Indexed OCR Text
Pages 121-140
الجزء الثالث
١١٧
باب شروط الصلاة
ولو أعمى فسَوَّاه رجلٌ بَنَى ولم يَقْتَدِ الرجلُ به ولا بِمُتْحَرِّ تحوَّلَ، ولو اثْتَمَّ ..
وهذا إنما يصحُّ في بعضِ المساجد، فأمَّا في الأكثرِ فيمكن تمييزُ المحراب من غيره في الظلمة
بلا إيذاء، فلا يجوزُ التحرِّي، "إسماعيل"(١) عن "المفتاح".
[٣٨٠٥] (قولُهُ: ولو أعمىً إلخ) قال في "شرح المنية"(٢): ((ولو صلَّى الأعمى ركعةً إلى غيرِ
القِبلة، فجاء رجلٌ فسوَّاه إلى القِبلة واقتدى بِهِ إِنْ وجَدَ الأعمى وقتَ الشروع مَنْ يسألُهُ، فلم يسألُهُ
لم تجزْ صلاتُهما، وإلاّ جازتْ صلاةُ الأعمى دون المقتدي؛ لأنَّ عنده أنَّ إمامَهُ بان صلاتَهُ على
الفاسد، وهو الركعةُ الأولى)) اهـ. ومثلُهُ في "الفيض" و "السِّرَاجِ"(٣).
ومُفادُه: أنَّ الأعمى لا يلزمُهُ إمساسُ المحراب إذا لم يجدْ مَنْ يسألُهُ، وأَنَّه لو ترَكَ السؤالَ مع
إمكانه، وأصاب القِبلة جازتْ صلاته، وإلاَّ فلا كما قدَّمناه(٤) عن "المنية".
[٣٨٠٦] (قولُ: ولا يمتحرٌ تحوَّلَ) أي: إلى القِبلة مع علمٍ المقتدي بحالته الأولى، وعبارتُهُ في
"الخزائن"(٥): ((كمَنْ تحرَّى فأخطأ، ثم علِمَ فتحوَّلَ لم يقتدِ به مَنْ عِلِمَ بحاله)) اهـ، أي: لعلمِهِ بأنَّ
الإِمام كان على الخطأ في أوَّلِ الصلاة، "بحر "(٦).
ومُفادُه: أَنَّه لو تحوَّلَ بالتحرِّي أيضاً إلى جهةٍ ظَنّها القِبلةَ جاز للآخرِ الاقتداءُ به إنْ تحرَّى
مثلَهُ، وإلاَّ فهي المسألةُ الآتية، تأمَّلْ.
(قولُهُ: بان صلاَتَهُ على الفاسدِ وهو الركعةُ الأولى) فيه تأمُّلٌ؛ إذ الركعةُ الأولى صحيحةٌ لوقوعها
بالتحرِّي، إلاَّ أن يقال: صحَُّها بالنظر للمصلّي لا بالنظرِ للمقتدي.
(١) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ٢٧٠/ب بتصرف يسير.
(٢) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة - فروع صـ٢٢٥ -.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ١٤٦/أ.
(٤) المقولة [٣٧٨٦] قوله: ((وإلا فمن الأهل)).
(٥) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٨١/ب.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠٣/١ نقلاً عن "التجنيس".
قسم العبادات
١١٨
حاشية ابن عابدين
بِمُتحَرٍّ بلا تحرِّ لم يَجُزْ إنْ أخطَأَ الإِمامُ، ولو سلَّمَ فتحوَّلَ رأيُ مسبوقٍ ولاحقٍ
استدارَ المسبوقُ واستأنَفَ اللاحق،
[٣٨٠٧] (قولُهُ: بمتحرِّ متعلّقٌ بـ ((ائْتَمَّ))، وقولُهُ: ((بلا تحرِّ)) متعلّقٌ بمحذوفِ حالٍ من فاعلِ
((ائتمَّ)).
[٣٨٠٨] (قولُهُ: لم يجزْ) أي: اقتداؤه إنْ ظهَرَ أنَّ الإمام مخطىٌّ؛ لأنَّ الصلاة عند الاشتباهِ من
غيرٍ تحرّ إنما تجوزُ عند ظهورِ الإصابة كما مرَّ(١) ويأتي(٢)، وأمّا صلاةُ الإمام فهي صحيحةٌ لتحرِّيِه،
وإِنْ أصابَ الإِمامُ جازتْ صلاتهما كما في "شرح المنية"(٣).
[٣٨٠٩] (قولُهُ: استدارَ المسبوقُ إلخ) لأَنَّه منفردٌ فيما يقضيه بخلاف اللاحقِ؛ لأَنَّه مقتدٍ فيما
يقضيه، والمقتدي إذا ظهَرَ له وهو وراءَ الإِمام أنَّ القِبلة غيرُ الجهةِ التي يصلّي إليها الإِمامُ لا يمكنه
إصلاحُ صلاته؛ لأَنَّه إن استدارَ خالَفَ إمامَهُ في الجهة قصداً، وهو مُفسِدٌ، وإلاَّ كان متمَّاً صلاتَهُ
إلى ما هو غيرُ القِبلة عنده، وهو مُفسِدٌ أيضاً، فكذلك اللاحقُ، "شرح المنية"(٤).
بقيَ ما إذا كان لاحقاً ومسبوقاً، وحكمُهُ: أَنَّه إنْ قضى ما لَحِقَ به أوَّلاً، ثم ما سُبِقَ به فإِنْ
تحوَّلَ رأيُهُ في قضاءٍ ما لَحِقَ به استأَنَفَ، وإنْ تحوَّلَ في قضاءِ ما سُبِقَ به استدار(٥)، وأمَّا إِنْ قضى ما
سُبْقَ به أوَّلاً، ثمَّ ما لَحِقَ [١/ق٣٣٧/أ] به فإنْ تحوَّلَ رأيُهُ فيما لَحِقَ به استأَنَفَ، وإنْ تحوَّلَ في ما
سُبِقَ بِه فإنِ استمَرَّ على رأيِهِ إلى شروعه فيما لَحِقَ به استأَفَ - وهذا كُلُّهُ ظاهرٌ - وأمَّا إنْ لم
يستمرَّ إلى شروعِهِ فيما لَحِقَ به - بأنْ تحوَّلَ رأيُهُ قبل قضاءٍ ما لَحِقَ به إلى جهةٍ إمامه - ففيه تردُّدٌ،
والظاهرُ أَنَّه يستديرُ، تأمَّلْ، "ح"(٦). وأقرَّهُ "ط)(٧) و"الرحمتيُّ".
(١) المقولة [٣٧٩٦] قوله: ((بما مرّ)).
(٢) المقولة [٣٨١٣] قوله: ((وإن شرع)).
(٣) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة صـ٢٢٥ - بتصرف يسير.
(٤) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة - فروع صـ٢٢٥ -.
(٥) من ((فإن تحول رأيه)) إلى ((استدار)) ساقط من "الأصل".
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٥١/أ.
(٧) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٩/١.
الجزء الثالث
١١٩
باب شروط الصلاة
ومَن لم يَقَعْ تحرِّيه على شيءٍ صلَّى لكلِّ جهةٍ مرَّةً احتياطً، ومَن تحوَّلَ رأيهُ لجهتِهِ الأُولى
[٣٨١٠] (قولُهُ: ومَنْ لم يقعْ تحرِّيهِ إلخ) في "البحر"(١) و"الحلبة"(٢) وغيرهما عن "فتاوى
العَتّابِيِّ": ((تحرَّى فلم يقعْ تحرِّيهِ على شيءٍ قيل: يؤخْرُ، وقيل: يصلّي إلى أربعِ جهاتٍ، وقيل:
يُخَّرُ) اهـ
٢٩١/١
ورجَّحَ في "زاد الفقير" الأوَّلَ حيث جزَمَ به، وعبَّرَ عن الأخيرين بـ ((قيل))، واختار في
"شرح المنية"(٣) الوسطَ وقال: ((إنَّه الأحوطُ))، ونقَلَ "ح"(٤) عن "الهنديَّة"(٥) عن "المضمرات":
((أَنَّه الأصوبُ))، فلهذا اختارَهُ "الشارح"، وظاهرُ كلام "القُهُستانِّ"(٦) ترجيحُ الأخير، وهو الذي
يظهرُ لي، فإِنَّه قالَ: ((لو تحرَّى ولم يتبقَّنْ بشيءٍ، فصلّى إلى أيِّ جهةٍ شاء كانتْ جائزةً ولو أخطأ
فيه، وقيل: إنْ لم يقعْ تحرِّيهِ على شيءٍ أخَّرَ الصلاة، وقيل: يصلِّي إلى الجهاتِ الأربعِ كما في
"الظهيريَّة"(٧)) اهـ.
ومُفادُه: أنَّ معنى التخيير أَنَّه يصلّي مرَّةً واحدةً إلى أيِّ جهةٍ أرادَ من الجهاتِ الأربعِ، وبه
صرَّحَ الشافعيّة والحنابلة، وأمَّا ما في "شرح المنية الكبير(٨) من تفسيره بقوله: ((وقيل: يخيَّرُ: إِنْ
شاء أخَّرَ، وإن شاء صلّى الصلاةَ أربعَ مراتٍ إلى أربعِ جهاتٍ)) فالظاهرُ أَنَّه من عنده؛ لأنَّ عبارة
"فتاوى العَتَّابِيِّ" السابقةَ ليس فيها هذه الزيادةُ.
(قولُهُ: فالظاهرُ أَنَّ من عندِهِ إلخ) ولو فسَّرَ "الحلبيُّ" التخييرَ بأنْ يصلِّيَ مرَّةً واحدةً إلى أيِّ جهةٍ
شاء أو إلى أربعِ جهاتٍ لوافَقَ التوفيق.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠٤/١.
(٢) "الحلبة": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة ٢/ق ١٢/ب.
(٣) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة صـ٢٢٢ -.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٥١/ب.
(٥) "الفتاوى الهندية": كتاب الصلاة - الباب الثالث - الفصل الثالث في استقبال القبلة ٦٤/١.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - شروط الصلاة ٨٢/١.
(٧) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثاني - الفصل الأول في استقبال القبلة والتحري ق ١٤/ب.
(٨) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة صـ٢٢٢ -.
قسم العبادات
١٢٠
حاشية ابن عابدين
ويَرِدُ عليه أنَّه إذا صلّى إلى الجهاتِ الأربعِ يلزمُ عليه الصلاةُ ثلاثَ مرَّاتٍ إلى غير القِبلة يقيناً،
وهو منهيٌّ عنه، وتركُ المنهيِّ مقدٌَّ على فعلِ المأمور، ولذا يصلِّي بالنجاسة إذا لزِمَ من غَسلها كشفُ
العورة عند الأجانب، على أنَّ المأمور به هنا ساقطٌ؛ لأنَّ التوجُّهَ إلى القِبلة إنما يؤمَرُ به عند القدرة
عليه، وقبلةُ المتحرِّي هي جهةُ تحرِِّهِ، ولَمَّا لم يقعْ تحرِّيهِ على شيءٍ استوتْ في حقّه الجهاتُ الأربع،
فيختارُ واحدةً منها ويصلِّي إليها، وتصحُّ صلاته وإنْ ظهَرَ خطؤه فيها؛ لأَنَّه أتى بما في وُسعِهِ، وهذا
الوجهُ يقوِّي القولَ الأخير - وهو التخييرُ - على المعنى الذي ذكرناه(١) [١/ق٣٣٧/ب] عن
"القُهُستانيّ"، ويضعِّفُ ما اختاره "الشارح" وادَّعى أَنَّه الاحتياطُ، فتدبّرْ ذلك بإنصافٍ.
(قولُهُ: وَيَرِدُ عليه أنَّه لو صلَّى إلى الجهاتِ الأربعِ إلخ) قدَّمَ في مسائلِ الأسآر عند ذكرٍ حكمٍ ما لو
فَقَدَ الماءَ المطلق ووجَدَ سؤر الحمار من أَنَّه يَجمَعُ بينهما في صلاةٍ واحدةٍ لا في حالةٍ واحدةٍ ما نصُّهُ:
((فإنْ قيل: يلزمُ من هذا أداءُ الصلاة بلا طهارةٍ في إحدى المرَّتين، وهو مُستلزِمٌ للكفر، فينبغي الجمعُ
بينهما في أداءٍ واحدٍ قلنا: كلٌّ منهما مطهِّرٌ من وجهٍ دون وجهٍ، فلا يكونُ الأداءُ بلا طهارةٍ من كلِّ
وجهٍ، فلا يلزمُهُ الكفرُ كما لو صلَّى حنفيٌّ بعد نحوٍ حجامةٍ لا تجوزُ صلاته ولا يُكفَرُ للاختلاف، بخلاف
ما لو صلَّى بعد البولِ، "بحر" عن "المعراج")) اهـ. فيقال هنا أيضاً: إنَّه بصلاته إلى أيِّ جهةٍ من الجهات
الأربع لم يُصَلِّ إلى غيرِ القبلة من كلِّ وجهٍ، وفعلُ ذلك للاحتياط في إسقاط الفرض عنه يقيناً، فيسقطُ
الإيراد الذي أورَدَهُ على هذا القيل، تأمَّل. وقال "السنديُّ" أيضاً: ((ولا يَرِدُ عليه أنَّه صلَّى لغيرِ القبلة أو
تلَّسَ بعبادةٍ فاسدةٍ؛ لأنَّ ذلك غيرُ متيقِّنٍ؛ إذ يُحتمَلُ في كلِّ مرَّةٍ أَنَّه مُستقبِلٌ وصلاتُهُ صحيحةٌ)) اهـ.
على أنَّه يكفي للعملِ بهذا القيلِ الذي مشى عليه "الشارح" ما نقلَهُ في "الهنديَّة" عن "المضمرات": ((أَنَّه
الأصوبُ؛ إذ علينا اتّباعُ ما صحَّحُوا))، تأمَّل.
(قولُهُ: ويُضعِفُ ما اختارَهُ "الشارح" إلخ) فيه أنَّ كلام "الشارح" دالٌّ على أنَّ تكرار الصلاةِ لكلِّ
جهةٍ احتياطاً لا لزوماً، والقولُ الأوَّلُ في "القُهُستانيّ" إنما هو في اللُّوم لا الاحتياط، وما قالَهُ "الشارح"
يصلُحُ توفيقاً بين القولين بالتخييرِ والصلاةِ إلى أربعٍ جهاتٍ.
(١) في هذه المقولة.
الجزء الثالث
١٢١
باب شروط الصلاة
استدارَ، ومَن تذكَّرَ تَرْكَ سحدةٍ من الأُولى
وللقول الأوَّلِ الذي اختاره "الكمالُ" في "زاد الفقير" وجةٌ ظاهرٌ أيضاً، وهو أنَّه لَمَّا
كانت القِبلة عند عدمِ الدليل عليها هي جهةَ التحرِّي، ولم يقعْ تحرِّيهِ على شيءٍ صار فاقداً
الشرطِ صحَّةِ الصلاة، فيؤخِّرُها كفاقدِ الطَّهورين، لكنَّ القول الأخير - وهو وجوبُ الصلاة في
الوقت مع التخييرِ إلى أيِّ جهةٍ شاء - أحوطُ كما لو وجَدَ ثوباً أقلُّ من ربعه طاهرٌ، ولعمومٍ
قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهِ ﴾ [البقرة -١١٥]، فإِنَّه قيل: نزَلَ في مسألة اشتباهِ
القِبلة، وظاهرُ ما قدَّمناه (١) عن "القُهُستانيِّ" اختيارُهُ، وبه يُشعِرُ كلامُ "البحر "(٢)، وهو مذهبُ
الشافعيّة والحنابلة كما مرَّ(٣).
مطلبٌ: إذا ذُكِرَ في المسألة ثلاثةُ أقوال فالأرجحُ الأوَّلُ أو الثالثُ لا الوسط
وقدَّمنا(٤) أوَّلَ الكتاب عن "المستصفى": ((أَنَّه إذا ذُكِرَ في مسألةٍ ثلاثةُ أقوالِ فالأرجحُ الأَوَّلُ
أو الثالثُ لا الوسطُ))، والله أعلم.
[٣٨١١] (قولُهُ: استدارَ) قال في "شرح المنية"(٥): ((واختلَفَ المتأخّرون فيما إذا تحوَّلَ رأيُهُ في الثالثةِ
أو الرابعة إلى الجهةِ الأولى، قيل: يُتُمُّ الصلاة، وقيل: يستقبلُ، كذا في "الخلاصة"(٦)، والأوَّلُ أوجهُ))
اهـ. ولذا قدَّمَهُ في "الخانَة)(٧)؛ لأَنَّه يقدِّمُ الأشهرَ، وحزَمَ به "القُهُستَانِيُّ"(٨)، وتِبِعَهُ "الشارح".
(١) في هذه المقولة.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠٤/١.
(٣) في هذه المقولة.
(٤) المقولة [٤٧٢] قوله: ((وصحح في "الحاوي القدسي" قوة المدرك)).
(٥) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة صـ٢٢٣ - بتصرف يسير.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس: في استقبال القبلة ق٢٣/ب معزياً إلى "مجموع النوازل".
(٧) "الخانية": كتاب الصلاة - مسائل اشتباه القبلة ٧٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - شروط الصلاة ٨٣/١.
قسم العبادات
١٢٢
حاشية ابن عابدين
استأنَفَ (وإِنْ شرَعَ بلا تحرِّ لم يَجُزْ وإنْ أصابَ) لتركِهِ فرضَ التحرِّي، إلاّ إذا عَلِمَ
إصابتهُ بعد فراغه فلا يعيدُ اتفاقاً، بخلاف مخالِفِ جهةٍ تحرِّيه، فإنَّه يستأنفُ مطلقاً،
كمُصَلٍّ على أنّه مُحدِثٌ).
[٣٨١٢] (قولُهُ: استأَنَفَ) لأَنَّه إنْ سحَدَها إلى الجهةِ الثانية فقد سجَدَها إلى غيرِ قبلةٍ؛ لأنَّها
· جزءٌ من الركعة الأولى، والجهةُ الثانية ليستْ قبلةً للركعة الأولى بجميعٍ أجزائها، وإنْ سحَدَها إلى
الجهةِ الأولى فقد انحرَفَ عمَّا هو قبلتُهُ الآن. اهـ "ح"(١).
(٣٨١٣] (قولُهُ: وإِنْ شرَعَ) الضميرُ راجعٌ إلى العاجز، أي: إذا اشتبهتْ عليه القِبلةُ، وعجَزَ عن
معرفتها بالأدَلَّةِ المارَّةِ(٢) فقبلتُهُ جهةُ تحرِّيهِ، فلو شِرَعَ بلا تحرِّ لم تجزْ صلاته ما لم يتيقَّنْ بعد فراغه
أَنَّه أصابَ القِبلة؛ لأنَّ الأصل(٣) عدمُ الاستقبال استصحاباً للحال، فإذا تبيَّنَ يقيناً أَنَّه أصابَ ثَبَتَ
الجوازُ من الابتداء وبطَلَ الاستصحاب، حتى لو كان أكبرُ رأيه أنَّ أصابَ فالصحيحُ أَنَّه لا يجوزُ
كما في "الحلبة(٤) عن "الخانيّة"(٥)، ولو تيقْنَ في أثناءِ صلاته لا يجوزُ خلافاً لـ "أبي يوسف"؛ لأنَّ
حالَهُ بعد العلم أقوى، وبناءُ القويِّ على الضعيف لا يجوزُ.
[٣٨١٤] (قولُهُ: بخلافٍ إلخ) أي: لو وقَعَ تحرِّيهِ على جهةٍ، وصلَّى إلى غيرها فإنَّه يستأنفُ
مطلقاً، أي: سواءٌ عِلِمَ أَنَّه أصاب أو أخطأ، في الصلاة أو بعدها، أو لم يظهرْ شيءٌ، وعن "أبي
حنيفة": أَنَّه يُخشى عليه الكفرُ، وعن "الثاني": يُجزيه [١/ق ٣٣٨/أ] إنْ أصابَ، وبالأوَّل
يُفْتَى، "فيض".
والفرقُ لهما: أنَّ ما فُرِضَ لغيره يشترطُ حصولُهُ لا تحصيلُهُ، لكنْ مع عدمٍ اعتقاد الفساد
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٥١/أ.
(٢) صـ١٠٥- "در".
(٣) من ((فقبلته جهة)) إلى ((لأن الأصل)) ساقط من "الأصل".
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة ٢/ ق ١١/ب.
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - مسائل اشتباه القبلة ٧٦/١ بتصرف (هامش"الفتاوى الهندية").
الجزء الثالث
١٢٣
باب شروط الصلاة
أو ثوبَهُ نجسٌ، أو الوقتَ لم يدخل فبانَ بخلافه لم يَجُزْ.
(صلَّى جماعةٌ(١) عند اشتباهِ القبلة) فلو لم تَشتبهْ إنْ أصابَ جازَ (بالتحرِّي).
وعدمِ الدليلِ عليه، ومخالفةُ جهةٍ تحرِّيِهِ اقتضت اعتقادَ فسادٍ صلاته، فصار كما لو صلَّى وعنده أنَّه
مُحدِثٌ، أو أنَّ ثوبه نجسٌ، أو أنَّ الوقت لم يدخلْ، فبانَ بخلاف ذلك لا يُجزيهِ في ذلك كلِّه؛ لأنَّ
عنده أنَّ ما فعَلَّهُ غيرُ جائزٍ بخلاف صورةٍ عدمِ التحرِّي، فإنَّه لم يعتقدِ الفساد، بل هو شاكٌّ فيه وفي
عدمِهِ، فإذا ظهرتْ إصابتُهُ بَعْدَ التمامِ زالَ أحدُ الاحتمالين، وتقرَّرَ الآخرُ بلا لزومٍ بناءِ القويِّ على
الضعيف، بخلاف ما إذا عَلِمَ الإصابةَ قبل التمام كما في "شرح المنية"(٢).
[٣٨١٥] (قولُ: أو ثوبَهُ) بالنصب عطفاً على اسمٍ أنَّ، ومثلُهُ الوقت، "ح"(٣).
[٣٨١٦] (قولُهُ: فلو لم تشتِهْ إلخ) ذكَرَهُ هنا استطراداً، وكان ينبغي ذكرُهُ عند قول
"المصنّف": ((وإِنْ شرَعَ بلا تحرّ))؛ لأَنَّه مفروضٌ فيما إذا اشتبهتْ عليه القِبلةُ كما قدَّمناه(٤)
فيكونُ قوله: ((فلو لم تشتبه)) بياناً لمفهومه.
ثُمَّ إِنَّ مسائل التحرِّي تنقسمُ باعتبار القسمةِ العقليّة إلى عشرين قسماً؛ لأَنَّه إمَّا أنْ لا يشكَّ
(قولُهُ: وكان ينبغي ذكرُهُ عند قول "المصنّف" إلخ) الأنسبُ ما قالَهُ "ط" و"الرحمتيُّ" من أنَّ هذه
المسألة ليست خاصَّةً بالجماعة، بل المنفردُ كذلك، وقال "الرحمتيُّ": ((تفريعٌ على قوله بالتحرِّي، يعني:
أنَّ التحرِّيَ إنما يكون شرطاً لصحَّةِ الصلاة عند الاشتباه، وإذا صلَّى إلى جهةٍ جازماً أنَّها القبلة جازَتْ
صلاته إلاّ إذا تيقنَ الخطأ فيها أو بعدها، وهذا في مطلق الصلاة لا بخصوص الجماعة )) اهـ. فعلى هذا
يكونُ قوله: ((فلو اشتَبَةَ)) مفهومَ قوله: ((وإنْ شرَعَ بلا تَحَرِّ )) وما بعده، فيكونُ قد ذكرَهُ في محلّه؛ إذ
لو ذكرَهُ أوّلاً لْتُوُهِّمَ أَنَّه خاصٌّ بالمنفرد، تأمَّل.
(١) في "د" زيادة عند قوله: صلى جماعةٌ: ((قال في "البحر": هذه المسألة من مسائل "الجامع الصغير"، وهي مشروطةٌ
بالمفازة، فيدلُّ على أنَّ التحريَ لا يجوز في القرية والمصر من غير سؤال، فليحفظ)).
(٢) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة صـ٢٢٢- باختصار.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٥١/أ.
(٤) المقولة [٣٨١٣] قوله: ((وإن شرع)).
قسم العبادات
١٢٤
حاشية ابن عابدين
مع إمامٍ (وتبيَّنَ أنَّهم صلَّوا إلى جهاتٍ مختلفةٍ فَمَن تيقِّنَ) منهم (مخالفةَ إمامِهِ في
الجهة) أو تقدَّمَه عليه.
ولا يتحرَّى، أو شكَّ وتحرَّى، أو لم يتحرَّ، أو تحرَّى بلا شكٍ، وكلُّ وجهٍ على خمسةٍ؛ لأَنَّه
إمَّا أنْ يظهرَ صوابُهُ، أو خطؤه، في الصَّلاة، أو خارجَها، أو لا يظهرَ.
أمَّا الأَوَّلُ فإنْ ظهَرَ خطؤه فسدتْ مطلقاً، أو صوابُهُ قبل الفراغ قيل: هو كذلك؛ لأَنَّه قوِيَ
حالُهُ، والأصحُّ لا، ولو بعدَه، أو لم يظهر، أو كان أكبرُ رأيه الإصابةَ فكذلك لا تفسُدُ.
٢٩٢٠
وحكمُ الثاني الصحَّهُ في الوجوهِ كلِّها.
وحكمُ الثالث الفسادُ في الوجوهِ كلِّها، أو لو أكبرُ رأيه أَنَّه أصابَ على الأصحِّ، إلاّ إذا عِلِمَ
يقيناً بالإصابة بعد الفراغ.
والرابعُ لا وجود له خارجاً، كذا في "النهر"(١). وقد ذكَرَ "المصنّف" الثاني بقوله: ((ويتحرَّى
عاجزٌ))، والثالثَ بقوله: ((وإِنْ شَرَعَ بلا تحرٍّ))، وذكَرَ "الشارح" الأوَّلَ بقوله: ((فلو لم تشتبهْ
إلخ))، لكنْ كان عليه أنْ يقول: إنْ ظهَرَ خطؤه فسدتْ، وإلاَّ فلا، وقد حذَفَ الرابعَ لعدم
وجوده، هذا هو الصوابُ في تقرير هذا المحلِّ، فافهم.
[٣٨١٧] (قولُهُ: مع إمامٍ) أمَّا لو صلَّوا منفردين صحَّتْ صلاة الكلِّ، ولا يتأتّى فيه التفصيل.
[٣٨١٨] (قولُهُ: فَمَنْ تِيقَّنَ [١/ق٣٣٨/ب] منهم) التيقُّنُ غيرُ قيدٍ، بل غلبةُ الظنِّ كافيةٌ، يدلُّ
عليه ما في "الفيض" حيث قال: ((وإنْ صلَّوا بجماعةٍ تُجزيهم إلاَّ صلاةَ مَنْ تقدَّمَ على إمامه، أو
عَلِمَ بمخالفة إمامِهِ في صلاته، وكذا لو كان عنده أنّه تقدَّمَ على الإمام، أو صلَّى إلى جانبٍ آخرَ
غيرِ ما صلَّى إليه إمامُه)) اهـ.
(قولُهُ: أو لو أكبرُ رأيِهِ) الظاهرُ الواو بدل ((أو))، ثُمَّ رأيت عبارة "النهر" بالواو.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ٤١/ب.
الجزء الثالث
١٢٥
باب شروط الصلاة
(حالةَ الأداء) أمَّا بعده فلا يضرُّ (لم تَحُزْ صلاتُهُ) لاعتقادِهِ خطأً إمامه، ولتركِهِ
فرضَ المقام (ومَن لم يَعلَمْ ذلك فصلاتُهُ صحيحةٌ) كما لو لم يتعَيَّنِ الإِمامُ، بأنْ
رأى رجلين يصلِيان فائتَمَّ بواحدٍ لا بعينه.
[٣٨١٩] (قولُهُ: حالةَ الأداء) ظرفٌ لقوله: ((تيقِّنَ مخالفةَ إمامه في الجهة)) مع قطعِ النظر عن
قوله: ((أو تقدُّمَهُ عليه))؛ لأَنَّه إذا تقدَّمَ على إمامه لم يجزْ سواءٌ عِلِمَ بذلك حالةَ الأداء أو بعده،
بخلاف مخالفته لإمامِهِ في الجهة، فإنَّه لا يضرُّ إلاَّ إذا علِمَ بها حالةَ الأداء كما دلَّتْ عليه عبارة
"الغيض" التي ذكرناها آنفاً(١)، ومثلُها قوله في "الملتقى"(٢): ((جازتْ صلاةُ مَنْ لم يتقدَّمْه بخلاف
مَنْ تَقدَّمَهُ، أو عِلِمَ حَالَهُ وخالفَهُ)) اهـ
وفي متن "الغرر"(٣): ((إنْ لم يعلمْ مخالفةَ إمامه ولم يتقدَّمْه جازَ، وإلاّ فلا)).
[٣٨٢٠] (قولُهُ: لاعتقادِهِ إلخ) نشرٌ مرتّبٌ، "ح(٤).
[٣٨٢١] (قولُهُ: كما لو لم يتعَيَّنِ الإِمامُ إلخ) تِبِعَ في ذلك "النهر "(٥) عن "المعراج"، ونصُّ
عبارة "المعراج": ((وقال بعضُ أصحابه - أي: "الشافعيّ" -: عليهم الإعادةُ؛ لأنَّ فعلَ الإمام في
اعتقادهم متردِّدٌ بين الخطأ والصواب، ولو لم يتعيّنِ الإِمام - بأنْ رأى رَجُلين يصلّان، فنوى الاقتداءَ
بواحدٍ لا بعينه - لا يجوزُ، فكذا إذا لم يتعَيَّنْ فعلُ الإِمام)) اهـ.
وبه ظهَرَ أنَّ المناسب حذفُ هذه المسألةِ بالكلية؛ إذ لا مدخلَ لها هنا إلاّ على قولِ بعض
(قولَهُ: وبه ظهَرَ أنَّ المناسب حذفُ هذه المسألة إلخ) فيه أنَّ القصد تشبيهُ هذه المسألة بالسَّابقة في
عدم الجواز، وهو متّفقٌ عليه في المذهبين، نعم المناسبُ ذكرُها عقب السَّابقة.
(١) في المقولة السابقة.
(٢) "ملتقى الأبحر": كتاب الصلاة - باب شروط صحة الصلاة ٦٦/١.
(٣) انظر "الدرر والغرر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٦١/١ - ٦٢.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٥١/أ.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤١/ب.
قسم العبادات
١٢٦
حاشية ابن عابدين
فروعٌ في النيَّة
(فروعٌ) النّيَّهُ عندنا شرطٌ مطلقاً، ولو عقّبَها بمشيئةٍ فلو مما يتعلَّقُ بأقوالِ كطلاقٍ
وعِتَاقِ بِطَلَ، ..
الشافعيَّة القائلين بأنّه لا تصحُّ صلاةُ مَنْ جهِلَ حالَ إمامه قياساً على ما لو جهِلَ عينَهُ، فافهم.
[٣٨٢٢] (قولُهُ: فروعٌ) كان المناسبُ ذكرَ هذه الفروعِ عند الكلام على النَّة قبيلَ استقبال
القبلة كما فعَلَ في "الخزائن)"(١).
[٣٨٢٣] (قولُهُ: النّةُ عندنا شرطٌ مطلقاً) أي: في كلِّ العبادات باتّفاق الأصحاب لا ركنٌ،
وإنما وقَعَ الاختلافُ بينهم في تكبيرة الإحرام، والمعتمدُ أَنَّها شرطٌ كالنَّة، وقيل بركتَّتها،
"أشباه"(٢). وإنما قال: ((مطلقاً)) ليشملَ صلاة الجنازة بخلاف تكبيرة الإحرام، فإنّها ركنٌ فيها
اتفاقاً كما سيأتي في بابه، "ح"(٣).
واستثنى في "الأشباه"(٤) من العباداتِ الأيمانَ والتلاوة والأذكار والأذان، فإنَّها لا تحتاجُ إلى
نَّةٍ [١/ق ٣٣٩/أ] كما في "شرح البخاريّ" لـ "العيني"(٥)، وكلُّ ما لا يكونُ إلَّ عبادةً لا يحتاجُ إلى
النَّةِ كما في "شرح ابن وهبان"، قال(٦): ((وكذا النّة لا تحتاجُ إلى نَيَّةِ)) اهـ.
ويُستثنى أيضاً ما كان شرطاً للعبادة إلاَّ التيمُّمَ، وإلاَّ استقبال القبلة على قول "الكرخيِّ"
المشترِطِ نِيتَهُ، والمعتمدُ خلافُهُ، وكذا ما كان جزءً عبادةٍ كمسحِ الخُفِّ والرأسِ وغير ذلك.
[٣٨٢٤] (قولُهُ: فلو مما يتعلَّقُ) أي: فلو كان هو - أي: المنويُّ المدلولُ عليه بالنَّة - مما يتعلَّقُ
بالأقوال كقوله: أنتِ طالقٌ، وأنتَ حرِّ إنْ شاء اللَّهُ بِطَلَ؛ لأنَّ الطلاق أو العتق لا يتعلَّقُ بالنَّة بل
(١) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٨٠/أ.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الثانية صـ٥٥ ..
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٥١/ب.
(٤) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الثانية صـ٢٥ - بتصرف.
(٥) "عمدة القاري": الحديث الأول ٣١/١.
(٦) أي: في شرحه على منظومته، كما صرح به في "الأشباه".
الجزء الثالث
١٢٧
باب شروط الصلاة
وإلاَّ لا. ليس لنا مَن ينوي خلافَ ما يؤدِّي.
بالقول، حتى لو نوى طلاقَها أو عتقَه لا يصحُّ بدون لفظٍ، قال "ح"(١): ((فإن قلت: وقوعُ
الطلاق متعلّقٌ بلفظِ: أنتِ طالقٌ، ولا عبرةً بالنّة لأَنّه صريحٌ.
قلتُ: هذا مسلَّمٌ في القضاء، وأمَّا في الديانة فهي معتبرةٌ، حتى إذا نوى به الطلاقَ من وثاق
ء
لا يقعُ ديانةٌ)) اهـ.
أقولُ: وكذا صرَّحَ بذلك في "البحر"(٢) و"الأشباه"(٣)، وعليه فالفرقُ بين الصريح والكناية
أنَّ الأوَّلَ لا يحتاجُ إلى النَّةِ في القضاء فقط، ويحتاجُ إليها ديانةً، والثاني يحتاجُ إليها فيهما، لكنَّ
احتياجَ الأوَّلِ إلى النَّةِ ديانةً معناه أنْ لا ينويَ به غيرَ معناه العُرفي، فلو نوى الطلاقَ من الوثاقِ -
أي: القيدِ - لا يقعُ لصرفِهِ اللفظَ عن معناه، أمَّا إذا قصَدَ التلفّظَ بأنتِ طالقٌ مخاطِباً به زوجته، ولم
يقصدْ به الطلاقَ ولا غيرَهُ فالظاهرُ الوقوعُ قضاءً وديانةً؛ لأنَّ اللفظ حقيقةٌ فيه، وبدليل أنّه لو
صرَّحَ بالعدد لا يدينُ كما لو نوى الطلاقَ عن العملِ، فيقعُ قضاءً وديانةً.
[٣٨٢٥] (قولُهُ: وإلاَّ لا) أي: وإِلاَّ يكنِ المنويُّ مما يتعلَّقُ بالأقوال كالصوم لا يبطُلُ بالمشيئة؛
لأَنّه يتعلَّقُ بمجرَّدِ النَّة القليَّةِ بدون قولٍ، فلو نوى الصومَ وقال: إنْ شاء الله لا يبطلُ، قال في
"الأشباه"(٤): ((ولو علَّقَها - أي: نَّةَ الصوم - بالمشيئة صحَّتْ؛ لأَنّها إنما تُبْطِلُ الأقوالَ، والنَّةُ
ليستْ منها)) اهـ.
(قولُهُ: فإنْ قلت: وقوعُ الطلاق متعلّقٌ إلخ) لم يظهر وُرُودُ هذا الإيرادِ، فإنَّ عبارة "الشارح" ليس
فيها ما يدلُّ على اشتراطها فيما يتعلَّقُ بالأقوال، وكأنَّ المعترض فَهِمَ من قول "الشارح": ((النَّةُ شرطٌ
مطلقاً )) أنَّها شرطٌ في كلِّ شيءٍ حَتَّى الطلاقِ، وبنى إيرادَهُ على ذلك.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٥١/ب.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب الطلاق الصريح ٢٧٦/٣.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الأولى صـ١٩ -.
(٤) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الأولى صـ١٦ -.
قسم العبادات
١٢٨
حاشية ابن عابدين
إلاَّ على قول "محمَّدٍ" في الجمعة، وهو ضعيفٌ، المعتمدُ(١) أنَّ العبادة ذاتَ الأفعال
تنسحبُ نَيَّتُها على كلِّها. افتَحَ خالصاً، ثم خالَطَهُ الرياءُ.
[٣٨٢٦] (قولُهُ: إلاَّ على قولِ "محمَّدٍ" في الجمعةِ) فعنده لا يدرِكُ الجمعةَ إِلاَّ بإدراكِ ركعةٍ مع
الإِمام، فلو اقتدى بعدما رفعَ الإِمامُ رأسه من ركوعِ الثانية ينوي جمعةً ويتمُّها ظهراً عنده، فقد
نوى الجمعةَ ولم يؤدِّها، [١/ق٣٣٩/ب] وأدَّى الظهرَ ولم ينوِهِ، وهو مذهبُ "الشافعيِّ"، وعندنا
يتمُّها جمعةً متى صحَّ اقتداؤه بالإمام ولو في سجودِ السَّهو على القول بفعله فيها.
/٢٩٣
ونقَضَ "الحمويُّ"(٢) الحصرَ بمسائلَ ينوي فيها خلافَ ما يؤدِّي، منها: ((ما لو طافَ بنِيَّةٍ
التطوُّعِ في أيام النَّحرِ وقَعَ عن الفرض، وما لو صامَ يومَ الشكِّ تطوُّعاً فظهَرَ أَنَّه من رمضانَ كان
منه، وما لو تهجَّدَ بركعتين فظهَرَ أنَّ الفجر طالعٌ ينوبان عن سنَّةِ الفجر، وما لو صامَ عن كفَّارةٍ
ظهارٍ أو إفطارٍ فقدَرَ على العتق يمضي في صومِ النفل، وما لو نذَرَ صومَ يومٍ بعينه فصامَهُ بِنَّةِ النفل
يقعُ عن النذر كما في "جامع التمرتاشيّ"(٣)) اهـ.
أقولُ: قد يجابُ بأنَّ المراد النَّةُ التي هي شرطُ الصحَّةِ، فالمعنى: ليس لنا مَنْ يلزمُهُ أنْ ينويَ
خلاف ما يؤدِّي إلاَّ في مسألةٍ، على أنَّ أكثرَ هذه المسائلِ ليس فيها المخالفةُ بين المنويِّ والمؤدَّى إلاَّ
من حيث الصفةُ بخلاف الجمعة، فإنَّها مخالفةٌ للظُّهر ذاتاً وصفةً، فتدبَّرْ.
[٣٨٢٧) (قولُهُ: المعتمدُ أنَّ العبادة إلخ) مقابلُهُ ما في "الأشباه"(٤) عن "المجتبى": ((من أنّه لا بدَّ
(قولُهُ: قد يُجابُ بأنَّ المراد النّيَّةُ التي هي شرطُ الصحَّة إلخ) الأظهرُ في الجواب أنَّ المراد: ليس لنا مَن
ينوي شيئاً عالِماً بأنّه يؤدِّي خلافَهُ إلاَّ في الجمعة، فإنَّه ينويها ويعلمُ عند نَّتِها أَنَّه لا يؤدِّيها بل الظهرَ، بخلاف
ما نقضَ به فإنّه ليس كذلك، بل نوى شيئاً ووقع ما نواه عن شيءٍ آخر، وهذا لا ينحصرُ في عددٍ.
(١) في "و": ((والمعتمد)).
(٢) "غمز عيون البصائر": الفن الأول - القاعدة الثانية ١٣٠/١-١٣١ بتصرف.
(٣) أي: "شرح الجامع الصغير" للتمرتاشي، وتقدمت ترجمته ٥١٦/١.
(٤) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الثانية صـ٤٥ -.
الجزء الثالث
١٢٩
باب شروط الصلاة
اعتبرَ السابقُ،
١
من نَّةِ العبادة في كلِّ ركنٍ))(١)، فافهم.
واحترَزَ بذاتِ الأفعال عمَّ هي فعلٌ واحدٌ كالصوم، فإنَّه لا خلافَ في الاكتفاء بالنَّةِ في
أوَّلِهِ، ويرِدُ عليه الحجُّ، فَإِنَّه ذو أفعال منها طواف الإفاضة، لا بدَّ فيه من أصلٍ نَيَّةِ الطواف وإنْ لم
يعِّنْهُ عن الفرض، حتى لو طافَ نفلاً في أيامه وقَعَ عنه، والجوابُ: أنَّ الطواف عبادةٌ مستقلّةٌ في
ذاته كما هو ركنٌ للحج، فباعتبارِ ركنَّتْه يندرجُ في نَّةِ الحجِّ، فلا يشترطُ تعيينُه، وباعتبارِ استقلاله
اشْتُرِطَ فيه أصلُ نَيَّةِ الطواف، حتى لو طاف هارباً أو طالباً لغريمٍ لا يصحُّ بخلاف الوقوف بعرفةً،
فإِنَّه ليس بعبادةٍ إلَّ في ضمنِ الحج، فيدخلُ في نَّتَه، وعلى هذا الرميُّ والحلقُ والسَّعَيُّ، وأيضاً فإنَّ
طواف الإفاضةِ يقعُ بعد التحلَّلِ بالحلقِ، حتى إنَّه يحلُّ له سوى النساء، وبذلك يخرجُ من الحجِّ من
وجهٍ دون وجهٍ، فاعتُبرَ فيه الشَّبَهان.
[٣٨٢٨] (قولُهُ: اعتُبرَ السابقُ) لعل وجهَهُ أنَّ الصلاة عبادةٌ واحدةٌ غيرُ متحرَّةٍ، فالنظرُ فيها إلى
[١/ق٣٤٠/أ] ابتدائها، فإذا شرَعَ فيها خالصاً، ثم عرَضَ عليه الرياءُ فهي باقيةٌ لله تعالى على
الخلوص، وإلاّ لزِمَ أنْ يكون بعضُها له وبعضُها لغيره مع أنَّها واحدةٌ، نعم لو حسَّنَ بعضَها رياءً
(قولُهُ: لعلَّ وجهَهُ أنَّ الصلاة عبادةٌ واحدةٌ إلخ) وذكَرَ "الحمويُّ" وجهَهُ: ((بأنَّ التحرُّزَ عمَّا يَعترِضُ
في أثناء الصلاة غيرُ ممكنٍ ))، قال "الرحمتيُّ": ((ولم يذكر عكسَهُ، وهو ما إذا افتَحَ مُرائياً ثمَّ أتاه
الإخلاص لئلاًّ يكون تحجيراً على فضل الله تعالى، بل ربما يقال: إنَّ الأعمال بخواتيمها، إلاَّ إن قلنا: إنَّ
الإخلاص شرطُ صحَّةِ النَّة كما تقدَّمَ، فلا يكون شارعاً بدونه )) اهـ "سندي".
(١) "في "د" زيادة: ((في "القنية": وفي "صلاة قاضي القضاة": المصلّي لا يلزمه نيةُ العبادة في كلِّ جُزْء، وإنَّما يلزمه في
جملة ما يفعله في كلِّ حال، أي: القيام أو القراءة أو الركوع أو السجود ونحوها، فإنْ تحقق الفعل والذكر [أي:
القرآن] معاً ونوى بهما التعبد كفاه، وإنْ أفرد كلَّ واحد منهما بنية فهو أفضل، ولا يؤاخذ بالنية حال سهوه؛ لأنَّ
ما يفعله من الصلاة فيما يسهو معفو عنه، وصلاته مجزية وإن لم يستحقّ فيها ثواباً، وإن تعمَّد أن لا ينويَ العبادةَ
ببعض ما يفعله من الصلاة لا يستحقُّ الثواب، ثمَّ إنْ كان ذلك فعلاً لا تتمُّ الصلاة بدونه فسدت صلاته، وإلا فلا
وقد أساء. انتهى. حموي)).
قسم العبادات
١٣٠
حاشية ابن عابدين
والرياءُ: أَنَّه لو خلا عن الناسِ لا يصلّي، فلو معهم يُحسِنُها، ووحدَهُ لا، فله ثوابُ
أصلِ الصلاة، ولا يتْرُكُ لخوف دخولِ الرياء؛ لأنّه أمرٌ موهومٌ.
فالتحسينُ وصفٌ زائدٌ لا يثابُ به.
ويؤخذُ مما ذكرنا أَنَّه لو افتتحَها مُرائياً، ثم أخلَصَ اعْتُبِرَ السابقُ، وهذا بخلاف ما لو كانتْ
عبادةً يمكنُ تجزتُها كقراءةٍ واعتكافٍ فإنَّ الجزء الذي دخَلَهُ الرياءُ له حكمُهُ، والخالصُ له حكمُهُ.
[٣٨٢٩] (قولُهُ: والرِّياءُ أَنَّه إلخ) أي: الرِّياءُ الكاملُ المحبِطُ للثواب عن أصلِ العبادة أو
لتضعيفه، وإلاَّ فالتحسينُ لأجلِ الناس رياءٌ أيضاً بدليلٍ أَنَّه لايثابُ عليه، وإنما يثابُ على أصلِ
العبادة، وسيأتي(١) في فصل إذا أرادَ الشُّروعَ في الصلاة: أَنَّه لو أطالَ الركوعَ لإدراك الجائي قال
"أبو حنيفة": أخافُ عليه أمراً عظيماً، يعني: الشِّركَ الخفيَّ، وهو الرِّياءُ كما سيأتي تحقيقه.
[٣٨٣٠) (قولُهُ: ولا يَتْرُكُ إلخ) أي: لو أراد أنْ يصلِّيَ أو يقرأَ، فخاف أنْ يدخلَ عليه الرِّياء فلا
ينبغي أنْ يتركَ؛ لأنّه أمرٌ موهومٌ، "أشباه"(٢) عن "الولوالحيَّة"(٣). وقد سئل العارفُ المحقّق "شهاب
الدين بنُ السُّهْرَوَرْدِيِّ(٤)" عمَّا نصُّه(٥): ((يا سيِّدي، إنْ تركتُ العملَ أخلدتُ إلى البطالة، وإِنْ
عملتُ داخَلَني العجبُ، فَأُهما أَولى؟ فكتب جوابَهُ: اعملٌ واستغفر الله من العُجب)). اهـ "قتال".
(قولُهُ: أو لتضعيفِهِ) لا يظهرُ ذكرُهُ هنا؛ إذ لو دخَلَ الرِّياءُ في أصل العبادة كيف ينال ثوابَ الأصل
لا التضعيف؟! والظاهرُ في التوفيق في الخلاف الآتي أنْ يقال: مَن قال: لا يستحقُّ الثوابَ أراد ما إذا
حصَلَ الرِّياءُ في أصل العبادة، ومَن قال: إنَّه يَقُوتُ تضاعفُ الثواب أرادَ ما إذا حصَلَ في تحسينها.
(١) المقولة [٤٢٣٤] قوله: ((وكره تحريماً)).
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الثانية صـ٣٧ -.
(٣) "الولوالجيّة": كتاب الطهارة - الفصل الثامن في الأذان وقراءة القرآن ق٩/ب.
(٤) أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله، شهاب الدين السُّهْرَوَرْديّ الشافعيّ (ت٦٣٢هـ). ("وفيات الأعيان"
٤٤٦/٣، "طبقات السبكي "٣٣٨/٨).
(٥) انظر الخبر في "وفيات الأعيان"٤٤٧/٣، " شذرات الذهب" ٢٧٠/٧.
الجزء الثالث
١٣١
باب شروط الصلاة
لا(١) رِياءَ في الفرائض في حقِّ سقوط الواجب. قيل لشخص: صلِّ الظهرَ ولك
دينارٌ، فصلَّى بهذه النَّةِ ينبغي أنْ تُجزِيَه، ولا يستحقُّ الدينار ..
[٣٨٣١] (قولُهُ: لا رياءَ في الفرائضِ في حقِّ سقوطِ الواجب)(٢) أي: إنَّ الرياء لا يُبطِلُ
الفرضَ وإنْ كان الإخلاصُ من جملة الفرائض، قال في "مختارات النوازل"(٣): ((وإذا صلَّى رياءً
وسمعةً تجوزُ صلاته في الحكمٍ لوجود شرائطه وأركانه، ولكنْ لا يستحقُّ الثوابَ))، والذي في
"الذخيرة" خلافُهُ، قال الفقيهُ "أبو الليث" في "النوازل": ((قال بعضُ مشايخنا: الرِّياءُ لا يدخلُ
في شيءٍ من الفرائض، وهذا هو المذهبُ المستقيمُ: أنَّ الرياء لا يفوِّتُ أصلَ الثواب، وإنما
يفوِّتُ تضاعُفَ الثواب)). اهـ "بيري" على "الأشباه"، وسيأتي(٤) تمامُ الكلام على هذه المسألةِ
في كتاب الحظر والإباحة.
(٣٨٣٢] (قولُهُ: قيل لشخصٍ إلخ) قال في "الأشباه(*): ((وهذه المسألةُ ليستْ منصوصةٌ
[١/ق ٣٤٠/ب] في مذهبنا، وصرَّحَ بها "النوويُ))(٦)، وقواعدُنا لا تأباها، أمَّا الإجزاءُ فلأَنَّه لا رياءَ
(قولُهُ: والذي في "الذَّخيرة" خلافُهُ) أي: أنَّه لا يَقُوتُ أصلُ الثواب، بل يبطلُ تضاعُفُ الأجر.
(قولُهُ: أنَّ الرِّياء لا يُفوِّتُ إلخ) يظهرُ أنَّ الواو قبل قوله: (( أنَّ الرِّياءِ)) ساقطةٌ؛ إذ لا دَخْلَ لتغويت
الثواب وعدمه في عدمٍ دخول الرِّياء في الفرائض، تأمُّل.
(١) في "د" و"و":((ولا)).
(٢) في "د" زيادة: ((أقول: ما ذكره الشارح مخالف لما في "الواقعات" من أن الرياء لا يدخل في صوم الفريضة وفي سائر
الطاعات يدخل لأن النِّيَّ لَ﴿ قال: «يقول الله وَّ: الصَّومُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِه» نفى شركةَ الغَّيْر، وهذا لم يذكر
في حق سائر الطاعات ومثله في كتاب الكسب من "المبتغى". انتهى أقول: التقييد بالفريضة يقتضي دخول الرياء في
صوم غير الفريضة، والتعليل المذكور يقتضي عدم الدخول مطلقاً. فليتأمل)).
(٣) "مختارات النوازل": مسائل متفرقة ق٣٧/ب بتصرف.
(٤) انظر المقولة [٣٣٥٥٤] قوله: ((مَن صلَّى أو تصدَّقَ إلخ)).
(٥) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الثانية صـ٣٨ -.
(٦) "المجموع شرح المهذب": كتاب الصلاة ٢٥٠/٣.
قسم العبادات
١٣٢
حاشية ابن عابدين
الصلاةَ لإرضاء الخصوم لا تفيدُ، بل يصلّي للَّهِ، فإنْ لم يَعْفُ خصمُهُ أَخَذَ من حسناتِهِ،
في الفرائض في حقِّ سقوط الواجب، وأمَّا عدمُ استحقاق الدينار فلأَنَّه استئجارٌ على واجبٍ، ولا
يستحقُّ به الأجرةَ كالأبِ إذا استأجَرَ ابنه للخدمة لا يستحقُّ عليه الأجرةَ؛ لأنَّ خدمته واجبةٌ
عليه)). اهـ "ح" (١).
[٣٨٣٣] (قولُهُ: الصلاةُ لإرضاءِ الخصومِ لا تفيدُ إلخ) لم يتعرَّضْ لكون ذلك جائزاً، وظاهرُ
"مختارات النوازل"(٢) أنَّ ذلك لا يجوزُ، حيث قال: ((ينبغي أنْ لا يفعلَ ذلك، ولعل ذلك من إلقاء
المبطلين)) اهـ.
وفي "الولوالحيَّة"(٣): ((إذا صلَّى لوجهِ الله تعالى فإنْ كان له خصمٌ لم يحرِ بينه وبينه عفوٌ
أُخِذَ من حسناته، ودُفِعَ إليه في الآخرة نوى أو لم ينوٍ، وإنْ لم يكن له خصمٌ، أو كان وجرى
(قولُهُ: أُخِذَ من حسناتِهِ ودُفِعَ إليه إلخ) في تفسيرِ "روح البيان" عند قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿مَّن
ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضَّا حَسَنًا﴾ [٢٤٥] الآيةَ ما نصُّهُ: ((وحكمةُ تضعيفِ الحسنات لتلاَّ يُفْلِسَ العبد إذا
اجتمَعَ الخصماءُ، فمظالِمُ العباد تُوفّى من التضعيفات لا من أصلٍ حسناته؛ لأنَّ التضعيف فضلٌ من الله،
وأصل الحسنة الواحدة عدلٌ منه واحدةٌ بواحدةٍ ))، وفيه أيضاً في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَمَن
يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَّى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [١٢٤] ما
نصُّهُ: ((قال "النيسابوريُّ": حكمةُ تضعيفِ الحسنات في طاعته لئلاَّ يُفلِسَ العبدُ إذا اجتمَعَ الخصماءِ، فُدفَعُ
إليهم واحدةٌ ويبقى له تسعٌ، فمظالِمُ العبادة تُوفَّى من التضعيفات لا من أصل حسناته؛ لأنَّ التضعيف فضلٌ
من الله تعالى، وأصل الحسنة الواحدة عدلٌ منه واحدةٌ بواحدةٍ، وقد ذكَرَ الإمام "البيهقيُّ" في "كتاب
البعث" فقال: إنَّ التضعيفاتِ فضلٌ من الله تعالى لا تتعلَّقُ بها العباد كما لا تتعلَّقُ بالصوم، بل يُؤخّرُها الحقُّ
للعبد فضلاً منه سبحانه، فإذا دخَلَ الجنّةَ أَتَابَهُ بها )) اهـ، والله سبحانه أعلم.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٥١/ب.
(٢) "مختارات النوازل": مسائل متفرقة ق ٣٨/أ بتصرف.
(٣) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل الرابع عشر في مسائل متفرقة ق ٢٤/أ.
الجزء الثالث
١٣٣
باب شروط الصلاة
جاء: (( أَنَّه يُؤْخَذُ لدانِقِ ثوابُ سبعِمائةٍ صلاةٍ بالجماعة))، ولو أدرَكَ القومَ في
الصلاة ولم يَدْرِ: أفرضٌ أم تراويحٌّ؟ ينوي الفرضَ، فإنْ هُمْ فیه صحَّ،.
بينهما عفوٌ لم يُدفَعْ إليه من حسناته شيءٌ نوى أو لم ينوٍ)). اهـ "بيري".
وعلى هذا فالمرادُ بالصلاة المذكورة أنْ ينويَ الصلاة لله تعالى لأجلِ أنْ يرضَى عنه أخصامُهُ،
وعدمُ جوازه لكونه بدعةً بخلاف الصلاةِ لتحيَّةِ المسجد أو نحوِها من المندوبات، وأمَّا لو صلَّى
ووھَبَ ثوابَها للخصوم فإنّه يصحُّ؛ لأنَّ العامل له أنْ يجعَلَ ثوابَ عمله لغيره عندنا كما سيأتي(١)
في باب الحجّ عن الغير إن شاء الله تعالى.
[٣٨٣٤] (قولُهُ: جاءَ) أي: في بعضِ الكتب، "أشباه"(٢) عن "البزازيَّةَ"(٣). ولعل المرادَ بها
٢٩٤/١ الكتبُ السماويَّة، أو يكونُ ذلك حديثاً نقَلَهُ العلماءُ في كتبهم.
والدَّاتَقُ بفتح النون وكسرِها: سدسُ الدرهم، وهو قيراطان، والقيراط: خَمسُ شعيراتٍ،
ويُجمَعُ على دوانقَ ودوانيقَ، كذا في "الأختري"(٤)، "حموي"(٥).
[٣٨٣٥] (قولُهُ: ثوابُ سبعِمائةٍ صلاةٍ بالجماعة) أي: من الفرائض؛ لأنَّ الجماعة فيها،
والذي في "المواهب" عن "القشيريٍّ"(٦): ((سبعُمائة صلاةٍ مقبولةٍ))، ولم يقيِّدْ بالجماعة، قال
شارح "المواهب" ما حاصلُهُ: ((هذا لا ينافي أنَّ الله تعالى يعفو عن الظالم، ويُدخِلُه الجنةَ
برحمته))، "ط"(٧) ملخَّصاً.
(١) انظر المقولة [١٠٨٨٥] قوله: ((بعبادة ما)).
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الثانية صـ٣٦ -.
(٣) "البزازية": كتاب الصلاة - فصل فيما يكره في الصلاة ٢٨/٤ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٤) "الأختري" في اللغة: لمصطفى بن أحمد الشهير بالأختري القَرَهْ حِصَاريّ الروميّ الحنفيّ (ت٩٦٨هـ). ("كشف
الظنون" ٣١/١، "هدية العارفين" ٤٣٤/٢، الأعلام ٢٢٨/٧).
(٥) "غمز عيون البصائر": الفن الأول - القاعدة الثانية ١٤٠/١ بتصرف.
(٦) في "التحبير"، كما في "ط"، ولم نعثر على النقل في "التحبير في علم التذكير"، لأبي القاسم عبدالكريم بن هَوَازن
النيسابوري القُشَيْريّ الشافعيّ (ت٤٦٥هـ). ("كشف الظنون"٣٥٤/١، "وفيات الأعيان "٢٠٥/٣، "طبقات
السبكي"١٥٣/٥) وتقدمت ترجمة ابن عابدين رحمه الله للقشيريّ في المقولة [٤٠٤] قوله: ((أبو القاسم)).
(٧) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٠٠/١.
قسم العبادات
١٣٤
حاشية ابن عابدين
وإلاَّ تقعُ نفلاً، ولو نوى فرضين كمكتوبةٍ وجنازةٍ فللمكتوبةِ، ولو مكتوبتين فللوقتِيَّةِ،
ولو فائتين فللأُولى لو من أهل الترتيب، وإلاّ لغا، فليحفظ، ولو فائتةً ووقتَيَّةً.
[٣٨٣٦] (قولُهُ: وإلاَّ تقعُ نفلاً) أي: غيرَ نائبٍ في حقّه عن ركعتين من التراويح لوقوعها قبل
صلاة العشاء، [١/ق٣٤١/أ] ووقتُ التراويح بعد صلاة العشاء على المعتمد، "ط"(١).
[٣٨٣٧] (قولُهُ: فللمكتوبةِ) أي: لقوَّتِها لفرضَّتِها عيناً، ولكونها صلاةً حقيقيّةً، والجنازةُ
كفايةٌ، وليستْ بصلاةٍ مطلقةٍ.
[٣٨٣٨] (قولُهُ: ولو مكتوبتين) أي: إحداهما وقتيَّةٌ، والأخرى لم يدخلُ وقّتُها كما لو نوى
في وقتِ الظُّهر ظهرَ هذا اليومٍ وعصرَهُ، كذا في "شرح المنية"(٢) و"شرح الأشباه" لـ "البيري"،
ويدلُّ عليه قولُهُ الآتي(٣): ((ولو فائتةً ووقتيةً إلخ)).
[٣٨٣٩] (قولُهُ: فللوقتَّةِ) علَّلَ له في "المحيط": ((بأنَّ الوقتيَّةَ واجبةٌ للحال، وغيرُها لا)) اهـ.
وهو يفيدُ أَنَّه ليس بصاحبِ ترتيبٍ، وإلاَّ فالفائتةُ أَولى كما لا يخفى، "بحر "(٤).
أقولُ: هذه الإفادةُ إنما تتمُّ لو أريدَ بالمكتوبتين ما يشملُ الوقتَّةَ مع الفائتة، وليس كذلك، بل
المرادُ بهما الوقتيَّةُ مع التي لم يدخلْ وقّتُها كما علمتَ.
[٣٨٤٠] (قولُهُ: ولو فائتين فللأُولى) وكذا لو وقتيّتين كالظُّهر والعصر في عرفةَ كما بحثَهُ
"البيري"، وقال "ح"(٥): ((لأنَّ العصر وإنْ صحَّتْ في وقتِ الظهر في ذلك اليوم إلاَّ أنَّ الظُّهر
واجبةُ التقديم عليها للترتيب، فكانتا بمنزلةٍ فائنتين لم يسقطِ الترتيبُ بينهما كما هو ظاهرٌ)).
[٣٨٤١] (قولُهُ: لو من أهلِ التّرتيب إلخ) تِبِعَ فيه "البحرَ"(٦) أخذاً من تعليل "المحيط"
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٠٠/١.
(٢) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - السادس: النية صـ ٢٥٠ - بتصرف يسير.
(٣) في هذه الصحيفة "در".
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٦/١.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٥٢/أ.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٦/١ -٢٩٧.
الجزء الثالث.
١٣٥
باب شروط الصلاة
فللفائتةِ لو الوقتُ متَّسعاً، ولو فرضاً ونفلاً ..
للمسألة: ((بأنَّ الثانية لا تجوزُ إلاّ بعد قضاءِ الأولى))، قال في "البحر"(١): ((وهو إنما يتمُّ فيما إذا
كان الترتيبُ بينهما واجبا)) اهـ.
أقولُ: ما ذكَرَهُ في "البحر" مأخوذٌ من "الحلبة"(٢)، لكنَّه في "الحلبة" قال بعده: ((بقيَ ما لو
لم يكن الترتيبُ بينهما واجباً، ويمكنُ أيضاً أن يقال: إنَّها للأُولى؛ لأنَّ تقديمها أولى)) اهـ.
وجزَمَ بذلك "الحلبي" في "شرحه الصغير"(٣) حيث قال: ((فالأُولى منهما لترجُّحِها بالسَّبق
وإنْ لم يكن صاحبَ ترتيبٍ)) اهـ، فافهم.
[٣٨٤٢] (قولُهُ: فللفائتةِ لو الوقتُ مَتَّسعاً) وأمَّا إذا خافَ ذهابَ وقتِ الحاضرة فإِنَّه يُجزيه
عنها، حتى يكونُ عليه قضاءُ الفائتة كما في "الأجناس"(٤)، "بيري".
هذا، وقال "ح"(٥) بعد قوله: ((لو الوقتُ متَّسعاً)): ((أي: وكان بينهما ترتيبٌ؛ إذ لو كان
متَّسعاً ولم يكن بينهما ترتيبٌ لَغَتْ نَّته كما صرَّحَ به في "البحر")) اهـ.
وأقولُ: لم يصرِّحْ بذلك في "البحر" في هذه المسألةِ(٦)، نعم صرَّحَ به في "شرح المنية"(٧)
بحثاً، وبَحَثَ في "الحلبة"(٨) خلافَهُ، فافهم.
ثُمَّ اعلمْ أنَّ ما ذكَرَهُ "الشارح" من قوله: ((فللفائتةِ إلخ)) عزاه في "الفتح"(٩) إلى "المنتقى"،
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٦/١-٢٩٧.
(٢) "الحلبة": شروط الصلاة - السادس: النية ٢/ق ٣٧/أ.
(٣) "شرح المنية الصغير": شروط الصلاة - السادس: النية صـ ١٣٧ -.
(٤) لعله "الأجناس والفروق": لأبي العباس الناطفي، وتقدمت ترجمته ٥٥٣/١.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٥٢/أ.
(٦) ذكر في "البحر" هذه المسائل في ٢٩٦/١-٢٩٧، وما ذكره ابن عابدين صحيح؛ إذ لم نرَ تصريح صاحب البحر
بهذه المسألة، والله تعالى أعلم.
(٧) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - السادس: النية صـ٢٥٠-٢٥١ -.
(٨) "الحلبة": شروط الصلاة - باب شروط الصلاة ٢/ق ٣٧/أ.
(٩) "الفتح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٣٣/١.
قسم العبادات
١٣٦
حاشية ابن عابدين
ومثلُهُ في "السِّراج"(١)، وعزاه في "البحر "(٢) إلى "المنية(٣)، وذكَرَ (٤) قبله: [١/ق ٣٤١/ب] ((أَنَّه لا
يصيرُ شارعاً في واحدةٍ منهما))، ثم قال: ((وأفادَ في "الظهيريَّة "(٥) أنَّ فيها روايتين)) اهـ
أقولُ: وكذا ذكَرَ أوَّلاً في "الخلاصة"(٦) عن "الجامع الكبير": ((أَنّ لا يصيرُ شارعاً في واحدةٍ
منهما))، ثمَّ قال: ((وفي "المنتقى": يصيرُ شارعاً في الأُولى)) اهـ. فتكونُ روايةٌ.
وقال الإِمام "الفارسيُّ" في "شرحه"(٧) على "تلخيص الجامع الكبير" لـ "الخلاطيِّ"(٨)، حيث قال
في شرح قوله: ((ناوي الفرضين معاً لاغٍ في الصلاة إلحاقاً للدَّفع بالرَّفع في التنافي، منتفِّلٌ في غيرها
إلخ)): ((أي: نَيَّةُ الفرضين معاً إنْ كانت في الصلاة = كانتْ لغواً عندهما، وهو روايةُ "الحسن"
عن "الإمام"، وصورتُهُ: لو كَبَّرَ ينوي ظهراً وعصراً عليه من يومٍ أو يومين عالِماً بأوَّلِهما أوْ لا فلا
يصيرُ شارعاً في واحدٍ منهما للَّافي، بدليلٍ أَنَّه لو طرَّ أحدُهما على الآخرِ رفَعَهُ وأبطلَهُ أصلاً، حتى
لو شرَعَ في الظُّهر ينوي عصراً عليه بطلَتِ الظهرُ وصحَّ شروعُهُ في العصر، فإذا كان لكلِّ منهما
قوَّةُ رفعِ الأخرى بعد ثبوتِها يكون لها قوَّةُ دفعها عن المحلِّ قبل استقرارها بالأولى؛ لأنَّ الدَّفع
أسهلُ من الرَّفع، وهذا على أصل "محمَّدٍ"، وكذا على أصل "أبي يوسف"؛ لأنَّ الترجيح عنده إمّا
بالحاجة إلى التعيين وإمَّا بالقوَّة، وقد استويا في الآمرين.
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ١٤٣/ب.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٦/١.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - السادس: النية صـ ٢٥٠ -.
(٤) أي: صاحب "البحر": ٢٩٦/١.
(٥) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في ستر العورة ونية الصلاة وافتتاحها ق١٧/أ.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثامن في النية ق ٢٦/أ.
(٧) المسمى "تحفة الحريص": لأبي الحسن علي بن بَلْبَان بن عبد الله الفارسيّ (ت ٧٣١هـ، وقيل: ٧٣٩هـ). ("كشف
الظنون" ٤٧٢/١، "الدرر الكامنة" ٣٢/٣، "حسن المحاضرة" ٤٦٨/١، "الفوائد البهية" صـ ١١٨-)
(٨) أبو عبد الله محمد بن عبَّاد بن مَلِك داد بن حسن، صدر الدين الخِلاَطي (ت ٦٥٢هـ). ("الجواهر المضية" ١٨٠/٣،
"الفوائد البهية" صـ ١٧٢-).