Indexed OCR Text
Pages 601-620
الجزء الثالث
٥٩٧
باب الإمامة
فصحَّ عکسُهُ، وبحالفٍ ومتنفّلٍ،
جاز اقتداءُ الحالف بالحالف وبالمتنقّل، وما وقَعَ في "المنح"(١) تبعاً لـ "البحر"(٢): ((من أنَّ الوجوب
فيها عارضٌ)) غيرُ صحيحٍ، ولذا أضرَبَ عنه "الشارح"، "رحمتي".
أقولُ: يؤيِّدُ هذا ما صرَّحوا به في كتاب الأيمان من أنَّ المحلوف عليه إنْ كان فرضاً وجَبَ
البُّ، أو معصيةً وجَبَ الحِنْثُ، أو غيرُهُ خيراً ترجَّحَ الحِنْثُ، وإِنْ تساويا ترجَّحَ البِرُّ، تأمَّل.
[٤٨٧٥] (قولُهُ: فصحَّ عكسُهُ) لأنَّ فيه بناءَ الضعيف على القويِّ، وهو جائزٌ، "ط) (٣).
[٤٨٧٦] (قولُهُ: بحالفٍ) عطفٌ على الناذِر الذي تضمََّهُ قوله: ((عكسُهُ))، والتقديرُ: فصحَّ
اقتداءُ حالفٍ بناذرِ وبحالفٍ، "ح"(٤). وصورةُ الحَلِفِ بها - كما في "الخلاصة"(٥) - ((أنْ يقول:
واللَّهِ لأَصلِّينَّ ركعتين))، "بحر"(٦). وإنما صحَّ اقتداءُ حالفٍ بحالفٍ لِما علمتَهُ من أَنَّها لا تخرُجُ
بالحلف عن كونها نافلةً، فكان اقتداءً متنقّلٍ بمثله، وعلَّلهُ في "شرح المنية"(٧) بقوله: ((لأنَّ الواجب
هو البِرُّ، فبقيت الصلاتان نفلاً في نفسهما)) اهـ، تأمَّل.
[٤٨٧٧] (قولُهُ: ويمتنقّلٍ) عطفٌ على قوله: ((بحالفٍ))، أي: صحَّ اقتداءُ الحالف بالمتنفّل؛ لأنَّ
(قولُهُ: وما وقَعَ في "المنح" تبعاً لـ "البحر" من أنَّ الوجوب فيها عارضٌ غيرُ صحيحٍ) لكن ما في
"البحر" موافقٌ لقول "الزيلعيِّ": ((ويجوزُ اقتداء الحالف بالحالف؛ لأنَّ وجوبها عارضٌ)) اهـ. والظاهرُ
قول "شرح المنية": ((لأنَّ الواجب هو البِرُّ إلخ)).
(١) "المنح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ١/ق ٤٥/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٣/١.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٥٠/١.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨١/ب.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر في الإمامة والاقتداء ق٣٧/ب.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٣/١.
(٧) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥١٧ ..
قسم العبادات
٥٩٨
حاشية ابن عابدين
ومُصلِّيا ركعتي طوافٍ كناذِرَين، ولو اشتَرَكا في نافلةٍ فأفسَدَاها صحَّ الاقتداءُ،
لا إِنْ أَفسَدَاها منفردين، ولو صَلَّيا الظهرَ ونَوَى كلٌّ إمامةَ الآخرِ صَحَّتْ، لا إنْ
نَوَيا الاقتداءَ،.
المحلوف عليها نفلٌ، "ح"(١). وقوله في "البحر"(٢): ((وقد يقال: إنّها واجبةٌ لتحقيق البرِّ، فينبغي أنْ
لا تجوز خلفَ المتنقّلِ)) اهـ علمتَ جوابه.
[٤٨٧٨] (قولُهُ: ومُصَلِيا) تتنيةُ مُصَلِّ، وهو مبتدأُ خبرُهُ قوله: ((كناذرَينٍ))، يعني: فلا يصحُّ
اقتداءُ أحدهما بالآخر لاختلاف السبب، فإنَّ طواف أحدِهما غيرُ طواف الآخر كما في
"البحر"(٢)، " ح"(٤). وما في "الخانيّة"(٥): ((من أنّه يصحُّ بمنزلةٍ اقتداء المتطوِّع بالمتطوِّع)) الظاهرُ أَنَّه
مبنيٌّ على القول بسنيَّةٍ [١/ق ٤٦٠ /أ] ركعتي الطواف، ويؤيِّدُهُ ما بحثه في "البحر"(٦) بقوله:
((وينبغي أنْ يصحَّ الاقتداءُ على القول بسنَّتَهما)).
[٤٨٧٩] (قولُهُ: صحَّ الاقتداءُ) أي: للاّحاد، فكان كنذرِ أحدِهما عينَ ما نذَرَهُ الآخر،
ح .
!! !! (٧)
[٤٨٨٠] (قولُهُ: لا إنْ أفسَدَاها منفردَينِ) لاختلافِ السبب كالناذرين.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨١/ب.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٣/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٣/١.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨١/ب.
(٥) عبارته في "الخانية": ((ولو أنَّ رجلين طاف كلُّ واحدٍ منهما أسبوعاً، فاقتدى أحدهما بالآخر في ركعتي الطواف
لا يصحُّ اقتداؤُه، بمنزلة اقتداء الناذر بالناذر)) فظهر أنَّ كلامَ "الخانية" موافق للمذهب، ولا حاجة إلى توجيهه.
كتاب الصلاة - فصل فيمن يصح الاقتداء به وفيمن لا يصح ٨٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية")، وما نقله
ابنُ عابدين عن "الخانية" ((يَصِحُّ بمنزلة اقتداء المتطوِّع بالمنطوِّع)) إنّما هو لمسألة أخرى ونصُّها: ((ولو حَلَفَ
رجلان كلُّ واحد منهما أن يُصلّيَ ركعَتَيْن فاقتدى أحدُهما بالآخر صحَّ بمنزلة اقتداء المتطوِّع بالمتطوّع)) فلُتأمّل.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٣/١.
(٧) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨١/ب.
الجزء الثالث
٥٩٩
باب الإمامة
والفرقُ لا يخفى.
(و) لا (لاحقٍ و) لا (مسبوقٍ مثلِهما) لِما تقرَّرَ أنَّ الاقتداءَ في موضع الانفراد
11
مُفسِدٌ كعكسِهِ (و) لا (مسافرِ بمقيمٍ بعدَ الوقت فيما يتغيَّرُ بالسَّفَر) كالظُّهرِ، سواءٌ
أحرَمَ المقيمُ بعد الوقت أو فيه.
[٤٨٨١] (قولُهُ: والفرقُ لا يخفى) هو أنَّ الإمام منفردٌ في حقِّ نفسه، ولا يصيرُ إماماً إلاَّ
باقتداء غيره به، فَبَقِيا منفردين، وأمَّا المقتدي فلا تصحُّ صلاته إلاَّ بنِيَّةِ الاقتداء، والاقتداءُ لا يصحُ
بمَن نوی بناءَ صلاته على غيره.
[٤٨٨٢] (قولُهُ: يمثلِهما) وكذا لا حقٌّ بمسبوقٍ وعكسُهُ، "ح"(١).
(٤٨٨٣] (قولُهُ: الاقتداءَ في موضعِ الانفرادِ) هذا يجري في اقتداءِ المسبوق بمسبوقٍ أو لاحقٍ،
وقولُهُ: ((كعكسه)) يعني: الانفرادُ في موضع الاقتداء يجري في اقتداء اللاحق بلاحقٍ أو مسبوق،
٠
فإِنَّ اللاحق إذا قصَدَ الاقتداء بغيرِ إمامِهِ فكأنّه انفرَدَ أوَّلاً عن إمامه ثمَّ اقتدى، فصحَّ أَنَّه انفرَدَ في
موضع الاقتداء، "ح"(٢).
[٤٨٨٤] (قولُهُ: ولا مسافرٍ بمقيمٍ إلخ) أي: ولا يصحُّ اقتداءُ مسافرٍ بقيمٍ إلخ، وبيانُ ذلك أنَّ
صلاة المسافر قابلةٌ للإتمام ما دام الوقتُ باقياً، بأنْ ينويَ الإقامة، أو بأنْ يقتديَ بمقيمٍ، فيصيرُ تبعاً
الإمامه، ويُتِمُّ لبقاء السبب وهو الوقت، أمَّا إذا خرَجَ الوقت فقد تقرَّرَتْ في ذمَّتِهِ ركعتين، فلا يمكنُ
إتمامها بإقامةٍ أو غيرها، حتى إنَّه يقضيها في بلدِهِ ركعتين، فإذا اقتدى بعد الوقت مقيمٍ أحرَمَ بعد
الوقت أو فيه لا يصحُّ لِما قلنا ولِما يأتي(٣)، بخلاف ما إذا اقتدى به في الوقت فَإِنَّه يُنتُمُّ لِما قلنا.
[٤٨٨٥] (قولُهُ: فيما يتغيّرُ بالسَّفْر) احترازٌ عن الفجر والمغرب، فإِنّه يصحُّ في الوقت وبعدَه
لعدم تغُرِهِ.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨١/ب.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨١/ب بتوضيح من ابن عابدين رحمه الله.
(٣) صـ ٦٠٠ - "در".
قسم العبادات
٦٠٠
حاشية ابن عابدين
فخرَجَ، فاقتَدَى المسافرُ (بل) إِنْ أحرَمَ (في الوقت) فخرَجَ صحَّ (وأَتَمَّ) تبعاً لإمامِهِ،
أمَّا بعدَ الوقتِ فلا يتغيَّرُ فرضُهُ، فيكونُ اقتداءً متنفِّلِ في حقِّ قعدةٍ أو قراءةٍ باقتدائه
في شفعٍ أوَّلَ أو ثانٍ ...
[٤٨٨٦] (قولُهُ: فخرَجَ) معطوفٌ على قوله: ((أو فيه))؛ لأنَّ ((أو)) العاطفةَ قائمةٌ مَقامَ
٣٩٠/١ العامل وهو ((أحرَمَ))، وقولُهُ: ((فاقتدى)) معطوفٌ على ((أحرَمَ)).
[٤٨٨٧] (قولُهُ: بل إنْ أحرَمٌ) أي: المسافرُ المقتدي بالمقيم، وعَبَّرَ بـ ((أحرَمَ)) بدلَ اقتدى لينِّهَ
على أنَّ مجرَّد إدراكِ التحريمة في الوقت كافٍ في صحَّةِ الاقتداء ولزومٍ الإتمام، فافهم.
[٤٨٨٨] (قولُهُ: فيكونُ) تفريعٌ على عدم التغيُّر، "ح"(١).
[٤٨٨٩] (قولُهُ: باقتدائِهِ) الباءُ [١ /ق ٤٦٠ /ب] للتصوير.
[٤٨٩٠] (قولُهُ: في شفعٍ أوَّلَ أو ثانٍ) نشرٌ مرتَّبٌ، أي: أنّه إذا اقتدى بالمقيم في الشفع الأوَّلِ
يكونُ اقتداءً مفترضٍ بمتنقّلٍ في حقِّ القعدة الأُولى، فإنّها فرضٌ على المسافر - لأَنَّها آخرُ صلاته-
نفلٌ في حقِّ المقيم؛ لأَنَّهَا أُولى في حقّه، وأطلقوا النفلَ هنا على ما ليس بفرضٍ - وهو الواجبُ - لأنَّ
النقل الزيادةُ، والواجبُ زائدٌ على الفرض، وإذا اقتدى به في الشفعِ الثاني يكونُ اقتداءَ مفترضٍ
يمتنقّلٍ أيضاً في حقِّ القراءة؛ لأنّها فرضٌ بالنسبة إلى صلاة المسافر نفلٌ للمقيم، سواءٌ قرأ المقيمُ في
الأوليين - وهو ظاهرٌ - أو في الأخريين فقط؛ لأنَّ محلّها الأوليان، فتلتحِقُ بهما، فتخلو الأخريان
عنها حكماً، ولا يَرِدُ اقتداءُ المتنقّل بالمفترض لِما في "النهاية": ((من أَنّها أخذَتْ حكمَ الفرض تبعاً
لصلاة الإمام، ولذا لو أفسَدَها بعد الاقتداء يقضيها أربعاً)).
( تنبيهٌ )
يُؤْخَذُ من هذا أنَّه لو اقتدى مقيمون بمسافرِ وأَتَّمَّ بهم بلا نَّةِ إقامةٍ وتابعُوه فسَدَتْ صلاتهم
لكونه متنفّلاً في الأخريين، نبّهَ على ذلك العلاَّمة "الشرنبلاليُّ" في "رسالته" في المسائل الاثني
عشريَّةٍ(٢)، وذكَرَ: ((أَنّها وقعتْ له ولم يَرَها في كتابٍ)).
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨١/ب.
(٢) المسمّاة: "المسائل البهيّة الزّكيّة على الاثني عشرية".
الجزء الثالث
٦٠١
باب الإمامة
(و) لا (نازلِ براكبٍ) ولا راكبٍ براكبِ دَّةٍ أخرى، فلو معه صحَّ (و) لا (غيرِ
الألتغِ به) أي: بالألثغِ.
قلت: وقد نقَلَها "الرمليُّ" في باب المسافر عن "الظهيريَّة"، وسنذكرُّها هناك أيضاً(١).
[٤٨٩١] (قولُهُ: ولا نازلٍ براكبٍ إلخ) وكذا عكسُهُ، والعلّة في هذه المسائل اختلافُ
المكان، وإنما صحَّ لو كان معه على دابَّةٍ واحدةٍ لاَّحاده كما في "الإمداد"(٢)، وأيضاً ففي
اقتداء النازل بالراكب مانعٌ آخرُ، وهو كونُهُ اقتداءَ مَنْ يركعُ ويسجد بمن يُومي بهما، إلّ
إذا كان النازلُ مُومياً أيضاً.
ثُمَّ إِنَّ هذا دليلٌ على أنَّ اختلاف المكان مانعٌ من الاقتداء وإِنْ لم يكن فيه اشتباهُ حالِ الإِمام؛
لأَنَّ الاشتباه إنما يُعتَبرُ في الحائل لا في اختلافِ المكان كما سيأتي(٣) تحقيقُهُ بعون الله تعالى، فافهم.
مطلبٌ في الألثغِ
[٤٨٩٢] (قولُهُ: ولا غيرِ الألتغِ به) هو بالتاء المثلّة بعد اللام، من اللَّخ بالتحريك، قال في
"المغرب"(٤): ((هو الذي يتحوَّلُ لسانُهُ من السِّين إلى الثاء، وقيل: من الراء إلى الغين أواللام
أوالياء))، زاد في "القاموس"(٥): ((أو من حرفٍ إلى حرفٍ)).
(قولُهُ: على أنَّ اختلاف المكان مانعٌ من الاقتداء) سيذكرُ فيما يأتي قريباً عن "الخانَّة" و"البحر"
وغيرهما: ((قومٌ على ظَهْرِ ظلَّةٍ في المسجد وبحذائهم مِن تحتِهم نساءٌ أجزأتهم صلاتُهم لعدم اتّحاد المكان))
إلى آخر ما يأتي، فقد صحَّت صلاتهم، ولم يمنع صحَّةً الاقتداء اختلافُ مكانهم عن مكان الإمام
ولا المحاذاةُ أيضاً لعدمه.
(١) المقولة [٦٦٢٥] قوله: ((لم يصر مقيماً)).
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ١٦٣/ب.
(٣) المقولة [٤٩٠٩] قوله: ((بلا حائل)).
(٤) "المغرب": مادة ((لثغ)).
(٥) "القاموس": مادة ((لثغ)).
قسم العبادات
٦٠٢
حاشية ابن عابدين
(على الأصحِّ) كما في "البحر"(١) عن "المجتبى"، وحرَّرَ "الحلبيُّ" و"ابن
الشحنة"(٢): ((أَنَّه بعدَ بذلِ جُهدِهِ دائماً.
(٤٨٩٣] (قولُهُ: على الأصحّ) أي: خلافاً لِما في [١/ق ٤٦١/أ] "الخلاصة"(٣) عن "الفضليّ":
((من أَنَّها جائزةٌ؛ لأنَّ ما يقولُهُ صار لغةً))، ومثلُهُ في "التاتر خانَّةً"(٤)، وفي "الظهيريَّةِ"(٥): ((وإمامةٌ
الألتغ لغيره تجوزُ، وقيل: لا))، ونحوُهُ في "الخانَّةُ"(٦) عن "الفضليِّ"، وظاهرُه اعتمادُهم الصحَّةَ،
وكذا اعتمَدَها صاحبُ "الحلبة"(٧)، قال: ((لِما أطلقَهُ غيرُ واحدٍ من المشايخ من أنَّه ينبغي له أنْ
لا يؤمَّ غيره، ولِما في "خزانة الأكمل": وتكرهُ إمامةُ الفأفاء)) اهـ.
ولكنَّ الأحوط عدمُ الصحَّة كما مشى عليه "المصنّف"، ونظَمَهُ في منظومته "تحفة الأقران"،
وأُفَتَى به "الخير الرمليُّ"، وقال في "فتاواه"(٨): ((الراجحُ المفتى به عدمُ صحَّةٍ إمامة الألتغِ لغيره ممن
ليس به لُثْغَةٌ))، وأجابَ عنه بأبياتٍ منها قوله :
تجوزُ عند البعضِ من أكابِ
إمامةُ الألتخِ للمغايِرِ
لِما لغيرهِ من الصوابِ
وقد أباه أكثرُ الأصحابِ
وقال أيضاً:
فاسدةٌ فِي الرَّاجحِ الصحيحِ
إمامةُ الألتخ للفصيحِ
[٤٨٩٤] (قولُهُ: دائماً) أي: في آناء الليل وأطراف النهار، فما دام في التصحيح والتعلُّم
ولم يقدِرْ عليه فصلاتُهُ جائزةٌ، وإِنْ ترك جُهدَه فصلاتُهُ فاسدةٌ كما في "المحيط" (٩) وغيره،
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٩/١.
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الصلاة ق٣٨/أ.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر في الإمامة والاقتداء ق٣٧/ب.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السادس في بيان من هو أحقُّ بالإمامة ٦٠٩/١.
(٥) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثاني - الفصل الرابع فيمن يصحُّ الاقتداء به وما يتعلق بالإمامة ق ٢٠/ب.
(٦) "الخانية": كتاب الصلاة - إمامة الألثغ لغير الألثغ ٩٠/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "الحلبة": فصل في زَلَّة القارئ ٢/ق ٢٥٣/أ.
(٨) "الفتاوى الخيرية": كتاب الصلاة ١٠/١.
(٩) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة ١/ق ٥١/أ باختصار.
الجزء الثالث
٦٠٣
باب الإمامة
حتماً كالأَمِّيِّ ))، فلا يؤمُّ إلاَّ مثلَهُ، ولا تصحُّ صلاتُهُ إذا أمكنَهُ الاقتداءُ بمَن
يُحسِنُهُ، أو ترَكَ جُهدَهُ،.
قال في "الذخيرة": ((وإنّه مشكلٌ عندي؛ لأنَّ ما كان خلقةً فالعبدُ لا يقدِرُ على تغييره)) اهـ.
وتمامُهُ في "شرح المنية"(١).
[٤٨٩٥] (قولُهُ: حتماً) أي: بذلاً حتماً، فهو مفروضٌ عليه، "ط)" (٢).
[٤٨٩٦] (قولُهُ: فلا يؤمُّ إلاَّ مثلَهُ) يحتملُ أنْ يرادَ المتليّةُ في مطلق اللَّغِ، فيصحُّ اقتداءُ مَنْ يُبْدِلُ
الراءَ المهملة غيناً معجمةً بمن يُبدِلُها لاماً، وأنْ يرادَ مثليَّةٌ في خصوص اللََّغِ، فلا يقتدي مَنْ يُبدِلُها
غيناً إلاَّ بمن يُبدِلُها غيناً، وهذا هو الظاهرُ كاختلاف العذر، فليراجع، "ح"(٣).
[٤٨٩٧] (قولُهُ: إذا أمكنَهُ الاقتداءُ بمن يُحسِنُهُ) أي: يُحسِنُ ما يَلَغُ هو به أو يُحسِنُ القرآنَ،
وهذا مبنيٌّ على أنَّ الأَمِّيِّ إذا أمكنَهُ الاقتداءُ يلزمُهُ - وفيه كلامٌ ستعرفه(٤) - وعلى ما إذا ترَكَ
جُهده؛ لِما علمتَ من أَنَّه ما دام في التصحيح ولم يقدِرْ عليه فصلاُهُ جائزةٌ، وإنْ ترك جُهده
فصلانُهُ فاسدةٌ، ولا بدَّ أيضاً من تقييده بما إذا لم يقدِرْ على قراءة قدْرِ الفرض مما لا لَشَغ فيه، فإنْ
قدَرَ عليه وقرأه لا يلزمُهُ الاقتداءُ ولا بذلُ الجُهد كما لا يخفى.
[٤٨٩٨] (قولُهُ: أو ترَكَ جُهدَهُ) أي: وصلَّى غيرَ مؤتَمّ، ولم يقدِرْ على قراءة المفروض
(قولُهُ: وإنَّه مشكلٌ عندي؛ لأنَّ ما كان إلخ) قد يُدفَعُ الإشكالُ بأنَّ المقصود من بذلِ الجهد إلخ
ظهورُ أنَّه خلقةٌ، وقبله يحتملُ أَنَّه خلقةٌ وأَنَّه غيرُها، فلا بدَّ له، تأمَّل.
(قولُهُ: وعلى ما إذا ترَكَ جهدَهُ) لعلَّ الواو بمعنى أو؛ لأنَّ كلامه مبنيٌّ على أحدِ الشيئين لا عليهما،
فإنَّه متى بنى على أنَّ الأَمِّيَّ إذا أمكنه الاقتداءُ إلخ لا يحتاجُ لبنائه على الثاني، بل يكون الكلامُ أَعمَّ من
أن يترك الجهدَ أوْ لا، تأمَّل.
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في زلَّة القارئ صـ٤٨٢ - بتصرف يسير.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٥١/١.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨١/ب.
(٤) المقولة [٤٩٧٣] قوله: ((وصحت إلخ)).
قسم العبادات
٦٠٤
حاشية ابن عابدين
أو وجَدَ قَدْرَ الفرضِ مما لا لَغَ فيه، هذا هو الصحيحُ المختارُ في حكم الألثغ، وكذا
مَن لا يقدِرُ على التلفّظِ بحرفٍ من الحروف، أوْ لا يقدِرُ على إخراجِ الفاء إلاَّ بتكرارِ.
(و) اعلمْ أنَّه (إذا فسَدَ الاقتداءُ) بأيِّ وجهٍ كان (لا يصحُّ شروعُهُ ..
[١/ق ٤٦١/ب] مما لا لَثَغْ فيه، أمَّا لو اقتدى أو قرأ ما لا لَثَغ فيه فإنَّها تصحُّ وإِنْ تَرَكَ جُهده.
[٤٨٩٩] (قولُهُ: أو وجَدَ قدْرَ الفرض إلخ) أي: وصلَّى غيرَ مؤتَمٍّ ولم يقرأه، وإلاَّ صحَّتْ،
وفي "الولو الحيّة"(١): ((إنْ كان يمكنُهُ أنْ يَتَّخِذَ من القرآن آياتٍ ليس فيها تلك الحروفُ يَتَّخِذُ إلاَّ
٣٩١/١ فاتحة الكتاب، فإنَّه لا يدعُ قراءتها في الصلاة)) اهـ.
[٤٩٠٠) (قولُهُ: وكذا مَنْ لا يقدِرُ على التلفُّظِ بحرفٍ من الحروف) عطَفَهُ على ما قبله بناءً
على أنَّ اللَّغ خاصٌّ بالسين والراء كما يُعلَمُ مما مرَّ(٢) عن "المغرب"، وذلك كالرهمنِ الرهيم،
والشيتان الرجيم، والآلمين، وإياك نأَبُدُ، وإياك نستتين، السِّراتَ، أَنأَمْتَ، فكلُّ ذلك حكمُهُ ما مرَّ( ٣)
من بذلِ الجهد دائماً، وإلاّ فلا تصحُّ الصلاة به.
مطلبٌ: إذا كانت اللُّثغةُ يسيرةً
( تتمَّةٌ )
سُئل "الخير الرمليُّ" عمَّا إذا كانت اللُّثغةُ يسيرةً، فأجاب(٤): ((بأَنَّه لم يَرَها لأَئِمَّتنا، وصرَّحَ
بها الشافعيّة بأنَّه لو كانت يسيرةً - بأنْ يأتيَ بالحرف غيرَ صافٍ - لم تُؤثِّرْ))، قال: ((وقواعدُنا
لا تأباه)) اهـ.
ويمثلِهِ أفتى تلميذُ "الشارح" المرحومُ الشيخ "إسماعيلُ الحائك"(٥) مفتي دمشق الشام.
[٤٩٠١] (قولُهُ: بأيِّ وجهٍ كان) أي: سواءٌ كان لفَقْدِ أهليّة الإِمام للإمامة كالمرأة والصبيِّ،
(١) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل الثامن في الأذان وقراءة القرآن ق٩/أ.
(٢) المقولة [٤٨٩٢] قوله: ((ولا غير الألثغ به)) ..
(٣) صـ ٦٠٢ - "در".
(٤) "الفتاوى الخيرية": كتاب الصلاة ١٠/١ باختصار.
(٥) أبو سعد إسماعيل بن علي بن رجب المعروف بالحايك العيني الدمشقي (ت١١١٣هـ). ("سلك الدرر" ٢٥٦/١،
"هدية العارفين" ٢١٩/١، "منتخبات التواريخ لدمشق" ٦١٨/٢).
الجزء الثالث
٦٠٥
باب الإمامة
في صلاة نفسِهِ) لأنّه قصَدَ المشاركةَ، وهي غيرُ صلاةِ الانفرادِ (على ) الصحيحِ،
"محيط". وادَّعَى في "البحر": أنَّه (المذهبُ) قال "المصنّف" (١): ((لكنَّ كلام
"الخلاصة" يفيدُ أنَّ هذا قولُ "محمَّدٍ" خاصَّةً)).
قلتُ: وقد ادَّعَى فيما مرَّ بعد تصحيحِ "السِّراج"(٢) بخلافه: (( أنَّ المذهب انقِلابُها ..
أو لفَقْدِ شرطٍ فيه بالنسبة إلى المقتدي كالمعذور والعاري، أو لفَقْدٍ ركنٍ فيه كذلك كالمومي
والأمِّيِّ، أو لاختلافِ الصلاتين كالمنفّل بالمفترض ونحو ذلك من المسائل المارَّة.
[٤٩٠٢] (قولُهُ: في صلاةِ نفسِهِ) أي: في صلاةٍ مستقلٍّ بها في حقِّ نفسه، غيرِ تابعٍ فيها
للإمام لا فرضاً ولا نفلاً كما يدلُّ عليه تفصيلُ "الزيلعيِّ)(٣) كما أفاده "ح"(٤)، وكذا يدلُّ عليه
تعليلُ "الشارح"، وحكايتُهُ للقول بانقلابها نفلاً.
[٤٩٠٣] (قولُهُ: وهي غيرُ صلاةِ الانفرادِ) لأنَّ لها أحكاماً غيرَ أحكامِ التي قصَدَها، وحاصلُهُ
أَنَّه إذا لم يصحّ شروعُهُ فیما نوى لا يصحُّ في غيره.
[٤٩٠٤] (قولُهُ: وادَّعَى في "البحر "(٥) أنَّه المذهبُ) أي: ما صحَّحَهُ في "المحيط"، ومشى عليه
"المصنّف" في متنه.
[٤٩٠٥] (قولُهُ: لكنَّ كلام "الخلاصة"(٦) إلخ) عبارةُ "الخلاصة": ((وفي كلِّ موضعٍ لا يصحُّ
الاقتداءُ هل يصيرُ شارعاً في صلاة نفسِهِ؟ عند "محمَّدٍ" لا، وعندهما يصيرُ شارعاً)) اهـ.
[٤٩٠٦] (قولُهُ: قلت: وقد ادَّعَى) أي: صاحبُ "البحر"، ((فيما مرَّ))(٧) أي: في مسألة
(قولُهُ: كالمتنفّل بالمفترض) لعلَّ الأَولى القلبُ.
(١) "المنح": كتاب الصلاة - باب بيان أحكام الإمامة ق٤٥ /ب.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة ١/ق١٩٦/أ.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإمامة والحدث في الصلاة ١٤٢/١.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٢/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٤/١.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر في الإمامة والاقتداء ق٣٧/ب.
(٧) المقولة [٤٨٢١] قوله: ((على الصحيح)).
قسم العبادات
٦٠٦
حاشية ابن عابدين
نفلاً))، فتأمَّل. وحينئذٍ فالأشبهُ ما في "الزيلعيِّ": ((أَنَّه متى فسَدَ لفَقْدِ شرطٍ كطاهرٍ
بمعذورٍ لم تَنَعقِدْ أصلاً، وإنْ لاختلافِ الصلاتين تنعقدُ نفلاً غيرَ مضمون، وثمرتُهُ
الانتقاضُ بالقهقهةِ)).
(ويَنَعُ من الاقتداءِ).
المحاذاة عند قول [١/ق٤٦٢ /أ] المتن: ((في صلاةٍ))، وقولُهُ: ((بعدَ تصحيحِ "السِّراج" بخلافه))
أي: خلافٍ ما ادَّعَى في "البحر" هنا أنّه المذهبُ، والأولى حذفُ الباء أو إبدالُها بلامِ التقوية؛ لأَنَّه
مفعولُ ((تصحيحٍ))، وقولُهُ: ((أنَّ المذهب)) مفعولُ ((ادَّعى)).
والحاصلُ: أَنَّ صاحب "البحر" نقَلَ فيما مرَّ(١) عن "السِّراج": ((أَنَّه لو اقتدتْ به المرأةُ في
الظُّهر وهو يصلّي العصر وحاذته بطلتْ صلاتُهُ على الصحيح))، وقال: ((لأنَّ اقتداءها وإنْ
لم يصحَّ فرضاً يصحُّ نفلاً على المذهب، فكان بناءَ النفل على الفرض)) اهـ.
وهو صريحٌ في أنَّه إذا فسَدَ الاقتداءُ بالفرض لم يَفسُد الشروعُ، بل بقِيَ الاقتداءُ بالنفل، وإلاّ
لم تفسدْ صلاته بمحاذاتها له، وتصريحُهُ بأنَّ هذا هو المذهبُ مناقضٌ لِما ادَّعاه: ((من أنَّ المذهب ما
في "المحيط" من عدم صحَّة الشروع)).
[٤٩٠٧] (قولُهُ: وحينئذٍ فالأشبهُ إلخ) أي: حينَ إذ(٢) اختلَفَ كلام "البحر" في نقلٍ ما
هو المذهبُ، ولا يمكنُ إهمال أحدِ النقلين فالأشبهُ بالقواعد ما في "الزيلعيِّ"(٣) مما يناسبُ
كلاَّ منهما، ويحصل به التوفيقُ بينهما بحملٍ ما صحَّحَهُ في "المحيط" من عدم صحَّةِ الشروع
أصلاً على ما إذا كان فسادُ الاقتداء لفَقْدٍ شرطٍ - أي: أو نحوِهِ مما يلزمُ به فساد صلاة
المقتدي - وبحملِ ما صحَّحَهُ في "السِّراج" من صحَّةِ الاقتداء بالنفل وفسادِ الوصف - أعني:
(١) صـ ٥٧٦ - "در".
(٢) في "آ" و"م": ((إذا)).
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإمامة والحدث في الصلاة ١٤٢/١.
الجزء الثالث
٦٠٧
باب الإمامة
الفرضيَّة فقط - على ما إذا كان لاختلافِ الصلاتين، فلو قهقَهَ في صلاته هذه لا ينتقضُ
وضوءُه في الوجهِ الأوَّل، وينتقضُ في الثاني.
ثم اعلم أنَّ ما ادَّعَى "الشارح"(١) أنَّه الأشبهُ قد ردّهُ في "البحر "(٢) حيث قال: ((ويردُّ هذا
التفصيلَ ما ذكره "الحاكم" في "كافيه": من أنَّ المرأة إذا نَوَت العصرَ خلف مصلِّي الظهر لم تَجُزْ
صلاتها، ولم تُفسِدْ على الإمام صلاَهُ انتهى. فهو صريحٌ في عدم صحَّةٍ شروعها لاختلافِ الصلاتين،
وقال - أي: "الحاكمُ" - في موضعٍ آخرَ: رجلٌ قارئٌّ دخَلَ في صلاة أمِّيٍّ تطوُّعاً، أو في صلاة امرأةٍ،
أو جُنُبٍ، أو على غيرِ وضوءٍ ثم أفسدها فليس عليه قضاؤها؛ لأَنَّه لم يدخلْ في صلاةٍ تَامَّةٍ انتهى.
مطلبٌ: "الكافي" لـ "الحاكم" جمَعُ كلامِ "محمَّدٍ" في كتبه التي هي ظاهرُ الرِّواية
فعُلِمَ بهذا أنَّ [١/ق٤٦٢/ب] المذهب تصحيحُ "المحيط" من عدم صحَّةِ الشروع؛ لأنَّ
"الكافِيَ" جَمْعُ كلامِ "محمَّدٍ" في كتبه التي هي ظاهرُ الرواية)) اهـ كلامُ "البحر".
أقولُ: نعمْ ظاهرُ الفرع الأوَّلِ مؤيِّدٌ لِما في "المحيط"، ومخالفٌ لِما مرَّ(٢) عن "السِّراج"، وأمَّا
الفرعُ الثاني فلا، بل الأمرُ فيه بالعكس؛ لأنَّ قوله: ((ثم أفسَدَها)) صريحٌ في صحَّة الشروع،
وقوله: ((لأَنَّه لم يدخلْ في صلاةٍ تامَّةٍ)) مؤيِّدٌ لذلك؛ لأَنّه يفيدُ دخولَهُ في صلاةٍ ناقصةٍ، أي: في
نقلٍ غيرِ مضمونٍ، ولذا قال(٤): ((ليس عليه قضاؤها))، وفي هذا الفرعِ ردٌّ على ما فصَّلَهُ
"الزيلعيُّ) (٥)؛ لأنَّ الفساد فيه لفَقْدِ شرطٍ مع أَنَّه صحَّ شروعُهُ كما علمتَ، ثم رأيتُ "الرحمتيّ"
ذكَرَ نحوَ ما ذكرته، وللَّهِ الحمد.
والحاصلُ: أنَّ في المسألة روايتين: إحداهما صحَّةُ الشروع في صلاة نفسه، وعليها ما في
"السِّراج" والفرعُ الثاني من فرعَي "الكافي"، والثانيةُ عدمُ الصحّة أصلاً، وعليها ما في "المحيط"
(١) أي: الحصكفي موافقاً فيه الزيلعي.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٤/١.
(٣) صـ ٥٧٦ - "در".
(٤) أي: الحاكم كما سبق.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإمامة والحدث في الصلاة ١٣٧/١.
حاشية ابن عابدين
٦٠٨
قسم العبادات
صفٌّ من النساء بلا حائلٍ قدْرَ ذراعٍ، أو ارتفاعُهنَّ قَدْرَ قامةِ الرَّجُل، "مفتاح السعادة" ..
والفرعُ الأوَّلُ، وهي الأصحُّ كما في "القُهُستانيِّ"(١) عن "المضمرات"، وذكَرَ في "النهر"(٢): ((أنَّ
ما في "السِّراج" جزَمَ به غيرُ واحدٍ)).
[٤٩٠٨] (قولُهُ: صفٌّ من النّساء) المرادُ به ما زادَ على ثلاثِ نسوةٍ، فإِنَّه يمنعُ اقتداءً جميع مَن
خلفه، وإلاَّ ففيه تفصيلٌ بدليلٍ ما قدَّمنا(٣) حاصلَهُ عن "البحر"، وهو ما اتّفقوا على نقله عن
أصحابنا من أنَّ المرأة الواحدة تُفسِدُ صلاةَ رجلين من جانبيها ورجلٍ خلفها، والثنتين صلاةً اثنين
من جانبيهما واثنين خلفَهما، والثلاثَ صلاةَ اثنين من جانبيهنَّ وصلاةَ ثلاثةٍ ثلاثةٍ من خلفهنَّ إلى
/٣٩٢ آخر الصفوف، ولو كان صفٌّ من النساء بين الرجال والإمام لا يصحُّ اقتداءُ الرجال بالإِمام،
ويُجعَلُ حائلاً.
[٤٩٠٩] (قولُهُ: بلا حائلٍ) قيدٌ للمنعِ، وقوله: ((أو ارتفاعِهِنَّ)) بالجرِّ عطفٌ على ((حائلٍ))،
وعبارة "مفتاح السعادة": ((وفي "الينابيع": ولو كان صفُّ الرجال على الحائط وصَفُّ النساءِ
أمامَهنَّ، أو كان صفُّ النساء على الحائط وصَفُّ الرجالِ خلفهنَّ إنْ كان الحائطُ مقدارَ قامةٍ
الرجل جازتْ صلاتُهم، وإنْ كان أقلَّ فلا، وإنْ كان صفٌّ تأمٌّ من النساء، وليس بين الصفّين
حائلٌ تفسُدُ صلاةُ مَنْ خلفَهنَّ ولو عشرين صفّاً، ولو كان بينهنَّ وبين الرجال فاصلٌ لا تفسُدُ
صلاتُهم، وذلك الحائلُ مقدارُ مؤخّرِ الرَّحْلِ، أو مقدارُ خشبةٍ منصوبةٍ، أو حائطٍ قَدْرَ ذراعٍ)) اهـ.
وحاصلُهُ: أَنَّه إذا كان صفُّ النساء أمامَ صفِّ الرجال يَمنَعُ إلَّ إذا كان أحدُ الصفّين على
حائطٍ مرتفعٍ قَدْرَ قامةٍ، أو كان بينهما حائلٌ مقدارَ مؤخْرِ رَحْلِ البعير أو خشبةٍ منصوبٍ أو حائطٍ
(قولُهُ: فإنَّه يمنعُ اقتداء جميعٍ مَن خلفه إلخ) تقدَّمَ عن "النهر": (( أنَّ اشتراط المحاذاة للفساد ليس خاصّاً
بتقدُّم المرأة الواحدة، بل الصفُّ من النساء كذلك، أي: فحيث لم يُحاذِهِنَّ صفوفُ الرجال فلا فسادَ)) اهـ.
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل يجهر الإمام ١١٠/١.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٦/ب.
(٣) المقولة [٤٨١٩] قوله: ((أو فرجة تسع رجلاً)).
الجزء الثالث
٦٠٩
باب الإمامة
قَدْرَ ذراعٍ(١)، وهذا مخالفٌ لِما في "الخانَّة(٢) و"البحر"(٣) وغيرهما، وهو: ((قومٌ صلَّوا على ظَهر
ظُلَّةٍ في المسجد وبحذائهم مِن تحتهم نساءٌ أجزأتْهم صلاتُهم لعدمٍ اتّحاد المكان، بخلاف ما إذا كان
قُدَّامَهم نساءٌ فإنَّها فاسدةٌ؛ لأَنَّه تخلَّلَ بينهم وبين الإمام صفٌّ من النساء، وهو [١/ق٤٦٣ /أ] مانعٌ
من الاقتداء)) اهـ.
وفي "الولوالحيَّةُ"(٤): ((قومٌ صلَّوا على ظَهرِ ظُلَّةِ المسجد وتحتَهم قُدَّامَهم نساءٌ لا تُجزيهم
صلاُهم؛ لأَنَّه تخلَّلَ صفٌّ من النساء فمنَعَ اقتداءِهم، وكذا الطريقُ)) اهـ
فهذا بإطلاقه صريحٌ بأنَّ الارتفاع غيرُ معتبرٍ في صفِّ النساء، وفي "المعراج" عن "المبسوط"(٥).
((فإنْ كان صفٌّ تأمٌّ من النساء، ووراءَهن صفوفُ الرجال فسدتْ تلك الصفوف كلُّها استحساناً،
والقياسُ أنْ لا تفسدَ إلاَّ صلاةُ صفٍ واحدٍ، ولكن استُحسِنَ لحديث "عمر" مرفوعاً وموقوفاً
عليه: (مَنْ كان بينه وبين الإِمام نهرٌ أو طريقٌ أو صفٌّ من النساء فلا صلاةَ له) (٦)) اهـ.
فهذا صريحٌ في أنَّ الحائل غيرُ معتبَرِ في صفِّ النساء، وإلاَّ لفسدتْ صلاةُ الصفِّ الأَوَّلِ
(قولُهُ: فهذا صريحٌ في أنَّ الحائل غيرُ معتبرٍ إلخ) هو صريحٌ في أنَّ الصفَّ الأوَّل من الرجال لا يُعَدُّ
حائلاً، ولا يمكن أن يقال: غيرُهُ من الحوائل مثلُهُ لنقل أهل المذهب أنَّ الحائل يمنعُ الفساد كعبارة "مفتاح
السعادة" وما نقله "ط" عن "أبي السعود" في أوَّل مسألة المحاذاة بقوله: ((ولو كان وراءَهنَّ حائطٌ خلفَهُ
صفوفٌ لا تفسُدُ صلاتُهم على الأصحِّ، ولو كان وراءَهنَّ صفٍّ من الرجال ثمَّ الحائطُ ثمَّ الصفوفُ
فسدت صلاة الكلِّ)) اهـ. وحينئذٍ يُقيَّدُ إطلاق ما في "الخانَيَّة" وغيرها بما في "مفتاح السِّعادة".
(١) من ((وعبارة "مفتاح السعادة")) إلى ((أو حائط قدر ذراع)) ساقط من "الأصل" و"آ".
(٢) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيمن يصحُّ الاقتداء به وفيمن لا يصحُّ ٩٥/١ بتصرف. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٨/١ نقلاً عن "النوازل".
(٤) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل العاشر في المريض والإمام والمأموم إلخ ق ١٥/أ.
(٥) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الحدث في الصلاة ١٨٤/١ باختصار.
(٦) لم نعثر على تخريجه بهذا اللفظ فيما بين أيدينا من المصادر.
قسم العبادات
٦١٠
حاشية ابن عابدين
أو (طريقٌ تجري فيه عجَلَةٌ) آلةٌ يَحُرُّها الثورُ (أو نهرٌ تجري فيه السُّفْنُ)
من الرجال فقط لكونه صارَ حائلاً بين مَنْ خلفَه وبين صفِّ النساء كما هو القياسُ، فَظهَرَ أَنَّ ما
ذكرَهُ "الشارح" من اعتبارِ الحائل أو الارتفاعِ إنما هو فيما دونَ الصفِّ التامِّ من النساء كالواحدة
والثنتين، أمَّا الصفُّ فهو خارجٌ عن القياس اتّعاً للأثر، هذا ما ظهَرَ لي فتدبّر، والله أعلم.
[٤٩١٠] (قولُهُ: أو طريقٌ) أي: نافِذٌ، "أبو السُّعود)"(١) عن "شيخه"، "ط) (٢).
قلت: ويُفهَمُ ذلك من التعبير عنه في عدَّةِ كتبٍ بالطريق العامِّ، وفي "التتار خانَّة"(٣).
((الطريقُ في مسجد الرِّباط والخانِ لا يمنعُ؛ لأنَّه ليس بطريقٍ عامٍ)).
[٤٩١١] (قولُهُ: تجري فيه عَجَلَةٌ) أي: تمرُّ، وبه عبَّرَ في بعض النسخ، والعجَلَةُ بفتحتين، وفي
"الدرر"(٤): ((هو الذي تجري فيه العجَلَهُ والأوقارُ)) اهـ.
وهو جمعُ وِتْرٍ بالقاف، قال في "المغرب"(٥): ((وأكثرُ استعماله في حِمْلِ البغل أو الحمار
كالوَسْقِ فِي حِمْل البعير)).
[٤٩١٢] (قولُهُ: أو نهرٌ تجري فيه السُّفْنُ) أي: يُمكِنُ ذلك، ومثله يقال في قوله: ((تمرُّ فيه
عجَلَةٌ))، "ط"(٦). وأمَّ البركة أو الحوضُ فإنْ كان بحالٍ لو وقعت النجاسةُ في جانبٍ تنجَّسَ
الجانبُ الآخر لا يمنعُ، وإلاَّ مَنَعَ، كذا ذكرَهُ الصفَّارُ (٧)، "إسماعيلُ(٨) عن "المحيط "(٩).
(١) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢١٧/١، والمراد بشيخه هنا زينُ العابدين بن إبراهيم بن نَجَيم،
كما صرح به أبو السُّعود رحمه الله.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٥١/١.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السادس في بيان من هو أحقُّ بالإمامة ٦١٦/١ بتصرف نقلاً عن "الحجة".
(٤) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٩٢/١.
(٥) "المغرب": مادة ((وقر)).
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٥١/١ بتصرف.
(٧) هو أبو نصر الصفار، كما في "الإحكام".
(٨) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة، فصل في القراءة ١/ق ٣٦٥/أ.
(٩) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة ١/ق ٦٦/أ.
٠
الجزء الثالث
٦١١
باب الإمامة
ولو زورقاً ولو في المسجد (أو خلاءٌ) أي: فضاءٌ (في الصحراءِ) أو في مسجدٍ كبيرٍ
جدًّا كمسجدٍ القدس.
وحاصلُهُ: أنَّ الحوض الكبير المذكور في كتاب الطهارة يمنعُ، أي: ما لم تتصل الصفوفُ
حوله كما يأتي(١).
[٤٩١٣] (قولُهُ: ولو زَوْرقاً) بتقديمِ الزَّايِ: السفينةُ الصغيرة كما في "القاموس" (٢)، وفي
"الملتقط": ((إذا كان كأضيقِ [١/ق٤٦٣ /ب] الطريق يمنعُ، وإِنْ بحيث لا يكونُ طريقٌ مثلُهُ
لا يمنعُ، سواءٌ كان فيه ماءٌ أو لا، وقال "أبو يوسف": النهرُ الذي يمشي في بطنه جَمَلٌ وفيه ماءٌ
يمنعُ، وإنْ كان يابساً وَتَّصلت به الصفوفُ جاز)) اهـ "إسماعيل(٣).
[٤٩١٤] (قولُهُ: ولو في المسجدِ) صرَّحَ به في "الدرر"(٤) و"الخانَيَّة"(٥) وغيرهما.
[٤٩١٥] (قولُهُ: أو خلاٌ) بالمدِّ: المكانُ الذي لا شيءَ به، "قاموس"(٦).
[٤٩١٦] (قولُهُ: أو في مسجدٍ كبيرٍ جدّاً إلخ) قال في "الإمداد"(٧): ((والفاصلُ في مصلّى العيد
لا يمنعُ وإِنْ كَثُرَ، واخْتُلِفَ في الَّخَذِ لصلاة الجنازة، وفي "النوازل" جعَلَهُ كالمسجد، والمسجدُ وإِنْ
كُبُرَ لا يمنعُ الفاصلُ إلَّ في الجامع القديم بِخُوارزمَ - فإنَّ ربعَهُ كان على أربعةِ آلافٍ أسطوانةٍ -
وجامعِ القدس الشريف، أعني: ما يشتملُ على المساجدِ الثلاثة: الأقصى والصَّخْرةِ والبيضاء، كذا
في "البزَّازِيَّةِ(٨)) اهـ. ومثلُهُ في "شرح المنية"(٩).
(١) في المقولة الآتية.
(٢) "القاموس": مادة((زرق)).
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة، فصل في القراءة ١/ق ٣٦٤/ب.
(٤) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٩٢/١.
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيمن يصحُّ الاقتداء به وفيمن لا يصحُّ ٩٥/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "القاموس": مادة ((خلو)).
(٧) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق١٦٣/ب.
(٨) "البزازية": كتاب الصلاة - فصل في الإمامة والاقتداء ٥٥/٤. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥٢٤ -.
قسم العبادات
٦١٢
حاشية ابن عابدين
وأمَّا قوله في "الدرر"(١): ((لا يمنعُ من الاقتداء الفضاءُ الواسعُ في المسجد، وقيل: يمنعُ)) اهـ
فإِنَّه وإنْ أفادَ أنَّ المعتمد عدُ المنع لكنَّه محمولٌ على غيرِ المسجد الكبير جدًّا كجامع خُوارزمَ
والقدسِ بدليل ما ذكرناه، وكونُ الراجحِ عدمَ المنع مطلقاً يتوقّفُ على نقلٍ صريحٍ، فافهم.
([تمَّةٌ)
في "القُهُستانيِّ" (٢): ((البيت كالصحراء، والأصحُّ أنَّه كالمسجد، ولهذا يجوزُ الاقتداء فيه بلا
اتّصالِ الصفوف(٣) كما في "المنية"(٤)) اهـ.
ولم يذكرْ حكم الدار، فليراجع، لكنَّ ظاهر التقييد بالصحراءِ والمسجد الكبير جدًّاً أنَّ الدار
كالبيت، تأمَّل. ثم رأيتُ في "حاشية المدنيّ" عن "جواهر الفتاوى": ((أنَّ "قاضي خان"(٥) سُئل
عن ذلك فقال: اختلفوا فيه، فقدَّرَهُ بعضهم بستّين ذراعاً، وبعضهم قال: إنْ كانت أربعين ذراعاً
فهي كبيرةٌ، وإلاَّ فصغيرةٌ، هذا هو المختار)) اهـ.
وحاصلُهُ: أنَّ الدار الكبيرة كالصحراء والصغيرةَ كالمسجد، وأنَّ المختار في تقديرِ الكبيرة
أربعون ذراعاً، وذكَرَ في "البحر"(٦) عن "المجتبى": ((أنَّ فناء المسجد له حكمُ المسجد))، ثم
قال: ((وبه عُلِمَ أنَّ الاقتداء من صَحْنِ الخانقاه الشيخونَّةِ(٧) بالإمام في المحراب صحيحٌ وإنْ لم
تَّصل [١/ق ٤٦٤/أ] الصفوف؛ لأنَّ الصحن فناءُ المسجد، وكذا اقتداءُ مَنْ بالخلاوي السفلَيَّة
صحيحٌ؛ لأنَّ أبوابها في فِناء المسجد إلخ))، ويأتي(٨) تمامُ عبارته، وفي "الخزائن"(٩): ((فناءُ المسجد
٣٩٣/١
(١) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٩٢/١ بتصرف.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل سبق الحدث للمصلي ١١٥/١ بتصرف.
(٣) في "ب": ((المصفوف)).
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥٢٤ ..
(٥) لم نعثر على هذا النقل في "الخانية" ولا في "شرح الجامع الصغير".
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٥/١.
(٧) انظر "الدّارس في المدارس" ٣٦٧/١.
(٨) صـ ٦١٣ - "در".
(٩) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ١٠٦/أ.
الجزء الثالث
٦١٣
باب الإمامة
(يَسَعُ صفَّين) فأكثرَ، إِلاَّ إذا أَتَّصلَتِ الصفوفُ فيصحُّ.
هو ما أَّصَلَ به وليس بينه وبينه طريقٌ)) اهـ.
قلت: يظهرُ من هذا أنَّ مدرسة الكلاَّسة(١) والكامليّة(٢) من فِناء المسجد الأمويِّ في دمشق؛
لأنَّ بابهما في حائطه، وكذا المشاهدُ الثلاثة(٣) التي فيه بالأولى، وكذا ساحةُ بابِ البريد(٤)
والحوانيتُ التي فيها.
[٤٩١٧] (قولُهُ: يسعُ صفَّين) نعتٌ لقوله: ((خلاٌ))، والتقييدُ بالصفّين صرَّحَ به في
"الخلاصة"(٥) و "الفيض" و"المبتغى"، وفي "الواقعات الحساميَّة" و"خزانة الفتاوى": ((وبه يفتى))،
"إسماعيل"(٩). فما في "الدرر"(٧) من تقييده الخلاءَ بما يمكنُ الاصطفاف فيه غيرُ المفتى به، تأمَّل.
[٤٩١٨] (قولُهُ: إلاَّ إذا أَتَّصلت الصفوفُ) الاستثناءُ عائدٌ إلى الطريق والنّهر دون الخلاء؛
لأنَّ الصفوف إذا أَتَّصلت في الصحراءِ لم يوجد الخلاء، تأمَّل. وكذا لو اصطفُّوا على طُول
الطريق صحَّ إذا لم يكن بين الإمام والقوم مقدارُ ما تمرُّ فيه العجَلَةُ، وكذا بين كلِّ صفٍّ وصفٌ
(١) "مدرسةُ الكَلاَّسة" ملاصِقَةٌ للجامع الأُمَوِيّ من الجهة الشماليّة، ولها باب ينفذ إليه، بناها نور الدين الشهيد سنة
٥٥١هـ، وقد دَرَستْ ولم يَبْقَ منها إلاّ الاسم. ("الدارس في المدارس" ٤٤٧/١، "مخطط المنجد" رقم [٣٢]،
"منادمة الأطلال" صـ ١٤٤-).
(٢) المدرسة الكاملية: هي دار القرآن والحديث التنكزيَّة التي أوقَفَها الأمير سيف الدين تنكز سنة ٧٣٩هـ، وقد نسبت
إلى الشيخ كامل القصَّاب الذي رمَمَّها وجعلها مكتباً، عُرِفَ باسم المدرسة العثمانيّة ثم الكاملَيَّة. وهي شمالي
الجامع الأُمَوِيّ، انظر ("خطط دمشق" ص ٦١-٦٣-، و"منادمة الأطلال" صـ ٦٤-).
(٣) في الجامع الأموي أربعة مشاهد أحدها قرب منارة عيسى، والآخر شرقيُّ خارج الحرم، والثالث غربي، والرابع
غربي وله شباكان مُطلاّن على حمام الجامع. انظر "خطط دمشق" صـ٢٩٩- نقلاً عن الشيخ مصطفى العلواني.
(٤) "باب البريد": هو المدخل الغربي لمعبد جوبيتر الدمشقي، وكان له رواقٌ مُعَوْمد، لا زالت بقاياه ماثلةً إلى اليوم بين
النهاية الشرقية لسوق الحميديَّة والمسكّة، وقد أطلقت تسميتُهُ أيضاً على الباب الغربيّ للجامع الأُمَوِيّ. ("أبواب
دمشق" صـ٢٣٩-).
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر في الإمامة والاقتداء ق ٣٨/أ.
(٦) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - فصل في القراءة ١/ق ٣٦٥/ب.
(٧) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٩٢/١.
قسم العبادات
٦١٤
حاشية ابن عابدين
مطلقاً، كأنْ قامَ في الطريق ثلاثة،
كما في "الخانَيَّة"(١) وغيرها.
( فرعٌ )
لو أمَّ في الصحراءِ وخلفه صفوفٌ، فكَّرَ الصفُّ الثالث قبل الأوَّل يجوزُ، "قنية"(٢) من باب
مسائلَ متفرِّقةٍ.
[٤٩١٩] (قولُهُ: مطلقاً) أي: ولو كان هناك طريقٌ أو نهرٌ، "ح"(٣).
[٤٩٢٠] (قولُهُ: كأنْ قامَ في الطريق ثلاثةٌ) وصورةُ اتّصالِ الصفوف في النهر: أنْ يقفوا على
جسرٍ موضوعٍ فوقَه، أو على سُفْنٍ مربوطةٍ فيه، "ح"(٤).
أقولُ: وهذا في حقِّ مَنْ لم يكن محاذِياً للجسر، أمَّا لو كان محاذِياً له، ولم يكن بينه وبين
الصفِّ الآخرِ فضاءٌ كثيرٌ يصحُّ الاقتداء، ثم ظاهرُ إطلاقهم أَنَّه إذا كان على النّهر جسرٌ فلا
بدَّ من اتّصالِ الصفوف ولو كان النهرُ في المسجد كما في جامع دِنقز(*) الذي في دمشق.
(قولُهُ: وهذا في حقِّ مَن لم يكن محاذياً للجسر إلخ) يعني: أنَّ اشتراط اتّصال الصفوف فوق الجسر
المنصوب أو السفن إنما هو شرطٌ لصحَّة صلاةٍ مَن كان في ميمنة الجسر أو السفن، لا لصحَّة صلاةٍ مَن
كان محاذياً للجسر أو السفن، بل الشرطُ لصحَّة صلاته أنْ لا يكون بينه وبين الآخر من جهةِ الإِمام
فضاءٌ كثيرٌ. وإن لم تَتَّصل الصفوفُ فوق الجسر فلو كان الجسرُ يسعُ صفَّين فقام عليه صفٍّ واحدٌ
لا تصحُّ صلاة أهل الميمنة والميسرة، وتصحُّ صلاة مَن بحذائه لعدم تحقَّقِ الفضاء الواسع بينه وبين الصفِّ
الآخر من جهة الإِمام، لكنَّ ما قاله خلافُ إطلاق عباراتهم، وظاهرُ إطلاقهم اشتراط اتصال الصفوف
حَتَّى في حقِّ المحاذي للجسرِ، فالمتعِيِّنُ لزوم العمل بإطلاقهم حتّى يوجدَ نصٌّ صريحٌ يدلُ لما قاله،
وسيأتي أنَّه عند وجود النّهر أو الطريق يختلفُ المكان، وباتّصال الصفوف يصيرُ المكان واحداً حكماً
فيصحُّ الاقتداء، فصحَّته موقوفةٌ على اتّصال الصفوف حتَّى بالنسبة لمحاذي الجسر ليصيرَ المكانُ واحداً.
(١) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيمن يصحُّ الاقتداء به وفيمن لا يصحُّ ٩٣/١ بتصرف. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "القنية": كتاب الصلاة ق٢٦/ب.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٢/ب.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٢/ب.
(٥) جامع دنكز: أنشأه الأمير دنكز نائب الشّام سنة سبع وسبعمائة، ظاهر باب النصر، تجاه حكر السّمّاق. ("منادمة
الأطلال" صـ ٦٨ - وصـ ٣٧٠-).
الجزء الثالث
٦١٥
باب الإمامة
وكذا اثنان عند "الثاني" لا واحدٌ اتفاقاً؛ لأنَّه لكراهةِ صلاته صارَ وجودُهُ كعدمِهِ
في حقِّ مَن خلفَهُ.
(والحائلُ لا يَمنَعُ) الاقتداءَ (إنْ لم يَشتبِهْ حالُ إمامه) بسماعٍ أو رؤيةٍ ولو من بابٍ
مشبَّكٍ يمنعُ الوصولَ في الأصحِّ (ولم يَخْتِلِفِ المكانُ) حقيقةً.
[٤٩٢١] (قولُهُ: وكذا اثنان عند "الثاني") والأصحُّ قولُهما كما في "السِّراج"(١)، وكذا الاثنان
كالجَمْع عند "الثاني" في الجمعة وفي المحاذاة، حتى لو كُنَّ ثِنتين تُفسِدان صلاةً اثنين اثنين خلفهما
إلى آخر الصفوف، قال في "المنظومة النسفيَّة" [١/ق٤٦٤/ب] في مقالات "أبي يوسف":
سدُّ الطريقِ ومحاذاةُ الّسا
واثنان في الجمْعة جَمْعٌ وكذا .
( تتمَّةٌ )
صلّوا في الصحراء وفي وسطِ الصفوف فرجةٌ لم يَقُمْ فيها أحدٌ مقدارُ حوضٍ كبيرٍ عشرٍ في
عشرٍ، إنْ كانت الصفوفُ متّصلةً حَوالَي الفرجةِ تجوزُ صلاة مَنْ كان وراءَها، أمَّا لو كانت مقدارَ
حوضٍ صغيرٍ لا تمنعُ صحَّةَ الاقتداء، كذا في "الفيض"، ومثله في "التتار خانيّة"(٢).
[٤٩٢٢] (قولُهُ: بسماعٍ) أي: من الإِمام أو المكِّرِ، "تار خانيّة"(٣).
[٤٩٢٣] (قولُهُ: أو رؤيةٍ) ينبغي أنْ تكون الرؤيةُ كالسماع لا فرقَ فيها بين أنْ يَرَى انتقالاتِ
١١_"(٤)
الإِمام أو أحدٍ المقتدين، ح
[٤٩٢٤] (قولُهُ: في الأصحِّ) بناءً على أنَّ المعتبر الاشتباهُ وعدمه كما يأتي(٥)، لا إمكانُ
الوصول إلى الإِمام وعدمُه.
[٤٩٢٥] (قولُهُ: ولم يختلفِ المكانُ) أي: مكانُ المقتدي والإمام، وحاصلُه: أَنَّه اشتُرِطَ عدمُ
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة ١/ق ١٩٤/ب.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السادس فيمن هو أحقُّ بالإمامة ٦١٥/١.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السادس فيمن هو أحقُّ بالإمامة ٦١٦/١ معزياً إلى "المحيط".
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٨٢/ب وما بعدها.
(٥) المقولة [٤٩٣٠] قوله: ((أن الصحيح اعتبار الاشتباه فقط)).
قسم العبادات
٦١٦
حاشية ابن عابدين
كمسجدٍ وبيتٍ في الأصحِّ، "قنية"(١). ولا حكماً عند اتّصال الصفوف، ولو اقتدى
من سطحِ دارِهِ المتّصلةِ بالمسجد لم يَجُزْ لاختلافِ المكان،.
الاشتباه وعدمُ اختلاف المكان، ومفهومُه أَنَّه لو وُجدَ كلٌّ من الاشتباهِ والاختلاف أو أحدُهما
فقط منَعَ الاقتداءَ، لكنَّ المنع باختلاف المكان فقط فيه كلامٌ يأتي(٢).
[٤٩٢٦] (قولُهُ: كمسجدٍ وبيتٍ) فإنَّ المسجد مكانٌ واحدٌ، ولذا لم يُعتَبَرْ فيه الفصلُ بالخلاء
إلاَّ إذا كان المسجدُ كبيراً جدًّاً، وكذا البيتُ حكمه حكم المسجد في ذلك لا حكمُ الصحراء كما
قدَّمناه(٣) عن "القُهُستانيِّ"، وفي "التار خانَّةً"(٤) عن "المحيط" (٥): ((ذكَرَ "السرخسيُّ": إذا لم يكنْ
على الحائط العريض بابٌ ولا تَقْبٌ ففي روايةٍ يمنعُ لاشتباهِ حالِ الإِمامِ، وفي روايةٍ لا يمنعُ، وعليه
عملُ الناس بمكّة، فإنَّ الإِمام يقفُ في مقام إبراهيم وبعضُ الناس وراءَ الكعبة من الجانب الآخر،
وبينهم وبين الإمام الكعبةُ ولم يمنعْهم أحدٌ من ذلك)) أهـ
وبهذا يُعلَمُ أنَّ المنبر إذا كان مسدوداً لا يمنعُ اقتداءَ مَنْ يصلِّي بجنبه عند عدم الاشتباه خلافاً
لمن أفتى بالمنع وأمَرَ بفتح بابٍ فيه من علماءِ الرُّوم.
[٤٩٢٧] (قولُهُ: عند اتّصالِ الصفوفِ) أي: في الطريق أو على جسرِ النهر، فإنّه مع وجودٍ
(قولُهُ: وفي "التتار خانيّة" عن "المحيط": ذكَرَ "السرخسيُّ" إلخ) ظاهرُ عبارة "المحيط" أنَّ الاشتباه
مانعٌ على الرِّواية الأولى لا الثانية، والواقعُ مكَّةَ عدُ إمكان الوصول لا الاشتباهُ للعلم بحال الإمام من
المبلّغ، وحينئذٍ فقولُهُ: ((وبهذا إلخ)) يناسبُ تفريعه على الأولى لا الثانية، لكنْ في كون الثانية عليها
عملُ الناس تأمُّلٌ؛ لِما علمتَ من العلم، تأمَّل.
(قولُ "الشارح": ولا حكماً عند اتّصالِ الصفوف) تصويرٌ لعدم الاختلاف في الحكم، وليس تصويراً
للاختلاف الحكميِّ، فهو تصويرٌ للنفي لا للمنفيِّ، فسقط ما قاله "السنديُّ" من قوله: ((كان الصوابُ
(١) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الجماعة ومسجد المحلة ق ١٧/أ.
(٢) المقولة [٤٩٢٩] قوله: ((ولكن تعقبه في "الشرنبلالية" إلخ)).
(٣) المقولة [٤٩١٦] قوله: ((أو في مسجد كبير جداً إلخ)) تتمة.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السادس فيمن هو أحقُّ بالإمامة ٦١٢/١.
(٥) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة - باب الإمامة ١/ق ٦٦/أ باختصار.