Indexed OCR Text

Pages 81-100

الجزء الثالث
٧٧
باب شروط الصلاة
ولو في الجمعة (ولو مع عدمِهِ) بأنْ كان قد خرَجَ ..
[٣٧٣١] (قولُهُ: ولو في الجمعةِ)(١) كذا في "الشرنبلاليَّة"(٢)، ولم يظهرْ لي وجهُهُ. اهـ "ح"(٣).
أقولُ: لعلَّ المراد أنّه لو نوى المعذورُ ظهرَ الوقت يومَ الجمعة جاز، أي: بلا فرق بين أنْ
يكون اعتقادُهُ أَنَّها فرضُ الوقت أوْ لا، فتظهرُ فائدةُ ذكرِهِ هنا، وأمَّا نَّهُ الظُّهر في صلاة الجمعة فلا
تصحُّ كما في "الإحكام"(٤) [١/ق٣٢٦/ب] عن "النافع"(٥)، وفيه(٦) عن "فيض الغفَّار شرح
المختار "(٧): ((لو نوى ظهرَ الوقت في غيرِ الجمعة إنْ في الوقتِ جازَ على الصحيح))، فقولُهُ:
(قولُهُ: أَنَّه لو نَوَى المعذورُ إلخ) هو غيرُ قيدٍ، إنما العذرُ مسقطٌ للإثم، وهذا بالنسبةِ للجواز،
وبالنسبة للتعميم الذي ذكرَهُ بعده لا بدَّ منه.
(قولُهُ: لو نَوَى ظهرَ الوقت في غيرِ الجمعة) يُحمَلُ هذا التقييدُ على غيرِ المعذور إذا كان عنده أنَّ
فرض الوقت الجمعة، فإذا نوى غيرُ المعذور الذي يعتقدُ أنَّ فرض الوقت هو الجمعة ظهرَ الوقت في يوم
الجمعة لا تصحُّ نيتُهُ له، ولا يكونُ شارعاً فيه؛ إذ لا ظهر لهذا الوقت عنده حتَّى تصحَّ نَُّهُ.
(قولُهُ: إنْ في الوقت جازَ على الصحيح) تقدَّمَ له إنْ نوى ظهرَ الوقت في الوقت صحَّ قولاً واحداً.
(١) في "د" زيادة: (( يعني لو نوى ظهر الوقت في وقت الجمعة وقع عن الظهر؛ لأنَّه أصل والجمعة بدل، فلا تصحُّ بنية
الأصل، ولذا قال المصنف قبله: لو نوى فرض الوقت مع بقائه جاز إلا في الجمعة لأنّها بدل إلخ، لكن في "البحر":
أو نوى الظهر والجمعة جميعاً، وبعضهم جوّز ذلك ورجَّحوا نية الجمعة بحكم الاقتداء كما في "الظهيرية")).
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٦٣/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٩/أ.
(٤) أي: في "الإحكام": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ٢٧٧/ب.
(٥) الذي في "الإحكام": ((المنافع)) وهو لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود، حافظ الدين النسفي (ت ٧١٠هـ)
شرح "النافع" لأبي القاسم محمد بن يوسف، ناصر الدين السمرقندي(ت٥٥٦هـ). ("كشف الظنون" ١٩٢١/٢-
١٩٢٢، "الجواهر المضية" ٢٩٤/٢، ٤٠٩/٣، "الأعلام" ١٤٩/٧).
(٦) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ٢٧٧/أ.
(٧) "فيض الغفار": لمحمد بن إبراهيم بن أحمد الإمام ، شمس الدين السَّمَديسي(ت٩٣٢هـ)، شرح "المختار" لأبي
الفضل عبد الله بن محمود بن مودود، مجد الدين الموصلي (ت ٦٨٣هـ). ("كشف الظنون" ١٦٢٢/٢، "الكواكب
السائرة" ٩٨/١، "شذرات الذهب" ٢٦٦/١٠، "الأعلام" ٣٠٢/٥).

قسم العبادات
٧٨
حاشية ابن عابدين
(وهو لا يعلمُهُ) (لا) يصحُّ في الأصحِّ، ومثلُهُ فرضُ الوقت، فالأَولِى نَيَّةُ ظهرِ اليوم
لجوازه مطلقاً؛ ..
((في غيرِ الجمعة)) احترازٌ عن الجمعة.
(٣٧٣٢] (قولُهُ: وهو لا يعلمُهُ) أي: لا يعلمُ خروجَهُ، ومفهومُهُ أَنَّه لو عِلِمَهُ يصحُّ كما
قدَّمناهُ(١) عن "الشرنبلاليّة".
/ ٢٨٢
(٣٧٣٣) (قولُهُ: لا يصحُّ فِي الأصحِّ) بل قدَّمنا(٢) عن "الحلبة": ((أَنَّه هو الصوابُ)) خلافاً
لِما فهمَهُ في "البحر" وإِنْ رجَّحَهُ المحشِّي(٣).
[٣٧٣٤] (قولُهُ: ومثلُهُ فرضُ الوقت) أي: مثلُ ظهرِ الوقت في أنّه بعد خروجٍ الوقت وهو لا
يعلمُهُ لا يصحُّ في الأصحِّ كما قدَّمناه(٤) آنفاً عَن "التاتر خانيَّةً" و"الزيلعيِّ" خلافاً لِما في "الأشباه"،
فإنَّه خلافُ الأصحِّ كما علمتَ، فافهم.
[٣٧٣٥] (قولُهُ: لجوازِهِ مطلقاً) أي: وإنْ كان الوقتُ قد خرج؛ لأَنَّه نوى ما عليه، وهو
مَخلَصٌ لمن يشكُّ في خروجِ الوقت. اهـ "زيلعي"(٥)، أي: بخلافِ ظهر الوقت؛ لأنَّ الظهر لا
يخرجُ عن كونه ظهرَ اليوم بخروجِ الوقت، ويخرجُ عن كونه ظهرَ الوقتِ بخروجه لصحَّةٍ تسميته
ظهرَ اليوم لا ظهرَ الوقت؛ لأنَّ الوقت ليس له؛ إذ اللامُ للعهد لا للجنس، فلا يضافُ إليه. اهـ
"شرح المنية"(٦).
(١) المقولة [٣٧٠٦] قوله: ((قرنه باليوم أو الوقت أو لا)).
(٢) المقولة [٣٧٠٦] قوله: ((قرنه باليوم أو الوقت أو لا)).
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٨/أ.
(٤) المقولة [٣٧٢٨] قوله: ((ولو نوى فرض الوقت إلخ)).
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٩٩/١.
(٦) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - السادس: النية صـ٢٥٣ -.

الجزء الثالث
٧٩
باب شروط الصلاة
لصحَّةِ القضاء بنَّةِ الأداء كعكسِهِ، هو المختارُ.
مطلبٌ: يصحُّ القضاء بنيَّةِ الأداء وعكسُهُ
[٣٧٣٦] (قولُهُ: لصحَّةِ القضاء بنَّةِ الأداء إلخ) هذا التعليلُ إنما يظهرُ إذا نوى الأداءَ، أمَّا إذا
تُجرَّدَتْ نَّتَه فلا. اهـ "ط"(١).
والمناسبُ ما في "الأشباه"(٢) عن "الفتح"(٣): ((لو نوى الأداءَ على ظنِّ بقاءِ الوقت، فتبيَّنَ
خروجُهُ أجزأه، وكذا عكسُهُ))، ثمَّ مَثَّلَ(٤) له ناقلاً عن "كشف الأسرار "(٥) بقوله: ((كنَّةِ مَنْ
نوى أداءَ ظهرِ اليوم بعد خروجٍ الوقت على ظنِّ أنَّ الوقت باقٍ، وكنَّةِ الأسيرِ الذي اشتبَهَ عليه
رمضانُ، فتحرَّى شهراً وصامه بنَّةِ الأداءِ، فوقَعَ صومه بعد رمضانَ، وعكسُهُ كنَّةٍ مَنْ نوى قضاءً
الظهر على ظنِّ أنَّ الوقت قد خرَجَ ولم يخرجْ بعدُ، وكنَّةِ الأسيرِ الذي صام رمضانَ بنَّةِ القضاء
على ظنِّ أَنَّه قد مضى، والصحَّةُ فيه باعتبارِ أَنَّه أتى بأصلِ النَّة، ولكنْ أخطأ في الظنِّ، والخطأ في
مثلِهِ معفوٌّ عنه)) اهـ.
أقولُ: ومعنى كونِهِ أتى بأصلِ النَّة أنَّه قد عَّنَ في قلبه ظهرَ اليوم الذي يريدُ صلاته، فلا يضرُّ
(قولُهُ: هذا التعليلُ إنما يظهرُ إذا نوى الأداء إلخ) يعني: أنَّه إذا نوى ظهرَ اليوم ليس في جميعٍ صوره
أداءً بنيّةِ قضاء أو عكسَهُ؛ إذ لو تجرَّدَتْ نَّتُهُ لم توجد النّة، فالتعليلُ قاصرٌ.
(قولُهُ: والمناسبُ ما في "الأشباه" عن "الفتح" إلخ) أي: إنَّ إطلاق "الشارح" غيرُ مناسبٍ؛ إذ ليس في
جميع الصور يصحُّ القضاءُ بنَّةِ الأداء وعكسُهُ، والمناسبُ عبارة "الأشباه"، فإنّها تفيدُ تقييدَ ذلك بما عدا
الصورتين اللتين ذكَرَهما المأخوذتين مما في "الأشباه"، فإنَّ فيهما لا يصحُّ الأداءُ بنَّةِ القضاء وعكسُهُ.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٥/١.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الثانية صـ٣٥ -.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٣٣/١.
(٤) أي: صاحب "الأشباه": الفن الأول - القاعدة الثانية صـ٣٦ -.
(٥) "كشف الأسرار": باب يلقب ببيان صفة حكم الأمر ٣١٢/١-٣١٣ بتصرف يسير.

قسم العبادات
٨٠
حاشية ابن عابدين
وصفُهُ له بكونه أداءً أو قضاءً، بخلاف ما إذا نوى صلاةَ الظُّهر قضاءً وهو في [١/ق٣٢٧/أ] وقتِ
الظهر، ولم ينوِ صلاة هذا اليوم لا يصحُّ عن الوقتيَّة؛ لأَنَّه بنَّةِ القضاء صرَفَهُ عن هذا اليومٍ، ولم
توجدْ منه نيَّةُ الوقتيّة حتى يلغوَ وصفُهُ بالقضاء، فلم يوجد التعيين، وكذا لو نواه أداءً وكانت عليه
ظهرٌ فائتةٌ لا يصحُّ عنها وإنْ كان قد صلَّى الوقتيَّةَ لِما قلنا.
مطلبٌ: مضى عليه سنواتٌ وهو يصلّي الظهرَ قبل وقتها
وبهذا ظهَرَ الجوابُ عن مسألةٍ ذَكَرَها بعضُ الشافعيّة، وهي: لو مضى عليه سنواتٌ وهو
يصلّي الظهرَ قبل وقتها، فهل عليه قضاءُ ظهرٍ واحدةٍ أو الكلِّ؟ فأجاب بعضُهم بالأوَّلِ بناءً على أنَّه
لا تشترطُ نيَّةُ القضاء، فتكونُ صلاةُ كلِّ يومٍ قضاءً لِما قبله، وخالفَهُ غيره، ووفَّقَ بعضُ المحقّقين
منهم: ((بأَنَّ إِنْ نوى كلَّ يومٍ صلاةً ظهرِ مفروضةٍ عليه بلا تقييدٍ بالتي ظنَّ دخولَ وقتها الآن تعيّنَ
ما قاله الأوَّلُ، وإِنْ نواها عن التي ظنَّ دخولَ وقتها الآن، وعبَّرَ عنها بالأداء أوْ لا تعَيَّنَ الثاني
الصرفِهِ لها عن الفائتة بقصده الوقتَّةَ)) اهـ.
ولا يخفى أنَّ هذا التفصيلَ موافقٌ لقواعد مذهبنا، أمَّا الأوَّلُ فلِما قدَّمناه(١) عن " الزيلعيِّ"
فيمَن نوى ظهرَ اليوم بعد خروجِهِ: ((من أنَّه يصحُّ))؛ لأنّه نوى ما عليه، ولم يوجد المزاحمُ هنا
حتى يلزمَهُ تعيينُ يومٍ الفائتة، فيكفيهِ نَّهُ ما في ذمَّتِه كما مرَّ(٢) عن "الحلبة"، وأمَّا الثاني فِلِما قرَّرناه
آنفاً(٣)، ثمَّ رأيتُ التصريحَ بذلك عندنا في الصوم، وهو: ما لو صامَ الأسيرُ بالتحرِّي سنين، ثم تبيّنَ
أنّه صام في كلِّ سنةٍ قبل شهرِ رمضانَ، فقيل: يجوزُ صومُهُ في كلِّ سنةٍ عمَّا قبلها، وقيل: لا، قال
في "البحر"(٤): ((وصحَّحَ في "المحيط": أَنَّه إنْ نوى صومَ رمضانَ مبهماً يجوزُ عن القضاء، وإنْ
نوى عن السَّنة الثانيةِ مفسِّراً فلا)) اهـ.
(١) المقولة [٣٧٣٥] قوله: ((لجوازه مطلقاً)).
(٢) المقولة [٣٧٠٨] قوله: ((لكنه يعين إلخ)).
(٣) في هذه المقولة.
(٤) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٣/٢.

الجزء الثالث
٨١
باب شروط الصلاة
.....
(ومصلِي الجنازةِ ينوي الصلاةَ لله تعالى و) ينوي أيضاً (الدعاءَ للميت) ..
قال في "البدائع"(١): ((ومثّلَ له "أبو جعفرِ" بمن اقتدى بالإِمام على ظنِّ أَنَّه زَيدٌ فإذا هو
عمرٌو صحَّ، ولو اقتدى بزيدٍ فإذا هو عمرٌو لم يصحَّ؛ لأَنَّ فِي الأوَّلِ اقتدى بالإمام، إلاَّ أنَّه أخطأ في
ظنه فلا يقدحُ، وفي الثاني اقتدى بزيدٍ، فإذا لم يكن زيداً تبيّنَ أنّه لم يقتدِ بأحدٍ، فكذا هنا إذا نوى
صومَ كلِّ سنةٍ عن الواجبِ عليه تعلَّقَتْ نَيَّةُ الواجب بما عليه [١/ق٣٢٧/ب] لا بالأولى والثانية،
إلاَّ أَنَّه ظنَّ أَنَّه للثانية، فأخطأ في ظنّه، فيقعُ عن الواجبِ عليه لا عمَّا ظنَّ)) انتهى.
وحاصلُهُ: أَنَّه إذا نوى الصومَ الواجبَ عليه لا بقيدِ كونه عن سَنةٍ مخصوصةٍ صحَّ عن السَّنة
الماضية وإنْ كان يظنُّ أَنَّ لِما بعدها، فاغتنمْ هذا التحرير.
[٣٧٣٧) (قولُهُ: ومصلّي الجنازةِ) شروعٌ في بيان التعيين في صلاة الجنازة، "ط"(٢).
[٣٧٣٨] (قولُهُ: ينوي الصلاةَ لله إلخ) كذا في "المنية"(٣)، قال في "الحلبة"(٤): ((وفي "المحيط
الرضويِّ" و"التحفة"(٥) و"البدائع"(٦): ينبغي أنْ ينويَ صلاة الجمعة وصلاة العيدين وصلاة الجنازة
وصلاةَ الوتر؛ لأنَّ التعيين يحصُلُ بهذا اهـ وأمَّا ما ذكَرَهُ "المصنّف"(٧) فليس بضربةِ لازبٍ، ويمكن
أنْ يكون إشارةً إلى أنّه لا ينوي الدعاء للميت فقط نظراً إلى أنَّه لا ركوعَ فيها ولا سجودَ ولا
قراءةَ ولا تشهُّدَ)) اهـ(٨).
(قولُهُ: فليس بضربةِ لازبٍ) من اللُّوبِ، وهو النُّبوتُ واللُّصوق، وصار ضربةً لازبٍ أي: لازماً
ثابتاً. اهـ من "القاموس".
(١) "البدائع": كتاب الصوم - فصل في شرائط الصوم ٨٧/٢ بتصرف.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٦/١.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - السادس: النية صـ٢٤٩ -.
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - السادس: النية ٢/ق ٣٥/ب باختصار.
(٥) "تحفة الفقهاء": كتاب الصلاة - افتتاح الصلاة ٢٥/١ باختصار يسير.
(٦) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شرائط أركان الصلاة ١٢٨/١.
(٧) أي: صاحب "المنية".
(٨) في "آ": ((اهـ "حلبة")).

قسم العبادات
٨٢
حاشية ابن عابدين
لأنه الواجبُ عليه،.
٠٠٠
أقولُ: وهذا أظهرُ مما في "جامع الفتاوى"(١): ((من أَنَّه لا بدَّ مما ذكَرَهُ "المصنّف"، وأَنَّه لو
كان الميتُ ذكرً فلا بد من نَِّهِ في الصلاة، وكذلك الأنثى والصبيُّ والصبيَّةُ، ومَنْ لم يَعْرِفْ أَنَّه
ذكرٌ أو أنثى يقول: نويتُ أنْ أَصلِّيَ الصلاةَ على الميت الذي يصلّي عليه الإمامُ)) اهـ، فليتأمَّلْ.
ويأتي(٢) قريباً ما يؤيِّدُ الأوَّلَ.
هذا، وذكَرَ "ح"(٣) بحثاً: ((أَنَّه لا بدَّ من تعيينِ السَّبب، وهو الميتُ أو الأكثرُ، فإنْ أراد
الصلاةَ على جنازتين نواهما معاً، أو على إحداهما فلا بدَّ من تعيينِها))، ويؤيِّدُهُ ما يذكرُهُ(٤)
"الشارح" عن "الأشباه".
٢٨٣/١
[٣٧٣٩] (قولُهُ: لِأَنَّه الواجبُ عليه) كذا قال "الزيلعيُّ) (٥)، وتِبَعَهُ في "البحر"(٦) و"النهر "(٧)،
ووجهُهُ ما ذهَبَ إليه المحقّق "ابن الهمام(٨) حيث قال: ((المفهومُ من كلامهم أنَّ أركانها الدعاءُ
والقيامُ والتكبيرُ لقولهم: إنَّ حقيقتها هي الدعاءُ، وهو المقصودُ منها)) اهـ.
وفي "النتف"(٩): ((هي في قول "أبي حنيفة" وأصحابه دعاءٌ على الحقيقةِ، وليست بصلاةٍ؟
لأَنَّه لا قراءةَ فيها ولا ركوعَ ولا سجودَ)) اهـ.
فحيث كان حقيقتها الدعاءَ كان وجوبُها باعتبار الدعاء فيها وإِنْ قلنا: إنَّه ليس بركنِ فيها
(١) "جامع الفتاوى": كتاب الصلاة - فصل في شروط الصلاة ق ١٠/أ.
(٢) المقولة [٣٧٤٠] قوله: ((فيقول إلخ)).
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٩/ب.
(٤) صـ ٨٣ - "در".
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٠٠/١.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٩/١.
(٧) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤١/أ.
(٨) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ٨١/٢.
(٩) "النتف": كتاب الجنائز ١٢٨/١.

الجزء الثالث
٨٣
باب شروط الصلاة
فيقولُ: أصلِّي لله داعياً للميت (وإن اشتبَهَ عليه الميتُ) ذكرٌ أم أنثى (يقولُ: نويتُ
أصلِّي مع الإمام على مَن يصلّي عليه) الإِمامُ، وأفادَ في "الأشباه"(١) بحثاً: (( أَنَّه لو
نوى الميتَ الذكرَ، فبانَ أنّه أنثى أو عكسَهُ لم يَجُزْ،.
على ما اختاره في "البحر" وغيره كما سيأتي(٢) في الجنائز، وحينئذٍ فالضميرُ في قوله: ((لأَنَّه
الواجبُ)) يعودُ على الدعاء، أمَّ على القول بالرُّكَنَّة فظاهرٌ - وإنما خُصَّ [١/ق٣٢٨/أ] من بَينِ
سائر أركانها لأَنَّه المقصودُ منها - وأمَّا على القولِ بالسُّنَّة فلأنَّ المراد بالدُّعاء ماهيّةُ الصلاة لا نفسُ
الدعاء الموجودِ فيها لِما علمتَ من أنَّ حقيقتها الدعاءُ؛ لأنَّ المصلِّيَ شافعٌ للميت، فهو داعٍ له
بنفسِ هذه الصلاةِ وإنْ لم يتلفّظْ بالدعاء، فكأنَّه قيل: لأنَّ الصلاة هي الواجبةُ عليه، هكذا ينبغي
حلُّ هذا المحلِّ، فافهم.
[٣٧٤٠] (قولُهُ: فيقولُ إلخ) بيانٌ للنيَّةِ الكاملة. اهـ "ح"(٣).
قلت: وفي جنائز "الفتاوى الهنديَّة"(٤) عن "المضمرات": ((أَنَّ الإِمام والقومَ ينوُون ويقولون:
نويتُ أداءَ هذه الفريضةِ عبادةٌ لله تعالى متوجِّهاً إلى الكعبة مقتدياً بالإمام، ولو تفكّرَ الإمام بالقلب
أَنَّه يؤدِّي صلاة الجنازة يصحُّ، ولو قال المقتدي: اقتديتُ بالإِمام يجوزُ)) اهـ
وبه ظهَرَ أنَّ الصيغة التي ذكرها "المصنّف" غيرُ لازمةٍ في نَّتها، بل يكفي مجرَّدُ نَّتِهِ في قلبه
أداء صلاة الجنازة كما قدَّمناه(٥) عن "الحلبة"، وأَنَّه لا يلزمُهُ تعيينُ الميت أَنَّه ذكرٌ أو أنثى خلافاً لِما
مرَّ(٦) عن "جامع الفتاوى".
[٣٧٤١] (قولُهُ: لم يجزْ) لأنَّ الميت كالإِمام، فالخطأُ في تعيينِهِ كالخطأ في تعيينِ الإِمام. اهـ
(١) "الأشباه والنظائر": الفنّ الأول - بيان تعيين المنويّ وعدم تعيينه صـ ٣٠ -.
(٢) المقولة [٧٤١٥] قوله: ((رده في "البحر" بتصريحهم بخلافه)).
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٩/ب.
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب الصلاة - الباب الحادي والعشرون - الفصل الخامس في الصلاة على الميت ١٦٤/١.
(٥) المقولة [٣٧٣٨] قوله: ((ينوي الصلاة لله إلخ)).
(٦) المقولة [٣٧٣٨] قوله: ((ينوي الصلاة لله إلخ)).

قسم العبادات
٨٤
حاشية ابن عابدين
وأنّه لا يضرُّ تعيينُ عددٍ الموتى إلاَّ إذا بانَ أنَّهم أكثرُ (١) لعدم نَّةِ الزائد )).
"ح"(٢)، أي: لأَنّه لَمَّا عَّنَ لزِمَ ما عَّنَهُ وإِنْ كان أصلُ التعيين غيرَ لازمٍ على ما عرفته آنفاً(٣).
وفي "ط "(٤) عن "البحر"(٥): ((ولو نوى الصلاةَ عليه يظنُّهُ فلاناً فإذا هو غيرُهُ يصحُّ، ولو
نوى الصلاةَ على فلانٍ فإذا هو غيرُهُ لا يصحُّ، ولو على هذا الميتِ الذي هو فلانٌ فإذا هو غيرُهُ
جاز؛ لأَنَّه عرَّفَهُ بالإِشارة، فَلَغَتِ التسمية)) اهـ. وعليه فينبغي تقييدُ عدمِ الجواز في مسألتنا بما إذا لم
يُشِرْ إليه، تأمَّلْ.
[٣٧٤٢] (قولُهُ: وأَنَّه لا يضرُّ إلخ) أي: إذا عَّنَ عددَهم لا يضرُّهُ التعيينُ المذكور في حالةٍ من
الأحوالِ، سواءٌ وافَقَ ما عَيَّنَ أو خالفَهُ، إلاَّ إذا كانوا أكثرَ مما عَيَّنَ، وهذا معنىٍّ صحيحٌ لهذا
التر کیب لا شيء فیه سوی التغبير(٦) في وجوهِ الحسان، فافهم.
[٣٧٤٣) (قولُهُ: إلاّ إذا بانَ إلخ) هذا ظاهرٌ إذا كان إماماً، فلو مقتدياً " وقال: أصلِّي على ما
صلَّى عليه الإِمامُ وهم عشرةٌ، فظهَرَ أَنَّهم أكثرُ لا يضرُّ، وينبغي أنْ يُقَّدَ عدُ الإجزاء بما إذا قال -
أي: الإِمامُ - : أصلِي على العشرةِ الموتى مثلاً، أمَّا إذا قال: أصلِّي على هؤلاء [١/ق٣٢٨/ب]
العشرةِ، فبانَ أَنَّهم أكثرُ فلا كلامَ في الجواز لوجودِ الإشارة. اهـ "بيري".
[٣٧٤٤] (قولُهُ: لعدمٍ نَّةِ الزائد) لا يقال: مقتضاه أنْ تصحَّ الصلاةُ على القَدْرِ الذي عيّنَهُ
عددً؛ لأَنَّا نقول: لَمَّا كان كلٌّ يُوصَفُ بكونه زائداً على المعَّنِ بطلت، "ط)(٧).
(١) ((أكثر)) ساقطة من "و".
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٩/ب.
(٣) في المقولة السابقة.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٦/١.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٨/١.
(٦) في "الأصل" و"آ" و"م": ((التغيير)).
* قوله: ((فلو مقتدياً إلخ)) أي: لو كان الذي عيَّنَ وأخطأ في التعيين هو المقتدي دون الإمام فحكمه ما ذكر، فاعتراض
بعض المحشين - بأن نيته تابعة لنية إمامه وقد عين إمامه لعشرة فصلاته غير صحيحة لعدم صحة صلاة إمامه، كما
هو ظاهر - ناشئ من عدم التأمل. اهـ منه.
(٧) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٦/١.

الجزء الثالث
٨٥
باب شروط الصلاة
(والإِمامُ ينوي صلاتَهُ فقط) و (لا) يُشترَطُ لصحَّةِ الاقتداء نيَّةُ (إمامةِ المقتدي) بل
لَيْلِ الثواب عند اقتداءِ أحدٍ به لا قبله كما بَحثَهُ في "الأشباه"
[٣٧٤٥] (قولُهُ: والإِمامُ ينوي صلاَهُ فقط إلخ) لأنّه منفردٌ في حقِّ نفسه، "بحر"(١)، أي:
فيشترطُ في حقّه ما يشترطُ في حقِّ المنفرد من نَّةِ صلاته على الوجهِ المارِّ بلا شيءٍ زائدٍ بخلاف
المقتدي، فالمقصودُ دفعُ ما قد يُتوهّمُ من أَنَّه كالمقتدي يشترطُ له نيَّةُ الإمامة كما يشترطُ للمقتدي
نَيَّةُ الاقتداء لاشتراكهما في الصلاةِ الواحدة، والفرقُ: أنَّ المقتديَ يلزمُهُ الفسادُ من جهةٍ إمامه، فلا
بدَّ من التزامِهِ كما يشترطُ للإمام نيَّةُ إمامةِ النساء لذلك كما يأتي(٢).
والحاصلُ ما قاله في "الأشباه"(٣): ((من أَنَّه لا يصحُّ الاقتداءُ إلاَّ بِنَّتِهِ، وتصحُّ الإمامةُ بدون
نَّتها خلافاً لـ "الكرخيِّ" و "أبي حفصٍ الكبير")) اهـ.
لكنْ يُستثنى مَنْ كانت إمامتُهُ بطريقِ الاستخلاف، فإِنَّه لا يصيرُ إماماً ما لم ينوِ الإمامة
بالنّفاق كما نصَّ عليه في "المعراج" في بابِ الاستخلاف، وسيأتي(٤) هناك.
[٣٧٤٦] (قولُهُ: بل لنيلِ الثَّوابِ) معطوفٌ على قوله: ((لصحَّةِ الاقتداء))، أي: بل يُشترَطُ نَّةُ
إمامةِ المقتدي لنيلِ الإمام ثوابَ الجماعة.
وقولُهُ: ((عند اقتداءِ أحدٍ به))(٥) متعلّقٌ بـ ((نَّتُه)) التي هي نائبُ فاعلِ ((يشترطُ)) المقدَّرِ
بعدَ ((بل)).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٩/١.
(٢) صـ ٨٧ - "در".
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الأولى صـ١٥ -.
(٤) المقولة [٥٠٦٢] قوله: ((ناوياً الإمامة)).
(٥) في "د" زيادة: ((قيل: ينبغي أن ينوي من الابتداء أن يكون إماماً لكلِّ مَنْ يقتدي به، بل قد يقتدي مَنْ لا يراه من الجنِّ
والملائكة كما ورد في الآثار انتهى. وهذه النية ليست للصحة؛ لأنّها ليست شرطاً لصحة الاقتداء في غير النساء، فنيتُها
تتمحض لنيل الثواب، أمَّ في النساء فشرط النية لصحة صلاتهن خلافاً لزفر، فإنَّ عنده لا تشترط نيةُ الإِمام إمامَتَهُنَّ
كما في الرجل، ولنا أنَّ اقتداءهنَّ إن صحَّ بلا نية يلزمه فساد صلاته إذا حاذته واحدةٌ منهن فيكون إلزاماً عليه بلا التزام
منه، بخلاف الرجل لأنّه لا يلزم الإمامَ باقتدائه شيءٌ إلا في الجمعة والعيدين، فإنَّ اقتداءهن بلا نية الإمام فيهما وفي
الجمعة صحيحٌ؛ لأنّها لا تتمكن من الوقوف بجنب الإمام للازدحام، ولا تقدر أن تؤدِّيها وحدها. حموي)).

قسم العبادات
٨٦
حاشية ابن عابدين
(لو أمَّ رجالاً) فلا يحنثُ في لا يؤمُّ أحداً ما لم ينوِ الإمامة (وإنْ أمَّ نساءً فإن اقتَدَتْ
به) المرأةُ (محاذيةً لرَجُلٍ.
وقولُهُ: ((لا قبَلَهُ)) معطوفٌ (١) عليه، أي: لا يشترطُ لنيلِهِ الثوابَ نَيَّةُ الإمامة قبل الاقتداء، بل
يُحصُلُ بالنّةِ عنده أو قبله، فقوله: ((لا قبله)) نفيٌّ لاشتراطِ نيلِ الثواب بوجودِ النَّة قبله لا نفيّ
للجواز، ولا يخفى أنَّ نفيَ الاشتراط لا ينافي الجوازَ، فافهم.
[٣٧٤٧] (قولُهُ: لو أمَّ رجالاً) قِيدٌ لقوله: ((ولا يشترطُ إلخ)).
[٣٧٤٨] (قولُهُ: فلا يحنثُ إلخ) تفريعٌ على قوله: ((ولا يشترطُ))، قال في "البحر "(٢): ((لأنَّ
شرط الحِنث أنْ يقصدَ الإمامةَ، ولم يوجدْ ما لم ينوِها)) اهـ.
لكنْ قال في "الأشباه"(٣): ((ولو حلَفَ أنْ لا يؤمَّ أحداً، فاقتدى به إنسانٌ صحَّ الاقتداء،
وهل يحنث؟ قال في "الخانيّة"(٤): يحنثُ قضاءً لا ديانةً، إلاَّ إذا أشْهَدَ قبل الشُّروع، فلا حِنثَ قضاءً،
وكذا لو أمَّالناسَ هذا الحالفُ في صلاة الجمعةِ صحَّتْ وحنِثَ قضاءً، ولا يحنثُ أصلاً إذا أمَّهم في
٢٨٤/١ صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، ولو حلَفَ أنْ لا يؤمَّ فلاناً، فأمَّ الناسَ ناوياً أنْ لا يؤمَّهُ ويؤمَّ غيره،
فاقتدى به فلانٌ حَنِثَ وإنْ لم يعلمْ به)) اهـ. أي: لأَنَّ إذا كان إماماً لغيره كان إماماً له أيضاً، إلاَّ
إذا نوى أنْ يؤمَّ الرِّجال دون النساء، فلا يُجزيهنَّ كما في "النتف"(٥).
بقيَ وجهُ حنثِهِ قضاءً في الصُّورة الأولى أنَّ الإمامة تصحُّ بدونٍ نَّةٍ [١/ق٣٢٩/أ] كما
قدَّمناه(٦)، ولذا صحَّتْ منه الجمعةُ مع أنَّ شرطَها الجماعةُ، لكنْ لَمَّا كان لا يلزمُهُ الحنثُ بدون
التزامِهِ لم يحنثْ ديانةً إلاَّ بنيّةِ الإِمامة، كذا ظهَرَ لي، فتأمَّلْ.
(١) من ((على قوله)) إلى ((معطوف)) ساقط من "الأصل".
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٩/١ بتوضيح من ابن عابدين.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الأولى صـ١٥ -.
(٤) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل في مسائل الصلاة ١٠٧/٢ بتصرف.
(٥) "النتف": كتاب الصلاة - مواطن لا حكم للنية فيها ٥٧/١-٥٨.
(٦) المقولة [٣٧٤٥] قوله: ((والإمام ينوي صلاته فقط إلخ)).

الجزء الثالث
٨٧
باب شروط الصلاة
في غيرِ صلاةِ جنازةٍ فلا بدَّ) لصحَّةِ صلاتها (مِن نَّيَّةِ إماميَّتها) لئلا يلزمَ الفسادُ
بالمحاذاة بلا التزامٍ (وإنْ لم تَقْتَدِ محاذيةً اختُلِفَ فِيه) فقيل: يُشترَطُ، وقيل: لا
كجنازةٍ إجماعاً، وكجمعةٍ وعيدٍ على الأصحِّ، "خلاصة"(١) و"أشباه"(٢). وعليه إنْ
لم تُحاذٍ أحداً تَمَّتْ صلاتها، وإلاَّ لا.
(ونيَّةُ استقبالِ القبلةِ ليست بشرطٍ ...
[٣٧٤٩] (قولُهُ: في غيرِ صلاةِ جنازةٍ) أمَّا فيها فلا يشترطُ نيَّةُ إمامتِها إجماعاً كما يذكُرُه.
[٣٧٥٠] (قولُهُ: لصحَّةٍ صلاِها) الأنسبُ بالمقام: لصحَّةِ اقتدائها.
[٣٧٥١] (قولُهُ: من نَّةِ إمامَّتِها) أي: وقتَ الشُّروع لا بعده كما سيذكُرُه(٣) في باب الإمامة،
ويشترطُ حضورُها عند النَّةِ في روايةٍ، وفي أخرى: لا، واستظهَرَها في "البحر " (٤).
[٣٧٥٢] (قولُهُ: لئلاّ يلزمَ إلخ) حاصلُهُ: أَنَّ لو صحَّ اقتداؤها بلا نَّةٍ لزِمَ عليه إفسادُ صلاته إذا
حاذتْهُ بدون التزامِهِ، وذلك لا يجوزُ، والتزامُهُ إنما هو بنَّةِ إمامتِها.
[٣٧٥٣] (قولُهُ: بالمحاذاةِ) أي: عند وجودٍ شرائطِها الآتيةِ(٥) في باب الإمامة.
[٣٧٥٤) (قولُهُ: كجنازةٍ) فإِنَّه لا يشترطُ لصحَّةِ اقتداء المرأة فيها نيَّةُ إمامتِها إجماعاً؛ لأنَّ
المحاذاةَ فيها لا تُفْسِدُها.
[٣٧٥٥) (قولُهُ: على الأصحِّ) حكوا مقابلَهُ عن الجمهور.
[٣٧٥٦] (قولُهُ: وعليه) أي: على القول بأنَّه لا يشترطُ لصحَّةِ اقتدائها نيّةُ إمامتِها، فيصحُ
اقتداؤها، لكنْ إنْ لم تتقدَّمْ بعدُ، ولم تحاذٍ أحداً من إمامٍ أو مأمومٍ بقيَ اقتداؤها وتَمّتْ صلاتُها،
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث عشر: فيما يفسد الصلاة وما لا يفسد ق ٣٤/ب باختصار.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الأولى: لا ثواب إلا بالنيّة صـ١٥ -.
(٣) ص ٥٨١-٥٨٢- "در".
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٠/١.
(٥) ص ٥٧٢-٥٧٥- "در".

قسم العبادات
٨٨
حاشية ابن عابدين
مطلقاً) على الراجحِ، فما قيل: لو نَوَى بناءَ الكعبة أو المقامَ أو محرابَ مسجده لم
يَجُزْ مفرَّعٌ على المرجوحِ (كنَّةِ تعيينِ الإِمام في صحَّةِ الاقتداء) فَإِنَّها ليست
بشرطٍ، فلو ائْتَمَّ به يظنُّهُ زيداً، فإذا هو بكرٌ.
وإلاَّ - أي: وإِنْ تقدَّمَتْ وحاذتْ أحداً - لا يبقى اقتداؤها، ولا تتمُّ صلاُها كما في "الحلبة"(١)،
فليس ذلك شرطاً في الجمعة والعيد فقط، فافهم.
[٣٧٥٧] (قولُهُ: مطلقاً) أي: للقريب المشاهِدِ وغيره؛ لأنَّ إصابة الجهةِ تحصُلُ بلا نَّةِ العينِ،
وهي شرطٌ، فلا يشترطُ لها النَّةُ كباقي الشرائط(٢).
[٣٧٥٨] (قولُهُ: على الرَّاجح) مقابلُهُ ما قيل: إنَّ الفرض إصابةُ العين للقريبِ والبعيد، ولا
يمكن ذلك للبعيد إلاَّ من حيث النيةُ، فانتقَلَ ذلك إليها.
[٣٧٥٩] (قولُهُ: لم يجزْ) لأنَّ المراد بالكعبة العَرْصةُ لا البناءُ، والمحرابُ علامةٌ عليها، والمقامُ:
هو الحجَرُ الذي كان يقومُ عليه الخليلُ عليه الصلاة والسلام عند بناء البيت.
[٣٧٦٠) (قولُهُ: مفرٌَّ على المرجوحِ) كذا في "البحر"(٣) عن "الحلبة "(٤)، وهو ظاهرٌ؛ لأنَّ مَن
اشترَطَ نَيَّةَ الكعبة لا يُحوِّزُ الصلاةَ بدونها، فإذا نوى غيرَها لا تجوزُ الصلاةُ عنده بالأولى، وقد
علمتَ أنَّ الكعبة اسمٌ للعرصة، فإذا نوى البناءَ أو المحرابَ أو المقامَ فقد نوى غيرَ الكعبة، أمَّا على
القولِ الرَّاجح من أنَّه لا تشترطُ نَيَّتَها فلا [١/ق٣٢٩/ب] يضرُّهُ نيَّةُ غيرها بعد وجودٍ الاستقبال
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - السادس: النية ٢/ق ٣٧/ب بتصرف.
(٢) في "د" زيادة: ((قال في "البحر": وشرط عبد الكريم الجرجاني نيةَ استقبال الكعبة بناءاً على أنَّ الفرض إصابة العين
القريب والبعيد، ولا يمكن إصابة البعيد إلا من حيث النية، فانتقل ذلك إليها، وذهب العامة إلى عدم اشتراط إصابة
العين، فلا يشترط نيتها لعدم الحاجة إلى ذلك، فإنَّ إصابة الجهة تحصل من غير نية العين. انتهى. وقال قاضي خان:
أمَّا اشتراط نية استقبال القبلة اختلفوا فيه، قال بعضهم: إنْ كان يصلي إلى المحراب لا يشترط، وإنْ كان يصلي في
الصحراء يشترط، فإذا نوى القبلة والكعبة أو الجهة جاز. انتهى. شرنبلالي)).
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٣٠١/١ بتصرف.
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - السادس: النية ٢/ق ١٢/ب.

الجزء الثالث
٨٩
باب شروط الصلاة
صحَّ، إلاَّ إذا عيَّنَهُ باسمِهِ فبانَ غيرُهُ».
الذي هو الشَّرطُ، لكن اعترضَهُ الشيخ "إسماعيل"(١): ((بأنَّه غيرُ مسلّمٍ لِما في "البدائع"(٢): من أنَّ
الأفضل أنْ لا ينويَ الكعبةَ لاحتمال أنْ لا تحاذيَ هذه الجهةُ الكعبةَ، فلا تجوز صلاتُهُ)) اهـ.
فإنَّ مفهومه أنَّه إذا استقبَلَ غيرَ ما نوى لا تجوزُ صلاته، لكنْ لا يخفى أنَّه ليس فيه دلالةٌ على
أَنَّه إذا نوى البناءَ ونحوه لا تجوزُ صلاته، بل يدلُّ على أنَّ الأفضل عدمُ ذلك، فما ذكَرَهُ "الشارح"
تبعاً لـ "البحر" و"الحلبة" صحيحٌ، فافهم.
نعم ذكَرَ في "شرح المنية"(٣): (( أَنَّ نَّةَ القبلة - وإنْ لم تُشترَطْ - لكنَّ عدمَ نَيَّةِ الإعراض عنها
شرطٌ)) اهـ. وعليه فهو مفرَّعٌ على الراجح.
(٣٧٦١] (قولُهُ: صحَّ) لأَنَّه نوى الاقتداءَ بالإِمام الموجودِ، فلا يضرُّهُ ظَنَّهُ بخلاف اسمه، قال في
"الحلبة"(٤): ((لأنَّ العبرة لِما نوى، لا لِما يرى)) اهـ.
ويظهرُ منه أنَّ مثله ما لو اعتقَدَ أَنَّه زَيدٌ؛ لأَنَّه جازٌ بالاقتداء بهذا الإمامِ، فافهم.
(٣٧٦٢] (قولُهُ: إلاَّ إذا عيَّنَهُ باسمه) أي: لم ينوِ الاقتداءَ بالإمام الموجودِ، وإنما نوى الاقتداءَ
(قولُهُ: بل يدلُّ على أنَّ الأفضل عدمُ ذلك) أي: وأَنَّه إذا استقبَلَ غيرَ ما نوى لا تجوزُ صلاته.
(قولُهُ: لكنَّ نَيَّةَ عدم الإعراض عنها شرطٌ) لأَنَّه إذا نوى الإعراض لم يَنْوِ صلاةً شرعيَّةً؛ إذ هي
لا تصحُّ بدون الاستقبال، فكان غيرَ ناوٍ، "رحمتي".
(قولُهُ: وعليه فهو مفرَّعٌ على الرَّاجحِ) فيه أنَّه بنَّتِهِ المحرابَ مثلاً لا يكونُ ناوياً الإعراضَ عنها، بل
هو إنما عَنَهُ لوضعِهِ في العادة جهتَها، فقصدُهُ في الحقيقة استقبالُها، فليس ما ذكرَهُ من المسائل مُفرَّعاً
على الراجح.
(١) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ٢٦٧/أ.
(٢) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شرائط أركان الصلاة ١١٨/١.
(٣) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة صـ٢٢٣ -.
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - السادس: النية ٢/ق ٣٨/ب.

قسم العبادات
٩٠
حاشية ابن عابدين
إلاَّ إذا عرَّفَهُ بمكان كالقائم في المحراب، أو إشارةٍ كهذا الإمامِ الذي هو زيدٌ، إلاّ
إذا أشارَ بصفةٍ مختصَّةٍ كهذا الشابِّ فإذا هو شيخٌ فلا يصحُّ، وبعكسِهِ يصحُّ؛ لأنَّ
الشابَّ يُدْعَى شيخاً لعلمه، ..
بزيدٍ، سواءٌ تلفّظَ باسمه أوْ لا لِما في "المنية"(١): ((إلاَّ إذا قال: اقتديتُ بزيدٍ، أو نوى الاقتداء
بزیدٍ)) اهـ.
فإذا ظهَرَ أَنَّه عمرٌو لا يصحُّ الاقتداءُ؛ لأنَّ العبرة لِما نوى، "حلبة"(٢)، أي: وهو قد نوى
الاقتداءَ بغير هذا الإمامِ الحاضر.
(٣٧٦٣] (قولُهُ: إِلَّ إذا عرَّفَهُ) استثناءٌ من عدمِ الصحَّةِ التي تضمََّها الاستثناءُ الأوَّلُ.
[٣٧٦٤] (قولُهُ: كالقائمٍ في المحراب) أي: نوى الاقتداء بالإمامِ القائم بالمحراب الذي هو
زيدٌ، فإذا هو غيره جاز، "أشباه"(٣). لأنَّ ((أل)) يشارُ بها إلى الموجودِ في الخارجِ أو الذهنِ، وعلى
كلٍّ فقد نوى الاقتداءَ بالإِمام الموجودٍ، فَلَغَتِ التسميةُ.
[٣٧٦٥] (قولُهُ: أو إشارةٍ) أي: باسمها الموضوعِ لها حقيقةً، وإنما جاز لأَنَّه عرَّفَهُ بالإشارة،.
فَلَغَتِ التسميةُ كما في "الخانَّةِ"(٤) وغيرها.
[٣٧٦٦] (قولُهُ: إلاّ إذا أشارَ إلخ) استثناءٌ من قوله: ((أو إشارةٍ)).
مطلبٌ: إذا اجتمعت الإشارةُ والتسمية
[٣٧٦٧] (قولُهُ: فلا يصحُّ) أُورِدَ عليه أنَّ في هذه الصُّورة اجتمعت الإشارةُ مع التسمية، فكان
ينبغي أنْ تلغوَ التسمية كما لغَتْ في هذا الإمامِ الذي هو زيدٌ وفي هذا الشیخ.
(١) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - السادس: النية صـ ٢٥٢ -.
(٢) "الحلبة": شروط الصلاة - السادس: النية ٢/ق ٣٨/ب.
(٣) "الأشباه النظائر": الفن الأول - القاعدة الثانية صـ٣٠- بتصرف يسير.
(٤) "الخانية": كتاب الصلاة - باب افتتاح الصلاة ٨٤/١ (هامش الفتاوى الهندية").

الجزء الثالث
٩١
باب شروط الصلاة
والجوابُ: أنَّ إلغاءَ التسمية ليس مطلقاً، قال في "الهداية"(١) من باب المهر: ((الأصلُ أنَّ
[١/ق٣٣٠/أ] المسمَّى إذا كان من جنسِ المشار إليه يتعلَّقُ العقدُ بالمشار إليه؛ لأنَّ المسمَّى
موجودٌ في المشارِ(٢) ذاتً، والوصفُ يتبعُ، وإنْ كان من خلافِ جنسِهِ يتعلَّقُ بالمسمَّى؛ لأنَّ المسمَّى
مثلُ المشارِ إليه، وليس بتابعٍ له، والتسميةُ أبلغُ في التعريف من حيث إنّها تُعرِّفُ الماهِيَّةَ، والإشارةُ
تُعرِّفُ الذاتَ)) اهـٌ.
قال الشارحون(٣): ((هذا الأصلُ متّفقٌ عليه في النكاح والبيع والإجارة وسائرِ
العقود)) اهـ.
٢٨٥/١
إذا عرفتَ ذلك فاعلمْ أنَّ زيداً أو عمراً جنسٌ واحدٌ من حيث الذاتُ وإن اختلفا من
حيث الأوصافُ والمشخّصات؛ لأنَّ الملحوظ إليه في العَلَم هو الذاتُ، ففي قوله: هذا الإمامِ الذي
(قولَهُ: والجوابُ أنَّ إلغاء التسميةِ ليس مطلقاً إلخ) قال في "حاشية البحر": ((أجاب بعضُ الفضلاء
بأنَّ تلك القاعدة فيما إذا كان المشارُ إليه مما يَقبَلُ التسميةَ بالاسم المقارن لاسم الإشارة إمّا في الحال كما
في هذا الإمام الذي هو زيدٌ فإذا هو بكرٌ، فإِنَّ الذي عَلِمَهُ بكراً يمكنُ أن يجعل علمه زيداً في الحال، أو في
المستقبل كما في هذا الشيخ فإذا هو شابٌّ عالِمٌ، فإِنَّ الشابَّ يصيرُ شيخاً في المستقبل سواءٌ كان عالماً أو
جاهلاً )) اهـ. واعلم أنَّ ما قرَّرَهُ فيما يأتي بقوله: ((وأمَّا الشيخُ والشابُّ إلخ)) مقتضاه إبقاءُ القاعدة على
عمومها، وعلى ما أجاب به بعضُ الفضلاء تكونُ غيرَ باقيةٍ على عمومها، فإلغاءُ التسمية ليس مطلقاً بل
مقَيَّداً به، وكلامُهُ يُوهِمُ أَنَّها على ما يذكرُهُ ليست باقيةً على العموم مع أنَّه ليس كذلك، تأمَّل.
(١) "الهداية": كتاب النكاح - باب المهر ٢١٠/١.
(٢) "عبارة "الهداية": ((المشار إليه)).
: قوله: ((انتهى)) تمام عبارة "الهداية" بعد قوله: ((والإشارة تعرف الذات)): ألا ترى أنَّ من اشترى فصَّاً على أنّه ياقوت
فإذا هو زجاج لا ينعقد العقد لاختلاف الجنس، ولو اشترى على أنّه ياقوت أحمر فإذا هو أخضر ينعقد العقد لاتحاد
الجنس. اهـ منه.
(٣) انظر "الفتح": كتاب النكاح - باب المهر ٢٣٨/٣، و"الكفاية": ٢٤٠/٣. (ذيل "فتح القدير").

قسم العبادات
٩٢
حاشية ابن عابدين
هو زيدٌ، فظهَرَ أنَّ المشار إليه عمرٌو يكون قد اختلَفَ المسمَّى والمشارُ إليه، فَلَغَتِ التسميةُ وبقيت
الإشارةُ معتبرةً لكونهما من جنسٍ واحدٍ، فصحَّ الاقتداء. وأمَّا الشيخُ والشابُّ فهما من الأوصاف
الملحوظِ فيها الصفاتُ دون الذات، ومعلومٌ أنَّ صفة الشيخوخةِ تباينُ صفةً الشباب، فكانا
جنسين، فإذا قال: هذا الشابِّ، فظهَرَ أَنَّه شيخٌ لا يصحُّ الاقتداءُ؛ لأَنّه وصَفَهُ بصفةٍ خاصَّةٍ لا
يوصفُ بها مَنْ بَلَغَ سنَّ الشيخوخة، فقد خالَفَتِ الإشارةُ التسميةَ مع اختلافِ الجنس، فَلَغَتِ
الإِشارة واعتُبِرت التسميةُ بالشابِّ، فيكونُ قد اقتدى بغيرِ موجودٍ كمَن اقتدى بزيدٍ فبانَ غيره.
وأمَّا إذا قال: هذا الشيخِ، فَظهَرَ أَنَّه شابٌّ فإِنَّه يصحُّ؛ لأنَّ الشيخ صفةٌ مشتركةٌ في
الاستعمال بين الكبيرِ في السنِّ والكبيرِ في القدْرِ كالعالم، وبالنظرٍ إلى المعنى الثاني يصحُّ أنْ يسمَّى
الشابُّ شيخاً، فقد اجتمعت الصفتان في المشارِ إليه لعدمٍ تخالُفِهما، فلم يلْغُ أحدُهما، فيصحُّ
الاقتداءُ، ونظيرُهُ لو قال: هذه الكلبةُ طالقٌ، أو هذا الحمارُ حرٌّ، تطلُقُ المرأةُ ويعتقُ العبد كما
صرَّحُوا به مع أنَّ المشار إليه - وهو المرأةُ والعبدُ - من غيرِ جنسِ المسمَّى، وهو الكلبةُ والحمارُ،
لكنْ لَمَّا كان في مقامِ السَّم يُطلَقُ الكلبُ والحمارُ على الإنسان [١/ق٣٣٠/ب] مجازاً لم يحصُلِ
اختلافُ الجنس، فلم تلْغُ الإشارةُ، هذا ما ظهَرَ لفهمي السقيم من فيضِ الفتاح العليم.
(قولُهُ: وأمَّا إذا قال: هذا الشيخ فظهَرَ أَنَّه شابٌّ فإِنَّه يصحُّ إلخ) إنما يستقيمُ هذا فيما إذا كان الإِمامُ
الشابُّ المشار إليه المسمَّى شيخاً عظيمَ القَدْرِ حَتَّى يصحَّ أنْ يُسمَّى شيخاً مع أنَّ صحَّةَ الاقتداء غيرُ مقيّدٍ
بكونه عظيمَ القَدْر.
(قولُهُ: هذا ما ظهَرَ لفهمي السَّقيم) مقتضى ما ظهَرَ له أنَّه لو باعَهُ هذا الفَصَّ الياقوتَ الأحمر فبانَ
أخضرَ أنْ لا يصحَّ البيعُ لاختلاف الجنس لتباينِ الصفتين المذكورتين كتبأيُنِ الشيخوخة والشباب مع أنَّ
المنقول أنَّه ينعقدُ، ولا يظهرُ فرقٌ بين المسألتين، فتأمَّل. والذي قالَهُ "البعليُّ" في "شرح الأشباه" أنَّ عدم
الصحّة في مسألة العكس؛ لأنَّ الصفة لم تذكرْ على وجهِ التعريف بل على وجهِ الشَّرط، فكأنّه قال:
أقتدي به إن كان شابًّاً ولیس کذلك، فلا يصحُّ.

الجزء الثالث
٩٣
باب شروط الصلاة
وفي "المجتبى": (( نَوَى أنْ لا يصلِّيَ إلاَّ خلفَ مَن هو على مذهبه، فإذا هو على(١)
غيرِهِ لم يَحُزْ)) (فائدةٌ) لَمَّا كان الاعتبارُ للتسمية عندنا لم يختصَّ ثوابُ الصلاة في
مسجدِهِ عليه الصلاة والسلام بما كان في زمنِهِ، فليحفظ.
[٣٧٦٨] (قولُهُ: وفي "المجتبى" إلخ) وجهُهُ: أَنَّه لَمَّ نوى الاقتداءَ بإمامٍ مذهبه فإذا هو غيرُهُ فقد
نوى الاقتداءَ بمعدومٍ كما قدَّمناه عن "المنية"(٢) فيما إذا نوى الاقتداءَ بزيدٍ فإذا هو غيرُهُ(٢).
[٣٧٦٩) (قولُهُ: فائدةٌ: لَمَّا كان إلخ) استنبَطَ هذه الفائدةَ من مسألة الاقتداءِ شيخ الإسلام
(قولُهُ: استنبَطَ هذه الفائدةَ من مسألةِ إلخ) أي: إذا اجتمعت الإشارة والتسمية فالعبرةُ للتسمية اهـ
"بعلي". قال "الرحمتيُّ" : (( ما ذكرَهُ في القاعدة من أنَّه عند اجتماع الإشارة والتسمية العبرةُ للتسمية
يناقضُ ما ذَكَرَ أوَّلاً أنَّ العبرة للإشارة )) اهـ. والظاهرُ أنَّ هذه الفائدة ليست مبنيَّةً على القاعدة؛ لأنَّها
على ما قرَّرَهُ ليس فيها اختلافٌ بين الإشارة والتسمية كما هو موضوعُها، بل اتَّفقا على معنىٍ واحدٍ،
ولم توجد مخالفةٌ بينهما حتّى يُنظَرَ للقاعدة، وليس في كلام "العينيّ" ما يدلُّ على أنَّ هذه الفائدة مبنيّةٌ
على مسألة الاقتداء كما يفيدُهُ كلام "الأشباه"، وعبارته في باب فضل الصلاة في مكة والمدينة:
(( قوله: ((في مسجدي هذا)) بالإشارة يدلُّ على أنَّ تضعيف الصلاة في مسجد المدينة يختصُّ بالذي
كان في زمنه دون ما أُحدِث بعده تغليباً لاسم الإشارة، وبه صرَّحَ "النوويُّ")).
قلت: إذا اجتمَعَ الإشارةُ والتسمية هل تُرجَّحُ الإشارة أو الاسم؟ فيه خلافٌ، فمالَ "النوويُّ" إلى
تغليبِ الإِشارة، فإذا قال المأموم: نويتُ الاقتداء بزيدٍ فإذا هو عمرٌو يصحُّ اقتداؤه تغليباً للإشارة، وحزَمَ
"ابن الرفعة" بعدم الصحّة؛ لأنَّ ما يجبُ تعلُّنُه إذا عيَّنَهُ وأخطأ في التعيين أفسَدَ العبادة، وأمَّا مذهبنا فالذي
يظهرُ من قولهم: إذا اقتدى بفلان بعينه ثمَّ ظهَرَ أَنَّه غيره لا يُجزيه أنَّ الاسمَ يَغْلِبُ الإشارة.
(قولُهُ: من مسألةِ الاقتداء) وقال "الحمويُّ": ((أي: من مسألة ما لو اقتدى بهذا الإِمامِ زيدٍ فبانَ أنَّه
(١) ((على)) ليست في "ب".
(٢) المقولة [٣٧٦٢] قوله: ((إلا إذا عيَّنْه باسمه)).
(٣) من ((فقد نوى)) إلى ((غيره)) ساقط من"آ".

قسم العبادات
٩٤
حاشية ابن عابدين
"العيني" في "شرح البخاريِ"(١) كما في أحكام الإشارة من "الأشباه"(٢).
مطلبٌ: ما زِيْدَ في المسجد النبويِّ هل يأخذُ حكمَهُ؟
وأصلُ ذلك قولُهُ مَ ﴿ِ في الحديث الصحيح: ((صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألفِ صلاةٍ
فيما سواه إلاَّ المسجدَ الحرام)(٣)، ومعلومٌٌ أَنَّه قد زِيْدَ في المسجد النبويِّ، فقد زادَ فيه "عمرُ" ثم
"عثمان"، ثم "الوليد"، ثم "المهديُّ"، والإشارة بـ ((هذا)) إلى المسجدِ المضافِ المنسوب إليه ◌َ﴾،
ولا شكَّ أنَّ جميع المسجد الموجودِ الآن يسمَّى مسحدَهُ وَ﴿، فقد اتَّققتِ الإشارةُ والتسميةُ
عمرٌو لم يصحَّ الاقتداء)) اهـ. وعدمُ صحَّةِ الاقتداء في هذه الصُّورة محلُّ نظرٍ ومناقضٌ لِما ذكرَهُ
"الشارح".
(١) "عمدة القاري": كتاب الصلاة - باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ٢٥٦/٧.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث صـ ٤١٠ -.
(٣) أخرجه مالك في "الموطأ" ١٩٦/١ كتاب القبلة - باب ما جاء في مسجد النبي حصلت، وأحمد ٢٣٩/٢ و٢٥١ و٢٥٦
و٢٧٧ و٢٧٨ و٣٨٦ و٣٩٧ و٤٨٥ و٤٩٩، والبخاريّ (١١٩٠) كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة .
باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ومسلم (١٣٩٤) كتاب الحج - باب فضل الصلاة بمسجدي مكة
والمدينة - والترمذيّ(٣٢٥) كتاب الصلاة - باب ما جاء في أي المساجد أفضل، وقال: هذا حديث حسن صحيح،
والنِّسَائيّ ٢١٤/٥ كتاب المناسك - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام، وابن ماجه (١٤٠٤) كتاب إقامة الصلاة
والسنة فيها - باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي و لا - والدارمي (١٣٩٠) و(١٣٩٢)
كتاب الصلاة - باب فضل الصلاة في مسجد النبي ﴿، وابن حبان (١٦٢٥) كتاب الصلاة - باب المساجد، كلَّهم
من حديث أبي هريرة ◌َيُّه، وفي الباب: عن عَلِيّ، ومَيْمُونَةً، وأبي سعيد الخُدْرِيّ، وحُبَيْرِ بنِ مُطْعِم، وابن عمر،
وعبد الله بن الزُّبَيْر، وَأَبِي ذَرْضََّا.
٥ قوله: ((ومعلوم إلخ)) لبعضهم في ذلك:
تحقيق ذا المسجدِ زادَهُ عمر
وبعده عثمانُ حينما استمرّ
ودام هكذا إلى ذا العَهْدِ
وبعدَهُ الوليدُ ثمَّ المهدي
اهـ منه.

الجزء الثالث
٩٥
باب شروط الصلاة
على شيءٍ واحدٍ، فلم تلْغُ التسميةُ، فتحصُلُ المضاعفةُ المذكورة في الحديث فيما زِيْدَ فيه، وخصَّها
الإِمام "النوويُّ"(١) بما كان في زمنه، ﴿ عملاً بالإشارة، وأمَّا حديثُ: ((لو مُدَّ مسجدي هذا إلى
صنعاءَ كان مسجدي)) فقد اشتَدَّ ضعفُ طرُقِهِ، فلا يُعمَلُ به في فضائلِ الأعمال كما ذكَرَهُ
"السخاويُّ" في "المقاصد الحسنة"(٢)، وكأنَّ وجهه أَنَّه جعَلَ الإشارةَ لخصوصِ البقعة الموجودةِ
يومئذٍ، فلم تدخلْ فيها الزيادةُ، ولا بدَّ في دخولها من دليلٍ.
قلت: ويؤيِّدُهُ ما سيأتي (٣) في الأيمان من بابِ اليمين بالدُّخول عن "البدائع": ((لو قال: لا
أدخلُ هذا المسجدَ، فزِيْدَ فيه حصَّةٌ فدخَلَها لم يحنثْ ما لم يقلْ: مسجدَ بني فلانٍ، فيحنثُ))،
وكذا الدَّار؛ لأَنَّه عقَدَ يِمِينَهُ على الإضافة، وذلك موجودٌ في الزيادة، وقد يجابُ بأنَّ ما نحن فيه من
قبيلِ الثاني.
ويؤيِّدُهُ: أنَّ في بعض طرقِ الحديث(٤) بدونِ اسمِ الإشارة، وعلى ذكرِها فهي لا لتخصيصِ
البقعة، بل لدفعِ أنْ يُوهَّمَ دخولُ غيرِ المسجد المدنيِّ من بقيّةِ المساجد التي تُنْسَبُ إليه ◌ِ﴿
[١/ق ٣٣١/أ] التي ذكَرَها أصحابُ السِّير، والله تعالى أعلم.
(١) في "شرح صحيح مسلم": ١٦٦/٩ الحديث رقم (٣٣٦١).
(٢) "المقاصد الحسنة": صـ ٤٢٥ -.
(٣) انظر المقولة [١٧٤٦٢] قوله: ((لم يحنث)).
(٤) أخرجه أحمد ٢٧٨/٢ من حديث أبي هريرة وعائشة، وأبو يَعْلَى (٤٦٩١)، والبزار (١١٩٣) وذكره الهيثمي في
"المجمع" ٥/٤ وقال: حديث أبي هريرة ◌ُه في الصحيح خلا قوله: إلا المسجد الأقصى وأعاده بعد هذا بسنده
فقال: إلا المسجد الحرام، ورواه بسند آخر عن أبي هريرة رضيه وعن عائشة رضي الله عنها ولم يشك، ورجال
الأول رجال الصحيح، ورجال الأخير ثقات، ورواه أبو يَعْلَى عن عائشةرضي الله عنها وحدها. ومن حديث أبي
سعيد الخُدْرِيّ ◌َّه أخرجه أبو يَعْلَى(١١٦٥)، والبزار (٤٢٨) و(٤٢٩) وذكره الهيثمي في "المجمع" ٦/٤ وقال:
رواه أبو يَعْلَى والبزّار بنحوه، ورجال أبي يَعْلَى رجال الصحيح.

قسم العبادات
٩٦
حاشية ابن عابدين
(و) السادسُ (استقبالُ القِبلةِ) حقيقةً أو حكماً كعاجز، والشرطُ حصولُهُ لا طلبُهُ،
وهو شرطٌ زائدٌ.
مبحثٌ في استقبال القبلة
[٣٧٧٠] (قولُهُ: واستقبالُ القبلةِ)(١) أي: الكعبة المشرَّفةِ، وليس منها الحِجْرُ - بالكسر -
والشَّاذروانُ؛ لأنَّ ثبوتَهما منها ظنيٌّ، وهو لا يُكتفَى به في القبلة احتياطاً وإنْ صحَّ الطوافُ فيه مع
الحرمة كما سيأتي(٢) إن شاء الله تعالى في الحجِّ.
[٣٧٧١] (قولُهُ: كعاجزٍ) أي: كاستقبالِ عاجزٍ عنها لمرضٍ أو خوفٍ عدوٍّ أو اشتباهٍ، فجهةٌ
قدرته أو تحرِّيهِ قبلةٌ له حكماً.
[٣٧٧٢)] (قولُهُ: والشَّرطُ حصولُهُ لا تحصِيلُه)(٣) أشارَ إلى أنَّ السِّين والتاء فِيه ليستْ للطلب؛
لأنَّ الشرط هو المقابلةُ لا طلبُها، إلاَّ إذا توقّفَ حصولُها عليه كما في "الحلبة(٤).
[٣٧٧٣] (قولُهُ: وهو شرطٌ زائدٌ) أي: ليس مقصوداً؛ لأنَّ المسجود له هو الله تعالى، "ط"(٥).
أو المرادُ أَنَّه يسقُطُ بلا ضرورةٍ كما في الصلاة على الداَبَّة خارجَ المصر.
ونظيرُهُ ما مرَّ(٦) في تفسير الرُّكن الزائدِ كالقراءة، فكان المناسبُ لـ "الشارح" أنْ يقول:
(١) في "د" زيادة: ((يعني من شروطها استقبال القبلة عند القدرة وهو استفعال من قَبَلْتُ الوادي بمعنى قابلته، وليس
السين فيه للطلب؛ لأنَّ طلب المقابلة ليس هو الشرط بل الشرط المقصود بالذات المقابلة، فهو بمعنى فَعَل كاستمرَّ
واستقرَّ، والقبلة في الأصل الحالة التي يقابل الشيء عليها غيره كالجلسة للحالة التي يجلس عليها، والآن قد صارت كالعلم
للجهة التي يستقبلها في الصلاة، وسميت بذلك لأنَّ الناس يقابلونها في صلاتهم وتقابلهم، وهو شرط بالكتاب لقوله
تعالى: ﴿فَوَلّ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَاكُنتُمْ فَوَلُواوُ جُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة -١٤٤] وبالحديث
المشهور. انتهى "بحر")).
(٢) المقولة [٩٩٩١] قوله: ((وبه قبر إسماعيل وهاجر)).
(٣) قوله: ((لا تحصيله)) لعلها نسخته، وإلا فالذي في نسخ الشارح التي بيدي ((لا طلبه))، والمراد واحد. اهـ مصححه.
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة ٢/ق ٢/أ.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٧/١.
(٦) المقولة [٣٥٣٥] قوله: ((فإنه ركن في نفسه)).