Indexed OCR Text
Pages 361-380
الجزء الثالث
٣٥٧
باب صفة الصلاة
ودعاءُ تضرُّعِ يَعقِدُ الخنصرَ والبنصرَ ويُحلِّقُ ويشيرُ بمسبِّحته، ودعاءُ الخُفية ما يفعلُهُ
في نفسه)).
(وبعد فراغِهِ من سجدتي الركعة الثانية يَفترِشُ) الرجلُ (رِجْلَه اليسرى) فيجعلُها بين
أَلْيتيه (ويجلسُ عليها ويَنصِبُ رِجْلَهُ اليمنى ويُوجِّهُ أصابعَهُ) في المنصوبة (نحوَ القبلة) ....
لوجهه))، ومثلُهُ في "شرح المنية"(١)، فكلمةُ ((ظَهْرَ)) سقطت من قلم "الشارح"، وهذا معنى ما
ذكَرَهُ الشافعيّةِ من أَنَّه يسنُّ لكلِّ داعٍ رفعُ بطن يديه إلى السماء إنْ دعا بتحصيل شيءٍ، وظَهْرِهما
إِنْ دعا برفعه.
[٤٣٤٥] (قولُهُ: ودعاءُ تضرُّعٍ) أي: إظهارِ الخضوع والذَلَّة لله تعالى من غيرِ طلبٍ جنّةٍ
ولا خوفٍ من نارِ نحو: إلهي، أنا عبدُك البائسُ الفقير المسكين الحقير، "ح"(٢).
[٤٣٤٦] (قولُّهُ: ويحلّقُ) أي: يحلِّقُ الإبهام والوسطى.
[٤٧ ٤٣] (قولُهُ: ما يفعلُهُ في نفسه) قال في "شرح المنية"(٣): ((يعني: ليس فيه رفعٌ؛ لأنَّ في
الرفع إعلاناً)).
:
[٤٣٤٨] (قولُهُ: بين أَلْبِيهِ) الأظهرُ: تحت أليتِيهِ.
[٤٣٤٩] (قولُهُ: في المنصوبةِ) أي: الأصابعِ الكائنة في الرِّجل المنصوبةٍ، قال في "السِّراج"(٤).
((يعني: رجلَهُ اليمنى؛ لأنَّ ما أمكنَهُ أنْ يوجِّهَه إلى القبلة فهو أولى)) اهـ.
وصرَّحَ بأنَّ المراد اليمنى في "المفتاح" و"الخلاصة"(٥) و"الخزانة"، فقوله في "الدرر" (٦).
((رِجْلِيه)) بالتثنية فيه إشكالٌ؛ لأنَّ توجيه أصابع اليسرى المفترَشةِ نحوَ القبلة تكلّفٌ زائدٌ كما في شرح
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٢٧ -.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٦٥/أ.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٢٧ -.
(٤) "السّراج الوهّاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ١٦٥/ب.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في المقدمة وآداب الصلاة وفرائضها وسننها وواجباتها ق١٩/أ.
(٦) "الدرر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٧٤/١.
قسم العبادات
٣٥٨
حاشية ابن عابدين
هو السنَّةُ في الفرض والنَّفل (ويضعُ بمناه على فخذِهِ اليمنى ويسراه على اليسرى
ويبسُطُ أصابعَهُ) مفرَّجةً قليلاً (جاعِلاً أطرافَها عند ركبتيه) ولا يأخذُ الركبةَ، هو
الأصحُّ لتتوجَّهَ للقبلة (ولا يشيرُ بسبَّابِتِهِ عند الشهادة، وعليه الفتوى) كما في
"الولوالجِيَّة"(١) و"التجنيس" و"عمدة المفتي" وعامَّةِ الفتاوى، لكنَّ المعتمد ما صحَّحَهُ
الشرَّاحُ ولا سيَّما المتأخِرُون كـ "الكمال"(٢) و "الحلبيِّ"(٣) و"البَهَنْسيِّ" و"الباقانيّ"
و"شيخ الإسلام" الجدِّ(٤) وغيرِهم: ((أَنّه يشيرُ؛ لفعلِهِ عليه الصلاة والسلام))،.
الشيخ "إسماعيل"(٥)، لكنْ نقَلَ "القُهُستانِيُّ(٦) مثلَ ما في "الدرر" عن "الكافي(٧) و"التحفة"(٨)، ثمَّ
قال: ((فُوجِّهُ رجَلَهُ اليسرى إلى اليمنى، وأصابعَها نحوَ القبلة بقدْرِ الاستطاعة)) اهـ، تأمَّل.
[٤٣٥٠] (قولُهُ: هو السنَّةُ)(٩) فلو تَرَّعَ أو تورَّكَ خَلَفَ السنَّةِ، "طَ"(١٠).
[٤٣٥١] (قولُهُ: في الفرضِ والنفل) هو المعتمدُ، وقيل: في النفل يقعدُ كيف شاء كالمريض.
[٤٣٥٢] (قولُهُ: ولا يأخذُ الرُّكبةَ) أي: كما يأخذُها في الركوع؛ لأنَّ الأصابع تصيرُ موجّهةً
إلى الأرض خلافاً لـ "الطحاويّ"، والنفيُ للأفضلَّة لا لعدم الجواز كما أفاده في "البحر"(١١).
(١) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل الرابع عشر في المسائل المتفرقة ق ٢٤/أ.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٧٢/١.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٢٨ -.
(٤) أي: جدّ الشارح الحصكفي، له: "الفتاوى المشهورة"، و"شرح الوقاية". انظر "الخزائن" ق٣/ب - ٤/أ، وتقدم
ذكره في المقولة [١٣٠] قوله: ((وجدنا المرحوم)).
(٥) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٣٠٩/أ.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ٩٧/١.
(٧) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٢٨/أ.
(٨) "تحفة الفقهاء": كتاب الصلاة - باب افتتاح الصلاة ١٣٦/١.
(٩) في "د" زيادة: ((أي: القعود على الهيئة المذكورة، قال في "البحر": فما في "المجتبى" - ناقلاً عن صلاة الجلاّبي: أنَّ
هذا في الفرض، وفي النفل يقعد كيف شاء كالمريض - مخالفٌ لإطلاق الكتب المعتبرة المشهورة، نعم النفل مبناه على
التخفيف، ولذا يجوز قاعداً مع القدرة على القيام، لكن الكلام إنَّما هو في السّنّة. انتهى)).
(١٠) "ط": كتاب الصلاة - فصل في الشروع في الصلاة ٢٢٤/١.
(١١) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٢/١.
الجزء الثالث
٣٥٩
باب صفة الصلاة
ونسبُوه لـ "محمَّدٍ" و"الإِمام"، بل في متن "درر البحار" وشرحِهِ "غررِ الأذكار":
((المفتى به عندنا أنَّه يشيرُ باسِطاً أصابعَهُ كلَّها ))، وفي "الشرنبلاليَّة" عن "البرهان":
[٤٣٥٣] (قولُهُ: متورِّكة) (١) بأنْ تُخرِجَ رجلَها اليسرى من الجانب الأيمنِ، ولا تجلسَ عليها بل
على الأرض.
[٤٣٥٤] (قولُهُ: ونسبُوه لـ "محمَّدٍ" و"الإمام") وكذا نقلوه عن "أبي يوسف" في "الأمالي"(٢)
كما يأتي(٣)، فهو منقولٌ عن أئمّتنا الثلاثة.
مطلبٌ مهمٌّ في عقدِ الأصابع عند التشهُّد
[٤٣٥٥] (قولُهُ: بل في متنِ "دررِ البحار" و"شرحه" إلخ) إضرابٌ انتقاليٌّ؛ لأنَّ في هذا النقل
التصريحَ بأنَّ ما صحَّحَهُ الشُّراح هو المفتى به، لكنَّ الصواب إسقاطُ قوله: ((باسطاً أصابعَه
كلَّها))، فإنَّه مخالفٌ لِما رأيْتُه في "درر البحار" و"شرحه"، ونصُّ عبارةٍ "درر البحار)"(٤): ((ولا
تعقدْ ثلاثةً وخمسين، ولا نشيرٌُ والفتوى خلافُه))، وعبارةُ شرحه "غرر الأفكار "(٥): ((ولا تعقدْ -
يا فقيهُ - ثلاثةً وخمسين كما عقَدَها "أحمدُ" موافقاً لـ "الشافعيِّ" [١/ق٣٩٨/ب] في أحدِ أقواله،
ونحن لا نشيرُ عند التهليل بالسَّبابة من اليمنى، بل نبسطُ الأصابعَ، والفتوى - أي: المفتى به عندنا -
خلافُهُ، أي: خلافُ عدم الإشارة، وهو الإشارةُ على كيفيَّة عقدِ ثلاثةٍ وخمسين كما قال
به "الشافعيُّ" و"أحمد"))، وفي "المحيط": ((أَنَّها سنّةٌ، يرفعُها عند النفي ويضعُها عند الإِثبات،
(قولُهُ: لكنَّ الصواب إسقاطُ قوله: باسطاً إلخ) قد يقال: إنَّ قصد "الشارح" العزوُ لـ "درر البحار"
الإِشارةَ فقط، وقوله: (( باسطاً أصابعَهُ )) من عنده أخذَهُ من كلام "البرهان".
(١) قوله:((متور کة)) هكذا بخطه ولا وجود لذلك فیما بیدي من نسخ الشارح فلیحرر. اهـ مصححه.
(٢) تقدّمت ترجمته ٦٧٤/١.
(٣) في المقولة الآتية.
(٤) انظر "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - ذكر صفة الصلاة ق٣٦/ب باختصار.
** قوله: ((ولا تعقدْ)) مضارعٌ مجزومٌ بلا الناهية، وقوله: ((ولا نشيرُ)) مضارع مرفوع ولا نافية، أشار بالأول إلى
خلاف الإِمام أحمد، وبالثاني إلى خلاف الشافعي، كما هو اصطلاح مؤلّف هذا الكتاب من الإشارة إلى
الاختلافات بصيغ الكلام على طريقة صاحب "المجمع" اهـ منه.
(٥) "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - ذكر صفة الصلاة ق٣٦/ب باختصار.
قسم العبادات
٣٦٠
حاشية ابن عابدين
وهو قول "أبي حنيفة" و"محمَّدٍ"، وكثُرتْ به الآثارُ والأخبار، فالعملُ به أَولى)) أهـ.
فهو صريحٌ في أنَّ المفتى به هو الإشارةُ بالمسبِّحة مع عقد الأصابع على الكيفيّة المذكورة
لا مع بسطها، فإنّه لا إشارةً مع البسط عندنا، ولذا قال في "منية المصلّي"(١): ((فإنْ أشارَ يعقدُ
٣٤١/١ الخنصر والبنصر، ويحلّقُ الوسطى بالإبهامِ ويقيمُ السَّابة))، وقال في "شرحها الصغير"(٢): ((وهل
يشيرُ عند الشهادة عندنا؟ فيه اختلافٌ، صحَّحَ في "الخلاصة"(٣) و "البزَّازِيَّةَ"(٤) أَنَّه لا يشيرُ،
وصحَّحَ في "شرح الهداية"(٥) أنَّه يشيرُ، وكذا في "الملتقط" وغيره، وصفتُها: أنْ يحلِّقَ من يده
اليمنى عند الشهادة الإبهامَ والوسطى، ويقبضَ البنصرَ والخنصر ويشيرَ بالمسبِّحة، أو يعقدَ ثلاثةً
وخمسين بأنْ يقبضَ الوسطى والبنصرَ والخنصر، ويضعَ رأس إبهامه على حرفِ مفصلِ الوسطى
الأوسطِ، ويرفعُ الإصبعَ عند النفي ويضعُها عند الإثبات)) اهـ
وقال في "الشرح الكبير"(٦): ((قبضُ الأصابعِ عند الإشارة هو المرويُّ عن "محمَّدٍ" في كيفيَّةِ
الإشارة، وكذا عن "أبي يوسف" في "الأمالي"، وهذا فرعُ تصحيحِ الإشارة، وعن كثيرٍ من
المشايخ: لا يشيرُ أصلاً، وهو خلافُ الدِّراية والرواية، فعن "محمَّدٍ" أنَّ ما ذَكَرَهُ في كيفيَّة الإشارة
قولُ "أبي حنيفة")) اهـ. ومثلُهُ في "فتح القدير "(٧).
وفي "القُهُستانيِّ)(٨): ((وعن أصحابنا جميعاً أنَّه سنّةٌ، فيحلِّقُ إبهامَ اليمنى ووسطاها ملصِقاً
(١) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٣٦ -.
(٢) انظر "شرح المنية الصغير": فصل في صفة الصلاة صـ١٧٣ -.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في المقدمة وآداب الصلاة وفرائضها وسننها وواجباتها ق ١٩/أ.
وعبارته ((والمختار أنه لا يشير بالمسبحة)).
(٤) "البزازية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني ٢٦/٤. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) عبارة "شرح المنية الصغير": ((صحح شُرَّاح "الهداية")) انظر "الفتح" و"العناية" و"الكفاية": كتاب الصلاة - باب
صفة الصلاة ٢٧١/١ - ٢٧٢، و"البناية" ٣١٥/٢.
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٢٨ -.
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٧٢/١.
(٨) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ٩٨/١.
الجزء الثالث
٣٦١
باب صفة الصلاة
رأسَها برأسها، ويشيرُ بالسبَّابة)) اهـ.
فهذه النقولُ كلُّها صريحةٌ بأنَّ الإشارة المسنونة إنما هي على كيفيَّةٍ خاصَّةٍ وهي العقدُ أو
التحليق، وأمَّ روايةُ بسط الأصابع فليس فيها إشارةٌ أصلاً، ولهذا قال في "الفتح"(١) و"شرح
المنية(٢): ((وهذا)) - أي: ما ذُكِرَ من الكيفيَّة - ((فرعُ تصحيحِ الإشارة))، أي: مفرَّعٌ على
تصحيح [١/ق٣٩٩/أ] روايةِ الإشارة، فليس لنا قولٌ بالإشارة بدون تحليقٍ، ولهذا فُسِّرت الإشارةُ
بهذه الكيفيَّة في عامَّةِ الكتب كـ "البدائع"(٣)، و"النهاية"، و"معراج الدراية"، و"الذخيرة"،
و "الظهيريَّة"(٤)، و"فتح القدير "(٥)، و"شرحي المنية"(٦)، و"القُهُستَانيّ(٧)، و"الحلبة (٨)، و"النهر"(٩)،
و"شرح الملتقى" لـ "البهنسيّ"(١٠) معزيًّاً إلى "شرح النقاية"(١١)، و"شرحي درر البحار)"(١٢) وغيرِها،
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٧٢/١.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٢٨ -.
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في سنن الصلاة ٢١٤/١.
(٤) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثالث - الفصل الثالث - فيما يكره في الصلاة وما يستحبُّ فيها من الآداب
والسنن ق٢٨/ب.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٧٢/١.
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٢٨-، و"الصغير": صـ١٧٣ -.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ٩٨/١.
(٨) "الحلبة": صفة الصلاة من ٢/ق ١١٦/أ - ب إلى ٢/ ق ١١٧/أ.
(٩) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٤٨/أ.
(١٠) شرح محمد بن محمد بن رجب، شمس الدين - وقيل: نجم الدين - البَهْنَسِيّ الدمشقيّ(ت٩٨٦هـ، أو: ٩٨٧)
على "ملتقى الأبحر" لإبراهيم بن محمد الحلبيّ القسطنطينيّ(ت ٩٥٦هـ). ("كشف الظنون" ١٨١٤/٢، "الكواكب
السائرة" ٧٧/٢، ١٣/٣).
(١١) "شرح النقاية" للقاري: كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١٨٠/١.
(١٢) انظر "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - ذكر صفة الصلاة ق٣٦/ب. والشرح الثاني للعلامة قاسم بن قطلوبغا،
وانظر رسالة العلامة ابن عابدين الآتي ذكرها بعد قليل ١٢٩/١.
قسم العبادات
٣٦٢
حاشية ابن عابدين
كما ذكرتُ عباراتهم في رسالةٍ سمَّيتها "رفع التردُّدِ في عقد الأصابع عند التشهُّد"(١)، وحرَّرتُ
فيها: ((أَنَّه ليس لنا سوى قولين: الأوَّلُ - وهو المشهورُ في المذهب - بسطُ الأصابع بدون إشارةٍ.
الثاني بسطُ الأصابع إلى حينِ الشهادة، فيعقِدُ عندها، ويرفعُ السَّابة عند النفي، ويضعُها عند
الإثبات، وهذا ما اعتمده المتأخْرون لثبوته عن النبي ◌َ ◌ّ بالأحاديثِ الصحيحة، ولصحَّةٍ نقله عن
أئمَّتنا الثلاثة، فلذا قال في "الفتح"(٢): إنَّ الأوَّلَ خلافُ الدراية والرواية، وأمَّا ما عليه عامَّةُ الناس في
زماننا مع الإشارة من البسط بدون عقدٍ فلم أر أحداً قال به سوى "الشارح" تبعاً
لـ "لشر نبلاليّ"(٣) عن "البرهان" للعلامة "إبراهيم" الطرابلسيِّ صاحب "الإسعاف" من أهل القرن
(قولُهُ: فلم أرَ أحداً قال به سوى "الشارح" تبعاً لـ "الشرنبلاليّ" عن "البرهان" إلخ) إنما اختارَ
صاحب "البرهان" بسطَ الأصابع كلّها والإشارةَ بالمسبِّحة فقط تحصيلاً للمسنون من الإشارة، وعملاً
بقوله عليه السلام: ((اسكنوا في الصلاة))، وحديثُ "أبي حميد الساعديِّ" خالٍ عن ذكرِ القبض، ولفظُهُ
عند "الترمذيِّ": ((فافترَشَ رجلَهُ اليسرى، وأقبَلَ بصدر اليمنى على قبلته، ووضَعَ كفَّهُ اليمنى على ركبته
اليمنى وكفَّه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بإصبعِهِ))، وحدَّثَ بذلك بين عشرةٍ من الصحابة
فصدَّقوه، وقال "منلا على القاري" في رسالة له ألفها في إثباتِ سنةِ الإشارة: ((والصحيحُ المختارُ عند
جمهور أصحابنا أنّه يضعُ كفّيه على فخذيه، ثمَّ بوصوله إلى كلمة التوحيد يعقدُ الخنصر والبنصر ويُحلِّقُ
الوسطى والإبهام، ويشيرُ بالمسبِّحة رافعاً لها عند النفي واضعاً لها عند الإثبات، ثمَّ يستمرُّ على ذلك؛ لأَنَّه
ثبت العقدُ عند الإشارة بلا خلافٍ، ولم يوجد أمرٌ بتغيُّرِهٍ، والأصلُ بقاءُ الشيء على ما عليه
واستصحابُهُ إلى آخرِ الأمر)) اهــ والحاصلُ: أَنَّه اختلَفَ التصحيحُ في الكيفيَّة، والكلُّ واردٌ عنه عليه
السلام. اهـ من "السنديّ". فما قاله في "البرهان" لم يَخرُج عن السنَّة النبويَّة وإن كان المشهورُ خلافَهُ،
(١) ضمن مجموعة "رسائل ابن عابدين": ١٢٩/١.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٧٢/١.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٧٥/١ (هامش "الدرر والغرر").
الجزء الثالث
٣٦٣
باب صفة الصلاة
((الصحيحُ أَنَّ يشيرُ بمسبِّحته وحدَها، يرفعُها عند النفي، ويَضَعُها عند الإثبات،
واحترزنا بالصحيح عمَّا قيل: لا يشيرُ؛ لأَنَّه خلافُ الدِّراية والرِّواية، وبقولنا:
بالمسبِّحة عمَّا قيل: يَعقِدُ عند الإشارة )) اهـ. وفي "العينيِّ"(١) عن "التحفة" :.
العاشر، وإذا عارَضَ كلامُه كلامَ جمهور الشارحين من المتقدِّمين والمتأخرين من ذكرِ القولين فقط
فالعملُ على ما عليه جمهورُ العلماء لا جمهورُ العوامِ))، فأخرِجْ نفسَك من ظلمة التقليد وحيرةٍ
الأوهام، واستضئْ بمصباح التحقيق في هذا المقام، فإنّه من منح الملك العلام.
[٤٣٥٦] (قولُهُ: بمسبِّحتِه وحدَها) فيكرهُ أنْ يشيرَ بالمسبِّحتين كما في "الفتح"(٢) وغيره.
[٤٣٥٧] (قولُهُ: وبقولنا إلخ) هذا الاحترازُ إنما يصحُّ لو كان القائل بالعقد قائلاً بأنّه لا يشيرُ
بمسبِّحته، وهو خلافُ الواقع كما هو صريحُ قوله: ((يعقدُ عند الإشارة))، والذي تحصَّلَ من كلام
"البرهان" قولٌ ملفَّقٌ من القولين، وهو الإشارة مع بسط الأصابع بدون عقدٍ، وقد علمتَ أنَّه
على أنَّ "الطحاويّ" في "شرح معاني الآثار" رَوَى عن "وائلِ" قال: ((صلَّيتُ خلف رسول اللهِ ﴿ فقلت:
لأحفَظَنَّ صلاةَ رسول الله ◌ِّ) قال: ((فلمَّا قعَدَ التشهُّدَ فرَشَ رجله اليسرى ثُمَّ قعد عليها، ووضَعَ كفَّه
اليسرى على فخذه اليسرى ووضع مِرْفَقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثمَّ عقد أصابعَهُ وجعَلَ حلقةً بالإبهام
والوسطى، ثمَّ جعل يدعو بالأخرى))، ثمَّ رَوَى من حديث "عيسى": ((أنَّ مما حدَّتَهُ أيضاً في الجلوس في
التشهُّد أنْ يضعَ يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويضعَ يده اليمنى على فخذه اليمنى ثمَّ يشيرَ بإصبعٍ
واحدةٍ)) اهـ. وهذا أيضاً خالٍ عن ذكرِ القبض، ثمَّ رأيتُ في "شرح مشكاة المصابيح" لـ "منلا علي
القاري" في روايةٍ لـ "مسلمٍ" من باب التسهُّد أَنَّه ◌َ﴿: ((كان إذا جلَسَ في الصلاة وضَعَ يديه على ركبتيه،
ورفع أصبعه اليمنى التي تلي الإبهامَ يدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطَها عليها)) ما نصُّهُ: ((ظاهرٌ
هذه الرِّواية عدمُ عقد الأصابع مع الإشارةِ، وهو مختارُ بعض أصحابنا)) اهـ.
(١) "رمز الحقائق": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٤٢/١.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٧٢/١.
قسم العبادات
٣٦٤
حاشية ابن عابدين
((الأصحُّ أَنّها مستحبَّةٌ))، وفي "المحيط": ((سنة)).
(ويقرأُ تشهُّدَ "ابن مسعودٍ") وجوباً كما بَحَثَّهُ في "البحر"، لكنَّ كلام غيره يفيدُ
ندبَهُ، وجزَمَ "شيخُ الإسلام" الجدُّ: ((بأنَّ الخلاف في الأفضلَّة))، ونحوُهُ في "مجمع
الأنهر"(١) (ويَقصِدُ بألفاظِ التشهُّدِ) معانيَها مرادةً له على وجهِ (الإنشاء) كأنّه
يُحِّي اللَّه تعالى، ويُسلِّمُ على نبيِّه وعلى نفسه وأوليائه.
خلافُ المنقول في كتب [١/ق٣٩٩/ب] المذهب، وأنَّ ما نقَلَهُ "الشارح"(٢) عن "درر البحار"
و"شرحه" خلافُ الواقع، ولعلَّه قولٌ غريبٌ لم نر مَن قاله، فتبِعَهُ في "البرهان"، ومشى عليه الناسُ
في عامَّة البلدان، وأمَّا المشهورُ المنقولُ في كتب المذهب(٣) فهو ما سمعته، والله تعالى أعلم.
[٤٣٥٨] (قولُهُ: وفي "المحيط": سنَّةٌ) يمكنُ التوفيق بأنّها غيرُ مؤكَّدٍ، "ط)" (٤).
[٤٣٥٩] (قولُهُ: كما بحثَهُ في "البحر"(٥) حيث قال: ((ثم وقَعَ لبعض الشارحين أنَّه قال:
والأخذُ بتشهُّدٍ "ابن مسعودٍ" أَولى، فيفيدُ أنَّ الخلاف في الأولويَّة، والظاهرُ خلافه؛ لأنّهم جعلوا
التشهُّدَ واجباً، وعَنوه في تشهُّدِ "ابن مسعودٍ" فكان واجباً، ولهذا قال في "السِّراج"(٦): ويكرهُ أنْ
يزيدَ في التشهد حرفاً أو يبتدئَ بحرفٍ قبل حرفٍ، قال "أبو حنيفة": ولو نقَصَ من تشهُّده أو زاد فيه
كان مكروهاً؛ لأنَّ أذكار الصلاة محصورةٌ، فلا يزادُ عليها)) اهـ. والكراهةُ عند الإطلاق للتحريم.
[٤٣٦٠] (قولُهُ: وجزَمَ إلخ) وكذا جزَمَ به في "النهر"(٧)، و"الخيرُ الرمليُّ" في حواشي "البحر"
(١) "مجمع الأنهر": كتاب الصلاة - فصل في صفة الشروع ١٠٠/١.
(٢) ص ٣٥٩ - "در".
(٣) من ((وأن ما نقله الشارح)) إلى ((في كتب المذهب)) ساقط من "الأصل".
(٤) "ط": كتاب الصلاة - فصل في الشروع في الصلاة ٢٢٤/١.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٤/١ بتصرف يسير.
(٦) "السّراج الوهّاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ١٦٨/أ.
(٧) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٤٨/ب.
الجزء الثالث
٣٦٥
باب صفة الصلاة
(لا الإخبارَ) عن ذلك، ذكَرَهُ في "المجتبى"، وظاهرُهُ أنَّ ضمير: علينا للحاضرين،
لا حكايةُ سلام الله تعالى، وكان عليه الصلاة والسلام.
حيث قال: ((أقول: الظاهرُ أنَّ الخلاف في الأولويَّة، ومعنى قولهم: التشهُّدُ واجبٌ أي: التشهُّدُ
المرويُّ على الاختلاف لا واحدٌ بعينه، وقواعدُنا تقتضيه، ثم رأيتُ في "النهر "(١) قريباً مما قلتُه،
وعليه فالكراهةُ السابقة تنزيهِيَّةٌ)) اهـ
أقولُ: ويؤيِّدُه ما في "الحلبة(٢)، حيث ذكَرَ ألفاظَ التشهُّدِ المرويَّةَ عن "ابن مسعودٍ" ثم قال:
((واعلم أنَّ التشهُّد اسمٌ لمجموع هذه الكلماتِ المذكورة، وكذا لِما ورَدَ من نظائرها، سُمِّي به
لاشتماله على الشهادتين إلخ)).
(٤٣٦١] (قولُهُ: لا الإخبارَ عن ذلك) أي: لا يقصدُ الإخبارَ والحكاية عمَّا وقع في المعراج
منه ◌َ ﴿ ومن ربِّه سبحانه ومن الملائكة عليهم السلام، وتمامُ بيان القصة مع شرحٍ ألفاظ التشهُّد في
"الإمداد"(٣)، فراجعه.
[٤٣٦٢] (قولُهُ: للحاضرين) أي: من الإمام والمأموم والملائكة، قاله "النوويُّ"(٤)، واستحسنَهُ
"السروجيُّ"، "نهر "(٥).
[٤٣٦٣] (قولُهُ: لا حكايةُ سلامِ الله تعالى) الصواب: لا حكايةُ سلامٍ رسول الله وَلَّه "ط "(٦).
٣٤٢/١
(قولُهُ: الصوابُ: لا حكايةُ سلامٍ رسول الله) لمناسبةِ ما قبله، لكنَّ مراعاة المناسبة إنما تفيدُ
الأولويَّةَ، ولعلَّ "الشارح" قَصَدَ دفع ما في الشرَّاحِ: (( بأنَّ قوله: السلامُ عليك إلخ حكايةُ سلام الله عليه
لا ابتداءُ سلامٍ من المصلّي عليه )) اهـ، فلم يقصد المناسبة.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٤٨/ب.
(٢) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١١٧/أ.
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في كيفية تركيب الصلاة ق١٥٧/ب وما بعدها.
(٤) "المجموع": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٤٣٨/٣.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٤٨/ب.
(٦) "ط": كتاب الصلاة - فصل في الشروع في الصلاة ٢٢٥/١.
قسم العبادات
٣٦٦
حاشية ابن عابدين
يقولُ فيه: ((أَنِّي رسولُ الله)).
(ولا يزيدُ) في الفرض (على التشهُّدِ في القعدةِ الأُولى)
.
[٤٣٦٤] (قولُهُ: يقولُ فيه: أنّي رسولُ الله) نقَلَ ذلك "الرافعيُّ" من الشافعيَّة، وردَّهُ الحافظ
"ابن حجرٍ" في تخريج أحاديثه(١): ((بأنّه لا أصلَ لذلك، بل ألفاظُ التشهُّد متواترةٌ عنه ﴿ أَنَّه كان
يقول: أشهدُ أنَّ محمَّدً رسولُ الله، وعبدُه ورسوله)) اهـ "ط)"(٢) عن "الزَّرْقَانِيِّ)(٣).
قال في "التحفة"(٤): ((نعم إنْ أرادَ تشهُّدَ الأذان صحَّ؛ لأَنَّه ◌ِ﴿ أَذَّنَ مرَّةً في سفرٍ فقال
ذلك)) اهـ.
قلت: وكذلك في "البخاريِ"(٥) من حديث "سلمة بن الأكوع" [١/ق ٤٠٠/أ] ﴿ه قال:
((خفَّتْ أزوادُ القوم)) الحديثَ، وفيه: فقال ﴿: ((أشهدُ أن لا إله إلاَّ الله، وأشهدُ أنّي
رسولُ الله))، وهذا كان خارج الصلاة، قاله لَمَّا ظهرت المعجزة على يديه من البركة في الزاد.
[٤٣٦٥] (قولُهُ: ولا يزيدُ في الفرض) أي: وما أُلحِقَ به كالوتر والسنن الرواتب وإِنْ نظَرَ
صاحب "البحر"(٦) فيها، ولُيُنظَرْ حكمُ المنذور وقضاءِ النفل الذي أفسده.
والظاهرُ: أَنَّهما في حكم النفل؛ لأنَّ الوجوب فيهما عارضٌ، "ط"(٧).
(١) المسمى "تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير": ٢١٢/١ لأبي الفضل أحمد بن علي، شهاب الدين
المعروف بابن حجر العسقلاني الشافعيّ (ت٨٥٢هـ) وهو اختصار لشرح ابن الملقن المسمى بـ "البدر المنير".
("كشف الظنون"٢٠٠٣/٢، "الضوء اللامع"٣٦/٢).
(٢) "ط": كتاب الصلاة - فصل في الشروع في الصلاة ٢٢٥/١.
(٣) "شرح المواهب اللدنية": المقصد التاسع في عباداته ﴿ - النوع الثاني في ذكر صلاته - الفصل الثالث في ذكر كيفية
صلاته ٣٢٩/٧.
(٤) لم نعثر عليها في "تحفة الفقهاء".
(٥) أخرجه البخاريّ (٢٤٨٤) كتاب الشركة - باب الشركة في الطعام والنهد والعروض، و(٢٩٨٢) كتاب الجهاد -
باب حمل الزاد في الغزو، وفي الباب عن أبي هريرة رضّه عند مسلم (٢٧) كتاب الإيمان - باب الدليل على أنَّ مَنْ
مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً.
(٦) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٤٦/١.
(٧) "ط": كتاب الصلاة - فصل في الشروع في الصلاة ٢٢٥/١ بتصرف.
الجزء الثالث
٣٦٧
باب صفة الصلاة
إجماعاً (فإنْ زادَ عامداً كُرهَ) فتحبُ الإعادة (أو ساهياً وجَبَ عليه سجودُ السهو
إذا قال: اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ) فقط.
[٤٣٦٦] (قولُهُ: إجماعاً) وهو قولُ أصحابنا و"مالكٍ" و"أحمد"، وعند "الشافعيِّ" على
الصحيح أنَّها مستحبَّةٌ فيها، للجمهور ما رواه "أحمدُ" و"ابن خزيمة"(١) من حديث "ابن مسعودٍ":
(ثم إنْ كان النبي ﴿ في وسطِ الصلاة نهَضَ حين فرَغَ من تشهُّده)، قال "الطحاويُّ": ((مَن زادَ
على هذا فقد خالَفَ الإجماع))، "بحر "(٢). وعليه فمرادُ "الشارح" أنَّ ما ذهب إليه "الشافعيُّ"
مخالفٌ للإجماع، فافهم.
[٤٣٦٧] (قولُهُ: فقط) وقيل: لا يجبُ ما لم يقل: وعلى آل محمَّدٍ، ذكره "القاضي الإمام"،
وقيل: ما لم يؤخّر مقدارَ أداءِ ركنٍ، وقيل: يجبُ ولو زاد حرفاً واحداً، ورَدَّ الكلَّ في
"البحر"(٣)، وذكَّرَ: ((أَنَّ ما ذكره "المصنّف" هنا هو المختارُ كما في "الخلاصة"(٤)، واختاره في
"الخانيَّة" (٥))) اهـ.
وصرَّحَ "الزيلعيُ)(٦) في السهو: ((بأنّه الأصحُّ))، وكلامُ "الحلبيِّ" في "شرح المنية الكبير (٧)
يقتضي ترجيحَه أيضاً، لكنْ ذكَرَ في "شرحه الصغير"(٨): ((أنَّ ما ذكره "القاضي الإِمام" هو الذي
(١) أخرجه أحمد ٤٥٩/١، وابن خزيمة (٧٠٨) كتاب الصلاة - باب الاقتصار في الجلسة الأولى على التشهد وترك
الدعاء بعد التشهد الأول، وأورده الهيثميّ في "المجمع" ١٤٢/٢، وقال: رواه أحمد ورجاله موثّقون، هو في
الصحيح باختصار عن هذا.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٤/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٤/١.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السادس عشر في السهو في الصلاة ق ٤٤/أ نقلاً عن "فتاوى النسفي".
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيما يوجب السهو وما لا يوجب السهو ١٢١/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة ١٩٣/١.
(٧) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣٣٠-٣٣١ -.
(٨) "شرح المنية الصغير": فصل في صفة الصلاة صـ ١٧٤ -.
قسم العبادات
٣٦٨
حاشية ابن عابدين
(على المذهب) المفتى به لا لخصوص الصلاة، بل لتأخيرِ القيام، ولو فرَغَ المؤتَمُّ قبل
إمامه سكَتَ اتفاقاً، وأمَّا المسبوقُ فيترسَّلُ ليفرَغَ عند سلام إمامِهِ، وقيل: يُتُمُّ، ..
عليه الأكثرُ، وهو الأصحُّ))، قال "الخير الرمليُّ": ((فقد اختلَفَ التصحيحُ كما ترى، وينبغي
ترجيحُ ما ذكره "القاضي الإمام")) اهـ، تأمَّل.
ثمَّ هذا كُلُّه على قول "أبي حنيفة"، وإلاَّ ففي "التاتر خانيَّة"(١) عن "الحاوي"(٢): ((أَنَّه على
قولهما لا يجبُ السهوُ ما لم يبلغْ إلى قوله: حميدٌ محيدٌ)).
[٤٣٦٨] (قولُهُ: على المذهب المفتى به) لم أرَ مَن صرَّحَ بهذا اللفظِ سوى "المصنّف"
و "الشارح"، وإنما الذي رأيتُه ما علمتَه آنفاً.
[٤٣٦٩] (قولُهُ: بل لتأخيرِ القيام) فيجبُ عليه السهوُ ولو سكت كما في "شرح المنية"(٣).
[٤٣٧٠] (قولُهُ: سكَتَ اتفاقاً) لأنَّ الزيادة على التشهُّد في القعود الأوَّلِ غيرُ مشروعةٍ كما
مرَّ(٤)، فلا يأتي بشيءٍ من الصلوات والدعاءِ وإنْ لم يلزم تأخيرُ القيام عن محلّه؛ إذ القعودُ واجبٌ
علیه متابعةً لإمامه. [١/ق ٤٠٠ /ب]
[٤٣٧١] (قولُهُ: فيترسَّلُ) أي: يتمهَّلُ، وهذا ما صحَّحَهُ في "الخانَّة"(٥) و"شرح المنية"(٦) في
بحث المسبوق من باب السهو، وباقي الأقوالِ مصحَّحٌ أيضاً، قال في "البحر"(٧): ((وينبغي الإفتاءُ بما
في "الخانيَّة" كما لا يخفى))، ولعلَّ وجهَه - كما في "النهر"(٨) -: ((أَنَّه يقضي آخرَ صلاته في حقِّ
(١) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - كيفية الصلاة ٥٤٨/١.
(٢) لم نجدها في "الحاوي القدسي".
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٣١ -.
(٤) المقولة [٣٩٨٤] قوله: ((وكذا ترك الزيادة فيه على التشهد)).
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل في المسبوق ١٠٣/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في سجود السهو صـ ٤٦٩ -.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٩/١.
(٨) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٤٨/ب.
الجزء الثالث
٣٦٩
باب صفة الصلاة
وقيل: يكرِّرُ كلمةَ الشهادة.
(واكتَفَى) المفترضُ (فيما بعد الأُوليين بالفاتحة) فإنَّها سنّةٌ على الظاهر، ولو زادَ
لا بأس به (وهو مخيّرٌ بين قراءةٍ) الفاتحة(١)،
التشهُّد، ويأتي فيه بالصلاة والدعاءِ، وهذا ليس آخراً))، قال "ح"(٢): ((وهذا في قعدة الإمام
الأخيرةِ كما هو صريحُ قولِه: ليفرغَ عند سلام إمامه، وأمّا فيما قبلها من القعدات فحكمُه
السكوتُ كما لا يخفى)) اهـ. ومثلُه في "الحلبة"(٣).
(٤٣٧٢] (قولُهُ: وقيل: يكرِّرُ كلمةَ الشهادة) كذا في "شرح المنية" (٤)، والذي في "البحر"(٥)
و "الحلبة"(٦) و"الذخيرة": ((يكرِّرُ التشهُّدَ))، تأمَّل.
(٤٣٧٣] (قولُهُ: واكتفى المفترضُ) قَّدَ به لأَنَّه في النفل والواجب تجبُ الفاتحةُ والسورة أو
نحوُها.
[٤٣٧٤] (قولُهُ: على الظاهر) أي: ظاهرِ الرواية، وفيه كلامٌ يأتي قريباً(٧).
[٤٣٧٥] (قولُهُ: ولو زادَ لا بأس)(٨) أي: لو ضمَّ إليها سورةً لا بأس به؛ لأنَّ القراءة .
(١) في "د" زيادة عند قول الشارح ((وهو مخيّر بين الفاتحة)): ((قال القهستانيّ: ظاهر الكلام يشير إلى أنَّها مقروءة
على وجه القرآن، وقد قال علماؤنا أنها تقرأ بنية الثناء لا القراءة، وعن عائشة رضي الله عنها: اقرأها ولكن على
وجه الثناء، وفي "غريب الرواية": لو قرأ بنية القراءة يَضُمُّ إليها السورة. انتهى. ومثله في "البحر"، وقال بعد كلام
"الزاهديّ": وكان وجهه القياس على الأوليين، ولا يخفى عدم صحته لما عُهِدَ في الأخريين من التخفيف)).
(٢) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق٦٥/ب.
(٣) "الحلبة": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢/ق٩٥/ب.
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في سجود السهو صـ ٤٦٩ -.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٩/١.
(٦) "الحلبة": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢/ق٩٥/ب.
(٧) المقولة [٤٣٧٩] قوله: ((فلا يكون مسيئاً بالسكوت على المذهب إلخ)).
(٨) في "د" زيادة: ((كلمة ((لا بأس) تستعمل في الغالب فيما تَرْكُه أولى، وكلام "البحر" هنا مضطرب؛ فإنَّه قال:
والظاهر أنّ الزيادة عليها مباحةٌ لِمَا تَبَتَ في "صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد الْخُدْرِيَّّهِ أَنْهَ ﴿: ((كان يقرأ
في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك)) .=
قسم العبادات
٣٧٠
حاشية ابن عابدين
وصحَّحَ "العينيُّ" وجوبَها (وتسبيحِ ثلاثاً) وسكوتٍ قَدْرَها،
في الأُخريين مشروعةٌ من غير تقديرٍ، والاقتصارُ على الفاتحة مسنونٌ لا واجبٌ، فكان الضمُّ
خلافَ الأَولى، وذلك لا ينافي المشروعيَّةَ والإباحةَ بمعنى عدمِ الإثم في الفعل والترك كما
قدَّمناه(١) في أوائل بحث الواجبات، وبه اندفَعَ ما أورده في "النهر"(٢) هنا على "البحر "(٣) من
دعوى المنافاة.
(٤٣٧٦] (قولُهُ: وصحَّحَ "العيني"(٤) وجوبَها) هذا مقابلُ ظاهر الرواية، وهو روايةُ "الحسن"
عن "الإمام"، وصحَّحَها "ابن الهمام"(٥) أيضاً من حيث الدليلُ، ومشى عليها في "المنية" (٦)،
فأوجَبَ سجودَ السهو بترك قراءتها ساهياً والإساءةَ بتركها عمداً، لكنَّ الأصحَّ عدمُهِ لتعارُضِ
الأخبار كما في "المجتبى"، واعتمده في "الحلبة"(٧).
[٤٣٧٧] (قولُهُ: وسكوتٍ قدرَها) أي: قدرَ ثلاثِ تسبيحاتٍ.
= ولهذا قال فخر الإسلام، وتبعه في "غاية البيان"،: إنَّ السورةَ مشروعةٌ نفلاً في الأخريين، حتى لو قرأها في الأخريين
ساهياً لَم يَلْزَمْهُ السُّحود. وفي "الذخيرة": وهو المختار، وفي "المحيط": وهو الأصح. وإن كان الأولى الاكتفاء بها
لحديث أبي قتادة ◌َّهِ أَنَّ النّبِيِّمَ: ((كان يَقْرأ في الظُّهْرِ والعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيْنِ بفاتحة الكتاب وسُوْرَتَيْن، وفي
الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَبَيْنِ بفاتحة الكِتَاب)). ويحمل حديث أبي سعيد على تعليم الجواز، ويحمل ما في "السّراج الوهّاج"
- معزياً إلى "الاختيار" من كراهة الزيادة على الفاتحة - على كراهة التنزيه التي مَرجِعُها إلى خلاف الأولى. انتهى.
قال في "النهر": لا يخفى ما بين دعوى الإباحة، وأنّ التركَ أولى من التنافي؛ إذ المباح ما استوى طرفاه، والمندوب ما
تَرَجّح فعلُه على تركه. انتهى. ولعل مرادَه بالإِباحة عدمُ الحظر أي: ما لا إثمَ في فِعْلِه ولا تَرْكِه)).
(١) المقولة [٣٩٥٥] قوله: ((المختار لا)).
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٤٨/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٥/١.
(٤) "رمز الحقائق": كتاب الصلاة - فصل في بيان صفة الشروع في الصلاة ٤٢/١.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في القراءة ٣٩٤/١.
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في سجود السهو صـ ٤٦٠ -.
(٧) "الحلبة": فرائض الصلاة - القراءة ٢/ق ٦٤/أ.
الجزء الثالث
٣٧١
باب صفة الصلاة
وفي "النهاية": ((قَدْرَ تسبيحةٍ))، فلا يكونُ مسيئاً بالسكوت (على المذهب) لثبوتٍ
التخيير عن "علىٍّ" و"ابن مسعودٍ"، ..
[٤٣٧٨] (قولُهُ: وفي "النهاية": قدرَ تسبيحةٍ) قال "شيخنا": ((وهو أليقُ بالأصول))،
"حلبة"(١). أي: لأنَّ ركن القيام يحصلُ بها لِما مرَّ(٢) أنَّ الركنَّة تتعلَّقُ بالأدنى.
[٤٣٧٩] (قولُهُ: فلا يكونُ مسيئاً بالسكوت على المذهب إلخ) اعلمْ أنَّهم اتَّفقوا في ظاهر
الرواية على أنَّ قراءة الفاتحة أفضلُ، وعلى أنَّه لو اقتصَرَ على التسبيح لا يكونُ مسيئاً، وأمَّا لو
سكت فصرَّحَ في "المحيط" بالإساءة وقال: ((لأنَّ القراءة فيهما شُرِعتْ على سبيل الذِّكر
والثناء، ولهذا تعَّنت الفاتحةُ للقراءة؛ لأنَّ كلَّها ذِكرٌ وثناء، وإنْ سكت عمداً أساء
[١/ق ٤٠١/أ] لتركِ السّنّة، ولو ساهياً لاسهوَ عليه))، وصرَّحَ غيره بالتخيير بين الثلاثة في
ظاهر الرواية وعدمِ الإساءة بالسكوت، قال في "البدائع"(٣): ((والصحيحُ ظاهرُ الرواية لِما
روينا عن "علىٍّ" و"ابن مسعودٍ" رضي الله تعالى عنهما أنَّهما كانا يقولان: ((المصلِّي بالخيار
٣٤٣/١ في الأخريين، إنْ شاء قرأ، وإِنْ شاء سكت، وإنْ شاء سبَّحَ))(٤)، وهذا بابٌ لا يُدرَكُ بالقياس،
فالمرويُّ عنهما كالمرويِّ عن النبي ◌ُّ)) اهـ.
وفي "الخانّة "(٥): ((وعليه الاعتمادُ))، وفي "الذخيرة": ((هو الصحيحُ من الرِّواية))، ورجَّحَ
ذلك في "الحلبة" (٦) بما لا مزيدَ عليه، فارجع إليه.
(١) "الحلبة": فرائض الصلاة - القراءة ٢/ق ٦٥/أ.
(٢) صـ ٣٤٦ - "در".
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في أركان الصلاة ١١٢/١.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٠٨/١ كتاب الصلاة - باب من كان يقول يسبح في الأخريين ولا يقرأ، عن أبي إسحاق
عن عليّ وعبد الله قالا: ((اقرأ في الأوليين وسَبِّح في الأخريين))، وذكره الشيخ التهانويّ في "إعلاء السنن" ١٠٩/٣
وقال: رواه ابن أبي شَيّة، وفيه انقطاع، ورجاله رجال الجماعة إلا شَرِيكاً لم يُخرِج له البخاريّ في "صحيحه"
إلا تعليقاً، وأبو إسحاقَ لم يَسْمَع من عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما.
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيما يوجب السهو وما لا يوجب السهو ١٢٣/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "الحلبة": فرائض الصلاة - القراءة ٢/ق ٦٤/أ.
قسم العبادات
٣٧٢
حاشية ابن عابدين
والحاصلُ: أنَّ عند صاحب "المحيط" يكرهُ السكوتُ لترك سنَّةِ القراءة، فالقراءةُ عنده
سنّةٌ، لكنْ لَمَّا شُرِعتْ على وجهِ الذِّكر حصَّلَت السنّة بالتسبيح فُيُخَيَّرُ بينهما، وهو ما مشى
عليه "المصنّف"، فالقراءةُ أفضلُ بالنظر إلى التسبيح، وسنّةٌ بالنظر إلى السكوت، حتى لو سبَّحَ
تَرَكَ الأفضلَ، ولو سكت أساء لترك السنَّةِ وما يقومُ مَقامها، وأمَّا عند غير صاحب "المحيط" فلا
يكرهُ السكوتُ لثبوت التخيير بين الثلاثة، فصارت القراءةُ أفضلَ بالنظر إلى التسبيح وإلى
السكوت، فقد أَتَّفَقَ الكلُّ على أفضلَيَّةِ القراءة، وإنما اختلفوا في سنَّتها بناءً على كراهة السكوت
وعدمها، وقد علمتَ أنَّ الصحيح المعتمدَ التخييرُ بين الثلاثة، وبه تعلمُ ما في عبارة "الشارح"
حيث قال أوَّلاً: ((إنَّ الفاتحة سنَّةٌ على الظاهر))، فإنَّه مبنيٌّ على ما في "المحيط"، ثم مشى على
خلافه حيث اعتمَدَ التخيير بين الثلاثة، فزاد على "المصنّف" السكوتَ وقال: ((إنَّه لا يكون
مسيئاً به))، فاغتنم هذا التحرير الفريد.
وما نقلُه عن "البدائع" و"الذخيرة" و"الخانَيَّة" رأيْتُه فيها وفي غيرها، وذكرتُ نصوصَها فيما
عَلَقته على "البحر"(١)، فلا تعتمِدْ على ما نُقِلَ عنها مخالفاً لذلك، فافهم.
ثم اعلمْ أنَّ اتّفاقهم على أفضلَّةِ الفاتحة لا يُنافي التخييرَ؛ إذ لا مانعَ من التخيير بين الفاضل
والأفضلِ كالحلق مع التقصير.
(قولُهُ: وبه تَعَلَمُ ما في عبارة "الشارح" حيث قال أوَّلاً إلخ) فيه أنَّ قراءة الفاتحة لا يشكُّ أحدٌ أنَّها سنَّةٌ
على ما في "المحيط" وغيره؛ لإتيانه عليه الصلاة والسلام بها، إلاَّ أنَّه على ما في "المحيط" يقومُ مقامَها التسبيحُ
فقط ويكونُ مسيئاً بالسكوت، وعلى ما في غيره لا يكونُ مسيئاً لا لأَنَّه أتى بالسنَّة، بل لأنَّ تركها هنا
لا يُوجِبُ إساءةً لأثرٍ "عليّ" و"ابن مسعودٍ" رضي الله تعالى عنهما، فتكونُ من قبيل سنن الزوائد التي تركُها
لا يُوجِبُ إساءةً. ثُمَّ اعلم أنَّ ما صنعَهُ "الشارح" من زيادةِ قوله: ((أو سكوتٍ قدرَها )) أصلَحَ به كلام
"المصنّف"، حيث قال: ((على المذهب)) لِما أنَّ التخُّر بين الثلاث هو المذهبُ لا بين القراءة والتسبيح.
(١) حاشية "منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٤/١.
الجزء الثالث
٣٧٣
باب صفة الصلاة
وهو الصارفُ للمواظبة عن الوجوب (ويفعلُ في القعودِ الثاني) الافتراشَ (كالأوَّلِ
وتشهَّدَ) أيضاً.
( تنبيةٌ )
ظاهرُ كلام المتون وغيرِها أنَّ الفاتحة مقروءةٌ على وجهِ القرآن، وفي "القُهُستانيِّ"(١): ((قال
علماؤنا: إنَّها تُقْرَأ بنَّةِ الثناء لا القراءةِ)) اهـ
ونقل في "المجتبى" عن "شمس الأئمّة": ((أَنَّه الصحيح))، لكنْ في "النهاية" قال: ((وعن
"أبي يوسف": يسبِّحُ ولا يسكت، وإذا [١/ق ٤٠١ /ب] قرأ الفاتحةَ فعلى وجهِ الثناء لا القراءة،
وبه أخَذَ بعض المتأخّرِين)) اهـ.
وفي "الحلبة"(٢): ((لكنْ قدَّمنا أنَّ الصوابَ أنَّ الفاتحة لا تخرجُ عن القرآنَّة بالنَّةِ)).
[٤٣٨٠] (قولُهُ: وهو الصارفُ إلخ) حاصلُه أنَّ حديث "الصحيحين"(٣): عن "أبي قتادة"
أَنَّه ◌َ لَّ: ((كان يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الركعتين
الأخيرتين بفاتحة الكتاب)) يفيدُ المواظبة على ذلك، وهي بلا تركٍ دليلُ الوجوب.
والجوابُ: أنَّ التخيير المرويَّ صارِفٌ لها عن الوجوب؛ لأنَّ له حكم المرفوع كما
قدَّمناه(٤)، وبهذا يُرَدُّ على "العيني" و"ابن الهمام".
[٤٣٨١] (قولُهُ: الافتراشَ) إنما خصَّهُ بالذّكر للإشارة إلى نفي القول بالتورُّك كما هو مذهبُ
"الشافعيّ"، وإلاَّ فأحكامُ القعود لا تختصُّ بذلك كما مرَّ(٥)، فافهم.
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ٩٩/١.
(٢) "الحلبة": فرائض الصلاة - القراءة ٢/ق ٦٤/أ.
(٣) أخرجه البخاريّ (٧٥٩) كتاب الأذان - باب القراءة في الظهر، ومسلم (٤٥١) كتاب الصلاة - باب القراءة في
الظهر والعصر، وأخرجه أحمد ٣٨٣/٤ و٣٠٠/٥و٣١١، وأبو داود (٧٩٨) و(٧٩٩) و(٨٠٠) كتاب الصلاة - باب
ما جاء في القراءة في الظهر، والنسائيّ ١٦٤/٢-١٦٥ كتاب الافتتاح - باب إسماع الإمام الآية في الظهر، وابن
ماجه (٨٢٩) كتاب الإقامة - باب الجهر بالآية أحياناً في صلاة الظهر والعصر.
(٤) المقولة [٤٣٧٩] قوله: ((فلا يكون مسيئاً بالسكوت على المذهب إلخ)).
(٥) صـ ٣٥٧ - "در".
قسم العبادات
٣٧٤
حاشية ابن عابدين
(وصلَّى على النبيِّ وَ﴿ٌ) وصحَّ زيادةُ في العالمين،
[٤٣٨٢] (قولُهُ: وصلَّى على النبي(﴿) قال في "شرح المنية"(١): ((والمختارُ في صفتها ما في
"الكفاية"(٢) و"القنية"(٣) و"المجتبى" قال: سُئل "محمَّدٌ" عن الصلاة على النبي و﴿ فقال: يقول:
اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ كما صلَّت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيمَ، إِنَّك حميدٌ محيدٌ،
وبارِكْ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ، إِنَّك حميدٌ مجيدٌ،
وهي الموافقةُ لِما في "الصحيحين) (٤) وغيرهما)).
(٤٣٨٣] (قولُهُ: وصحَّ زيادةُ في العالمين) أي: مرَّةً واحدةً بعد قوله: ((كما باركتَ إلخ))،
وأمَّا بعد قوله: ((كما صلّيت)) فلم تثبتْ، قال في "الحلبة"(٥): ((وفي "إفصاح ابن هُبَيرةً"(٦)
حكايةُ الصلاة المذكورة عن "محمَّدٍ" بزيادةٍ في العالمين بعد قوله: كما باركتَ، وهو في روايةٍ
"مالكٍ" و"مسلمٍ" و"أبي داود" وغيرهم(٧)، وفي نسخةٍ من "الإفصاح" زيادةُ في العالمين بعدَ كما
صلَّتَ أيضاً، وهي مذكورةٌ في بعض أحاديثِ هذا الباب، لكنْ لا يحضُرُني الآنَ مَن رواها
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣٣٤ - بتصرف يسير.
(٢) "الكفاية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٧٧/١ معزياً إلى عيسى بن أبان (هامش "فتح القدير").
(٣) "القنية": كتاب الصلاة - باب في القعدة والذكر فيها ق ١٤/أ.
(٤) أخرجه البخاريّ (٦٣٥٧) كتاب الدعوات - باب الصلاة على النبي عليه) ومسلم (٤٠٦) كتاب الصلاة - باب الصلاة
على النبي وُ لّ بعد التشهد، وأبو داود (٩٧٦) و(٩٧٧) كتاب الصلاة - باب الصلاة على النبي حل) والترمذيّ (٤٨٣)
كتاب الصلاة - باب ما جاء في صفة الصلاة على النبي ◌َّ، والنسائيّ ٤٨/٣ كتاب السهو - باب كيف الصلاة على
النبيِ ◌ّي؟ وابن ماجه (٩٠٤) كتاب الإقامة - باب الصلاة على النبي مُ له من حديث كعب بن عجرة ◌َالُه.
(٥) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٢٤/أ باختصار.
(٦) "الإفصاح عن شرح معاني الصّحاح": صـ٩٧-، لأبي المظفّر يحيى بن محمد بن هُبَيرة الوزير(ت ٥٦٠هـ). ("كشف
الظنون" ١٣٢/١، "سير أعلام النبلاء" ٤٢٦/٢٠).
(٧) أخرجه مالك في "الموطّأ"١٣٦/١ كتاب قصر الصلاة في السفر - باب ما جاء في الصلاة على النبي مح له
ومسلم (٤٠٥) كتاب الصلاة - باب الصلاة على النبي صَ لّ بعد التشهد، وأبو داود (٩٨٠) كتاب الصلاة - باب
الصلاة على النبي لة بعد التشهد، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
الجزء الثالث
٣٧٥
باب صفة الصلاة
وتكرارُ: إِنَّك حميدٌ محيدٌ، وعدمُ كراهة الترحُم ..
من الصحابة، ولا مَن خرَّجَها من الحفّاظ، ولا ثبوتُها في نفس الأمر)) اهـ. وأشار "الشارح" إلى
هذا حيث عبَّرَ بالزيادة لا بالتكرار، فافهم.
[٤٣٨٤] (قولُهُ: وتكرارُ إِنَّك حميدٌ محيدٌ) استدراكٌ على ما نقله "الزيلعيُّ(١) وغيره عن "محمَّدٍ"
في كيفيَّة الصلاة المذكورةِ من الاقتصار على إِنَّك حميدٌ مجيدٌ مرَّةً في آخرها فقط مع أنّه في
"الذخيرة" نقَلَها عن "محمَّدٍ" مكرَّرةً، وتقدَّمَ(٢) [١/ق٤٠٢/أ] أنَّها في "الصحيحين" كذلك.
[٤٣٨٥] (قولُهُ: وعدمُ كراهة الترحُّم) عطفٌ على فاعلِ (صحَّ))، ومُفاده: أَنَّه لم يصحَّ ندبُه
لعدم ثبوته في صلاة التشهُّد، ولذا قال في "شرح المنية"(٣): ((والإتيانُ بما في الأحاديثِ الصحيحة
أَولى))، وقال في "الفيض": ((والأولى تركُه احتياطاً))، وفي "شرح المنهاج" لـ "الرمليّ"(٤): ((قال
"النوويُّ" في "الأذكار"(٥): وزيادةُ وارحمْ محمَّدً وآلَ محمَّدٍ كما رحمتَ على إبراهيم بدعةٌ،
واعتُرِضَ بورودها في عدَّةِ أحاديثَ صحَّحَ "الحاكمُ"(٦) بعضَها ((وترحَّمْ على محمَّدٍ))، وردَّهُ
بعضُ محقّقي أهلِ الحديث بأنَّ ما وقع لـ "الحاكم" وهمّ، وبأنّها وإنْ كانت ضعيفةً لكنّها شديدةٌ
الضعف، فلا يُعمَلُ بها، ويؤيِّدُه قولُ "أبي زُرعةَ(٧) - وهو من أئمَّةِ الفنِّ بعد أنْ ساق تلك
الأحاديثَ وبَّنَ ضعفها - : ولعلَّ المنع أرجحُ لضعف الأحاديثِ في ذلك، أي: لشدّة ضعفها.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ١٢٣/١.
(٢) المقولة [٤٣٨٢] قوله: ((وصلى على النبي (حلال)).
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣٣٦ -.
(٤) "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج": كتاب الصلاة - سنن الصلاة ومكروهاتها ٥٣١/١.
(٥) المسمّى "حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدّعوات والأذكار": باب صفة الصلاة على رسول الله صـ٩٨-،
لأبي زكريا يحيى بن شرف، محيي الدين النووي الدِّمشقيّ (ت٦٧٦هـ). ("كشف الظنون" ٦٨٨/١، "طبقات
السّبكي" ٣٩٥/٨).
(٦) في "المستدرك": ٢٦٩/١، ووافقه الذهبيّ. وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: اغتَرَّ بتصحيحه قومٌ فوهموا، فإنه من
رواية يحيى بن السباق - وهو مجهول - عن رجل مبهم. انظر "فتح الباري" ١٥٩/١١.
(٧) أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحُسَين، وليّ الدين، المعروف بابن العراقيّ الكرديّ الرّازيانيّ ثم المصريّ
الشّافعيّ (ت٨٢٦هـ). ("الضوء اللامع" ٣٣٦/١، "الأعلام" ١٤٨/١).
قسم العبادات
٣٧٦
حاشية ابن عابدين
ولو ابتداءً، ونُدِبَ السيادةُ؛ لأنَّ زيادة الإخبارِ بالواقع عينُ سلوكِ الأدب، فهو
أفضلُ من تر کِهِ،.
وبما تقرَّرَ عُلِمَ أنَّ سبب الإنكار كونُ الدعاء بالرحمة لم يثبت هنا من طريقٍ يُعتَدُّ به، والبابُ
بابُ اَّاعٍ، لا ما قاله "ابن عبد البرّ"(١) وغيره: من أَنَّه لا يُدْعَى لِهَ﴿ وسلَّم بلفظ الرحمة، فإنْ أرادَ
النافي امتناعَ ذلك مطلقاً فالأحاديثُ الصحيحة صريحةٌ في ردِّه، فقد صحَّ في سائر روايات التشهُّدِ:
((السلامُ عليك أَيُّها النبي ورحمة الله وبركاته))، وصحَّ أَنَّهِوَ﴿: أقرَّ مَن قال: ارحمني وارحمْ
محمَّداً، ولم ينكِرِ عليه سوى قوله: ولا ترحمْ معنا أحداً، وحصولُها لا يمنعُ طلبَها له كالصلاة
والوسيلة والمقام المحمود لِما فيه من عَودِ الفائدة له و ﴿ بزيادة ترقّيه التي لا نهايةً لها، والداعي
بزیادة ثوابه علی ذلك)) اهـ.
٣٤٤/١
والحاصلُ: أنَّ الترجُّم بعد التشهُّد لم يثبت وإنْ كان قد ثبَتَ في غيره، فكان جائزاً
في نفسه.
مطلبٌ في جواز الترحُّمِ على النبيِّ ابتداءً
[٤٣٨٦] (قولُهُ: ولو ابتداءً) أي: من غير تبعيَّته لصلاةٍ أو سلامٍ، وذكَرَ في "البحر"(٢)
و"الحلبة"(٣): ((أَنَّ الكراهة في الابتداء متَّفْقٌ عليها))، وتعقّبَهُ في "النهر "(٤): ((بأنَّ عبارة "الزيلعيِّ"(٥)
في آخر الكتاب تقتضي أنَّ الخلاف في الكلِّ، فإنَّنه قال: اختلفوا في الترحُّم على النبي
[١/ق٤٠٢ /ب] ﴿ بأنْ يقول: اللهمَّ ارحمْ محمَّداً، قال بعضهم: لا يجوز؛ لأنَّه ليس فيه ما يدلُّ
على التعظيم كالصلاة، وقال بعضهم: يجوز؛ لأنّه عليه الصلاة والسلام كان من أشوق العباد
(١) "الاستذكار": كتاب قصر الصلاة في السفر - باب ما جاء في الصلاة على النبي وقالالر ٢٦٢/٦.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٨/١ بتصرف.
(٣) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٣٢/أ بتصرف.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٤٨/ب وما بعدها.
(٥) "تبيين الحقائق": مسائل شتى ٢٢٨/٦.