Indexed OCR Text

Pages 441-460

الجزء الثالث
٤٣٧
فصل في القراءة
فلو أمَّ جهَرَ لتبعيَّةِ النفل للفرض، "زيلعي".
(ويُخافِتُ) المنفردُ (حتماً) أي: وجوباً (إِنْ قَضَى) الجهريَّةَ في وقتِ المخافتة، كأنْ صلَّى
العشاءَ بعد طلوع الشمس، كذا ذكَرَهُ "المصنّف" بعدَ عدِّ الواجبات، قلتُ: وهكذا
ذكَرَهُ "ابن الملك" في "شرح المنار"(١) من بحثِ القضاء (على الأصحِ) كما في "الهداية"،
المنية"(٢) و"البحر"(٣) و"النهر"(٤) و"المنح"(٥)، وقال في "الفتح"(٦): ((فحيث كانت المخافتةُ واجبةً
على المنفرد ينبغي أنْ يجبَ بتركِها السجودُ)) اهـ، فتأمَّل.
[٤٥٢٢] (قولُهُ: فلو أَمَّ) أي: فلو صلَّى المتنقّلُ بالليل إماماً جهَرَ، ومقتضاه أنَّ الوتر في غير
رمضانَ كذلك؛ لأنَّ كلاً منهما تكرهُ فيه الجماعة على سبيل التداعي، وبدونه لا، وإذا وجَبَ
الجهرُ في النفل يجبُ في الوتر كما أفهمتْهُ عبارة "الزيلعيّ"(٧)، أفاده "الرَّحمتيُّ".
[٤٥٢٣] (قولُهُ: ويُخافِتُ المنفردُ إلخ) أمَّا الإِمامُ فقد مرَّ(٨) أَنَّه يجهرُ أداءً وقضاءً.
[٤٥٢٤] (قولُهُ: في وقتِ المخافتة) قَيَّدَ به لأَنَّه إنْ قضى في وقت الجهر خُيِّرَ كما لا يخفى،
!! !! (٩)
ح
[٤٥٢٥] (قولُهُ: بعد طلوع الشمس) لأنَّ ما قبلها وقتُ جهرٍ، فُخَّرُ فيه، لكن في بعض نسخ
"الهداية"(١٠): ((بعدَ طلوع الفجر)).
[٤٥٢٦] (قولُهُ: كما في "الهداية") قال فيها (١١): ((لأنَّ الجهر مختصٌّ إمَّا بالجماعة حتماً،
(١) "شرح المنار": حكم الأمر صـ٣٦ -.
(٢) "شرح المنية الكبير": واجبات الصلاة صـ٢٩٦ -.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٥/١.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥٠/ب.
(٥) "المنح": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ١/ق ٣٦/أ.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٢٨٥/١.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ١٢٧/١.
(٨) صـ ٤٣٢-٤٣٤ - "در".
(٩) "ح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ق ٧٤/ب.
(١٠) الذي في نسختنا ((بعد طلوع الشمس)). انظر "الهداية": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٥٣/١.
(١١) "الهداية": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٥٣/١.

قسم العبادات
٤٣٨
حاشية ابن عابدين
لكنْ تعقّبَهُ غيرُ واحدٍ، ورجَّحُوا تخييرَهُ.
أو بالوقت في حقِّ المنفرد على وجهِ التخيير، ولم يوجدْ أحدهما)).
[٤٥٢٧] (قولُهُ: لكنْ تعقّبَّهُ غيرُ واحدٍ) قال في "الخزائن)"(١): ((هذا ما صحَّحَهُ في "الهداية"،
ولم يُوافَقْ عليه، بل تعقّبَهُ في "الغاية" ، ونظَرَ فيه في "الفتح"(٢)، وبِحَثَ فيه في "النهاية"، وحرَّرَ
"خسرو"(٣): أَنَّه ليس بصحيحٍ روايةً ولا درايةً، وقد اختار "شمس الأئمَّة" و"فخر الإسلام" والإمام
"التمرتاشيُّ" وجماعةٌ من المتأخّرين أنَّ القضاء كالأداءِ، قال "قاضي خان(٤): هو الصحيحُ، وفي
"الذخيرة" و"الكافي"(٥) و"النهر"(٦): هو الأصحُّ، وفي "الشرنبلاليَّة"(٧): أَنَّه الذي ينبغي أنْ
(قولُهُ: قال في "الخزائن": هذا ما صحَّحَهُ في "الهداية" إلخ) ونحا "الخيرُ الرمليُّ" إلى التخيير
كـ "الكافي" وقال: ((وبه ثبَتَ مرجوحيَّهُ ما اخْتَارَهُ "المصنّف" في متنه)) اهـ. لكن قال "الواني": ((كلامُنا
في الاستقراء، ولم يوجد الجهرُ بحسب الاستقراء إلاَّ في هذين الموضعين، وهذا بمنزلةِ الإجماع على الحصر،
وذهولُ الفحول عن مثل هذا الاستقراءِ غيرُ بعيدٍ )) اهـ. وقال "نوح أفندي": ((ينبغي ترجيحُ ما في
"الهداية"؛ لأَنَّه موافقٌ لِما ذكرَهُ "محمَّدٌ" في "الجامع الصغير"، ومن القواعد المقرَّرة عند الحنفيّة أنَّ العبرة في
المذهب بظاهرِ الرِّواية، وأنَّ الاعتماد على رواية "الجامع"؛ لأنَّه أحدُ كتبٍ ظاهر الرِّواية وآخِرُ شيءٍ صَنَّفَهُ
الإِمام "محمَّدُ بن الحسن"، والعملُ عليه إلا فيما قلَّ من المسائل)) اهـ اهـ "سندي".
والظاهر: أنَّ مسألة المسبوق بركعةٍ من الجمعة غيرُ واردةٍ على ما مشى عليه صاحب "الهداية"،
فإنَّه وإن قضى الرَّكعة نهاراً بعد إمامه إلاَّ أنَّ النهار وقتُ جهرٍ بالنسبة للجمعة فلذا خُيِّرَ المسبوقُ، وليس
وقتَ مخافتةٍ بالنسبة لها، تأمَّل.
(١) "الخزائن": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام ق٩٧/ب بتصرف يسير.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٢٨٥/١.
(٣) "الدور والغرر": كتاب الصلاة - فصل الإمام يجهر في الفجر ٨١/١.
(٤) "شرح الجامع الصغير": باب القراءة في الصلاة في السفر ق ٢٢/ب.
(٥) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ١/ق ٣٠/أ.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - فصل: إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥٠/ب.
(٧) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - فصل في الإمامة ٨١/١. (هامش "الدرر والغرر").

الجزء الثالث
٤٣٩
فصل في القراءة
كمَن سُبْقَ بركعةٍ من الجمعة، فقامَ يقضيها يُخيَّرُ.
(و) أدنى (الجهرِ إسماعُ غيرِهِ و) أدنى (المخافتةِ إسماعُ نفسِهِ) ومَن بقُربِهِ، فلو
سَمِعَ رجلٌ أو رجلان فليس بجهرٍ، والجهرُ أنْ يُسمِعَ الكلَّ، "خلاصة" (١).
يُعوَّلَ عليه، وذكَرَ وجهَهُ اهـ. وأُجيبَ عن استدلال "الهداية" بمنع الحصر لجوازِ أنْ يكون للجهرِ
المخيّرِ سببٌ آخرُ، وهو موافقةُ الأداء)) اهـ
[٤٥٢٨] (قولُهُ: كمَنْ سُبِقَ بركعةٍ من الجمعةِ [١/ق٤٢٠ /أ] إلخ) أي: أنَّه إذا قامَ ليقضيَها
لا يلزمُهُ المخافتة، بل له أنْ يجهرَ فيها ليوافقَ القضاءُ الأداءَ مع أَنَّه قضاها في وقتِ المخافتة، فعُلِمَ أنَّ
الجهر لم يختصَّ سببُهُ بالجماعة أو بالوقت، بل له سببٌ آخرُ خلافاً لِما قاله في "الهداية"، فهذه
المسألةُ دليلٌ لِما رجَّحَهُ الجماعةُ.
وبهذا التقريرِ ظهَرَ وجهُ اقتصاره على الجمعة وإِنْ كان الحكمُ كذلك لو سُبِقَ بركعةٍ من
العشاء ونحوه؛ لأنَّ المقصود إثباتُ الجهر في القضاء في وقت المخافتة لا مطلقاً، فافهم.
مطلبٌ في الكلام على الجهر والمخافتة
[٤٥٢٩] (قولُهُ: وأدنى الجهرِ إسماعُ غيرِهِ إلخ) اعلمْ أنَّهم اختلفوا في حدٍّ وجودِ القراءة على
ثلاثة أقوالٍ: فشرَطَ "الهِنْدُوانِيُّ" و"الفضليُّ" لوجودها خروجَ صوتٍ يصلُ إلى أذنه، وبه قال
ء
٣٥٨/١ "الشافعيُّ"، وشِرَطَ "بشرُ المريسيُّ" و"أحمدُ" خروجَ الصوت من الفم وإنْ لم يصلْ إلى أذنه، لكنْ
بشرطِ كونه مسموعاً في الجملة، حتى لو أدنى أحدٌ صِماحَهُ إلى فيه يسمعُ، ولم يشترط
"الكرخيُّ" و"أبو بكر البلخيُ)(٢) السماعَ، واكتفيا بتصحيحِ الحروف، واختار "شيخ الإسلام"
و"قاضي خان"(٣) وصاحب "المحيط" و"الحلوانيُّ" قولَ "الهِنْدُوانيِّ"، كذا في "معراج
الدراية"، ونقل في "المجتبى" عن "الهِنْدُوانيِّ": ((أَنَّه لا يُجزيه ما لم تَسمَعْ أذناه ومَنْ بقربه))،
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الحادي عشر في القراءة ق ٢٨/أ.
(٢) لعله أبو بكر محمد بن أبي سعيد - وقيل بن سعيد - بن محمد المعروف بالأعمش البلخيّ. ("الجواهر المضية"
١٦٠/٣، ٢٩/٤، "مشايخ بلخ من الحنفية" ١٦٥/١، ٣١٤).
(٣) "شرح الجامع الصغير": باب القراءة في الصلاة في السفر ق٢٢/ب.

قسم العبادات
٤٤٠
حاشية ابن عابدين
وهذا لا يخالفُ ما مرَّ(١) عن "الهِنْدُوانِيِّ"؛ لأنَّ ما كان مسموعاً له يكونُ مسموعاً لمن في قربه
كما في "الحلبة"(٢) و "البحر"(٣).
ثُمَّ إِنَّه اختارَ في "الفتح"(٤): ((أَنَّ قول "الهِنْدُوانيّ" و"بشرِ" متَّحدان بناءً على أنَّ الظاهر
سماعُهُ بعد وجودِ الصوت إذا لم يكن مانعٌ))، وذكَرَ في "البحر "(٥) تبعاً لـ "الحلبة"(٦): ((أَنَّه
خلافُ الظاهر، بل الأقوالُ ثلاثَةٌ))، وأَّدَ العلاَّمة "خير الدين الرمليُّ" في "فتاواه"(٧) كلام "الفتح"
بما لامزيدَ عليه، فارجع إليه، وذكَرَ: ((أَنَّ كلاًّ من قولي "الهِنْدُوانيِّ" و"الكرخيِّ" مصحَّحان، وأنَّ
ما قاله "الهِنْدُوانيُّ" أصحُّ وأرجحُ لاعتمادِ أكثرِ علمائنا عليه)) اهـ.
وبما قرَّرناه ظهَرَ لك أنَّ ما ذُكِرَ هنا في تعريفِ الجهر والمخافتة - ومثلُهُ في سهو "المنية"(٨)
وغيره - مبنيٌّ على قول "الهِنْدُوانيّ"؛ لأنَّ أدنى الحدِّ الذي توجدُ فيه القراءة عنده خروجُ صوتٍ
يصلُ إلى أذنه، أي: ولو حكماً، كما لو كان هناك مانعٌ من صَمَمٍ أو جَلَبةِ [١/ق ٤٢٠ /ب]
أصواتٍ أو نحو ذلك، وهذا معنى قوله: ((أدنى المخافتةِ إسماعُ نفسه))، وقولُهُ: ((ومَنْ بقرِبِهِ))
تصريحٌ باللازم عادةً كما مرَّ(٩)، وفي "القُهُستانيِّ"(١٠) وغيره: ((أَو مَنْ بقربه)) بـ ((أو))،
(قولُهُ: وَأَيَّدَ العلاَّمةُ "خيرُ الدين الرمليُّ" في "فتاواه" إلخ) ذكرَهُ في أوَّلِ "فتاواه".
(١) في هذه المقولة.
(٢) "الحلبة": فرائض الصلاة - القراءة ٢/ق ٦٣/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - فصل: إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٧/١.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٢٨٩/١.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - فصل: إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٧/١.
(٦) "الحلبة": فرائض الصلاة - القراءة ٢/ق ٦٣/أ.
(٧) "الفتاوى الخيرية": كتاب الصلاة ١٢/١.
(٨) "شرح المنية الكبير": فصل في سجود السهو صـ٤٥٨- نقلاً عن "القنية".
(٩) في هذه المقولة.
(١٠) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام ١٠٣/١ بتصرف.

الجزء الثالث
٤٤١
فصل في القراءة
وهو أوضحُ، ويبتني على ذلك أنَّ أدنى الجهرِ إسماعُ غيره، أي: ممن لم يكن بقربه بقرينةِ المقابلة،
ولذا قال في "الخلاصة"(١) و"الخانَيَّة"(٢) عن "الجامع الصغير"(٣): ((إِنَّ الإمام إذا قرأ في صلاةٍ
المخافتة بحيث سَمِعَ رجلٌ أو رجلان لا يكونُ جهراً، والجهرُ أنْ يُسمِعَ الكلَّ)) اهـ.
أي: كلَّ الصفِّ الأوَّلِ، لا كلَّ المصلّين بدليلِ ما في "القُهُستانِيِّ"(٤) عن "المسعوديَّة"(٥):
((إِنَّ جَهْرَ الإِمامِ إِسماعُ الصفِّ الأوَّلِ)) اهـ.
وبه عُلِمَ أَنَّه لا إشكالَ في كلام "الخلاصة"، وأَنَّه لا ينافي كلامَ "الهِنْدُانيّ"، بل هو مفرَّعٌ
عليه بدليل أنّه في "المعراج" نقَلَهُ عن "الفضليِّ"، وقد علمتَ أنَّ "الفضليّ" قائلٌ بقولِ "الهِنْدُوانيّ"،
فقد ظهَرَ بهذا أنَّ أدنى المخافتةِ إسماعُ نفسه أو مَنْ بقربه من رجلٍ أو رجلين مثلاً، وأعلاها مجرَّدُ
تصحيحِ الحروف كما هو مذهبُ "الكرخيّ"، ولا تُعتَبَرُ هنا في الأصحِّ، وأدنى الجهرِ إسماعُ غيره
ممن ليس بقربه كأهلِ الصف الأوَّلِ، وأعلاه لا حدَّ له، فافهم واغنَمْ تحريرَ هذا المقام، فقد اضطرَبَ
فيه كثيرٌ من الأفهام.
(قولُهُ: وأعلاها) أي: أشدُّها إخفاءً.
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الحادي عشر: في القراءة ق٢٨/أ.
(٢) لم نعثر على النقل في مطبوعة "الخانية" التي بين أيدينا.
(٣) انظر "الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب في القراءة في الصلاة صـ ٩٧ -.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام . ١٠٢/١.
(٥) لم يتبين لنا المراد من "المسعودية"، ولعلها لأبي سعد مسعود بن الحسين بن الحسن، ركن الدين المعروف بالمسعوديّ
الكُشَانيّ أو الكُشْتانيّ السُّغديّ السمر قنديّ (ت ٥٢٠ هـ) له "شرح الجامع الصغير" و"مختصر المسعوديّ".
("الجواهر المضية" ٤٦٥/٣، "الفوائد البهية" صـ ٢١٣ -، "هدية العارفين" ٤٢٨/٢)) وانظر تعليقنا المتقدم ٥٠٩/١.

قسم العبادات
٤٤٢
حاشية ابن عابدين
(ويجري ذلك) المذكورُ (في كلِّ ما يتعلّقُ بنطقِ كتسميةٍ على ذبيحةٍ ووجوبِ
سجدةٍ تلاوةٍ وعتاقٍ وطلاقٍ واستثناءٍ) وغيرِها، فلو طلَّقَ أو استثنَى ولم يُسمِعْ
نفسَهُ لم يصحَّ في الأصحِّ، وقيل: في نحوِ البيع يُشترَطُ سماعُ المشتري.
(ولو ترَكَ سورةَ أوليي العشاءِ).
[٤٥٣٠] (قولُهُ: ويجري ذلك المذكورُ) يعني: كونَ أدنى ما يتحقَّقُ به الكلامُ إِسماعَ
نفسه أو مَنْ بقربه.
[٤٥٣١] (قولُهُ: لم يصحَّ في الأصحِّ) أي: الذي هو قولُ "الهِنْدُوانيّ"، وأما على قول
"الكرخيّ" فيصحُّ وإنْ لم يُسمِعْ نفسَهُ لاكتفائه بتصحيحِ الحروف كما مرَّ(١).
[٤٥٣٢] (قولُهُ: وقيل إلخ) قال في "الذخيرة" معزيًّاً إلى القاضي "علاء الدين" في "شرح
مختلفاته"(٢): ((الأصحُّ عندي أنَّ في بعض التصرُّفات يُكَتَفَى بسماعه، وفي بعضها يُشترَطُ سماعُ
غيره، مثلاً في البيع: لو أدنى المشتري صِماحَهُ إلى فم البائع وسمع يكفي، ولو سمع البائعُ نفسَهُ ولم
يسمعْهُ المشتري لا يكفي، وفيما إذا حلَفَ لا يكلِّمُ فلاناً، فناداه مِنْ بعيدٍ بحيث لا يسمعُ
لا يحنثُ في يمينه، نصَّ عليه في كتاب الأيمان؛ لأنَّ شرط الحِنْثِ وجودُ الكلام معه ولم يوجد)) اهـ.
قال في "النهر"(٣): ((أقول: ينبغي أنْ يكون الحكمُ كذلك في [١/ق ٤٢١/أ] كلِّ ما يتوقّفُ
تمامُهُ على القبول ولو غيرَ مبادلةٍ كالنكاح)) اهـ.
ولم يعوِّلِ "الشارعُ" على هذا القولِ، فعبَّرَ عنه بـ ((قيل)) تبعاً لـ "الفتح"(٤) حيث
قال: ((قيل: الصحيحُ في البيع إلخ))، وكذا عبَّرَ عنه في "الكافي"(٥) إشارةً إلى ضعفه كما
(١) المقولة [٤٥٢٩] قوله: ((وأدنى الجهر إسماع غيره إلخ)).
(٢) لم نقف في ترجمته إلا على ما في "الفتاوى الهندية" ١١٢/١، إذ قال: ((ذكر القاضي علاء الدين محمود النسفيّ
في شرح مختلفاته)).
(٣) "النهر": كتاب الصلاة باب صفة الصلاة فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥٠/ب.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٢٨٩/١.
(٥) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٣٠/ب.

الجزء الثالث
٤٤٣
فصل في القراءة
مثلاً.
في "الشرنبلاليّة"(١)، لكنَّ الأوَّلَ ارتضاه في "الحلبة(٢) و"البحر"(٣)، وهو أوجهُ بدليلِ المسألة
المنصوصة في كتاب الأيمان(٤)؛ لأنَّ الكلام من الكُلْمِ، وهو الجَرْحُ، سُمِّيَ به لأَنَّه يؤثّرُ في نفس
السامع، فتكليمُهُ فلاناً لا يحصلُ إلَّ بسماعه، وكذا اشتراطُ سماع الشهود كلامَ العاقدين في النكاح،
وسماعِ التلاوة في وجوب السجدة على السامع ونحوِ ذلك مما اشْتُرِطَ فيه سماعُ الغير، تأمَّل.
[٤٥٣٣] (قولُهُ: مثلاً) زادَهُ ليعُمَّ ما لو ترَكَها في ركعةٍ واحدةٍ، وهل يأتي بها في الثالثة
والرابعة؟ يُحرَّرُ، أوليعُمَّ غيرَ العشاء كالمغرب، فإنَّ لو ترَكَها في إحدى أُولَيْها يأتي بها في الثالثة،
ولو فيهما معاً أتى في الثالثةِ بفاتحةٍ وسورةٍ، وفاتت الأخرى، ويسجدُ للسهو لو ساهياً، وليعُمَّ
الرباعيَّةَ السِّرِّية، فإنَّه يأتي بها في الأُخريَيْنِ أيضاً، أفاده "ط"(٥)، وإنما خَصَّ "المصنّفُ" العشاءَ
(قولُهُ: لكنَّ الأَوَّل ارتضاه في "الحلبة" و"البحر" إلخ) القصدُ الاستدراكُ على تضعيف ما ذكرَهُ في
"الذخيرة": ((بأنَّه ارتضاه في "البحر" و"الحلبة"، وأنَّه أوجهُ بدليلٍ إلخ))، لكنْ ليس في "البحر" ما يدلُّ على
تصحيحه لهذا القول وإن كان مجرَّدُ نقله بدون تضعيفٍ له يشيرُ إلى ارتضائه له، ولا يُتْرَكُ صريحُ التصحيح
بمجرَّدٍ ذلك، بل اللازمُ اتّباعُ ما صرَّحُوا بتصحيحِهِ، وما ذكرَهُ من دليلٍ أوجهَّة هذا القيل لا يفيدُ
تصحيحَهُ، فإنَّ اشتراط سماعِ الغير فيما ذكرَهُ لدليلٍ دلَّ عليه، وذلك أنَّ الكلام مأخوذٌ من الكَلْم وهو
الجرحُ، سُمِّيَ به لأَنَّه يؤثّرُ في نفس السامع، وذلك لا يحصلُ إلاَّ بسماعه، ونحوُ ذلك يقال فيما اشتُرِطَ فيه
سماعُ الغير بخلاف الإيجاب من البائع مثلاً، فإنَّه ما أوجَبَ للمشتري القبولَ، والموجِبُ هو البائعُ، فالشرطُ
وجودُ الفعل منه وهو نطقُهُ، وذلك بتصحيحِ الحروف سواءٌ سمع الثاني أو لا، من "الرحمتيّ".
(قولُهُ: وهل يأتي بها في الثالثة أو الرابعة؟ يُحرَّرُ) الطاهرُ أنّه يأتي بها في الثالثة مبادرةً منه لقضائها.
(١) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - فصل في الإمامة ٨٢/١. (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "الحلبة": فرائض الصلاة - القراءة ٢/ق ٦٣/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٧/١.
(٤) المقولة [١٧٧٩٩] قوله: ((لو بحيث يسمع)).
(٥) "ط": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام ٢٣٤/١ بتصرف.

قسم العبادات
٤٤٤
حاشية ابن عابدين
ولو عمداً (قرَأَها وجوباً) وقيل: ندباً.
بالذّكر لمكان قوله: ((جَهْراً في الأُخريين))، لا للاحترازِ عن غيره، فلذا أشارَ "الشارح" إلى
التعمیم، فافهم.
[٤٥٣٤] (قولُهُ: ولو عمداً)(١) هذا ظاهرُ إطلاق المتون، وبه صرَّحَ في "النهر "(٢)، ولم يعزُهُ إلى
أحدٍ، وكأنّه أخَذَهُ من الإطلاق، وإلاّ فصنيعُ الفتاوى والشروح يقتضي أنَّ وضعَ المسألة في
النّسيان، تأمَّل، أفاده "الخير الرمليُّ".
[٤٥٣٥] (قولُهُ: وجوباً، وقيل: ندباً) أشارَ إلى أنَّ الأصحَّ الوجوبُ، وذلك لأنَّ "محمَّدًا" أشارَ
إليه في "الجامع الصغير"(٣)، حيث عبَّرَ بقوله: ((قَرَأها)) بلفظ الخبر، وهو أكدُ من الأمر في
الوجوب، وصرَّحَ في "الأصل (٤) بالاستحباب، قال في "غاية البيان": ((والأصحُّ ما في "الجامع
الصغير"؛ لأَنّه آخرُ الَّصنيفَين))، ورَدَّهُ في "الفتح "(٥): ((بأنَّ ما في "الأصل" أصرحُ، فيجبُ التعويلُ
عليه في الرواية))، وكونُ الإخبار أكدَ ردَّهُ في "البحر"(٦): ((بأنّه في إخبارِ الشارع لا في غيره،
(قولُهُ: ردَّهُ في "البحر" بأنّه في إخبارِ الشارع لا في غيرِهِ) قال "السنديُّ": ((قال في "البحر": وقد
يقالُ: إنَّ الإخبار إنما يكونُ أكدَ من الأمر أنْ لو كان من الشارع، أمَّا مِن الفقهاء فلا يدلُّ على الوجوب،
(١) في "د" زيادة: قوله: ((ولم أر حكم الترك عمداً بخصوصه، والظاهر أنه لا يقرأ بها في الأخريين؛ لإساءة الترك
عمداً، فانعدمت الملاقاة بخلاف النسيان؛ لعدم الإساءة وإمكان الملاقاة، فتأمل وراجع لعلك تجد نقلاً صريحاً، ثُمَّ إني
رأيته في "النهر" قال: ولو ترك المصلي قراءة السورة في أوليي العشاءين مثلاً، عمداً كان أو سهواً، وخصهما وإن
كان الظهر كذلك لقوله بعدُ: (جهراً) [قرأها في الأخريين] انتهى. فهو صريح في أن الحكم فيهما سواء لكنه لم
يعزه إلى أحد فالظاهر أنه أخذه من إطلاق المتون ويمكن الملاقاة بالعمد أيضاً تأمل، انتهى)).
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥٠/ب.
(٣) "الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب القراءة في الصلاة صـ ٩٦ -.
(٤) "الأصل": كتاب الصلاة - باب السهو في الصلاة ٢١٤/١.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٢٨٧/١.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٨/١.

الجزء الثالث
٤٤٥
فصل في القراءة
(مع الفاتحة جهراً في الأُخريين) لأنَّ الجمع بين جهرٍ ومخافتةٍ في ركعةٍ شنيعٌ، ..
.
٣٥٩/١ فكان المذهبُ الاستحبابَ))، قال في "النهر"(١): ((ولا يخفى أنَّ أمر المجتهد ناشىءٌ عن أمر
الشارع، فكذا إخبارُهُ، نعمْ قال [١/ق ٤٢١ /ب] في "الحواشي السعديَّة"(٢): إنما يكونُ دليلاً إذا
كان مُستعمَلاً في الأمر الإيجابيِّ، وهو ممنوعٌ، وأقول: لِمَ لا يجوزُ أنْ يكون المرادُ الاستحبابَ،
وتكونَ القرينةُ عليه ما في "الأصل"؟ كما أُرِيدَ بما مرَّ من قوله: افترَشَ رجلَهُ اليسرى ووضَعَ يديه
على فخذيه وأمثال ذلك)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ اختيار صاحب "الفتح" و"البحر" و"النهر" الندبُ؛ لأنّه صريحُ كلامِ "محمَّدٍ".
[٤٥٣٦] (قولُهُ: مع الفاتحةِ) أشارَ به إلى شيئين:
الأوَّلُ: أَنَّه يقدِّمُ الفاتحةَ؛ لأنَّ ((مع)) تدخلُ على المتبوع، وهو أحدُ قولين، وينبغي ترجيحُهُ.
والثاني: أنَّ الفاتحة واجبةٌ أيضاً، وفيه قولان أيضاً، وينبغي ترجيحُ عدم الوجوب كما هو
الأصل فيها، أفاده في "البحر "(٣) و"النهر "(٤).
[٤٥٣٧] (قولُهُ: لأنَّ الجمع إلخ) أشارَ به إلى أنَّ قول "المصنّف": ((جهراً)) راجعٌ إلى الفاتحة
بل الأمرُ منهم لا يدلُّ عليه، فكان المذهبُ الاستحباب )) اهـ. وقال في "المنح": ((وهذا لا يردُّ ما اصطلَحَ
على تصحيحه المشايخُ مع أنَّ صاحب "البحر" ناقَضَ كلامَهُ، وصرَّحَ في آخر كتاب الحجّ: بأنَّ الأمر من
المجتهد يفيدُ الوجوب))، ونقل في "شرح الوهبائيّة" عن الإمام "الصفَّار": ((أَنَّه يقولُ بوجوب الإمساك
على نحوٍ الحائض إذا طهرت في أثناء فطرِها استدلالاً بأنَّ "محمَّدً" ذكَرَ ذلك بلفظِ الأمر في الموضعين))،
قال: ((وهو الصحيحُ من المذهب، وهو يفيد أنَّ الأمر من المجتهد يفيدُ الوجوب)) اهـ.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥٠/ب.
(٢) "الحواشي السعدية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - فصل في القراءة ٢٨٧/١. (هامش"فتح القدير").
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٨/١.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥٠/ب.

قسم العبادات
٤٤٦
حاشية ابن عابدين
ولو تذكَّرَها في ركوعِهِ قرأها وأعادَ الركوع (ولو ترَكَ الفاتحةَ) في الأوليين (لا)
يقضيها في الأخريين؛
والسورة معاً، وجعَلَهُ "الزيلعيُّ)(١) ظاهرَ الرواية، وصحَّحَهُ في "الهداية"(٢) لِما ذَكَرَهُ "الشارح"،
وصحَّحَ "التمرتاشيُّ": ((أَنَّه يجهرُ بالسورة فقط))، وجعلَهُ "شيخ الإسلام" الظاهرَ من الجواب،
و"فخرُ الإِسلام" الصوابَ، ولا يلزمُ الجمعُ الشنيع؛ لأنَّ السورة تلتحقُ بموضعها تقديراً، "بحر"(٣).
ومُفاده: أنَّ الجمع بين الجهر والمخافتة في ركعةٍ مكروهٌ اتفاقاً إذا كانت القراءةُ في محلِّها غيرَ
ملتحقةٍ بما قبلها، ويَرِدُ عليه ما قدَّمناه(٤) من الفروع أوَّلَ الفصل، فتأمَّل.
مطلبٌ: تحقيقٌ مهمٌّ فيما لو تذكَّرَ في ركوعهِ أنّه لم يقرأ فعادَ تقعُ القراءة فرضاً،
وفي معنى كونِ القراءة فرضاً وواجباً وسنّةً
[٤٥٣٨] (قولُهُ: ولو تذكَّرَها) أي: السورةَ.
[٤٥٣٩] (قولُهُ: قَرَأها) أي: بعد عَوْدِه إلى القيام.
[٤٥٤٠] (قولُهُ: وأعادَ الركوعَ) لأنَّ ما يقعُ من القراءة في الصلاة يكون فرضاً، فيرتفضُ
الركوعُ، ويلزمُهُ إعادته؛ لأنَّ الترتيب بين القراءة والركوع فرضٌ كما مرَّ(٥) بيانُهُ في الواجبات،
حتى لو لم يُعِدْه تفسُدُ صلاته، بل لو قام لأجلِ القراءة، ثم بدا له فسجَدَ ولم يقرأ ولم يُعِدِ
الركوعَ قيل: تفسُدُ، وقيل: لا.
والفرقُ بين القراءة وبين القنوت - حيث لا يعودُ لأجلِهِ لو تذكَّرَهُ في ركوعه، ولو عادَ
(قولُهُ: مكروهٌ اتّفاقاً) ما ذكرَهُ في "البحر" إنما يفيدُ أصل شناعة الجمع لا الاتّفاق عليها، فُيُحمَلُ ما
مرَّ من الفروع على الرِّواية الأخرى كما تقدَّمَ.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ١٢٨/١.
(٢) "الهداية": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٥٤/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٨/١ بتصرف.
(٤) المقولة [٤٥١٢] قوله: ((أعادها جهراً)).
(٥) المقولة [٣٩٦٣] قوله: ((بين القراءة أوالركوع)).

الجزء الثالث
٤٤٧
فصل في القراءة
للزومِ تكرارِها،.
لا يرتفضُ - هو ما ذكرنا(١) من أنَّ القراءة تقعُ فرضاً، أمَّ القنوتُ إذا أُعِيْدَ يقعُ واجباً، وبيانُ ذلك: أنَّ
القراءة وإِنْ انقسمتْ إلى فرضٍ وواجبٍ وسَّةٍ إلَّ أَنَّه مهما أطالَ يقعُ فرضاً، وكذا إذا أطالَ الركوعٌ
والسجود على ما هو قولُ الأكثر والأصحُّ؛ [١/ق٤٢٢/أ] لأنَّ قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُ وأَمَا تَسَّرَ﴾
[المزمل - ٢٠] لوجوبِ أحد الأمرين: الآيةِ فما فوقها مطلقاً لصدْقٍ ما تيسَّرَ على كلِّ فردٍ (٢)، فمهما
قرأ يكونُ الفرضَ، ومعنى الأقسام المذكورة أنَّ جعْلَ الفرضِ مقدارَ كذا واجبٌ، وجعلَهُ دون ذلك
مكروهٌ، وجعلَهُ فوق ذلك إلى حدٍّ كذا سنّةٌ، لا أَنَّه يقعُ أوَّلُ آيةٍ يقرؤها فرضاً، وما بعدها إلى حدٍّ
كذا واجباً، وما بعدَ ذلك إلى حدٍّ كذا سنّةً؛ لأَنّ إن اعتبرنا الواجبَ ما بعد الآية الأولى منضمَّاً إليها
انقلَبَ الفرضُ واجباً، وإن اعتبرناه منفرداً كان الواجبُ بعضَ الفاتحة، وقالوا: الفاتحةُ واجبٌ، وكذا
الكلامُ فيما بعدَ الواجب إلى حدِّ السنّة، فليتأمَّل، كذا في "شرح المنية" من باب سجود السهو(٣)،
ونحوُهُ في "الفتح"(٤)، وهو تحقيقٌ دقيقٌ، فاغتنمه.
(٤٥٤١] (قولُهُ: لِلزومِ تكرارِها) أي: وهو غيرُ مشروعٍ، وهذا لو قرأها مرَّتين، فلو مرَّةً
لا تكونُ قضاءً كما في "النهاية"؛ لأَنّها في محلّها، لكنْ كَتَبَ على ما في "النهاية" شيخُ الإسلام
المفتي "أبو السُّعود": ((قلت: لا يخفى أنَّ قراءة الفاتحة في الشفع الثاني ليست بواجبةٍ، بل ذاك
(قولُهُ: على كلِّ فرضٍ) نسخةُ الخطّ: ((فردٍ)).
(قولُهُ: أَنَّ جَعْلَ الفرضِ مقدارَ كذا إلخ) على ما يأتي له لا مانع أنْ يقال هنا: الواجبُ مقدارُ كذا
وإن كان البعضُ فرضاً إلى آخرٍ ما يأتي.
(١) في هذه المقولة.
(٢) في "م": ((فرض)) وهو تحريف.
(٣) "شرح المنية الكبير": صـ ٤٦١ -.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٢٨٩/١.

قسم العبادات
٤٤٨
حاشية ابن عابدين
ولو تذكَّرَها قبل الركوع قرَأَها وأعادَ السورة.
(وفرضُ القراءةِ آيَةٌ على المذهب) هي لغةً: العلامةُ،.
على وجهِ الدعاء في ظاهر الرواية وإنْ كانت واجبةً على رواية "الحسن بن زيادٍ"، فعلى هذا إذا قَرَأ
الفاتحةَ مرَّةً لم يتعَّن انصرافُها إلى تلك الركعةِ، وأنت خبيرٌ بأنَّ بناء ظاهر الرواية - أي: الذي هو عدمُ
إعادة الفاتحة في مسألتنا - على روايةٍ "الحسن" غيرُ حسنٍ)) اهـ. أي: بخلاف السورة، فإنَّ الشفع
ليس بمحلّ لأداءِ السورة، فجازَ أنْ يكون محلاً للقضاء، وتمامُهُ في "شرح الشيخ إسماعيل)"(١).
[٤٥٤٢] (قولُهُ: ولو تذكَّرَها) أي: الفاتحةَ.
[٤٥٤٣] (قولُهُ: قَبْلَ الركوعِ) الظاهرُ أَنَّه ليس بقيدٍ، حتى لو تذكَّرَها في الركوع
فكذلك؛ لأَنَّه قدَّمَ أَنَّه لو تذكَّرَ السورةَ في الرِكوع أعادَها وأعادَ الركوع، فالفاتحةُ أَولى؛
لأَنَّها أكدُ، "رحمتي".
[٤٥٤٤] (قولُهُ: وأعادَ السورةَ) لأَنَّها شُرِعَتْ تابعةً للفاتحة، "رحمتي".
[٤٥٤٥] (قولُهُ: على المذهبِ) أي: الذي هو ظاهرُ الرواية عن "الإِمام"، وفي روايةٍ عنه: ما
يُطلَقُ عليه اسمُ القرآن، ولم يُشبهْ قصدَ خطابٍ أحدٍ، وجزَمَ "القدوريُ))(٢): ((بأنّه الصحيحُ من
مذهب "الإمام"))، ورجَّحَهُ "الزيلعيُّ) (٣): ((بأنَّه أقربُ إلى القواعدِ [١/ق ٤٢٢ /ب] الشرعيَّة؛ لأنَّ
المطلق ينصرفُ إلى الأدنى))، وفي "البحر"(٤): ((فيه نظرٌ، بل ينصرفُ إلى الكامل)).
(قولُهُ: لم يتعيّن انصرافُها إلى تلك الرَّكعة) قد يقال: يتعيَّنُ انصرافها إلى الرَّكعة التي هي فيها وإن
كانت غيرَ واجبةٍ لتقوِّيها بكونها في محلّها؛ إذ الضعيفُ في محلّ أقوى من القويِّ في غيرِ محلّهِ أو مساوٍ له،
فلا وجهَ لانصرافها عن محلّها، تأمَّل.
(١) "الإحكام": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ١/ق ٣٣٥/أ.
(٢) انظر "اللباب في شرح لكتاب": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٧٧/١.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ١٢٩/١.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٨/١ باختصار.

الجزء الثالث
٤٤٩
فصل في القراءة
وعُرفاً: طائفةٌ من القرآن مترجَمةٌ، أقلُّها سنَّةُ أحرفٍ ولو تقديراً كـ﴿لَمْ يَلِدْ﴾
[ الإخلاص - ٣]،
قلت: وهو مدفوعٌ بأنَّ براءة الذّمَّة لا تتوقّفُ على الكامل، وإلاّ لزِمَ فرضيَّةُ الطمأنينة في
الركوع والسجود، قال في "شرح المنية"(١): ((وعلى هذه الرواية لا يُجزي عنده نحوُ ﴿ثُمَّنَظَرَ﴾
[المدَّتْر - ٢١]، أي: لأنّه يشبهُ قصدَ الخطابِ والإخبارِ، تأمَّل. وفي روايةٍ ثالثةٍ عنه - وهي قولُهما -
ثلاثُ آياتٍ قصارِ، أو آيَةٌ طويلٌ.
[٤٥٤٦] (قولُّهُ: وعُرْفاً: طائفةٌ من القرآنِ مترجَمةٌ إلخ) أي: اعتُبِرَ لها مبدأ ومقطعٌ، وهذا
التعريفُ نقَلَهُ في "الحلبة"(٢) عن "حاشية الكشّاف" لـ "علاء الدين البهلوانيِّ"(٣)، ونقل في "النهر "(٤)
عن "شرح الشاطيّة"(٥) لـ "الجعبريّ" ما يرجعُ إليه، وهو: ((أَنَّها قرآنٌ مركّبٌ من حُمَلٍ ولو
تقديراً، ذو مبدأٍ ومقطعٍ، مُندرجٌ في سورةٍ)).
[٤٥٤٧] (قولُهُ: ولو تقديراً إلخ) أشارَ إلى الردِّ على "البحر"(٦)، حيث اعترَضَ التعريفَ المذكور:
(قولُ "الشارح": أقلُّها ستَّهُ أحرفٍ) أي: أقلُّ آيةٍ تصحُّ بها الصلاة لا مطلقُ آيةٍ، فلا يَرِدُ أنَّ مطلق
آيةٍ يكونُ أقلّ من ستّةِ أحرفٍ.
(قولُهُ: مركّبٌ من جُمَلٍ) أي: من الحروف.
(١) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - القراءة صـ ٢٧٨ - بتوضيح من ابن عابدين رحمه الله تعالى.
(٢) "الحلبة": فرائض الصلاة - القراءة ٢/ ق ٦٥/ب.
(٣) علي بن محمد علاء الدين المعروف ببهلوان. ("كشف الظنون" ١٤٨٢/٢، "طبقات المفسرين" للأدنهوي صـ ٤٣١-،
"الفهرس الشامل" ٨٤٤/٢).
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥١/أ.
(٥) المسمى "كنز المعاني "لأبي إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم، برهان الدين وتقي الدين المعروف بابن السِّراج
الجَعْبَري السَّلفيّ (ت٧٣٢هـ) شرح منظومة "حرز الأماني ووجه التهاني" المشهورة بـ "الشاطبية" لأبي القاسم وأبي
محمد القاسم بن فِيرُّه بن خلف الرُّعيْنيّ الأندلسيّ الشاطبيّ (ت ٥٩٠هـ). ("كشف الظنون" ٦٤٦/١، "غاية
النهاية" ٢٠/٢، "الدرر الكامنة" ٥٠/١).
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٨/١.

قسم العبادات
٤٥٠
حاشية ابن عابدين
إِلاَّ إذا كانَتْ كلمةً فالأصحُّ عدمُ الصحّةِ وإِنْ كَرَّرَها مِرارً، إلاَّ إذا حكَمَ حاكمٌ
فيجوزُ، ذكَرَهُ "القُهُستانيُّ)) (١)، ولو قرَأَ آيَةً طويلةً في الركعتين فالأصحُّ الصِحَّةُ اتفاقاً؛
((بأنَّ ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص- ٣] آيَةٌ، ولذا جوَّزَ "الإِمام" بها الصلاةَ، وهي خمسةُ أحرفٍ))،
ووجهُ الرَدِّ أنَّ ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ أصلُهُ: لَمْ يَوْلِدْ، فهو سنّةٌ تقديراً، لكنَّ الذي رأيته في "الحلبة"(٢)
و "البحر"(٣) عن الحواشي المذكورة: ((أَقُلُّها ستّةُ أحرفٍ صورةً))، فالردُّ في غيرِ محلِّه، نعمْ في
"النهر "(٤): ((قيل: إنَّ الآية هي وما بعدها، ومن ثَمَّ قيل: إنَّ الإخلاص أربعٌ، وقيل: خمسٌ))،
فيجوزُ أنْ يكون ما في الحواشي بناءً على الأوَّل.
٣٦٠/١
[٤٥٤٨] (قولُهُ: إلَّ إذا كانتْ كلمةً) استثناءٌ من المتن؛ لأَنّ في معنى: تصحُّ الصلاةُ بآيةٍ.
[٤٥٤٩] (قولُهُ: فالأصحُّ عدمُ الصحَّةِ) كذا في "المنية"(٥)، وهو شاملٌ لمثلِ ﴿مُدْهَآَمَتَانِ﴾
[الرحمن- ٦٤]، ومثلٍ ﴿صَّ﴾ و﴿قَّ﴾ و﴿تَ﴾، لكنْ ذَكَرَ في "الحلبة"(٦) و "البحر)"(٧).
((أنَّ الذي مَشَى عليه "الإسبيجابيُّ(٨) في "الجامع الصغير" و"شرح الطحاويِّ" وصاحب
"البدائع"(٩) الجوازُ في ﴿مُدْهَآَمَتَانِ﴾ عنده من غير حكايةِ خلافٍ)).
[٤٥٥٠] (قولُهُ: إلَّ إذا حكَمَ حاكمٌ) صورتُهُ: عَلَّقَ عِنْقَ عبده بصلاته صلاةً صحيحةً، فصلَّى
(قولُهُ: من غيرِ حكايةِ خلافٍ) وذكَرَ "السنديُّ" عن "السِّراج" ما نصُّهُ: ((وإنْ كانت كلمةً واحدةً
مثل ﴿ مُدْهَآَمَتَانِ﴾ [الرحمن - ٦٤]، أو حرفاً ففيه اختلافُ المشايخ، والأصحُّ أَنَّه لا يجوز)).
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل: فرائض الصلاة ٨٦/١.
(٢) "الحلبة": فرائض الصلاة - القراءة ٢/ق ٦٥/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٨/١.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥١/أ.
(٥) انظر "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - القراءة صـ ٢٧٩ - بتصرف.
(٦) "الحلبة": فرائض الصلاة - القراءة ٢/ق ٦٦/أ.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٩/١.
(٨) الذي شَرَحَ "الجامع الصغير" و"مختصر الطحاوي" هو القاضي أبو نصر أحمد بن منصور المتوفى في حدود
(٤٨٠ هـ). ("كشف الظنون"١٦٢٧/٢،٥٦٣/١، وانظر تعليقنا المتقدم ٤٨٧/١).
(٩) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في أركان الصلاة ١١٢/١.

الجزء الثالث
٤٥١
فصل في القراءة
لأَنَّه يزيدُ على ثلاثِ آياتٍ قصارٍ، قاله "الحلبيُ)) (١).
بـ ﴿مُدْهَمَتَانِ﴾ غيرَ مكرّرةٍ أو مكرّرةً، فترافعا إلى حاكمٍ يَرَى صحَّةَ الصلاة بذلك، فَقَضَى بعتقه
فيكون قضاءً بصحَّة الصلاة ضمناً، فتصحُّ اتفاقاً؛ لأنَّ حكم الحاكم في المجتهَدِ فيه يرفعُ الخلاف،
أفاده "ح"(٢).
[٤٥٥١] (قولُهُ: لِأَنّه يزيدُ على ثلاثِ آيَاتٍ) تعليلٌ للمذهبين؛ لأنَّ نصف الآيةِ الطويلةِ إذا كان
يزيدُ على ثلاثِ آياتٍ [١/ق١/٤٢٣] قصارِ يصحُّ على قولهما، فعلى قول "أبي حنيفة" المكتفي
بالآيةِ أَولى، "ح"(٣). قال في "البحر "(٤): ((وُلِمَ من تعليلهم أنَّ كون المقروءِ في كلِّ ركعةٍ النصفَ
ليس بشرطٍ، بل أنْ يكون البعضُ يبلغُ ما يُعَدُّ بقراءته قارئاً عُرفاً)) اهـ.
أقولُ: وينبغي أنْ يكون الاكتفاءُ بما دون الآية مفرَّعاً على الرواية الثانية عن "الإِمام"؛ لأنَّ
الرواية الأولى التي تقدَّمَ أَنَّها ظاهرُ الرواية لا بدَّ من آيةٍ تامَّةٍ، تأمَّل.
(تنبيةٌ)
لم أرَ مَن قدَّرَ أدنى ما يكفي بحدٍّ مقدَّرٍ من الآية الطويلة، وظاهرُ كلام "البحر"(٥) كغيره:
((أَنّه موكولٌ إلى العُرف، لا إلى عدد حروفِ أقصرِ آيةٍ))، وعلى هذا لو أرادَ قراءة قدْرِ ثلاثِ آياتٍ
(قولُهُ: وظاهرُ كلام "البحر" كغيره أنّه موكولٌ إلى العُرف إلخ) الظاهرُ أنَّ ما في "البحر" مفرَّعٌ
على أنَّ الآية ما يُطلَقُ عليه اسمُ القرآن، وعليه يخرجُ عن عهدة الواجب بقراءة ثلاثة أمثال مما يُسمَّى
بقراءته قارئاً عُرفاً، وما في "التتار خانيَّة" مفرٌَّ على أنّها جملة من القرآن مترجمةٌ، وعليه يخرجُ عنها بقراءة
ما يَعدِلُ ثلاثَ آياتٍ قصارٍ، وعلى هذا يكونُ الاكتفاء بما دون الآيةِ مغرَّعاً على الرِّوايتين لا على الرِّواية
الثانية فقط، ففرضُ القراءة عليها الآيةُ أو ما يَعدِلُها، وعلى الأُولى ما يُطلَقُ عليه اسمُ القرآن.
٠٠
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في القراءة صـ٢٧٩ -.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ق ٧٥/أ.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ق ٧٥/أ.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٩/١.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٩/١.

حاشية ابن عابدين
٠ ٤٥٢
قسم العبادات
(وحفظُها فرضُ عينٍ) متعيِّنٌ على كلِّ مكلَّفٍ.
التي هي واجبةٌ عند "الإِمام" لا بدَّ أنْ يقرأ من الآية الطويلة مقدارَ ثلاثةٍ أمثالٍ مما يُسمَّى
بقراءته قارئاً عرفاً، ولذا فرضوا المسألةَ بآية الكرسيِّ وآية المداينة، وفي "التتار خانيَّة"(١)
و"المعراج" وغيرهما: ((لو قرأ آيةً طويلةً كآية الكرسيِّ أو المداينةِ، البعضَ في ركعةٍ والبعضَ في
ركعةٍ اختلفوا فيه على قول "أبي حنيفة"، قيل: لا يجوزُ؛ لأَنَّه ما قرأ آيةً تامَّةً في كلِّ ركعةٍ،
وعامَّتُهم على أنّه يجوزُ(٢)؛ لأنَّ بعض هذه الآياتِ يزيدُ على ثلاثٍ قصارٍ أو يَعدِلُها، فلا تكونُ
قراءته أقلّ من ثلاثٍ آياتٍ)) اهـ.
لكنَّ التعليل الأخير ربما يفيدُ اعتبار العددِ في الكلمات أو الحروف، ويفيدُهُ قولهم: لو قرأ آيةً
تعدلُ أقصرَ سورةٍ جاز، وفي بعض العبارات: تعدلُ ثلاثاً قصاراً، أي: كقوله تعالى: ﴿ثُمَّتَظَرَ ®
ثُمَ عَسَ وَبَسَ (٧) ثُمَّ ◌َبَ وَأَسْتَكْبَ﴾﴾ [المدثر - ٢١، ٢٢، ٢٣]، وقدْرُها من حيث الكلماتُ عشرٌ،
ومن حيث الحروفُ ثلاثون، فلو قرأ: ﴿اَللَّهُلَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
[ البقرة - ٢٥٥] يبلغُ مقدارَ هذه الآيات الثلاث، فعلى ما قلناه لو اقتصَرَ على هذا المقدارِ في كلِّ
ركعةٍ كفى عن الواجب، ولم أر مَنْ تعرَّضَ لشيءٍ من ذلك، فليتأمُّل.
مطلبٌ في الفرق بين فرضِ العين وفرضِ الكفاية
[٤٥٥٢] (قولُهُ: وحِفْظُها) أي: الآيةِ ((فرضُ عينٍ)) أي: فرضٌ ثابتٌ على كلِّ واحدٍ من
المكلَّفين بعينه كما أشارَ إليه في "شرح التحرير"(٢)، حيث فرَّقَ بينه وبين فرض الكفاية: ((بأنَّ
(١) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني - فصل في القراءة ٤٤٦/١.
(٢) في "د" زيادة: ((قال في "الفتح": وحيث كانت هذه الأقسام ثابتةً في نفس الأمر، فما قيل: لو قرأ البقرة ونحوَها وقع الكلُّ
فرضاً، وكذا إذا أطال في الركوع والسجود مشكلٌ، إذ لو كان كذلك لم يتحقق قدر القراءة إلا فرضاً، فأين باقي
الأقسام؟ انتهى. وجوابه: أن هذه الأقسام بالنظر لها ما قبل الإيقاع، كذا في "النهر". وثمرة ذلك تظهر في الترك فقط أي:
أنه إذا قرأ آية مثلاً نقول بصحة صلاته لإتيانه بقدر الفرض وإن ترك الواجب والسنة)). انظر "الفتح": ٢٨٩/١.
(٣) "التقرير والتحبير": المقالة الأولى - الباب الأول - الفصل الثالث - القسم الرابع - مسألة: الواجب على الكفاية واجب
على الكل ١٣٥/٢.

الجزء الثالث
٤٥٣
فصل في القراءة
(وحفظُ جميعِ القرآن فرضُ كفايةٍ) وسنّةُ عينِ أفضلُ من التنفَّلِ، وتعلَّمُ الفقهِ أفضلُ منهما
ےے
(وحفظُ فاتحةِ الكتاب وسورةٍ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ) ويكرهُ نقصُ شيءٍ من الواجب.
الثاني متحتّمٌ مقصودٌ حصولُهُ من غيرِ نظرٍ بالذات إلى فاعله [١/ق٤٢٣ /ب] بخلاف الأوَّل، فإنّه
منظورٌ بالذات إلى فاعله، حيث قُصِدَ حصولُهُ من عينِ مخصوصةٍ كالمفروض على النبي ◌َ ◌ّ دون
أمَّته، أو من كلِّ عينٍ عينٍ، أي: واحدٍ واحدٍ من المكلَّفين)) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ الإضافة فيهما من إضافةِ الاسم إلى صفته كمسجدِ الجامع وحبةِ الحمقاء، أي:
فرضٌ متعيِّنٌ، أي: ثابتٌ على كلِّ مكلّفٍ بعينه، وفرضُ الكفاية معناه: فرضٌ ذو كفايةٍ، أي:
يُكتَفَى بحصوله من أيِّ فاعلٍ كان، تأمَّل.
(٤٥٥٣] (قولُهُ: وحفظُ جميعِ القرآن إلخ) أقولُ: لا مانعَ من أنْ يقال: جميعُ القرآن من حیث
هو يُسمَّى فرض كفايةٍ وإنْ كان بعضُهُ فرضَ عينٍ وبعضُهُ واجباً، كما أنَّ حفظ الفاتحة يُسمَّى
واجباً وإنْ كانت الآيةُ منها فرضاً، أي: يسقُطُ بها الفرضُ، فافهم.
مطلبٌ: السنّةُ تكون سنَّةَ عينٍ وسنَّةً كفايةٍ
[٤٥٥٤] (قولُهُ: وسنّةُ عينٍ) أي: يُسَنُّ لكلٍّ واحدٍ من المكلّفين بعينه، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ السنَّةَ
قد تكون سنّة عينِ وسنّة كفايةٍ، ومثاله ما قالوا في صلاة التراويح: إنّها سنّةُ عينٍ، وصلاتُها بجماعةٍ
في كلِّ مَحَلَّةٍ سَنَّة كفايةٍ.
[٤٥٥٥] (قولُهُ: وتعلُّمُ الفقهِ أفضلُ منهما) أي: مِن حفظِ باقي القرآن بعد قيام البعض به ومن
التنفُّل، ومرادُهُ بالفقه ما زاد على ما يَحتاجُ إليه في دينه، وإلاّ فهو فرضُ عينٍ، "ح)(١).
[٤٥٥٦] (قولُهُ: وسُورةٍ) أي: أقصرِ سورةٍ أوما يقومُ مَقامَها من ثلاثِ آياتٍ قصارٍ.
[٤٥٥٧] (قولُهُ: ويكرهُ إلخ) أي: تحريماً، كما أنه يكرهُ نقصُ شيءٍ من السنّة تنزيهاً
(قولُ "الشارح": ويكرهُ نقصُ شيءٍ من الواجب) أي: من حفظِهِ أو في الصلاة.
(١) "ح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ق ٧٥/أ.

قسم العبادات
٤٥٤
حاشية ابن عابدين
(ويُسَنُّ في السفرِ مطلقاً) أي: حالةَ قرارٍ أو فِرارِ، كذا أطلَقَ في "الجامع الصغير"،
ورجَّحَهُ في "البحر"، ورَدَّ ما في "الهداية" وغيرها من التفصيل، وردّهُ في "النهر"،
وحرَّرَ: (( أنَّ ما في "الهداية" هو المحرَّرُ )) (الفاتحةُ)
كما في "شرح الملتقى"(١)، "ط"(٢).
[٤٥٥٨] (قولُهُ: أي: حالةَ قَرارِ أو فِرارِ) أي: حالةَ أمَنَةٍ أو عجلةٍ، وعبَّرَ عن العجلةِ بالفِرار
بالفاء لأَنّها في السفر تكون غالباً من الخوف كما في "شرح الشيخ إسماعيل)"(٣).
[٣٤٥٥٩ (قولُهُ: كذا أطلَقَ إلخ) فيه أنَّ عبارة "الجامع"(٤) لم يصرِّحْ فيها بقوله: ((مطلقاً))،
وإنما ذكَرَ فيها السفرَ غيرَ مقَّدٍ، فيُفهَمُ منها الإطلاقُ كسائر عبارات المتون، وإلاّ لم يتأتَّ ادِّعاءُ
تقييدِها بما سيأتي(٥) من التفصيل، وإنما صرَّحَ "المصنّف" بالإطلاق اختياراً لِما رجَّحَهُ شيخه
صاحب "البحر".
[٤٥٦٠] (قولُهُ: ورجَّحَهُ في "البحر"(٦) إلخ) اعلم أنَّه ذكَرَ في "الهداية"(٧): ((أَنَّ المسافر يقرأ
بفاتحة الكتاب وأيِّ سورةٍ شاء))، ثمَّ قال: [١/ق٤٢٤/أ] ((وهذا إذا كان على عَجَلةٍ من السَّير،
فإنْ كان في أمَنَةٍ وقرارِ يقرأ في الفجر نحوَ سورة البروج وانشقّتْ؛ لأَنَّه يمكنُهُ مراعاة السنَّة مع
التخفيف))، ورَدَّهُ في "البحر"(٨): ((بأنّه لا أصل له يُعتمَدُ عليه في الرواية والدراية، أمَّا الأوَّلُ
٣٦١/١
(قولُهُ: مطلقاً) أي: في حالة قرارٍ أو فرارٍ.
(١) "الدر المنتقى": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٩٦/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٢) "ط": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام ٢٣٥/١.
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ١/ق٢٩٥/أ.
--
(٤) "الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب القراءة في الصلاة صـ٩٥ -.
(٥) في المقولة الآتية.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٩/١.
(٧) "الهداية": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٥٤/١.
(٨) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٩/١ - ٣٦٠ بتصرف.
۔

الجزء الثالث
٤٥٥
فصل في القراءة
فلأنَّ إطلاق المتون تبعاً لـ "الجامع الصغير" يعُمُّ حالةَ الأمن أيضاً، وأمَّا الثاني فلأَنَّه إذا كان على أمنٍ
صار كالمقيم، فينبغي أنْ يُراعِيَ السّنّة، والسفرُ وإنْ كان مؤثّراً في التخفيف لكنَّ التحديد بقدْرِ
سورة البروجِ لا بدَّ له من دليلٍ، ولم يُنقَل)) اهـ.
وهو ملخّصُ من "الحلبة"(١)، وأجابَ في "النهر "(٢) بما حاصلُهُ: ((أنَّ السنَّة للمقيم في قراءة
الفجر أنْ تكون من طوالِ المفصَّل، وأنْ لا ينقصَ مقدارُ الآيات المقروءة من حيث العددُ عن
أربعين آيةً في الركعتين، بل تكونُ من أربعين إلى مائةٍ كما سيأتي(٣) مع ما لنا فيه من البحث،
والمسافرُ إذا كان في أمَنَةٍ وقرارِ وإِنْ كان مثلَ المقيم لكنْ للسفر تأثيرٌ في التخفيف عنه مطلقاً، ولذا
يجوزُ له الفِطْرُ وإنْ كان في أمَنَةٍ، فناسَبَ أنْ يقرأ نحوَ سورة البروج والانشقاق مما هو من طوال
المفصَّل وإنْ لم يبلغ المقدارَ الخاصَّ، وهذا معنى قول "الهداية": لإمكان مراعاة السنّة مع التخفيف،
أي: التخفيفِ بعدم اعتبار العدد الخاصِّ بعدَ حصولِ سنّة القراءة من طوال المفصَّل، فليس مرادُهُ
التحديدَ بعددِ آياتِ السورتين، بل كونِهما من طوال المفصَّل، أي: وسنيَّةُ القراءة في الفجر من
طوال المفصَّل مسلَّمَةٌ لا تحتاجُ إلى دليلٍ. ثم إنَّ ما في "الهداية" قد أقرَّهُ عليه شُرَّاحها (٤)
و"الزيلعيُّ" (٥) وغيرُه، وذلك دليلٌ على تقييدِ إطلاق ما في المتون و"الجامع")) اهـ.
أقولُ: هذا إنما يَتِمُّ إذا كان قولُ "الهداية": ((يقرأُ في الفجر نحوَ سورة البروج وانشقَّتْ))
(قولُهُ: أقول: هذا إنما يَتِمُّ إذا كان قولُ "الهداية" إلخ) قد يقال: مرادُ صاحبِ "الهداية" أنَّه في حالةٍ
الأمن يقرأ السورتين المذكورتين في الركعتين، والتخفيف بقراءة قصار الطوال، وعلى ما في "المنية"
بقراءةِ البروج فيهما - حيث اكتفى بسورةٍ واحدةٍ من الطّوال بناءً على أنَّها منها - وجعلِ الأوسطِ في
الحضر طويلاً في السَّفر على أنَّها من الأوساط.
س.
(١) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ٩٩/ب - ١٠٠/أ.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥١/ب بتوضيح من ابن عابدين رحمه الله تعالى.
(٣) المقولة [٤٥٦٨] قوله: ((أي: في كل ركعة سورة مما ذكر)).
(٤) انظر "الفتح" و"العناية" و"الكفاية": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٢٩١/١، و"البناية" ٣٥٧/٢.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ١٢٩/١.

قسم العبادات
٤٥٦
حاشية ابن عابدين
وجوباً (وأيُّ سورةٍ شاءَ) وفي الضَّرورة بقدْرِ الحال (و) يُسَنُّ (في الحضَرِ) لإمامٍ ومنفردٍ،
:
معناه أنّه يقرأ في الركعتين واحدةً منهما لا كلاً منهما، وإلاَّ لم يحصلْ تخفيفٌ من حيث العددُ؟
لأنَّ الانشقاق خمسٌ وعشرون آيةً، والبروجَ ثنتان وعشرون، ويؤيِّدُ ذلك قولُ "المنية"(١): ((يقرأُ
سورةَ [١/ق٤٢٤ /ب] البروج أو مثلَها))، فإِنَّه ظاهرٌ في أنَّ المراد قراءةُ سورة البروج في الركعتين،
لكنْ في كون سورة البروج من طوال المفصَّل كلامٌ ستعرفُهُ، فلذا حَمَلَ التخفيفَ في "شرح
المنية"(٢) على جعلِ الأوسطِ في الحضر طويلاً في السفر، ومثلُهُ قولُ صاحب "المجمع" في "شرحه":
((فيقرأ بأوساطِ المفصَّلِ رعايةً للسنَّة مع التخفيف))، وعليه مشى في "الشرنبلاليَّةٍ(٣)، لكنَّ هذا
الحملَ لا يناسبُ ما في "الهداية"؛ لأنَّ الانشقاق من طوال المفصَّل، وقد يقال: إنَّ التخفيف من
جهة الاكتفاء بسورةٍ واحدةٍ من المفصَّل في الركعتين كما اقتضاه ظاهرُ كلامٍ "المنية" المذكورِ؛ لأنَّ
السّنّة في الحضَرِ في كلِّ ركعةٍ سورةٌ تامَّةٌ كما يأتي(٤)، تأمَّل.
[٤٥٦١] (قولُهُ: وجوباً) أشارَ به إلى دفعٍ ما أورَدَهُ في "النهر"(٥): ((بأنَّه لو قال بعد الفاتحة أيّ
سورةٍ شاء لَكان أولى؛ لئلاّ يُوهِمَ أنَّ قراءة الفاتحة سنّةٌ))، فصرَّحَ بقوله: ((وجوباً)) لدفع التوهُّم
المذكور؛ لأنَّ المعنى أنَّ سنّة القراءة في السفر أيُّ سورةٍ شاءَ مضمومةً إلى الفاتحة الواجبة، فالمقصودُ
بيانُ التخيير في السور بعد الفاتحة، وإلاَّ ورَدَ أنَّ السورة واجبةٌ أيضاً.
[٤٥٦٢] (قولُهُ: وفي الضَّرورة بقدْرِ الحالِ) أي: سواءٌ كان في الحضرِ أو السفر، وإطلاقُهُ
(قولُهُ: فصرَّحَ بقوله: وجوباً لدفعِ التوهُّم المذكور إلخ) وعلى قياسِ ما سبق يقال: الفاتحةُ وأيُّ
سورةٍ شاء سنّةٌ، بمعنى أنَّه لو أتى بهذا المجموعِ يكون مقيماً لسنَّةِ القراءة وإنْ كان كلٌّ من جزأيه
واجباً، ويندفعُ إيراد "النهر".
(١) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣١٠ -.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣١٠ -.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٧٠/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) المقولة [٤٥٦٨] قوله: ((أي: في كل ركعة سورة مما ذكر)).
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥١/أ - ب.