Indexed OCR Text
Pages 581-600
الجزء الثالث
٥٧٧
باب الإمامة
خرَجَ الجنازةُ (مشتركةٍ) فمحاذاةُ المصلِّية لمصلِّ ليس في صلاتِها
[٤٨٢٤] (قولُهُ: خرَجَ الجنازةُ) وكذا سجدةُ التلاوة كما في "شرح المنية"(١) وغيره، وينبغي
إخراجُها بقوله: ((في صلاةٍ)) وينبغي إلحاقُ سجدةِ الشكر بها، وكذا سجودُ السهو لعدم تحقُّقِ
المحاذاة فيه بالقدم والسَّاق حالةَ القيام، تأمَّل.
[٤٨٢٥] (قولُهُ: فمحاذاةُ إلخ) الأولى ذكرُهُ بعد [١/ق٤٥٤/ب] قوله: ((تحريمةٌ)) كما فعَلَ
في "شرح المنية"(٢)؛ لأنَّ الاحتراز عن هذه الصورة بتقييد الاشتراك بالتحريمة - كما سنذكرُهُ(٣) -
لا بمطلقِ الاشتراك، وإلاَّ فالاشتراك في اتّحادِ الصلاة مثلاً موجودٌ فيها.
[٤٨٢٦] (قولُهُ: ليس في صلاتِها) بأنْ صَلَّيا منفردين، أو مقتدياً أحدُهما بإمامٍ لم يقتدِ به
الآخرُ، "شرح المنية" (٤).
(قولُهُ: وكذا سجودُ السَّهو لعدمٍ تحقّق المحاذاة فيه إلخ) أصلُ البحث لـ "ط"، فإنَّه قال: ((وانظر
المحاذاةً في سجود التلاوة والشكر والسهو، والظاهرُ عدمُ الفساد لاشتراطهم المحاذاةً في القيام، ولعدم
اتّحاد الأداء في بعضها)) اهـ. وقد ذكَرَ أوَّلاً ما نصُّهُ: ((ثمَّ إنما تُفسِدُ المحاذاة إذا كانت في القيام، حتّى لو
كانت قدمُها خلف قدم الإمام إلاَّ أنَّها طويلةٌ يقع رأسها في السجود قبل رأس الإمام جازت صلاتهما))
اهـ. وذكَرَ "السنديُّ" ما ذكرَهُ "المحشِّي" هنا بلفظه بقوله: ((ويُلحَقُ به - أي: بسجود التلاوة - سجدةُ
الشكر والسهو لعدم تحقَّقِ المحاذاة)) إلى آخره، لكنَّ هذا غيرُ صحيحٍ مع ما نقله "السنديُّ" وغيرُهُ عن
"المحيط" عن "الجرجانيّ": ((من أَنّها لو كَبَّرَتْ في الصفِّ الأوَّل وركعت في الصفِّ الثاني وسجدت في
الثالث فسدت صلاةُ من عن يمينها ويسارها وخلفها في كلَّ صفٍّ؛ لأنَّها أدَّتْ في كلِّ صفٍّ ركناً من
الأركان، فصار كالمدفوع إلى صفِّ النساء)) اهـ. على أنَّ ما ذكرَهُ "ط" من مسألة الطويلة عدمُ الفساد فيه
إنما هو لعدم محاذاتها له بالسَّاق لا لكون المحاذاة في غير حالة القيام.
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥٢١ -.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ٥٢٢ -.
(٣) المقولة [٤٨٢٨] قوله: ((تحريمة)).
(٤) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ٥٢٢ - بتصرف.
قسم العبادات
٥٧٨
حاشية ابن عابدين
مكروهةٌ لا مفسدةٌ(١)، "فتح"(٢) (تحريمةً) وإنْ سُبِقَتْ ببعضِها (وأداءً) ولو حكماً ...
[٤٨٢٧] (قولُهُ: مكروهٌ) الظاهرُ أنَّها تحريميَّةٌ؛ لأنَّها مظنّة الشهوة، والكراهةُ على
الطارئ، "ط"(٣).
قلت: وفي "معراج الدراية": ((وذكَرَ "شيخ الإسلام" مكانَ الكراهة الإِساءةَ،
والكراهةُ أفحشٌ)) اهـ.
[٤٨٢٨] (قولُهُ: تحريمةً) الاشتراكُ في التحريمة أنْ تبنيَ صلاَها على صلاةٍ مَنْ حاذته، أو على
صلاةٍ إِمامٍ مَنْ حاذته، "بحر "(٤). وعلمتَ محترزَه بما ذكرناه آنفاً(٥).
[٤٨٢٩] (قولُهُ: وإنْ سُبِقَتْ ببعضِها) أي: الصلاةِ، فلا يشترطُ أنْ تُدرِكَ أوَّلَ الصلاة في
الصحيح، بل لو سبَقَها بركعةٍ أو ركعتين، فحاذتْهُ فيما أدركت تُفسِدُ عليه، "بحر "(٦). وسواءٌ
كَّرَتْ قبل المحاذَى، أو معه، أو بعده، "خ)(٧).
[٤٨٣٠] (قولُهُ: وأداءً) بأنْ يكون أحدُهما إماماً للآخر، أو يكونَ لهما إمامٌ فيما يؤدِّيانه
حقيقةً كالمدرِكِ، أو حكماً كاللاحق، "ح"(٨). والأَولى أنْ يقول: وتأديةً؛ لئلاّ يُتُوهَّمَ مقابلتُهُ
للقضاء مع أنَّها تفسُدُ في كلِّ صلاةٍ، "نهر "(٩).
وأورَدَ "صدرُ الشريعة"(١٠) هنا شيئين: ((أحدُهما: أنَّ ذِكْرَ الأداء يغني عن التحريمة؛ إذ
لا توجدُ الشركة في الأداء بدون الشركة في التحريمة، ثانيهما: أنَّ الشركة في التحريمة غيرُ شرطٍ،
(١) في "ب" و"و": ((مفسد)).
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣١٩/١.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٨/١.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٧/١ بتصرف يسير.
(٥) المقولة [٤٨٢٥] قوله: ((فمحاذاة إلخ)).
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٧/١ نقلاً عن "السراج الوهاج".
(٧) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٠/ب.
(٨) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٠/ب نقلاً عن "مجمع الأنهر".
(٩) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٥/أ.
(١٠) "شرح الوقاية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٥٥/١. (هامش "كشف الحقائق").
الجزء الثالث
٥٧٩
باب الإمامة
كلاحقين بعد فراغِ الإمام، بخلاف المسبوقين
فإنَّ الإِمام إذا استخلَفَ رجلاً، فاقتدت المرأة بالخليفة وحاذت رجلاً ممن اقتدى بالإِمام الأوَّلِ
فسدت صلاةُ الرجل مع أنّه لا شركةَ بينهما في التحريمة))، وأجاب في "النهر"(١) عن الأوَّلِ:
((بأنّهم ذكروا الشركةَ في التحريمة لأنَّ الشركة في الأداء تتوقّفُ عليها، وفرْقٌ بين التنصيص على
الشيء وبين كونه لازماً لشيءٍ))، وأجاب عنه أيضاً في "شرح المنية"(٢): ((بأنّه احترازٌ عمَّا لو
اقتدى كلٌّ منهما بإمامٍ غير الذي اقتدى به الآخرُ في صلاةٍ واحدةٍ؛ لأَنَّهما اشتَرَكا أداءً؛ لأَنَّه
صدَقَ عليهما أنَّ لهما إماماً فيما يؤدِّيانه، لكنَّهما لم يشتركا تحريمةً)) اهـ.
أقولُ: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ المراد أنْ يكون لهما إمامٌ واحدٌ، تأمَّل. وأجيب عن الثاني بأنَّ الشركة
ثابتةٌ بين الإِمام [١/ق٤٥٥/أ] والمأموم تقديراً، بناءً على أنَّ تحريمة الخليفة مبنيّةٌ على تحريمة الإِمام
الأَوَّلِ، فتحصُلُ المشاركةُ بينهما تحريمةً.
(٤٨٣١] (قولُهُ: كلاحقَينِ) أي: أحدُهما امرأةٌ، فلو حاذته في حال الأداء فسدت صلاته ولو
بعد فراغٍ الإمام؛ لاشتراكهما في الصلاة أداءً حكماً.
[٤٨٣٢] (قولُهُ: بخلافِ المسبوقين) محترزُ قوله: ((وأداءٌ))، فإنّهما وإن اشتركا تحريمةً
(قَولُهُ: وأجابَ في "النهر" عن الأوَّلِ بأنّهم ذكروا الشركةَ إلخ) وقال "الرحمتيُّ": ((يلزمُ من
الاشتراك في الأداء الاشتراكُ في التحريمة، فكان مُغنياً، لكنَّهم قصدوا التصريح بسائرِ القيود للإيضاح،
فإنَّ ما ذكرَهُ قد يُستغَنَى ببعضه عن بعضٍ، وحقيقةُ الاشتراك في الأداء أن يكونا مباشِرَينٍ لأداءِ أفعال
الصلاة مع كونهما مقتديين بإمامٍ واحدٍ أو أحدِهما إماماً للآخر، والاشتراك في التحريمة أعمُّ منه، وهو
مجرَّدُ البناء المذكور؛ إذ يشملُهُ ويشمل ما إذا لم يكونا مؤدِّين كما في حال الذهابِ للوضوء أو العَوْدِ
منه بعد سبق الحدث؛ لأنهما غيرُ مباشرين لأداء الأفعال )) اهـ "سندي".
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٥/أ.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ٥٢٢ ..
قسم العبادات
٥٨٠
حاشية ابن عابدين
والمحاذاةِ في الطريق (واتَّحَدَت الجهةُ) فلو اختلَفَتْ كما في جوفِ الكعبة ..
......
لم يشتركا أداءً؛ لأنَّ المسبوق منفردٌ فيما يقضي إلاَّ في مسائلَ ليست هذه منها كما سيأتي(١)،
ومثله لو كان أحدُهما مسبوقاً والآخرُ لاحقاً كما أفاد "ح"(٢)، وأمَّا لو كانا مسبوقَين لاحقَين
فقال في "الفتح"(٣): ((فيه تفصيلٌ، فإِنَّهما لو اقتديا في الثالثةِ فأحدثًا فذهبا فتوضَّآ، ثم حاذتْهُ في
القضاء إنْ كان في الأولى أو الثانية - وهي الثالثة والرابعة للإمام - تفسُدُ لوجود الشركة فيهما؛
لأَنَّهما فيهما لاحقان، وإنْ حاذته في الثالثة والرابعة فلا لعدمها؛ لأنَّهما مسبوقان، وهذا بناءً على
أنَّ اللاحقَ المسبوقَ يقضي وجوباً أوَّلاً ما لَحِقَ به ثم ما سُبِقَ به، وباعتباره تفسُدُ وإِنْ صحَّ عكسه
عندنا خلافاً لـ "زفر")) اهـ
قال في "النهر "(٤): ((وينبغي أنَّه إنْ نوى قضاءً ما سُبِقَ به أوَّلاً ينعكسُ حكمُ المسألة)) اهـ.
[٤٨٣٣] (قولُهُ: والمحاذاةِ في الطريق) معطوفٌ على ((المسبوقين))، أي: لا تفسُدُ أيضاً إذا
حاذتْهُ في الطريق للطهارة فيما إذا سبقَهما الحدثُ في الأصحِّ؛ لأَنّهما غيرُ مشتغلين بالقضاء، بل
٣٨٦/١ بإصلاح الصلاة لا بحقيقتها وإنْ كانا في حرمتها؛ إذ حقيقتُها قيامٌ وقراءةٌ إلخ، وليس شيءٌ من
ذلك ثابتاً، فلم توجد الشركةُ أداءً، وتمامُهُ في "الفتح"(٥).
[٤٨٣٤] (قولُهُ: كما في جوفِ الكعبة) قَيَّدَ به إذ لا تمكنُ المحاذاة مع اختلافِ الجهة في
خارجها، فافهم.
(قولُهُ: قَّدَ به إذ لا تمكنُ المحاذاة مع اختلافِ الجهةِ إلخ) بل تمكنُ بأن توجهَ لأحد جوانبها من
آخره وتوجه الآخر للجانب المحاذي له في أوَّله بحيث تحصلُ المحاذاة بينهما، تأمَّل. لكن رأيتُ ما في
"الزيلعيِّ" مثلَ ما ذكره المحشِّي.
(١) صـ ٦٤٥ - "در".
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨١/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣١٥/١ - ٣١٦ بتصرف يسير.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٥/ب.
(٥) انظر "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣١٥/١.
الجزء الثالث
٥٨١
باب الإمامة
وليلةٍ مظلمةٍ فلا فسادَ (فسَدَتْ صلاُهُ) لو مكلّفاً، وإلاَّ لا (إِنْ نَوَى) الإمامُ وقتَ
شروعه ...
[٤٨٣٥] (قولُهُ: وليلةٍ مظلمةٍ) بأنْ صَلًَّا بالتحرِّي، كلٌّ منهما إلى جهةٍ.
[٤٨٣٦] (قولُهُ: فسدتْ صلاُهُ) جوابُ قوله: ((وإذا حاذتْهُ)) أي: فسدت صلاتُهُ دونها إنْ
لم يكن إماماً، "نهر"(١). فلو كان إماماً فسدت صلاةُ الجميع، إلاَّ إذا أشارَ إليها بالتأخير كما
يأتي(٢)، قال في "البحر"(٣): ((وأشارَ (٤) بقوله: فسدت صلاتُهُ إلى أنّها لو اقتدتْ به مقارنةً لتكبيرِهِ
[١/ق٤٥٥/ب] محاذِيةً له وقد نرى إمامتَها لم تنعقدْ تحريمتُهُ، وهو الصحيح كما في "الخانَّة" (٥)؛
لأنَّ المفسد للصلاة إذا قارَنَ الشروع منَعَ من الانعقاد)).
[٤٨٣٧] (قولُهُ: لو مكلّفاً) لأنَّ فساد صلاة الرَّجُل لكونه هو المخاطبَ بتأخيرِها، فإذا لم
يؤخّرْها فقد ترَكَ فرض المقام، قال في "الفتح"(٦): ((وفيه - أي: في هذا التعليلِ - إشارةٌ إلى اشتراطِ
العقل والبلوغ، فإنَّ الخِطاب إنما يتعلَّقُ بأفعال المكلَّفين، كذا في بعض شروح "الجامع"، فلا تفسُدُ
صلاة الصبيِّ بالمحاذاة على هذا)) اهـ.
[٤٨٣٨] (قولُهُ: إِنْ نَوَى إمامتَها) قال في "البحر "(٧): ((هذا القيدُ مستغنَىِّ عنه بذكرٍ
الاشتراك السابق)).
(قولُهُ: بأنْ صَلِّيا بالتحرِّي) أي: ولم يعلما حالَ الإمام.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٥/ب.
(٢) المقولة [٤٨٤٣] قوله: ((كما لو أشار إليها بالتأخير إلخ)).
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٠/١ بتصرف.
(٤) من ((فلو)) إلى ((وأشار)) ساقط من"آ".
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيما يفسد الصلاة ١٣١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣١٣/١ -٣١٤ بتصرف يسير.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٠/١ بتصرف.
قسم العبادات
٥٨٢
حاشية ابن عابدين
لا بعده (إمامتَها) وإنْ لم تكن حاضرةً على الظاهر، ولو نَوَى امرأةً معيَّنةً أو النساءَ
إلاَّ هذه عَمِلَتْ نَيَّتُهُ (وإلاَّ) ينوِها (فَسَدَتْ صلاتُها).
وأقول: غيرُ خافٍ أَنَّه لا يُفهَمُ منه اشتراطُ النَّةِ وإِنِ استلزمَهُ بعدَ العلم بذلك، "نهر"(١).
[٤٨٣٩] (قولُهُ: لا بعدَهُ) ظاهرُهُ أنَّ صلاتها مع المحاذي صحيحةٌ في هذه الصورة؛ لأَنَّه يُغْتَفَرُ
في البقاء ما لا يُغْتَفَرُ في الابتداء، "ط" (٢).
أقول: وفي "القنية"(٢) رامزاً إلى "شرف الأئمّة": ((ونَّةُ الإِمام إمامةَ النساء تُعتبَرُ وقتَ
الشروع لا بعده)) اهـ.
وظاهرُهُ أنَّ ذلك شرطٌ في صحَّة اقتدائهنَّ، فلو نوى إمامةَ المرأة بعد شروعه لم يصحّ
اقتداؤها، فلا تفسُدُ صلاة مَنْ حاذته، تأمَّلُ.
[٤٨٤٠] (قولُهُ: على الظاهرِ) هو استظهارٌ من صاحب "البحر "(٤) بعد حكايته روايتين في
المسألة، ويؤيِّدُه أنَّ "الفارسيَّ" في "شرحه" على "تلخيص الجامع" حَكَى الاشتراطَ بـ ((قيل)).
[٤٨٤١] (قولُهُ: عَمِلتْ نَّهُ) فلا تُفسِدُ المستثناةُ ولا غيرُ المعَّنَةِ لعدم صحَّة اقتدائهما.
(٤٨٤٢) (قولُهُ: فَسَدَتْ صلاُها) ظاهرُهُ أَنَّها لا تصيرُ شارعةً في الفرض ولا في نفلٍ أيضاً،
وحكى في "القنية"(٥) في الثاني روايتين، أي: بناءً على ما سيأتي(٦) من أَنَّه إذا فسَدَ الاقتداءُ
هل يصحُّ شروعُهُ في صلاة نفسه أم لا؟ وسيأتي(٧) الكلام عليه.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٥/ب.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٨/١ بتصرف.
(٣) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيما يتعلق بالإمامة ق١٧/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٠/١.
(٥) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيما يتعلق بالإمامة ق١٧/ب.
(٦) ص ٦٠٤ - "در".
(٧) المقولة [٤٩٠١] قوله: ((بأيِّ وجهٍ كان)) وما بعدها.
الجزء الثالث
٥٨٣
باب الإمامة
كما لو أشار إليها بالتأخير فلم تتأخّرْ؛ لتركِها فرضَ المقام، "فتح"
( تنبيهٌ)
ظاهرُ إطلاقه أنَّه لا تصحُّ صلاتها بلا نَّةِ الإِمام إمامتَها في الجمعة والعيدين أيضاً، فالنّة شرطٌ
فيهما أيضاً، قال في "النهر "(١): ((وبه قال كثيرٌ، إلاَّ أنَّ الأكثر على عدمه فيهما، وهو الأصحُّ كما
في "الخلاصة"(٢)، وجعَلَ "الزيلعيُّ))(٣) الأكثرَ على الاشتراط، وأجمعوا على عدمه في الجنازة)) اهـ
وظاهرُ عَوْدِ الضمير في ((صلاتُها)) على المرأة المحاذية - أي: لإمامٍ أو لمقتدٍ - أنَّها لو اقتدت
غيرَ محاذِيةٍ [١/ق٤٥٦/أ] لأحدٍ صحَّ اقتداؤها وإنْ لم ينوِها، إلاّ إذا تَفَى إمامةَ النساء كما في
"الْقُهُستانيِ)(٤)، وحينئذٍ فلا يشترطُ لصحَّة اقتداء المرأة فيَّةُ الإِمام إمامتَها إلاّ إذا كانت محاذِيةً، وإلاّ
فلا يشترط، وقدَّمَ "المصنّف"(٥) في بحث النَّة أنَّ فيه اختلافاً، وقدَّمنا(٦) هناك عن "الحلبة": ((أَنَّه
يشترطُ أنْ لا تتقدَّمَ بعدُ وتحاذيَ أحداً من إمامٍ أو مأمومٍ، فإنْ تقدَّمتْ وحاذت لا يبقى اقتداؤها،
ولا تتمُّ صلاتها)) اهـ.
وذكَرَ في "النهاية" هنا: ((أنَّ هذا قول "أبي حنيفة" الأوَّلُ))، وظاهرُهُ أنَّ قوله الأخيرَ اشتراطُ
النَّة مطلقاً، والعملُ على المتأخِّر كما لا يخفى، ولهذا أطلَقَ في متن "المختار)"(٧) قولَهُ: ((ولا تدخلُ
المرأة في صلاة الرجال إلاَّ أنْ ينويَها الإِمام))، ومثلُهُ في متن "المجمع".
[٤٨٤٣] (قولُهُ: كما لو أشارَ إليها بالتأخير إلخ) قال في "الفتح"(٨): ((وفي "الذخيرة"
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٥ /ب.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث عشر فيما يفسد الصلاة وفيما لا يفسد ق ٣٥/أ.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإمامة والحدث في الصلاة ١٣٨/١.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل يجهر الإمام ١١٢/١ بتصرف نقلاً عن التمرتاشي.
(٥) صـ ٨٧ - "در".
(٦) المقولة [٣٧٥٦] قوله: ((وعليه)).
(٧) انظر "الاختيار": كتاب الصلاة - فصل في صلاة الجماعة ٥٨/١.
(٨) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣١٢/١ بتصرف يسير.
قسم العبادات
٥٨٤
حاشية ابن عابدين
وشَرَطوا كونَها عاقلةً، وكونَهما في مكانٍ واحدٍ ..
.....
و"المحيط": إذا حاذتْهُ بعدَما شرَعَ ونوى إمامتَها فلا يمكنُهُ التأخير بالتقدُّم خطوةً أو خطوتين
للكراهة في ذلك، فتأخيرُها بالإشارة وما أشبه ذلك، فإذا فعَلَ فقد أخَّرَ، فيلزمُها التأخِّرُ، فإنْ لم
تفعل فقد تركت حينئذٍ فرضَ المقام، فتفسُدُ صلاتها دونه)) اهـ.
واستُفِيدَ من قوله: ((بعدَما شرَعَ)) أنّها لو حضرت قبل شروعه، ونوى إمامتَها محاذياً لها
وقد أشارَ إليها بالتأخُّر تفسد صلاته، فالإشارةُ بالتأخُر إنما تنفعُ إذا حضرتْ بعد الشروع ناوياً
إمامتَها، قال "ط"(١): ((والظاهرُ أنَّ الإِمام ليس بقيدٍ)) اهـ. أي: فلو حاذت المقتديَ بعد الشروع
وأشارَ إليها ولم تتأخَّرْ فسدتْ صلاتها دونه، وينبغي أنْ يُعَدَّ هذا في الشروط، بأنْ يقال: ولم يُشِرْ
إليها بالتأخّر إذا حضرتْ بعد شروعه، وينبغي أنْ يكون هذا في المرأة البالغة، أمَّا غيرُها فغيرُ مكلَّفةٍ
بغرضيَّةِ المقام، تأمَّل.
[٤٨٤٤] (قولُهُ: وشَرَطوا كونَها عاقلةً) مُستغنىًّ عنه بقوله: ((في صلاةٍ))؛ لأنَّ المجنونة
لا تنعقدُ صلاتها، "نهر"(٢). وقدَّمناه(٣) عن "القُهُستانيِّ".
[٤٨٤٥] (قولُهُ: وكونَهما في مكانٍ واحدٍ) حتى لو كان أحدُهما على دكَّانِ عُلْوَ قامةٍ،
والآخرُ على الأرض لا تفسُدُ صلاته، "شرح المنية"(٤). [١/ق ٤٥٦/ب] وهذا وإنْ كان معلوماً
من المحاذاة إلاَّ أنَّ المشايخ ذكروه إيضاحاً، "نهر"(٥) عن "المعراج".
(قولُهُ: أمَّا غيرُها فغيرُ مكلَّفةٍ بفرضيَّة المقام) أي: فلا تفسُدُ صلاتُها كما أنَّه ينبغي أن لا تفسُدَ
صلاته أيضاً؛ لأنّه لم يترك فرضَ المقام حيث أشار إليها.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٨/١.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٥/أ.
(٣) المقولة [٤٨٢٠] قوله: ((في صلاة وإن لم تُتُحد)).
(٤) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ٥٢٢-، لكن عبارته: ((تفسد صلاته)) دون ((لا)) ولعلها ساقطة؛ إذ سياق
الكلام يقتضيها.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٥/ب.
الجزء الثالث .
٥٨٥
باب الإمامة
في ركنٍ كاملٍ، فالشروطُ عشرةٌ. (ومحاذاةُ الأمردِ الصبيح) المشتهَى (لا يُفسِدُها
على المذهب) تضعيفٌ لِما في "جامع المحبوبيِّ" و"درر البحار"(١) من الفساد؛ لأَنَّه
في المرأةِ غيرُ معلولٍ بالشهوة، بل بتركِ فرضِ المقام كما حقَّقَهُ "ابن الهمام"(٢).
(ولا يصحُّ اقتداءُ رجلٍ بإمرأةٍ) وخنثى (وصبحٍّ مطلقاً).
[٤٨٤٦] (قولُهُ: في ركنٍ كاملٍ) أي: في أداءِ ركنِ بالفعل عند "محمَّدٍ"، وعند "أبي يوسف"
مقدارَ الركن، والذي في "الخانيَّة "(٣): ((المحاذاةُ مفسدةٌ قَلَّتْ أو كثُرَتْ))، قال في "البحر (٤):
((وظاهرُ إطلاق "المصنّف" اختيارُهُ)).
[٤٨٤٧] (قولُهُ: فالشروطُ عشرةٌ) بل أكثرُ بزيادة ما قدَّمَهُ(٥) من كون الذي حاذته مكلَّفاً،
وبزيادة ما قدَّمناه(٦) من عدم الإشارة إليها بالتأخُّر إذا حضَرَتْ بعد شروعه.
[٤٨٤٨] (قولُهُ: الصبيحِ المشتهَى) إنما قَّدَ بذلك لأَنَّه محلُّ الخلاف، وإلاَّ فغيرُهُ لا يُفسِدُ
بالاتفاق.
٣٨٧/١
[٤٨٤٩] (قولُهُ: غيرُ معلُولِ بالشهوةِ) أي: ليستْ علَّهُ الفسادِ الشهوةَ، ولذا أفسدنا بالعجوز
الشوهاءِ وبالمحرَم كأمِّهِ وبنتِهِ، وأمَّا عدُ الفساد فيمَنْ لم تبلغْ حدَّ الشهوة كبنتِ سبعٍ فِلِقصورِها
عن درجة النساء، فكان الأمرُ بتأخيرِ هِنَّ غيرَ شاملٍ لها ظاهراً، هذا ما ظهَرَ لي، فتأمَّله.
[٤٨٥٠] (قولُهُ: ولا يصحُّ اقتداءُ إلخ) المرادُ بالمرأة الأنثى الشاملُ للبالغة وغيرها، كما أنَّ المراد
(قولُهُ: فلقصورِها عن درجةِ النّساء) بهذا يجابُ عمَّا قاله "الرحمتيُّ" إذا كان الفسادُ غيرَ معلولِ
بالشهوة لم يشترطوها.
(١) انظر "غرر الأذكار شرح درر البحار": كتاب الصلاة - ذكر الإمامة ق ٤١/أ.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٢/١.
(٣) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل في ما يفسد الصلاة ١٣٠/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٠/١.
(٥) صـ ٥٨١ - "در".
(٦) المقولة [٤٨٤٣] قوله: ((كما لو أشار إليها بالتأخير إلخ)).
قسم العبادات
٥٨٦
حاشية ابن عابدين
بالخنثى ما يشملُهما أيضاً، وأمَّا الرجل فإنْ أرادَ به البالغَ اقتضى بمفهومه صحَّةَ اقتداءِ الصبيِّ بالمرأة
والخنثى، وإِنْ أُريدَ به الذكرُ أفاد عدمَ صحَّة اقتداءِ الصبيِّ بالصبيِّ، وكلاهما غيرُ واقعٍ، فالصوابُ
في العبارة أنْ يقال: ولا يصحُّ اقتداءُ ذكرٍ بأنثى وخشى، ولا رجلٍ بصبىٍّ، "ح"(١) عن شيخه
السِّد "عليٍّ البصير"(٢).
أقولُ: والحاصلُ أنَّ كلاً من الإمام والمقتدي إمَّا ذكرٌ أو أنثى أو خنثى، وكلٌّ منها إمَّا
بالغّ أو غيرُهُ، فالذَّكرُ البالغُ تصحُّ إمامته للكلِّ، ولا يصحُّ اقتداؤه إلاَّ بمثله، والأنثى البالغةُ
تصحُّ إمامتُها للأنثى مطلقاً فقط مع الكراهة، ويصحُّ اقتداؤها بالرَّجُل ويمثلها وبالخنثى البالغ،
ويكرهُ لاحتمالِ أنوثته، والخنثى البالغُ تصحُّ إمامته للأنثى مطلقاً فقط لا لرجلٍ ولا لمثلِهِ
لاحتمال أنوثته وذكورةِ المقتدي، ويصحُّ اقتداؤه بالرَّجُل لا يمثلِهِ ولا بأنثى مطلقاً لاحتمال
ذُكورته. وأمَّا غيرُ البالغ فإنْ كان ذكراً تصحُّ إمامته لمثلِهِ من ذكر وأنثى وخنثى، ويصحُّ
اقتداؤه بالذِّكر مطلقاً، وإنْ [١/ق٤٥٧/أ] كان أنثى تصحُّ إمامتها لمثلِها فقط، أمَّا لصبيّ
فمحتملٌ، ويصحُّ اقتداؤها بالكلِّ، وإنْ كان خنثى تصحُّ إمامته لأنثى مثلِهِ لا لبالغةٍ ولا لذكرِ
أو خنثى مطلقاً، ويصحُّ اقتداؤه بالذكر مطلقاً فقط، هذا ما ظهَرَ لي أخذاً من القواعد.
(قولُهُ: ولا لذكرٍ أو خنثى) مقتضى ما ذكرَهُ في اقتداء الصبيِّ بالأنثى التي لم تبلغ من أنَّه محتملُ
الصحّة أن يقال كذلك في اقتداء الصبيِّ بالخنثى التي لم تبلغ، أي: أنَّه محتملُ الصحّة لا مجزومٌ بعدمها
كما فعل.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨١/أ.
(٢) كذا في النسخ جميعها، وهو السيد علي الضرير السِّيوَاسِيّ، وتقدم الكلام عليه ١٧٩/٢، ولا يخفى أن ((البصير))
من الأضداد.
الجزء الثالث
٥٨٧
باب الإمامة
ولو في جنازةٍ.
مطلبٌ: الواجبُ كفايةً هل يسقُطُ بفعلِ الصبيِّ وحدَه
[٤٨٥١] (قولُهُ: ولو في جنازةٍ) بيانٌ للإطلاق الراجعِ إلى الاقتداء بالصبيِّ، قال
"الأسْتروشنيُّ(١): ((الصبيُّ إذا أمَّ في صلاة الجنازة ينبغي أنْ لا يجوز، وهو الظاهرُ؛ لأنّها من
فروض الكفاية، وهو ليس من أهل أداءِ الفرض، ولكنْ يُشكِلُ بردِّ السلام إذا سُلِّمَ على قومٍ فرَأَّ
صبيٌّ جوابَ السلام)) اهـ.
أقولُ: مقتضى تعليلِهِ أَنَّه لا يسقُطُ الوجوب عن البالغين بصلاته على الجنازة وحده فضلاً
عن كونه إماماً، وقد ذكَرَ في "شرح التحرير"(٢): ((أَنّ لم يقفْ على هذا في كتب المذهب، وإنما
ظاهرُ أصول المذهب عدمُ السقوط)) اهـ. أي: لقولهم: إنَّ الصبيَّ ليس من أهل الوجوب.
أقولُ: ويُشكِلُ على ذلك ما مرَّ(٢) من مسألة السلام، وتصريحُهم بجواز أذانِ الصبيِّ المراهِق
بلا كراهةٍ مع أنّه قيل بأنَّ الأذان واجبٌ، والمشهورُ أَنَّه سنَّةٌ مؤكّدةٌ قريبةٌ من الواجب في لحوقِ
الإثم، وتصريحُهم بأنَّه لو خطَبَ صبيٌّ له منشورٌ يومَ الجمعة، وصلَّى بالناس بالغّ جازَ، وتصريحُهم
بأنَّه تحلُّ ذبيحته إذا كان يعقلُ الذبحَ والتسمية، أي: يَعلمُ أَنَّها مأمورٌ بها، وكذا ما صرَّحَ به
"الأسْتروشنيُّ)(٤): ((من أنَّ الصبيَّ إذا غسل الميت جازَ)) اهـ.
أي: يسقُطُ به الوجوبُ، فسقوطُ الوجوب بصلاته على الميت أَولى؛ لأَنَّها دعاءٌ، وهو أقربُ
للإجابة من المكلَّفين، ولعلَّ معنى قولهم: إنَّه ليس من أهل الوجوب أنّه غيرُ مكلّفٍ به، ولا يُنافي
ذلك وقوعُهُ واجباً وسقوطُ الوجوب عن المكلّفين بفعله، يؤيِّدُ ذلك ما صرَّحَ به في "الفتح "(٥)
(١) "جامع أحكام الصغار": مسائل الصلاة - المسألة الثامنة والثلاثون ٤٦/١.
(٢) "التقرير والتحبير": المقالة الثانية - الفصل الثالث - القسم الثالث - مسألة الواجب على الكفاية ١٣٦/٢.
(٣) في هذه المقولة.
(٤) "جامع أحكام الصغار": مسائل الصلاة - المسألة الثالثة والثلاثون ٤٤/١، نقلاً عن "شرح الطحاوي".
(٥) "الفتح": كتاب السير ٣٣٠/٥.
قسم العبادات
٥٨٨
حاشية ابن عابدين
من باب المرتدِّ: ((من أنّهم أنَّفقوا على أنَّ الصبيَّ لو أقرَّ بالشهادتين يقعُ فرضاً، ولا يلزمُهُ تجديدُ
إقرارٍ آخرَ بعد البلوغ حتى على قولِ مَنْ ينفي وجوبَ الإِيمان على الصبيِّ، فصار كالمسافر
لا تجبُ الجمعة عليه، ولو صلاَّها سقَطَ فرضه)) اهـ.
ولا يقال: إنَّ ذلك في الإسلام؛ لأنَّ لا يتنفَّلُ به، فلا يقعُ إلاَّ فرضاً؛ [١/ق٤٥٧ /ب]
لأَنَّا نقول: المرادُ إثباتُ أَنَّه من أهل أداء الفرض، وقد ثبَتَ بذلك، فيقالُ مثلُهُ في صلاة الجنازة؛
لأَنَّه لا يتنفَّلُ بها أيضاً، والاكتفاءُ بأذانه وخطبته وتسميته وردِّهِ السلامَ دليلٌ على الاكتفاء
بصلاته على الجنازة، نعم يُشكِلُ ما لو صلَّى في الوقت ثم بلَغَ فيه فإنَّه يعيدُها لوقوعِ الأُولى
نفلاً، وقد يجابُ بأَنَّه لَمَّا كان المعتبرُ آخرَ الوقت - وهو فيه بالغٌ - لزِمَهُ إعادتها لوجود سبب
الوجوب عليه، والوقتُ الذي صلَّى فيه ليس سبباً للوجوب، فكأنَّه صلَّى قبل سبب الوجوب
في حقّه، فلم يمكنْ جعلُها فرضاً، أمَّا صلاة الجنازة فإنَّ سببها حضورُها، وهو موجودٌ قبل
بلوغه، فأمكَّنَ وقوعُها فرضاً منه، تأمَّل.
وهذا كُلُّه فيما لا يُشترَطُ فيه البلوغ، فلا يرِدُ أَنَّه لو حجَّ يلزمُهُ الحجُّ ثانياً بعد البلوغ؛ لأنَّ
حَّة الإسلام من شرطها البلوغُ والحرِّةُ بخلاف الحجِّ النفل، ومن هذا يظهرُ أنَّه لا تصحُّ إمامته في
الجنازة أيضاً وإن قلنا بصحَّة صلاته وسقوطِ الواجب بها عن المكلَّفين؛ لأنَّ الإمامة للبالغين من
شروط صحَّتها البلوغُ، هذا ما ظهَرَ لي في تقرير هذا المحلِّ، فاغتنمه فإِنّك لا تظفرُ به في غير هذا
الكتاب، والحمد لله الملك الوهّاب.
(قولُهُ: فأمكَنَ وقوعُها فرضاً منه، تأمَّل) قال "السنديُّ": ((الذي يترجَّحُ لي بحثاً إعادةُ المكلَّفين
الصلاةَ على الجنازة وعدمُ الاكتفاء بفعل الصبيِّ، وذلك أنَّ ذمم المكلَّفين خوطبت بالوجوب من
الشارع، ولا يتحصَّلُ الفراغ من الواجب إلاَّ بفعلهم أو بدليلٍ محقَّقٍ يُسقِطُ الوجوب، ولم توجد روايةٌ
السُّقوط محقّقةً في كتب أصحابنا فضلاً عن حديثٍ أو أثرِ دلَّ عليه، ويأتي في فصل البيع من الحظر:
لو رَدَّ السلام خلافٌ في السقوط عن غيره، فهل يجرى هنا أيضاً)) اهـ والظاهرُ جريانُهُ هنا أيضاً.
الجزء الثالث
٥٨٩
باب الإمامة
ونفلٍ في الأصحِّ (وكذا لا يصحُّ الاقتداء مجنونٍ مُطبقٍ أو متقطّعٍ في غيرِ حالة
ء
ء
إفاقته أو سكرانَ).
[٤٨٥٢] (قولُهُ: ونفلٍ في (١) الأصحِّ) قال في "الهداية"(٢): ((وفي التراويح والسنن المطلقة جوَّزَهُ
مشايخُ بلخِ(٣)، ولم يجوِّزه مشايخنا، ومنهم مَنْ حقَّقَ الخلافَ في النفل المطلق بين "أبي يوسف"
و"محمَّدٍ" ، والمختارُ أَنَّه لا يجوزُ في الصلوات كلِّها)) اهـ.
والمرادُ بالسنن المطلقةِ السننُ الرَّواتب، والعيدُ في إحدى الروايتين، وكذا الوتر، والكسوفان،
والاستسقاءُ عندهما، "فتح" (٤).
[٤٨٥٣] (قولُهُ: بمجنونٍ مُطبِقٍ) بكسر الباء، والنسبةُ مجازِيَّةٌ؛ لأنَّ المطبقَ هو الجنون
لا المجنون، فهو كقولك: ضربٌ مؤلِمٌ، فإنَّ المؤلِمَ هو الضاربُ لا الضرب، وإنما لم يصحَّ الاقتداء
به لأَنَّ لا صلاةَ له؛ لعدم تحقَّقِ النّة ولعدم الطهارة.
٣٨٨/١
[٤٨٥٤] (قولُهُ: في غيرِ حالةِ إفاقتِهِ) وأمَّا في حالةِ الإفاقةِ فيصحُّ كما في "البحر"(٥) عن
"الخلاصة"(٦)، وظاهرُه أَنَّه لا يصحُّ ما لم يتحقَّقْ إفاقتَهُ قبل الصلاة، حتى لو عُلِمَ منه جنونٌ وإفاقةٌ،
ولم يُعَلَمْ حالُهُ وقتَ الصلاة لا يصحُّ، وينبغي أنَّه لو عُلِمَتْ إِفاقتُهُ بعد جنونه أنْ يصحَّ، ولا عبرةً
باحتمال [١/ق ٤٥٨/أ] عَوْدِ الجنون استصحابا للأصل وهو الصحّة؛ لأن الجنون مرضٌ عارضٌ.
(قولُهُ: بين "أبو يوسف" و"محمَّدٍ") فـ "أبو يوسف" قال بعدم الجواز، و"محمَّدٌ" قال بالجواز.
(قولُهُ: عندهما) أي: "أبي يوسف" و"محمَّدٍ"، فالخلافُ بينهما على هذا في النفل المطلق فقط.
(١) في "م": ((على)).
(٢) "الهداية": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٥٦/١.
(٣) انظر تفصيل المسألة في "مشايخ بلخ من الحنفية" ٣١٨/١ للدكتور محمد محروس المدرس.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣١٠/١.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨١/١.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر في الإمامة والاقتداء ق ٣٧/أ.
قسم العبادات
٥٩٠
حاشية ابن عابدين
أو معتوهٍ، ذكَرَهُ "الحلبي"(١) (ولا طاهرِ بمعذورٍ) هذا (إِنْ قارَنَ الوضوءَ الحدثُ أو طرَاً
عليه) بعدَهُ (وصحَّ لو توضَّأَ على الانقطاعِ وصلَّى كذلك) كاقتداءٍ بِمُفْتصِدٍ أَمِنَ
خروجَ الدم، وكاقتداءِ امرأةٍ بمثلِها، وصبىٍّ بمثلِهِ، ومعذورٍ بمثله، وذي عُذرين بذي
عذر، لا عكسِهِ كذي انفِلاتٍ (٢) بذي سَلَسٍ؛ لأنَّ مع الإمام حدثاً ونجاسةً».
[٤٨٥٥] (قولُهُ: أو معتوهٍ) هو الناقصُ العقلِ، وقيل: المدهوشُ من غير جنونٍ، كذا في
"المغرب"(٣)، وقد جعلوه في حكم الصبيِّ.
[٤٨٥٦] (قولُهُ: ومعذورٍ مثلِهِ إلخ) أي: إن أَتَّحَدَ عذرهما، وإن اختلَفَ لم يَجُزْ كما في
"الزيلعيّ" (٤) و "الفتح" (٥) وغيرهما، وفي "السِّراج"(٦) ما نصُّه: ((ويصلّي مَنْ به سَلَسُ البول خلف
مثله، وأمَّا إذا صلَّى خلف مَن به السَّلسُ وانفلاتُ ريحٍ لا يجوز؛ لأنَّ الإِمام صاحبُ عذرين،
والمؤتَّمَّ صاحبُ عذرٍ واحدٍ)) اهـ. ومثلُهُ في "الجوهرة)(٧).
وظاهرُ التعليل المذكور أنَّ المراد من اتّحاد العذر اتّحادُ الأثر لا اتّحاد العين، وإلاَّ لكان يكفيه
في التمثيل أنْ يقول: وأمَّا إذا صلَّى خلف مَنْ به اتفلاتُ ريحٍ، ولكان عليه أنْ يقول في التعليل:
لاختلافٍ عذرهما، ولهذا قال في "البحر "(٨): ((وظاهرُهُ أنَّ سَلَس البول والجرح من قبيل المَّحد،
وكذا سلَسُ البول واستطلاقُ البطن)) اهـ.
(قولُ "المصنّف": ولا طاهرٍ بمعذورٍ) الأَولى: ولا صحيحٍ بمعذورٍ؛ لأنَّ المعذور طاهرٌ شرعاً. اهـ "سندي".
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥١٦ _.
(٢) في "ب": ((انفلات ریح)).
(٣) "المغرب": مادة: ((عته)).
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإمامة والحدث في الصلاة ١٤٠/١ - ١٤١.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣١٨/١.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ١٩٥/ب.
(٧) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٧٢/١ بتصرف يسير.
(٨) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٢/١.
الجزء الثالث
٥٩١
باب الإمامة
وما في "المجتبى": ((الاقتداءُ بالمماثلِ صحيحٌ إلاَّ ثلاثةً: الخنثى المشكلَ والضالّةَ
والمستحاضة))
أي: لاتّحادهما في الأثر من حيث إنَّ كلاَّ منهما حدثٌ ونجاسةٌ وإنْ كان السلسُ ليس عينَ
الجرح، لكن اعترَضَ في "النهر"(١) ذلك: ((بأنّه يقتضي جوازَ اقتداءِ ذي سلسٍ بذي انفلاتٍ،
وليس بالواقعٍ لاختلاف عذرهما)) اهـ.
وهو مبنيٌّ على أنَّ المراد بالاتحاد اتحادُ العين، وهو ظاهرُ ما في "شرح المنية الكبير)(٢)،
وكذا صرَّحَ في "الحلبة(٣): ((بأنَّه لا يصحُّ اقتداءُ ذي سلسٍ بذي جُرحٍ لا يرقى، أو بالعكس))،
وقال: ((كما هو المذهبُ، فإِنَّه يجوزُ اقتداءُ معذورٍ بمثله إذا أَّحَدَ عذرهِما (٤)، لا إن اختَلَفَ)) اهـ.
وبه عُلِمَ أنَّ الأحسن ما في "النهر"، وأَنَّه كان ينبغي لـ "الشارح" متابعتُهُ على عادته، وأنَّ ما
قاله هنا تابَعَ فيه صاحبَ "البحر"، وكذا ما مشى عليه في "الخزائن"(٥) حيث قال: ((اقتداءُ المعذور
بمثله صحيحٌ إن اتَّحَدَ عذرُهما كذي سلسٍ بمثله أو بذي حَرحٍ أو انطلاقٍ، لا إن اختلَفَ كذي
انفلاتٍ بذي سلسٍ؛ لأنَّ مع الإمام حدثاً ونجاسةً)) اهـ. فإنّه خلافُ المذهب كما علمتَ.
[٤٨٥٧] (قولُهُ: وما في "المجتبى") مبتدأُ خبرُهُ قوله الآتي: ((أي: لاحتمالِ الحيض))، أي: ما
في "المجتبى" مفسَّرٌ بكذا.
[٤٨٥٨] (قولُهُ: الاقتداءُ بالمخالف(٦)) كذا في بعض [١/ق٤٥٨/ب] النسخ، وسقَطَ من
بعض النسخ لفظةُ ((الاقتداء)).
(قولُهُ: مبتدأُ خبرُهُ قوله الآتي إلخ) الأظهرُ ما قاله "السنديُّ": ((حُذِفَ خبرُهُ تقديره: لا يَرُدُّ علينا))
اهـ. ويكون حينئذٍ قوله: ((أي إلخ)) دليلَ الخبرِ المحذوف.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٦/أ.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ٥١٢-٥١٣ ..
(٣) "الحلبة": فصل في التيمم ١/ق ١٧٥/أ.
(٤) ((عذرهما)) ساقطة من "[".
(٥) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب الإمامة - فصل: ولا يصح اقتداء رجل بامرأة ق ١٠٥/أ.
(٦) قوله: ((بالمخالف)) هكذا بخطّه، والذي في نسخ الشارح: ((بالمماثل))، ولعله الأصوب، فتأمل. اهـ مصححه.
قسم العبادات
٥٩٢
حاشية ابن عابدين
أي: لاحتمال الحيض،.
[٤٨٥٩] (قولُهُ: أي: لاحتمال الحيض) أي: واحتمال ذكورة المقتدية وأنوثة الإمام، ثم إنَّ
هذا في الضالَّةِ ظاهرٌ، وقد صرَّحَ به في "القنية"(١) بقوله: ((ومَنْ جوَّزَ اقتداءَ الضالّة بالضالَّة فقد
غِطَ غلطاً فاحشاً؛ لاحتمال اقتدائها بالحائض)) اهـ.
وأمَّا في المستحاضة فمُشكِلٌ؛ لأنَّ المستحاضة حقيقةً لا تحتملُ أنْ تكون حائضاً كمن تجاوَزَ
دُمُها على عشرةٍ في الحيض أو أربعين في النّفاس، إلاّ أنْ يرادَ بها نحوُ المبتدأة قبل تمام ثلاثةِ أيامٍ،
فإِنّها ترُكُ الصلاةَ بمجرَّدٍ رؤيتها الدمَ، فإنْ تَمَّ ثلاثاً فبها وإلاَّ قَضَتْ، فهي قبل الثلاثِ يَحتمِلُ
حالُها الحيضَ والاستحاضة، وكذا المعتادةُ إذا تجاوَزَ الدمُ على عادتها فإِنَّها يحتملُ أنْ ينقطعَ لعشرةٍ
فتكونَ حائضاً، أو لأكثرَ فتكونَ مستحاضةً، فلا يجوزُ لمثلها الاقتداءُ بها، وقال "الرَّحمتيُّ": ((الذي
رأيته في "المجتبى": واقتداءُ المستحاضة بالمستحاضة يجوزُ، والضالّةِ بالضالّةِ لا يجوزُ كالخنثى المشكل
بالمشكل اهـ. وهذه لا إشكالَ فيها، ولعلَّ نسخة صاحب "البحر"(٢) محرَّفَةٌ، وتبعوه عليها،
(قولُ "الشارح": أي: لاحتمالِ الحيض) قال "السنديُّ": ((أي: في إمامها والطهارة فيها، وذلك.
لأَنَّا حكمنا بالحيض بمجرَّدِ البُرُوز؛ إذ هو دمُ صحَّةٍ، والأصلُ الصحّة، وبناءً عليه حكمنا أنَّ ما زاد على
العشرة استحاضة، وهو تمسُّكٌّ بالأصل وحكمٌ بالظاهر، وهو مظنونٌ لا قطعيَّ، فجاز تركها للصلاة
متمسِّكةً بالأصل، وجازت صلاتُها بعد العشر مع سيلان الدَّمِ تمسُّكاً بالظاهر، وحقيقةُ الحيض ما يخرجُ
من الرَّحِم، والاستحاضة ما يخرج من عرقٍ من الفرج، ويحتمل أنَّ مَا طَرَقَها أوَّلَ المدَّة كان استحاضةً
فيكون ما بعد العشرةِ حيضاً، فلو اقتدت المستحاضةُ بالمستحاضة احتمل حيضُ الإمام وطهارةُ المقتدية،
فانتفت المماثلةُ كما انتفت في الخنثى بالخنثى لاحتمال أنوثةِ الإمام وذكورة المقتدي، وكذا في الضالّة
بالضالّة، فاستثناءُ الثلاثة منقطعٌ لعدم تحقَّقِ المماثلة بين الإمام والمقتدي )).
(قولُهُ: وقال "الرحمتيُّ" : الذي رأيتُهُ في "المجتبى" إلخ) وهكذا رأيتُهُ في "المحتبى".
(١) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيما يتعلق بالإمامة ق١٨/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٢/١. وعبارة "المجتبى" كما نقلها في "البحر": ((واقتداء المستحاضة
بالمستحاضة، والضالة بالضالة لا يجوز، كالخنثى المشكل بالمشكل)).
الجزء الثالث
٥٩٣
باب الإمامة
فلو انْتَفَى صحَّ.
(و) لا (حافظِ آيةٍ من القرآن بغيرِ حافظٍ لها) وهو الأمِّيُّ، ولا أمِّيٍّ بأخرسَ؛
القدرة الأمِّيِّ على التحريمةِ، فصحَّ عكسُهُ (و) (لا مستورِ عورةٍ بعارٍ) فلو أَمَّ العاري
عُرِياناً ولا بسين فصلاةُ الإمام ومماثلِهِ جائزةٌ.
تأمَّل)) اهـ. لكنَّ الذي في "القُهُستانيِّ"(١) موافِقٌ لِما هنا.
هذا، وقد ذكَرَ في "القنية"(٢) روايتين في الخنثى المشكل.
[٤٨٦٠] (قولُهُ: فلو انتَفَى) أي: الاحتمالُ، "ح"(٣).
[٤٨٦١] (قولُهُ: بغيرِ حافظٍ لها) شمِلَ مَنْ يحفظُها أو أكثرَ منها لكنْ بلحنِ مفسدٍ للمعنى؛ لِما في
"البحر"(٤): ((الأُمِّيُّ عندنا مَنْ لا يُحسِنُ القراءةَ المفروضة، وعند "الشافعيِّ" مَنْ لا يُحسِنُ الفاتحة)).
[٤٨٦٢] (قولُ: ولا أمِّيِّ بأخرسَ) أمَّ اقتداءُ أخرسَ بأخرسَ أو أمٍِّّ بأمِِّّ فصحيحٌ، "ط)"(٥)
عن "أبي السُّعود"(٦).
(٤٨٦٣] (قولُهُ: فصحَّ عكسُهُ) تفريعٌ على التعليل بأنَّ قدرة الأمِّيِّ على التحريمة دليلٌ على أَنَّه
(قولُهُ: لكنَّ الذي في "القُهُستانيِّ" موافقٌ لِما هنا) وعزاه "القُهُستانيُّ" لـ "الزاهديّ".
(قولُ "الشارح": فلو انْتَفَى) أي: الاحتمالُ المانع عن تحقَّقِ المماثلة، بأنْ تحقَّقَ بالاستحاضة فيهما،
وذلك كما لو كانت امرأةً تعتادُ الحيضَ في أوَّلِ كلِّ شهرٍ خمسة أَيَّامٍ مثلاً، ومَضَتْ على ذلك لها
سنون، ثُمَّ بعد انقطاع الدم عنها عشرةً أَيَّامٍ رأت ثلاثةَ أَيَّامٍ دماً فلا شكَّ في كون ذلك استحاضةً؛ لأنّها
لم تستوفِ أقلَّ مدَّة الطهر، فلو اقتَدَتْ بها مَن حالها كحالِها في العادةِ والأَّيَّامِ والوقتِ ثمَّ رأت هذا
الدمَ في غير وقته صحَّ اقتداؤها؛ لأنَّه من قبيل المَّحد. اهـ "سندي".
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل يجهر الإمام ١٠٨/١ - ١٠٩.
(٢) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيما يتعلق بالإمامة ق ١٨/أ.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨١/أ.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٢/١.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٩/١.
(٦) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢١٦/١.
قسم العبادات
٥٩٤
حاشية ابن عابدين
اتّفاقً، وكذا ذو جرحٍ بمثلِهِ وبصحيحٍ (و) لا (قادرٍ على ركوعٍ وسجودٍ بعاجزٍ
عنهما) لبناءِ القويِّ على الضعيف.
(و) لا (مفترضٍ بمتنفّلٍ وبمفترضٍ فرضاً آخر)
أقوى حالاً من الأخرس، فصحَّ اقتداءُ الأخرسِ به دون عكسه، ومفهومه أنَّه إذا لم يقدِرْ صحَّ
اقتداءُ كلِّ منهما بالآخرِ، تأمَّل.
[٤٨٦٤] (قولُ: اتفاقاً) بخلاف الأمِّيِّ إذا أَمَّ أمِّاً وقارئاً فإنَّ صلاة الكلِّ فاسدةٌ عند "الإِمام"؛
لأنَّ الأَمِّيَّ يمكن أنْ يجعلَ صلاَهُ بقراءةٍ إذا اقتدى بقارئ؛ لأنَّ قراءة الإمام [١/ق٤٥٩/أ] له قراءةٌ،
وليست طهارةُ الإمام وسترُه طهارةً وستراً للمأموم حكماً فافترقا، البحر"(١).
[٤٨٦٥] (قولُهُ: وكذا ذو جُرحٍ بِثْلِهِ وبصحيحٍ) تَبِعَ في هذا التعبيرِ صاحبَ "البحر "(٢)،
والأَولى: مثلَهُ وصحيحاً، فإنَّ التقدير: وكذا لو أَمَّ ذو جُرحٍ مثلَهُ وصحيحاً، وأَمَّ يتعدَّى بنفسه،
" _"(٣)
ح.
[٤٨٦٦] (قولُهُ: بعاجزٍ عنهما) أي: بمن يُومِيُ بهما قائماً أو قاعداً، بخلاف ما لو أمكناه قاعداً
فيصحُّ كما سيأتي(٤)، قال "ط " (٥): ((والعبرةُ للعجز عن السجود، حتى لو عجَزَ عنه وقدَرَ على
الركوع أومَأَ)).
[٤٨٦٧] (قولُهُ: ويمفترضٍ فرضاً آخرَ) سواءٌ تغايرَ الفرضان اسماً أو صفةً كمصلِّي ظُهرِ أمسٍ
٣٨٩/١ بمصلّي ظُهر اليوم، بخلاف ما إذا فاتتهم صلاةٌ واحدةٌ من يومٍ واحدٍ فإنّه يجوز، وكذا لو صلَّى
(قولُهُ: والأَولى: مثلَهُ وصحيحاً) فيه أنَّه يقال: صلَّى بالقوم كما يقال أَمَّهم، فيُقَدَّرُ الأوَّلُ هنا.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٢/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٢/١.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨١/أ بتوضيح من ابن عابدين رحمه الله.
(٤) المقولة [٥١٣٩] قوله: ((زاد في "الحاوي" إلخ)).
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٥٠/١.
الجزء الثالث
٥٩٥
باب الإمامة
لأنَّ اتِّحاد الصلاتين شرطٌ عندنا، وصحَّ ((أنَّ "معاذً" كان يصلِّي مع النبي ◌ِّ
نفلاً وبقومِهِ فرضاً)).
ركعتين من العصر فغربت الشمسُ، فاقتدى به آخرُ في الأخريين؛ لأنَّ الصلاة واحدةٌ وإنْ كان
هذا قضاءً للمقتدي، "جوهرة"(١).
[٤٨٦٨] (قولُهُ: لأنَّ اتّحاد الصلاتين إلخ) قدَّمنا(٢) أوَّلَ الباب معنى اتّحادِهما.
[٤٨٦٩] (قولُهُ: وصحَّ أنَّ "معاذً " إلخ) أي: صحَّ عند أئمَّتنا وترجَّحَ، وهو جوابٌ عمَّ استدلَّ
به "الشافعيُّ" على جواز الفرض بالنفل، وهو ما في "الصحيحين)"(٣): ((أنَّ "معاذً" كان يصلِّي مع
رسول الله ﴿ عشاءَ الآخرة، ثم يرجعُ إلى قومه فيصلِّي بهم تلك الصلاة))، والجوابُ أنَّ "معاذً"
لَمَّا شكاه قومُهُ قال له وَ﴿: (يا "معاذُ"، لا تكن فتَّاناً، إمَّا أنْ تصلّيَ معي، وإمَّا أن تخفّفَ على
قومك)) رواه "أحمد"(٤)، قال الحافظ "ابن تيميَّة"(٥): ((فيه دلالةٌ على منع اقتداء المفترض بالمتفِّل؛
لأَنَّه يدلُّ على أنّه متى صلَّى معه امتنعت إمامته، وبالإجماع لا تَمتِنِعُ إمامته بصلاة النفل معه، فعُلِمَ
أنَّ الذي كان يصلِّيه مع النبي ﴿ نفلٌ)) اهـ.
وقال الإِمام "القرطبيُّ" في "المفهِم" (٦): ((الحديثُ يدلُّ على أنَّ صلاة "معاذٍ" مع النبي ◌َّ
كانت نافلةً، وكانت صلاتُهُ بقومه هي الفريضةً))، وتمامُهُ في "حاشية نوح أفندي" و"فتح
القدير "(٧).
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٧٣/١ - ٧٤ بتصرف.
(٢) المقولة [٤٦٤٢] قوله: ((وصلاتهما)).
(٣) تقدّم تخريجه صـ٥٤٥ -.
(٤) تقدّم تخريجه صـ٥٤٥ ..
(٥) "المنتقى من أخبار المصطفى": كتاب الصلاة - أبواب الإمامة وصفة الأئمة - باب هل يقتدي المفترض بالمتنفّل أم لا؟
٦٣٣/١ بتصرّف. وهو لأبي البركات عبد السّلام بن عبد الله بن تَيْمِيّة، شيخ الإسلام الحَرَّانيّ (ت ٦٢٥هـ)، وهو
جَدُّ ابن تيميّة المشهور. ("سير أعلام النبلاء" ٢٩١/٢٣، "هدية العارفين" ٥٧٠/١).
(٦) "المُفْهِم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم": كتاب الصلاة - باب القراءة في العشاء ٧٦/٢، وهو لأبي العباس
أحمد بن عمر بن إبراهيم المعروف بابن المزين الأنصاريّ القرطبيّ المالكيّ (ت٦٥٦هـ)، ("كشف الظنون"
٥٥٧/١، "الأعلام"١٨٦/١).
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٢٤/١.
قسم العبادات
٥٩٦
حاشية ابن عابدين
(و) لا (ناذِرٍ) متنفُلٍ ولا بمفترضٍ ولا (بناذِرٍ) لأنَّ كلاً منهما كمفترضٍ فرضاً
آخرَ، إلاَّ إذا نذَرَ أحدُهما عينَ منذورِ الآخرِ للاتحاد (و) لا (ناذِرِ بحالفٍ) لأنَّ
المنذورة أقوى،
[٤٨٧٠] (قولُهُ: ولا ناذرٍ بمتنقّلِ) لأنَّ النذر واجبٌ، فيلزمُ بناءُ القويِّ على الضعيف، "ح"(١).
[٤٨٧١] (قولُهُ: لأنَّ كلاّ إلخ) علَّةٌ للأخيرين، فإنَّ المنذور [١/ق٤٥٩ /ب] فرضٌ أو واجبٌ،
ورجَّحَ "الشرنبلالِيُّ) (٢) الأوَّل، فافهم.
[٤٨٧٢] (قولُهُ: إِلَّ إذا نذَرَ أحدُهما إلخ) بأنْ قال بعد نذرِ صاحبه: نذرتُ تلك المنذورةَ التي
نذَرَها فلانٌ، "شرح المنية"(٣).
(٤٨٧٣] (قولُهُ: للأّحاد) لأَنَّه لَمَّا نذَرّ منذورةَ صاحبه فكأنّهما نَذَرا صلاةً بعينها، بخلاف ما
إذا نذَرَ كلٌّ منهما صلاةًّ؛ لأَنَّ ما أوجَبَهُ كلٌّ منهما بنذره غيرُ ما أوجَبَهُ الآخرُ، وليس منذورُ
أحدِهما أقوى من الآخر.
[٤٨٧٤] (قولُهُ: لأنَّ المنذورة أقوى) أي: من المحلوفِ عليها، فإنّها لا تخرُجُ بالحلف عن
كونها نافلةً، ألا ترى أنَّه باق على التخيير، إنْ شاء صلَّى وَبَرَّ في يمينه، وإنْ شاء ترَكَ وكفّرَ، ولذا
(قولُهُ: فكأَنَّهما نَذَرا صلاةً بعينها) مقتضاه جوازُ اقتداءٍ كلٍّ بصاحبه، وهو صريحُ قول "البحر":
((فاقتدى أحدُهما بالآخر يجوز)) اهـ. وأفاد "الرحمتيُّ" أنَّ اقتداء الناذر الأوَّلِ بالثاني غيرُ صحيحٍ بخلاف
عكسه، واستوجَهَهُ "السنديُّ" فانظره.
(قولُهُ: وليس منذورُ أحدهما أقوى من الآخر) يظهرُ أنَّه لا حاجة إليه، بل هو مضرُّ؛ إذ يقتضي أنّه
لو كان أحدُهما أقوى يصحُّ البناءِ عليه مع أنَّه لا يصحُّ ناذرٌ بمفترضٍ.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨١/ب.
(٢) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما يلزم الوفاء به ق ٣٦٦/ب.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥١٧ -.