Indexed OCR Text

Pages 381-400

الجزء الثالث
٣٧٧
باب صفة الصلاة
ذكَرَهُ "الرمليُّ" الشافعيُّ وغيرُهُ، وما نُقِلَ: ((لا تسوِّدُوني في الصلاة)) فكذبٌ،
وقولُهم: تسيِّدُوني(١) بالياءِ ..
إلى مزيدٍ رحمة الله تعالى، واختاره "السرخسيُّ" لوروده في الأثر، ولا عتبَ على مَن أَتَّبع، وقال
"أبو جعفر": وأنا أقولُ: وارحمْ محمَّدً للتوارث في بلاد المسلمين، واستدلَّ بعضهم على ذلك
بتفسيرهم الصلاةَ بالرحمة، واللفظان إذا استويا في الدِّلالة صحَّ قيامُ أحدهما مقامَ الآخر، ولذا أقرَّ
عليه الصلاة والسلام الأعرابيَّ على قوله: ((اللهمَّ ارحمني ومحمّدً))(٢) اهـ، فافهم.
[٤٣٨٧] (قولُهُ: ذكَرَهُ "الرمليُّ" الشافعيُّ) أي: في "شرحه" على "منهاج النوويّ)(٢)، ونصُّه:
((والأفضلُ الإتيانُ بلفظ السيادة كما قاله "ابن ظهيرة"(٤)، وصرَّحَ به جمعٌ، وبه أفتى "الشارح"(٥)؛
لأنَّ فيه الإتيانَ بما أُمِرنا به وزيادةً الإخبار بالواقع الذي هو أدبٌ، فهو أفضلُ من تركه وإنْ تردَّدَ في
أفضلَّتِه "الإسنويُّ"، وأمَّا حديثُ: ((لا تَسيِّدُوني في الصلاة))(٦) فباطلٌ لا أصل له كما قاله بعضُ
متأخّري الحفّاظ، وقولُ "الطوسيِ)(٧): إنّها مُبطِلةٌ غلطٌ)) اهـ
(١) في "ب": (( لا تسيدوني )).
(٢) أخرجه أحمد في "المسند" ٢٣٩/٢، والبخاريّ (٦٠١٠) كتاب الأدب - باب رحمة الناس والبهائم، وأبو داود (٨)
كتاب الطهارة - باب الأرض يصيبها البول، و(٨٨٢) كتاب الصلاة - باب الدعاء في الصلاة، والترمذيّ(١٤٧)
كتاب الطهارة - باب ما جاء في البول يصيب الأرض، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائيّ ١٤/٣ كتاب
الصلاة - باب الكلام في الصلاة - وابن ماجه (٥٢٩) كتاب الطهارة - باب الأرض يصيبها البول كيف تغسل ؟
ولفظه عند ابن ماجه ((اللهم اغفر لي ومحمداً)). كلُّهم من حديث أبي هريرةَُّه، وفي الباب: عن عبد الله
ابن مسعود، وابن عباس، وواثلة بن الأسقع، وجندب یی.
(٣) "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج": كتاب الصلاة - سنن الصلاة ومكروهاتها ٥٣٠/١.
(٤) لعله أبو بكر بن علي بن محمد، فخر الدين المعروف بابن ظهيرة القرشيّ المكيّ الشافعيّ (ت٨٨٩هـ). ("الضوء
اللامع" ٥٨/١، "معجم المؤلفين" ٤٤٢/١).
(٥) أي: جلال الدين المحلي، شارح "منهاج الطالبين" للنووي.
(٦) قال السخاوي في "المقاصد الحسنة": صـ ٧٢٠ -: لا أصل له، ونقل الجراحي في "كشف الخفاء" ٣٥٤/٢-٣٥٥ عن
الناجي في أوائل مولده المسمى بـ"كنز العفاة": ((وأما النقل عن سيد الورى ((لا تسودوني في الصلاة)) مكذب
موَلدَّ مفترى، والعوام مع إيرادهم له يلحنون فيه أيضاً فيقولون ((لا تسيدوني)) بالياء، وإنما اللفظ بالواو)).
(٧) نسبة لجمع من العلماء ولم يتبين لنا المراد منه.

قسم العبادات
٣٧٨
.
حاشية ابن عابدين
لحنٌ أيضاً، والصوابُ بالواو.
وخُصَّ إبراهيمُ لسلامِهِ علينا، أو لأَنّه سَمَّانا المسلمين، أو لأنَّ المطلوب صلاةٌ يَتَّخذُهُ
بھا خلیلا،
واعتُرِضَ بأنَّ هذا مخالفٌ لمذهبنا لِما مرَّ(١) من قول "الإِمام" من أَنَّه لو زاد في تشهُّده أو
نقَصَ فِيه كان مكروهاً.
قلت: فيه نظرٌ، فإنَّ الصلاة زائدةٌ على التشهُّد ليست منه، نعم ينبغي على هذا عدمُ ذكرها
في وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبده ورسوله، وأنَّه يأتي بها مع إبراهيم عليه السلام.
[٤٣٨٨] (قولُهُ: لحنّ أيضاً) أي: مع كونه كذباً.
[٤٣٨٩] (قولُهُ: والصوابُ بالواو) لأَنّه واويُّ العين من سادَ يسُودُ، قال الشاعر: [طويل]
وما سوَّدَتْني عامرٌ عن وراثةٍ أبى الله أنْ أسموْ بأمِّ ولا أبٍ(٢)
مطلبٌ في الكلام على التشبيهِ في كما صلَّيتَ على إبراهيم عليه السلام
[٤٣٩٠] (قولُهُ: وخُصَّ إبراهيمُ إلخ) جوابٌ عن سؤالٍ تقديره: لِمَ خُصَّ التشبيهُ إبراهيمَ دون
غيره من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام؟ فأجاب بثلاثةِ أجوبةٍ:
الأوَّلُ: أَنَّه سلَّمَ علينا ليلةَ المعراج حيث قال: أَيِغْ أمَّتَك مني السلام.
والثاني: أَنَّه سمَّانا المسلمين كما أخبر عنه تعالى بقوله: ﴿هُوَسَمَّكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾
[الحج- ٧٨]، أي: بقوله: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّقِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة -١٢٨]،
[١/ق٤٠٣ /أ] والعربُ من ذُرِّته وذرِّية ابنه إسماعيل عليهما السلام، فقصدُنا إظهارُ فضِلِه مجازاةً على
هذینِ الفعلین منه.
والثالثُ: أنَّ المطلوب صلاةٌ يَتَّخِذُ الله تعالى بها نِيَّنَا وَ﴿ خليلاً كما أَتَّخَذَ إِبراهيمَ عليه
السلام خليلاً، وقد استجاب الله تعالى دعاءَ عباده فاتَّخَذَه الله تعالى خليلاً أيضاً، ففي حديث
(١) المقولة [٤٣٥٩] قوله: ((كما بحثه في "البحر")).
(٢) القائل عامر بن الطفيل، والبيت في "الخصائص"٣٤٢/٢، "شرح المفصل"١٠٠/١،"مغني اللبيب" صـ ٨٨٧-، "خزانة الأدب"
٠٣٤٣/٨

الجزء الثالث
٣٧٩
باب صفة الصلاة
وعلى الأخيرِ فالتشبيهُ ظاهرٌ، أو راجعٌ لآل محمَّدٍ، أو المشبَّهُ به قد يكونُ أدنى
مثل: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ﴾ [النور - ٣٥].
(وهي فرضٌ).
"الصحيحين": ((ولكنَّ صاحبكم خليلُ الرحمن))(١).
وأجيبَ بأجوبةٍ أخرَ، منها أنَّ ذلك لأَبُوَّتِه، والتشبيهُ في الفضائل بالآباء مرغوبٌ فيه،
ولرفعةٍ شأنه في الرسل، وكونِه أفضلَ بقَيَّةِ الأنبياءِ على الراجح، ولموافقتنا إِيَّاه في معالِمِ الملّةِ
المشار إليه بقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِكُمْ إِزَهِيمٌ﴾ [الحج- ٧٨]، ولدوامٍ ذكره الجميلِ المشار إليه بقوله
تعالى: ﴿وَأَجْعَل لِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْآَخِرِينَ﴾ [الشعراء- ٨٤]، وللأمر بالاقتداء به في قوله تعالى:
﴿َنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [ النحل - ١٢٣].
[٤٣٩١] (قولُهُ: وعلى الأخيرِ إلخ) أي: الوجهِ الثالث، وهذا أيضاً جوابٌ عن السؤال المشهور
الذي يُورِدُه العلماءُ قديماً وحديثاً، وهو أنَّ القاعدة: أنَّ المشبََّ به في الغالب يكون أعلى من المشبَّهِ
في وجهِ الشبهِ مع أنَّ القدر الحاصل من الصلاة والبركةِ لنبيِّنَا رَ﴿ ولآله أعلى من الحاصل لإبراهيم
عليه السلام وآله بدلالة رواية "النسائيّ"(٢): (( مَن صلَّى عليَّ واحدةً صلَّى الله عليه عشرَ صلواتٍ،
(١) أخرجه مسلم (٢٣٨٣) كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي بكر الصديق رضيته، وأخرجه أحمد ٣٧٧/١،
والترمذيّ (٣٦٥٥) كتاب المناقب - باب مناقب أبي بكر الصديق رضيُّه، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائيّ
في "فضائل الصحابة" (٤)، وابن ماجه (٩٣) في المقدمة - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﴾، وابن حبان في
"صحيحه" (٦٨٥٥) كتاب أخباره عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم من حديث عبد الله بن مسعود رضي
الله عنه، وفي الباب: عن أبي سعيد الخُدْريّ، وأبي هريرة، وابن الزبير، وابن عباسُّ.
وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٢٣/٧: ((وحديث ابن مسعود عند مسلم)) ولم نجده عند الإمام البخاريّ. فليتنبه.
(٢) النسائيّ في "السنن الكبرى" ٥٠/٣ كتاب السهو - باب الفضل في الصلاة على النبي له وأخرجه ابن أبي شيبة في
"المصنف" ٤٤٢/٧ كتاب الفضائل - باب ما أعطى الله تعالى محمّدً عَلَّه والطيالسي (٤١٢٢)، وأحمد في "المسند"
١٠٢/٣-٢٦١، والبخاريّ في "الأدب المفرد" (٦٤٣) باب الصلاة على النبي ﴿، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة"
(٦٢) و(٦٣) و(٣٦٢) و(٣٦٣)، والحاكم في "المستدرك" ٥٥٠/١ كتاب فضائل القرآن، وقال: هذا حديث صحيح
الإسناد ولم يُخرِّجاه، ووافقه الذهبيّ، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢٤٩/٣ كتاب الجمعة - باب ما يؤمر به في ليلة
الجمعة ويومها من كثرة الصلاة على رسول الله ◌َ ﴾، وابن حبان (٩٠٤) كتاب الرقائق - باب الأدعية. كلهم =
١

قسم العبادات
٣٨٠
حاشية ابن عابدين
عملاً بالأمر في شعبانَ.
وحطَّ عنه عشرَ سيِّئَاتٍ، ورُفِعَتْ له عشرُ درجاتٍ))، ولم يَرِدْ في حقِّ إبراهيمَ أو غيره مثلُ ذلك.
والجوابُ: أنَّ المراد صلاةٌ خاصَّةٌ يكونُ بها نِبُّات ◌َّ خليلاً كما أُتَّخِذَ إبراهيمُ خليلاً، أو
التشبيهُ راجعٌ لقولنا: وعلى آلِ محمَّدٍ، أو أنَّ هذا من غير الغالب، فإِنَّ المشبَّهَ به قد يكون مساوياً
للمشَبَّهِ أو أدنى منه، لكنَّه يكونُ أوضحَ لكونه حسِّاً مشاهَدً، أو لكونه مشهوراً في وجهِ الشَّبِهِ،
فالأوَّلُ نحوُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ﴾ [النور - ١٣٥]، وأين يقعُ نورُ المشكاة من نوره تعالى، والثاني
كما هنا، فإنَّ تعظيم إبراهيمَ وآله بالصلاة عليهم واضحٌ [١/ق٤٠٣ /ب] بَيْنَ أهلِ الِلَل، فحَسُنَ
التشبيهُ لذلك، ويؤيِّدُهُ ختمُ هذا الطلبِ بقوله: في العالمين، وتمامُهُ في "الحلبة"(١).
وأجيبَ بأجوبةٍ أخرَ من أحسنِها: أنَّ التشبيهَ في أصل الصلاة لا في القَدْر كما في قوله تعالى:
﴿ إِنَّا أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْ حَيْنَا إِلَى نُوحِ﴾ [النساء - ١٦٣]، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة- ١٨٣]، ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص - ٧٧]،
وفائدةُ التشبيهِ تأكيدُ الطلب، أي: كما صلَّيتَ على إبراهيمَ فصَلِّ على محمَّدٍ الذي هو أفضلُ منه،
وقيل: الكافُ للتعليل.
٣٤٥
(٤٣٩٢] (قولُهُ: عملاً) مفعولٌ لأجله لا تمييزٌ، أي: قلنا بفرضيَّتها لأجل العملِ بالأمر القطعيِّ
الثبوت والدلالةِ، فهي فرضٌ علماً وعملاً لا عملاً فقط كالوتر، وأمَّا ما قاله "ابن جَرِيرٍ"
الطبريُّ(٢): ((من أنَّ الأمر للاستحباب، وادَّعَى القاضي "عياضٌ" الإجماعَ عليه)) فهو خلافُ
(قولُهُ: أي: قلنا بغرضيَّتها لأجلِ العمل إلخ) لعلَّ الأولى: فتكونُ فرضاً عملاً لا اعتقاداً مراعاةً
لشبهة مَن قال: الأمرُ للاستحباب، وإلاَّ لزمَ القولُ بكفر مَن أنكَرَ الفرضيّة.
= من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وفي الباب: عن أبي هريرة، وأبي طلحة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن
ابن عوف، وأبي بردة بن نِيَار، وعامر بن ربيعة، وعُمير بن نِيَار ◌َّ.
(١) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٢٤/ب.
(٢) "تهذيب الآثار": الجزء المفقود صـ ٢٢٤ -.

الجزء الثالث
٣٨١
باب صفة الصلاة
ثاني الهجرةِ (مرَّةً واحدةً) اتّفاقاً (في العُمر) فلو بلَغَ في صلاته نابَتْ عن الفرض،
"نهر" بحثاً. وفي "المجتبى" :.
الإجماع كما ذكَرَهُ "الفاسي" في "شرح دلائل الخيرات" (١).
[٤٣٩٣] (قولُهُ: ثانيَ الهجرةِ) وقيل: ليلةَ الإِسراء، "ط"(٢).
[٤٣٩٤] (قولُهُ: مرَّةً واحدةً اتّفاقاً) والخلافُ فيما زادَ إنما هو في الوجوب كما يأتي، أفاده
١١_"(٣)
ح
[٤٣٩٥] (قولُهُ: فلو بلَغَ في صلاته إلخ) أي: بلَغَ بالسنِّ، وإِلاَّ بطلتْ، على أنَّ عبارة "النهر "(٤)
هكذا: ((لو صلَّى في أوَّلِ بلوغه صلاةً أجزأتُهُ الصلاة في تشهُّده عن الفرض، ووقعتْ فرضاً، ولم
أَرَ مَن نَبَّهَ على هذا، وقد مرَّ نظيره في الابتداء بغسل اليدين)) اهـ. أي: حيث ينوبُ الغَسل المسنون
عن غسل الجنابة أو الوضوء.
أقول: ورأيتُ التصريحَ بذلك في "المنبع شرح المجمع"، حيث قال: ((وقال أصحابنا: هي
فرضُ العمرِ، إِمَّا في الصلاة أو في خارجها)) اهـ. ومثلُهُ في "شرح درر البحار"(٥) و"الذخيرة".
قال "ح"(٦): ((بقِيَ ما إذا صلَّى في القعدة الأولى، أو في أثناءِ أفعال الصلاة ولم يصلِّ في
القعدة فالذي يظهرُ أنَّه يكون مؤدِّياً للفرض وإِنْ أثِمَ كالصلاة في الأرض المغصوبة)) اهـ.
(١) الذي ادعى الإجماع على أنَّ الأمر للاستحباب إنّما هو الطِّبريّ لا القاضي عياض، وأما القاضي عياض فادعى
الإجماع على أنَّ الأمر للوجوب. انظر "الشفاء" فصل في حكم الصلاة على النبي لّ ٦٢٧/٢. والظاهر أنَّ ابن
عابدين رحمه الله اكتفى بنقل عبارة الفاسي رحمه الله تعالى، ولم يرجع إلى عبارة القاضي عياض في "الشفاء".
وانظر "دلائل الخيرات" صـ١٦ - بتصرف.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - فصل في الشروع في الصلاة ٢٢٧/١.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق٦٧/ب.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٤٩/أ.
(٥) "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - ذكر صفة الصلاة ق٣٦/ب.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٦٧/ب.

قسم العبادات
٣٨٢
حاشية ابن عابدين
(( لا يجبُ على النبيِّ وَ﴿ِ أنْ يصلِّيَ على نفسه)) (واختلَفَ) "الطحاويُّ" و"الكرخيُّ"
لكنْ ذَكَرَ "الرحمتي" عن العلاَّمة "النّحريريّ"(١): ((أَنَّ المكلّف لا يخرجُ عن الفرض إلّ
بنَّتِه، فلا بدَّ أنْ يصلِّيَ بنَّةٍ أدائها عنه؛ لأَنَّها فريضةٌ كما قالوا: من شروط النَّةِ في الفرض
تعيينُ النَّةِ له، حتى لو صلَّى ركعتين بعد الفجر [١/ق٤٠٤ /أ] لا يسقطُ بها الفرضُ ما
لم ينوه)) اهـ.
أقول: وفيه نظرٌ لِما علمتَ أنَّها فرضُ العمرِ، أي: يُفترَضُ فعلُها في العمر مرَّةً كحجَّة
الإِسلام، وما كان كذلك فالشرطُ القصدُ إلى فعله، فيصِحُّ وإنْ لم ينوِ الفرضيَّة لتعُّنه بنفسه كالحجِّ
الفرض، يصحُّ وإنْ لم يعِّنِ الفرضيّةَ، وقد صرَّحوا أيضاً بأنَّ الإسلام يصحُّ بلائيّةٍ، أي: لأَنَّه
فريضةُ العمر، فالقياسُ على صلاة الفجر قياسٌ مع الفارق، فتدبَّر.
مطلبٌ: لا يجب عليه أن يصلِّيَ على نفسه ◌َلَّ
[٤٣٩٦] (قولُهُ: لا يجبُ على النبيِ ﴿ِ أنْ يصلِّيَ على نفسه) لأنَّه غيرُ مرادٍ بخطابٍ
﴿صَلُّواْ﴾ [الأحزاب - ٥٦]، ولا داخلٍ تحت ضميره كما هو المتبادِرُ من تركيبِ ﴿صَلُّواْ
عَلَيْهِ﴾، وقال في "النهر"(٢): ((لا يجبُ عليه بناءً على أنَّ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ لا يتناولُ
الرسولِمَ ﴿، بخلاف ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة -٢١]، ﴿يَعِبَادِىَ﴾ [ العنكبوت -٥٦] كما
عُرِفَ في الأصول)) اهـ.
والحكمةُ فيه - والله تعالى أعلمُ - أنَّها دعاءٌ، وكلُّ شخصٍ مجبولٌ على الدعاء لنفسه وطلبٍ
الخير لها، فلم يكن فيه كُلفةٌ، والإيجابُ من خطاب التكليف لا يكونُ إلَّ فيما فيه كُلفةٌ ومشقّةٌ
على النفس ومنافرةٌ لطبعِها ليتحقَّقَ الابتلاءُ كما قُرِّرَ في الأصول، وأمَّا قولُهُ تعالى:
﴿ اَدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر - ٦٠] ونحوُه فليس المرادُ به الإِيجابَ، ولذلك ورَدَ في الحديث
(١) عبد الله بن محمد بن عبد القادر، النّحراويّ - ويقال: النّحريريّ - الحنفيُّ (ت ١٠٢٦هـ). ("خلاصة الأثر " ٦٦/٣).
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٤٩/أ.

الجزء الثالث
٣٨٣
باب صفة الصلاة
(في وجوبِها) على السامع والذاكر (كلَّما ذُكِرَ لَّ (والمختارُ) عند "الطحاويّ" ..
القدسيِّ: ((مَن شغَلَهُ ذِكري عن مسألتي أعطيتُه فوق ما أعطي السائلين)(١)، "ح"(٢) ملخَّصاً.
مطلبٌ في وجوب الصلاة عليه كلَّما ذُكِرَ عليه الصلاة والسلام
[٤٣٩٧] (قولُهُ: في وجوبها) أي: وجوبِ الصلاة عليه وَّ، ولم يذكُرِ السلامَ؛ لأنَّ المراد
بقوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُواْ﴾ [الأحزاب - ٥٦] أي: لقضائه كما في "النهاية" عن "مبسوط شيخ
الإسلام"، أي: فالمرادُ بالسلام الانقيادُ، وعزاه "القُهُستانيُ)(٣) إلى الأكثرين.
[٤٣٩٨] (قولُهُ: والذَّاكرِ) أي: ذاكرِ اسمِهِ الشريفِ وَ ﴿ّ ابتداءً، لا في ضمنِ الصلاة عليه كما
صرَّحَ به في "شرح المجمع"، وفيه كلامٌ سيأتي(٤).
[٤٣٩٩] (قولُهُ: عند "الطحاويِّ") قَدَ به لأنَّ المختار في المذهب الاستحبابُ، وتَبِعَ
"الطحاويّ" جماعةٌ من الحنفيَّة، والحليميُّ وجماعةٌ من الشافعيَّة، وحُكِيَ عن "اللخميِّ"(٥) من
المالكيَّةِ، و "ابنِ بِطَّةً"(٦) من الحنابلة، وقال "ابن العربيّ" من المالكَّة: ((إِنَّه الأحوطُ))، كذا في
"شرح الفاسي" على "الدلائل"(٧)، ويأتي(٨) أَنَّ المعتمدُ.
(١) أخرجه الترمذيّ (٢٩٢٦) كتاب فضائل القرآن - باب (٢٥) وقال: هذا حديث حسن غريب، والدارميّ ٨٩٨/٢
كتاب فضائل القرآن - باب فضل كلام الله على سائر الكلام، وأبو نعيم في "الحلية" ١٠٦/٥، وابن عبد البرّ في
"التمهيد" ٤٦/٦. كلُّهم من حديث أبي سعيد الخُدْرِيَّّه.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق٦٧/ب وما بعدها.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل يجهر الإمام ١٠٥/١.
(٤) المقولة [٤٤١٨] قوله: ((بل خَصَّه في "درر البحار" إلخ)).
(٥) أبو الحسن علي بن محمد الرّبعيّ اللخميّ المالكيّ (ت٤٧٨ هـ). ("ترتيب المدارك" ٧٩٧/٢، "شجرة النور الزكية"
ص ١١٧-، "الأعلام" ٣٢٨/٤).
(٦) أبو عبد الله، عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان المعروف بابن بطة العُكْبَريّ الحنبليّ (ت٣٨٧هـ)، "سير أعلام
النبلاء" ٥٢٩/١٦، "المنهج الأحمد" ٢٩١/٢).
(٧) "مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات": صـ١٦ - بتصرف.
(٨) صـ ٣٨٨ - "در".

قسم العبادات
٣٨٤
حاشية ابن عابدين
(تكرارُهُ) أي: الوجوبِ (كلَّما ذُكِرَ) ولو اتَّحَدَ المجلسُ في الأصحِّ،.
[٤٤٠٠] (قولُهُ: تكرارُهُ) [١/ق ٤٠٤ /ب] أي: الوجوبِ، فَّدَ "القرمانيُّ" في "شرح مقدِّمة
أبي الليث"(١) وجوبَ التكرار عند "الطحاويّ" بكونه على سبيلِ الكفاية لا العين، وقال: ((فإذا
صلَّى عليه بعضُهم يسقطُ عن الباقين لحصول المقصودِ، وهو تعظيمُه وإظهارُ شرفه عند ذكرٍ
اسمهِ ﴿) اهـ. وتمامُهُ في "ح"(٢).
(٤٤٠١] (قولُهُ: في الأصحِّ) صحَّحَهُ "الزاهديُّ" في "المجتبى"، لكنْ صحَّحَ في "الكافي"(٣)
وجوبَ الصلاة مرَّةً في كلِّ مجلسٍ كسجود التلاوة، حيث قال في باب التلاوة: ((وهو كمَن سمِعَ
اسمَه عليه الصلاة والسلام مراراً، لم تلزمْه الصلاةُ إلاّ مرَّةً في الصحيح؛ لأنَّ تكرار اسمه ◌َّ لحفظِ
سَنِتِهِ التي بها قوامُ الشريعة، فلو وجبت الصلاةُ بكلِّ مرَّةٍ لأفضى إلى الحرج، غيرَ أَنَّه يُندَبُ تكرارُ
الصلاة بخلاف السجود، والتشميتُ كالصلاة، وقيل: يجبُ التشميت في كلِّ مرَّةٍ إلى الثلاث)) اهـ.
وحاصلُه: أنَّ الوجوب يتداخلُ في المجلس، فُيُكتَفَى بمرَّةٍ للحرج كما في السجود، إلاَّ أنَّه
يُندَبُ تكرارُ الصلاة في المجلس الواحد بخلاف السجود، وما ذكَرَهُ في "الكافي" نقلَهُ صاحبُ
"المجمع" في "شرحه" عن "شرح فخر الإسلام" على "الجامع الكبير "(٤) جازِماً به، لكنْ بدون لفظِ
التصحيح، وأنتَ خبيرٌ بأنَّ تصحيح "الزاهديِّ" لا يعارِضُ تصحيحَ "النسفيِّ" صاحبِ "الكافي"،
على أنَّ "الزاهديّ" خالَفَ نفسَهُ، حيث قال في كراهية "القنية"(٥): ((وقيل: يكفي في المجلسِ مرَّةٌ
(١) المسمى بـ "التوضيح": للشيخ مصطفى بن زكريا بن آي طوغمش، مصلح الدين القَرْمانيّ(ت٨٠٩هـ) شرح "مقدمة
أبي الليث" نصر بن محمد السمر قندي(ت٣٧٣هـ). ("كشف الظنون" ١٧٩٥/٢، "الضوء اللامع" ١٦٠/١٠).
وانظر تعليقنا المتقدم ٤٩٩/١.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٦٨/أ.
(٣) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب سجود التلاوة ١/ق ٤٨/ب.
(٤) هو شرح أبي الحسن علي بن محمد، فخر الإسلام المعروف بأبي اليسر البزدويّ(ت ٤٨٢هـ) على "الجامع الكبير"
للإمام محمد. ("كشف الظنون" ٥٦٨/١، "الجواهر المضية" ٥٩٤/٢، "تاج التراجم" صـ ١٤٦-).
(٥) "القنية": كتاب الكراهية - باب فيما يجب من تعظيم اسم الله واسم نبيِّه ق ٦٩/أ.

الجزء الثالث
٣٨٥
باب صفة الصلاة
٣٤٦/١ كسجدة التلاوة، وبه يُفتَى)) اهـ.
وأورَدَ "الشارح" في "الخزائن"(١): ((أنَّ الذي يظهرُ أنَّ ما في "الكافي" مبنيٌّ على قول
"الكرخيِّ")) اهـ.
وهذا غيرُ ظاهر؛ لأَنَّه يلزمُ منه أنْ يكون "الكرخيُّ" قائلاً بوجوب التكرار كلَّما ذُكِرَ إلاَّ في
المجلس المَّحدٍ، فيجبُ مرَّةً واحدةً، وأَنَّه لا يبقَى الخلافُ بينه وبين "الطحاويِّ" إلاَّ فيما إذا أَنَّحَدَ
المجلسُ، والمنقولُ خلاقُهُ، وأورَدَ "ابن ملكٍ" في "شرح المجمع": ((أَنَّ التداخُل يوجَدُ في حقِّ الله
تعالى، والصلاةُ على النبي (وَّحقُّهُ)) اهـ. وقد يُمنَعُ بأنَّ الوجوب حقُّ الله تعالى؛ لأنَّ المصلِّيَ
ينوي امتثالَ الأمر.
مطلبٌ: هل نفعُ الصلاة عائدٌ للمصلِّي أم له وللمصلَّى عليه؟
على [١/ق ٤٠٥/أ] أنَّ المختار عند جماعةٍ - منهم "أبو العباس" المبرِّدُ، و"أبو بكر بن
العربيّ" - أنَّ نفع الصلاة غيرُ عائدٍ له ﴿ بل للمصلِّي فقط، وكذا قال "السَّنُوسيُّ" في "شرح
وسطاه"(٢): ((إنَّ المقصود بها التقرُّبُ إلى الله تعالى، لا كسائرِ الأدعية التي يُقْصَدُ بها نفعُ
المدعوِّ له)) اهـ.
وذهَبَ "القشيريُّ" و "القرطبيُّ" إلى أنَّ النفع لهما، وعلى كلّ من القولين فهي عبادةٌ يُتقرَّبُ
بها إلى الله تعالى، والعبادةُ لا تكون حقَّ عبدٍ، ولو سُلّمَ أنّها حقُّ عبدٍ فيسقطُ الوجوبُ للحرج
كما مرَّ(٣)؛ لأنَّ الحرج ساقطٌ بالنصِّ، ولا حرجَ في إبقاء الندب، وقد جزَمَ بهذا القولِ أيضاً
المحقّقُ "ابن الهمام" في "زاد الفقير" فقال: ((مقتضى الدليلِ افتراضُها في العمر مرَّةً، وإيجابُها كلَّما
(١) "الخزائن": كتاب الصلاة - فصل في بيان صفة الشروع في الصلاة ق٩٥/أ.
(٢) "العقيدة الوسطى" وشرحها، كلاهما للسَّيّد الشّريف أبي عبد الله محمد بن يُوسُف السُّنُوسِيُّ النِّلْمِسَانيّ
(ت ٨٩٥هـ). ("كشف الظنون" ١١٥٧/٢، "هدية العارفين" ٢١٦/٢، "الأعلام" ١٥٤/٧).
(٣) في هذه المقولة.

· قسم العبادات
٣٨٦
حاشية ابن عابدين
لا لأنَّ الأمر يقتضي التكرارَ، بل لأنَّه تعلَّقَ وجوبُها بسببٍ متكرِّرِ وهو الذكرُ،
فيتكرَّرُ بتكُّرِهِ، وتصيرُ دَيناً بالترك فُقَضَى؛ لأنّها حقُّ عبدٍ كالتشميت ..
ذُكِرَ، إلاَّ أنْ يَتَّحِدَ المجلسُ فيستحبُّ التكرارُ بالتكرار، فعليكَ به أَتَّفقت الأقوالُ أو اختلفتْ)) اهـ.
فقد اتَّضَحَ لك أنَّ المعتمد ما في "الكافي"، وسمعتَ قول "القنية": ((إنَّه به يُفْتَى))، وأنتَ
خبيرٌ بأنَّ الفتوى أكدُ ألفاظ التصحيح.
( فرعٌ)
السلامُ يُحزي عن الصلاة على النبيِّ وَّهِ "هنديَّةِ"(١) عن "الغرائب"(٢).
[٤٤٠٢] (قولُهُ: لا؛ لأنَّ الأمرَ إلخ) مرتبطٌ بقوله: ((والمختارُ تكرارُه إلخ))، وهو جوابٌ عن
سؤال تقريره: أنَّ قوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب - ٥٦] أمرٌ، والأصلُ أنَّ الأمر عندنا
لا يقتضي التكرارَ ولا يحتملُه.
والجواب: أنَّ التكرار لم يجبْ بالآية، وإلاَّ كان فرضاً، وخالَفَ الأصلَ المذكور، وإنما وجَبَ
بأحاديثِ الوعيد الآتيةِ(٣) الدَّةِ على سبَّةِ الذكر للوجوب، والوجوبُ يتكرَّرُ بتكرُّرِ سببه.
(٤٠٣ ٤] (قولُهُ: لأَنَّها حقُّ عبدٍ) علمتَ آنفاً ما فيه.
[٤٤٠٤] (قولُهُ: كالتشميتِ) ظاهرُه أَنَّه يُقضَى كالصلاة، وحرَّرَه نقلاً، وقدَّمنا (٤)
عن "الكافي": ((أَنَّ كالصلاة يجبُ في المجلس مرَّةً، وقيل: إلى ثلاثٍ))، ومثلُهُ في "الفتح"(٥)
(١) "الفتاوى الهندية": كتاب الكراهية - الباب الرابع في الصلاة والتسبيح ٣١٥/٥.
(٢) لعله "غرائب المسائل"، لأحمد بن محمد بن أبي بكر الحنفيّ(ت ٥٢٢هـ). ("كشف الظنون" ١١٩٧/٢، "الأعلام"
٢١٥/١).
(٣) المقولة [٤٤٠٩] قوله: ((كرغمٍ وإبعادٍ وشقاءٍ)).
(٤) المقولة [٤٤٠١] قوله: ((في الأصح)).
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٧٦/١.

الجزء الثالث
٣٨٧
باب صفة الصلاة
بخلاف ذِكْره تعالى (والمذهبُ استحبابُهُ) أي: التكرارِ،.
و"البحر"(١)، وفي "شرح تلخيص الجامع"(٢): ((الأصحُّ أَنَّه إنْ زاد على الثلاثِ لا يشمِّتُه، وإنما
يجبُ التشميت إذا حَمِدَ العاطسُ))، وسيأتي(٣) تمامُ الكلام عليه في باب الحظر والإباحة إنْ شاء
الله تعالى.
[٤٤٠٥] (قولُهُ: بخلافِ ذِكرِه تعالى) أي: فإنّه لا يُقضَى إذا فاتَ؛ لأَنَّه حقُّ الربِّ تعالى كما
يُفهَمُ من تعليل "الشارح" في مقابله، وفيه أنّه لا يلزمُ [١/ق ٤٠٥/ب] من كونه حقَّه تعالى أَنَّه
لا يُقضَى بدليل الصوم ونحوه، "ح"(٤).
قال "الزاهديُّ": ((وفي "النظم": إذا تكرَّرَ اسمُ الله تعالى في مجلسٍ واحدٍ أو في مجالسَ يجبُ
لكلِّ مجلسٍ ثناءٌ على حدَةٍ، ولو ترَكَهُ لا يبقى دَيناً عليه، وكذا في الصلاة على النبي ◌َّ، لكنْ لو
ترَكَها تبقى دَيناً عليه؛ لأَنَّه لا يخلو من تحدُّدٍ نِعَمِ الله تعالى الموجبةِ للثناء، فلا يكونُ وقتٌّ للقضاء
كقضاء الفاتحة في الأخريين بخلاف الصَّلاة على النبيِّلُ﴿ٌ)). اهـ "شرح المنية"(٥).
وحاصله: أَنَّه لَمَّا كان ثناءُ الله تعالى واجباً كلَّ وقتٍ لا يمكنُ أنْ يقعَ ما يفعلُه ثانياً قضاءً
عما ترَكَهُ أوَّلاً؛ لأنَّ الشيء في محلّه لا يمكنُ أنْ يضايقَه غيرُه عليه، واعترَضَهُ في "البحر"(١): ((بأنَّ
جميع الأوقاتِ وإِنْ كان وقتاً للأداء لكنْ ليس مطالباً بالأداء؛ لأنّه رُخْصَ له في الترك)) اهـ.
أي: وإذا لم يكن مطالباً بالأداء يُجعَلُ ما يأتي به قضاءً لأجل تفريغ ذمَّتِهِ، لكنْ قد يقال: إذا
كان التركُ رخصةً يكون عدمُه عزيمةً، وإذا أتى بالعزيمة يكون آتياً بالواجب عليه، ويكون أداءً؛
لأَنَّه الواجبُ عليه كالمسافر يُرخَّصُ له الإفطارُ، فإذا صام يكون آتياً بالعزيمة وإنْ لم ينوِ الفرض،
(١) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٦/١.
(٢) تقدمت ترجمته صـ١٣٦ -.
(٣) انظر المقولة [٣٣٤٥٨] قوله: ((وردّ السلام وتشميت العاطس على الفور)).
(٤) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق٦٨/ب.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣٣٤ -.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٦/١.

قسم العبادات
٣٨٨
حاشية ابن عابدين
وعليه الفتوى، والمعتمدُ من المذهب قولُ "الطحاويّ"، كذا ذكَرَهُ "الباقانيُّ" تبعاً
لِما صحَّحَهُ "الحلبيُّ"(١) وغيره، ورجَّحَهُ في "البحر" بأحاديثِ الوعيد ...
ومثلُهُ قراءةُ الفاتحة في الأخريين من الفرض الرباعيِّ، يُرخّصُ له في تركها، وإذا قرأها لا تقعُ قضاءً
عمَّا فاتَهُ في الأوليين.
[٤٤٠٦] (قولُهُ: وعليه الفتوى) عزاه في "الشرنبلالَّة"(٢) إلى "شرح المجمع"، وفي "الخزائن"(٣):
((ورجَّحَهُ "السرخسيُّ" بأَنَّ المختارُ للفتوى، وجعَلَهُ "ابن الساعاتي"(٤) قولَ عامَّة العلماء)) اهـ.
[٤٤٠٧] (قولُهُ: والمعتمدُ من المذهب قولُ "الطحاويّ") قال في "الخزائن)"(٥): ((وصحَّحَهُ في
"التحفة"(٦) وغيرها، وجعلَهُ في "الحاوي"(٧) قولَ الأكثر، وفي "شرح المنية"(٨): أَنَّه الأصحُّ المختارُ،
وقال "العيني" في "شرح المجمع": وهو مذهبي، وقال "الباقاتيُّ": وهو المعتمدُ من المذهب،
ورجَّحَهُ في "البحر" إلخ)).
[٤٤٠٨] (قولُهُ: ورجَّحَهُ في "البحر")(٩) أي: تبعاً لـ "ابن أمير حاج"(١٠) عن "التحفة"(١١)
و "المحيط الرضويّ"، "ح"(١٢).
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٣٤ -.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٧٦/١. (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "الخزائن": كتاب الصلاة - فصل في بيان صفة الشروع في الصلاة ق ٩٥/أ.
(٤) أحمد بن علي بن تغلب، مظفر الدين المعروف بابن الساعاتي البعلبكيّ الأصل البغدادي (ت٦٩٤هـ). ("الجواهر
المضية"٢٠٨/١، "الفوائد البهية" صـ ٢٦-). ووقع في بعض المصادر: ((ابن ثعلب)) بالثاء، وهو تحريف.
(٥) "الخزائن": كتاب الصلاة - فصل في بيان صفة الشروع في الصلاة ق٩٥/ب.
(٦) "تحفة الفقهاء": كتاب الصلاة - افتتاح الصلاة ١٣٨/١.
(٧) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٤/أ.
(٨) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣٣٤ -.
(٩) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٦/١.
(١٠) "الحلبة": فصل في صفة الصلاة ٢/ق١٢٣/أ.
(١١) "تحفة الفقهاء": كتاب الصلاة - افتتاح الصلاة ١٣٨/١.
(١٢) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق٦٨/ب.

الجزء الثالث
٣٨٩
باب صفة الصلاة
كرَغمٍ وإبعادٍ وشقاءٍ ..
[٤٤٠٩] (قولُهُ: كرَغْمٍ وإبعادٍ وشقاءٍ) أخرَجَ كثيرون بسندٍ رجالُهُ ثقاتٌ - ومِن ثَمَّ قال
"الحاكم" في "المستدرك": ((صحيحُ الإسناد))(١) - عن "كعب بن عجرةً" رضي الله عنه قال: قال
رسول الله [١/ق ٤٠٦ / أ] وَّ: ((احضُروا المنبرَ)، فحَضَرنا، فلمَّا ارتقى درجةً قال: ((آمين))، ثم
ارتقى الثانيةَ وقال: ((آمين))، ثم ارتقى الثالثةَ وقال: ((آمين)، فلمَّا نزل قلنا: يا رسول الله، قد
سمعنا منك شيئاً ما كنَّا نسمعُه، فقال: ((إنَّ جبريل عرَضَ عليَّ فقال: بَعُدَ مَن أدرَكَ رمضان فلم
٣٤٧/١ يُغْفَرْ له، فقلت: آمين، فلمَّا رقِيتُ - أي: بكسر القاف - الثانيةَ قال: بَعُدَ مَن ذُكِرْتَ عنده فلم
يصلِّ عليك، فقلت: آمين، فلمَّا رقِيت الثالثةَ قال: بَعُدَ مَن أدرَكَ أبويه الكبرُ عنده فلم يُدخِلاه
الجنَّةَ، قلت: آمين))، وفي روايةٍ: ((فلم يصلِّ عليك فأبعَدَهُ الله))(٢)، وفي أخرى صحَّحَها
"الحاكم"(٣): ((رغِمَ أنفُ رجلٍ»، وفي أخرى سندُها حسنٌ: ((شقِيَ عبدٌ ذُكِرتَ عنده فلم يصلِّ
(١) "المستدرك": ١٥٣/٤، وصحَّحه ووافقه الذهبيّ، وأخرجه البخاريّ في "التاريخ الكبير" ٢٢٠/٧، وإسماعيل
القاضي في فضل الصلاة على النّبِيّ ◌َ﴾ (١٩)، والطبرانيّ في "الكبير" ٣١٥/١٩، وفي سنده إسحاق بن كعب،
ذكره ابن حِبَّن في "النّقات"، وقال ابن القَطَّان: مجهول الحال، وأورده الهيثميّ في "مجمع الزوائد" ١١٦/١٠ وقال:
رجاله ثقات. من حديث كَعْب بن عُجْرَةَتُه.
(٢) أخرجها الطبرانيّ في "الكبير" ٢٩١/١٩، وابن حِبَّان في "صحيحه" (٤٠٩) كتاب البرّ والإحسان - باب حق
الوالدين، وابن عَدِيّ في "الضّعفاء" ٢٣٧٨/٦، وأورده الهيثميّ في "المجمع" ١٦٦/١٠ وقال: وفيه عمران بن أبان،
وثّقه ابن حِبَّان وضعَّفه غير واحد، وبقيّةُ رجاله ثقات، وللحديث شواهد من حديث كَعْب بن عُجْرَةَل ◌ُه الذي
تقدّم، ومن حديث أبي هريرة، وأنس رضي الله عنهما)). كلُّهم من حديث مالك بن الحُوَيْرِثَلُه.
(٣) الحاكم في "المستدرك" ٥٤٩/١، وأخرجه أحمد ٢٥٤/٢، والبخاريّ في "الأدب المفرد" (٦٤٦)، والترمذيّ
(٣٥٤٥) كتاب الدعوات باب قول رسول الله ﴿ ((رغم أنف رجل)) وقال: هذا حديث حسن غريب من
هذا الوجه، والبزار (٣١٦٩)، وابن خزيمة (١٨٨٨) كتاب الصيام - باب استحباب الاجتهاد في العبادة في
رمضان، وابن حبان (٩٠٧) كتاب الرقائق - باب الأدعية، كلهم من حديث أبي هريرة رضيبه، وفي الباب: عن
جابر، وأنس بن مالك رضي الله عنهما.

قسم العبادات
٣٩٠
حاشية ابن عابدين
وبخلٍ وجفاءٍ، ثُمَّ قال: ((فتكونُ فرضاً في العمر، وواجباً كلَّما ذُكِرَ على الصحيح،
وحراماً عند فتحِ التاجر متاعَهُ ونحوِهِ،.
عليك) (١)، من "الدرِّ المنضود" لـ "ابن حجرٍ"(٢).
[٤١٠ ٤] (قولُهُ: وبخلِ وجفاءٍ) أي: في قوله عليه الصلاة والسلام: ((البخيلُ مَن ذُكِرتُ عنده
فلم يصلِّ عليَّ) رواه "الترمذيُ) (٣) وقال: ((حسنٌ صحيحٌ))، "شرح المنية (٤)، وقولِهِ عليه
الصلاة والسلام: ((مِن الجفاء أنْ أُذكَرَ عند الرَّجل فلا يصلّي عليَّ)، رواه "السيوطيُّ" في
"الجامع الصغير "(٥).
[٤١١ ٤] (قولُهُ: وحراماً إلخ) الظاهرُ أنَّ المراد به كراهةُ التحريم؛ لِما في كراهية "الفتاوى
الهنديَّةِ"(٦): ((إذا فَتَحَ التاجرُ الثوبَ فسبّحَ اللَّه تعالى، أو صلَّى على النبيِلَّه يريدُ به إعلامَ المشتري
(١) أخرجها البخاريّ في "الأدب المفرد" (٦٤٤)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٨٣) باب التغليظ في ترك
الصلاة على النبيّ ◌َ ◌ّ إذا ذكر، وذكرها الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١٦٨/١١ ونسبه إلى الطبرانيّ.
(٢) "الدرّ المنضود في الصلاة والسّلام على صاحب اللّواء المعقود": لأبي العبّاس أحمد بن محمد بن عليّ، شهاب الدين،
الشهير بابن حجر الهيتميّ ثم المكّيّ الشافعيّ(ت ٩٧٤هـ). ("إيضاح المكنون" ٤٥٠/١، "الكواكب السائرة"
١١١/٣، "هدية العارفين" ١٤٦/١).
(٣) أخرجه الترمذيّ (٣٥٤٦) كتاب الدعوات - باب قول رسول الله: ﴿ ((رَغْمَ أَنفُ رَجُلٍ)) وقال: هذا حديث حسن
صحيح غريب، وأحمد في "المسند" ٢٠١/١، والنسائيّ في "فضائل القرآن" (١٢٥)، وفي "عمل اليوم
والليلة" (٥٥) و(٥٦)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٨٢)، وأبو يعلى (٦٧٧٦)، وإسماعيل القاضي في
◌َ" (٣٢) و(٣٥)، والطبرانيّ في "الكبير" (٢٨٨٥)، وابن حبان (٩٠٩) كتاب الرقائق -
"فضل الصلاة على النبى معَ الذه"
باب الأدعية، والحاكم في "المستدرك" ٥٤٩/١ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ،
وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": ١٦٨/١١ ((لا يقصر عن درجة الحسن)) كلهم من حديث الحسين بن علي
رضي الله عنهما، وانظر "مجمع الزوائد" الهيتمي ٢٥٥/١٠ كتاب الأدعية - باب فيمن ذكر عنده فلم يصل عليه.
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٣٤ -.
(٥) أورده السيوطيّ في "الجامع الصغير" ونسبه إلى عبد الرزاق عن قتادة مرسلاً ورمز لضعفه، ونقل العلامة المناوي
في "فيض القدير" ٧/٦ عن القَسْطَلّنيّ قوله: ((رواته ثقات)).
(٦) "الفتاوى الهندية": كتاب الكراهية - الباب الرابع ٣١٥/٥ بتصرف نقلاً عن "المحيط" و"الوجيز" للكردري.

الجزء الثالث
٣٩١
باب صفة الصلاة
وسنّةً في الصلاة، ومستحبَّةً في كلِّ أوقاتِ الإِمكان، ومكروهةً في صلاةٍ غيرِ تشهُّدٍ
أخیر ))،
جَودَةَ ثوبه فذلك مكروهٌ، وكذا الحارسُ؛ لأَنَّه يأخذُ لذلك ثمناً، وكذا الفُقَاعِيُّ إذا قال ذلك عند
فتحِ فُقاعه على قصدٍ ترويجه وتحسينه يأثمُ، وعن هذا يُمنَعُ إذا قَدِمَ واحدٌ من العظماء إلى مجلسٍ،
فسبَّحَ أو صلَّى على النبيِ ﴿ إعلاماً بقدومه حتى يفرِّجَ له الناسُ، أو يقوموا له يأثمُ)) اهـ.
[٤١٢ ٤] (قولُهُ: وسنّةً في الصلاة) أي: في قعودٍ أخيرِ مطلقاً، وكذا في قعودٍ أوَّلَ في النوافل
غيرِ الرَّواتب، تأمَّل، وفي صلاة الجنازة.
مطلبٌ: نصَّ العلماء على استحباب الصلاة على النبي ﴿ّ في مواضع
[٤١٣ ٤] (قولُهُ: ومستحبّةً في كلِّ أوقاتِ الإِمكانِ) أي: حيث لا مانعَ، ونصَّ العلماءُ على
استحبابها في مواضعَ: يومٍ الجمعة وليلتها، وزِيدَ يومُ السبت والأحد والخميس لِما ورَدَ في كلٍّ من
الثلاثة، وعند الصباح والمساء، وعند [١/ق ٤٠٦/ب] دخول المسجد والخروجٍ منه، وعند زيارة
قبره الشريفِ وَ﴿، وعند الصَّفا والمروة، وفي خطبة الجمعة وغيرها، وعقِبَ إجابة المؤذِّن، وعند
الإقامة، وأوَّلَ الدعاء وأوسطَه وآخرَه، وعقِبَ دعاء القنوت، وعند الفراغ من النَّبية، وعند
الاجتماع والافتراق، وعند الوضوء، وعند طَنِينِ الأذن، وعند نسيانِ الشيء، وعند الوعظِ ونشرٍ
العلوم، وعند قراءة الحديث ابتداءً وانتهاءً، وعند كتابة السؤالِ والفُتيا، ولكلِّ مصنّفٍ ودارسٍ
ومدرِّسٍ وخطيبٍ وخاطبٍ ومتزوّجٍ ومزوِّجٍ، وفي الرَّسائل، وبين يدي سائر الأمورِ المهمَّة، وعند
ذكرٍ أو سماعٍ اسمه ◌َ﴿، أو كتابِتِه عند مَن لا يقولُ بوجوبها، كذا في "شرح الفاسي" على
"دلائل الخيرات"(١) ملخَّصاً، وغالبُها منصوصٌ عليه في كتبنا.
[٤٤١٤] (قولُهُ: ومكروهةً في صلاةٍ غيرِ تشهُّدٍ أخيرٍ) أي: وغيرِ قنوتِ وترٍ، فإنّها مشروعةٌ
(قولُهُ: وكذا الفُقَاعِيُّ) هو مَن يبيعُ الفُقَاعَ، وهو نبيذُ الشعير ونحوه.
(١) "مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات": صـ١٦ -.

حاشية ابن عابدين
٣٩٢
قسم العبادات
فلذا استثنى في "النهر" من قول "الطحاويِّ" ما في تشهُّدٍ أوَّلَ وضِمْنَ صلاةٍ عليه ..
في آخره كما في "البحر"(١)، فالأَولى استثناؤه أيضاً، "ح"(٢). وكذا في غير صلاة الجنازة فُتُسَنُّ فيها.
مطلبٌ في المواضع التي تكرهُ فيها الصلاة على النبي ◌َّ
(تنبيةٌ)
تكرهُ الصلاة عليه وَ﴿ّ في سبعةِ مواضعَ: الجماعِ، وحاجة الإنسان، وشُهرة المبيع،
والعَثْرةِ، والتعجُّبِ، والذبح، والعطاس على خلافٍ في الثلاثةِ الأخيرة، "شرح الدلائل"(٢).
ونصَّ على الثلاثة عندنا في "الشِّرعة"(٤) فقال: ((ولا يذكرُه عند العطاس، ولا عند ذبحٍ
الذبيحة، ولا عند التعنُّب )).
[٤٤١٥] (قولُهُ: فلذا استثنى في "النهر"(٥) إلخ) أقول: يُستَثَنَى أيضاً ما لو ذكَرَه أو سمِعَه في
القراءة أو وقتَ الخطبة لوجوب الإنصات والاستماع فيهما، وفي كراهية "الفتاوى الهنديَّة"(٦):
((ولو سمعَ اسمَ النبيِّ ﴿ وهو يقرأُ لا يجبُ أنْ يصلِّي، وإِنْ فعَلَ ذلك بعد فراغه من القرآن فهو
حسنٌ، كذا في "الينابيع"، ولو قرأ القرآنَ فمرَّ على اسم نبيٌّ فقراءةُ القرآن على تأليفه ونظمه أفضلُ
من الصلاة على النبي ﴿ في ذلك الوقتِ، فإنْ فرَغَ ففعَلَ فهو أفضلُ، وإلاّ فلا شيءَ عليه، كذا في
"الملتقط")) [١/ق ٤٠٧/ أ] اهـ.
[٤١٦ ٤] (قولُهُ: ما في تشهُّدٍ أوَّلَ) أي: في غيرِ النوافل، فإنَّه وإنْ ذكَرَ فيه اسمَهَ﴿ّ فالصلاةُ
فيه تکرهُ تحريماً فضلاً عن الوجوب.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٨/١.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق٦٨/ب.
(٣) "مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات": صـ١٦ -.
(٤) انظر "شرح شرعة الإسلام": فصل في الصلاة على سيد الخليقة صـ ١٦٠ -.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٤٩/أ.
(٦) "الفتاوى الهندية": كتاب الكراهية - الباب الرابع ٣١٥/٥-٣١٦.

الجزء الثالث
٣٩٣
باب صفة الصلاة
لئلاّ يتسلسلَ، بل خَصَّهُ في "درر البحار" بغيرِ الذاكر لحديث: ((مَن ذُكِرْتُ
عنده))(١)، فليحفظ
[٤٤١٧] (قولُهُ: لئلاَّ يتسلسلَ) علّةٌ للثاني، أي: لأنَّ الصلاة عليه لا تخلو مِن ذكرِه، فلو
قلنا بوجوبها استدعتْ صلاةً أخرى وهلمَّ جرَّاً، وفيه حرجٌ، وأمَّا علَّهُ الأوَّلِ فهي ما ذكَرَه في
قوله: ((ولهذا استثنَى))، أي: ولكرامتها في تشهُّدٍ غيرِ أخيرِ استثنى إلخ، وبه عُلِمَ أنَّ
قوله: ((وضمنٍ)) بالجرِّ عطفاً على ((تشهُّدٍ)) مع قطع النظر عن علَّته بدليل العلّة الثانية، فإنّها
للثاني فقط، وإلاّ لقال: ولئلاًّ يتسلسلَ بالعطف على العلَّة الأولى، وبدليل أنَّ العلّة الأُولى
لا تصلُحُ للحكم الثاني.
[٤١٨ ٤] (قولُهُ: بل خصَّهُ في "درر البحار)"(٢) إلخ) أي: خصَّ قولَ "الطحاويِّ" بالوجوب بما
عدا الذاكرَ دفعاً لِما أورَدَهُ بعضُهم على "الطحاويِّ" من استلزام التسلسل؛ لأنَّ الصلاة عليه لا تخلو
عن ذكره.
وحاصلُ الجواب تخصيصُ الوجوب على السامع فقط؛ لأنَّ أحاديث الوعيد المارَّةَ(٣) تفيدُ
ذلك، فإنَّ لفظَ: ((البخيلُ مَن ذُكِرتُ عنده)) لا يشملُ الذاكرَ؛ لأنَّ ((مَن)) الموصولةَ بمعنى
الشخص الذي وقَعَ الذِّكرُ في حضرته، فيستدعي أنْ يكون الذاكرُ غيرَه، وإلاَّ لقيل: مَن ذَكَرَني،
وأجاب "ح"(٤): ((بأنَّ الذاكر داخلٌ بدلالة المساواة))، وقد يُدفَعُ بأنَّ المقصود من الصلاة
عليهِ ◌ّ تعظيمُه، والذاكرُ له لا يذكرُه إلاّ في مقام التعظيم، فلا تلزمُه الصلاة، بل تلزمُ السامعَ لئلاّ
يُخَلَّ بالتعظيم من كلِّ وجهٍ، تأمَّل. لكنَّ هذا يشملُ الذاكرَ ابتداءً أو في ضمنِ الصلاة عليه ◌َّ،
٣٤٨/١ وبه صرَّحَ في "غرر الأفكار شرح درر البحار "(٥)، فهو قولٌ آخرُ مخالفٌ لِما مشى عليه "الشارح"
(١) تقدم تخريجه صـ ٣٩٠ -.
(٢) انظر "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - ذكر صفة الصلاة ق٣٧/أ.
(٣) المقولة [٤٤٠٩] قوله: ((كرغمٍ وإبعادٍ وشقاءٍ)).
(٤) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٦٩/أ.
(٥) "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - ذكر صفة الصلاة ق٣٧/أ.

قسم العبادات
٣٩٤
حاشية ابن عابدين
وإزعاجُ الأعضاء برفعِ الصوت جهلٌ، وإنّما هي دعاءٌ له، والدعاءُ يكونُ بين الجهر
والمخافتة، كذا اعتمَدَهُ "الباجي" في "كنز العفاة"(١)، وحرَّرَ: (( أَنَّها قد تُرَدُّ ككلمة التوحيد
مع أنَّها أعظمُ منها وأفضلُ؛ لحديثِ "الأصبهانيّ" وغيره عن "أنس" قال: قال رسول
الله ◌َّ: ((مَن صلَّى عليَّ مرَّةً واحدةً فُقَبِّلَتْ منه محا اللَّهُ عنه ذنوبَ ثمانين سنةً)(٢) ....
أوَّلاً من الوجوبِ على الذاكر والسامع، وبه صرَّحَ "ابن الساعاتي" في "شرحه" على "مجمعه"،
ولِما مشى عليه "ابن ملكٍ" في "شرح المجمع"، وتبِعَهُ "المصنّف" في "شرحه" على "زاد الفقير" من
تخصيصِه الوجوبَ على الذَّاكر بالذّكر ابتداءً [١/ق ٤٠٧/ب] لا في ضمن الصلاة عليه تَ﴾ّ،
ويظهرُ لي أنَّ هذا أقربُ، ولا حاجةَ في دفع التسلسل إلى تعميم الذاكرِ.
ثُمَّ هذا كلُّه مبنيٌّ على تكرارِ الوجوب في المجلس الواحد، وقدَّمنا(٣) ترجيحَ التداخُلِ
والاكتفاء بمرَّةٍ، وعليه فإيرادُ التسلسل من أصله مدفوعٌ.
[٤٤١٩] (قولُهُ: وإزعاجُ الأعضاء) قال في "الهنديَّةَ"(٤): ((رفعُ الصوت عند سماع القرآن
والوعظ مكروهٌ، وما يفعلُه الذين يدَّعون الوجدَ والمحبَّةَ لا أصلَ له، ويُمنَعُ الصوفيّةُ من رفع
الصوت وتخريقِ الثياب، كذا في "السِّراحيَّة"(٥)) اهـ.
مطلبٌ في أنَّ الصلاة على النبيِّ : ﴿ِ هلِ تُرَدُّ أم لا ؟
[٤٤٢٠] (قولُهُ: وحرَّرَ أنّها قد تُرَدُّ) أي: لا تُقبَلُ، والقبولُ ترتُّبُ الغرضِ المطلوب من الشيءٍ
(قولُهُ: إلى تعميمِ الذَّاكرِ) لعلّه: تخصيص.
(١) هو "كنز الراغبين العفاة في الرمز إلى المولد المحمدي والوفاة"، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد، برهان الدين
المعروف بالناجي الدمشقي القبياتي الشافعي (ت ٦٠٠ هـ)، قال السخاوي في الضوء اللامع ١٦٦/١: ((هو بالنون
والجيم، وعمل مولداً في كراريس)). وانظر "كشف الظنون" ١٥١٧/٢.
(٢) ذكره السخاوي في "القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع" صـ١١٦-، وقال: ((رواه أبو الشيخ، وأبو سعد
في "شرف المصطفى" )).
(٣) المقولة [٤٤٠١] قوله: ((في الأصح)).
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب الكراهية - الباب الرابع ٣١٩/٥.
(٥) "السراجية": كتاب الكراهة والاستحسان - باب الدعاء ٩/٢. (هامش "فتاوى قاضي خان").

الجزء الثالث
٣٩٥
باب صفة الصلاة
على الشيء كترتَّبِ الثواب على الطاعة، ولا يلزمُ من استيفاء الطاعة شروطَها وأركانَها القبولُ
كما صرَّحَ به في "الولوالحَّة"(١)، قال: ((لأنَّ القبول له شرطٌ صعبٌ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبِّلُ
اُللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة- ٢٧]، أي: فيتوقَّفُ على صدق العزيمة، وبعد ذلك يتفضَّلُ المولى تعالى
بالثواب على مَن يشاءُ بمحضٍ فضله لا يإيجابٍ عليه تعالى؛ لأنَّ العبد إنَّما يعملُ لنفسه، والله غنيٌّ
عن العالمين، نعم حيث وعَدَ سبحانه وتعالى بالثواب على الطاعة ونحوِ الأَلَمِ حتى الشوكةِ يشتاكُها
بمحضٍ فضله تعالى لا بدَّ من وجوده لوعده الصادق، قال تعالى: ﴿ أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُمْ﴾
[ آل عمران-١٩٥])). وعلى هذا فعدمُ القبول لبعض الأعمال إنما هو لعدم استيفاء شروط القبول
كعدم الخشوع في نحوِ الصلاة، أو عدمٍ حفظ الجوارح في الصوم، أو عدمٍ طيب المال في الزكاة
والحجِّ، أو عدم الإخلاص مطلقاً ونحوِ ذلك من العوارض، وعلى هذا فمعنى أنَّ الصلاة على
النبيِّيَّ قد تُرَدُّ: عدمُ إثابةِ العبد عليها لعارضٍ كاستعمالِها على محرَّمٍ كما مرَّ(٢)، أو الإتيانه بها من
قلبٍ غافلٍ، أو الرياء وسُمعةٍ، كما أنَّ كلمة التوحيد التي هي أفضلُ منها لو أتى بها نفاقاً أو رياء
لا تُقبَلُ، وَأَمَّا إذا خلَّتْ من هذه العوارضِ [١/ق ٤٠٨ /أ] ونحوِها فالظاهرُ القبولُ حتماً إنجازاً
الوعد الصادق كغيرها من الطاعات، وكلُّ ذلك بفضل الله تعالى، لكنْ وقَعَ في كلامٍ كثيرين ما
يقتضي القبولَ مطلقاً، ففي "شرح المجمع" لـ "مصنّفه": ((أنَّ تقديم الصلاة عليه وَلَّ على الدعاء
أقربُ إلى الإجابة لِما بعدها من الدعاء، فإنَّ الكريم لا يستجيبُ بعضَ الدعاءِ ويرُدُّ بعضَه)) اهـ.
ومثلُهُ في "شرحه" لـ "ابن ملكٍ" وغيره.
وقال "الفاسي" في "شرح الدلائل"(٣): ((قال الشيخ "أبو إسحاق" الشاطبي في "شرح
الألفيَّة"(٤): الصلاةُ على رسول الله ﴿ِّ مجابَةٌ على القطع، فإذا اقترَنَ بها السؤالُ شفعتْ
(١) لم نعثر عليها في "الولوالجية".
(٢) المقولة [٤٤١١] قوله: ((وحراماً إلخ)).
(٣) "مطالع المسرات": فصل في كيفية الصلاة على النبيلح له الأمر السادس صـ١٩٧.
(٤) المسماة: "المقاصد الشافية": لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشّهير بالشّاطِبِيّ الغرناطيّ المالكيّ (ت ٧٩٠هـ) شرح =

قسم العبادات
٣٩٦
حاشية ابن عابدين
بفضل الله تعالى فيه فقُبُلَ، وهذا المعنى مذكورٌ عن بعض السَّلف الصالح، واستشكَلَ كلامَه
هذا الشيخُ "السنوسيُّ" وغيره، ولم يجدوا له مستنداً، وقالوا: وإنْ لم يكن له قطعٌ فلا مِريةً في
غلبة الظنِّ وقوَّةِ الرجاء)) اهـ.
وذكَرَ في الفصل الأوَّلِ من "دلائل الخيرات"(١): ((قال "أبو سليمان الدارانيُّ))(٢): مَنْ أرادَ أن
يسأل الله حاجته فليُكثِرْ بالصلاة على النبيِّ بَطّ، ثمَّ يسأل الله حاجتَهُ، وليختمْ بالصلاة على
النبيِ وَّةِ، فإِنَّ الله يقبلُ الصلاتين، وهو أكرمُ مِنْ أنْ يدعَ ما بينهما )) اهـ.
قال "الفاسي" في "شرحه"(٣): ((ومن تمامٍ كلام "أبي سليمان" عند بعضهم: وكلُّ الأعمال
فيها المقبولُ والمردودُ إلَّ الصلاةَ على النبيِ لَّهِ فَإِنَّها مقبولةٌ غيرُ مردودةٍ، وَرَوَى "الباجي" عن
"ابن عباسٍ": ((إذا دعوتَ الله عزَّ وجلَّ فاجعلْ في دعائك الصلاةَ على النبي ◌َ(٤)، فإنَّ الصلاة
عليه مقبولةٌ، واللّهُ سبحانه أكرمُ من أنْ يقبل بعضاً ويَرُدَّ بعضاً))))، ثم ذكَرَ نحوَهُ عن الشيخ "أبي
طالبِ المكيِّ"(٥) وحجَّةِ الإِسلام "الغزاليّ"(٦)، وقال "العراقيُّ": ((لم أجده مرفوعاً، وإنما هو
= "خلاصة الكافية" المعروفة بـ "الألفية" لأبي عبد الله محمد بن عبد الله، جمال الدين المعروف بابن مالك الطّائيّ
الجيّانيّ(ت ٦٧٢هـ). ("كشف الظنون" ١٥١/١، "الأعلام" ٢٣٣/٦،٧٥/١).
(١) انظر "دلائل الخيرات": صـ٥ ..
(٢) أبو سليمان عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العَنْسِيّ المذجحيّ الدارانيّ (ت٢١٥هـ) ("وفيات الأعيان" ١٣١/٣،
"سير أعلام النبلاء" ١٨٢/١٠).
** قوله: فليكثر بالصلاة، قال الفاسي: الباء زائدة في المفعول للتوكيد، ويحتمل أن تكون متعلقة بمحذوف أي: فليكثر
اللَّهَج بالصلاة، أو يكون (فليكثر) مضمناً معنى (فليلهج) ونحو ذلك. اهـ منه.
(٣) "مطالع المسرات": صـ٢٥ -.
(٤) ذكره السخاوي في "القول البديع" صـ٢١٣-، وقال: لم أقف على أصله. والفاسي في "مطالع المسرات بجلاء دلائل
الخيرات" صـ٢٧ -.
(٥) "قوت القلوب": ٦/١ لأبي طالب محمد بن علي بن عطية الحارثيّ المكيّ(ت٣٨٦هـ). ("وفيات الأعيان" ٣٠٣/٤،
"سيرأعلام النبلاء"١٨٢/١٠).
(٦) "الإحياء": كتاب الأذكار والدعوات - الباب الثاني ٤٦١/١.