنْ
قصَدَهُ، فإنَّ التشبُّهَ بهم لا يكرهُ في كلِّ شيءٍ، بل في المذموم وفيما يُقصَدُ به التشبُّهُ
كما في "البحر".
(و) يُفسِدُها (كلُّ عملٍ كثيرٍ)
[٥٢٨٦] (قولُهُ: إلاَّ إذا كان إلخ) لأنَّ هذه القراءة مضافةٌ إلى حفظه لا إلى تلقُّنه من
المصحف، وبحرَّدُ النظر بلا حملٍ غيرُ مفسدٍ لعدم وجهي الفساد، وهذا استثناءٌ من إطلاق
"المصنّف"، وهو قولُ "الرازي"، وتِبِعَهُ "السرخسيُّ" و"أبو النصر الصفَّارِ"(١)، وجزَمَ به في
"الفتح"(٢) و"النهاية" و"التبيين"(٣)، قال في "البحر"(٤): ((وهو وجيةٌ كما لا يخفى)) اهـ. فلذا
جزَمَ به "الشارح".
[٥٢٨٧] (قولُهُ: وقيل إلخ) تقييدٌ آخرُ لإطلاق "المصنّف"، وعبارةُ "الحلبيِّ" في "شرح
المنية "(٥): ((ولم يفرِّقْ في "الكتاب" بين القليل والكثير، وقيل: لا تفسُد ما لم يقرأ قدْرَ الفاتحة،
وقيل: ما لم يقرأ آيةً، وهو الأظهرُ؛ لأنّه مقدارُ ما تجوزُ به الصلاة عنده)). [٢/ق٧/ أ]
[٥٢٨٨] (قولُهُ: وهما بها) أي: وجوَّزَهُ الصاحبان بالكراهة.
مطلبٌ في التشُّهِ بأهل الكتاب
[٥٢٨٩] (قولُهُ: لأنَّ التشبُّهَ بهم لا يكرهُ في كلِّ شيءٍ) فإنَّا نأكلُ ونشربُ كما يفعلون،
(قولُهُ: تقييدٌ آخرُ لإطلاق "المصنّف") لا يظهرُ إلاَّ أنَّه قولٌ مقابلٌ لإطلاق "المصنّف" لا تقييدٌ له.
(١) أبو نصر، أحمد بن إسحاق بن شِيْث الصّفَّار (ت ٤٦١ هـ). ("الجواهر المضية" ١٤٢/١، "الفوائد البهية" ص ١٤ -١٥-).
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٣٥١/١.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٥٩/١.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١١/٢.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يفسد الصلاة صـ٤٤٧ -.

قسم العبادات
٨٦
حاشية ابن عابدين
لیس من أعمالھا ولا لإصلاحها،
"بحر"(١) عن "شرح الجامع الصغير" لـ "قاضي خان" (٢). ويؤيِّدُه ما في "الذخيرة" قبيل كتاب
التحرِّي: ((قال "هشامٌ": رأيتُ على "أبي يوسف" نعلين مخسوفين بمساميرَ، فقلت: أترى بهذا
الحديدِ بأساً؟ قال: لا، قلت: "سفيانُ" و"ثور بن يزيدَ"(٣) كرها ذلك؛ لأنَّ فيه تشبُّهاً بالرُّهبان،
فقال: كان رسول الله وَلّ يلبسُ النّعال التي لها شعرٌ وإنَّها من لباسِ الرهبان(٤). فقد أشارَ إلى أنَّ
صورة المشابهة فيما تعلَّقَ به صلاحُ العباد لا يضرُّ، فإنَّ الأرض مما لا يمكن قطعُ المسافة البعيدة فيها
إلاَّ بهذا النوع)) اهـ.
وفيه إشارةٌ أيضاً إلى أنَّ المراد بالتشبُّهِ أصلُ الفعل، أي: صورةُ المشابهة بلا قصدٍ.
[٥٢٩٠] (قولُهُ: ليس من أعمالِها) احترازٌ عمَّا لو زاد ركوعاً أو سجوداً مثلاً فإنَّه عملٌ كثيرٌ
غيرُ مفسدٍ لكونه منها، غيرَ أنَّه يُرِفَضُ؛ لأنَّ هذا سبيلُ ما دون الركعة، "ط "(٥).
قلت: والظاهرُ الاستغناء عن هذا القيدِ على تعريف العمل الكثير بما ذكره "المصنّف"، تأمَّل.
٥٢٩١] (قولُهُ: ولا لإصلاحِها) خرَجَ به الوضوءُ والمشيُّ لسبق الحدث، فإنّهما لا يُفسِدانها،
"ط" (٦).
قلت: وينبغي أنْ يزاد: ولا فُعِلَ لعذرٍ احترازاً عن قتل الحيّة أو العقرب بعملٍ كثيرٍ على أحد
القولين كما يأتي(٧)، إلاّ أن يقال: إنَّه لإصلاحِها؛ لأنَّ تركه قد يؤدِّي إلى إفسادها، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١١/٢.
(٢) وعبارته: ((لا يكره في شيء)) دون لفظة ((كل)) ولعله سقط إذا السياق يقتضيها. "شرح الجامع": كتاب الصلاة -
باب الإِمام أين يستحب له القيام؟ ١/ق ١٥/أ.
(٣) أبو خالد - وقيل: أبو يزيد - ثَوْر بن يزيد الكَلاَعيّ الحِمْصِيّ (ت ١٥٣ هـ وقيل: غير ذلك). ("سير أعلام النبلاء"
٣٤٤/٦، "شذرات الذهب" ٢٤٣/٢).
(٤) لم نجده فيما بين أيدينا من المصادر.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٥/١.
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٥/١ بتصرف.
(٧) المقولة [٥٤٩٤] قوله: ((لكن صحح الحلبيّ الفساد)).
1

الجزء الرابع
٨٧
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
وفيه أقوالٌ خمسةٌ أصحُّها
[٥٢٩٢] (قولُهُ: وفيه أقوالٌ خمسةٌ أصحُّها ما لا يَشُكُّ إلخ) صحَّحَهُ في "البدائع"(١)، وتابعه
٤١٩/١ "الزيلعيُّ)(٢) و"الولو الجيُّ) (٣)، وفي "المحيط": ((أَنَّه الأحسن))، وقال "الصدر الشهيد": ((إنّه
الصوابُ))، وفي "الخانَيَّة"(٤) و"الخلاصة"(٥): ((أَنَّه اختيارُ العامَّة))، وقال في "المحيط" وغيره:
((رواه "الثلجيُّ" عن أصحابنا))، "حلبة" (٦).
القولُ الثاني: أنَّ ما يُعمَلُ عادةً باليدين كثيرٌ وإنْ عُمِلَ بواحدةٍ كالتعمُّم وشدِّ السراويل، وما
عُمِلَ بواحدةٍ قليلٌ وإنْ عُمِلَ بهما كحلِّ السراويل ولُبْسِ القَلْسُوة ونزعِها، إلاَّ إذا تكرَّرَ ثلاثاً
متواليةً، وضعَّفَهُ في "البحر "(٧): ((بأنّه قاصرٌ عن إفادة ما لا يُعمَلُ باليد كالمضغ والتقبيل)).
الثالث: الحركاتُ الثلاث المتوالية كثيرٌ، وإلاَّ فقليلٌ. [٢/ق٧/ب]
الرابع: ما يكونُ مقصوداً للفاعل، بأنْ يُفرِدَ له مجلساً على حدٍ، قال في "التتار خانَّة"(٨).
((وهذا القائلُ يستدلُّ بإمرأةٍ صلَّتْ فلمَسَها زوجُها أو قَبَّلَها بشهوةٍ، أو مصَّ صبيٌّ ثديَها وخرج
اللبن تفسُدُ صلاتها)).
الخامسُ: التفويضُ إلى رأيٍ المصلّي، فإن استكثرَهُ فكثيرٌ، وإلاَّ فقليلٌ، قال
"القُهُستانيُ) (٩): ((وهو شاملٌ للكلِّ، وأقربُ إلى قول "أبي حنيفة"، فإنّه لم يُقدِّرْ في مثله، بل
يُفوّضُ إلى رأي المبتلى)) اهـ.
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في حكم الاستخلاف ٢٤١/١.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٦٥/١.
(٣) "الولواجية": الفصل التاسع في الحدث الطارئ على الصلاة - ١/ق ١٠/ب.
(٤) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيما يفسد الصلاة ١٣٠/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث عشر فيما يفسد الصلاة وفيما لا يفسد ق ٣٤/أ.
(٦) "الحلبة": فصل في مفسدات الصلاة ٢/ق ٢١٩/ب بتصرف.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٢/٢-١٣ ملخصاً.
(٨) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الخامس في بيان ما يفسد الصلاة وما لا يفسد ٥٨٧/١.
(٩) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١١٩/١.

قسم العبادات
٨٨
حاشية ابن عابدين
(ما لا يشُكُّ) بسببهِ (الناظرُ) من بعيدٍ (في فاعلِهِ أَنَّه ليس فيها) وإنْ شَكَّ أَنَّه فيها أم
لا فقليلٌ، لكنّه يُشكِلُ بمسألةِ المسِّ والتقبيل، فتأمَّل.
قال في "شرح المنية"(١): ((ولكنّه غيرُ مضبوطٍ، وتفويضُ مثله إلى رأىِ العوامِّ مما لا ينبغي،
وأكثرُ الفروع أو جميعُها مفرَّعٌ على الأوَّلين، والظاهرُ: أنَّ ثانيَهما ليس خارجاً عن الأوَّلِ؛ لأنَّ ما
يُقام باليدين عادةً يغلبُ ظنُّ الناظرِ أَنَّه ليس في الصلاة، وكذا قولُ مَن اعتبرَ التكرارَ ثلاثاً متواليةً،
فإنَّه يغلبُ الظنُّ بذلك، فلذا اختاره جمهورُ المشايخ)) اهـ.
[٥٢٩٣] (قولُهُ: ما لا يَشُكُّ إلخ) أي: عملٌ لا يَشُكُّ، أي: بل يظنُّ ظَّاً غالباً، "شرح
المنية(٢). و((ما)) بمعنى عملٌ، والضميرُ في ((بسببِهِ)) عائدٌ إليه، و((الناظرُ)) فاعلُ
(يَشُكُّ))، والمراد به مَن ليس له علمٌ بشروع المصلِّي بالصلاة كما في "الحلبة"(٣) و"البحر "(٤)، وفي
قول "الشارح": ((مِن بعيدٍ)) تبعاً لـ "البدائع"(٥) و"النهر " (٦) إشارةٌ إليه؛ لأنَّ القريب لا يخفى عليه
الحالُ عادة، فافهم.
[٥٢٩٤] (قولُهُ: وإنْ شكَّ) أي: اشتبَهَ عليه وتردَّدَ.
٥٢٩٥١] (قولُهُ: لكنَّه يُشكِلُ بمسألة المسِّ والتقبيل) أي: ما لو مسَّ المصلِيةَ بشهوةٍ، أو قََّها
بدونها فإنَّ صلاَتَها تفسُدُ، ولم يوجد منها فعلٌ كما سيأتي(٧) في الفروع مع جوابه، وأصلُ
الاستشكال لصاحب "الحلبة"(٨)، وتبعَهُ في "البحر"(٩)، فليس المرادُ صلاةَ المقبِّل والماسِّ، فإنَّه
لا يخفى فسادُها على أحدٍ من الناس، فافهم.
(١) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يفسد الصلاة صـ ٤٤٢- بتصرف يسير.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يفسد الصلاة صـ ٤٤١ -.
(٣) "الحلبة": فصل في مفسدات الصلاة ٢/ق ٢١٩/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٢/٢ نقلاً عن الحلبيّ.
(٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في حكم الاستخلاف ٢٤١/١.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق٦٢/ب.
(٧) المقولة [٥٣١٦] قوله: ((أو مسها إلخ)) .
(٨) "الحلبة": فصل في مفسدات الصلاة ٢/ق ٢٢٧/ب.
(٩) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٣/٢.

الجزء الرابع
٨٩
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
(فلا تفسُدُ برفعٍ يديه في تكبيرات الزوائد على المذهب) وما رُويَ من الفساد فشاٌ.
(و) يُفسِدُها (سجودُهُ على نجسٍ) وإنْ أعادَهُ على طاهرٍ في الأصحِّ، بخلاف يديه ورُكبتيه
[٥٢٩٦] (قولُهُ: فلا تفسُدُ إلخ) تفريعٌ على أصحِّ الأقوال خلافاً لِما رَوَى "مكحولٌ" عن "أبي
حنيفة": أَنَّه لو رفَعَ يديه عند الركوع وعند الرفع منه تفسُدُ؛ لأنَّ المفسد إنما هو العملُ الكثير، وهو
ما يُظَنُّ أنَّ فاعله ليس في الصلاة، وهذا الرفعُ ليس كذلك، كذا في "الكافي"(١)، نعم يكرهُ؛ لأَنَّه
فعلٌ زائدٌ ليس من تتمَّاتِ الصلاة، "شرح المنية"(٢). وتسميتها تكبيراتِ الزوائد(٣) خلافُ
المصطلح؛ لأنَّها في الاصطلاح [٢/ق٨/أ] تكبيراتُ العيدين.
[٥٢٩٧] (قولُهُ: ويُفسِدُها سجودُهُ على نحسٍ) أي: بدون حائلٍ أصلاً، ولو سجَدَ على كفّه
أو كمِّه فسَدَ السجودُ لا الصَّلاة، حتَّى لو أعادَهُ على طاهرٍ جاز كما قدَّمه(٤) "الشارح" في فصلٍ
إذا أرادَ الشُّرُوعَ، لكنْ قَدَّمنا هناك(٥) أنَّ الحائل المَّصل لا يُعتبرُ حائلاً لتبعَّته للمصلِّي، وإلاّ لزِمَ أنْ
لا يصحَّ السجودُ معه ولو على طاهٍ، ولزِمَ صحَّةُ الصلاة مع القيام على نجاسةٍ تحت خفّه، وتقدَّمَ
تمام الكلام هناك، فراجعه.
[٥٢٩٨] (قولُهُ: في الأصحِّ) وهو ظاهرُ الرواية كما في "الحلبة"(٦) و"البدائع"(٧) و"الإمداد"(٨)،
(قولُهُ: لكنْ قدَّمنا هناك إلخ) تقدَّمَ عن "شرح المنية الكبير" ما يدلُّ على ما سلَكَهُ "الشارح" ويقوِّيه.
(قولُهُ: وإلاَّ لزم أنْ لا يصحَّ السجودُ معه) لعلَّ حقَّ العبارة: وإلاّ لزم أنْ يصحَّ السجود معه ولو على نحسٍ.
(١) لم نقف على هذا النقل في "كافي النسفي".
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في مكروهات الصلاة صـ٣٤٧- بتصرف.
(٣) في "د" زيادة: ((أي الزوائد على تكبيرة التحريمة، والأولى أن يقول: تكبيرات الانتقالات؛ لأنَّ المشهور في تكبيرات
الزوائد هي تكبيرات العيدين)).
(٤) ٣٣٢/٣ "در" .
(٥) المقولة [٤٢٨٢] قوله: ((صح)) .
(٦) "الحلبة": شروط الصلاة - الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٥٥/ب.
(٧) "البدائع": كتاب الصلاة - باب بيان المقدار الذي يصير به المحل نجساً ٨٢/١.
(٨) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة وأركانها ق ١٠٥/أ.

قسم العبادات
٩٠
حاشية ابن عابدين
على الظاهر (و) يُفسِدُها (أداءُ ركنٍ) حقيقةً اتّفاقاً (أو تمكُّنُه) منه بسنّته، وهو قدْرُ
ثلاثِ تسبيحاتٍ (مع كشفِ عورةٍ أو نجاسةٍ) مانعةٍ أو وقوعٍ لرحمةٍ في صفِّ نساءٍ
أو أمامَ إمامٍ (عند "الثاني") وهو المختارُ.
وقال "أبو يوسف": إنْ أعادَهُ على طاهرِ لا تفسُدُ، وهذا بناءً على أنَّه بالسجود على النجس
تفسُدُ السجدة لا الصلاة عنده، وعندهما تفسُدُ الصلاة؛ لفسادٍ جزئها وكونها لاتتجزّأُ كما في
"شرح المنية"(١)، وذكَرَ في "السِّرَاجِ"(٢) روايةٌ ثانيةً، وهي: ((أَنْه لو أعادَهُ على طاهرٍ جاز عند
أصحابنا الثلاثة خلافاً لـ "زفر"))، وقدَّمنا (٣) في فصل الشروع أنَّ هذه روايةُ النوادر، وأنَّ عامَّة
كتب الفروع والأصول على الرواية الأولى.
[٥٢٩٩] (قولُهُ: على الظاهرِ) أي: ظاهرِ الرواية من أنَّ وضع اليدين والركبتين في السجود
غيرُ شرطٍ، فتركُ وضعِهما أصلاً غيرُ مفسدٍ، فكذا وضعُهما على نجاسةٍ، لكنْ قدَّمنا (٤) في أوَّلِ
باب شروط الصلاة تصحيحَ الفساد عن عدَّة كتبٍ، وفي "النهر"(٥): ((أَنَّه المناسبُ لإطلاق عامَّة
المتون))، وعلَّلهُ في "شرح المنية"(٦): ((بأنَّ اتّصال العضو بالنجاسة بمنزلة حملها وإنْ كان وضعُ
ذلك العضو ليس بفرضٍ))، وبهذا عُلِمَ أنَّ ما مشى عليه هنا تبعاً لـ "الدرر"(٧) ضعيفٌ كما نَبَّهَ عليه
"نوح أفندي".
[٥٣٠٠] (قولُهُ: عند "الثاني") أي: "أبي يوسف"، وقيل: إنَّ "أبا حنيفة" مع "محمَّدٍ"،
"حلبة"(٨).
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في الطهارة من الأنجاس صـ ١٩٩ - ٢٠٠ -.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١٠٤/ب.
(٣) المقولة [٤٢٨٧] قوله: ((فيصح اتفاقاً)).
(٤) المقولة [٣٥٥٦] قوله: ((على الظاهر)).
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٣٨/ب.
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في الطهارة من الأنجاس صـ ٢٠١ -.
(٧) "الدرر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٠٤/١.
(٨) "الحلبة": شروط الصلاة - ستر العورة ١/ق ٣٧٠/أ.

الجزء الرابع
٩١
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
في الكلِّ؛ لأَنَّه أحوطُ، قالَهُ "الحلبيُّ)" (وصلاتُهُ على مصلَّىَّ مضرَّبٍ نجسِ البطانةِ)
بخلافِ غيرِ مضرَّبٍ ..
[٥٣٠١] (قولُهُ: في الكلِّ) أي: كلِّ المسائل المذكورة من الكشف وما بعده، وقَّدَ ذلك في
"شرح المنية"(١) في أواخرِ الكلام على الشرط الثالث بما إذا كان بغير صنعه، قال: ((أمَّا إذا حصَلَ
شيءٌ من ذلك بصنعه فإنَّ الصلاة تفسُدُ في الحال عندهم كما في "القنية"(٢))) [٢/ق٨/ب] اهـ.
ومشى عليه "الشارح"(٣) في باب شروط الصلاة.
وفي "الخانَّةَ"(٤) وغيرِها ما يدلُّ على عدمه، قال في "الحلبة "(٥): ((والأشبهُ الأوَّلُ))،
وتقدَّمَ (٦) هناك تمامُ الكلام على ذلك فراجعه.
[٥٣٠٢] (قولُهُ: وصلاتُهُ على مصلّىَّ مضرَّبٍ)(٧) أي: مخيطٍ، وإنما تفسُدُ إذا كان النحسُ المانع
في موضع قيامه أو جبهته، أو في موضع يديه أو ركبتيه على ما مرَّ(٨)، ثم هذا قولُ "أبي يوسف"،
وعن "محمَّدٍ" يجوزُ، ووقَّقَ بعضُ المشايخ بحملِ الأَوَّلِ على كون الثوب مخيطاً مضرَّباً، والثاني على
كونه مخيطاً فقط، وهو ما كان جوائبُهُ مخيطةً دون وسطه؛ لأَنَّه كثوبين أسفلُهما نحسٌ وأعلاهما
طاهرٌ، فلا خلافَ حينئذٍ، وصحَّحَهُ في "المجمع"، ومنهم من حقَّقَ الاختلاف فقال: عند "محمَّدٍ"
٤٢٠/١
(١) "شرح المنية الكبير": الشرط الثالث: ستر العورة صـ٢١٦ -.
(٢) "القنية": كتاب الطهارة - باب فيما يفسد الصلاة ق ١٥/ب.
(٣) ٢٦/٣ وما بعدها "در" .
(٤) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٣/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الحلبة": شروط الصلاة - الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٥٨/أ.
(٦) المقولة [٣٠٦٠٨] قوله: ((بلا صنعه)) .
(٧) في "د" زيادة: ((يُشكِلُ عليه قولهم: لو صلَّى على لبد وجهُهُ الأعلى طاهرٌ والثاني نجسٌ، أو على لوحٍ خشبٍ يمكن
أن يشق لوحين جاز مع أنّه أبلغ من التضريب في الاتصال. "رحمتيّ"، قلت: قد يجاب بأنَّ كلاً من اللوح واللبد
لسمكه نزل مَنْزلة ثوبين أحدُهما فوق الآخر، بخلاف الثوب المضرب، فإنه لرقته لم يعتبر ثوبين بل هو ثوب واحد
الاتصال البطانة النجسة به، فكأنّه قد صلَّى على ثوب نجس، والمراد أن تكون النجاسة في موضع الجبهة والقدمين،
بخلاف اليدين والركبتين لما مَرَّ قريباً)).
(٨) المقولة [٥٢٩٩] قوله: ((على الظاهر)) .

قسم العبادات
٩٢
حاشية ابن عابدين
يجوزُ كيفما كان، وعند "أبي يوسف" لا يجوزُ، وفي "التجنيس": ((الأصحُّ أنَّ المضرَّبَ على
الخلاف))، ومفهومُهُ أنَّ الأصحَّ في غير المضرَّب الجوازُ اتفاقاً، وهذا قولٌ ثالثٌ، وفي "البدائع)" (١)
بعد حكايته القول الثاني: ((وعلى هذا لو صلّى على حَجَرِ الرَّحى، أو بابٍ، أو بساطٍ غليظٍ، أو
مكعَّبٍ أعلاه طاهرٌ وباطنه نجسٌ عند "أبي يوسف" لا يجوزُ نظراً إلى اتّحاد المحلِّ، فاستوى ظاهرُه
وباطنه كالثوب الصفيق، وعند "محمَّدٍ" يجوزُ؛ لأنَّه صلَّى في موضعٍ طاهرٍ كثوبٍ طاهرٍ تحته ثوبٌ
نجسٌ بخلاف الثوب الصفيق؛ لأنَّ الظاهر نفاذُ الرُّطوبة إلى الوجهِ الآخر)) اهـ.
وظاهرُه ترجيحُ قول "محمَّدٍ"، وهو الأشبهُ، ورجَّحَ في "الخالنَّةُ"(٢) في مسألة الثوب قولَ "أبي
يوسف": ((بأَنَّه أقربُ إلى الاحتياط))، وتمامُهُ في "الحلبة"(٣)، وذكَرَ في "المنية" و"شرحها"(٤): ((إذا
كانت النجاسةُ على باطن الِّنة أو الآجُرَّة، وصلَّى على ظاهرها جاز، وكذا الخشبةُ إنْ كانت غليظةً
بحيث يمكن أنْ تُنشَرَ نصفين فيما بين الوجهِ الذي فيه النجاسةُ والوجهِ الآخر، وإلاَّ فلا)) اهـ
وذكَرَ في "الحلبة"(*): ((أنَّ مسألة اللّنة والآجُرَّة على الاختلاف المارِّ بينهما، وأَنَّه في
"الخانّة"(٦) جزَمَ بالجواز، وهو إشارةٌ إلى اختياره، وهو حسنٌ متّجة، وكذا مسألة الخشبة على
الاختلاف، وأنَّ الأشبه الجوازُ عليها مطلقاً))، ثمَّ ايَدَهُ بأوجهٍ فراجعه.
(قولُهُ: كالثوب الصفيق) في "القاموس": ((ثوبٌ صفيقٌ ضدُّ سخيفٍ))، وفيه أيضاً: ((المكعَّبُ:
الموشَّى من الْبُرُود والأثواب، والثوبُ المطويُّ الشديدُ الأدراج)) اهـ.
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل بيان المقدار الذي يصير به المحل نجساً ٨٣/١ بتصرف.
(٢) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الحلبة": شروط الصلاة - الطهارة من الأنجاس ٢/ ق ٣٥٤/ب ٣٥٥/أ.
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في الطهارة من الأنجاس صـ٢٠٢ -.
(٥) "الحلبة": شروط الصلاة - الطهارة من الأنجاس ٢/ق ٣٥٩/أ - ب.
(٦) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٣/١ (هامش "الفتاوى الهندية").

الجزء الرابع
٩٣
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
ومبسوطٍ على نجسٍ إِنْ لم يَظهَرْ لونٌ أو ريحٌ (وتحويلُ صدرِهِ عن القِبلة) اتّفاقاً (بغير
عذرٍ) فلو ظنَّ حدثَّهُ فاستدبَرَ القبلة، ثم عَلِمَ عدمَهُ إِنْ قبلَ خروجه من المسجد.
......
[٥٣٠٣] (قولُهُ: ومبسوطٍ على نجسٍ إلخ) قال في "المنية"(١): ((وإذا أصابت الأرضَ نجاسةٌ
ففرَشَها بطينٍ [٢/ق٩/أ] أو حَصِ فصلَّى عليها جاز، وليس هذا كالثوب، ولو فرَشَها بالتراب ولم
يُطَّن إِنْ كانَ الترابُ قليلاً بحيث لو استشمَّهُ يجدُ رائحةَ النجاسة لا تجوزُ، وإلاَّ تجوزُ)) اهـ.
قال في "شرحها"(٢): ((وكذا الثوبُ إذا فُرِشَ على النجاسة اليابسة فإنْ كان رقيقاً يَشِفُّ ما
تحته، أو توجدُ منه رائحةُ النجاسة على تقدير أنَّ لها رائحةً لا تجوز الصَّلاة عليه، وإنْ كان غليظاً
بحيث لا يكونُ كذلك جازت)) اهـ.
ثُمَّ لا يخفى أنَّ المراد إذا كانت النجاسةُ تحت قدمه أو موضعَ سجوده؛ لأَنَّه حينئذٍ يكونُ
قائماً أو ساجداً على النجاسة لعدم صُلوح ذلك الثوب لكونِهِ حائلاً، فليس المانعُ هو نفسَ وجود
الرائحة حتّى يُعارَضَ بأَنَّه لو كان بقربِهِ نجاسةٌ يشُمُّ ريحها لا تفسُدُ صلاته، فافهم.
[٥٣٠٤] (قولُهُ: وتحويلُ صدْرِهِ) أمَّا تحويلُ وجهه كلِّه أو بعضه فمكروهٌ لا مفسدٌ على المعتمد
كما سيأتي(٣) في المكروهات.
[٥٣٠٥) (قولُهُ: بغيرِ عذرٍ) قال في "البحر"(٤) في باب شروط الصلاة: ((والحاصلُ أنَّ المذهب
أَنَّه إذا حوَّلَ صدرَهُ فسدت وإنْ كان في المسجد إذا كان من غيرِ عذرٍ كما عليه عامَّةُ الكتب)) اهـ.
وأطلقَهُ فشعِلَ ما لو قلَّ أو كَثُرَ، وهذا لو باختياره، وإلاّ فإنْ لِثَ مقدارَ ركنٍ فسدت، وإلاّ
فلا كما في "شرح المنية"(٥) من فصل المكروهات.
[٥٣٠٦] (قولُهُ: فلو ظَنَّ حدثَّهُ إلخ) محترزُ قوله: ((بغيرِ عَذٍ)).
(١) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في الطهارة من الأنجاس صـ٢٠٢ -.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في الطهارة من الأنجاس صـ٢٠٢ -.
(٣) المقولة [٥٤٣٠] قوله: ((وبصدره تفسد)) .
(٤) "البحر": كتاب الصلاة ٣٠١/١.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ٣٥١ -.

قسم العبادات
٩٤
حاشية ابن عابدين
لا تفسُدُ، وبعده فسَدَتْ.
(فروعٌ) مَشَى مُستقبلَ القبلة هل تفسُدُ؟ إنْ قدْرَ صفٍّ، ثمَّ وقَفَ قدْرَ ركنٍ، ثم
مشى ووقَفَ كذلك وهكذا لا تفسُدُ.
[٥٣٠٧] (قولُهُ: لا تفسُدُ) أي: عند "أبي حنيفة"، "شرح المنية"(١). وقولُهُ: ((وبعدَه فسدت))
أي: بالاتّفاق؛ لأنَّ اختلاف المكان مبطلٌ إلَّ لعذرٍ، والمسجدُ مع تباينِ أكتافه وتنائي أطرافه
كمكانٍ واحدٍ، فلا تفسُدُ ما دام فيه إلاَّ إذا كان إماماً واستخلَفَ مكانه آخرَ، ثم عَلِمَ أنَّه
لم يُحدِث فتفسُدُ وإِنْ لم يخرج من المسجد؛ لأنَّ الاستخلاف في غير موضعه منافٍ كالخروج من
المسجد، وإنما يجوزُ عند العذر ولم يوجد، وكذا لو ظَنَّ أَنَّه افتَحَ بلا وضوءٍ، فانصرَفَ ثم عَلِمَ أنَّه
كان متوضِّاً تفسُدُ وإِنْ لم يخرج منه؛ لأنَّ انصرافه على سبيل الرفض، ومكانُ الصفوف في
الصحراءِ له حكمُ المسجد، وتمامُهُ في "شرح المنية"(٢) في آخر الشرط الرابع، وتقدَّمَ في الباب
السابق(٣). [٢/ق٩/ب]
(تنبيةٌ)
ذكَرَ في "المنية(٤) في باب المفسدات: ((أَنَّه لو استدبَرَ القبلةَ على ظنِّ الحدث، ثم تبيَّنَ خلافُه
فسدت وإنْ لم يخرج من المسجد))، وعلَّلهُ في "شرحها": ((بأنَّ استدباره وقَعَ لغير ضرورةٍ
إصلاحِ الصلاة فكان مفسداً)) اهـ.
وهو مخالفٌ لِما مرَّ(٥) عن عامَّة الكتب، إلاَّ أنْ يُحمَلَ على قولهما أو على الإِمام
المستخلَف، تأمَّل.
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في استقبال القبلة صـ٢٢٤ -.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في استقبال القبلة صـ ٢٢٤ - بتصرف.
(٣) المقولة [٥٠٦٩] قوله: ((بظن حدث)) .
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": فصل فيما يفسد الصلاة صـ ٤٥١ -.
(٥) المقولة: [٥٣٠٥] قوله: ((بغير عذر)) .

الجزء الرابع
٩٥
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
وإنْ كَثُرَ ما لم يَختلِفِ المكانُ، وقيل: لا تفسُدُ حالةَ العذر ما لم يَستدبر القبلةَ
استحساناً، ذكَرَهُ "القُهُستانيُ))(١)، و(٢) هل يُشترَطُ في المفسد الاختيارُ؟ في
"الخَّازِيَّة": ((نعم))،.
مطلبٌ في المشي في الصلاة
[٥٣٠٨] (قولُهُ: وإِنْ كَثُرَ) أي: وإنْ مشى قدْرَ صفوفٍ كثيرةٍ على هذه الحالة، وهو مستدرَكْ
بقوله: ((وهكذا)).
[٥٣٠٩] (قولُهُ: ما لم يختلف المكانُ) أي: بأنْ خرَجَ من المسجد، أو تجاوَزَ الصفوف
لو الصلاةُ في الصحراء، فحينئذٍ تفسُدُ كما لو مشى قدْرَ صفَّين دفعةً واحدةً، قال في "شرح
المنية"(٣): ((وهذا بناءً على أنَّ الفعل القليل غيرُ مفسدٍ ما لم يتكرَّرْ متوالياً، وعلى أنَّ اختلاف
المكانِ مبطلٌ ما لم يكن لإصلاحِها، وهذا إذا كان قُدَّامَه صفوفٌ، أمَّا إنْ كان إماماً فجاوَزَ موضع
سجوده فإنْ بقدْرِ ما بينه وبين الصفِّ الذي يليه لا تفسُدُ، وإنْ أكثرَ فسدت، وإنْ كان منفرداً
فالمعتبرُ موضعُ سجوده، فإِنْ جاوزَهُ فسدت، وإلاَّ فلا، والبيتُ للمرأة كالمسجد عند "أبي عليِّ
النسفيِّ"، وكالصحراء عند غيره)) اهـ.
[٥٣١٠] (قولُهُ: وقيل: لا تفسُّدُ حالةَ العذر) أي: وإِنْ كَثُرَ واختلَفَ المكان؛ لِما في "الحلبة"(٤)
عن "الذخيرة": ((أَنَّه رُوِيَ أنَّ "أبا برزةً"َّبُه ((صلَّى ركعتين آخذاً بقيادٍ فرسه، ثم انسَلَّ من يده،
فمضى الفرسُ على القبلة فتبِعَهُ حتى أخَذَ بقياده، ثمَّ رجَعَ ناكصاً على عقبيه حتى صلَّى الركعتين
الباقيتين))(٥)، قال "محمَّدٌ" في "السير الكبير"(٦): وبهذا نأخذُ، ثم ليس في هذا الحديثِ فصلٌ
٤٢١/١
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل ما يفسد الصلاة ١١٩/١.
(٢) الواو ليست في "و".
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يفسد الصلاة صـ ٤٥٠ -.
(٤) "الحلبة": فصل في مفسدات الصلاة ٢/ق ٢٢٧/ب وما بعدها.
(٥) أخرجه أحمد في "المسند" ٤٢٣/٤، والبخاريّ (١٢١١) كتاب العمل في الصلاة - باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة،
والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢٦٦/٢ كتاب الصلاة - باب من تقدم أو تأخر في صلاته من موضع إلى موضع. من
حديث الأزرق بن قيس۵﴾.
(٦) "السير الكبير": باب الشهيد وما يصنع به ٢٣٧/١-٢٣٨ (ضمن "شرح السير الكبير" للسَّرْخَسيّ).

قسم العبادات
٩٦
حاشية ابن عابدين
بين المشيِ القليل والكثير جهةَ القبلة، فمن المشايخِ مَن أخَذَ بظاهره ولم يقلْ بالفساد قلَّ أو كثُرَ
استحساناً، والقياسُ الفسادُ إذا كثُرَ، والحديثُ خَصَّ حالةَ العذرِ، فَيُعمَلُ بالقياس في غيرها،
وحكى الإِمامُ "السغديُّ" عن أستاذِهِ(١) الجوازَ فيما إذا مشى مستقبلاً وكان غازياً، وكذا الحاجُّ
وكلُّ مسافرٍ سفرُهُ عبادةٌ، وبعضُ المشايخ أوَّلوا الحديثَ ثم اختلفوا في تأويله، فقيل: [٢/ق ١٠ / أ]
تأويلُهُ إذا لم يجاوزِ الصفوفَ أو موضعَ سجوده، وإلاّ فسدت، وقيل: إذا لم يكن متلاحقاً، بل
خطوةً ثم خطوةً، فلو متلاحقً تفسُدُ وإِنْ لم يستدبر القبلةَ؛ لأَنَّه عملٌ كثيرٌ، وقيل: تأويلُهُ إذا مشى
مقدارَ ما بين الصفَّين كما قالوا فيمن رأى فرجةً في الصفِّ الأوَّلِ فمشى إليها فسَدَّها: فإنْ كان
هو في الصفِّ الثاني لم تفسد صلاته، وإنْ كان في الصفِّ الثالث فسدت)) اهـ ملخَّصاً.
ونصَّ في "الظهيريَّة"(٢) على: ((أَنَّ المختار أَنَّه إذا كُثُرَ تفسُدُ)).
هذا، وذكَرَ في "الحلبة"(٣) أيضاً في فصل المكروهات: ((أنَّ الذي تقتضيه القواعدُ المذهبيّة
المستندةُ إلى الأدَلَّة الشرعيَّة، ووقَعَ به التصريحُ في بعض الصور الجزئيَّة أنَّ المشي لا يخلو: إمَّا أنْ
يكون بلا عذرٍ أو بعذرٍ، فالأوَّلُ إنْ كان كثيراً متوالياً تفسد وإنْ لم يستدبر القبلةَ، وإنْ كان
كثيراً غيرَ متوالٍ بل تفرَّقَ في ركعاتٍ، أو كان قليلاً فإن استدبَرَها فسدت صلاته للمُنافي بلا
ضرورةٍ، وإلاَّ فلا وكُره؛ لِما عُرِفَ أنَّ ما أفسَدَ كثيرُهُ كُره قليله بلا ضرورةٍ، وإنْ كان بعذرِ فإِنْ
كان للطهارة عند سبقِ الحدث أو في صلاة الخوف لم يُفسِدْها، ولم يكره قلَّ أو كثُرَ، استدبَرَ
أوْ لا، وإنْ كان لغيرِ ما ذُكِرَ فإن استدبَرَ معه فسدت قلَّ أو كثُرَ، وإنْ لم يستدبر فإنْ قلَّ
لم يُفسِدْ ولم يكره، وإنْ كان كثيراً متلاحقاً أفسَدَ، وأمَّا غيرُ المتلاحق ففي كونه مفسداً أو
مكروهاً خلافٌ وتأمُّلٌ)) اهـ ملخَّصاً.
(١) لعله في شرحه "السير الكبير"، والله أعلم. ولم نهتد إلى معرفة أستاذه.
(٢) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثالث - الفصل الثاني فيما يفسد الصلاة ق٢٥/ب.
(٣) "الحلبة": ٢/ق ١٦٥/أ.