Indexed OCR Text

Pages 101-120

الجزء الثالث
٩٧
باب شروط الصلاة
للابتلاء يسقُطُ للعَجْزِ، حَتّى لو سجَدَ للكعبة نفسِها كُفِرَ (فللمكِّيِّ) وكذا المدنيُّ لثبوتِ
قبلتها بالوحي (إصابةَ عينِها).
قد يسقُطُ بلا عجز بدلَ قوله: ((يسقُطُ للعجز))، وإلاَّ فكلُّ الشروط كذلك.
[٣٧٧٤] (قولُهُ: للابتلاءِ) علَّةٌ لمحذوفٍ، أي: شرَطَهُ الله تعالى لاختبار المكلَّفين؛ لأنَّ فطرة
المكلَّف المعتقِدِ استحالةَ الجهةِ عليه تعالى تقتضي عدمَ التوجُّهِ في الصلاة إلى جهةٍ مخصوصةٍ، فَأَمَرَهم
على خلافٍ ما تقتضيه فطرتُهم اختباراً لهم، هل يطيعون أوْ لا كما في "البحر"(١)، "ح"(٢).
قلت: وهذا كما ابتلى الله تعالى الملائكةَ بالسجود لآدمَ، حيث جعَلَهُ قبلةً لسجودهم.
[٣٧٧٥] (قولُهُ: حَتَّى لو سجَدَ إلخ) تفريعٌ على كونِ الاستقبال شرطاً زائداً، يعني: لَمَّا كان
٢٨٦/١ المسجودُ له هو اللَّه تعالى، والتوجُّهُ إلى الكعبة مأموراً به - كما تقدَّمَ - كان السجودُ لنفسِ الكعبة
كُفْراً، "ح"(٣).
(٣٧٧٦] (قولُهُ: فللمكيِّ أي: فالشرطُ له، أي: لصلاتِهِ، وكذا قولُهُ: ((ولغيره))، أو اللامُ
فيهما بمعنى على، أي: فالواجبُ عليه.
[٣٧٧٧] (قولُهُ: لثبوتِ قبلتِها) أي: قبلةِ المدينة المنوَّرة المفهومةِ من قوله: ((وكذا المدنيُّ))،
وأُورِدَ أَنَّه لا يلزمُ من ثبوتها بالوحي أنْ تكون على عينِ الكعبة لاحتمالِ كونها على الجهة.
(قولُهُ: كان السُّجودُ لنفسِ الكعبة كفراً) أي: إذا نوى العبادةَ كما ذكروه في الردَّة، وقال
"السنديُّ": (( لجعله شريكاً للَّهِ في العبادة، ولم يأذن بالعبادة لسواه )) اهـ.
(قولُهُ: أو اللامُ فيهما بمعنى على) أو اللامُ للاختصاصِ، أي: شرطِ المختصِّ به، "رحمتي".
(قولُهُ: وأُورِدَ أَنَّه لا يلزمُ من ثبوتها بالوحي إلخ) يجابُ بأنَّ الجهة معلومةٌ له ولغيره من الصحابة، لا
يتوقّفُ علمُها على وحىٍ، فالثابتُ حينئذٍ كونُها على عين الكعبة، وقال "السنديُّ" نقلاً عن "الرحمتيّ":
(( هذا - أي: حكمُ المدنيِّ - إذا كان يصلّي إلى المحراب النبويِّ أو حائطِ القبلة أو ما سامَتَهُ؛ لأَنّه عليه
السلام بناه مشاهداً للبيت، وكلَّما بَعُدَ المقابلُ اتَّسَعَت المقابلة )) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠٢/١ بتصرف.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٥٠/أ.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٥٠/أ.

قسم العبادات
٩٨
حاشية ابن عابدين
يعمُّ المعايِنَ وغيرَهُ، لكنْ في "البحر"(١): ((أَنَّه ضعيفٌ، والأصحُّ أَنَّ مَن بينه وبينها
حائلٌ كالغائب ))، وأقرَّهُ "المصنّف" قائلاً: ((فالمرادُ(٢) بقولي: فللمكِّيِّ مكيٌّ يعاينُ
الكعبةَ )) (ولغيره) أي: غيرِ مُعاينِها (إصابةُ جهتِها).
[٣٧٧٨] (قولُهُ: يَعُمُّ المعايِنَ وغيرَهُ) أي: المكيَّ المشاهِدَ للكعبة، والذي بينه وبينها حائلٌ
كجدارٍ ونحوه، فيشترطُ إصابةُ العين بحيث لو رُفِعَ الحائلُ وقَعَ استقبالُهُ على عينِ الكعبة.
[٣٧٧٩] (قولُهُ: وأقرَّهُ "المصنّف") أي: في "المنح"(٣)، لكنْ قال في "شرحه" على "زاد الفقير":
[١/ق ٣٣١/ب] ((إطلاقُ المتون والشُّروح والفتاوى يدلُّ على أنَّ المذهب الراجحَ عدمُ الفرق بين
ما إذا كان بينهما حائلٌ أَوْ لا)) اهـ.
وفي "الفتح"(٤): ((وعندي في جوازِ التحرِّي مع إمكان صعوده إشكالٌ؛ لأنَّ المصير إلى
الدَّليل الظنيِّ، وتركَ القاطع مع إمكانه لا يجوزُ، وقد قال في "الهداية"(٥): والاستخبارُ فوق
التحرِّي، فإذا امتَنَعَ المصيرُ إلى ظنيِّ(٦) لإمكانِ ظنيٍّ أقوى منه فكيف يُترَكُ اليقينُ مع
الظنِّ(٧) ؟!)) اهـ.
(قولُهُ: وعندي في جوازِ التحرِّي إلخ) ليس في عبارته دلالةٌ على أنَّه لا يُصارُ إلى الجهةِ مع إمكان
العين، واستقبالُ الجهة فيه إصابةُ جزءٍ من العين كما يأتي عن "المعراج"، والتصحيح الصريحُ أقوى.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠٠/١ بتصرف ناقلاً الأصحَّ عن "الدِّراية".
(٢) في "ب": ((والمراد)).
(٣) "المنح": كتاب الصلاة - شروط الصلاة ١/ق ٣٣/ب.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٣٥/١.
(٥) "الهداية": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة التي تتقدمها ٤٥/١.
(٦) من ((وترك القاطع)) إلى ((إلى ظني)) ساقط من "الأصل".
(٧) عبارة "الفتح": ((فكيف يترك اليقين مع إمكانه بالظن)).

الجزء الثالث
٩٩
باب شروط الصلاة
بأنْ يبقَى شيءٌ من سطح الوجهِ مُسامِتاً للكعبة أو لهوائها، بأنْ يُفرَضَ من تلقاء
وجهِ مُستقبلِها حقيقةً في بعض البلاد خطٌّ على زاويةٍ قائمةٍ إلى الأفقِ مارًا على
الكعبة، وخطٍّ آخرُ يقطعُهُ إلى (١) زاويتين قائمتين يَمنةً ويَسرةً».
[٣٧٨٠] (قولُهُ: بأنْ يبقى إلخ) في كلامِهِ إيجازٌ لا يُفهَمُ منه المرادُ، فاعلمْ أوَّلاً أنَّ السطح في
اصطلاحِ علماء الهندسة: ما له طولٌ وعرضٌ لا عُمقٌ، والزاويةُ القائمةُ: هي إحدى الزاويتين
المتساويتين الحادثتين عن جنبيْ خطٍ مستقيمٍ قامَ على خطٍ مستقيمٍ هكذا:
قائمة
قائمة
وكلتاهما قائمتان، ويسمَّى الخطُّ القائمُ على الآخرِ عمودً، فإنْ لم تتساويا فما كانتْ أصغرَ
من القائمةِ تسمَّى زاويةً حادَّةً، وما كانت أكبرَ تسمَّى مُنفرِجةً هكذا:
حادَّةٌ / منفرحةٌ
(قولُ "الشارح": بأن يبقى شيءٌ إلخ) لا شكَّ أنَّه شاملٌ للمسامتةِ بقسميها اللذين ذكَرَهما في "المعراج"،
فإِنَّه إذا سامَتَ الوجهُ بتمامه الكعبةَ صدَقَ أَنَّه بقى شيءٌ منه مُسامِتاً لها، وكذا إذا سامَتَ البعضُ وخَرَجٌ
الآخرُ عنها، وكذا قولُهُ: ((بأن يَفرِضَ إلخ)) الذي جعلَهُ بياناً لكلامِهِ الأوَّل، ولا ينافي ذلك قولَهُ:
((حقيقةٌ))، فإنَّ المسامتة بقسميها لا بدَّ فيها من المقابلة حقيقةً، لكنْ تارةً مع الانحراف وتارةً مع عدمه، وهذا
لا ينافي التقسيمَ الذي ذكرَهُ في "المعراج"، فإنَّه في المسامتة التي هي بمعنى المقابلة على الحذاء، فإنّها هي التي
يصحُّ التقسيم فيها إلى تحقيقيَّةٍ وتقريبيَّةٍ بخلاف مسامتةٍ شيءٍ من سطحِ الوجهِ لها أو استقبالِها، فإنَّ كلاً منهما
صادقٌ تحقيقاً بالبعضِ والكلِّ، وبه يُعلَمُ أنَّ كلامه في غاية الحسن، ويندفعُ ما اعترَضَ به عليه، تأمُّل.
(قولُ "الشارح": على زاويةٍ قائمةٍ) القصدُ الاحترازُ عمَّا لو كان واصلاً إلى الكعبة على حادَّةٍ ومنفرجةٍ،
وليس المرادُ أنْ يكون الخطُّ على زاويةٍ فقط حتَّى يقال: إنَّه على زاويتين يمنةً ويسرةً، تأمَّل. وقال
"الرحمتيُّ" : ((إنْ كان ذلك الخطُّ على أحدٍ طرفي وجهِهِ فهو على زاويةٍ قائمةٍ، وإنْ على خلالِهِ فهو على
زاويتين )) اهـ.
(١) في "ب" و"و":((على)).

قسم العبادات
١٠٠
حاشية ابن عابدين
ثُمَّ اعلمْ أَنَّه ذكَرَ في "المعراج" عن "شيخه"(١): ((أَنَّ جهة الكعبة هي الجانبُ الذي إذا توجَّهَ
إليه الإنسانُ يكون مُسامِتاً للكعبة أو هوائها تحقيقاً أو تقريباً، ومعنى التحقيقِ: أنَّه لو فُرِضَ خطٌّ من
تلقاء وجهِهِ على زاويةٍ قائمةٍ إلى الأفقِ يكون مارًّاً على الكعبةِ أو هوائها، ومعنى التقريب: أنْ
يكونَ منحرفاً عنها أو عن هوائها بما لا تزولُ به المقابلةُ بالكلَّةِ، بأنْ يبقى شيءٌ من سطحِ الوجهِ
مُسامِتاً لها أو لهوائها.
وبيانُهُ: أنَّ المقابلة في مسافةٍ قريبةٍ تزولُ بانتقالٍ قليلٍ من اليمين أو الشمال مناسبٍ لها، وفي
البعيدةِ لا تزولُ إلاَّ بانتقالِ كثيرٍ مناسبٍ لها، فإنّه لو قابَلَ إنسانٌ آخرَ في مسافةٍ ذراعٍ مثلاً تزولُ
تلك المقابلةُ بانتقالِ أحدهما يميناً بذراعٍ، وإذا وقعتْ بقدْرِ ميلٍ أو فرسخٍ لا تزولُ إلَّ بمائةٍ ذراعٍ أو
نحوها، ولَمَّا بِعُدَتْ مكةُ عن ديارنا بُعداً مفرطاً تتحقَّقُ المقابلةُ إليها في مواضعَ كثيرةٍ في مسافةٍ
بعيدةٍ، فلو فرضنا خطاً من تلقاءِ وجهٍ مستقبلِ الكعبة على التحقيق في هذه البلادِ، ثم فرضْنا خطاً
آخرَ يقطعُهُ على زاويتين قائمتين من جانبِ يمينِ المستقبلِ وشمالِهِ لا تزولُ تلك المقابلةُ والتوجُّهُ
بالانتقال إلى اليمين والشمال على ذلك الخطّ بفراسخَ كثيرةٍ، فلذا وضَعَ العلماء القبلةَ في بلادٍ قريبةٍ
على سَمْتٍ واحدٍ)) اهـ
ونقَلَهُ في "الفتح"(٢) و"البحر"(٣) [١/ق٣٣٢/أ] وغيرِهما وشروحٍ "المنية"(٤) وغيرها، وذكَرَهُ
"ابن الهمام" في "زاد الفقير"، وعبارةُ "الدرر"(٥) هكذا: ((وجهتُها: أنْ يصِلَ الخطَّ الخارجَ
(١) في "الفوائد البهية" صـ ١٨٦- في ترجمة صاحب "المعراج": (( أخذ عن علاء الدين عبدالعزيز البخاريّ، وعن حسام
الدين حسن السغناقيّ)). اهـ ولم نتبين المراد مِنْ شيخ صاحب "المعراج" عند الإطلاق.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٣٥/١ بتصرف يسير.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠٠/١.
(٤) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة صـ ٢١٨-٢١٩-، و"الحلبة": ٢/ق٢/ب -٣/أ.
(٥) "الدرر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٦٠/١.

الجزء الثالث
١٠١
باب شروط الصلاة
من جبين المصلّي إلى الخطِّ المارِّ بالكعبة على استقامةٍ بحيث يحصُلُ قائمتان، أو نقول: هو أنْ تقعَ
الكعبةُ فيما بين خطَّين يلتقيان في الدِّماغ، فيخرجان إلى العينين كساقَيْ مثلَّثٍ، كذا قال النّحرير
"التفتازاني" في "شرح الكشاف"(١)، فُعلَمُ منه أَنَّه لو انحرَفَ عن العين انحرافاً لا تزولُ منه المقابلةُ
بالكلَّةِ جاز، ويؤيِّدُهُ ما قال في "الظهيريَّة"(٢): إذا تيامَنَ أو تياسَرَ تجوز؛ لأنَّ وجهَ الإِنسان مقوَّسٌ؛
لأنَّ عند التيامُنِ أو التياسُرِ يكون أحدُ جوانبه إلى القبلة)). اهـ "كلامُ الدرر".
وقولُهُ في "الدرر": ((على استقامةٍ)) متعلّقٌ بقوله: ((يصِلَ))؛ لأَنَّه لو وُصِلَ إليه معوجَّاً لم
تحصلْ قائمتان، بل تكونُ إحداهما حادّةً والأخرى مُنُفرِجةً كما بينًّا.
ثُمَّ إِنَّ الطريقة التي في "المعراج" هي الطريقةُ الأولى التي في "الدرر"، إلاَّ أنَّه في "المعراج"
جعَلَ الخطَّ الثانيَ مارًّاً على المصلِّي على ما هو المتبادِرُ من عبارته، وفي "الدرر" جعَلَهُ مارَّاً على
الكعبة، وتصويرُ الكيفيّاتِ الثلاثِ على الترتيب هكذا(٣):
کعبة
قائمة قائمة
كعبة
قائمة | قائمة
مصلى
كعبة
مصلى
قائمة| قائمة
قائمة| قائمة
مصلى
ساق مثلث
ساق مثلث
. يمين
شمال
مصلى
٢٨٧/١
(قولُهُ: أو نقولُ: هو أنْ تقعَ الكعبةُ إلخ) قال العلاَّمة "نوح أفندي": ((أصلُ هذا الكلامِ لـ "الغزاليّ"
(١) هي حاشية مسعود بن عمر، سعد الدين التفتازاني(ت٧٩٢هـ) على "الكشاف" لأبي القاسم محمود بن عمر
جار الله الزمخشري(ت٥٣٨هـ). ("كشف الظنون" ١٤٧٥/٢، ١٤٧٨، "الدرر الكامنة" ٣٥٠/٤).
(٢) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثاني - الفصل الأول في استقبال القبلة والتحري ق ١٤/ب.
(٣) تصوير الكيفيات الثلاث ساقط من "الأصل".
مصلى
قائمة | قائمة مصلى قائمة| قائمة
مصلى

قسم العبادات
١٠٢
حاشية ابن عابدين
"منح".
قلت: فهذا معنى التيامُنِ والتياسر في عبارة "الدرر") ..
[٣٧٨١) (قولُهُ: "منح") فيه أنَّ عبارة "المنح"(١) هي حاصلُ ما قدَّمناه(٢) عن "المعراج"، وليس
فيها قولُهُ: ((ماراً على الكعبة))، بل هو المذكورُ في صورةِ "الدرر"، ويمكنُ أنْ يرادَ أَنَّه مارٌّ عليها
طولاً لا عرضاً، فيكون هو الخطّ الخارجَ من جبينِ المصلِّي، والخطُّ الآخرُ الذي يقطعُهُ هو المارُّ
عرضاً على المصلِّي أو على الكعبة، فيصدُقُ بما صوَّرناه أوَّلاً وثانياً.
ثُمَّ إِنَّ اقتصاره على بعضِ عبارة "المنح" أدَّى إلى قَصْرِ بيانِهِ على المسامَتَةِ تحقيقاً - وهي
استقبالُ العينِ - دون المسامتةِ تقديراً، وهي استقبالُ الجهة مع أنَّ المقصود الثانيةُ، فكان عليه أنْ
يحذفَ قوله: ((من تلقاءِ وجهٍ مُستقبلها حقيقةً في بعض البلاد)).
[٣٧٨٢) (قولُهُ: قلت: إلخ) قد علمتَ أنَّه لو فُرِضَ شخصٌ مستقبلاً من بلده لعين الكعبة
حقيقةً - بأنْ يَفرِضَ الخطَّ الخارجَ من جبينه واقعاً على عينِ الكعبة - فهذا مُسامِتٌ لها تحقيقاً،
في "الإحياء"، فإنَّه قال: ومعنى التوجُّهِ لجهةِ الكعبة أنْ تقعَ بين خطَّن يَخرُجان من العينين ويلتقي طرفاهما
داخلَ الرأس بين العينين على زاويةٍ قائمةٍ، قال بعضُ الفضلاء: فعلى هذا لو وصَلَ الخطّ الخارج بين العينين إلى
جدارِ الكعبة على حادَّةٍ ومنفرجةٍ لم يكن مقابلاً للكعبة، وهو لا يخلو عن بُعْدٍ )) اهـ.
(قولُ "الشارح": فهذا معنى التيامُنِ إلخ) قال "الفتَّال": (( ليس كما فَهِمَهُ، فإنَّ قول "المنح": يمنةً
ويسرةً متعلّقٌ بقوله: خطٌّ آخرُ يقطعُهُ، فهما صفتا الخطّ القاطع، وعبارة "الدرر": المرادُ به الشَّخصُ،
فهما صفةُ المصلّي، فبينهما تباينٌ)) اهـ. وقال "الرحمتيُّ) : ((ظاهرُ عبارة "الدرر" أنَّ العبرة لميمنةٍ نفسه
وميسرتِهِ، حتَّى لو جعَلَ يميْنَهُ أو يسارَهُ إلى القبلة أجزأَهُ في بقاء شيءٍ من سطح الوجهِ مُستقبِلَ القبلة،
ولَمَّا لم يَرَتَضِهِ "الشارح" أرجَعَهُ لِما تقدَّمَ)).
(١) "المنح": كتاب الصلاة - شروط الصلاة ١/ق ٣٣/ب باختصار.
(٢) المقولة [٣٧٨٠] قوله: ((بأن يبقى إلخ)).

الجزء الثالث
١٠٣
باب شروط الصلاة
ولو أَنَّ انتقلَ إلى جهةِ يمينه أو شماله بفراسخَ كثيرةٍ، وفرضْنا خطاً [٣٣٢/١/ب] مارًّاً على
الكعبة من المشرق إلى المغرب، وكان الخطُّ الخارجُ من جبينِ المصلِّي يصِلُ على استقامةٍ إلى هذا
الخطّ المارِّ على الكعبة فإِنَّه بهذا الانتقالِ لا تزولُ المقابلةُ بالكلية؛ لأنَّ وجهَ الإِنسان مقوٌَّ، فمهما
تأخّر يميناً أو يساراً عن عينِ الكعبة يبقى شيءٌ من جوانبِ وجهه مقابلاً لها، ولا شكَّ أنَّ هذا عند
زيادةِ البعد، أمَّا عند القربِ فلا يعتبرُ كما مرَّ(١)، فقول "الشارح": ((هذا معنى التيامُنِ والتياسُرٍ))،
أي: أنَّ ما ذكَرَهُ من قوله: ((بأنْ يبقى شيءٌ من سطحِ الوجهِ إلخ)) مع فرضِ الخطِّ على الوجهِ
الذي قرَّرناه هو المرادُ بما في "الدرر" عن "الظهيريَّة" من التيامُنِ والتياسُرِ، أي: ليس المرادُ منه أنْ
يجعلَ الكعبةَ عن يمينه أو يساره؛ إذ لا شكَّ حينئذٍ في خروجِهِ عن الجهةِ بالكلَّة، بل المفهومُ مما
قدَّمناه(٢) عن "المعراج" و"الدرر" من التقييدِ بحصولِ زاويتين قائمتين عند انتقالِ المستقبلِ لعينِ
الكعبة يميناً أو يساراً أَنَّه لا يصحُّ لو كانتْ إحداهما حادّةً والأخرى منفرجةً بهذه الصُّورة:
كعبة
مصلى
والحاصلُ: أنَّ المراد بالتيامُنِ والتياسُرِ الانتقالُ عن عينِ الكعبة إلى جهةِ اليمين أو اليسارِ
لا الانحرافُ، لكنْ وقَعَ في كلامهم ما يدلُّ على أنَّ الانحرافَ لا يضرُّ، ففي "القُهُستانيِّ)"(٣):
((ولا بأس بالانحرافِ انحرافاً لا تزولُ به المقابلةُ بالكليّةِ، بأنْ يبقى شيءٌ من سطحِ الوجهِ
مُسامتاً للكعبة)) اهـ.
وقال في "شرح زاد الفقير": ((وفي بعض الكتب المعتمَدة: في استقبال القبلة إلى الجهةِ أقاويلُ
(١) المقولة [٣٧٧٨] قوله: ((يعم المعاين وغيره)).
(٢) المقولة [٣٧٨٠] قوله: ((بأن يبقى إلخ)).
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - شروط الصلاة ٨٠/١.

قسم العبادات
١٠٤
حاشية ابن عابدين
كثيرةٌ، وأقربها إلى الصواب قولان، الأوَّلُ: أنْ ينظرَ في مغربِ الصيف في أطولِ أيامه ومغربِ
الشتاء في أقصرِ أيامه، فليدَعِ الثلثين في الجانبِ الأيمن والثلثَ في الأيسرِ، والقبلةُ عند ذلك، ولو لم
يفعلْ هكذا وصلَّى فيما بين المغربين يجوزُ، وإذا وقَعَ خارجاً منها لا يجوز بالاتّفاق)). اهـ ملخَّصاً.
وفي "منية المصلِّي"(١) عن "أمالي الفتاوى"(٢): ((حدُّ القبلةِ في بلادنا - يعني: سمرقندَ -
ما بين المغربين: مغربِ الشتاء ومغربِ الصيف، فإنْ صلَّى إلى جهةٍ خرجَتْ من المغربين
فسدتْ صلاته)) اهـ.
وسيأتي(٣) في المتن [١/ق٣٣٣/أ] في مفسدات الصلاة: ((أَنَّها تفسُدُ بتحويلٍ صدره عن
القبلة بغيرِ عذرٍ))، فعُلِمَ أنَّ الانحراف اليسيرً لا يضرُّ، وهو الذي يبقى معه الوجهُ أو شيءٌ من
جوانبه مُسامتاً لعينِ الكعبة أو لهوائها، بأنْ يخرُجَ الخطُّ من الوجهِ أو من بعض جوانبه، ويمرَّ على
الكعبة أو هوائها مستقيماً، ولا يلزمُ أنْ يكون الخطُّ الخارجُ على استقامةٍ خارجاً من جبهةِ المصلِّي،
بل منها أو من جوانبها كما دلَّ عليه قولُ "الدرر": ((من جبينِ المصلِّي))، فإنَّ الجبين طرفُ
الجبهة، وهما جبينان.
وعلى ما قرَّرناه يُحمَلُ ما في "الفتح"(٤) و"البحر"(٥) عن "الفتاوى": ((من أنَّ الانحراف
(١) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة صـ ٢١٨ -.
(٢) كذا في النسخ، وهو تحريف، والصواب: "مآل الفتاوى" المسمى بـ "الملتقط"، قال ابن أمير حاج في "الحلبة"
٢/ق ٦/أ عند قول صاحب "المنية": وذكر في "أمال الفتاوى": ((لم أقف على هذا الكتاب، ووقفت على هذه
العبارة في "الملتقط" و"تجنيسه" مع زيادة)).
نقول: و"مآل الفتاوى" المسمى بـ "الملتقط" لأبي القاسم محمد بن يوسف، ناصر الدين الحسني المدني السمر قندي
(ت ٥٥٦هـ). ("كشف الظنون" ١٥٧٤/٢، ١٨١٣، "الجواهر المضية" ٤٠٩/٣). هذا وقد طالعنا العبارة في "مآل الفتاوى"
المحفوظ في مكتبة الأسد تحت رقم: (٧٧٧٧) فوجدناها بحرفيتها في كتاب الصلاة ق ١٠/ب، والله الموفق للصواب.
(٣) ٩٣/٤ "در".
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٣٥/١.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠١/١.

الجزء الثالث
١٠٥
باب شروط الصلاة
فتبصّرْ.
وتُعرَفُ بالدليل، وهو في القُرى والأمصار محاريبُ الصحابة والتابعين، وفي المفاوزِ
والبحارِ النجومُ كالقطب،.
المفسدَ أنْ يجاوزَ المشارقَ إلى المغاربِ(١)) اهـ. فهذا غايةُ ما ظهَرَ لي في هذا المحلِّ، والله تعالى أعلم.
[٣٧٨٣] (قولُهُ: فتبصَّرْ أشارَ إلى دقَّةِ ملحظِهِ الذي قرَّرناه، وإلى عدمِ الاستعجالِ بالاعتراض،
ومع هذا نسبُوه إلى عدمِ الفهم، فافهم.
[٣٧٨٤] (قولُهُ: محاريبُ الصَّحابة والتابعين) فلا يجوزُ التحرِّي معها، "زيلعي)"(٢). بل علينا
اتّباعُهم، "خانّة"(٣). ولا يُعتمَدُ على قولِ الفلكيِّ العالمِ البصير الثقةِ: إنَّ فيها انحرافاً، خلافاً
للشافعيّة في جميعِ ذلك كما بسَطَهُ في "الفتاوى الخيريَّة"(٤)، فأَيَّاك أنْ تنظر إلى ما يقال: إنَّ قبلة
أمويِّ دمشقَ وأكثرِ مساجدِها المبنية على سَمْتِ قبلته فيها بعضُ انحرافٍ، وإِنَّ أصحَّ قبلةٍ فيها قبلةُ
جامعِ الحنابلة الذي في سفحِ الجبل؛ إذ لا شكَّ أنَّ قبلة الأمويِّ من حينٍ فَتْحِ الصحابةِ، ومَنْ صلَّى
منهم إليها - وكذا مَنْ بعدهم - أعلمُ وأوثقُ وأدرى من فلكيّ لا ندري هل أصابَ أم أخطأ، بل
ذلك يُرجِّحُ خطأه، وكلُّ خِيرٍ فِي أََّاعٍ مَنْ سَلَفْ.
[٣٧٨٥] (قولُهُ: كالقُطْبِ) هو أقوى الأدَّةِ، وهو نجمٌ صغيرٌ في بناتِ نعشِ الصُّغرى بين
الفَرقدين والجدْىِ، إذا جعلَهُ الواقفُ خلفَ أذنه اليمنى كان مستقبلاً القبلةَ إنْ كان بناحيةِ الكوفة
وبغدادَ وهَمْدان، ويجعلُهُ مَنْ بمصرَ على عاتقه الأيسرِ، ومَنْ بالعراق على كتفه الأيمنِ، ومَنْ باليمن
(١) ظاهر هذه العبارة يحصر الفساد بمجاوزة المشارق إلى المغارب، وهو مشكل؛ إذ الانحراف الُفسِد حاصل بتحويل
الصدر عن القبلة، فيصدق بما دون ذلك، أي: بأن ينحرف بصدره بحيث لا يصل إلى استقبال المشرق أو المغرب،
كما أشار إلى ذلك ابن عابدين رحمه الله في حاشيته "منحة الخالق على البحر الرائق"٣٠١/١.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٠١/١.
(٣) "الخانية": كتاب الصلاة ٧٠/١ بتصرف. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الفتاوى الخيرية": كتاب الصلاة ٧/١-٨.

قسم العبادات
١٠٦
حاشية ابن عابدين
قُبالته مما يلي جانبَهُ الأيسرَ، ومَنْ بالشَّام وراءه، "بحر"(١). قال "ابن حجرٍ"(٢): ((وقيل: ينحرفُ
بدمشقَ وما قارَبَها إلى الشرقِ قليلاً) اهـ.
/٢٨٨
وذكَرَ الشُّرَّاحُ للقبلةِ علاماتٍ أُخرَ، غالبُها مبنيّةٌ على سَمْتٍ بلادهم، [١/ق٣٣٣/ب] منها
ما قدَّمناه(٣) عن "شرح زاد الفقير" و"المنية"، فإنّها علامةٌ لقبلةِ سمرقند وما كان على سَمْتها، وفي
"حاشية الفَتَّال": ((قال "البِرْ جَنديُّ": ولا يخفى أنَّ القِبلة تختلفُ باختلافِ البقاع، وما ذكروه
يصحُّ بالنسبة إلى بقعةٍ معيّةٍ، وأمرُ القِبلة إنما يتحقّقُ بقواعدِ الهندسة والحساب، بأنْ يُعرَفَ بُعْدُ
مكةَ عن خطِّ الاستواء وعن طرف المغرب، ثم يُعْدُ البلد المفروضِ كذلك، ثم يقاسَ بتلك القواعد
ليتحقَّقَ سمتُ القِبلة)) اهـ
لكنْ قال "القُهُستانيُ) (٤): ((ومنهم مَنْ بناهُ على بعضِ العلوم الحكميَّة، إلاَّ أنَّ العلاَّمة
"البخاريّ" قال في "الكشف" (٥): إنَّ أصحابنا لم يعتبروه)) اهـ.
وأفادَ في "النهر"(٦): ((أَنَّ دلائل النجومِ معتبرةٌ عند قومٍ، وعند آخرين ليستْ معتبرةٍ))، قال:
((وعليه إطلاقُ عامَّةِ المتون)) اهـ.
أقولُ: لم أرَ في المتون ما يدلُّ على عدمِ اعتبارها، ولنا تعلُّمُ ما نهتدي به على القِبلة من
النجوم، وقال تعالى: ﴿اُلُّجُومَ لِهْتَدُواْ بِهَا﴾ [الأنعام -٩٧]، على أنَّ محاريبَ الدنيا كلَّها نُصِبتْ
بالتحرِّي حتى مِنى كما نقّلَهُ في "البحر "(٧)، ولا يخفى أنَّ أقوى الأدلَّةِ النجومُ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠١/١ باختصار.
(٢) "تحفة المحتاج بشرح المنهاج": كتاب الصلاة - فصل في استقبال القبلة ٥٠٠/١.
(٣) المقولة [٣٧٨٢] قوله: ((قلت إلخ)).
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - شروط الصلاة ٨٠/١ باختصار يسير.
(٥) "كشف الأسرار": باب معرفة أحوال المجتهدين ومنازلهم في الاجتهاد ٤٧/٤.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤١/ب.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠٣/١ نقلاً عن أبي جعفر عن سلام بن حكيم.

الجزء الثالث
١٠٧
باب شروط الصلاة
والظاهرُ: أنَّ الخلاف في عدمِ اعتبارها إنما هو عند وجودِ المحاريبِ القديمة؛ إذ لا يجوزُ
التحرِّي معها كما قدَّمناه(١) لئلاّ يلزمَ تَخْطِئَةُ السَّلف الصالح وجماهيرِ المسلمين، بخلاف ما إذا كان
في المفازةِ فينبغي وجوبُ اعتبارِ النجوم ونحوِها في المفازة لتصريحِ علمائنا وغيرهم بكونها علامةً
معتبرةً، فينبغي الاعتمادُ في أوقاتِ الصلاة وفي القِبلة على ما ذكَرَهُ العلماءُ الثقاتُ في كتب
المواقيتِ، وعلى ما وضعوه لها من الآلات كالربعِ والإصطرلابِ(٢)، فإنَّها إنْ لم تُقِدِ اليقينَ تُقِدْ
غلبةَ الظنِّ للعالم بها، وغلبةُ الظنِّ كافيةٌ في ذلك، ولا يُرِدُ على ذلك ما صرَّحَ به علماؤنا من عدمٍ
الاعتماد على قولِ أهل النجومٍ في دخولِ رمضان؛ لأنَّ ذاك مبنيٌّ على أنَّ وجوب الصومِ معلّقٌ
برؤيةِ الهلال لحديث: ((صومُوا لرؤيته)(٣)، وتوليدُ الهلال ليس مبنياً على الرُّؤية، [١/ق٣٣٤/أ] بل
على قواعدَ فلكَّةٍ، وهي - وإنْ كانت صحيحةً في نفسها - لكنْ إذا كانتْ ولادتُهُ في ليلةٍ كذا فقد
يُرى فيها الهلالُ وقد لا يُرى، والشارعُ علَّقَ الوجوبَ على الرؤية لا على الولادة، هذا ما ظهَرَ
لي، والله أعلم.
(١) المقولة [٣٧٨٤] قوله: ((محاريب الصحابة والتابعين)).
(٢) "الإصطرلاب": آلة لرصد النجوم يوضح بها الحكماء والمنجمون أسرار الفلك ومعناه ميزان الشمس. "الصحاح"
٢٦/١، "كشاف اصطلاحات الفنون" ١٧٦/١.
والربع: آلة بصرية ذات مقياس مدرَّج، على شكل قوس، دائرية طولها ربع محيط الدائرة، تستعمل لقياس الأبعاد
الزاوية. "الصحاح ٤٦٠/١ مادة(ربع)).
(٣) أخرجه أحمد ٤١٥/٢ و٤٢٢ و٤٣٨ و٤٥٤ و٤٥٦ و٤٦٩، والبخاريّ (١٩٠٩) كتاب الصوم - باب قول
النبي ◌َّ: ((إذا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ فَصُوْمُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا))، ومسلم (١٨٠١)(١٨)(١٩) كتاب الصيام - باب
وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال، والترمذيّ بنحوه (٦٨٤) كتاب الصوم - باب ما جاء ((لا
تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمٍ)) وقال: حديث أبي هريرة ◌َّهِ حديثٌ حَسَنٌ صحيح، والنِّسَائِيّ ١٣٣/٤ كتاب الصيام - باب
إكمال شعبان ثلاثين إذا كان غيم، وابن ماجه بنحوه (١٦٥٥) كتاب الصيام - باب ما جاء في ((صُوْمُوا لِرُؤْيَتِه
وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ))، وابن حبان (٣٤٤٢) و(٣٤٤٣) و(٣٤٥٧) و(٣٤٥٩) كتاب الصوم - باب رؤية الهلال.

قسم العبادات
١٠٨
حاشية ابن عابدين
وإلاّ فمِن الأهلِ العالِم بها مِمَّن لو صاحَ به سَمِعَهُ.
[٣٧٨٦] (قولُهُ: وإلاَّ فمِنَ الأهلِ) أي: وإنْ لم يكن ثَمَّةَ محاريبُ قديمةٌ فيسأل مَنْ يعلمُ بالقبلة
ممن تُقبَلُ شهادتُهُ من أهل ذلك المكانِ ممن يكونُ بحضرته، بأنْ يكونَ بحيث لو صاح به سمعَهُ، أمَّا
غيرُ العالم بها فلا فائدةً في سؤاله، وأمَّا غيرُ مقبولِ الشهادة كالكافر والفاسق والصبيِّ فلعدم
الاعتداد بإخباره فيما هو من أمورِ الديانات ما لم يغلب على الظنِّ صدقُهُ كما في "القُهُستانيِ))(١)،
ويُقبَلُ فيها قولُ الواحدِ العدلِ كما في "النهاية"، وأمَّا إذا لم يكنْ من أهلِ ذلك المكانِ فلأنّه يُخبِرُ
عن اجتهادٍ، فلا يترُكُ اجتهادَهُ باجتهادِ غيره، وأمَّا إذا لم يكن بحضرته من أهلِ المسجد أحدٌ فإنّه
يتحرَّى، ولا يجبُ عليه قرعُ الأبواب كما سيأتي(٢).
وظاهرُ التقييد بالأهلِ أنَّ وجوبَ السُؤال خاصٌّ بالحضَرِ، فلو في مفازةٍ لا يجبُ، وفي
"البدائع"(٣) ما يخالفُهُ، حيث قال: ((فإنْ كان عاجزاً بالاشتباه - وهو أنْ يكون في المفازةِ في ليلةٍ
مظلمةٍ، [أو](٤) لا علمَ له بالأماراتِ الدالّة على القِبلة - فإنْ كان بحضرته مَنْ يسألُهُ عنها لا يجوزُ له
أنْ يتحرَّى، بل يجبُ أنْ يسألَ لِما قلنا، أي: من أنَّ السؤال أقوى من التحرِّي)) اهـ.
وشرَطَ في "الدَّخيرة" كونَ المخبرِ في المفازة عالماً، حيث نقَلَ عن الفقيهِ "أبي بكر"(٥): ((أَنَّه
سُئل عمَّن في المفازة، فأخبره رَجُلان أنَّ القِبلة في جانبٍ، ووقَعَ تحرِّيهِ إلى جانبٍ آخرَ، فقال: إنْ
كان في رأيه أنّهما يَعلمان ذلك يأخذُ بقولهما لا محالةَ، وإلاَّ فلا)) اهـ.
وشرَطَ في "الخافيّة"(٦) و"التجنيس" كونَهما من أهلِ ذلك الموضعِ، حيث قال:
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - شروط الصلاة ٨٠/١.
(٢) المقولة [٣٨٠٣] قوله: ((ولا يلزمه قرع أبواب)).
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شرائط أركان الصلاة ١١٨/١.
(٤) الذي في النسخ جميعها: ((ولا))، وما أثبتناه من "البدائع" هو الصواب.
(٥) لعله أبو بكر بن أحمد بن علي بن عبد العزيز، الظهير البلخيّ الأصل السمر قنديّ (ت٥٥٣هـ) ("الجواهر المضية"
١٠٤/٤، "تاج التراجم" صـ ٣٠١-، "الفوائد البهية"صـ ٢٧ - واسمه فيه: أحمد بن علي، أبوبكر).
(٦) "الخانية": كتاب الصلاة ٧١/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").

الجزء الثالث
١٠٩
باب شروط الصلاة
٠٠
((فإنْ لم يكونا من أهلِ ذلك الموضعِ وهما مسافران مثلَهُ لا يلتفتُ إلى قولهما؛ لأَنَّهما يقولان
بالاجتهاد، فلا یترُكُ اجتهادَهُ باجتهادٍ غیرہ)) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ المراد من اشتراطِ كونهما من أهلِ ذلك الموضع كونُهما عالِمَين بالقبلة؛
لأنَّ الكلام في المفازة ولا أهلَ لها، إلاَّ أنْ يرادَ كونُهما من أهلِ الأخبِيةِ فهما من أهله،
[١/ق٣٣٤/ب] والأهلُ له علمٌ أكثرُ من غيره، فلا ينافي ما مرَّ(١) عن "الذخيرة"، حتى لو
كانا من أهلِهِ ولا علمَ لهما لا يلتفتُ إلى قولهما، فالمناطُ إنما هو العلمُ، فقد يكونان مسافرين
مثلَهُ، ولكنْ لهما معرفةٌ بالقبلة في ذلك المكانِ بكثرةِ التكرار أو بطريقٍ آخرَ من طرقِ العلم مما
يفوقُ على تحرِّي المتحرِّي.
ثُمَّ اعلمْ أنَّ ما نقلناه آنفاً (٢) عن "البدائع" من قوله: ((في ليلةٍ مظلمةٍ إلخ)) يقتضي أنَّ
الاستدلال بالنجوم في المفازة مقدَّمٌ على السُّؤال المقدَّمِ على التحرِّي.
فصار الحاصلُ: أنَّ الاستدلال على القِبلة في الحضَرِ إنما يكون بالمحاريب القديمة، فإنْ لم
توجد فبالسُّؤالِ من أهلِ ذلك المكان، وفي المفازة بالنجوم، فإنْ لم يمكن لوجودٍ غيمٍ أو لعدمٍ
معرفته بها فبالسُّؤالٍ من العالم بها، فإن لم يكن فيتحرَّى، وكذا يتحرَّى لو سألَّهُ عنها فلم يخبره،
حتى لو أخبره بعدَما صلَّى لا يعيدُ كما في "المنية"(٣)، وفيها: ((لو لم يسألْهُ وتحرَّى إِنْ أصابَ
جازَ، وإلاَّ فلا(٤)، وكذا الأعمى)) اهـ. ومسائلُ التحرِّي ستأتي(٥).
ورجَّحَ في "البحر"(٦) ما في "الظهيريَّة"(٧): ((من أَنَّه لو صلَّى في المفازة بالتحرِّي والسماءُ
(١) في هذه المقولة.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة صـ٢٢٢ -.
(٤) في "الأصل" و"ب" و"م": ((وإلا لا)).
(٥) المقولة [٣٨١٦] قوله: ((فلو لم تشتبه إلخ)).
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠٣/١ باختصار.
(٧) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثاني - الفصل الأول في استقبال القبلة ق ١٤/ب باختصار.

قسم العبادات
١١٠
حاشية ابن عابدين
(والمعتبَرُ) في القِبلة (العرْصةُ لا البناءُ).
/٢٨٩
مصحيَّةٌ، لكنَّه لا يعرف النجوم، فتبيَّنَ أَنَّه أخطأ لا يجوزُ؛ لأَنَّه لا عذرَ لأحدٍ بالجهل بالأدلّةِ
الظاهرة كالشمس والقمر وغيرهما، أمَّا دقائقُ علمٍ الهيئة وصورُ النجوم الثوابتِ فهو معذورٌ
في الجهلِ بها)) اهـ.
[٣٧٨٧] (قولُهُ: والمعتبرُ في القِبلة إلخ) أي: أنَّ الذي يجبُ استقبالُهُ أو استقبالُ جهته هو
العَرْصةُ، وهي لغةً: كلُّ بقعةٍ بين الدُّورِ واسعةٍ لا بناءَ فيها كما في "الصحاح"(١) وغيره، والمرادُ بها
هنا تلك البقعةُ الشريفة.
[٣٧٨٨] (قولُهُ: لا البناءُ) أي: ليس المرادُ بالقبلة الكعبةَ التي هي البناءُ المرتفعُ على الأرض،
ولذا لو نُقِلَ البناءُ إلى موضعٍ آخرَ وصلَّى إليه لم يجزْ، بل تجبُ الصلاةُ إلى أرضها كما في "الفتاوى
الصوفيّة" عن "الجامع الصغير".
مطلبٌ: كراماتُ الأولياء ثابتةٌ
وفي "البحر"(٢) عن "عدَّة الفتاوى"(٣): ((الكعبةُ إذا رُفِعتْ عن مكانها لزيارةٍ أصحاب
الكرامةِ ففي تلك الحالةِ جازت الصلاةُ إلى أرضها)) اهـ
وفي "المجتبى": ((وقد رُفِعَ البناءُ في عهد "ابن الزبير" على قواعدِ الخليلِ، وفي عهد الحجّاج
ليعيدَها على الحالةِ الأولى والناسُ يصلُّون)). اهـ "فَتَّال".
وما ذكَرَهُ في "البحر" نقَلَهُ في "التاتر خانَّة"(٤) عن [١/ق ٣٣٥/ أ] "الفتاوى العتابَّة"، قال
(قولُهُ: على قواعدِ الخليل) عبارةُ "المجتبى" بعد لفظ "الزبير": ((وأُعِيدَ على قواعدِ الخليل)) اهـ.
(١) "الصحاح": مادة ((عرص)).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠٠/١.
(٣) في "كشف الظنون" ١١٢٩/٢: (("عدة الفتاوى والمفتين": مجلدان، أوَّله: الحمد لله المتفرِّد بالعلاء إلخ ... ذكر أنّه
جمع الفتاوى والنوازل ليكون عدةً لمن يتحلى بهذا العلم وعمدةً إلخ ... )).
(٤) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني ٤٢٦/١، وفيها (("الغيائية")) بدل (("العتابية")).

الجزء الثالث
١١١
باب شروط الصلاة
فهي من الأرضِ السابعة إلى العرش (وقِبلةُ العاجز عنها) لمرض - وإنْ وجَدَ مُوجِّهاً
عند "الإِمام" -
"الخيرُ الرمليُّ": ((وهذا صريحٌ في كراماتِ الأولياءِ، فيُرَدُّ به على مَنْ نسَبَ إمامَنا إلى القول
بعدمها))، وسيأتي(١) تمامُ الكلام على ذلك في بابِ ثبوت النسب(٢).
[٣٧٨٩] (قولُهُ: فهي من الأرضِ السَّابعة إلى العرش) صرَّحَ بذلك في "الفتاوى الصوفيّة"
معزيًّاً لـ "الحجَّة"، ثم قال: ((فلو صلَّى في الجبالِ العالية والآبارِ العميقة السَّافلةِ جازَ كما
جازَ على سطحِها وفي جوفها))، "فتّال". فلو كان المعتبرُ البناءَ لا العرصةَ لم يجزْ ذلك،
فالتفریعُ صحیحٌ، فافهم.
[٣٧٩٠) (قولُهُ: عند "الإِمام") لأنَّ القادر بقدرةِ الغيرِ عاجزٌ عنده؛ لأنَّ العبد يكلّفُ بقدرةٍ
نفسه لا بقدرةٍ غيره خلافاً لهما، فيلزمُهُ عندهما التوجُّهُ إِنْ وجَدَ موجِّهاً، وبقولهما جزَمَ في
"المنية"(٣) و"المنح"(٤) و"الدرر"(٥) و"الفتح"(٦) بلا حكايةِ خلافٍ، وهذا بخلاف ما لو عجَزَ عن
الوضوءِ، ووجَدَ مَنْ يوضِّته، حيث يلزمُهُ ولا يجوزُ له التيمُّمُ اتفاقاً في ظاهرِ المذهب، وقيل: على
الخلافِ أيضاً، وقدَّمنا(٧) الفرقَ في باب التيمُّمِ، فراجعه.
(قولُهُ: فالتفريعُ صحيحٌ) الذي يظهرُ أنَّ تفريع تحديدِ القبلة بما ذكرَهُ على أنَّ المعتبر العَرْصةُ
لا البقعة غيرُ صحيحٍ لعدم تفرُّعِهِ عليه، تأمَّل. وفي "نهاية ابن الأثير": ((العَرْصةُ الموضع الذي لا بناءً
فيه)) اهـ. وهذا دالٌّ على عدمٍ شمولها للهواء.
(١) انظر المقولة [١٥٦٦٠] قوله: ((لكن في عقائد التفتازاني)) وما بعدها.
(٢) من ((وسيأتي)) إلى ((النسب)) ساقط من "٢".
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة صـ٢١٩ -.
(٤) "المنح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ٣٤/أ.
(٥) "الدرر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٦٠/١.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٣٦/١.
(٧) المقولة [٢٠٥٢] قوله: ((كما في "البحر")).

قسم العبادات
١١٢
حاشية ابن عابدين
أو خوفِ مالٍ، وكذا كلُّ مَن سقَطَ عنه الأركانُ (جهةُ قدرتِهِ).
وإذا كان له مالٌ، ووجَدَ أجيراً بأجرةِ مثلِهِ هل يلزمُهُ أنْ يستأجره عندهما كما قالوه
في التيمُّمِ أم لا؟ لم أر مَنْ ذكره، وينبغي اللُّزومُ، ثم رأيتُهُ في "شرح الشيخ إسماعيل"(١) عن
"الروضة"(٢)، لكنْ بتقييدِ كونِ الأجرة دون نصفِ درهمٍ، فلو طلَّبَ نصفَ درهمٍ أو أكثر.
لا يلزمُهُ.
والظاهرُ: أنَّ المراد به أجرُ المثل كما فسَّروه بذلك في التيمُّمِ كما قدَّمناه(٣) هناك.
[٣٧٩١] (قولُهُ: أو خوفِ مالٍ) أي: خوف ذهابه بسرقةٍ أو غيرها إن استقبَلَ، وسواءٌ كان
المالُ ملكاً له أو أمانةً، قليلاً أو كثيراً، "ط"(٤). ولم يعزُهُ إلى أحدٍ، فليراجع، نعمْ سيأتي(٥) في
مفسداتِ الصلاة أنّ يجوزُ قطعُ الصلاة لضياعٍ ما قيمتُهُ درهمٌ له أو لغيره.
[٣٧٩٢) (قولُهُ: وكذا كلُّ مَنْ سقَطَ عنه الأركانُ) أي: تكون قبلتُهُ جهةَ قدرته أيضاً، قال في
"البحر"(٦): ((ويشملُ - أي: العذرُ - ما إذا كان على لوحٍ في السفينة يخافُ الغرقَ إذا انحرَفَ إليها،
وما إذا كان في طينِ ورَدَغَةٍ لا يجدُ على الأرض مكاناً يابساً، أو كانت الدابةُ جموحاً لو نزَلَ لا
يمكنُهُ الركوبُ إلَّ بِمُعينٍ، أو كان شيخاً كبيراً لا يمكنُهُ أنْ يركبَ إلاَّ بِمُعينِ ولا يجدُهُ، فكما تجوزُ
له الصلاة على الدابَّة ولو كانت فرضاً، وتسقُطُ عنه الأركانُ كذلك يسقُطُ عنه التوجُّهُ إلى القِبلة
إذا لم [١/ق٣٣٥/ب] يمكنْهُ، ولا إعادةَ عليه إذا قدَرَ)) اهـ.
(قولُهُ: ورَدَغَةٍ) في "القاموس": ((الرَّدَغَةُ محرَّكَةٌ ويُسكّنُ: الماءُ، والطينُ، والوحل الشديد)).
(١) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ٢١٩/أ.
(٢) لعلها "روضة الزندويستي": فالشيخ إسماعيل كثيراً ما ينقل عنها في كتابه "الإحكام".
(٣) المقولة [٢٠٥٢] قوله: ((كما في "البحر")).
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٨/١.
(٥) ١٨٩/٤ "در".
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠٢/١.

· الجزء الثالث
١١٣
باب شروط الصلاة
ولو مضطجعاً بإيماءٍ لخوفِ رؤيةٍ عدوٍّ، ولم يُعِدْ؛ لأنَّ الطاعة بحسبِ الطاقة.
١١
فيشترطُ في جميعِ ذلك عدمُ إمكانِ الاستقبال، ويشترطُ في الصلاة على الداَبّة إيقافُها إنْ
قدَرَ، وإِلاَّ - بأنْ خافَ الضررَ كأنْ تذهبَ القافلةُ وينقطعَ - فلا يلزمُهُ إيقافُها ولا استقبالُ القِبلة كما
في "الخلاصة"(١)، وأوضحَهُ في "شرح المنية الكبير"(٢) و"الحلبة"(٣)، وقَّدَ في "الحلبة"(٤) مسألةَ
الصلاة على الداَبَّة للطين بما إذا عجَزَ عن النزولِ، فإِنْ قدَرَ نزَلَ وصلَّى واقفاً بالإيماء، زاد
"الزيلعيُّ (٥): ((وإِنْ قدَرَ على القعود دون السجود أوماً قاعداً، وأَنَّه لو كانت الأرضُ نديَّةً مبتلَّةً
بحيث لا يغيبُ وجهُهُ في الطين صلَّى على الأرض وسحَدَ))، وسيأتي(٦) تمامُ الكلام على الصلاة
على الداَبَّة في باب الوترِ والنوافل إنْ شاء الله تعالى.
[٣٧٩٣] (قولُهُ: ولو مضطجعاً إلخ) تعميمٌ للقدرة، أي: يتوجَّهُ العاجزُ إلى أيِّ جهةٍ قدَرَ ولو
كان مضطجعاً، قال "الزيلعيُّ(٧): ((ويستوي فيه - أي: في العجز - الخوفُ من عدوٍّ أو سُبُعٍ أو
الصٍّ حتى إذا خاف أنْ يراه إنْ توجَّهَ إلى القِبلة جاز له أنْ يتوجَّهَ إلى أيِّ جهةٍ قدَرَ، ولو خاف أنْ
يراه العدوُّ إنْ قعَدَ صلَّى مضطجعاً بالإيماء، وكذا الهاربُ من العدوِّ راكباً يصلّي على دابته)) اهـ
[٣٧٩٤] (قولُهُ: ولم يُعِدْ)(٨) لأنَّ هذه الأعذارَ سماويَّةٌ حتى الخوفُ من عدوٍّ؛ لأنَّ الخوف
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل العشرون: في الصلاة على الدابة ق٤٨/ب معزياً إلى "النوازل".
(٢) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة صـ٢١٩ -.
(٣) "الحلبة": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة ٢/ق ٦/ب.
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة ٢/ق ٦/ب.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٠١/١.
(٦) المقولة [٥٨٤٣] قوله: ((ويتنفل المقيم راكباً)).
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٠١/١.
(٨) في "د" زيادة: ((قوله: ولم يعد، ينظر: هل هو منقول أو أخذه من إطلاق كلامهم؟ وإلا ففي "شرح الشيخ إسماعيل"
على "الدرر والغرر": أقول: لو قيل بما سبق في التيمُّم من أنَّ العذر إن كان من جهته تعالى فلا إعادة، أو من جهة
المخلوق فالإعادة أمكن، لكن لم أجد من تعرَّضَ له هنا، ولعلها أخلص، والله تعالى الموفق. انتهى، تأمل. وفي "منية =

قسم العبادات
١١٤
حاشية ابن عابدين
(ويتحرَّى) هو بذلُ المجهود لنَّيْلِ المقصود (عاجزٌ عن معرفة القبلةِ) بما مرَّ .........
لم يحصُلْ بمباشرةٍ أحدٍ بخلاف المقيَّدِ إذا صلَّى قاعداً، فإنَّه يعيدُ عندهما لا عند "أبي يوسف" كما
في "شرح المنية"(١)، ومرَّ(٢) تحقيقُ ذلك في التيمُّمِ، فينبغي أنْ يعيدَ هنا أيضاً؛ إذ لا فرقَ بين صلاته
قاعداً أو إلى غيرِ القبلة؛ لأنَّ القيد عذرٌ من جهةِ العبد؛ لأنَّه بمباشرة المخلوق، تأمَّلْ.
مطلبٌ: مسائلُ التحرِّي في القِبلة
[٣٧٩٥] (قولُهُ: هو) أي: التحرِّي المفهومُ من فعله.
(٣٧٩٦] (قولُهُ: بما مرَّ(٣)) متعلّقٌ بـ ((معرفةٍ))، والذي مرَّ هو الاستدلالُ بالمحاريبِ والنجوم،
والسُّؤَالُ من العالم بها، فأفادَ أنّه لا يتحرَّى مع القدرةِ على أحدٍ هذه، حتى لو كان بحضرته مَنْ
يسألُهُ، فتحرَّى ولم يسألُهُ إِنْ أصاب القِبلة. جاز لحصولِ المقصود، وإلاّ فلا؛ لأنَّ قبلة التحرِّي مبنيّةٌ
على مجرَّدٍ شهادة القلب من غيرِ أمارةٍ، وأهلُ البلد لهم علمٌ بجهةِ القِبلة المبنيَّةِ على الأماراتِ الدالّة
عليها من النجوم وغيرها، فكان فوقَ الثابت [١/ق٣٣٦/أ] بالتحرِّي، وكذا إذا وجَدَ المحاريبَ
المنصوبة في البلدةٍ، أو كان في المفازة والسماءُ مصحيّةٌ وله علمٌ بالاستدلال بالنجوم لا يجوزُ له
٢٩٠/١
(قولُهُ: فينبغي أنْ يعيدَ هنا أيضاً إلخ) أي: المقَّدُ إذا صلَّى إلى غيرِ القبلة، والذي مرَّ تحقيقُهُ في التيمُم
أنَّ الخوف إذا حصَلَ بوعيدٍ أعاد، وإلاَّ لا.
= المصلي" من باب التيمم: المحبوس في السجن يصلّ بالتيمم ويعيد، وقال أبو يوسف: لا يعيد، والأسير في دار الحرب
إذا منع من الوضوء والصلاة يتيمم ويصلي بالإيماء ثم يعيد، ولو صلى بالإيماء لخوفِ عدوٌّ أو سَبْعٍ أو مرضٍ أو طينٍ
لا يعيد بالإجماع، قال شارحها: لأنَّ هذه العوارض سماوية. انتهى وفيها: والمقيّد إذا صلى قاعداً يعيد عندهما، وعند
أبي يوسف لا يعيد. انتهى. فقد فرق بين العذرين كما ترى في الصلاة مومياً في الفرق بينه وبين تركه.
(١) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في التيمم صـ٧٦ -.
(٢) المقولة [٢٠٦٧] قوله : ((ثم إن نشأ الخوف)).
(٣) ص ١٠٥- وما بعدها.

الجزء الثالث
١١٥
باب شروط الصلاة
(فَإِنْ ظهَرَ خطؤُهُ لم يُعِدْ) لِما مرَّ (وإنْ عَلِمَ به في صلاتِهِ أو تحوَّلَ رأيُهُ) ولو في
سجودٍ سهوِ (استدارَ وبَنَى) حتّى لو صلَّى كلَّ ركعةٍ لجهةٍ جاز ..
التحرِّي؛ لأنَّ ذلك فوقه، وتمامُهُ في "الحلبة"(١) وغيرها.
واسْتُفيد مما ذُكِرَ أَنَّه بعد العجزِ عن الأدلَّةِ المارَّةَ عليه أنْ يتحرَّى، ولا يقلِّد مثلَهُ؛ لأنَّ المجتهد
لا يقلّدُ مجتهداً، وإذا لم يقعْ تحرِّيه على شيءٍ فهل له أنْ يقلّد؟ لم أره.
[٣٧٩٧] (قولُهُ: فَإِنْ ظهَرَ خطؤُهُ) أي: بعدَما صلَّى.
[٣٧٩٨] (قولُهُ: لِما مرَّ(٢)) وهو كونُ الطاعة بحسبِ الطاقة.
[٣٧٩٩] (قولُهُ: وإِنْ عِلِمَ به) أي: بخطئه، فافهم.
[٣٨٠٠] (قولُهُ: أو تحوَّلَ رأيْهُ) أي: بأنْ غَلَبَ على ظنّه أنَّ الصواب في جهةٍ أخرى، فلا بد
أنْ يكون اجتهادُهُ الثاني أرجحَ؛ إذ الأضعفُ كالعدم، وكذا المساوي فيما يظهرُ ترجيحاً للأوَّل
بالعمل عليه، تأمَّلْ.
[٣٨٠١] (قولُهُ: استدارَ وبنَى) أي: على ما بقِيَ(٣) من صلاته؛ لِما رُوِيَ أنَّ أهل قباءَ كانوا
متوجِّهين إلى بيت المقدسِ في صلاة الفجر، فأُخبِروا بتحويلِ القِبلة، فاستداروا إلى القِبلة، وأقرَّهم
النبيُّ: ﴿ على ذلك(٤)، وأمَّا إذا تحوَّلَ رأيُهُ فلأنَّ الاجتهاد المتحدِّدَ لا يَنسخُ حكمَ ما قبله في حقِّ
(١) انظر "الحلبة": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة ٢/ق ١٢/أ.
(٢) صـ ١١٣ - "در".
(٣) قوله: ((أي: على ما بقي)) هكذا بخطه، ولعلَّ صوابَه: ((أي على ما مضى))، تأمل. اهـ مصححه.
(٤) أخرجه مالك ١٩٥/١ كتاب القبلة - باب ما جاء في القبلة، والبخاريّ (٤٠٣) كتاب الصلاة - باب ما جاء في
القبلة، ومسلم (٥٢٦) كتاب المساجد - باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، والترمذيّ (٣٤١) كتاب أبواب
الصلاة - باب ما جاء في ابتداء القبلة، وقال: وحديث ابن عمر رضي الله عنهما حديث حسن صحيح، والنّسَائيّ
٢٤٤/١ -٢٤٥ كتاب الصلاة - باب استبانة الخطأ بعد الاجتهاد، و٦١/٢-٦٢ كتاب القبلة - باب استبانة الخطأ بعد
الاجتهاد، والدارمي ٢٩٨/١ كتاب الصلاة - باب في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، كلُّهم من حديث
ابن عمر رضي الله عنهما، وفي الباب عن ابن عبّاس، وعُمَارَة بن أَوْس، وعمرو بن عَوْفٍ الْمُزَنِيّ، وأنس بن مالك،
والبَرَاءِ بن عَازِبٍ .

قسم العبادات
١١٦
حاشية ابن عابدين
ولو بمكّةً أو مسجدٍ مظلمٍ، ولا يلزمُهُ قرعُ أبوابٍ ومسُّ جدران، ..
ما مضى، "شرح المنية"(١). وينبغي لزومُ الاستدارة على الفَورِ، حتى لو مكَثَ قَدْرَ ركنٍ فسدتْ.
[٣٨٠٢) (قولُهُ: ولو بمكةَ) بأنْ كان محبوساً ولم يكنْ بحضرته مَنْ يسألُهُ، فصلَّى بالتحرِّي، ثم
تبيَّنَ أَنَّه أخطأ، "بحر "(٢). وهذا هو الأوجهُ، وعليه اقتصَرَ في "الخانَّةِ"(٣)، "حلبة "(٤).
[٣٨٠٣] (قولُهُ: ولا يلزمُهُ قرْعُ أبوابٍ) في "الخلاصة"(٥): ((إذا لم يكنْ في المسجد قومٌ،
والمسجدُ في مصرٍ في ليلةٍ مظلمةٍ قال الإمام "النسفيُّ" في "فتاواه"(٦): جاز)) اهـ.
وفي "الكافي"(٧): ((ولا يَستخرجُهم من منازلهم))، قال "ابن الهمام"(٨): ((والأوجهُ أَنَّه إذا
عِلِمَ أنَّ للمسجد قوماً من أهله مقيمين، غيرَ أنَّهم ليسوا حاضرين فيه وقتَ دخوله وهم حولَهُ في
القرية وجَبَ طلبهم ليسألَهم قبل التحرِّي؛ لأنَّ التحرِّيَ معلَّقٌ بالعجز عن تعرُّفِ القِبلة بغيره)) اهـ.
ولا منافاةَ بين هذا وبين ما مرَّ(٩) عن "الخلاصة" و"الكافي"؛ لأنَّ المراد: إذا لم يكونوا داخلَ
المنازل، ولم يلزمِ الحرجُ من طلبهم بتعسُّفِ الظلمة والمطرِ ونحوِهِ، "شرح المنية(١٠).
[٣٨٠٤) (قولُهُ: ومسُّ جدرانٍ) لأنَّ الحائط لو كانتْ منقوشةً لا يمكنُهُ [١/ق٣٣٦/ب] تمييزُ
المحراب من غيره، وعسى أنْ يكون ثَمَّ هامَّةٌ مؤذيةٌ، فجاز له التحرِّي، "بحر "(١١) عن "الخانَيَّةَ"(١٢).
(١) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القباة صـ٢٢١و٢٢٣ - بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠٣/١.
(٣) "الخانية": كتاب الصلاة - مسائل اشتباه القبلة ٧٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة ٢/ ق ٩/ب.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس في استقبال القبلة ق٢٣/أ.
(٦) "الفتاوى النسفية" لأبي حفص عمر بن محمد، نجم الدين النّسَفي (ت٥٣٧هـ) (كشف الظنون ١٢٣٠/٢،تاج
التراجم صـ ١٦٣).
(٧) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - شروط الصلاة ١/ق ٢٤/ب.
(٨) "الفتح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٣٦/١.
(٩) في هذه المقولة.
(١٠) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة صـ ٢٢١ -.
(١١) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠٣/١.
(١٢) "الخانية": كتاب الصلاة - ٧٢/١ (هامش"الفتاوى الهندية").