Indexed OCR Text
Pages 541-560
الجزء الثالث
٥٣٧
باب الإمامة
وسفيهٍ، ومفلوجٍ، وأبرصَ شاعَ برصُهُ، وشاربِ الخمر، وآكِلِ الرِّبا، ونَمَّامٍ، ومُراءٍ،
ومتصنعٍ،
[٧٦١ ٤] (قولُهُ: وسفيهٍ) هو الذي لا يُحسِنُ التصرُّفَ على مقتضى الشرع أو العقل كما
سيذكرُهُ في الحَجْرِ، "ط"(١).
[٤٧٦٢] (قولُهُ: ومفلوجٍ وأبرصَ شاعَ برَصُهُ) وكذا أعرجُ يقومُ ببعض قدمه، فالاقتداءُ بغيره
أَولى، "تاتر خانَّةً"(٢). وكذا أجدمُ، "بِرْجَندي". ومحبوبٌ، وحاقنٌ، ومَنْ له يدٌ واحدةٌ، "فتاوى
الصوفيّة" عن "التحفة"(٣).
والظاهرُ: أنَّ العَلَّة النفرةُ، ولذا قَّدَ الأبرصَ بالشيوع ليكون ظاهراً، ولعدم إمكانٍ إكمال
الطهارة أيضاً في المفلوج والأقطعِ والمحبوب، ولكراهة صلاة الحاقن، أي: يبول ونحوه.
[٧٦٣ ٤] (قولُهُ: وشاربِ الخمر إلى قوله: ومتصنّعٍ) تكرارٌ مع قول المتن: ((فاسقٍ))، "ح "().
والنمَّامُ: مَنْ ينقلُ الكلامَ بين الناس على جهة الإفساد، وهي من الكبائر، ويحرُمُ على الإنسان
(قولُ "الشارح": وأبرصَ شاعَ) أي: عمَّ أعضاءَهُ، أو شاع بين الناس ولو في عضوٍ واحدٍ حتّى
تتحقّقَ نفرُ الناس عنه، کذا ظهر.
(قولُهُ: أو لعدمٍ إمكان إكمالِ الطهارة أيضاً في المفلوج والأقطع والمجبوب) انظر وجهَ عدم إمكان
إكمالِ الطهارة في المحبوب، ولعلَّه عدمُ تأتِّي الاستبراء في الاستنجاء، فربما كانت طهارةً ناقصةً، ووجهُهُ
في المفلوج والأقطع ظاهرٌ.
(قولُهُ: تكرارٌ مع قولِ المتن: فاسق) قال "السنديُّ": ((هؤلاء الأربعُ وإن دخلوا تحت الفاسق إلاَّ أنَّه
نصَّ عليهم تهجيناً لهم وتقبيحاً، ولانهماكِ كثيرٍ من الناس واتّصافهم بهذه الأخلاق الذميمة ربما يغفلُ
عن كونها فسقاً)) اهـ.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٤/١ بتصرف يسير.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السادس في بيان من هو أحق بالإمامة ٦٠٢/١ معزياً إلى "الفتاوى العتابية".
(٣) لم نعثر على النقل في "تحفة الفقهاء" للسمر قندي.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٧٩/ب.
قسم العبادات
٥٣٨
حاشية ابن عابدين
ومَن أَمَّ بأجرةٍ، "قهستاني"(١). زاد "ابن ملكٍ": ((ومخالِفٍ كشافعي))، لكنْ في وتر "البحر":
قبولُها(٢)، والمرائي: مَن يقصدُ أنْ يراه الناسُ، سواءٌ تكلّفَ تحسينَ الطاعات أوْ لا(٣)، والمتصنع: مَن
يتكلّفُ تحسينَها، فهو أخصُّ مما قبله، "ط)"(٤).
[٤٧٦٤] (قولُهُ: ومَنْ أَمَّ بأجرةٍ) بأن استُوجِرَ ليصلِّيَ إماماً سنةً أو شهراً بكذا، وليس منه ما
شرَطَهُ الواقف عليه، فإِنَّه صدقةٌ ومعونةٌ له، "رحمتي". أي: يشبهُ الصدقةَ ويشبهُ الأجرة كما
سيأتي(٥) إنْ شاء الله تعالى في الوقف، على أنَّ المفتَى به مذهبُ المتأخرين من جواز الاستئجار على
تعليم القرآن والإمامةِ والأذان للضرورة، بخلاف الاستئجار على التلاوة المحرَّدة وبقيَّة الطاعات مما
لا ضرورة إليه، فإنَّه لا يجوزُ أصلاً كما سنحقّقه(٦) في كتاب الإجارة إن شاء الله تعالى، فافهم.
[٧٦٥ ٤] (قولُهُ: لكنْ في وتر "البحر"(٧) إلخ) هذا هو المعتمدُ؛ لأنَّ المحقّقين جَنّحوا إليه،
وقواعدُ المذهب شاهدةٌ عليه، وقال كثير من [١/ق٤٤٤ /ب] المشايخ: إنْ كان عادتُهُ مراعاةَ
(قولُهُ: على أنَّ المفتى به مذهبُ المتأخّرين إلخ) فعلى ما أفتى به المتأخّرون لا تكره إمامته، "سندي".
(قولُ "الشارح": لكنْ في وتر "البحر" إلخ) وقال في "البحر" هنا: ((وأمَّا الصلاة خلفَ الشافعيَّة
فحاصلُ ما في "المجتبى" أنَّه إذا كان مُراعياً للشرائط والأركان عندنا فالاقتداءُ به صحيحٌ على الأصحِّ
ويكره، وإلاَّ فلا يصحُّ أصلاً)) اهـ. وعبارةُ "ابن ملكٍ": (( وكذا الاقتداء بالشافعيِّ مكروهٌ، ولكِنَّه إذا
عَلِمَ أنّه لم يتوضَّأ من فصده ونحوه، أو لم يغسل ثوبه من المنيِّ ولم يفركه، أو توضَّأ من ماءِ القُلّتين
النجسِ وأشباهها مما يُفسِدُ الصلاة عند المقتدي لا يجوزُ اقتداؤه)).
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل صلاة الجماعة ١٠٦/١.
(٢) أفاده العدوي في "حاشية الشيخ عبد السلام" كذا في "ط".
(٣) من ((والمرائي)) إلى ((أَوْ لا)) نقله "ط" عن الحلبي.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٤/١ بتصرف.
(٥) المقولة [٢١٦٧٩] قوله: ((قلت: قد جزم في "البغية")).
(٦) المقولة [٢٩٨٦٧] قوله: ((ولا لأجل الطاعات)) وما بعدها.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة ٥٠/٢ بتصرف.
الجزء الثالث
٥٣٩
باب الإمامة
((إِنْ تيقِّنَ المراعاةَ لم يكره، أو عدمَها لم يصحّ، وإنْ شَكَّ كُرِهَ ))
...
...
مواضع الخلاف جاز، وإلاّ فلا، ذكَرَهُ "السنديُّ" المتقدِّمُ ذكره، "ح"(١).
قلت: وهذا بناءً على أنَّ العبرة لرأي المقتدي، وهو الأصحُّ، وقيل: لرأي الإِمام، وعليه
جماعةٌ، قال في "النهاية": ((وهو أقيسُ، وعليه فيصحُّ الاقتداءُ وإنْ كان لا يحتاطُ كما يأتي(٢)
في الوتر)).
مطلبٌ في الاقتداء بشافعيٍّ ونحوِه هل يكرهُ أم لا ؟
[٤٧٦٦] (قولُهُ: إنْ تيقَّنَ المراعاةَ لم يكره إلخ) أي: المراعاةَ في الفرائض من شروطٍ وأركان
(قولُهُ: أي: المراعاةَ في الفرائض من شروطٍ وأركان إلخ) عبارة "البحر" وسياقُها لا دلالةَ فيهما
على ما قاله المحشِّي، وذلك أنَّه قال أوَّلاً نقلاً عن "الهداية": ((ودلَّت المسألة - أي: مسألة اتّباع المؤتَمِّ
قانتَ الوترِ لا الفجرِ - على جواز الاقتداء بالشفعويَّة، وإذا علم المقتدي منه ما يزعمُ به فسادَ صلاته
كالفصد ونحوه لا يُجزيه))، ثمّ قال: ((فحاصلُهُ أنَّ صاحب "الهداية" جوَّزَ الاقتداء بالشافعيِّ بشرطِ أن
لا يَعلَمَ المقتدي منه ما يمنعُ صحَّةَ صلاته في رأي المقتدي))، ثمَّ ذكَرَ مواضع عدمٍ صحَّةِ الاقتداء، ثمَّ نقَلَ
عن "النهاية" كراهة الاقتداء بالشافعيِّ إذا لم يعلم حاله، ثمَّ قال: ((فصار الحاصلُ أنَّ الاقتداء بالشافعيِّ
على ثلاثة أقسامٍ: الأوَّلُ أنْ يعلم منه الاحتياطَ في مذهب الحنفيِّ، فلا كراهة في الاقتداء به. الثاني: أنْ
يعلم منه عدمَهُ، فلا صحَّةَ. الثالث: أن لا يعلَمَ شيئاً فالكراهةُ))، فأنت ترى أنَّه لا دلالة فيما قاله
"البحر" على ما ذكرَهُ المحشِّي؛ إذ المرادُ بالجواز في عبارة "الهداية" الصحَّةُ - إذ هي التي يدلُّ عليها
مسألة الاقتداء - لا الحِلُّ بدون كراهة، وما في "شرح المنية" لا دلالة له على ما ذكرَهُ أيضاً؛ إذ تقييده
بالمفسد دون غيره إنما هو للجواز بمعنى الصحَّة لا لنفي الكراهة، وعبارةُ "القاري" المذكورةُ لا تدلُّ على
نفي الكراهة إذا راعى في الفرائض فقط، بل المتبادرُ عدم حصر المراعاة فيها، نعم آخرُها ربما يدلُّ على
عدم لزوم المراعاة في السنن لنفي الكراهة حيث قال: ((لا فيما هو سنّةٌ إلخ))، وحينئذٍ حيث أطلَقَ في
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٩/ب.
(٢) المقولة [٥٦٣٢] قوله: ((كما بسط في البحر)).
قسم العبادات
...
٥٤٠
حاشية ابن عابدين
في تلك الصلاة وإنْ لم يراعِ في الواجبات والسنن كما هو ظاهرُ سياق كلام "البحر"(١)، وظاهرُ
كلام "شرح المنية"(٢) أيضاً، حيث قال: ((وأمَّا الاقتداءُ بالمخالف في الفروع كالشافعيِّ فيجوزُ ما
لم يعلمْ منه ما يُفسِدُ الصلاة على اعتقادِ المقتدي، عليه الإجماع، إنما اختُلِفَ في الكراهة)) اهـ.
فقَّدَ بالمفسِدِ دون غيره كما ترى، وفي رسالةٍ "الاهتداء في الاقتداء" لـ "منلا علي القاري":
((ذهَبَ عامَّةُ مشايخنا إلى الجواز إذا كان يحتاطُ في موضع الخلاف، وإلاَّ فلا، والمعنى أنَّه يجوزُ في
المراعي بلا كراهةٍ وفي غيره معها، ثم المواضعُ المهمَّةُ للمراعاة أنْ يتوضَّأَ من الفَصْد والحجامةِ
والقيءٍ والرُّعاف ونحو ذلك، لا فيما هو سنة عنده مكروه عندنا کرفع الیدین في الانتقالات وجهرِ
البسملة وإخفائها، فهذا وأمثالُهُ لا يمكنُ فيه الخروج عن عهدة الخلاف، فكلّهم يتّبعُ مذهبه،
ولا يُمنَعُ مشربه)) أهـ.
وفي "حاشية الأشباه" لـ "الخير الرمليِّ": ((الذي يميلُ إليه خاطري القولُ بعدم الكراهة إذا لم
يتحقَّقْ منه مُفسِدٌ)) اهـ.
"البحر" المراعاة ولم يقيِّدها بالفرائض يبقى المطلقُ على إطلاقه فيعُمُّ الجميع حتَّى السنن، قال "السنديُّ":
((فصار الحاصل أنَّ الشافعيَّ إن راعى مذهبَ المأموم في الشرائط والفرائض والواجبات والسنن من كلِّ
وجهٍ فتصحُّ صلاة المأموم من غيرِ كراهةٍ، وهو الذي يُنزَّلُ عليه ما في وتر "البحر"، ونقل في "الإِمداد"
عن "شرح الديريّ": أَنَّه لا يكره إذا علم منه الاحتياطَ في مذهب الحنفيِّ، وإن راعى في الشرائط
والفرائض دون الواجبات فالصلاةُ مكروهةٌ تحريماً، وعليه يُنزَّلُ ما في "البحر" عن "المجتبى"، ونقل
"الْقُهُستانيُّ" عن "الزاهديِّ" أنّ يكره إمامة الشافعيِّ، وقال "صدر الإسلام": الأحوطُ أن لا يصلّيَ خلفه
كما في "الجوهرة"، وليس إلاَّ فيما إذا راعى في الشرائط والفرائض؛ لأنّه إذا لم يُراعٍ فيهما لا تصحُّ
صلاة المأموم فضلاً عن الكراهة، وإن راعى في الشرائط والفرائض دون السنن فالصلاة مكروهةٌ تنزيهاً،
هذا ما أدینُ الله به)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر ٥٠/٢.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥١٦ ..
الجزء الثالث
٥٤١
باب الإمامة
٠٠
وبحث "المحشِّي)"(١): ((أَنَّه إنْ عَلِمَ أَنَّه راعى في الفروض والواجبات والسنن فلا كراهةً، وإنْ
عَلِمَ تَرْكَها في الثلاثة لم يصحَّ، وإنْ لم يدرِ شيئاً كره؛ لأنَّ بعض ما يجبُ تركه عندنا يسنُّ فعله
عنده، فالظاهرُ أَنَّه يفعلُهُ، وإِنْ عَلِمَ تركَها في الأخيرين فقط ينبغي أنْ يكره؛ لأَنّه إذا كره عند
احتمال ترك الواجب فعند تحقُّقه بالأولى، وإِنْ عَلِمَ تركَها في الثالث فقط ينبغي أنْ يقتديَ به؛ لأنَّ
الجماعة واجبةٌ، فتُقدَّمُ على ترك كراهة التنزيه)) اهـ.
وسبقَهُ إلى نحو ذلك العلاَّمة "البيري" في "رسالته(٢)، حتى ادَّعى: ((أنَّ الانفراد أفضلُ من
الاقتداء به))، قال: ((إذ لا ريبَ أَنَّه يأتي في صلاته بما تحبُ الإعادة [١/ق ٤٤٥/أ] به عندنا أو
تستحبُّ))، لكنْ رَدَّ عليه ذلك غيرُهُ في رسالةٍ أيضاً، وقد أسمعناكَ ما يؤيِّدُ الردّ، نعم نقَلَ الشيخ
"خيرُ الدين)"(٣) عن "الرمليِّ" الشافعيِّ(٤): ((أَنَّه مشى على كراهةِ الاقتداء بالمخالف حيث أمكنَهُ
غيره، ومع ذلك هي أفضلُ من الانفراد، ويحصلُ له فضلُ الجماعة))، وبه أفتى "الرمليُّ" الكبير(٥)،
٣٧٨/١ واعتمده "السبكيُّ" و"الإِسنويُّ" وغيرهما، قال الشيخ "خير الدين": ((والحاصلُ أنَّ عندهم في
ذلك اختلافاً، وكلُّ ما كان لهم علَّةً في الاقتداء بنا صحَّةً وفسادً وأفضليَّةً كان لنا متُلُهُ عليهم،
وقد سمعتَ ما اعتمَدَهُ "الرمليُّ" وأفتى به، والفقيرُ أقولُ مثل قوله فيما يتعلَّقُ باقتداء الحنفيِّ
بالشافعيِّ، والفقيهُ المنصفُ يسلِّمُ ذلك، شعر: [رمل]
وأنا رَمْلِيُّ فقهِ الحنفِيْ لامِرا بعدَ اتّفاق العالِمَين ))
اه ملخصا.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٩/ب.
(٢) المسمّاة "الأقوال المرضيّة" وتقدّم ذكرها ٥٥١/٢.
(٣) لم نعثر عليها في "الفتاوى الخيرية"، ولعلها في حاشيته على "البحر".
(٤) نهاية المحتاج: كتاب صلاة الجماعة وأحكامها ١٤٢/٢-١٤٣.
(٥) في "فتاواه" ٢٤٩/١ (هامش "الفتاوى الكبرى الفقهية").
قسم العبادات
٥٤٢
حاشية ابن عابدين
أي: لا جدالَ بعد اتّفاق عالِمَي المذهبين، وهما رمليُّ الحنفيّة - يعني به نفسَهُ ـ ورمليُّ
الشافعيَّة رحمهما الله تعالى، فتحصَّلَ أنَّ الاقتداء بالمخالف المراعي في الفرائض أفضلُ من الانفراد إذا
لم يجدْ غيره، وإلاَّ فالاقتداءُ بالموافق أفضلُ
مطلبٌ: إذا صلَّى الشافعيُّ قبل الحنفيِّ هل الأفضلُ الصلاة مع الشافعيِّ أم لا ؟
بِقِيَ ما إذا تعدَّدتِ الجماعاتُ في المسجد، وسبَقَتْ جماعةُ الشافعيّة مع حضوره، نقل "ط"(١)
عن "رسالةٍ لابن نجيمٍ": ((أنَّ الأفضل الاقتداءُ بالشافعيِّ، بل يكرهُ التأخير؛ لأنَّ تكرار الجماعة في
مسجدٍ واحدٍ مكروهٌ عندنا على المعتمد، إلاَّ إذا كانت الجماعة الأُولى غيرَ أهلِ ذلك المسجد، أو
أُدِّيت الجماعةُ على وجهٍ مكروهٍ، ولأَنّه لا يخلو الحنفيُّ حالة صلاة الشافعيِّ: إمّا أنْ يشتغلَ
بالرَّواتب لينتظرَ الحنفيَّ، وذلك منهيٌّ عنه لقوله ،َّ: ((إذا أقيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلاَّ
المكتوبةُ)(٢)، وإمَّا أنْ يجلسَ، وهو مكروة أيضاً لإعراضه عن الجماعة من غير كراهةٍ في جماعتهم
على المختار)) اهـ.
ونحوُهُ في "حاشية المدنيِّ" عن شيخ والده الشيخ "محمَّد أكرم"(٢)، وخاتمةِ المحقّقين السيِّد
"محمَّد أمين ميربادشاه"(٤)، والشيخ "إسماعيل الشروانيِّ"(٥)، فإنّهم رجَّحُوا أنَّ الصلاة مع أوَّلِ
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٤/١ بتصرف.
(٢) أخرجه أحمد ٣٣١/٢ - ٥١٧، ومسلم (٧١٠)(٦٣)(٦٤) كتاب صلاة المسافرين - باب كراهية الشروع في نافلة بعد
شروع المؤذن، وأبو داود (١٢٦٦) كتاب الصلاة - باب إذا أدرك الإمام ولم يصلِّ ركعتي الفجر، والترمذيّ (٤٢١)
كتاب الصلاة - باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة، وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن، والنسائيّ ١١٦/٢ - ١١٧
كتاب الإمامة - باب ما يكره من الصلاة عند الإقامة، وابن ماجه (١١٥١) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - باب ما جاء
في إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وابن حبان (٢١٩٣) كتاب الصلاة - باب فرض متابعة الإمام.
(٣) لم نعثر على ترجمته فيما بين أيدينا من المصادر.
(٤) محمد أمين بن محمود المعروف بأمير بادشاه البخاري (ت نحو ٩٧٢هـ)("هدية العارفين"٢٤٩/٢، "الأعلام"٤١/٦).
(٥) لم نعثر على ترجمته فيما بين أيدينا من المصادر.
الجزء الثالث
٥٤٣
باب الإمامة
جماعةٍ أفضلُ، قال: ((وقال الشيخُ "عبد الله العفيف" في "فتاواه العفيفيَّة" عن الشيخ "عبد الرحمن
المرشديّ": وقد كان شيخُنا شيخُ الإسلام مفتي بلدِ الله الحرام [١/ق ٤٤٥/ب] الشيخُ "عليُّ بِنُ
جارِ الله بن ظهيرةً(١) الحنفيُّ لا يزالُ يصلّي مع الشافعيّة عند تقدُّمٍ جماعتهم، وكنت أقتدي به في
الاقتداء بهم)) اهـ.
وخالَفَهم العلاّمة الشيخ "إبراهيمُ البيري" بناءً على كراهة الاقتداء بهم لعدم مراعاتهم في
الواجبات والسنن، وأنَّ الانفراد أفضلُ لو لم يُدرِكْ إمامَ مذهبه، وخالَفَهم أيضاً العلاَّمة الشيخ
"رحمة الله السنديُّ" تلميذ "ابن الهمام" فقال: ((الاحتياطُ في عدم الاقتداء به ولو مراعياً))،
وكذا العلاَّمة "المنلا علي القاري" فقال بعد ما قدَّمناه(٢) عنه من عدم كراهة الاقتداء بهم:
((ولو كان لكلِّ مذهبٍ إمامٌ كما في زماننا فالأفضلُ الاقتداءُ بالموافِقِ سواءٌ تقدَّمَ أو تأخّرَ على
ما استحسنه عامَّة المسلمين، وعمِلَ به جمهورُ المؤمنين من أهل الحرمين والقدسِ ومصرَ
والشام، ولا عبرةً بمن شَذَّ منهم)) اهـ.
والذي يميلُ إليه القلب عدمُ كراهة الاقتداء بالمخالف ما لم يكن غيرَ مُراعٍ في الفرائض؛ لأنَّ
كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا أئمَّةً مجتهدين وهم يصلُون خلفَ إمامٍ واحدٍ مع تباينِ مذاهبهم،
وأَنَّه لو انْتَظَرَ إمامَ مذهبه بعيداً عن الصفوف لم يكن إعراضاً عن الجماعة للعلم بأنّه يريدُ جماعةً
أكملَ من هذه الجماعة، وأمَّا كراهة تعدُّدِ الجماعة في مسجدٍ واحدٍ فقد ذكرنا الكلامَ عليها أوَّلَ
الباب(٣)، والله أعلمُ بالصواب.
(١) علي بن جار الله بن محمد الشهير بابن ظهيرة القرشي المخزوميّ المكيّ (ت١٠١٠هـ). ("خلاصة الأثر" ١٥٠/٣،
"هدية العارفين" ٧٥١/١، "معجم المؤلفين" ٤١٤/٢).
(٢) في هذه المقولة.
(٣) المقولة [٤٦٦٥] قوله: ((ويكره)) وما بعدها.
قسم العبادات
٥٤٤
حاشية ابن عابدين
(و) يكرهُ تحريماً (تطويلُ الصلاة) على القوم زائداً على قدْرِ السنّةِ في قراءةٍ وأذكارِ
رَضِيَ القومُ أَوْ لا؛ لإطلاق الأمر بالتخفيف، "نهر"(١).
[٤٧٦٧] (قولُهُ: تحريماً) أخَذَهُ في "البحر"(٢) من الأمرِ بالتخفيف في الحديث الآتي(٣)، قال:
((وهو للوجوب إلاَّ لصارفٍ، ولإدخالِ الضرر على الغير)) اهـ. وجزَمَ به في "النهر "(٤).
[٤٧٦٨] (قولُهُ: زائداً على قدْرِ السّنّةِ) عزاه في "البحر"(٥) إلى "السِّراج)"(٦) و"المضمرات"، قال:
((وذكَرَهُ في "الفتح"(٧) بحثاً، لا كما يتوهَّمُهُ بعضُ الأئمّة، فيقرأُ يسيراً في الفجر كغيرها)) اهـ.
[٧٦٩ ٤] (قولُهُ: لإطلاقِ الأمرِ بالتخفيف) وهو ما في "الصحيحين)(٨): ((إذا صلَّى أحدُكم
بالناس فليخفّفْ، فإنَّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبير، وإذا صلَّى لنفسِهِ فليطوِّلْ ما شاء))، وقد
تبعَ "الشارحُ" في ذلك صاحبَ "البحر"(٩)، واعترضَهُ الشيخ "إسماعيل"(١٠): ((بأنَّ تعليل الأمرِ
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٤/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٢/١.
(٣) المقولة [٤٧٦٩] قوله: ((لإطلاق الأمر بالتخفيف)).
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٤/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٢/١.
(٦) "السّراج الوهّاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ١٨٨/أ.
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٥/١.
(٨) أخرجه مالك في "الموطأ" ١٢٩/١ كتاب الصلاة - باب العمل في صلاة الجماعة، وأحمد في "المسند" ٢٧١/٢ و٤٨٦
و٥٠٢، والبخاريّ (٧٠٣) كتاب الأذان - باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء، ومسلم (٤٦٧) (١٨٣) (١٨٤)
(١٨٥) كتاب الصلاة - باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، وأبو داود (٧٩٤) و(٧٩٥) كتاب الصلاة - باب في
تخفيف الصلاة، والترمذيّ (٢٣٦) كتاب الصلاة - باب ما جاء إذا أم أحدكم الناس فليخفف، وقال: حديث أبي
هريرة رضيته حديث حسن صحيح، والنسائيّ ٩٤/٢ كتاب الإمامة - باب ما على الإمام من التخفيف، وابن حبان في
"صحيحه" (١٧٦٠) كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة، و(٢١٣٦) كتاب الصلاة - باب فرض متابعة الإمام. كلهم من
حديث أبي هريرة ◌َّهِ، وفي الباب عن: عَدِيّ بن حاتم، وأنس بن مالك، وجابر بن سَمُرَة، ومالك بن عبد الله
الْخُزَاعِيّ، وأبي واقد الليثي، وعُثمان بن أبي العاص، وأبي مسعود الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وابن عباس هيه.
(٩) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٢/١.
(١٠) في "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٣٤٨/ب.
الجزء الثالث
٥٤٥
باب الإمامة
وفي "الشرنبلالَّة": ((ظاهرُ حديث "معاذٍ" أَنَّه لا يزيدُ على صلاةٍ أضعفِهم مطلقاً،
ولذا قال "الكمال": إلاَّ لضرورةٍ، وصحَّ أنَّه عليه الصلاة والسلام قرَأَ بالمعوِّذتين في
الفجر حين سَمِعَ بكاءً صبيٍّ)).
بما ذكَرَ يفيدُ عدمَ الكراهة إذا رضيَ [١/ق٤٤٦/أ] القوم))، أي: إذا كانوا محصورين، ويمكن حملُ
كلام "البحر" على غيرِ المحصورين، تأمَّل.
[٤٧٧٠] (قولُهُ: وفي "الشرنبلاليّة"(١) إلخ) مقابلٌ لقوله: ((زائداً على قدْرِ السنَّة))، وحاصله:
أَنَّه يقرأ بقدْرِ حالِ القوم مطلقاً، أي: ولو دونَ القدْرِ المسنون، وفيه نظرٌ، أمَّا أوَّلاً فلأَنَّه مخالفٌ
للمنقول عن "السِّراج" و"المضمرات" كما مرَّ(٢)، وأمَّ ثانياً فلأنَّ القدْرَ المسنون لا يزيدُ على صلاةٍ
أضعفهم؛ لأَنَّه كان يفعلُهُ وَ ◌ّ مع علمه بأنَّه يقتدي به الضعيفُ والسقيم، ولا يتركُهُ إلاَّ وقتَ
الضرورة، وأمَّا ثالثاً فلأنَّ قراءة "معاذٍ" لَمَّا شكاه قومه إلى النبيِ مَ﴿ وقال: ((أفّانٌ أنت يا
"معاذ"))(٣)، إنما كانت زائدةً على القَدْرِ المسنون، قال "الكمال" في "الفتح"(٤): ((وقد بحثنا أنَّ
التطويلَ هو الزيادة على القراءة المسنونة، فإِنَّه ﴿ نهى عنه، وقراءته هي المسنونة، فلا بدَّ من كون
ما نهى عنه غيرَ ما كان دأبَهُ إلَّ لضرورةٍ، وقراءةُ "معاذٍ" لَمَّا قال له وَ﴿ّ ما قال كانت بالبقرة على
ما في "مسلم)"(٥): ((أنَّ "معاذً" افتتَحَ بالبقرة، فانحرَفَ رجُلٌ فسلَّمَ، ثم صلَّى وحده وانصرف))،
(قولُ "الشارح": ولذا قال "الكمال") أي: لمراعاةِ الأضعف.
(قولُهُ: ويمكن حملُ كلام "البحر" إلخ) فيه أنَّه قد يتأَتَّى الرِّضا من غير المحصورين، بأن أمَّ جماعةً
غيرَ معلومين لكنْ عَلِمَ من حالهم الرِّضا بالإطالة.
(١) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - فصل في الإمامة ٨٦/١ بتصرف (هامش "الدرر والغرر").
(٢) المقولة [٤٧٦٨] قوله: ((زائداً على قدر السنة)).
(٣) أخرجه أحمد ١٢٤/٣، والبخاري (٧٠٥) كتاب الأذان - باب من شكا إمامه إذا طوّل، ومسلم (٤٦٥)(١٧٩) كتاب
الصلاة - باب القراءة في العشاء، والنسائيّ ١٧٢/٢ كتاب الافتتاح - القراءة في العشاء الآخرة بـ:سبح اسم ربك، وابن
ماجه (٩٨٦) كتاب إقامة الصلاة - باب من أمَّ قوماً فليخفف، من حديث جابر رضي الله عنهما مرفوعاً.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٥/١.
(٥) مسلم (٤٦٥) كتاب الصلاة - باب القراءة في العشاء.
قسم العبادات
٥٤٦
حاشية ابن عابدين
(و) يكرهُ تحريماً (جماعةُ النساء) ولو في التراويحِ (في غيرِ صلاةِ جنازةٍ)
وقوله وَّ: ((إذا أمَمْتَ بالناس فاقرأ بالشمس وضُحاها، وسبَّحِ اسمَ ربِّك الأعلى، واقرأ باسم
ربِّك، والليل إذا يغشى))(١) لأنّها كانت العشاءَ، وأنَّ قوم "معاذٍ" كان العذرُ متحقِّقاً فيهم لا كسلٌ
منهم، فأمَرَ فيهم بذلك لذلك، كما ذُكِرَ أَنَّه ◌َ﴿ قرأ بالمعوِّذتين في الفجر، فلمَّا فرَغَ قالوا له:
أو جزْتَ، قال: ((سمعتُ بكاءً صبيٍّ، فخشيتُ أنْ تُفْتَنَ أمُّه)(٢))) اهـ ملخّصاً.
٣٧٩/١
فقد ظهَرَ من كلامه أنَّه لا ينقُصُ عن المسنون إلاَّ لضرورةٍ كقراءته بالمعوِّدتين لبكاءِ الصبيِّ،
وظهَرَ من حديث "معاذٍ" أنّه لا ينقُصُ عن المسنون لضعفِ الجماعة؛ لأَنّه لم يُعِيِّنْ له دون المسنون
في صلاة العشاء، بل نهاه عن الزيادة عليه مع تحقَّقِ العذر في قومه، فما استظهَرَهُ "الشرنبلاليُّ"(٣)
من الحديث وحَمَلَ عليه كلامَ "الكمال" غيرُ ظاهرٍ، نعم ذكَرَ في "البحر"(٤) في باب الوتر والنوافل
عند الكلام على [١/ق ٤٤٦ /ب] التراويح معزّاً إلى "المجتبى": ((أنَّ "الحسن" رَوَى عن "الإمام"
أنّه إذا قرأ في المكتوبة بعد الفاتحة ثلاثَ آيَاتٍ فقد أحسَنَ ولم يُسِئْ)) اهـ. لكنَّه لا ينافي ما قلنا؟
لأَنَّه أحسَنَ بقراءةِ القَدْرِ الواجب، ولم يُسِئْ، أي: لم يَصِلْ إلى كراهةٍ شديدةٍ، فتأمَّل.
[٤٧٧١] (قولُهُ: ويكرهُ تحريماً) صرَّحَ به في "الفتح"(٥) و "البحر"(١).
[٤٧٧٢] (قولُهُ: ولو في التراويحِ) أفادَ أنَّ الكراهة في كلِّ ما تُشرَعُ فيه جماعةُ الرجال
فرضاً أو نفلاً.
(١) تقدم تخريجه في الصحيفة السابقة من حديث معاذ.
(٢) أخرج أحمد ٢٥٧/٣ بنحوه عن أنس بن مالك، وله أصل عند البخاريّ (٧٠٩) كتاب الأذان - باب من أخف
الصلاة عند بكاء الصبي من حديث أبي قتادة، وعند مسلم (٤٧٠) كتاب الصلاة - باب أمر الأئمة في تخفيف
الصلاة في تمام، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله و ◌َ ل يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ
بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - فصل الإمامة ٨٦/١.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة ٧٤/٢.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٦/١.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٢/١.
الجزء الثالث
٥٤٧
باب الإمامة
لأَنَّها لم تُشرَعْ مكرَّرةً، فلو انفرَدْنَ تفوتُهنَّ بفراغٍ إحداهنَّ، ولو أمَّتْ فيها رجالاً
لا تُعادُ لسقوطِ الفرض بصلاتها، إلاَّ إذا استخلَفَها الإِمامُ وخلْفَهُ رجالٌ ونساءٌ ....
(٤٧٧٣] (قولُهُ: لأَنّها لم تُشرَعْ مكرَّرةً إلخ) قال في "الفتح"(١): ((واعلم أنَّ جماعتهنَّ لا تكرهُ
في صلاة الجنازة؛ لأَنَّها فريضةٌ، وتركُ التقدُّمِ مكروهٌ، فدارَ الأمرُ بين فعل المكروهِ لفعل الفرض، أو
ترك الفرض لتركه، فوجَبَ الأوَّلُ بخلاف جماعتهنَّ في غيرها، ولو صلَّينَ فُرادى فقد تَسبِقُ
إحداهنَّ، فتكونُ صلاة الباقيات نفلاً، والتنفُّلُ بها مكروهٌ، فيكون فراغُ تلك موجباً لفساد الفرضيّة
لصلاة الباقيات كتقييد الخامسةِ بالسجدة لمن ترَكَ القعدةَ الأخيرة)) اهـ. ومثلُهُ في البحر(٢) وغيره.
ومُفاده: أنَّ جماعتهنَّ في صلاة الجنازة واجبةٌ حيث لم يكن غيرُهنَّ، ولعلَّ وجهه الاحترازُ
عن فساد فرضيَّة صلاة الباقيات إذا سبَقَتْ إحداهنَّ، وفيه أنَّ الرجال لو صَلَّوا منفردين يلزمُ فيها
مثلُ ذلك، فيلزمُ عليه وجوبُ جماعتهم فيها مع أنَّ المصرَّحَ به أنَّ الجماعة فيها غيرُ واجبةٍ، فتأمَّل.
[٤٧٧٤] (قولُهُ: لا تُعادُ) لأَنّها لو أُعيدَتْ لوقَعَتْ نفلاً مكروهاً، "ط"(٣).
[٧٧٥ ٤] (قولُهُ: بصلاتِها) قَّدَ به لأنَّ الرجال لم تنعقدْ صلاتهم، "ح"(٤).
[٧٧٦ ٤] (قولُهُ: إلاَّ إذا استخلَفَها) استثناءٌ من قوله: ((لا تُعادُ))، وهذا ليس خاصًّاً بالجنازة،
بل غيرُها مثلُها.
(قولُهُ: ومفادُهُ أنَّ جماعتهنَّ في صلاة الجنازة واجبةٌ إلخ) إنما يَتِمُّ بإرجاع ضمير ((لأنَّها فريضةٌ))
للجماعة كما فعَلَ في "حاشية البحر"، وهو خلافُ الظاهر، بل هو راجعٌ لصلاة الجنازة، فإنّها فرضُ
كفايةٍ على كلٍّ منهنَّ، قال "السنديُّ" نقلاً عن "شرح المنية": ((ويُستحَبُّ أنْ يصلِين منفرداتٍ، وتجوزُ
جماعتُهنَّ)) اهـ. فمرادُ "الفتح" وغيره من الوجوب معناه اللغويُّ، أي: تَبَتَ الأوَّلُ ويكونُ مُقدَّماً على
الترك لا على الانفراد المستحبِّ.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٦/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٢/١.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٥/١.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٠/أ.
قسم العبادات
٥٤٨
حاشية ابن عابدين
فتفسُدُ صلاة الكلِّ (فإِنْ فَعَلْنَ تقفُ الإِمامُ وسَطَهنَّ)
[٤٧٧٧] (قولُهُ: فتفسُدُ صلاةُ الكلِّ أمَّا الرجالُ والإمام فلعدم صحَّةٍ اقتداء الرجال بالمرأة،
وأمَّا النساء والمقدَّمة فلأَنَّهنَّ دخَلْنَ في تحريمٍ كاملٍ، فإذا انتقلْنَ إلى تحريمةٍ ناقصةٍ لم يَجُزْ، كأنّهنَّ
انتقلْنَ من فرضٍ إلى فرضٍ آخر كما في "البحر"(١)، " ح"(٢).
وظاهرُ التعليل يقتضي الفسادَ ولو كُنَّ نساءً خُلَّصاً، أفاده "أبو السُّعود"(٢)، "ط"(٤). والأظهرُ
التعليل بأنَّ الإِمام يصيرُ مقتدياً بخليفته، فتفسُدُ صلاة مَنْ خلفه، [١/ق٤٧ ٤/أ] بل باستخلافه مَنْ
لا يصلحُ للإمامة تفسُدُ صلاته، فكذا مَن خلفه، "رحمتي".
[٤٧٧٨] (قولُهُ: تقفُ الإِمامُ) بالمتّة الفوقَيَّة؛ لأن فاعله ((الإِمامُ))، وهو هنا مؤنّثٌ حقيقيٌّ اهـ
وقال "منلا علي القاري": ((يجوزُ التذكير؛ لأَنّ مصدرٌ بمعنى المفعول، أي: المقتدَى به)) اهـ.
وفي "النهر"(٥): ((هو مَنْ يؤْتَمُّ به ذكراً كان أو أنثى، وفي بعض النسخ: الإمامةُ، وتركُ الهاءِ
هو الصواب؛ لأَنَّه اسمٌ لا وصفٌ)) اهـ.
[٤٧٧٩] (قولُهُ: وسَطَهِنَّ) في "المغرب"(٦): ((الوسَطُ بالتحريك: اسمٌ لعينِ ما بين طرفي
الشيء كمركزِ الدائرة، وبالسكون: اسمٌ مبهمٌ لداخلِ الدائرة مثلاً، ولذا كان ظرفاً، والأوَّلُ يُجعَلُ
مبتدأً وفاعلاً ومفعولاً به إلخ))، وفي "ضياء الحلوم": ((الوسْطُ بالسكون: ظرفُ مكانٍ، وبالفتح:
اسمٌ، تقول: وسْطَ رأسِهِ دُهنٌ بالسكون وفتح الطاء، فهذا ظرفٌ، وإذا فتحتَ السينَ رفعتَ الطاء
(قولُهُ: فلأَنَّهِنَّ دخَلْنَ في تحريمةٍ كاملةٍ) لا كراهةَ فيها بسبب اقتدائهنَّ برجلٍ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٢/١ نقلاً عن "السّراج الوهّاج".
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٠/أ.
(٣) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٠٩/١.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٥/١.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٤/أ وما بعدها.
(٦) "المغرب": مادة ((وسط)).
الجزء الثالث
٥٤٩
باب الإمامة
فلو تقدَّمَتْ أَثِمَتْ إلَّ الخنثى فيتقدَّمُهنَّ (كالعُراةٍ) فيتوسَّطُهم الإِمامُ، ويكرهُ
جماعتهم تحريماً، "فتح"(١) (ويكرهُ حضورُهنَّ الجماعةَ) ولو لجمعةٍ وعيدٍ ووعظٍ
(مطلقاً) ولو عجوزاً ليلاً (على المذهب) المفتى به لفسادِ الزمان،.
وقلت: وسَطُ رأسِهِ دُهنّ، فهذا اسمٌ)) اهـ
قلت: وعليه فيجوزُ هنا الفتح والسكون؛ لأَنَّها إذا وقَفَتْ في نصف الصفِّ صدَقَ أنَّها في
الوسْطِ بالسكون، وأنَّها عينُ الوسَطِ بالتحريك، ويكونُ نصبُهُ في الأوَّلِ على الظرفَّة، وفي الثاني
على الحاليّة؛ لأَنَّه بمعنى: متوسِّطةً، فافهم.
[٧٨٠ ٤] (قولُهُ: فلو تقدَّمَتْ أَئِمَتْ) أفادَ أنَّ وقوفها وسَطَهِنَّ واجبٌ كما صرَّحَ به في
"الفتح"(٢)، وأنَّ الصلاة صحيحٌ، وأَنَّها إذا توسَّطَتْ لا تزولُ الكراهة، وإنما أرشدوا إلى التوسُّطِ
لأَنّه أقلُّ كراهيةً من التقدُّمِ كما في "السِّرَاجِ"(٣)، "محر"(٤).
[٤٧٨١] (قولُهُ: فيتقدَّمُهنَّ) إذ لو صلَّى وسَطَهنَّ فسدتْ صلاته بمحاذاتِهِنَّ له على تقدير
ذكورته، "ح"(٥). أي: وتفسُدُ صلاتُهنَّ أيضاً.
(٤٧٨٢] (قولُهُ: فيتوسَّطُهم إلخ) أشارَ به إلى أنَّ التشبيه بين العُراة والنساء ليس من كلِّ وجهٍ،
بل في الانفرادِ وقيامِ الإِمام في الوسَط، وإلاَّ فالعُراةُ يصلُّون قعوداً وهو أفضلُ، والنساءُ قائماتٍ كما
في "البحر"(٦).
[٤٧٨٣] (قولُهُ: ولو عجوزاً ليلاً) بيانٌ للإطلاق، أي: شابَّةً أو عجوزاً، نهاراً أو ليلاً.
[٤٧٨٤] (قولُهُ: على المذهبِ المفتَى به) أي: مذهب المتأخّرين، قال في "البحر"(٧): ((وقد
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٦/١.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٦/١.
(٣) "السّراج الوهّاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ١٨٨/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٣/١.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٠/أ.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٣/١ بتصرف نقلاً عن "معراج الدراية".
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٠/١.
قسم العبادات
٥٥٠
حاشية ابن عابدين
واستثنى "الكمالُ" بحثاً العجائزَ المتفانية (كما تكرهُ إمامةُ الرجل لهنَّ في بيتٍ .....
يقال: هذه الفتوى التي اعتمدَها المتأخّرون مخالفةٌ لمذهب [١/ق٤٤٧/ب] "الإمام" وصاحبيه،
فإِنّهم نقلوا أنَّ الشابّة تُمنَعُ مطلقاً اتفاقً، وأمَّا العجوزُ فلها حضورُ الجماعة عند "الإِمام" إلاَّ في
الظُّهر والعصر والجمعة، أي: وعندهما مطلقاً(١)، فالإفتاءُ بمنع العجائز في الكلِّ مخالِفٌ للكلِّ،
فالاعتمادُ على مذهب "الإمام")) اهـ.
قال في "النهر "(٢): ((وفيه نظرٌ، بل هو مأخوذٌ من قول "الإمام"، وذلك أنّه إنما منَعَها لقيام
الحاملِ، وهو فرْطُ الشهوة بناءً على أنَّ الفَسَقة لا ينتشرون في المغرب؛ لأَنّهم بالطعام مشغولون،
وفي الفجر والعشاء نائمون، فإذا فُرِضَ انتشارُهم في هذه الأوقاتِ لغلبة فِسقهم كما في زماننا بل
تحرِّيهِم ◌ِيَّها كان المنعُ فيها أظهرَ من الظّهر)) اهـ.
قلت: ولا يخفى ما فيه من التّورية اللَّطيفة، وقال الشيخ "إسماعيل"(٣): ((وهو كلامٌ
٣٨٠/١ حسنٌ إلى الغاية)).
[٤٧٨٥] (قولُهُ: واستثنَى "الكمالُ"(٤) إلخ) أي: مما أفْتَى به المتأخّرون لعدم العلّة السابقة،
فيبقى الحكمُ فيه على قول "الإِمام"، فافهم.
(قولُ " الشارح": واستثنى "الكمال" بحثاً العجائزَ) لكنَّ مَن أطلق قال: لكلِّ ساقطةٍ لاقطةٌ، وإذا
كانت الفُسَّاق تتبعُ البهائم والموتى في القبور فلأنْ تتبعَ العجائز المتفانية أولى، فكلٌّ تكلَّمَ على حسب
حاله وما يشاهدُ في أهل عصره، ومَن اتَّسَعَ اطّلاعُهُ منَعَ الكلَّ، وهو الصواب، ويشهد له حديث
"عائشة" رضي الله تعالى عنها حيث قالت: ((لو رأى رسولُ الله ◌ُ لَّ ما أحدَثَ النساء لمنَعَهنَّ
المساجدَ)) ولم تُفْصِّل. اهـ "رحمتي".
(١) كما في "الهداية" و"المجمع"، كذا في "البحر".
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٦/أ.
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٣٥٠/ب.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣١٧/١-٣١٨.
الجزء الثالث
٥٥١
باب الإمامة
ليس معهنَّ رجلٌ غيره ولا مَحْرَمٌ منه) كأختِهِ (أو زوجتُهُ أو أمَتُهُ أمَّا إذا كان معهنَّ
واحدٌ ممن ذُكِرَ أو أَمَّهن في المسجد لا) يكرهُ، "بحر "(١).
(ويقفُ الواحدُ) ولو صبيّاً، أمَّا الواحدةُ فتتأخَّرُ (مُحاذِياً) أي: مساوياً (ليمين
إمامه) على المذهب، ولا عبرةَ بالرأس.
[٤٧٨٦] (قولُهُ: ليس معهنَّ رجلٌ غيرُه) ظاهرُهُ أنَّ الخلوة بالأجنبيّة لا تنتفي بوجودِ امرأةٍ
أجنبيّةٍ أخرى، وتنتفي بوجودِ رجلٍ آخر، تأمَّل.
[٤٧٨٧] (قولُهُ: كأختِهِ) من كلام "الشارح" كما رأيتُهُ في عدَّة نسخٍ، وكذا بخطّهِ في
"الخزائن"(٢)، حيث كتَبَهُ بالأسود، وأفاد أنَّ المراد بالمحرَم ما كان من الرَّحِم؛ لِما قالوا من كراهةٍ
الخلوة بالأختِ رضاعاً والصِّهرة الشابّة، تأمَّل.
[٧٨٨ ٤] (قولُهُ: أو زوجتُهُ أو أمَّتُهُ) بالرفع عطفاً على ((رجُلٌ)) أو ((محرَمٌ))، لا بالجرِّ عطفاً
على ((أختِهِ))؛ لِما علمتَ أنَّه ليس من المتن، وحينئذٍ فلا حاجة إلى دعوى تغليبِ المحرم، فافهم.
[٤٧٨٩] (قولُهُ: في المسجد) لعدم تحقَّقِ الخلوة فيه، ولذا لو اجتمَعَ بزوجته فيه لا يُعَدُّ خلوةً
کما یأتي، "رحمتي".
[٤٧٩٠] (قولُهُ: أمَّا الواحدةُ فتأخِّرُ) فلو كان معه رجلٌ أيضاً يقيمُهُ عن يمينه والمرأةَ خلفهما،
ولو رجلان يقيمُهما خلفَهُ والمرأةَ خلفهما، "بحر "(٣). وتأخُّرُ الواحدة محلُّهُ إذا اقتدت برجُلٍ
لا بامرأةٍ مثلِها، "ط"(٤) عن "البيرجنديّ".
[٤٧٩١] (قولُهُ: على المذهبِ) خلافاً لِما عن "محمَّدٍ" من أَنَّه يجعلُ أصابعَهُ عند عقبِ الإِمامِ،
(قولُهُ: ظاهرُهُ أنَّ الخلوة بالأجنبيّة لا تنتفي إلخ) نقَلَ ما استظهرَهُ هنا في فصل النظر من كتاب الكراهية عن
"منية المفتي" حيث قال: ((وفي "منية المفتي": الخلوةُ بالأجنبيّة مكروهٌ وإن معها أخرى كراهةَ تحريمٍ)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٣/١.
(٢) "خزائن الأسرار": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ١٠٣/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٤/١ بتصرف.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٦/١.
قسم العبادات
٥٥٢
حاشية ابن عابدين
بل بالقدم، فلو صغيراً فالأصحُّ ما لم يتقدَّمْ أكثرُ قدمِ المؤتَمِّ لا تفسُدُ (فلو وقَفَ عن
يسارِهِ.
"بحر"(١). ويأمرُهُ الإِمامُ بذلك، أي: بالوقوف عن يمينه، ولو بعد الشُّروع أشارَ إليه بيده لحديث
"ابن عبّاسِ": ((أَنَّه قام عن [١/ق ٤٤٨ /أ] يسارِ النبي ◌َّ، فأقامَهُ عن يمينه)(٢)، "سراج"(٣).
[٤٧٩٢] (قولُهُ: بل بالقدمٍ) فلو حاذاه بالقدم، ووقَعَ سجوده مقدَّماً عليه لكونِ المقتدي أطولَ
من إمامه لا يضرُّ، ومعنى المحاذاةِ بالقدم المحاذاةُ بعقبه، فلا يضرُّ تقدُّمُ أصابع المقتدي على الإمام
حيث حاذاه بالعقِبِ ما لم يفحُش التفاوتُ بين القدمين، حتى لو فحُشَ - بحيث تقدَّمَ أكثرُ قدم
المقتدي لعظم قدمه - لا يصحُّ كما أشار إليه بقوله: ((مالم يتقدَّمْ إلخ))، قال في "البحر"(٤):
(قولُهُ: أشار إليه بيده لحديث "ابن عبّاسٍ" إلخ) ظاهرُ قوله: ((أشار)) أنّه يأمرُهُ بالقيام عن يمينه بالإشارة
فقط مع أنَّه رَوَى "البخاريُّ" عن "ابن عبّاسِ" كما في "السنديّ": ((أَنَّه لَمَّا قام إلى يسار النبيِّ ◌َ﴿ أَخَذَ لَ.
بأذنه وأدارَهُ إلى يمينه)) اهـ. إلاَّ أنْ يكون قبل شروعه في الصلاة، ولفظ الحديث على ما ذكرَهُ في "الهداية"
يتبادرُ أَنّه أَقَامَهُ وهو في الصلاة، حيث قال: ((عن "ابن عبّاسٍ": بتُّ عند خالتي "ميمونة"، فقام النبيُّ يصلّي
من الليل، فقمتُ عن يساره فأخَذَ برأسي فأقامني عن يمينه ))، وهو صريحُ ما في "مسلم)".
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٣/١.
(٢) أخرجه البخاريّ (٣١٨) كتاب العلم - باب السَّمر في العلم، و(٦٩٨) كتاب الأذان - باب إذا قام الرجل عن يسار
الإمام فحوّله الإمام إلى يمينه لم تفسد صلاتهما، ومسلم (٧٦٣)(١٨١)(١٨٤)(١٨٥) (١٨٦) كتاب صلاة المسافرين،
باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، وأبو داود (٦١٠) كتاب الصلاة - باب الرجلين يؤُمّ أحدُهما صاحبه كيف يقومان؟
والترمذيّ (٢٣٢) كتاب الصلاة - باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجل، وقال: حديث ابن عباسُبه حديث
حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، والنسائيّ ٢١٥/١ كتاب الغسل - باب الأمر بالوضوء من النوم،
وابن ماجه (٩٧٣) كتاب إقامة الصلاة - باب الاثنان جماعة. وفي الباب عن: جابر بن عبد الله وأنسیی.
(٣) "السّراج الوهّاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ١٨٩/أ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٤/١.
الجزء الثالث
٥٥٣
باب الإمامة
((وأشار "المصنف" إلى أنَّ العبرة إنما هو للقدم لا للرأس، فلو كان الإمام أقصرَ من المقتدي، يقعُ
رأس المقتدي قُدَّام الإمام يجوزُ بعد أنْ يكون محاذياً بقدمه أو متأخّراً قليلاً، وكذا في محاذاة المرأة
كما سيأتي، وإِنْ تفاوتت الأقدامُ صغراً وكبراً فالعبرة للسَّاق والكعب، والأصحُّ: ما لم يتقدَّمْ
أکثرُ قدمِ المقتدي لا تفسدُ صلاته کما في "المحتبی")) انتھی.
فما ذكره "الشارح" ليس مخالفاً لِما تقدَّمَ(١) كما تُوهِّمَ، "رحمتي"، فافهم.
وفي "القُهُستانيِّ)(٢): ((هذا في غير المومِي، والعبرةُ في المومي للرأس، حتى لو كان
رأسُهُ خلف إمامه، ورِجْلاه قُدَّام رجليه صحَّ، وعلى العكس لا يصحُّ كما في "الزاهديِّ"
وغيره)) انتهى.
(قولُهُ: ليس مخالفاً لِما تقدَّمَ كما تُوهِّمَ) قال "ط": ((في "القُهُستانيِّ": العبرةُ للقدم، وقيل: إنَّها
جائزةٌ ما بقي المحاذاةُ في شيءٍ من القدم، والأصحُّ أنَّ العبرة لأكثرِها، كذا في "المنية"، ولو اختلف
قدمُهما في الصغر والكبر فالعبرة للكعب في الأصحِّ اهـ. فظاهرُهُ أنَّ التصحيح الأوَّلَ عند مساواةٍ
قدميهما، والتصحيحَ الثاني عند اختلافهما، وظاهرُ نقل "الحمويِّ" كـ "البحر" أنَّهما قولان في المسألة،
وكلامُ "الشارح" لم يوافق أحدهما)) اهـ. فأنت ترى أنَّ كلام "الشارح" لم يوافق ما في "القهستانيِّ"
كما قال "ط" وإِنْ وافَقَ ما في "المجتبى"، و"ط" لم يدَّعِ مخالفتَهُ لِما في "المجتبى" حتَّى يُعتَرَضَ عليه بل
لِما في "القُهُستانيِّ"، وجرى "الشارح" على اعتبارِ المحاذاة بالقدم بمعنى العقب في المسألة الأولى خلاف
الأصحِّ؛ لأنَّ الأصحَّ أنَّ العبرة لمحاذاةِ الأكثر فيها، فيكونُ جارياً على خلاف الأصحِّ، إلاَّ أنْ يبقى القدمُ
على ظاهره ويرادَ أكثرُهُ لا كلُّهُ، فيكونُ موافقاً لِما في "القُهُستانيِّ" من تصحيح اعتبار الأكثر فيها،
ويكون في المسألة الثانية جارياً على أحد تصحيحين، ولعلَّه أشار بقوله: ((فافهم)) إلى الاعتراض على
غير "ط" من محشِّي هذا الكتاب، وإلاَّ فاعتراضُهُ عليه غيرُ واردٍ، تأمَّل.
(١) في هذه المقولة.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل يجهر الإمام ١١٠/١.
قسم العبادات
٥٥٤
حاشية ابن عابدين
أقولُ: وينبغي أنْ لا يكون قوله: ((رأسُهُ خلف إمامه)) قيداً، بل كذلك إذا ساواه على قياسٍ
ما تقدَّمَ(١)، وينبغي أيضاً أنْ يكون هذا في المومي المقتدي بصحيحٍ أو بتمومٍ مثلِهِ، وكان كلٌّ منهما
قاعداً أو مستلقياً ورِجْلاه إلى القبلة، أمَّا لو على جنبه فيشترطُ كون المؤتَمِّ مضطجعاً خلفَ ظهر
إمامه، ولا عبرة للرأس أصلاً.
( تنبيةٌ)
إفرادُ القدم في كلام "الشارح" كغيره يفيدُ أنَّ المحاذاة تُعْتَبَرُ بواحدةٍ، ولم أره صريحاً . .
والظاهرُ: أَنَّه لو كان معتمداً على قدمٍ واحدةٍ فالعبرةُ لها، ولو على القدمين فإنْ كانت
إحداهما محاذيةً والأخرى متأخّرةً فلا كلامَ فيِ الصحَّة، وإنْ كانت الأخرى متقدّمةً فهل يصحُ
نظراً للمحاذِية أوْ لا نظراً للمتقدِّمة؟ محلٌّ نظرٍ، والظاهرُ الثاني ترجيحاً للحاظر على المبيح كما قالوا
فيما لو كانت إحدى قوائمِ الصيد في الحلِّ والأخرى في الحرم، [١/ق ٤٨ ٤/ب] وقد رأيتُ فيه
في كتب الشافعيّة اختلافَ ترجيحٍ.
(فرعٌ)
قال في "منية المفتي": ((اقتدى على سطحٍ، وقام بحذاءِ رأسِ الإمام ذكَرَ "الحَلْوانيُّ": أَنَّه
لا يجوزُ، و "السرخسيُّ)(٢): يجوزُ)).
(قولُهُ: فُيُشترَطُ كونُ المؤتَمِّ مضطجعاً إلخ) لا يظهرُ اشتراط كونِ المؤتَمِّ مضطجعاً خلف ظهر
إمامه، بل لو اضطجَعَ محاذياً رأسهُ لقدمي إمامه أو بالعكس صحَّ؛ إذ المدارُ في عدم صحَّة الاقتداء على
التقدُّم، وفيما ذكر لم يحصل تقدُّمٌ عليه، تأمَّل.
(قولُهُ: اقتَدَى على سطحِ إلخ) هذا الخلافُ متفرِّعٌ على أنَّ العبرة للعقب أو لأكثرِ القدم، فإنَّ مَن
حاذى رأسَ الإمام لم يُحاذِ عقبه، هكذا ظهَرَ.
(١) في هذه المقولة.
(٢) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الحدث في الصلاة ٢١٠/١.
الجزء الثالث
٥٥٥
باب الإمامة
كُرِهَ) اتّفاقاً (وكذا) يكرهُ (خلفَهُ على الأصحِّ) لمخالفته السنّةَ (والزائدُ) يقفُ
(خلفَهُ) فلو توسَّطَ اثنين كُرِهَ تنزيهاً، وتحريماً لو أكثرَ، ولو قام واحدٌ بجنبِ الإِمام
وخلفَهُ صفٌّ.
مطلبٌ: هل الإساءةُ دون الكراهةِ أو أفحشُ منها ؟
[٤٧٩٣] (قولُهُ: كره اتّفاقاً) الظاهرُ أنَّ الكراهة تنزيهيَّةٌ لتعليلِها في "الهداية"(١) وغيرها بمخالفةٍ
السنّة، ولقوله في "الكافي"(٢): ((جاز وأساء))، وكذا نقله "الزيلعيُ)(٢) عن "محمَّدٍ"، لكنْ قدَّمنا(٤)
في أوَّل بحث سنن الصلاة اختلافَ عباراتهم في أنَّ الإساءة دون الكراهة أو أفحشُ منها، ووقَّقنا
بينها بأنَّها دون كراهةِ التحريم، وأفحشُ من كراهة التنزيهِ، فراجعه.
[٤٧٩٤] (قولُهُ: والزائدُ(٥) خلفَهُ) عدَلَ تبعاً لـ "الوقاية" عن قول "الكنز "(٦): ((والاثنان خلفه))
لِأَنَّه غيرُ خاصٍّ بالاثنين، بل المرادُ ما زادَ على الواحد اثنان فأكثرَ، نعم يُفْهَمُ حكمُ الأكثرِ بالأَولى،
وفي "القُهُستَانِ)(٧): ((وكيفيَّتْه: أنْ يقفَ أحدُهما بحذائه والآخرُ بيمينه إذا كان الزائدُ اثنين، ولو
جاء ثالثٌ وَقَفَ عن يسارِ الأوَّلِ، والرابعُ عن يمين الثاني، والخامسُ عن يسار الثالثِ وهكذا)) اهـ.
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الزائد لو جاء بعد الشُّروع يقومُ خلف الإمام، ويتأخَّرُ المقتدي الأوَّلُ، ويأتي(٨)
تمامُّهُ قريباً.
[٤٧٩٥] (قولُهُ: كره تنزيهاً) وفي روايةٍ: لا يكرهُ، والأُولى أصحُّ كما في "الإمداد"(٩).
[٧٩٦ ٤] (قولُهُ: وتحريماً لو أكثرَ) أفاد أنَّ تقدُّمَ الإِمام أمامَ الصفِّ واجبٌ كما أفاده
(١) "الهداية": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٥٦/١.
(٢) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب الإمامة ١/ق ٣٢/أ بتصرف.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإمامة والحدث في الصلاة ١٣٦/١.
(٤) المقولة [٤٠٣٧] قوله: ((وقالوا إلخ)).
(٥) في "م": ((والزائدة)) وهو تحريف.
(٦) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٤٦/١.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل يجهر الإمام ١١١/١.
(٨) المقولة [٤٧٩٧] قوله: ((كره إجماعاً)).
(٩) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق١٦٩/أ.
قسم العبادات
٥٥٦
حاشية ابن عابدين
كُرِهَ إجماعاً.
(ويصُفُّ) أي: يصُفُّهم الإمامُ، بأنْ يأمرَهم بذلك، قال "الشمنيُّ": (( وينبغي أنْ
يأمرَهم بأنْ يتراصُوا ويسُدُّوا.
في "الهداية"(١) و "الفتح"(٢).
[٤٧٩٧] (قولُهُ: كره إجماعاً) أي: للمؤتَمِّ، وليس على الإمام منها شيءٌ، ويتخلَّصُ من
الكراهة بالقهقَرَى إلى خلفٍ إنْ لم يكن المحلُّ ضيِّقاً على الظاهر، وانظر هذا مع قولهم: لو كان
مع الإمام واحدٌ على الدكّان والباقي دونه لا يكرهُ، وقد تزولُ المخالفة بأنْ تكونَ الثانيةُ موضوعُها
إذا كان المؤتَمُّ خلفه، "ط"(٣).
أقولُ: لم أرَ التصريحَ بالواحد، وإنما صرَّحوا بكراهةِ انفراد الإمام على الدكّان، ولو كان
معه بعضُ القوم لا يكره، فيمكنُ التوفيق بحملِ البعض على جماعةٍ من القوم، فلا ينافي ما هنا،
وأيضاً قد صرَّحُوا بكراهة قيام الواحد وحدَهُ وإنْ لم يجدْ فُرجةً، تأمَّل.
٣٨١
(تتمَّةٌ)
إذا اقتدى بإمامٍ، فجاءَ آخرُ يتقدَّمُ الإِمام موضعَ سجوده، كذا في "مختارات النوازل"(٤)،
[١/ق ٤٤٩ /أ] وفي "القُهُستانيِّ" (٥) عن "الجلابيّ": ((أَنَّ المقتديَ يتأخّرُ عن اليمين إلى خلفٍ إذا
جاء آخرُ)) اهـ.
وفي "الفتح"(٦): ((ولو اقتدى واحدٌ بآخرَ، فجاء ثالثٌ يجذبُ المقتديَ بعد التكبير، ولو
جذَبَهُ قبل التكبير لا يضرُّه، وقيل: يتقدّمُ الإِمام)) اهـ.
(١) "الهداية": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٥٦/١.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٦/١.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٦/١.
(٤) لم نعثر على النقل في "مختارات النوازل" للمرغيناني.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل يجهر الإمام ١١١/١.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٨/١.