Indexed OCR Text

Pages 201-220

الجزء الثالث
١٩٧
واجبات الصلاة
صحَّةِ اقتداءِ المسافر بالمقيم بعد خروجِ الوقت وإنْ لم يكن قرأ الإمامُ في الشفعِ الأوَّلِ، ولو كانتْ
في الأخريين أداءً لجاز؛ لأنّه يكون اقتداءَ المفترضِ بالمفترض في حقِّ القراءة، فلمَّا لم يَجُزْ عُلِمَ أنَّها
قضاءٌ، وأنَّ الأخريين خَلَتا عن القراءة، وبوجوبِ القراءة على مسبوقٍ أدرَكَ إمامَهُ في الأخريين ولم
يكن قرأ في الأوليين، كذا في "البدائع"(١))) اهـ.
أقول: لي ههنا إشكالٌ، وهو أنَّه لا خلافَ عندنا في فرضيَّةِ القراءة في الصلاة، وإنما الكلامُ
في تعيين محلّها، وحاصلُ الأقوال الثلاثةِ أنَّ تعيينها في الأوليين فرضٌ أو واجبٌ أو سنّةٌ، وقد علمتَ
تصحيحَ القول الأوَّلِ، وحينئذٍ فلا يخلو: إِمَّ أنْ يرادَ أَنَّه فرضٌ قطعيٌّ أو فرضٌ عمليّ، وهو ما
يفوتُ الجوازُ بفوته، وعلى كلٌّ يلزمُ من عدمِ القراءة في الأوليين فسادُ الصلاة، كما لو أخَّرَ
الركوعَ عن السجود، ولا قائلَ بذلك عندنا، فيتعَّنُ المصيرُ إلى القول بالوجوب الذي عليه المتونُ.
والذي يظهرُ لي أنَّ في المسألة قولين فقط، وأنَّ القولَ الأَوَّلَ والثانيَ واحدٌ، فقولهم: محلُّها
الركعتان الأوليان عيناً معناه أنَّ التعيين فيهما واجبٌ، وهو المرادُ بالقول الثاني، فيكون تأخيرُ
القراءة إلى الأخريين قضاءً مثلَ تأخيرِ السجدة من الرَّكعة الأولى إلى آخرِ الصلاة، ويقابلُ ذلك
القولُ بأنَّ تعيين الأوليين أفضلُ، وعليه فالقراءةُ في الأخريين أداءٌ لا قضاءٌ، وهما القولان
[١/ق ٣٥٨/ب] اللَّذان ذكَرَهما صاحب "البحر" في سجود السهو عن "البدائع"، ويدلُّ لذلك أنَّ
صاحب "المنية"(٢) ذكَرَ من واجبات الصلاة تعيينَ القراءة في الأوليين، فقال في "الحلبة"(٣): ((وهذا
عند القائلين بأنَّ محلّها الركعتان الأوليان عيناً، وقد عرفتَ أَنَّه الصحيحُ، وعليه مشى في
"الخلاصة"(٤) و"الكافي"(٥)، وأمَّا عند القائلين بأنَّ محلّها ركعتان منها بغيرِ أعيانهما فظاهرُ قولهم:
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل بيان المتروك سهواً هل يُقضَى أَوْ لا؟ ١٧١/١.
(٢) انظر "شرح المنية الكبير": واجبات الصلاة صـ٢٩٥ -.
(٣) "الحلبة": واجبات الصلاة ٢/ق ٧٩/أ.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني: في المقدمة وآداب الصلاة وفرائضها وسننها وواجباتها ق١٨/أ.
(٥) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٢٥/أ.

قسم العبادات
١٩٨
حاشية ابن عابدين
على) كلِّ (السُّورة).
إنَّ القراءة في الأوليين أفضلُ أَنَّه ليس بواجبٍ، بل الظاهرُ أَنَّه سنَّةٌ، وغيرُ خافٍ أنَّ ثمرة الخلاف
تظهرُ في وجوبِ سجود السهو إذا ترَكَها في الأوليين أو في إحداهما سهواً لتأخيرِ الواجب سهواً
عن محلّه، وعلى السنّةِ لا يجبُ)). اهـ ملخّصاً.
وهو صريحٌ في أنَّ الأقوال اثنان لا ثلاثةٌ، وفي أنَّ المراد بالقول بأنَّ محلَّ القراءة الأوليان عيناً
هو الوجوبُ لا الافتراضُ.
وظهَرَ بهذا أنَّ صاحب "البحر" لم يُصِبْ في بيانِ الأقوال ولا في التفريع عليها، كما لم
يُصِبْ مَنْ نَقَلَ عبارتَهُ على غيرِ وجهها، وبما قرَّرناه ارتفعَ الإشكالُ وَتَّضَحَ الحالُ.
والحاصلُ: أَنّه قيل: إنَّ محلّ القراءة ركعتان من الفرض غيرُ عينٍ، وكونُها في الأوليين أفضلُ،
وقيل: إنَّ محلّها الأوليان منه عيناً، فيجبُ كونُها فيهما، وهو المشهورُ في المذهب الذي عليه المتون،
وهو المصحَّحُ، وعلمتَ تأييدَه بما مرَّ(١) في عبارة "البحر" عن "البدائع" من مسألة المسافر والمسبوق،
وقال "القُهُستانيُ)(٢): ((إنّه الصحيحُ من مذهبِ أصحابنا))، فلا جرَمَ قال "الشارح": ((على
المذهب))، فافهم، الحمدُ لله على التوفيقِ والهداية إلى أقوم طريق.
(٣٩٦١) (قولُهُ: على كلِّ السُّورةِ) حتى قالوا: لو قرأ حرفاً من السورة ساهياً، ثم تذكَّرَ يقرأ
الفاتحةَ ثم السورةً، ويلزمُهُ سجودُ السهو، "بحر "(٣). وهل المرادُ بالحرف حقيقتُهُ أو الكلمةُ؟ يُراجَعُ،
ثم رأيتُ في سهو "البحر" قال بعدَ ما مرَّ: ((وقَّدَهُ في "فتح القدير "(٤) بأن يكون مقدارَ ما يتأدَّى
به ركنٌ) اهـ. أي: لأنَّ الظاهر أنَّ العلّة هي تأخيرُ الابتداء بالفاتحة، والتأخيرُ اليسيرُ - وهو ما دون
ركنٍ - معفوٌّ عنه، تأمَّلْ.
(١) في هذه المقولة.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فرائض الصلاة ٨٦/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١٠١/٢ بتصرف نقلاً عن "المجتبى".
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٣٨/١.

الجزء الثالث
١٩٩
واجبات الصلاة
وكذا تركُ تكريرها قبل سورةِ الأُوليين (ورعايةُ الترتيب) بين القراءة والركوع
و(فيما يتكرَّرُ(١))
ثمَّ رأيتُ صاحب "الحلبة"(٢) أَيَّدَ ما بحثه شيخه في "الفتح" من القيدِ المذكور بما ذكروه من
الزيادة على التشهُّدِ في القعدةِ الأولى الموجبةِ للسَّهو بسببِ تأخيرِ القيام [١/ق ٣٥٩/أ] عن محلِّه،
وأنَّ غير واحدٍ من المشايخ قدَّرَها بمقدارِ أداءِ ركنٍ.
[٣٩٦٢) (قولُهُ: وكذا تركُ تكريرِها إلخ) فلو قرأها في ركعةٍ من الأوليين مرَّتين وجَبَ سجودُ
السهو لتأخيرِ الواجبِ، وهو السُّورة كما في "الذخيرة" وغيرها، وكذا لو قرأ أكثرَها ثم أعادَها
كما في "الظهيريَّة"(٣)، أمَّا لو قرأها قبل السُّورة مرَّةً وبعدها مرَّةً فلا يجبُ كما في "الخانَيَّة(٤)،
واختاره في "المحيط" و"الظهيريَّة"(٥) و"الخلاصة"(٦)، وصحَّحَهُ "الزاهديُّ" لعدمٍ لزوم التأخيرِ؛ لأنَّ
الركوع ليس واجباً بأثْرِ السُّورة، فإِنَّه لو جَمَعَ بين سورٍ بعد الفاتحة لا يجبُ عليه شيءٌ، كذا في
"البحر"(٧) هنا، وفي سجودِ السهو: ((قال في "شرح المنية"(٨). وقَّدَ بالأوليين لأنَّ الاقتصار على
مرَّةٍ في الأخريين ليس بواجبٍ، حتى لا يلزمُهُ سجودُ السهو بتكرارِ الفاتحة فيهما سهواً، ولو تعمَّدَهُ
لا يكرهُ ما لم يؤدِّ إلى التطويل على الجماعةِ أو إطالةِ الركعة على ما قبلها)) اهـ.
(٣٩٦٣) (قولُهُ: بين القراءةِ أو الركوعِ) يعني: في الفرض الغيرِ الثنائيِّ، ومعنى كونِهِ واجباً أنَّه
لو ركع قبل القراءة صحَّ ركوعُ هذه الركعةِ؛ لأَنّه لا يشترطُ في الركوع أنْ يكون مترتّباً
(١) في "د" و"و":(( تكرر)).
(٢) "الحلبة": واجبات الصلاة ٢/ق ٧٩/ب.
(٣) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الرابع - الفصل الثاني في الوتر والسهو ق ٣١/ب.
(٤) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيما يوجب السهو وما لا يوجب ١٢١/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الرابع - الفصل الثاني في الوتر والسهو ق ٣١/ب.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السادس عشر في السهو ق٤٣/ب.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٣/١، وباب سجود السهو ١٠١/٢-١٠٢.
(٨) "شرح المنية الكبير": واجبات الصلاة صـ٢٩٥ -٢٩٦ -.

قسم العبادات
٢٠٠
حاشية ابن عابدين
أمَّا فيما لا يتكرَّرُ ففرضٌ كما مرَّ (في كلِّ ركعةٍ ..
على قراءةٍ في كلِّ ركعةٍ، بخلاف الترتيبِ بين الركوع والسجود مثلاً، فإنَّه فرضٌ، حتى لو سجَدَ
قبل الركوع لم يصحَّ سجودُ هذه الركعة؛ لأنَّ أصل السجودِ يشترطُ ترتّبُه على الركوع في كلِّ
٣٠٩/١ ركعةٍ كترتَّبِ الركوعِ على القيام كذلك؛ لأنَّ القراءة لم تُفرَضْ في جميعِ ركعاتِ الفرض، بل في
ركعتين منه بلا تعيينٍ، أمَّا القيامُ والركوعُ والسجود فإِنَّها معيّنةٌ في كلِّ ركعةٍ، نعم القراءةُ فرضٌ،
ومحلُّها القيامُ من حيث هو، فإذا ضاقَ وقتها - بأنْ لم يقرأ في الأوليين - صار الترتيبُ بينها وبين
الركوع فرضاً لعدم إمكان تدارُكه، ولكنَّ فرضيَّة هذا الترتيبِ عارضةٌ بسببِ التأخير، فلذا لم
ينظروا إليه، واقتصروا على أنَّ الترتيب بينها واجبٌ؛ لأنَّ إيقاع القراءةِ في الأوليين واجبٌ، هذا
توضيحُ ما حقَّقَهُ في "الدُّرر)"(١).
والحاصلُ: أنَّ الترتيب المذكورَ واجبٌ في الركعتين الأوليين، وثمرّتُهُ فيما لو أخَّرَ القراءةَ إلى
الأخريين، وركع في كلّ من الأوليين بلا قراءةٍ أصلاً، أمَّا لو قرأ في الأوليين صار الترتيبُ فرضاً،
حتى لو تذكَّرَ السورةَ راكعاً، فعادَ وقرأها [١/ق ٣٥٩/ب] لزِمَ إعادةُ الركوع؛ لأنَّ السورة
التحقتْ بما قبلها، وصارت القراءةُ كلُّها فرضاً، فيلزمُ تأخيرُ الركوع عنها.
ويظهرُ من هذا أنَّ هذا الترتيبَ واجبٌ قبلَ وجودِ القراءة فرضٌ بعدَها، نظيرُهُ قراءةُ السورة،
فإِنَّها قبل قراءتها تسمَّى واجباً، وبعدها تسمَّى فرضاً، وحينئذٍ فيكون الأصلُ في هذا الترتيب
الوجوبَ، وفرضيُّهُ عارضةٌ كعُروضها فيما لو أخَّرَ القراءةً إلى الأخريين، لكنْ قد يقال: إنَّ هذا
الترتيبَ يُغني عنه وجوبُ تعيينِ القراءة في الأوليين، إلاَّ أنْ يقال: لَمَّا كان هذا التعيينُ لا يحصلُ إلاّ
بهذا الترتيبِ جعلوه واجباً آخرَ، فتدبّرْ.
[٣٩٦٤] (قولُهُ: أمَّا فيما لا يتكرَّرُ) أي: في كلِّ الصَّلاة أو في كلِّ ركعةٍ ففرضٌ، وذلك
كترتيبِ القيام والركوع والسجود والقعودِ الأخير كما علمتَهُ آنفاً، ومرَّ(٢) أيضاً عند قوله: ((وبقيَ
(١) "الدرر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٧٧/١.
(٢) صـ ١٦٧ - "در".

الجزء الثالث
٢٠١
واجبات الصلاة
من الفروض))، وبيناه هناك(١)، ولا يرِدُ على إطلاقه أنَّ القراءة مما لا يتكرَّرُ في كلِّ ركعةٍ مع أنَّ
ترتيبها على الركوع غيرُ فرضٍ؛ لأنَّ مراده بما لا يتكرَّرُ ما عداها بقرينةِ تصريحه قبيله بوجوبِ
ترتيبها، فلا مناقضةً في كلامه، فافهم.
فإِنْ قلتَ: ذكَرَ في "الكافي النسفيّ(٢) من باب سجود السهو: ((أَنَّه يجبُ بأشياءَ(٣)، منها
تقديمُ ركنٍ، بأنْ ركعَ قبل أنْ يقرأ، أو سحَدَ قبل أن يركع؛ لأنَّ مراعاة الترتيب واجبةٌ عندنا
خلافاً لـ "زفر"، فإذا ترَكَ الترتيبَ فقد ترك الواجبَ)) اهـ. ووقَعَ نظيرُهُ في "الذخيرة" مع أَنَّه في
"الكافي" (٤) ذكَرَ هنا: ((أَنَّ ترتيب القيامِ على الركوعِ والركوعِ على السجود فرضٌ؛ لأنَّ الصلاة
لا توجدُ إلاَّ بذلك)) اهـ.
قلتُ: أجابَ في "البحر "(٥): ((بأنَّ قولَهم هنا: إنَّ الترتيبَ شرطٌ معناه أنَّ الرُّكن الذي قدَّمَهُ
يلغو، ويلزمُهُ إعادته مرتّباً، حتى إذا سجَدَ قبل الركوع لا يُعتَدُّ بهذا السجودِ بالإجماع كما صرَّحَ
به في "النهاية"، فيشترطُ إِعادتُهُ، وقولَهم في سجود السهو: إنَّ الترتيب واجبٌ معناه أنَّ الصلاة بعد
إعادةِ ما قدَّمَهُ لا تفسُدُ بتركِ الترتيبِ صورةً الحاصلِ بزيادة ما قدَّمَهُ)).
والحاصلُ: أنَّ افتراض الترتيبِ معنى افتراض إعادةِ ما قدَّمَهُ، ووجوبَهُ بمعنى إيجابِ عدمٍ
الزيادة؛ لأنَّ زيادة [١/ق ٣٦٠/أ] ما دون ركعةٍ لا تُفسِدُ الصلاةَ، فكان واجباً لا فرضاً بخلاف
الأوَّلِ، وقد خفيَ هذا على "صدر الشريعة"(٦) حتى ظنَّ أنَّ الترتيب واجبٌ مطلقاً إلاَّ في تكبيرةٍ
الافتتاح والقعدةِ الأخيرة، وهو عجيبٌ لِما علمتَ من كلام "النهاية".
(١) المقولة [٣٩٠٨] قوله: ((وترتيب القيام على الركوع إلخ)).
(٢) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١/ق٤٤/أ باختصار.
(٣) ((بأشياء)) ساقطة من"آ".
(٤) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق٢٥/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٤/١-٣١٥ بتصرف.
(٦) "شرح الوقاية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٤٣/١ (هامش "كشف الحقائق").

قسم العبادات
٢٠٢
حاشية ابن عابدين
كالسجدة)
[٣٩٦٥] (قولُهُ: كالسَّجدةِ) الكافُ استقصائيّةٌ؛ إذ لم يتكرَّرْ في الرَّكعة سواها، ومثله
الكافُ في قوله: ((كعددٍ))، "ح"(١). والمرادُ بها السجدةُ الثانية من كلِّ ركعةٍ، فالترتيبُ بينها
وبين ما بعدها واجبٌ، قال في "شرح المنية"(٢): ((حتى لو ترَكَ سجدةً من ركعةٍ، ثم تذكَّرَها
فيما بعدها من قيامٍ أو ركوعٍ أو سجودٍ فإنَّه يقضيها، ولا يقضي ما فعَلَهُ قبل قضائها مما هو
بعدَ ركعتها من قيامٍ أو ركوعٍ أو سجودٍ، بل يلزمُهُ سجودُ السهو فقط، لكن اختُلِفَ في لزومٍ
قضاء ما تذكَّرَها فقضاها فيه، كما لو تذكَّرَ وهو راكعٌ أو ساجدٌ أنّه لم يسجدْ في الركعة التي
قبلها فإنَّه يسحُدُها، وهل يعيدُ الركوعَ أو السجودَ المتذكَّرَ فيه؟ ففي "الهداية"(٣): أنَّه لا تجبُ
إعادته بل تستحبُّ معلِّلاً بأنَّ الترتيب ليس بفرضٍ بين ما يتكرَّرُ من الأفعال، وفي "الخانَيَّة"(٤):
أَنَّه يعيدُهُ، وإلاَّ فسدَتْ صلاتُهُ معلِّلاً بأنَّه ارتفَضَ بالعَوْد إلى ما قبله من الأركان؛ لأنّه قبل الرفع
منه يُقبَلُ الرفضُ بخلاف ما لو تذكَّرَ السجدة بعدما رفَعَ من الركوع؛ لأَنّه بعدَما تَمَّ بالرفع
لا يُقَبَلُ الرفض(٥))) اهـ. ومثلُهُ في "الفتح"(٦).
قال في "البحر"(٧): ((فُعُلِمَ أنَّ الاختلاف في الإعادة ليس بناءً على اشتراطِ الترتيب وعدمِهِ،
بل على أنَّ الركن المتذكَّرَ فيه هل يرتفِضُ بالعَوْد إلى ما قبله من الأركان أوْ لا؟)) اهـ، تأمَّلُ".
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٥٠/أ.
(٢) "شرح المنية الكبير": واجبات الصلاة صـ٢٩٧ -.
(٣) "الهداية": كتاب الصلاة - باب الحدث في الصلاة ١٦١/١.
(٤) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيما يوجب السهو وما لا يوجبه ١٢٩/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٥) من ((بخلاف)) إلى ((الرفض )) ساقط من "الأصل".
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤١/١.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٦/١.
((قوله: تأمل)) وجه التأمُّل: أنَّ كلامَ "الهداية" صريحٌ في أنَّ الإعادةَ مبنيةٌ على أنَّ الترتيب ليس بفرض، وقد يجاب
بأنَّ الخلاف من الطرفين ليس مبنياً على ما ذكره؛ لأنَّ الخلاف من طرف "الهداية" مَيْنِيٌّ على أنَّ الترتيب ليس
بركن، والخلاف من طرف "الخانية" ليس مبنياً على أنَّه ركن، بل على الارتفاض. اهـ منه.

الجزء الثالث
٢٠٣
واجبات الصلاة
أو في كلّ الصلاة كعددِ ركعاتها،.
والمعتمدُ ما في "الهداية"، فقد جزَمَ به في "الكنز"(١) وغيره في آخرِ باب الاستخلاف،
وصرَّحَ في "البحر "(٢) بضعفِ ما في "الخانَيَّة".
هذا، والتقييدُ بالترتيب بينها وبين ما بعدها للاحتراز عمَّا قبلها من ركعتها، فإنَّ الترتيب بين
الرُّكوع والسجود من ركعةٍ واحدةٍ شرطٌ كما مرَّ(٣)، ونَبَّهَ عليه في "الفتح"(٤).
[٣٩٦٦] (قولُهُ: أو في كلِّ الصلاةِ كعددٍ ركعاتها) أي: أنَّ الترتيب بين الركعاتِ واجبٌ، قال
"الزيلعيُّ)) (٥): ((فإنَّ ما يقضيه [١/ق٣٦٠/ب] بعد فراغ الإمام أوَّلُ صلاته عندنا، ولو كان
الترتيبُ فرضاً لكان آخِراً)) اهـ.
وردَّهُ في "البحر"(٦): ((بأنَّه لا يصحُّ أنْ يدخل تحت الترتيبِ الواجب؛ إذ لا شيءَ على
المسبوق، ولا نقصَ في صلاته أصلاً، فلذا اقتصَرَ في "الكافي" على المتكرِّرِ في كلِّ ركعةٍ)) اهـ.
وكأنّه فهِمَ أنَّ مراد "الزيلعيِّ" أنَّ الترتيب المذكورَ واجبٌ على المسبوق، وليس كذلك، بل
٣١٠/١ مرادُهُ أَنَّه واجبٌ على غيره بدليل مسألةِ المسبوق(٧)، وبيانُ ذلك: أَنَّه لو اقتدى في ثالثةِ الرباعيَّةِ
مثلاً لا يجوزُ له أنْ يصلّيَ أوَّلَ صلاةٍ إمامه الذي فاتَهُ، ولو فعَلَ فسدت صلاتُهُ لانفراده في موضعٍ
(قولُهُ: قال "الزيلعيُّ": فإنَّ ما يقضيه إلخ) عبارتُهُ: ((أي: مكرَّرٌ في كلِّ ركعةٍ أو في جميعِ الصلاة
كعددِ ركعاتها، حتَّى لو نسيَ سجدةً من الركعة الأولى وقضاها في آخرِ صلاته جازَ، وكذا ما يقضيه
المسبوقُ بعد فراغ إلخ )).
(١) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة ٥٠/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الحدث في الصلاة ٤٠٥/١.
(٣) المقولة [٣٩٦٣] قوله: ((بين القراءة والركوع)).
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤١/١.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١٠٦/١.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٣/١.
(٧) من ((وليس كذلك)) إلى ((المسبوق)) ساقط من "الأصل".

قسم العبادات
٢٠٤
حاشية ابن عابدين
الاقتداء، بل يجبُ عليه متابعتُهُ فيما أدركه، ثم إذا سلَّمَ يقضي ما فاتَهُ، وهو أوَّلُ صلاته إلاّ من
حيث القعداتُ، فقد وجَبَ على المسبوق عكسُ الترتيب، ولو كان الترتيبُ فرضاً لكان ما يقضيه
آخِرَ صلاته حقيقةً من كلِّ وجهٍ، فلا يقرأ السورةَ ولا يجهرُ.
والدليلُ على ما قلنا من أنَّ مراد "الزيلعيّ" وجوبُ الترتيب على غير المسبوق ما في
"الفتح"(١) حيث قال: ((أو في كلِّ الصلاة كالركعات إلاَّ لضرورةِ الاقتداء، حيث يسقُطُ به
الترتيبُ، فإِنَّ المسبوق يصلّي آخِرَ الركعات قبل أوَّلِها)) اهـ.
فمَنْ ظنَّ أنَّ كلام "الفتح" مخالفٌ لكلام "الزيلعيِّ" فقد وهَمَ، نعم كلامُ "الفتح" أظهرُ في
المراد، فافهم.
فإِنْ قلتَ: وجوبُ الشيء إنما يصحُّ إذا أمكنَ ضدُّهُ، وعدمُ الترتيب بين الركعات غيرُ ممكنٍ،
فإنَّ المصلِّيَ كلُّ ركعةٍ أتى بها أوَّلاً فهي الأُولى، وثانياً فهي الثانيةُ وهكذا.
قلتُ: يمكنُ ذلك؛ لأنّه من الأمورِ الاعتباريَّةِ التي تبتني عليها أحكامٌ شرعيّةٌ إذا وُجِدَ معها
ما يقتضيها، فإذا صلَّى من الفرضِ الرباعيِّ ركعتين، وقصَدَ أنْ يجعلَهما الأخيرتين فهو لغوٌ إلاّ إذا
حقَّقَ قصدَهُ، بأنْ تركَ فيهما القراءةً وقرأ فيما بعدهما، فحينئذٍ يبتني عليه أحكامٌ شرعيَّةٌ، وهي
وجوبُ الإعادة والإِثمُ لوجودِ ما يقتضي تلك الأحكامَ، ولهذا اعتبرَ الشارعُ صلاةَ المسبوق غيرَ
مرتّةٍ من حيث الأقوالُ، فأوجَبَ عليه عكسَ الترتيب مع أنَّ كلَّ ركعةٍ أتى بها أوَّلاً فهي الأولى
صورةً، لكنها في الحكم ليستْ كذلك، فكما أوجَبَ الشارعُ عليه عكسَ [١/ق ٣٦١/أ] الترتيب
- بأنْ أمرَهُ بأنْ يفعل ما يبتني على ذلك من قراءةٍ وجهرٍ - كذلك أمَرَ غيرَهُ بالترتيب، بأنْ يفعل ما
يقتضيه، بأنْ يقرأ أوّلاً ويجهَرَ أو يُسِرَّ، وإذا خَلَفَ يكون قد عكَسَ الترتيبَ حكماً، ولهذا عبَّرَ
"المصنّف" كـ "الكنز"(٢) وغيره بقوله: ((ورعايةُ الترتيبٍ))، أي: ملاحظتُهُ باعتبارِ الإتيان بما يجبُ
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤١/١.
(٢) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٦/١.

الجزء الثالث
٢٠٥
واجبات الصلاة
أوَّلاً في الأوَّلِ أو آخِراً في الآخِرِ .
والحاصلُ: أنَّ المصلِّيَ إمَّا منفردٌ أو إمامٌ أو مأمومٌ، فالأوَّلان يظهرُ فيهما ثمرةُ الترتيب بما
ذكرنا، ولو سلَّمنا عدمَ ظهورِ الثمرة فيهما تظهرُ في المأموم، فإنَّه إِمَّا مُدرِكٌ، أو مسبوقٌ فقط، أو
لاحِقٌ فقط، أو مركَّبٌ على ما سيأتي(١) بيانُهُ في محلّه.
أمَّا المدرِكُ فهو تابعٌ لإمامه، فحكمُهُ حكمُهُ.
وأمَّا المسبوقُ فقد علمتَ أنَّ اللازم عليه عكسُ الترتيب.
وأمَّا اللاحقُ فالواجبُ عليه الترتيبُ بعكسِ المسبوق، وعند "زفر": الترتيبُ فرضٌ عليه، فإذا
أدرَكَ بعضَ صلاة الإِمام فنامَ فعليه أنْ يصلِّيَ أوَّلاً ما نام فيه بلا قراءةٍ ثم يتابعَ الإِمامَ، فلو تابعَهُ
أوَّلاً، ثم صلَّى ما نام فيه بعد سلام الإمام جاز عندنا، وأثِّمَ لتركِهِ الواجبَ، وعند "زفر" لا تصحُّ
صلاُهُ، قال في "السِّراج(٢) عن "الفتاوى": ((المسبوقُ إنْ بدأ بقضاءِ ما فاتَهُ فإِنَّه تفسُدُ صلاته،
وهو الأصحُّ، واللاحقُ إذا تابَعَ الإِمامَ قبل قضاء ما فاتَّهُ لا تفسُدُ خلافاً لـ "زفر")) اهـ.
وأمَّا المركَّبُ = كما لو اقتدى في ثانيةِ الفجر، فنام إلى أنْ سلَّمَ الإِمامُ، فهذا لاحقٌ
ومسبوقٌ ولم يصلِّ شيئاً - فيصلِّي أوَّلاً الركعةَ التي نام فيها بلا قراءةٍ، ثم التي سُبِقَ بها
بقراءةٍ، وإِنْ عكَسَ صحَّ وأثِمَ لتركه الترتيبَ الواجبَ، فيجبُ عليه إعادةُ الصلاة سواءٌ كان
عامداً لأدائها مع كراهةِ التحريم، أو ساهياً لعدمٍ إمكانِ الجبر بسجودِ السهو؛ لأنَّ ختامَ صلاته
وقَعَ بما لَحِقَ فيه، واللاحقُ ممنوعٌ عن سجودٍ السهو؛ لأَنَّه خلْفَ الإِمام حكماً، فثبَتَ بهذا أنَّ
اللاحق بنوعيه قد أوجبوا عليه الترتيبَ كما ألزموا المسبوقَ بعكسه، وليس ذلك إلاَّ من حيث
الاعتبارُ والحكمُ لا من حيث الصُّورةُ، فافهم.
(١) المقولة [٤٩٧٥] قوله: ((واعلم أن المدرك إلخ)).
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١/ق٢٣٨/أ باختصار

قسم العبادات
٢٠٦
حاشية ابن عابدين
حَتَّى لو نَسِيَ سحدةً من الأُولى قضاها ولو بعدَ السلام قبل الكلام، لكنّه يتشهَّدُ
ثُمَّ يسحُدُ للسهو ثم يتشهَّدُ؛ لأَنَّه يبطُلُ بالعَوْدِ إلى الصلبيَّة والتلاويَّةِ، أمّا السهويَّةُ ..
[٣٩٦٧] (قولُهُ: حَتَّى لو نسِيَ إلخ) تفريعٌ على قوله: [١/ق٣٦١/ب] ((كالسَّحدة)).
[٣٩٦٨] (قولُهُ: من الأُولى) ليس بقيدٍ، وخصَّها لُبُعدِها من الآخِرِ، "ط)" (١).
[٣٩٦٩] (قولُهُ: قبلَ الكلام) المرادُ: قبل إتيانِهِ مفسِدٍ، "ط)" (٢).
[٣٩٧٠] (قولُهُ: لكنَّه يتشهَّدُ) أي: يقرأ التشهُّدَ إلى عبدُهُ ورسولُهُ فقط، ويُتِمُّه بالصَّلوات
والدَّعَوات في تشهُّدِ السهوِ على الأصحِّ، "ط"(٣).
[٣٩٧١] (قولُهُ: ثُمَّ يتشهَّدُ) أي: وجوباً، وسكَتَ عن القعدة لأنَّ التشهُّدَ يستلزمُها؛ لأَنَّه لا
يوجدُ إِلاَّ فيها، تأمَّلْ.
[٣٩٧٢) (قولُهُ: لأَنّه يبطُلُ إلخ) أي: لأنَّ التشهُّدَ(٤)، يعني: مع القعدة بقرينةٍ قوله: ((أمَّا
السهويَّةُ فَتَرفعُ التشهُّدَ لا القعدةَ))، "ح"(٥). أمَّا بطلانُ القعدة بالعَوْدِ إلى الصليَّةِ - أي: السجدةِ
التي هي من صُلبِ الصلاة، أي: جزءٌ منها - فلاشتراطِ الترتيبِ بين القعدة وما قبلها؛ لأنّها
لا تكون أخيرةً إلاَّ إتمامٍ سائرِ الأركان، وأمَّا بطلانُها بالعَوْدِ إلى التلاويَّة فقال "ط)"(٦): ((لأنَّ
التلاويَّةَ لَمَّا وقعتْ في الصلاة أُعطيَتْ حكمَ الصلبيَّةِ بخلاف ما إذا ترَكَها أصلاً))، وقال
"الرَّحمتَيُّ": ((لأَنّها تابعةٌ للقراءة التي هي ركزٌ، فأخذتْ حكمَ القراءة، فلزِمَ تأخيرُ القعدة عنها)).
[٣٩٧٣] (قولُهُ: أمَّ السَّهويَّةُ) أي: السجدةُ السهويّةُ، والمرادُ الجنسُ لأَنَّها سجدتان، "ط)"(٧).
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٩/١.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٩/١.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٩/١.
(٤) من (( يستلزمها )) إلى ((التشهد )) ساقط من "الأصل".
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٨/ب.
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٩/١.
(٧) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٩/١.

الجزء الثالث
٢٠٧
واجبات الصلاة
فترفعُ التشهُّدَ لا القعدة، حتّى لو سلَّمَ بمجرَّدٍ رفعه منها لم تفسُدْ بخلاف تلك السجدتين.
(وتعديلُ الأركان) أي: تسكينُ الجوارح قدْرَ تسبيحةٍ في الركوع والسجود،.
(٣٩٧٤] (قولُهُ: فترفعُ التشهُّدَ) أي: تُبطِلُهُ؛ لأَنَّه واجبٌ مثلها فتحبُ إعادته، وإنما لا ترفعُ
القعدةَ لأَنّها ركنٌ، فهي أقوى منها.
[٣٩٧٥] (قولُهُ: بمجرَّدٍ رفعِهِ منها) أي: من السهويَّةِ بلا قعودٍ ولا تشهُّدٍ لم تفسُدْ صلاته؛ لأنَّ
القعدةَ الرُّكنَ لم ترتفع، فلا تفسُدُ صلاتُهُ بترك التشهُّدِ الواجب.
[٣٩٧٦) (قولُهُ: بخلافِ تلك السجدتين) أي: الصليَّةِ والتلاويَّة، فإنَّه لو سلَّمَ بمجرَّدٍ رفعه
منهما تفسُدُ صلاته لرفعهما القعدةَ.
مطلبٌ: قد يشارُ إلى المثنّى باسم الإشارة الموضوعِ للمفرد
( تنبيةٌ)
قد يشارُ إلى المتّى باسمِ الإشارة الموضوعِ للمفرد كما هنا، ومثلُهُ قوله تعالى:
٣١١/١
﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ [البقرة - ٦٨]، أي: بين الفارِضِ والبكر، وقولُ الشاعر(١).
إِنَّ للخيرِ وللشَّرِّ مدىَّ وكِلا ذلك وجَةٌ وَقَبَلْ
فافهم.
[٣٩٧٧] (قولُهُ: وتعديلُ الأركان) هو سنة عندهما [١/ق ٣٦٢/أ] في تخريجِ "الجرجانيّ"،
(قولُهُ: قد يشارُ إلى المثَّى باسم الإشارة إلخ) لا يظهرُ صحَّةُ الإشارة باسم الإشارة الموضوع
للمفرد لذكر المشار إليه المثنى بعدَهُ بخلاف الآية والنظم لتقدُّم المشار إليه، فيُؤوَّلُ بالمذكور.
(قولُهُ: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ أي: بين الفَارِض والبِكْر) الفارضُ المسِنّة، والبكرُ الفتَّة، والعوانُ
التي نتجت بعد بطنها البكر، "قاموس".
(١) القائل عبد الله بن الزِّبَعْرى، قال ذلك يومَ أُحُد وهو مشرك، ثم أسلم. ديوانه صـ ٤١-، "البداية والنهاية" ٥٧/٤،
"شرح ابن عقيل" ٦٢/٣، "شرح الأشموني" ٢٦٠/٢.

٢٠٨
-
قسم العبادات
حاشية ابن عابدين
وكذا في الرفعِ منهما على ما اختارَهُ "الكمالُ"، ..
٠٠
....
وفي تخريجِ(١) "الكرخيِّ" واجبٌ، حتى تجبُ سجدتا السهوِ بتركه، كذا في "الهداية"(٢)، وجزَمَ
بالثاني في "الكنز"(٣) و"الوقاية" و"الملتقى"(٤)، وهو مقتضى الأدلّةِ كما يأتي(٥)، قال في
"البحر "(٦): ((وبهذا يضعُفُ قولُ "الجرجانيِّ")).
[٣٩٧٨] (قولُهُ: وكذا في الرَّفعِ منهما) أي: يجبُ التعديلُ أيضاً في القَومة من الرُّكوع
والجلسةِ بين السَّجدتين، وتضمَّنَ كلامُهُ وجوبَ نفس القَومة والجلسة أيضاً؛ لأَنَّه يلزمُ من
وجوبِ التعديل فيهما وجوبُهما.
[٣٩٧٩] (قولُهُ: على ما اختارَهُ "الكمالُ"(٧)) قال في "البحر)"(٨): ((ومقتضى الدليلِ
وجوبُ الطُّمأنينة في الأربعةِ - أي: في الرُّكوع والسجود، وفي القَومة والجلسة - ووجوبُ نفسِ
الرَّفْع من الركوع والجلوسِ بين السجدتين للمواظبة على ذلك كلِّه، وللأمرِ في حديثِ المسيء
صلاتَهُ(٩)، ولِما ذَكَرَهُ "قاضي خان"(١٠) من لزومٍ سجودِ السهو بتركِ الرفع من الركوع
ساهياً، وكذا في "المحيط"، فيكونُ حكمُ الجلسة بين السجدتين كذلك؛ لأنَّ الكلام فيهما
واحدٌ، والقولُ بوجوب الكلِّ هو مختارُ المحقّق "ابن الهمام"(١١) وتلميذِهِ "ابن أمير حاج"(١٢)،
حتى قال: إنَّه الصواب، والله الموفقُ للصواب)) اهـ.
(١) ((تخريج)) ساقطة من "آ".
(٢) "الهداية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٥٠/١.
(٣) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٦/١.
(٤) "ملتقى الأبحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٧٠/١.
(٥) المقولة [٣٩٧٩] قوله: ((على ما اختاره الكمال)).
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٦/١.
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٦٣/١.
(٨) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٧/١.
(٩) تقدم تخريجه صـ ١٧٢ -.
(١٠) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيما يوجب السهو وما لا يوجبه ١٢٣/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(١١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٦٣/١.
(١٢) "الحلبة": مقدمة - فرائض الصلاة ٢/ق ٤٤/أ.

الجزء الثالث
٢٠٩
واجبات الصلاة
مطلبٌ: لا ينبغي أنْ يُعدَلَ عن الدِّراية إذا وافقَتْها روايةٌ
وقال في "شرح المنية"(١): ((ولا ينبغي أنْ يُعدَلَ عن الدِّراية" - أي: الدليلِ - إذا وافَقَها روايةٌ
على ما تقدَّمَ عن "فتاوى قاضي خان"))، ومثلُهُ ما ذكَرَ في "القنية"(٢) من قوله: ((وقد شدَّدَ
"القاضي الصَّرُ)(٣) في "شرحه" في تعديلِ الأركان جميعها تشديداً بليغاً فقال: وإكمالُ كلِّ ركنٍ
واجبٌ عند "أبي حنيفة" و"محمَّدٍ"، وعند "أبي يوسف" و"الشافعيّ" فريضةٌ، فيمكُثُ في الركوع
والسجود وفي القومة بينهما حتى يطمئنَّ كلُّ عضوٍ منه، هذا هو الواجبُ عند "أبي حنيفة"
و"محمَّدٍ"، حتى لو ترَكَها أو شيئاً منها ساهياً يلزمُهُ السَّهو، ولو عمداً يكرهُ أشدَّ الكراهة، ويلزمُهُ
أنْ يعيدَ الصلاةَ، وتكون معتبرةً في حقِّ سقوطِ الترتيب ونحوه كمن طافَ جنباً تلزمُهُ الإعادة،
والمعتبرُ الأوَّلُ، كذا هذا)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ الأصحَّ روايةً ودرايةً وجوبُ تعديلِ الأركان، وأمَّا القومةُ والجلسةُ وتعديلُهما
فالمشهورُ في المذهب السنيّةُ، ورُوِيَ وجوبُها، وهو الموافقُ للأدَّة، وعليه "الكمالُ" ومَنْ بعده من
المتأخّرين، وقد علمتَ قول تلميذه: ((إِنَّه الصواب))، وقال "أبو يوسف" بفرضَّةِ الكلِّ، واختاره
في "المجمع" و"العيني"(٤)، ورواه "الطحاويُّ"(٥) عن أئمَّتنا الثلاثة، وقال في [١/ق٣٦٢/ب]
(١) "شرح المنية الكبير": أركان الصلاة - الثامن: تعديل الأركان صـ٢٩٥ -.
: قوله: «الدراية» المراد بالدراية بالدال المهملة في أولها: العلم الحاصل من أحد النصوص الشرعية الصحيحة. اهـ منه.
(٢) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيما يتعلق بالقيام والركوع والسجود ق١٣/ب.
(٣) لم نعثر له على ترجمة فيما بين أيدينا من المصادر، اللهمَّ إلّ ما ذكره في "الجواهر المضية" ٤٠٧/٤ من قوله: ((صدر
القضاة الإِمام العالم، قال أصحابنا: تفقّه وطَلَبَ العلم على الأب، ذكره في "القنية"، له شرح "الجامع الصغير"،
قلت: لا أدري أهو الصدر العالم المذكور قبله أم لا؟)). نقول: المذكور قبله هو: الصَّدْرُ جهان محمد بن
عبد العزيز بن محمد الملقب بالصدر العالم، وفي "كشف الظنون" ٥٦٢/١ عند الكلام على "الجامع الصغير":
((وشَرَحَه صدرُ القضاة الإِمامُ العالم)).
(٤) "رمز الحقائق": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٧/١.
(٥) لم نعثر على هذه الرواية في كتب الطّحاويّ التي بين أيدينا.

قسم العبادات
٢١٠
حاشية ابن عابدين
لكنَّ المشهور أنَّ مكمِّلَ الفرض واجبٌ، ومكمِّلَ الواجب سنة،
"الفيض": ((إنَّه الأحوطُ)) اهـ.
وهو مذهبُ "مالكٍ" و "الشافعيِّ" و"أحمد"، والعلاَّمة "البركليّ" رسالةٌ سَمَّاها "معدلَ
الصلاة(١)، أوضَحَ المسألةَ فيها غايةَ الإيضاح، وبسَطَ فيها أدلّةَ الوجوب، وذكَرَ ما يترتَّبُ على
تركِ ذلك من الآفات، وأوصَلَها إلى ثلاثين آفةً، ومن المكروهاتِ الحاصلة في صلاةٍ يومٍ وليلةٍ،
وأوصَلَها إلى أكثرَ من ثلثمائةٍ وخمسين مكروهاً، فينبغي مراجعتُها ومطالعتُها.
[٣٩٨٠] (قولُهُ: لكنَّ المشهورَ إلخ) استدراكٌ على قوله: ((وكذا في الرَّفْعِ منهما)).
وحاصلُهُ: أنَّ وجوب تعديلِ الركوع والسجود ظاهرٌ موافقٌ للقاعدة المشهورة؛ لأنَّ التعديل
مكمّلٌ لهما، أمَّا وجوبُ تعديلِ القومة والجلسة فغيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ القومة والجلسة إذا كانتا واجبتين
- على ما اختاره "الكمالُ" - يلزمُ أنْ يكون التعديلُ فيهما سنَّةً؛ لأنَّ مكمِّلَ الواجب يكون سنّةً،
فهذه القاعدةُ لا توافق مختارَ "الكمال"؛ لأَنَّه الوجوبُ في الكلِّ، ولا ما رواه "الطحاويُّ" عنهم؛
لِأَنَّه الغرضُ في الكلِّ، ولا ما هو المشهورُ عن "أبي حنيفة" و"محمَّدٍ"؛ لأَنَّه إمَّا السنيّةُ في الكلِّ
على تخريج "الجرجانيّ"، أو الوجوبُ في تعديلِ الأركان والسنّةُ في الباقي على تخريج "الكرخيّ"؛
لأَنَّه فصَلَ - كما في "شرح المنية"(٢) وغيره - بين الطَّمأنينة في الركوع والسجود وبين القومة
والجلسة: ((بأنَّ الأُولى مكمِلةٌ للركن المقصودِ لذاته وهو الركوعُ والسجود، والأخيرتين مكمّلتان
للركن المقصودٍ (٣) لغيره وهو الانتقالُ"، فكانا سنَّتين إظهاراً للتَّفاوت بين المكمِّلتين)) اهـ، فافهم.
(١) "معدل الصلاة": للمولى محمد بن بير علي، تقيّ الدين المعروف بالبِرْكِلِيّ أوالبرِ كِوِيّ(ت ٩٨١هـ). ("كشف
الظنون" ١٧٣٧/٢، "العقد المنظوم" صـ٤٣٦-، (ذيل الشقائق النعمانية)، "الأعلام" ٦١/٦).
(٢) "شرح المنية الكبير": أركان الصلاة - الثامن: تعديل الأركان صـ ٢٩٥ -.
(٣) من (( لذاته )) إلى (( المقصود )) ساقط من "الأصل".
؟ قوله: ((هو الانتقال)) أي: الانتقال من ركن إلى ركن، الذي مرَّ عدُّه في الفرائض، وهو ركن مقصود لغيره؛ لأن
افتراض الانتقال من الركوع مثلاً لأجل الإتيان بالسجود؛ إذ لو دام راكعاً لم يتحقق السجود كما قدمناه هناك،
وهو دون الفرض المقصود لذاته فيكون مكمّله سنةً، ومكمّلُ الأول واجباً إظهاراً للتفاوت بينهما. اهـ منه

الجزء الثالث
٢١١
واجبات الصلاة
وعند "الثاني": الأربعةُ فرضٌ.
(والقعودُ الأَوَّلُ) ولو في نقلٍ في الأصحِّ،
وأجابَ "ح"(١): ((بأنّه لا يضرُّ مخالفةُ القاعدة حيث اقتضاها الدليلُ)).
أقولُ: على أنَّ ما ذكَرَهُ "الشارح" من القاعدة مأخوذٌ من "الدرر"(٢)، واعترضَهُ في
"العزمِيَّة"(٣): ((بأَنَّه ليس له وجهُ صحَّةٍ))، قال: ((ولعلَّ منشأه ما في "الخلاصة"(٤): من أنَّ الواجبَ
إكمالٌ للفرائض، والسُّنْنَ إكمالٌ للواجبات، والآدابَ إكمالٌ للسُّنن، ولا يذهبُ عليك أنَّه ليس
معناه ذلك، فليتدبَّرْ)) اهـ. أي: لأنَّ معناه أنَّ الواجب شُرِعَ لإكمالِ الفرائض إلخ، لا أنَّ كلَّ ما
يُكمِلُ الفرضَ يكون واجباً وهكذا.
[٣٩٨١] (قولُهُ: وعند "الثاني": الأربعةُ فرضٌ) أي: عمليٌّ يفُوتُ الجوازُ بفَوته كما قدَّمنا(٥)
بيانَهُ في آخرِ بحث الفرائض.
[٣٩٨٢] (قولُهُ: ولو في نقلٍ) لأَنَّه وإنْ كان كلُّ شفعٍ منه صلاةً [١/ق٣٦٣/أ] على
حدةٍ، حتى افْتُرِضت القراءةُ في جميعه لكنَّ القعدة إنما فُرِضَتْ للخروج من الصلاة، فإذا قام
إلى الثالثةِ تبيَّنَ أنَّ ما قبلها لم يكن أوانَ الخروج من الصلاة، فلم تبقَ القعدةُ فريضةً، وتمامُهُ في
" ح"(٦) عن وتر "البحر"(٧).
[٣٩٨٣] (قولُهُ: في الأصحِّ) خلافاً لـ "محمَّدٍ" في افتراضِهِ قعدةً كلِّ شفعِ نفلٍ، ولـ "الطحاويِّ"
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٨/ب.
(٢) "الدرر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٧١/١.
(٣) لعلها حاشية مصطفى بن بير محمد المعروف بعزمي زاده الروميّ (ت١٠٤٠ هـ) على "الدرر والغرر"
لِمُلّ حُسْرُو(ت ٨٨٥هـ). ("كشف الظنون" ١١٩٩/٢، "خلاصة الأثر" ٣٩٠/٤،"هدية العارفين" ٤٤٠/٢).
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في المقدمة وآداب الصلاة وفرائضها وسننها وواجباتها ق ١٨/أ.
(٥) المقولة [٣٩١٦] قوله: ((وبسطناه في الخزائن)).
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٨/ب وما بعدها.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة ٦١/٢.

قسم العبادات
٢١٢
حاشية ابن عابدين
وكذا تركُ الزيادة فيه على التشهُّدِ، وأرادَ بالأوَّلِ غيرَ الأخيرِ، لكنْ يَرِدُ عليه لو
استخلف مسافرٌ سَبَقَهُ الحدثُ مقيماً فإنَّ القعود الأوَّلَ فرضٌ عليه، .
٣١٢/١
و"الكرخيِّ" في قولهما: ((إنَّها في غيرِ النفل سنّةٌ))، لكنْ في "النهر"(١): ((قال في "البدائع"(٢):
وأكثرُ مشايخنا يُطلِقِون عليه اسمَ السنَّة، إِمَّا لأنَّ وجوبه عُرِفَ بها، أو لأنَّ المؤكدة في معنى
الواجب، وهذا يقتضي رفعَ الخلاف)).
[٣٩٨٤] (قولُهُ: وكذا تركُ الرِّيادةِ فيه على التشهُّدِ) ضميرُ ((فيه)) لا يصحُّ إرجاعُهُ للتشهُّدِ
خلافاً لِمَن وهَمَ وإنْ كان تركُ الزيادة فيه - أي: في أثناءِ كلماته - واجباً أيضاً كتركِ الزيادة عليه،
أي: بعد تمامِهِ كما سيأتي(٣)، فيتعيّنُ ما قاله "ح (٤) من إرجاعِهِ للقعود الأوَّلِ، أي: في الفرض
والسنَّةِ المؤكَّدة؛ لأَنَّها في النفل مطلوبٌ، وأقلُّ الزيادة المفوَّةِ للواجب مقدارُ: اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ
فقط على المذهب كما سيأتي في الفصل الآتي(٥).
[٣٩٨٥] (قولُهُ: وأرادَ بالأوَّلِ غيرَ الأخيرِ) ليشملَ ما إذا صلَّى ألفَ ركعةٍ من النفل بتسليمةٍ
واحدةٍ، فإنَّ ما عدا القعودَ الأخيرَ واجبٌ، ومفهومُهُ فرضيَّةُ كلِّ قعودٍ أخيرٍ في أيِّ صلاةٍ كانت،
ويُستثنى منه القعودُ الذي بعد سجودِ السهو، فإِنَّه واجبٌ لا فرضٌ؛ لِما سيأتي من أَنَّه يرفعُ التشهُّدَ
(قولُهُ: وهذا يقتضي رفعَ الخلاف) هذا ظاهرٌ على الأوَّل لا الثاني، فإِنَّ من قال بالوجوب أرادَ
حقيقته حتّى أوجَبَ بالترك سجود السهو، ومن قال بالسنيّة لا يقولُ بالسجود وإن كانت المؤكَّدة في
معنى الواجب، نعم يتمُّ ذلك إذا قال بوجوبه.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٤٣/أ.
(٢) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الواجبات الأصلية في الصلاة ١٦٣/١ بتصرف.
(٣) صـ ٣٦٦ - "در".
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٥٩/أ.
(٥) صـ ٣٦٧ - "در".

الجزء الثالث
٢١٣
واجبات الصلاة
وقد يجابُ بأنّه عارِضٌ.
لا القعدةَ، ومعلومٌ أنَّ التشهُّدَ يستلزِمُ القعدةَ، فهي واجبةٌ، "ح"(١).
[٣٩٨٦] (قولُهُ: وقد يجابُ بأنَّه عارِضٌ) أي: بسببِ الاستخلاف، فإِنَّ المسافر يُفترَضُ قعودُهُ
على رأسِ الركعتين؛ لأنّه آخرُ صلاته، والمقيمُ بالاستخلافِ قام مَقامه، فتُفرَضُ عليه هذه القعدةُ
كالقعدة الثانية، قيل: ويجابُ بهذا أيضاً عن المسبوقِ كما لو اقتدى بالإمام في ثانيةِ المغرب، فإنَّ
القعود الثانيَ مما عدا الأخيرَ فُرِضَ عليه(٢) متابعةِ الإِمام.
وحاصلُهُ: أنَّ قعود الإِمام الأخيرَ يفترضُ على المسبوق بمتابعته لإمامِهِ، فهو عارِضٌ بالاقتداء.
وأقولُ: هذا مخالفٌ لِما في "البحر"(٣) و"النهر "(٤) من قولهما: ((أراد بالأوَّلِ ما ليس
بآخِرِ؛ إذ المسبوقُ بثلاثٍ في الرباعيَّة يقعُدُ [١/ق٣٦٣/ب] ثلاثَ قعداتٍ، والواجبُ منها ما
عدا الأخيرةَ)) اهـ.
(قولُهُ: أي: بسببِ الاستخلافِ إلخ) قال "الرَّحمتيُّ" : ((مجرَّدُ الاقتداء بالمسافر يصيرُ القعود فرضاً
عليه استخلَفَ أوْ لا )).
(قولُهُ: وأقول: هذا مخالفٌ لِما في "البحر" و"النهر" من قولهما إلخ) قد يقال: ما ذكرَهُ هذا القائلُ لا
يخالفِ ما في "البحر" و"النهر"؛ لأنَّ موضوع كلامه فيما إذا تابَعَ المسبوقُ إمامَهُ فيه بدليلٍ قوله: ((متابعته
الإِمامَ))، وقولُهُ في "البحر" و"النهر": ((يقعدُ ثلاثَ قعداتٍ، والواجبُ منها ما عدا الأخيرةَ )) معناه إذا لم
يتابعه في الثانية، وإلاّ كانت فرضاً أيضاً بدليل ما ذكرَهُ في الإمامة، وسيأتي له في الإمامة عن "الفتح": ((لو
قامَ قبل قدْرِ التشهُّدِ إنْ قرأ بعد فراغ الإمام من التشهُّدِ ما تجوزُ به الصلاة جازَ، وإلاّ فلا إلخ)).
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٩/أ.
(٢) ((عليه)) ساقطة من"آ" و"م".
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٧/١-٣١٨.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٤٣/أ.

قسم العبادات
٢١٤
حاشية ابن عابدين
(والتشهُّدان) ويسجدُ للسهو بتركِ بعضِه ككلِّه، وكذا في كلِّ قعدةٍ في الأصحِّ؛ إذ قد
يتكرَّرُ عشراً، كمَن أدرَكَ الإِمامَ
ويدلُّ عليه ما سيأتي(١) في الإمامةِ من أنَّ(٢) المسبوق لو قام قبل السَّلام قبلَ قعودِ إمامه قدْرَ
التشهُّدِ، فإنْ قرأ في قيامه قدْرَ ما تجوزُ به الصلاةُ بعد فراغِ الإِمام من التشهُّدِ جازتْ صلاته، وإلاّ
فلا، وسيأتي(٣) تمامُ بيانه، فلو كان القعودُ فرضاً عليه لَما صحَّ هذا التفصيل، ولَبطلتْ صلاته
مطلقاً، فافهم.
[٣٩٨٧) (قولُهُ: والتشهُّدان) أي: تشهُّدُ القعدةِ الأُولى وتشهُّدُ الأخيرةِ، والتشهُّدُ المرويُّ عن
"ابن مسعودٍ" لا يجبُ، بل هو أفضلُ من المرويِّ عن "ابن عباسٍ" وغيره خلافاً لِما بحنَهُ في "البحر"
كما سيأتي(٤) في الفصل الآتي.
[٣٩٨٨] (قولُهُ: بتركِ بعضِهِ ككلِّهِ) قال في "البحر" (٥) من باب سجود السهو: ((فإنّه
يجبُ سجودُ السهو بتركه ولو قليلاً في ظاهرِ الرواية؛ لأَنَّه ذِكْرٌ واحدٌ منظومٌ، فتركُ بعضِهِ
كترك كلِّه)) اهـ.
[٣٩٨٩] (قولُهُ: وكذا في كلِّ قعدةٍ) أشار به إلى التورُّكِ على المتن في تعبيره بالتثنية؛ إذ لو أفردَ
لكان اسمَ جنسٍ شاملاً لكلِّ تَشْهُّدٍ كما أشار إليه في "البحر"(٦)،"ح"(٧).
[٣٩٩٠] (قولُهُ: في الأصحِّ) مقابلُهُ ما قيل: إنَّه فيما عدا الأخيرةَ سنة.
(١) صــ ٦٤٧-٦٤٨ _.
(٢) (( أن )) ساقطة من"آ".
(٣) المقولة [٥٠٠٧] قوله: ((لا)).
(٤) المقولة [٤٣٥٩] قوله: ((كما بحثه في "البحر")).
(٥) "البحر": كتاب الصلاة ١٠٢/٢.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٨/١.
(٧) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٥٩/أ.

الجزء الثالث
٢١٥
واجبات الصلاة
في تشهُّدي المغربِ وعليه سهٌ، فسجَدَ معه وتشهَّدَ، ثمَّ تذكَّرَ سجودَ تلاوةٍ فسجَدَ معه
وتشهَّدَ، ثم سحَدَ للسهو وتشهَّدَ معه، ثم قَضَى الركعتين بتشهُّدين ووقَعَ له كذلك.
قلتُ: ومثلُ التلاويَّةِ تذكِّرُ الصُّلبيَّةِ، فلو فَرَضنا تذكُّرَها أيضاً.
[٣٩٩١) (قولُهُ: في تشهُّدىِ المغربِ) أي: اقتدى به في التشهُّدِ الأوَّلِ من تشهُّدي المغرب،
فیکونُ قد أدر كه في التشُّدین.
وقولُهُ: ((وعليه)) أي: على الإمامِ ((سهوٌ فسحَدَ)) أي: المأمومُ ((معه)) أي: مع الإمامِ
الوجوب المتابعةِ عليه ((وتشهَّدَ)) أي: المأمومُ مع الإمام؛ لأنَّ سجود السهو يرفعُ التشهُّدَ ((ثم
تذكَّرَ)) أي: الإمامُ ((سجودَ تلاوةٍ، فسحَدَ)) أي: المأمومُ مع الإمام؛ لأنَّ سجود التلاوة يرفعُ
القعدة ((ثم سجَدَ)) أي: المأمومُ مع الإمام ((للسَّهوِ)) لأنَّ سجود السهو لا يُعتَدُّ به إلاَّ إذا وقَعَ
خاتماً لأفعالِ الصلاة ((وتشهَّدَ)) أي: المأمومُ مع الإمام؛ لأنَّ سجود السهو يرفعُ التشهُّدَ ((ثم
قضى)) أي: المأمومُ ((الركعتين بتشهُّدين)) لِما قدَّمنا من أنَّ المسبوق يقضي آخرَ صلاته من حيث
الأفعالُ، فمِنْ هذه الحيثيّةِ ما صلاَّه مع الإمامِ آخرُ صلاته، فإذا أتى بركعةٍ مما عليه كانت ثانيةً
صلاِهِ، فيقعدُ ثم يأتي بركعةٍ ويقعدُ. اهـ "ح"(١).
[٣٩٩٢] (قولُهُ: ووقَعَ له(٢) أي: للمأموم، [١/ق ٣٦٤/أ] ((كذلك)) أي: مثلُ ما وقَعَ
للإمام، بأنْ سها فيما يقضيه، فسجَدَ له وتشهَّدَ، ثم تذكَّرَ سجودَ تلاوةٍ فسحَدَهُ وتشهَّدَ، ثم سجَدَ
للسهو وتشهَّدَ لِما ذكرنا، "ح"(٣).
[٣٩٩٣] (قولُهُ: ومثلُ التلاويَّةِ تذكُّرُ الصلبَّةِ) أي: في إبطال القعدة قبلها وإعادةِ سجود
السهو، "ط " (٤).
(قولُهُ: آخِرَ صلاتِهِ) حقُّه: أوَّلَ كما هو ظاهرٌ.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٩/أ.
(٢) (( له )) ساقطة من"آ".
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٩/أ.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢١٠/١.

قسم العبادات
٢١٦
حاشية ابن عابدين
لهما زِيْدَ أربعٌ أخرُ لِما مرَّ، ولو فَرَضنا تعدُّدَ التلاويَّة والصلبَّة لهما أيضاً زيْدَ ستٌّ أيضاً،
[٣٩٩٤] (قولُهُ: لهما) أي: للإمامِ والمأموم.
[٣٩٩٥] (قولُهُ: زِيدَ أربعٌ) وذلك بأنْ تذكَّرَ الإمام الصُّلِيَّةَ بعد القعدة الخامسة، فسجَدَها
المأمومُ معه وتشهَّدَ لارتفاع القعدة، ثم سحَدَ معه للسهو وتشهَّدَ لِما قدَّمنا، ووقَعَ مثلُ ذلك
للمأموم، فتصيرُ أربعَ عشرةَ قعدةً، لكنَّ هذا إنما يكون إذا تراخى تذكِّرُ الصُّلِيَّةِ عن التلاويَّة كما
هو المفروضُ أو بالعكس، بأنْ تراخى تذكُّرُ التلاويَّةِ عن الصُّلبيَّة، وأمَّا إذا تذكَّرَهما معاً فإمّا أنْ
يتذكَّرَ قبل القعدة الأخيرة، أو بعدها قبل تشهُّتٍ سجود السهو أو بعده، فإنْ تذكَّرَهما قبل القعدة
الأخيرة فليس هناك إلاَّ ثَلاثُ قعداتٍ، وإِنْ تذكَّرَهما بعدها قبل تشهُّدٍ سجود السهوِ فأربعٌ، وإنْ
بعده فخمسٌ، ومثلُهُ في المأموم، فتكون عشْرةً.
ثُمَّ اعلمْ أنَّه إذا تذكَّرَهما معاً يجبُ الترتيبُ بينهما، فإنْ كانت التلاويَّةُ من ركعةٍ والصليّةُ
من تلك الركعةِ أو مما بعدها وجَبَ تقديمُ التلاويَّةِ، وإنْ كانت من ركعةٍ قبلها قدَّمَ الصلبيّة كما في
"البحر"(١) من باب سجود السهو، "ح"(٢).
[٣٩٩٦] (قولُهُ: لِما مرَّ(٣) أي: من أنَّه يسجُدُ للسَّهو بعد التلاويَّةِ، "ح (٤).
[٣٩٩٧] (قولُهُ: تعدُّدَ التلاويَّةِ والصلبيَّةِ) يعني: مرَّتين فقط، المرََّ المتقدِّمةَ وهذه، "ح"(٥).
[٣٩٩٨] (قولُهُ: زِيْدَ ستُّ أيضاً) صورتُهُ: تذكَّرَ بعد القعدة السابعة صلبيَّةً أخرى، فسجدها
وتشهَّدَ، ثم قَبْلَ أنْ يسجد للسهو تذكَّرَ تلاويَّةً أخرى أيضاً، فسحَدَها وتشهَّدَ، ثم سجَدَ للسهو
وتشهَّدَ، فهذه ثلاثٌ، ومثلُهُ المأموم، فهذه ستٌّ، وأمَّا إذا لم يتذكَّرِ التلاوية إلاَّ بعد تشهُّدٍ سحود
٣١٣/١
(١) "البحر": كتاب الصلاة ١٠٦/٢-١٠٧.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٩/أ وما بعدها بتصرف.
(٣) صـ٢١٥ - "در".
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٩/ب.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٩/ب.