Indexed OCR Text

Pages 141-160

الجزء الثالث
١٣٧
باب شروط الصلاة
فللفرضٍ، ولو نافلتين كسنةٍ فجرٍ وتحيَّةٍ مسجدٍ فعنهما، ولو نافلةً وجنازةً.
ثمَّ إطلاقُ الفرضين يتناولُ ما وجَبَ بإيجاب الله تعالى كالمكتوبةِ، أو بإيجابِ العبد كالمنذور
أداءً وقضاءً، وما أُلحِقَ به كفاسدِ النَّفل، سواءٌ كانا من جنسٍ واحدٍ كالظُّهرين والجنازتين
والمنذورتين، أو من جنسين كالظُّهر مع العصر، أو مع النذر، أو مع الجنازة، وقيل: إنَّ ناويَ
الفرضين في الصلاة متنقّلٌ عندهما خلافاً لـ "محمَّدٍ" = وإنْ كانت نيّةُ الفرضين في غير الصلاة
كالزَّكاة والصوم والحجِّ والكفَّارة كانتْ معتبرةً، ويكونُ متنفّلاً إلاّ في كفَّارتين من جنسٍ واحدٍ،
فيكونُ مفترضاً)) اهـ ملخَّصاً. وتمامُهُ فيما علَّقناه على "البحر"(١).
فِعُلِمَ أنَّ رواية "الجامع الكبير" مخالفةٌ لرواية "المنتقى"، فلا يصيرُ شارعاً في الصلاة أصلاً إذا
جَمَعَ في النَّةِ بين فرضين كلٌّ منهما قضاءٌ، أو أحدُهما أداءٌ والآخرُ قضاءٌ، أو لم يدخلْ وقَتُهُ، أو
جنازةٌ، أو منذورٌ، أو غيرُه من الواجبات، وقيل: [١/ق٣٤٢/أ] يصيرُ منتفّلاً، فلم تعتبر القوَّهُ على
رواية "الجامع" إلاّ فيما إذا جَمَعَ بين فرضٍ وتطوُّعٍ، فإنَّه يكون مفترضاً عندهما لقوَّته، وقال
٢٩٥/١ "محمَّدٌ": إنْ كانت في الصلاة تلغو، فلا يصيرُ شارعاً فيهما، وإنْ كانت في صومٍ، أو زكاةٍ، أو
حجِّ نذرٍ مع تطوُّعٍ يكون متنقلاً بخلاف حجَّةِ الإسلام والتطوُّع، فإنَّه مفترضٌ اتفاقاً كما أوضحَهُ
"الفارسيُّ" في "شرحه"، والله أعلم.
(٣٨٤٣] (قولُهُ: فللفرضِ) أي: خلافاً لـ "محمَّدٍ" كما علمتَهُ آنفاً(٢).
[٣٨٤٤] (قولُهُ: ولو نافلتين) قد تُطلَقُ النافلةُ على ما يشملُ السنّةَ، وهو المرادُ هنا.
[٣٨٤٥] (قولُهُ: فعنهما) ذكَرَهُ في "الأشباه"(٣)، ثمَّ قال: ((ولم أرَ حكمَ ما إذا نوى سنتين
كما إذا نوى في يومٍ الإثنين صومَهُ عنه وعن يومٍ عرفةَ إذا وافَقَهُ، فإنَّ مسألة التحيَّة إنما كانتْ ضمناً
للسنّةِ لحصولِ المقصود)) اهـ، أي: فكذا الصَّومُ عن اليومين.
(١) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٦/١.
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الثانية صـ٤١ -.

قسم العبادات
١٣٨
حاشية ابن عابدين
فنافلةٌ، ولا تبطُلُ بنَّةِ القطع ما لم يُكِّرْ بِنَّةٍ مغايرةٍ، ولو نَوَى في صلاته الصومَ صحَّ.
وأَيَّدَهُ العلاَّمة "البيري": ((بأنَّه يُجزيه الصومُ في الواجبين، ففي غيرهما أولى؛ لِما في "خزانة
الأكمل": لو قال: لله عليَّ أنْ أصومَ رجبَ، ثم صامَ عن كفَّارةِ ظهارِ شهرين متتابعين أحدُهما
رجبٌ أجزأه بخلاف ما لو كان أحدُهما رمضانَ، ولو نذَرَ صومَ جميعِ عمره، ثمَّ وجَبَ صومُ
شهرين عن ظهارٍ، أو أوجَبَ صومَ شهرٍ بعينه، ثم قضَى فيه صومَ رمضانَ جاز من غيرِ أنْ يلحَقَهُ
شيءٌ)) اهـ.
لكنْ ليس في هذا جمعٌ بين ◌َّتين، بل هو نيَّةٌ واحدةٌ أجزأتْ عن صومين، ولم
يذكر "الشارح" هذه المسألةَ؛ لأنَّ كلامه في الصلاة، ولا تتأَّى فيها، ويمكنُ تصويرُهُ فيما لو نوى
سنَّةَ العشاء والتهجُّدِ بناءً على ما رجَّحَهُ "ابن الهمام"(١): ((من أنَّ التهجُّدَ في حقّنا سنَّةٌ
لا مستحبٌ)).
[٣٨٤٦] (قولُهُ: فنافلةٌ) لأنها صلاةٌ مطلقةٌ، وتلك دعاءٌ.
[٣٨٤٧] (قولُهُ: ولا تبطُلُ بنَّةِ القطع) وكذا بنيَّةِ الانتقال إلى غيرها، "ط" (٢).
[٣٨٤٨] (قولُهُ: مالم يكْبِّرْ بنيّةٍ مُغايرةٍ) بأنْ يَكْبِرَ ناوياً النفلَ بعد شروعِ الفرض وعكسَهُ، أو
الفائتةَ بعد الوقتَّةِ وعكسَهُ، أو الاقتداءَ بعد الانفراد وعكسَهُ، وأمَّا إذا كَّرَ بنيَّةٍ موافقةٍ - كأنْ نوى
الظهرَ بعد ركعةِ الظهر من غيرِ تلفّظٍ بالنيَّةِ - فإِنَّ النَّةِ الأُولى لا تبطُلُ، ويبني عليها، ولو بنى على
الثانية فسدت الصلاة، "ط" (٣).
[٣٨٤٩] (قولُهُ: الصَّومَ) ونحوُهُ الاعتكافُ، ولكنَّ الأَولى عدمُ الاشتغال بغيرِ ما هو فيه،
"ط "(٤). والله أعلم. [١/ق٣٤٢/ب]
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب النوافل ٣٩١/١.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٠٠/١.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٠٠/١.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٠٠/١.

الجزء الثالث
١٣٩ - -
باب صفة الصلاة
﴿بابُ صفة الصلاة﴾
شروعٌ في المشروطِ بعد بيان الشروط(١). هي لغةً: مصدرٌ،.
﴿بابُ صفة الصَّلاة﴾
[٣٨٥٠] (قولُهُ: شروعٌ في المشروطِ) هذا يفيذُ أنَّ المراد بالصفة الأوصافُ النفسيَّةُ للصلاة،
وهي الأجزاءُ العقليّةُ التي هي أجزاءُ الهويَّةِ من القيامِ والرُّكوع والسجود؛ لأنَّ ذلك هو المشروطُ،
وسيأتي أنَّ الأَولى خلافُهُ، "ط)"(٢).
[٣٨٥١] (قولُهُ: هي لغةً: مصدرٌ) يقال: وصَفَ الشيءَ وصفاً وصفةً: نعتَهُ، والصفةُ كالعِلْم
والسَّواد، "قاموس"(٣). وفي "تعريفات السِّد"(٤): ((الوصفُ: عبارةٌ عمَّا دلَّ على الذات باعتبارِ
معنىٌّ هو المقصودُ من جوهرِ حروفه، ويدلُّ على الذاتِ بصيغته(٥) كأحمرَ، فإنَّه بجوهرِ حروفِهِ يدلُّ
على معنىِّ مقصودٍ وهو الحمرةُ، فالوصفُ والصفةُ مصدران كالوعد والعِدة، والمتكلِّمون فرَّقُوا
بينهما فقالوا: الوصفُ يقومُ بالواصِفِ، والصفةُ تقومُ بالموصوف)) اهـ.
لكنَّ كلام "القاموس" يدلُّ على إطلاقِ الصفة على ما قامَ بالموصوف لغةً أيضاً، فالصفة
تكون مصدراً واسماً، والوصفُ مصدرٌ فقط، قال في "الفتح"(٦) و"البحر"(٧). ((ولا يُنكَرُ أَنَّه قد
﴿بابُ صفة الصَّلاة﴾
(قولُهُ: فالوصفُ والصفةُ إلخ) لا يظهرُ التفريع، ولعلَّ الأصل الواو، ثُمَّ راجعتُ نسخة "التعريفات"
المطبوعةَ فوجدتُها بالفاء.
(١) في "ب": ((الشرط)).
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٠/١.
(٣) "القاموس": مادة ((وصف)).
(٤) "التعريفات": صـ٢٥٥ -.
(٥) عبارة "التعريفات": ((أي: يدل على الذات بصفة)).
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٣٨/١.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٠٦/١.

قسم العبادات
١٤٠
حاشية ابن عابدين
وعُرفاً: كيفيَّةٌ مشتملةٌ على فرضٍ وواجبٍ وسنةٍ ومندوبٍ.
يُطلَقُ الوصفُ ويراد الصفةُ، وبهذا لا يلزمُ الاتّحادُ لغةً؛ إذ لا شكّ في أنَّ الوصف مصدرٌ)) اهـ.
وظاهرُهُ: أنَّ الوصف قد يُستعمَلُ اسماً بمعنى الصفة مجازاً لا لغةً، فلا يلزمُ اتّحادُهما خلافاً
لِما قيل: إنَّهما في اللغة بمعنىّ واحدٍ.
[٣٨٥٢] (قولُهُ: وعُرفاً: كيفيّةٌ إلخ) مبنيٌّ على عُرف المتكلِّمين، وإلاَّ فقد علمتَ أنَّ الصفة
تكونُ في اللغة مصدراً واسماً، وهذا تعريفٌ لصفةٍ أجزاء الصلاة خاصَّةً لا لمطلقِ الصفة، قال
" ح" (١): ((فيكونُ على حذفِ مضافٍ تقديرُهُ: صفةُ أجزاءِ الصلاة، فبعضُ الأجزاء صفْتُهُ الفرضيَّةُ
كالقيام، وبعضُها الوجوبُ كالتشهُّد، وبعضُها السنَّةُ كالثناء، وبعضُها الندبُ كنظرِهِ إلى موضعٍ
سجوده في القيام، وإِنما قدَّرْنا المضافَ لأنَّ المقام مَقَامُ بيانِ صفةِ الأجزاء لا صفةِ نفسِ الصلاة)) اهـ.
(قولُهُ: مبنيٌّ على عُرْفِ المتكلّمين إلخ) فيه أنَّ عُرفهم إطلاقُ الصفة على ما يقومُ بالموصوف، وهنا
أُطلِقَتْ على الكيفيَّةِ التي تَكَيَّفَ بها المصلّي المشاهدةِ الموجودِ فيها الفرضُ والواجبُ والسنَّةُ والمندوب،
فقد أُطلِقَتْ في العُرف على الأجزاءِ المادِّيَّة للصلاة، ويجابُ بأنَّ بناءه على عُرفهم بالنظر لكون الكيفيّة
المذكورة صفةَ المصلِّي لا بالنظرِ لماهيَّةِ الصلاة نظيرَ قوله: ((وقد يجابُ بأنَّ المراد أنَّ هذه الأجزاءَ إلخ )).
ثُمَّ إِنَّ تعريفها بالكيفيَّة المذكورة موافقٌ لِما في "الفتح" : (( من أنَّ المراد بالصفة الأوصافُ النفسيَّةُ إلخ))،
وزيادةُ "الشارح" الواجبَ والسنّةَ والمندوبَ موافقٌ لِما فَهِمَّهُ المحشِّي من أنَّه ليس المرادُ بالأجزاء ما
يتوقّفُ عليه صحَّتُها، بل ما يُطلَبُ من المصلِّي فعلُهُ الأعمُّ من الفرض. ثُمَّ إنَّ ما ذكرَهُ "الشارح" من
تفسيرها بالكيفيَّة المذكورة هو ما ذكرَهُ في "النهر"، وقال: ((وهذا أَولى مما في "الفتح" من أنَّ المراد
بالصفة الأوصافُ النفسيّة إلخ))، لكنَّ المغايرة بينهما غيرُ ظاهرةٍ حَتَّى يُدَّعَى الأولويَّةُ، فإنَّ كيفيَّة
المصلّي المشتملةَ على ما ذكرَهُ هي الأوصافُ النفسيّة لا شيءٌ آخر، ولا يستقيمُ حينئذٍ ما نقلَهُ المحشِّي
عن "الحلبيِّ" من حذفِ مضافٍ تقديرُهُ: صفة أجزاء الصلاة، فبعضُ الأجزاء إلخ؛ إذ ما سلَكَهُ طريقةٌ
أخرى غيرُ طريقة "الشارح".
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٢/أ.

الجزء الثالث
١٤١
باب صفة الصلاة
وهذا أَولى مما في "الفتح"(١): ((من أنَّ المراد بالصفة هنا الأوصافُ النفسيّة لها، وهي الأجزاءُ
العقليّةُ التي هي أجزاءُ الهويَّةِ الخارجيَّة من القيامِ الجزئيِّ والركوعِ والسجود))، كذا في "النهر"(٢).
قال "ط"(٣): ((ووجهُ الأولويَّةِ أَنَّه لا يشملُ الواجباتِ والسننَ والمندوباتِ)) اهـ
وفيه نظرٌ، فإنَّ الواجباتِ [١ /ق٣٤٣ / أ] وغيرها مما يُطلَبُ من المصلِّي فعلُهُ أجزاءُ الصلاة؛ إذ
ليس المرادُ بالأجزاء ما يتوقَّفُ عليه صحّتُها، ولعلَّ وجهَ الأولويَّةِ أنَّ الصفة ما قام بالموصوف،
والأجزاءُ هي التي قامتْ بها صفةُ الفرضيَّةِ والوجوبِ ونحوِهما، فليست هي الصفةً بل الموصوفَ.
وقد يجابُ بأنَّ المراد أنَّ هذه الأجزاءَ هي أوصافُ المصلِّي، وتُنسَبُ إلى الصلاة لكونها
أجزاءَ الهويَّةِ الخارجيَّةِ التي صارتْ بها الصلاةُ في الخارج هي هي، وعليه فالإضافةُ في صفةِ الصلاة
بيانيَّةٌ، أو المرادُ بالصفة الجزءُ مجازاً لقيامِهِ بالكلِّ، ويدلُّ عليه قولُهُ في "الكفاية"(٤) و "المعراج": ((إِنَّ
الإضافة فيه من إضافةِ الجزء إلى الكلِّ؛ لأنَّ كلَّ صفةٍ مما يأتي جزءُ الصلاة إلخ))، فهذا مؤيِّدٌ لِما
٢٩٦/١ قاله في "الفتح"(٥)، ويدلُّ عليه أيضاً أنَّ المراد من هذا البابِ بيانُ هذه الأجزاءِ المتنوّعةِ إلى فرضٍ
وواجبٍ وسنّةٍ، لا بيانُ نفسِ الفرضيَّةِ والوجوبِ والسنّة التي هي صفاتُ هذه الأجزاءِ؛ إذ بيانُها
في كتب الأصولِ لا الفروعِ، تأمَّلْ.
(قولُهُ: أو المرادُ بالصِّفة الجزءُ إلخ) توجيةٌ آخرُ للإضافة، وعبارة "السِّراج" على ما ذكرَهُ "السنديُّ":
((هذا من إضافةِ الجزء إلى الكلِّ؛ لأنَّ كلَّ صفةٍ من هذه الصِّفات جزءٌ ذاتيٌّ للصلاة لِما أنَّ عند تمام هذه
الأوصاف تَتَمُّ الصلاةُ، أو يقال: من إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأنَّ هذه الأوصافَ هي الصلاة بعينها)) اهـ.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٣٨/١ بتصرف يسير.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٤١/ب.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠١/١.
(٤) "الكفاية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٣٨/١ (هامش "فتح القدير").
(٥) في هذه المقولة.

قسم العبادات
١٤٢
حاشية ابن عابدين
(مِن فرائضِها) التي لا تصحُّ بدونها (التحريمةُ)
[٣٨٥٣] (قولُهُ: من فرائضِها) جمعُ فريضةٍ، أعمُّ من الرُّكن الداخلِ الماهِيَّةَ والشرطِ الخارجِ
عنها، فيصدُقُ على التحريمةِ والقعدةِ الأخيرة والخروجِ بصنعه على ما سيأتي(١).
مطلبٌ: قد يُطلَقُ الفرضُ على ما يقابلُ الركنَ، وعلى ما ليس بركنٍ ولا شرطٍ
وكثيراً ما يُطلقون الفرضَ على ما يقابلُ الركنَ كالتحريمة والقعدة، وقدَّمنا(٢) في أوائلِ كتاب
الطهارة عن "شرح المنية": ((أَنَّه قد يطلقُ الفرضُ على ما ليس بركنٍ ولا شرطٍ كترتيبِ القيام
والركوع والسجود والقعدةٍ)).
وأشار بـ ((مِن)) التبعيضيَّةِ إلى أنَّ لها فرائضَ أُخرَ كما سيأتي في قول "الشارح": ((وبقيَ
من الفروض إلخ))، أفاده "ح"(٣).
[٣٨٥٤) (قولُهُ: التي لا تصحُّ بدونِها) صفةٌ كاشفةٌ؛ إذ لا شيءَ من الفروض ما تصحُّ الصلاةُ
بدونه بلا عذر.
[٣٨٥٥] (قولُهُ: التحريمةُ) المرادُ بها جملةُ ذكرٍ خالصٍ مثلٍ: الله أكبر كما سيأتي(٤) مع بيانٍ
ء
(قولُهُ: كترتيبِ القيام إلخ) إذ لو فاتَ الترتيبُ لَزِمَ إِعادتُهُ، ولو كان شرطاً لفسدت الصلاة لفواتٍ
شرطها، وتقدَّمَ أَنَّها شروطٌ، وعدمُ الفساد لا يدلُّ على عدم الشرطيّة؛ لأَنَّه قد تدارَكَ ما فعلَهُ من عكس
الترتيب، فلم يَتْرُك بالكلَّةِ حَتَّى يتحقَّقَ الفساد، غايةُ الأمر أنَّه زادَ ما دون الركعة وهو غيرُ مفسدٍ كَمَن
تَرَكَ سجدً من الركعة الأولى ثمَّ تدارَكَها لا تفسُدُ صلاته مع ترك ركنٍ، فبالأولى ما إذا ترَكَ شرطً ثمَّ
تدارَ كَهُ، تأمَّل.
(قولُهُ: صفةٌ كاشفةٌ) قد يقال: إنَّها للاحترازِ عن الإخلاص، فإنَّه فرضٌ في الصلاة كما تقدَّمَ له مع
أنّها تصحُّ بدونه.
(١) صـ ١٦٥ - "در".
(٢) المقولة [٧٣١] قوله: ((فالفرض أعم منهما)).
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٢/أ.
(٤) المقولة [٣٩٢٣] قوله: ((شروط)).

الجزء الثالث
١٤٣
فرائض الصلاة
قائماً (وهي شرطٌ) في غيرِ جنازةٍ على القادر، به يُفتَى،.
شروطها العشرين نظماً. والتحريمُ: جعلُ الشيء محرَّمَاً، سُمِّيتْ بها لتحريمها الأشياءَ المباحةَ قبل
الشُّروع بخلاف سائرِ التكبيرات، والتاءُ فيها للمبالغة، "قُهُستاني"(١). وهو الأظهرُ، "بِرْجَندي".
وقيل: للوحدة، وقيل: للنقل من الوصفيَّة إلى الاسمِيَّة.
[٣٨٥٦] (قولُهُ: قائماً) هو أحدُ شروطِها العشرين الآتيةِ(٢)، وسيذكرُهُ(٢) "المصنّف" في الفصلِ
الآتي. [١/ق٣٤٣/ب]
[٣٨٥٧] (قولُهُ: وهي شرطٌ) وإنما لم يذكرْها مع الشُّروط المارَّةِ لاَّصالها بها بمنزلةِ الباب
للدار، أفاده في "السِّراجِ"(٤).
[٣٨٥٨] (قولُهُ: في غيرِ جنازةٍ) أمَّا فيها فهي ركنٌ اتفاقاً كبقيَّةِ تكبيراتها كما سيأتي في بابه،
!! !! (٥)
N
[٣٨٥٩) (قولُهُ: على القادرِ) متعلّقٌ بـ ((شرطٌ)) لتضمُّنه معنى الفرض، أي: وهي شرطٌ
مفترَضٌ عليه، "ح"(٦).
أمَّا الأَمِّيُّ والأخرسُ لو افتتحا بالنَّة جاز؛ لأَنَّهما أتيا بأقصى ما في وُسعِهما، "بحر"(٧) عن
"المحيط". وسيأتي(٨) تمامُ الكلام على ذلك في الفصل الآتي.
[٣٨٦٠] (قولُهُ: به يُفتَى) الضميرُ راجعٌ إلى الحكم عليها بالشرطيّة، وهو مضمونُ النّسبة
(قولُهُ: هو أحدُ شروطِها العشرين إلخ) لم يظهر لي وجهُ إفرادِ هذا الشَّرط بالذّكر عن باقي الشرائط.
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فروض الصلاة ٨٥/١ بتصرف.
(٢) المقولة [٣٩٢٣] قوله: ((شروط)).
(٣) صـ ١٥٠- وما بعدها "در".
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق١٤٧/أ.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٥٢/أ.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٢/أ.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٠٧/١.
(٨) صـ ٢٦٣ - "در".

قسم العبادات
١٤٤
حاشية ابن عابدين
فيجوزُ بناءُ النفل على النفل وعلى الفرض وإنْ كُرِهَ، لا فرضٍ على فرضٍ أو نقلٍ
على الظاهر،
الإِيقاعيَّةِ في قوله: ((وهي شرطٌ)).
(٣٨٦١] (قولُهُ: فيجوزُ بناءُ النَّفل على النَّفْل) تفريعٌ على كونِ التحريمة شرطً، لكنَّ كونها
شرطً يقتضي صحَّةَ بناءِ أيِّ صلاةٍ على تحريمةٍ أيِّ صلاةٍ، كما يجوزُ بناءُ أيِّ صلاةٍ على طهارةٍ أيِّ
صلاةٍ، وكذا بقيَّةُ الشروط، لكنْ منعنا بناءَ الفرض على غيره لا لأنَّ التحريمة ركنٌ، بل لأنَّ
المطلوب في الفرض تعيينُهُ وتميزه عن غيره بأخصِّ أوصافِهِ وجميعِ أفعاله، وأنْ يكون عبادةً على
حدّةٍ، ولو بُني على غيره لكان مع ذلك الغيرِ عبادةً واحدةً كما في بناءِ النَّعْل على النَّفل، قال في
"البحر"(١): ((فإِنَّه يكون صلاةً واحدةً بدليل أنَّ القعود لا يُفترَضُ إلاَّ في آخرِها على الصحيح،
وقولهم: إنَّ كلَّ ركعتين من النَّهْل صلاةٌ لا يغارضُهُ؛ لأَنَّه في أحكامٍ دون أخرى)). اهـ "ح"(٢).
[٣٨٦٢) (قولُهُ: وعلى الفرضِ) لأنَّ الفرض أقوى، فيستِبِعُ النفلَ لضعفه، "ط"(٢).
(٣٨٦٣] (قولُهُ: وإِنْ كُرِهَ) يعني: أنَّه مع صحَّتِهِ مكروهٌ؛ لأنَّ فيه تأخيرَ السَّلام وعدمَ كون
النفلِ بتحريمةٍ مبتدأةٍ، "ح "(٤). وهذا في العمد؛ إذ لو سها بعد قعدةِ الفرض، فزاد خامسةً يضمُّ
سادسة بلا كراهةٍ.
[٣٨٦٤] (قولُهُ: على الظَّاهرِ) أي: ظاهرِ المذهب خلافاً لـ "صدر الإسلام(٥)")، حيث قال
بالجواز فيهما كما في "البحر"(٦)، لكنْ ذكَرَ في "النهاية" بعد عزوِهِ الجوازَ في بناءِ الفرض
(قولُهُ: حيث قال بالجواز فيهما كما في "البحر") يوافقُ ما في "البحر" ما في "الفتح" حيث قال:
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٠٧/١.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٢/أ-ب.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠١/١.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٢/ب.
(٥) هو أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البزدويّ البخاريّ(ت٤٩٣هـ). ("الجواهر المضية" ٩٨/٤، "الفوائد
البهية"صـ ١٨٨-).
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٠٧/١.

الجزء الثالث
١٤٥
فرائض الصلاة
ولاًّصالِها بالأركان رُوْعِيَ لها الشروطُ، وقد منَعَهُ "الزيلعيُّ"،.
على مثله إلى "صدر الإسلام": ((أنَّ بناءَ الفرض على النفل لم نجدْ فيه روايةً))، ثم قال: ((ولكنْ
يجبُ أنْ لا يجوزَ حتى على قول "صدر الإسلام"؛ لأَنَّه جوَّزَ بناءَ المثل، فلا يجوزُ بناءُ الأقوى على
الأدنى، ولأنَّ الشيء يستتبعُ مثَلَهُ أو دونه لا ما هو أقوى)) إلى آخرِ ما أطال به، وتِبِعَهُ
[١/ق ٣٤٤/أ] في "المعراج" و"العناية"(١).
وبهذا ظهَرَ عدُ صحَّةٍ قول "النهر "(٢): ((ولا خلافَ في جوازِ بناءِ النَّفلِ على النَّل والفرضِ
عليه))، فتنَبَّهْ.
[٣٨٦٥] (قولُهُ: ولاَّصالها إِلح) علَّةٌ مقدَّمَةٌ على المعلول، وهو قوله: ((رُوعِيَ لها الشروطُ))،
وهذا حاصلُ عبارة "البرهان" الآتيةِ(٣)، وهو جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّرٍ، وهو: أنَّها إذا كانتْ شرطاً
فِلِمَ رُوعِيَ لها الشروطُ، والشروطُ تُراعَى للأركان؟ والجوابُ: إنما رُوعَيَت الشروطُ لها من
الطهارة والاستقبال ونحوِهما لا لكونها ركناً للصلاة، بل لاّصالها بالقيام الذي هو ركنُ الصلاة.
[٣٨٦٦] (قولُهُ: وقد منَعَهُ "الزيلعيُّ"(٤) أي: منَعَ ما ذُكِرَ من قوله: ((رُوعِيَ لها الشروطُ))،
((ومقتضى كون هذا ثمرةَ كونِهِ شرطاً أنْ يجوزَ بناءُ الفرض على الفرض وعلى النفل، وقد رُوِيّ إجازةٌ
ذلك عن "أبي اليسر"، والجمهور على منعِهِ إلخ)) اهـ.
(قولُهُ" وبهذا ظهَرَ عدمُ صحَّةٍ قول "النهر": ولا خلافَ إلخ) قد يقال: معنى قول "النهر": ((لا خلافَ في
جواز بناء الفرض على النفل)) أَنَّه أَتَّفَقَ الكلُّ على عدم بنائه؛ إذ حيث حصَلَ الاتّفاقُ على عدم صحَّةٍ هذا البناء
لم يوجد قولٌ به، فلم يوجد خلافٌ بينهم فيه، لا بمعنى أنَّهم الَّقوا على الجواز كما في الشِّقِّ الأَوَّل.
(قولُهُ: في جوازِ بناء النفل على النغل) أي: اتفاقاً؛ لِما أنَّ الكلَّ صلاةٌ بدليل أنَّ القعود لا يُفترَضُ
إلاّ في آخرِها، "بحر".
(١) "العناية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤٣/١. (هامش "فتح القدير").
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٤٢/أ.
(٣) صـ ١٤٧ - "در".
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١٠٣/١-١٠٤ وما بعدها.

قسم العبادات
١٤٦
حاشية ابن عابدين
ثم رجَعَ إليه بقوله: (( وَلَئِنْ سُلِّمَ ))،
حيث قال في الردِّ على الشافعيِّ القائلِ بركنَّةِ التحريمة: ((وقولُهُ: يشترطُ لها ما يشترطُ للصلاة
ممنوعٌ، فإنَّه لو أحرَمَ حاملاً للنجاسة فألقاها عند فراغه منها، أو مكشوفَ العورة فستَرَها عند
فراغه من التكبير بعملٍ يسيرٍ، أو شرَعَ في التكبير قبل ظهورِ الزَّوال مثلاً، ثم ظهَرَ عند فراغه منها،
أو منحرفاً عن القبلة فاستقبَلَها عند الفراغ منها جاز، ولئنْ سُلِّمَ فإِنما يشترطُ لِما يَتَّصلُ به من
الأداء، لا لأنَّ التحريمة من الصلاة)) اهـ.
[٣٨٦٧] (قولُهُ: ثمَّ رجَعَ إليه) أي: إلى القولِ بمراعاة الشروط لها بقوله: ((ولئنْ سُلِّمَ إلخ))،
فإِنَّه وإنْ كان على سبيل التنزّلِ مع الخصم لكنَّ قوله: ((فإِنما يشترطُ لِما يَتَّصِلُ به من الأداء إلخ))
صريحٌ في لزومٍ مراعاةِ الشروط وقَتَها لا لها، بل لاّصالها بالقيامِ الذي هو ركنٌ اتفاقاً، ونظيرُ ذلك
قولك: لا نسلّمُ أنَّ الحركة تجتمعُ مع السكون، ولئنْ سُلَّمَ يلزمُ اجتماعُ الضدّين، فقولُك: ولئنْ
٢٩٧/١ سُلِّمَ كلامٌ فرضيّ قُصِدَ به ما بعده، فعُلِمَ أنَّ "الزيلعيّ" أرادَ بهذا الكلامِ لزومَ مراعاة الشروط وقتَ
التحريمة لاّصالها بالقيام الذي هو ركنُ الصلاة، وعليه فلو أحرَمَ حاملاً للنجاسة، فألقاها عند
فراغه من التحريمة لا تصحُّ صلاتُهُ لاتّصالِ النجاسة يجزءٍ من القيام، وكذا بقيَّةُ المسائلِ المارَّةِ في
عبارة "الزيلعيّ"، ولو لم يكن مرادُهُ ذلك لم يصحَّ تفريعُهُ على فرضِ التسليم المذكورِ، فَتَبَتَ أنَّ ما
منَعَهُ أوّلاً رجَعَ إليه ثانياً، فافهم.
(قولُهُ: فإنَّه وإنْ كان على سبيل التنزُّلِ مع الخصم إلخ) فيه أنَّ ما سلَكَهُ هنا غيرُ المتبادر من كلام
"الزيلعيّ"؛ إذ المتبادرُ منه أنَّ تسليم الاشتراط كلامٌ تنزُّيٌّ لم يُقصَدْ به إلاَّ مجاراةُ الخصم على دعواه مع عدم
الجزم بها، ثمَّ فَرَّعَ على هذا التسليم أنَّ الاشتراط ليس لها حتَّى تتحقَّقَ الرُّكنَّة، بل لكذا، فيكونُ قد سَلَّمَ
الاشتراطَ، وكرَّ عليه بنَقْضِ دعواه بأنَّه ليس لها بل لشيءٍ آخر، ففي الحقيقة لم يرجع "الزيلعيُّ" للقول
باشتراطِ الشُّروط لها كما قال الخصمُ، بل إلى القول به لشيءٍ آخر، وكأنَّ "ط" فَهِمَ أنَّه رجَعَ لِما قاله الخصمُ
فاعترضَهُ بأَنَّه لم يرجع إليه مع أنَّه في الواقع رجَعَ للقول به لكن لشيءٍ آخر، فلا يُسلَّمُ حينئذٍ ما قالَهُ المحشي:
إنَّ ما منَعَهُ أوّلاً رجع إليه ثانياً؛ إذ ما منَعَهُ أوّلاً الاشتراطُ لها، وما رجَعَ إليه ثانياً الاشتراطُ لشيءٍ آخر، تأمَّل
هذا مع ما يأتي له في تقريرٍ كلام "الفتح".

الجزء الثالث
١٤٧
فرائض الصلاة
نعم في "التلويح": ((تقديمُ المنع على التسليم أولى))، لكنْ نقول: الاحتياطُ خلافُهُ،
وعبارةُ "البرهان": ((وإنما اشتُرِطَ لها ما اشتُرِطَ للصلاة لا باعتبارِ ركنَّتها، بل باعتبارِ
اتّصالِها بالقيام الذي هو ركنُها ))
[٣٨٦٨] (قولُهُ: نعمْ) تصديقٌ لِما فعَلَهُ "الزيلعيُّ" من تقديم المنعِ على التسليم حَرْياً على قواعد
علماءِ [١/ق٣٤٤/ب] المناظرة، وقولُهُ: ((في "التلويح"(١) إلخ)) تأييدٌ له، وقصَدَ بذلك الردَّ على
مَنْ قَدَّمَ التسليمَ على المنع عكسَ ما فعَلَهُ "الزيلعيُّ" كما يُعلَمُ من كلام "البحر"(٢)، فراجعه، فافهم.
[٣٨٦٩] (قولُهُ: لكنْ نقولُ إلخ) استدراكٌ على المنع وتأييدٌ لِما رجَعَ إليه "الزيلعيُّ" بأنّه
الاحتياطُ.
وقولُهُ: ((وعبارةُ "البرهان" إلخ)) تقويةٌ للاستدراك؛ لأنَّ قول "البرهان": ((وإنما اشتُرِطَ لها
إلخ)) صريحٌ في مراعاة الشروط لها وإنْ لم تكن ركناً لاتّصالها بالقيام الذي هو ركنُ الصلاة،
وقال "الشارح" في "خزائن الأسرار"(٣): ((ظاهرُ كلام "الهداية"(٤) و "الكافي"(٥) وشروح "المجمع"
(قولُهُ: تصديقٌ لِمَا فَعَلَهُ "الزيلعيُّ" إلخ) يظهرُ أَنَّه استدراكٌ على قوله: ((ثمَّ رجَعَ إلخ)) المفيدِ اعتمادَهُ،
وقولُهُ: ((في "التلويح")) من تمامه، وقولُهُ: ((لكن نقولُ)) استدراكٌ على ما في "التلويح"، وبالجملة ما سلَكَهُ
المحشِّي في هذه المسألة غيرُ متبادرِ منها، تأمَّل. وكذلك ما صنَعَهُ في قوله: (( ثمَّ رجَعَ إلخ )).
(قولُهُ: كما يُعلَمُ من كلام "البحر") عبارتُهُ: (( ومراعاةُ الشرائط المذكورة ليس لها، بل للقيام المّصل
بها، وهو ركنٌ إنْ سلَّمنا مراعاتها، وإلاَّ فهو ممنوعٌ، فتقديمُ المنع على التسليم أَولى، كذا في "التلويح"،
فالأَولى أنْ يقال: لا نُسلّمُ مراعاتها، فإنَّه لو أحرَمَ إلخ، ولئن سَلَّمنا فهي ليس لها بل إلخ)) اهـ.
(١) "التلويح على التوضيح": البحث الثالث: تعرف العلة بأمور ٦٩/٢.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٠٧/١.
(٣) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٨٢/ب.
(٤) "الهداية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٤٦/١.
(٥) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٢٥/أ.

قسم العبادات
١٤٨
حاشية ابن عابدين
وغيرها صريحٌ في اشتراطِ وجودٍ شروطِ الصلاة حين التحريمة، لا لكونها ركناً، بل لاّصالها
بالأركان، وقد منَعَ "الزيلعيُّ" الاشتراطَ أوَّلاً إلخ)).
وحاصلُ كلام "الشارح" اختيارُ مراعاة الشروط وقتَ التحريمة وإنْ لم تكن ركناً؛ لقولهم
في الجواب عن استدلال "الشافعيّ" على ركنَّتها بمراعاةِ الشروط لها: إنَّ هذه الشروطَ لم تُراعَ
لأجلها، بل لِمَا أَتَّصَلَ بها من القيام، فإنَّ ظاهره أَنَّهم سلَّموا لزومَ المراعاة وقَتَها، لكنْ منَعُوا أنْ
تكون المراعاةُ لأجلها، وعليه فلا يصحُّ الشروعُ في الصلاة لو شرّعَ بالتحريمة حاملاً لنجاسةٍ
فألقاها قبل الفراغ منها، وكذا في بقيَّةِ الفروعِ المارَّة.
وأقولُ: هذا خلافُ ما دلَّ عليه كلامُ الشارحين من تصريحهم بصحَّةِ الشُّروع في هذه
الفروعِ، حتى إنَّ العلاَّمة "الكاكي)"(١) صرَّحَ في "معراج الدراية": ((بأنَّ ثمرةً الخلاف بيننا وبين
"الشافعيِّ" في التحريمة تظهرُ في جوازِ بناءِ النَّل على الفرض، وتظهرُ أيضاً فيما إذا كبََّ وفي يده
نجاسةٌ، فألقاها عند فراغِهِ منها)) إلخ الفروعِ المارَّة، وقال في آخرها: ((لا تفسُدُ صلاتُهُ عندنا))،
ونحوُهُ في "السِّراج"(٢)، لكنَّه جعَلَ الخلافَ بين الإمامين و"محمَّدٍ"، ولعلَّه روايةٌ عن "محمَّدٍ"، فإنَّ
المشهور أنَّ القائل بركيَّةِ التحريمة هو "الشافعيُّ" وبعضُ أصحابنا، وعبارةُ "فتح القدير)"(٢) هكذا:
((قولُهُ: ومراعاةُ الشرائط إلخ يتضمَّنُ منعَ قوله: يشترطُ لها، فيقال: لا نسلِّمُ أَنَّه يشترطُ لها، بل
هو لِما يتّصلُ بها من الأركانِ لا لنفسها، ولذا قلنا: لو تحرَّمَ حاملُ نجاسةٍ، أو مكشوفُ العورة، أو
قبل [١/ق٣٤٥/أ] ظهورِ الزَّوال، أو منحرفاً، فألقاها، واستَّرَ بعملٍ يسيرٍ، وظهَرَ الزوال، واستقبَلَ
مع آخرِ جزءٍ من التحريمة جاز، وذَكَرَ في "الكافي"(٤): أَنَّها عند بعض أصحابنا ركنٌ اهـ. وهو
ظاهرُ كلام "الطحاويّ"، فيجبُ على قولِ هؤلاء أنْ لا تصحَّ هذه الفروعُ)). اهـ كلامُ "الفتح".
(١) في "م": ((السكاكي)) وهو خطأ.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ١٤٧/أ - ١٤٨/ب.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤٤/١.
(٤) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٢٤/ب.

الجزء الثالث
١٤٩
فرائض الصلاة
فانظرْ كيف فَهِمَ أنَّ مراد صاحب "الهداية" تسليمُ صحَّةِ هذه الفروعِ، وأَنَّه لا يشترطُ
وجودُ شروطِ الصلاة وقتَ التحريمة، وأنَّ عدم صحَّتها إنما هو على القولِ بركنّتها ونحن لا نقول
به، وهذا خلافُ ما فهمَهُ "الشارحُ" من كلام "الهداية" و"الكافي" وغيرهما كما قدَّمناه(١) عن
"الخزائن"، وكذا كلامُ "البحر" و"النهر" صريحٌ في صحَّةٍ هذه الفروعِ، فحيث كان هذا هو
المنقولَ فليس لنا عنه عدولٌ، وحينئذٍ فمعنى قولهم في الجواب: إنَّ مراعاة الشروط ليستْ لها، بل
لِمَا أَّصَلَ بها من القيام أنَّ شروط الصلاة من الطهارة وغيرها لا تجبُ للتحريمة أصلاً، وإِنما تجبُ
للقيام المَّصلِ بها - أي: المَّصلِ بآخرِها عند انتهاء التلفّظِ بها - لا للقيامِ المتّصلِ بابتدائها إلى انتهائها
حتى يلزمَ مراعاةُ الشروط لها في ضمنِ القيام المذكور كما فهِمَهُ "الشارح" من قول "البرهان":
(وإنما اشْتُرِطَ لها))، فإِنَّ قوله: ((لها)) يفيدُ ما ذكره "الشارح"، لكنَّه غيرُ مرادٍ بدليلٍ صحَّةٍ
الفروع المذكورة عندنا، أويقالُ: معناه أنَّ الشروط التي يراعيها المصلِّي وقتَ التحريمة ليست لها،
بل لِما اتَّصَلَ بها من الأركان.
وحاصلُهُ: أَنَّه لَمَّا كان الغالبُ من حالِ المصلِّي مراعاة الشروط وقتَها صار منشأً لتوهُّمِ أنَّ
ذلك للتحريمة، فبّنوا أوَّلاً أنَّ ذلك للقيام المتّصلِ بها، ثم حقّقوا ذلك بأنْ ذكروا صُوراً يمكن فيها
عدمُ اقتران التحريمة بالشروط، وعبارةُ "الهداية"(٢): ((ومراعاةُ الشرائط لِما يَتَّصلُ بها من القيام))،
قال في "الكفاية"(٣): ((والدليلُ أنَّ مَنْ وَقَعَ في البحر ولم يصِلِ الماءُ إلى أعضاء وضوئه، فكِبَّرَ
وغمسَ في الماء، ورفَعَ وصلَّى بالإِبماء تجوزُ صلاته وإنْ كان حالَ التكبير غيرَ متوضِّئ)) اهـ.
فهذا أيضاً صريحٌ في أنَّ الشروط إنما تحبُ مراعاتها مع الفراغِ منها عند أوَّلِ جزءٍ من القيام
المّصلِ بآخرِ التحريمة، فالشروطُ تُراعَى له في وقته لا لها [١/ق ٣٤٥/ب] تبعاً له، ويمكن حملُ
(١) في هذه المقولة.
(٢) "الهداية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٤٦/١.
(٣) "الكفاية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤٤/١ نقلاً عن الإمام بدر الدين. (هامش "فتح القدير").

قسم العبادات
١٥٠
حاشية ابن عابدين
(ومنها القيامُ) بحيث لو مدَّ يديه لا ينالُ ركبتيه، ومفروضُهُ وواجبُهُ ومسنونُهُ ومندوبُهُ
كلام "الزيلعيِّ" المارّ(١) على هذا أيضاً، بأنْ يُجعَلَ قوله: ((لِما يَتَّصلُ)) متعلِّقاً بقوله: ((يشترطُ))
صِلةً له لا علًَّ حتى يكونَ المعنى: يشترطُ في التحريمة لأجلِ ما يَتَّصلُ إلخ، وحينئذٍ فيتوافقُ
كلامُهم، ويتّضحُ مرامُهم، هذا ما ظهَرَ لي في تحقيقِ هذا المقام، والسَّلام.
بحثُ القيام
[٣٨٧٠] (قولُهُ: ومنها القيامُ) يشملُ التامَّ منه - وهو الانتصابُ مع الاعتدال - وغيرَ التامّ، وهو
٢٩٨/١ الانحناءُ القليلُ بحيث لا تنالُ يداه ركبتيه، وقولُهُ: ((بحيث إلخ)) صادقٌ بالصُّورتين، أفاده "ط" (٢).
ويكرهُ القيامُ على إحدى(٣) القدمين في الصلاة بلا عذرٍ، وينبغي أنْ يكون بينهما مقدارُ
أربع أصابعِ اليد؛ لأنّه أقربُ إلى الخشوع، هكذا رُوِيَ عن "أبي نصر" الدَّبُوسي(٤) أنَّه كان يفعلُه،
كذا في "الكبرى"(٥)، وما رُوِيَ: ((أَنَّهم الصقوا الكعابَ بالكعاب)) أريدَ به الجماعةُ، أي: قامَ كلُّ
واحدٍ بجانبِ الآخرِ، كذا في "فتاوى سمرقند"(٦). ولو قامَ على أصابعِ رِحْليه أو عقِبيه بلا عذرٍ
يجوز، وقيل: لا، حكى القولين في "القنية"(٧)، وتمامُهُ في "شرح الشيخ إسماعيل(٨).
(١) المقولة [٣٨٦٦] قوله: ((وقد منعه الزيلعيّ)).
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٢/١.
(٣) في النسخ: ((أحد)) وما أثبتناه أولى.
(٤) ذكره القرشي صاحب "الجواهر المضية" في "الكنى" ٩٤/٤، وقال: أبو نصر الدَّبُوسي إمام كبير من أئمة
الشروط. اهـ وكذلك ذكره اللكنوي في "الفوائد البهية" صـ ٢٢١ -. وذكر محقق "الجواهر المضية" أنَّ ترجمته في
"كتائب أعلام الأخيار" برقم (٢٣٠) و"الطبقات السنية" برقم (٢٩٣٣).
(٥) أي: "الفتاوى الكبرى"، لحسام الدين الصدر الشهيد، وتقدمت ترجمتها ٤١٥/٢.
(٦) هي فتاوى أبي علي محمد بن الوليد المعروف بالزاهد السمرقندي (توفي بعد سـ٤٥٠ سنة هـ). ("كشف الظنون"
١٢٢٤/٢، "الجواهر المضية" ٣٩٠/٣، "الفوائد البهية" صـ٢٠٢-، "هدية العارفين" ٧١/٢).
(٧) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيما يتعلق بالقيام والركوع والسجود والأذكار ق ١٤/أ.
(٨) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٢٨٦/ب.

الجزء الثالث
١٥١
فرائض الصلاة
بقدْرِ القراءة فيه، فلو كَبَّرَ قائماً، فركَعَ ولم يقف صحَّ؛ لأنَّ ما أتى به من القيام إلى
أَنْ يَبْلُغَ الركوعَ يكفيه، "قنية" (في فرضٍ) ومُلحَقٍ به.
[٣٨٧١] (قولُهُ: بقدْرِ القراءةِ فيه) ذكَرَهُ في "الشرنبلاليّة"(١) بحثاً، لكنْ عزاه في "الخزائن"(٢) إلى
"الحاوي"(٣)، وحينئذٍ فهو بقدْرِ آيةٍ فرضٌ، وبقدْرِ الفاتحةِ وسورةٍ واجبٌ، وبطِوالِ المفصَّلِ
وأوساطِه وقِصاره في محالّها مسنونٌ، والزيادةُ على ذلك في نحوٍ تهجُّدٍ مندوبٌ، لكنْ في أواخر الفنِّ
الثالث من "الأشباه"(٤): ((قال أصحابنا: لو قرأ القرآنَ كلَّه في الصلاة وقَعَ فرضاً، ولو أطالَ
الرُّكوعَ والسجودَ فيها وقع فرضاً)) اهـ.
ومقتضاه: أَنَّه لو أطالَ القيامَ يقعُ فرضاً أيضاً، فينافي هذا التقديرَ، وقد يجابُ بأنَّ هذا قبل
إيقاعه، أمَّا بعده فالكلُّ فرضٌ كما أنَّ القراءة قبل إيقاعها نُوِّعتْ إلى فرضٍ وواجبٍ وسنّةٍ، وبعده
يكون الكلُّ فرضاً.
وتظهرُ ثمرةُ ذلك في الثواب والعقاب، فإذا قرأ أكثرَ من آيةٍ يثابُ ثوابَ الفرض، وإذا ترَكَ
القراءة لا يُعاقَبُ على تركِ الزائد على الآية، هذا ما ظهَرَ لي، فتأمَّله.
[٣٨٧٢] (قولُهُ: فركَعَ) أي: وقرأ في هُوِّهِ قَدْرَ الفرض، أو كان أخرسَ أو مقتدياً، أو
أخَّر القراءةَ.
[٣٨٧٣] (قولُهُ: إلى أنْ يبلغَ الرُّكوعَ) أي: يبلغَ أقلَّ الركوع، بحيث تنالُ يداه ركبتيه، وعبارتُهُ
[١/ق٣٤٦/أ] في "الخزائن"(٥) عن "القنية"(٦): ((إلى أنْ يصيرَ أقربَ إلى الركوع)).
(١) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٦٧/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٨٢/ب.
(٣) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٤٥/أ.
(٤) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث - الجمع والفرق صـ ٤٤٩ -.
(٥) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٨٢/ب.
(٦) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيما يتعلق بالقيام والركوع والسجود والأذكار ق١٣/ب.

قسم العبادات
١٥٢
حاشية ابن عابدين
كنذرٍ وسنَّةٍ فجرٍ في الأصحِّ.
[٣٨٧٤] (قولُهُ: كنذرٍ) أطلقَهُ فشمل النذرَ المطلق، وهو الذي لم يعَيَّنْ فيه القيامُ ولا القعود،
وهذا أحدُ قولين، والثاني التخييرُ، "ط" (١). وأبدَلَ النذرَ في "الخزائن)"(٢) بالواجب، ويدخلُ فيه
قضاءُ ما أفسدَهُ من النوافل، فهل يفترضُ فيه القيامُ لوجوبه أم لا إلحاقاً له بأصله؟ توقَّفَ فيه "ط"(٣) !
و"الرحمتي".
[٣٨٧٥) (قولُهُ: وسنّةِ فجرِ في الأصحّ) أمَّا على القول بوجوبها فظاهرٌ، وأمَّا على القول
بسنَّتها فمراعاةً للقول بالوجوب، ونقَلَ في "مراقي الفلاح"(٤): ((أَنَّ الأصحَّ جوازُها من
قعودٍ))، "ط"(٥).
أقولُ: لكنْ في "الحلبة"(٦) عند الكلامِ على صلاة التراويح: ((لو صلَّى التراويحَ قاعداً بلا
عذرٍ قيل: لا تجوزُ قياساً على سنَّةِ الفجر، فإنَّ كلاً منهما سنّةٌ مؤكدةٌ، وسنَّةُ الفجر لا تجوزُ قاعداً
من غيرِ عذرٍ بإجماعهم كما هو روايةُ "الحسن" عن "أبي حنيفة" كما صرَّحَ به في "الخلاصة)(٧)،
فكذا التراويحُ، وقيل: يجوزُ، والقياسُ على سنّةِ الفجر غيرُ تامٍّ، فإنَّ التراويح دونها في التأكيد،
فلا تجوزُ التسويةُ بينهما في ذلك، قال "قاضي خان"(٨): وهو الصحيح)) اهـ.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٢/١.
(٢) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٨٢/ب.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٢/١.
(٤) "مراقي الفلاح": كتاب الصلاة - فصل في صلاة النفل والصلاة على الدابة صـ ٣٩١ - لأبي الإخلاص الحسن بن
عمار الشرنبلاليّ المصريّ(ت ١٠٩٦ هـ). ("إيضاح المكنون" ٤٦٤/٢، "خلاصة الأثر" ٣٨/٢، "التعليقات السنية
على الفوائد البهية" صـ ٥٨-).
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٢/١.
(٦) "الحلبة": صلاة التراويح ٢/ق ٢٠٥/أ.
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث في التراويح ق ٢١/ب.
(٨) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل في أداء التراويح قاعداً ٢٤٣/١ (هامش"الفتاوى الهندية").

الجزء الثالث
١٥٣
فرائض الصلاة
(لقادرِ عليه) وعلى السجود، فلو قدَرَ عليه دون السجود نُدِبَ إِماؤه قاعداً، وكذا
مَن يسيلُ جُرحُهُ لو سجَدَ، ..
[٣٨٧٦] (قولُهُ: لقادرٍ عليه) فلو عجَزَ عنه حقيقةً - وهو ظاهرٌ - أو حكماً - كما لو حصلَ له
به أَمٌ شديدٌ، أو خافَ زيادةً المرض، وكالمسائلِ الآتيةِ(١) في قوله: ((وقد يتحتَّمُ القعودُ إلخ)) - فإنَّه
يسقُطُ، وقد يسقُطُ مع القدرةِ عليه فيما لو عجَزَ عن السجود كما اقتصَرَ عليه "الشارح" تبعاً
لـ "البحر"(٢)، ويزادُ مسألةٌ أخرى، وهي الصلاةُ في السفينة الجارية، فإنّه يصلّي فيها قاعداً مع
القدرة على القيام عند "الإِمام".
[٣٨٧٧) (قولُهُ: فلو قدَرَ عليه) أي: على القيامِ وحدَهُ أو مع الرُّكوع كما في "المنية"(٣).
[٣٨٧٨] (قولُهُ: نُدِبَ إِماؤه قاعداً) أي: لقربه من السُّجود، وجاز إِماؤه قائماً كما في
"البحر "(٤)، وأوجَبَ الثّانيَ "زفرُ" والأئمَّةُ الثلاثة؛ لأنَّ القيام ركنٌ، فلا يُترَكُ مع القدرة عليه، ولنا:
أنَّ القيام وسيلةٌ إلى السُّجود للخرور، والسجودُ أصلّ؛ لأَنَّه شُرِعَ عبادةٌ بلا قيامٍ كسجدة التلاوة،
والقيامُ لم يُشرَعْ عبادةً وحده، حتى لو سجَدَ لغير الله تعالى يُكَفَرُ بخلاف القيام، وإذا عجَزَ عن
الأصل سقطت الوسيلةُ كالوضوءِ مع الصلاة والسَّعىِ مع الجمعة، وما أورَدَهُ "ابن الهمام"(٥) أجابَ
عنه في [١/ق ٣٤٦/ب] "شرح المنية"(٦)، ثم قال: ((ولو قيل: إنَّ الإيماء أفضلُ للخروج من
الخلاف لكان موجهاً، ولكنْ لم أر مَنْ ذَكَرَهُ)).
[٣٨٧٩] (قولُهُ: وكذا) أي: يُندَبُ إِماؤه قاعداً مع جواز إِيمائه قائماً لعجزِهِ عن السجود
(١) انظر المقولة [٣٨٨٠] قوله: ((وقد يتحتمُ القعود إلخ)).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٠٨/١.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - القيام صـ ٢٦٦ -.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢٦/١.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ٤٦٠/١.
(٦) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - القيام صـ٢٦٧ -. وعبارته: ((إنَّ الإيماء قائما أفضل ... )).

قسم العبادات
١٥٤
حاشية ابن عابدين
وقد يتحتّمُ القعودُ كمن يسيلُ جُرحُهُ إذا قام، أو يسلَسُ بولُهُ، أو يبدو ربعُ عورته،
أو يضعُفُ عن القراءة أصلاً، أو عن صوم رمضان، ولو أضعَفَهُ عن القيام الخروجُ
الجماعةٍ صلَّى في بيته قائماً،.
حكماً؛ لأَنَّه لو سجَدَ لزِمَ فواتُ الطهارة بلا خَلَفٍ، ولو أومَأَ كان الإيماءُ خلَفاً عن السجود.
[٣٨٨٠] (قولُهُ: وقد يتحتَّمُ القعودُ إلخ) أي: يلزمُهُ الإيماءُ قاعداً لخلَفيَّته عن القيام الذي
عجَزَ عنه حكماً؛ إذ لو قامَ لزِمَ فوتُ الطهارة أو السَّتْرِ أو القراءةِ أو الصوم بلا خلَفٍ، حتى
لو لم يقدرْ على الإيماء قاعداً - كما لو كان بحالٍ لو صلَّى قاعداً يسيلُ بولُهُ أو جرحُه، ولو
صلَّى مستلقياً لا يسيلُ منه شيءٌ - فإنَّه يصلِّي قائماً بركوعٍ وسجودٍ كما نصَّ عليه في
"المنية" (١)، قال "شارحها"(١): ((لأنَّ الصلاة بالاستلقاء لا تجوزُ بلا عذرٍ كالصلاة مع
الحدث، فيترجَّحُ ما فيه الإتيانُ بالأركان، وعن "محمَّدٍ": أنَّه يصلّي مضطجعاً، ولا إعادةَ في
شيءٍ مما تقدَّمَ إجماعاً)) اهـ.
[٣٨٨١] (قولُهُ: أو يسلَسُ) من باب تعِبَ، "ط"(٢).
[٣٨٨٢] (قولُهُ: أصلاً أمَّا لو قدَرَ على بعضِ القراءة إذا قام فإنّه يلزمُهُ أنْ يقرأ مقدارَ قدرته
والباقيَ قاعداً، "شرح المنية"(٣).
[٣٨٨٣] (قولُهُ: الخروجُ لجماعةٍ) أي: في المسجد، وهو محمولٌ على ما إذا لم تتيسَّرْ له
الجماعةُ في بيته، أفاده "أبو السُّعود"(٤)، "ط" (٥).
(١) انظر "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - القيام صـ٢٦٧ -.
(٢) في "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ٣١٨/١ ((من باب فرح)) وهما سيَّان.
(٣) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - القيام صـ٢٦٧ - بتصرف يسير.
(٤) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١٦٨/١.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٢/١-٢٠٣.

الجزء الثالث
١٥٥
فرائض الصلاة
به يُفتَى خلافاً لـ "الأشباه"(١).
(ومنها القراءةُ) لقادرٍ عليها
[٣٨٨٤] (قولُهُ: به يُفتَى) وجهُهُ أنَّ القيام فرضٌ بخلاف الجماعة، وبه قال "مالكٌ" و"الشافعيُّ"
خلافاً لـ "أحمد" بناءً على أنَّ الجماعة فرضٌ عنده، وقيل: يصلّي مع الإمام قاعداً عندنا؛ لأَنَّه عاجٌ؛
٢٩٩/١ إذ ذاك ذكَرَهُ في "المحيط"، وصحَّحَهُ "الزاهديُّ"، "شرح المنية"(٢). وثَمَّ قولٌ ثالثٌ مشى عليه في
"المنية"(٢)، وهو: ((أَنَّ يَشرعُ مع الإمام قائماً ثم يقعدُ، فإذا جاء وقتُ الرُّكوع يقومُ ويركعُ))،
أي: إِنْ قدَرَ.
وما مشى عليه "الشارح" تبعاً لـ "النهر "(٤) جعَلَهُ في "الخلاصة"(٥) أصحَّ، وبه يفتى، قال في
"الحلبة"(٦): ((ولعلَّه أشبهُ؛ لأنَّ القيام فرضٌ، فلا يجوزُ تركُهُ للجماعة التي هي سنّةٌ، بل يُعَدُّ هذا
عذراً في تركها)) اهـ. وتَبِعَهُ في "البحر)"(٧).
بحثُ القراءة
[٣٨٨٥] (قولُهُ: ومنها القراءةُ) أي: قراءةُ آيةٍ من القرآن، وهي فرضٌ عمليٌّ في جميعِ ركعاتٍ
النفل والوتر، وفي ركعتين من الفرض كما سيأتي(٨) متناً في باب الوتر والنّوافل، وأمَّا تعيينُ القراءة
[١ /ق ٣٤٧/ أ] في الأوليين من الفرض فهو واجبٌ، وقيل: سنّةٌ لا فرضٌ كما سنحقّقه(٩)
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الخامسة: الضرر يزال صـ ٩٨ - نقلاً عن "الخلاصة".
(٢) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - القيام صـ٢٦٧-٢٦٨ -.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - القيام صـ ٢٦٧ -.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٤٢/أ.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الحادي والعشرون في صلاة المريض ق ٤٩ /ب معزياً إلى شمس الأئمة
الأُوْزْ جندي.
(٦) "الحلبة": فرائض الصلاة - القيام ٢/ق ٥٦/أ.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٠٨/١.
(٨) ٣١١/٤ "در".
(٩) المقولة [٦٢٩٤] قوله: ((على المذهب)).

قسم العبادات
١٥٦
حاشية ابن عابدين
كما سيجيءُ، وهي ركنٌ زائدٌ عند الأكثرِ لسقوطه بالاقتداء بلا خَلَفٍ.
في الواجبات، وأمَّا قراءةُ الفاتحة والسُّورة أو ثلاثِ آياتٍ فهي واجبةٌ أيضاً كما سيأتي(١).
(فرعٌ)
قد تُفرَضُ القراءةُ في جميعِ ركعات الفرض الرباعيِّ، كما لو استخلَفَ مسبوقاً بركعتين،
وأشارَ له أنَّه لم يقرأ في الأوليين كما سيأتي(٢) في باب الاستخلاف.
[٣٨٨٦) (قولُهُ: كما سيجيءُ)(٣) أي: في الفصل الآتي مع بيانِ حكمِ القراءة بغيرِ العربيّة أو
بالشواذٌ أو بالتوراة والإنجيل.
مبحثٌ في الرُّكن الأصليِّ والرُّكن الزائد
[٣٨٨٧] (قولُهُ: لسقوطِهِ بالاقتداء بلا خلَفٍ) في هذا التعليلِ إشارةٌ إلى ما ذكَرَهُ في "البحر (٤). ((من
أنَّ الرُّكن الزائدَ هو ما يسقُطُ في بعض الصُّور من غيرِ تحقَّقِ ضرورةٍ، والركنَ الأصليَّ ما لا يسقُطُ
إلاَّ لضرورةٍ، وأُورِدَ على تسمية الركنِ زائدً أنَّ الركن ما كان داخلَ الماهَّةِ، فكيف يوصَفُ
بالزيادة؟! وأجيب(٥): بأنّه ركنٌ من حيث قيامُ ذلك الشيءٍ به في حالةٍ وانتفاؤه بانتفائه، وزائدٌ من
حيث قيامُهُ بدونه في حالةٍ أخرى، فالصلاةُ ماهيّةٌ اعتباريَّةٌ، فيجوزُ أنْ يعتبرَها الشارع تارةً بأركانٍ،
وأخرى بأقلّ منها.
وأُورِدَ على تفسير الرُّكنِ الزائدبما مرَّ أَنَّه يلزمُ عليه تسميةُ غَسل الرِّجْل ركناً زائداً في
الوضوء، وأجيب: بأنَّ الزائد ما إذا سقَطَ لا يخلُقُه بدلٌ، والمسحُ بدلُ الغَسل، ومثلُهُ بقيَّةُ أركانِ
الصلاة، فإنَّها تسقُطُ إلى خلفٍ، فليستْ بزوائد)) بخلاف القراءة، وأورِدَ أنَّ قراءة الإمام خلَفٌ
(١) صـ ١٩٠ - وما بعدها "در".
(٢) ٣٩/٤ "در".
(٣) صـ٢٧٥ - وما بعدها "در".
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٠٩/١ بتصرف.
(٥) الجواب هو للأكمل في "شرح البزدوي" كما في "البحر".