Indexed OCR Text
Pages 41-60
الجزء الثالث
٣٧
باب شروط الصلاة
في "مجمع الأنهر" بحثاً: ((نعم في الاضطرارِ لا الاختيارِ)) (يصلِّي قاعداً) كما في
الصلاة، وقيل: مادًّاً رجليه (مومياً بركوعٍ وسجودٍ وهو أفضلُ من صلاته) قاعداً يركعُ
ويسجُدُ
[٣٦٢٤] (قولُهُ: في "مجمع الأنهر")(١) هو "شرح الملتقى" لـ "شيخي زاده"، "ح"(٢).
[٣٦٢٥] (قولُهُ: كما في الصلاة) كذا قاله في "منية المصلِّي)"(٣)، قال في "البحر" (٤): ((فعليه
يختلفُ فِي الرَّجُلِ والمرأة، فهو يفترشُ، وهي تتورَّكُ)).
[٣٦٢٦] (قولُهُ: وقيل: مادًّا رِجْليه) أي: ويضعُ يديه على عورته الغليظةِ، والأوَّلُ أَولى؛ لأَنّه
أكثرُ ستراً مع ما في هذا من مدِّ الرِّجْلين إلى القبلة، "بحر "(٥) و"حلبة"(٦). لكنْ في "شرح المنية
الكبير "(٧): ((أنَّ الثانيَ أَولى لزيادةِ السَّر فيه، وهو المذكورُ في شروح "الهداية"(٨) وغيرها)) اهـ.
قلت: وهو الصوابُ؛ لأنَّ مَنْ جعَلَ [١/ق٣١٨/أ] مقعدتَهُ على رِجْليه كما في تشهُّدِ
(قولُهُ: أي: ويضعُ يديه على عورتِهِ إلخ) أي: في الصُّورتين.
(قولُهُ: قلت: وهو الصوابُ؛ لأنَّ مَن جعَلَ مقعدتَهُ إلخ) فيه تأمُّلٌ؛ إذ لو قعَدَ كالصلاة يسترُ أطرافَ
فخذيه بساقيه أكثرَ مما لو مَدَّ رجليه، فإنَّ المستتر في المدِّ شيءٌ قليلٌ مع تباعُدٍ بعض أطرافهما عن الأرض
(١) "مجمع الأنهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٨٣/١ بتصرف، لعبد الرحمن بن محمد بن سليمان المعروف
بشيخي زاده، ويقال له: الداماد الكليبوليّ(ت١٠٧٨ هـ) شرح "ملتقى الأبحر" لإبراهيم بن محمد الحلبي القسطنطينيّ
(ت ٩٥٦هـ). ("كشف الظنون"١٨١٤/٢-١٨١٥، "الكواكب السائرة"٧٧/٢، "الشقائق النعمانية"صـ ٢٩٥-، "هدية
العارفين"٥٤٩/١، "الأعلام" ٣٣٢/٣)
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٦/أ.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ١٩٩ -.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٠/١.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٠/١ نقلاً عن "الذخيرة".
(٦) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٥٢/ب.
(٧) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ١٩٩ - باختصار يسير.
(٨) "انظر "الفتح" و"الكفاية"و"العناية": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة التي تتقدمها ٢٣١/١-٢٣٢، و"البناية" ١٥٤/٢،
ونقله في "الفتح" عن "المجتبى"، وفي "الكفاية" عن "البحر المحيط"، وفي "البناية" عن ركن الإسلام على السغدي.
قسم العبادات
٣٨
حاشية ابن عابدين
و(قائماً) بإيماءٍ أو (بركوعٍ وسجودٍ).
الصلاة تظهرُ عورتُهُ الغليظة حالةَ الإيماء للرُّكوع والسُّجود أكثرَ ممن جعَلَ مقعدته على الأرض
كما هو محسوسٌ مشاهَدٌ، ولو جلَسَ متربِّعاً يظهرُ منه القُبُلُ، فلذا اغتفروا مدَّ رِجْليه نحوَ القبلة، فلا
جرَمَ أَنَّه مشَى عليه شرَّاحِ "الهداية" وغيرُهم كصاحب "الذخيرة" و"السِّراج"(١) و"الدرر"(٢)
و "التبيين"(٣) و"نور الإيضاح"(٤)، والخلافُ في الأولويَّةِ كما لا يخفى، ونَبَّهَ عليه في "النهر "(٥).
[٣٦٢٧] (قولُهُ: وقائماً بإبماءٍ) كذا في "القُهُستانيِّ"(٦) عن "الزاهديِّ"، ونقَلَهُ في "البحر)(٧) عن
"ملتقى البحار)"(٨) وقال: ((وظاهرُ "الهداية(٩) أَنَّه لا يجوزُ))، ثم ذكَرً (١٠) بعد نحوٍ ورقةٍ بحثاً رجَّحَ
لتقوُّسِهما، بخلاف ما لو جلَسَ كالصلاة فإنَّهِ يستترُ أغلبُ فخذيه مما يلي الأرضَ بساقيه، ولا تظهرُ
عورته الغليظة حالةَ الإيماء إلَّ إذا بالَغَ فيه ولا داعيَ للمبالغة، وإذا جلَسَ متربِّعاً ما ظهَرَ من قُلِهِ يسترُهُ
بوضع يديه عليه، فينبغي أنْ يكون أفضلَ من مدِّ رجليه لما فيه من مدِّهما للقبلةِ بلا داعٍ، تأمَّل.
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ١٤١/أ.
(٢) "الدرر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٥٨/١.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٩٩/١.
(٤) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - فصل في متعلقات الشروط صـ١١٠ -.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٠/أ.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في شروط الصلاة ٨٢/١.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٨/١.
(٨) اسم لكتابين من كتب المذهب أحدهما "ملتقى البحار": لأبي عبد الله محمد بن يوسف بن إلياس، شمس الدين
القُوْنَوِيّ الدمشقيّ(ت٧٨٨هـ). والثاني: "ملتقى البحار من منتقى الأخبار" لأبي المفاخر محمد بن محمود بن محمد،
تاج الدين السَّديديّ الزوزنيّ (كان حياً سنة ٦٩٩هـ) شرح "منظومة النسفي" في الخلاف، ولم يتبين لنا المرادُ
منهما عند الإطلاق. ("كشف الظنون" ١٨١٦/٢، ١٨٦٨، "تاج التراجم" صـ ٢٣٧-، "هدية العارفين" ١٤٠/٢،
١٧٢، "معجم المؤلفين" ٧٠٦/٣).
(٩) "الهداية": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة التي تتقدمها ٤٤/١.
(١٠) أي: صاحب "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٠/١.
الجزء الثالث
٣٩
باب شروط الصلاة
لأنَّ السَّتَر أهمُّ من أداء الأركان
به ما في "الهداية"، والبحثُ مأخوذٌ من "الحلبة"(١) فراجعه، وقال في "البحر"(٢) أيضاً: ((وينبغي أنْ
يكون هذا دونَ الرابع في الفضل -أي: دونَ القيام بركوعٍ وسجودٍ - للاختلافِ في صِحَّتِهِ وإِنْ
كان سترُ العورة في الرابع أكثرَ)) اهـ
قلت: فكان الأَولى لـ "الشارح" تأخيرَهُ عن الرابع ليكونَ الذِّكْرُ في الأربعةِ على وَفْقِ الترتيب
في الأفضليَّة.
[٣٦٢٨] (قولُهُ: لأنَّ السَّتَر أهمُّ إلخ) أي: لأَنَّه فرضٌ في الصلاة وخارجَها، والأركَانُ فرائضُ
الصلاة لا غير، وقد أتى ببدلِها، وإنما جاز القيامُ لأَنَّه وإِنْ ترَكَ فرضَ السَّتر فقد كمَّلَ الأركانَ
الثلاثة، "بدائع"(٣). وأراد بالأركان الثلاثةِ القيامَ والركوع والسجود.
٢٧٥/١
(قولُهُ: وقال في "البحر" أيضاً: وينبغي أنْ يكون هذا إلخ) عبارتُهُ عند قول "الكنز": وخُيِّرَ إِنْ طَهُرَ
أقلُّ من ربعه : (( يعني: بين أنْ يصلّيَ فيه، وهو الأفضلُ لِما فيه من الإتيانِ بالرُّكوع والسجود وستر
العورة، وبين أن يصلَِّ عُرياناً قاعداً يُومِئُ بالركوع والسجود، وهو يلي الأوَّلَ في الفضل لِما فيه من
سترِ العورة الغليظة، وبين أن يصلّيَ قائماً عُرياناً يركعُ ويسجد وهو دونهما في الفضل، وفي "ملتقى
البحار": إنْ شاء صلّى عُرياناً بالركوع والسجود أو مُومِياً بهما إمّا قاعداً وإمَّا قائماً، فهذا نصٌّ على
جوازِ الإيماء قائماً، وظاهرُ "الهداية" أَنَّه لا يجوزُ، وعلى الأوَّلِ المخيّرُ فيه أربعةُ أشياء، وينبغي أنْ يكون
الرابعُ دون الثالث في الفضل وإنْ كان سترُ العورة فيه أكثرَ للاختلاف في صحَّتِهِ، وهذا كلُّهُ عندهما،
وعند "محمَّدٍ" ليس بمخيّرِ، ولا يجوزُ صلاته إلاَّ في الثوب؛ لأنَّ خطاب التطهير سقَطَ عنه لعجزِهٍ، ولم
يسقط عنه خطابُ الستر لقدرته عليه، فصار كالطاهر في حقِّهِ، ولهما أنَّ المأمور به هو السَّتَرُ بالطاهر،
فإذا لم يقدر عليه سقَطَ فيميلُ إلى أيِّهما شاء)) اهـ
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: شروط الصلاة ١/ ق ٣٥١/ب - ق ٣٥٤/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٨/١ بتصرف.
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شرائط أركان الصلاة ١٤١/١ بتصرف.
قسم العبادات
٤٠
حاشية ابن عابدين
(ولو أُبْحَ له ثوبٌ) ولو بإعارةٍ (ثبتَتْ قدرتُهُ) هو الأصحُّ، ولو وُعِدَ به يَنْتَظِرُ ما لم
يَخَفْ فوتَ الوقت، هو الأظهرُ.
وظاهرُهُ: أَنَّه لا يجوزُ الإيماءُ قائماً؛ لأنَّ فيه تركَ فرضِ السَّر بلا تكميلٍ للثلاثة، ومن هنا نشأ
ترجيحُ صاحب "البحر" و"الحلبة" لظاهرِ ما مرَّ(١) عن "الهداية".
[٣٦٢٩] (قولُهُ: ولو أبيحَ له ثوبٌ إلخ) في "التاتر خانَّةً"(٢): ((ولو كان بحضرته مَنْ له ثوبٌ
يسألُهُ، فإنْ لم يعطِهِ صلَّى عُريانً، ولو وجَدَ في خلالِ صلاته ثوباً استقبَلَ)) اهـ.
وظاهرُهُ لزومُ السؤال، لكنْ ينبغي تقييدُهُ بما إذا غَلَبَ على ظنّهِ عدمُ المنع كما في المتيمِّم.
[٣٦٣٠) (قولُهُ: هو الأظهرُ كذا في "شرح المنية الصغير"(٢)، وقدَّمنا(٤) في التيمُّمِ عن "الفتح"
وغيره: ((أَنَّه لو وُعِدَ بدلوٍ أو ثوبٍ يستحبُّ له التأخيرُ ما لم يخفْ فوتَ الوقت عنده، وعندهما
يجبُ وإِنْ خاف فوتَهُ كما لو وُعِدَ بالماء فإِنَّه ينتظرُ اتفاقاً))، وقدَّمنا (٤) أنَّ ظاهر كلامهم ترجيحُ
قول "الإِمام"، وبه جزَمَ في "المنية "(٥)، وتقدَّمَ (٦) أيضاً أَنَّه يُندَبُ لراجي الماءِ أنْ يُؤخَّرَ إلى آخرٍ
[١/ق٣١٨/ب] الوقت المستحبِّ.
(قولُهُ: فإنَّه ينتظرُ اتّفاقاً) أي: فإنَّه ينتظرُ وإنْ خَرَجَ الوقتُ كما تقدَّمَ في التيمُّم، والذي تقدَّمَ في
التيمُّم أنَّ عندهما يجبُ الانتظار لو أمَرَهُ به في الدَّو والرِّشاء والثوب والماء وإنْ خاف فوتَ الوقت،
وعنده لا يجبُ، بل يُستحَبُّ في الكلِّ إلاَّ في الماء فيجبُ وإِنْ خرج الوقت.
(١) في المقولة السابقة.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني ٤١٦/١ نقلاً عن "السراجية".
(٣) "شرح المنية الصغير": شروط الصلاة - الثالث: ستر العورة صـ١٢٢ -.
(٤) المقولة [٢٢٢٨] قوله: ((وكذا الانتظار)).
(٥) "انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في التيمم صـ ٧٠ -.
(٦) ١٣٠/٢ "در".
الجزء الثالث
٤١
باب شروط الصلاة
كراجي ماءٍ وثوبٍ وطهارةِ مكانٍ، وهل يلزمُهُ الشراءُ بثمنٍ مثلِهِ؟ ينبغي ذلك (ولو
وجَدَ ما) أي: ساتراً (كلَّهُ نجسٌ) ليس بأصليّ كجلدٍ ميتةٍ لم يُدْبَغْ.
[٣٦٣١] (قولُهُ: كراجي ماءٍ) أي: كمَنْ رجى حصولَ الماءِ، فإنَّه يُندَبُ له أنْ يُؤخّرَ إلى آخرِ
الوقت المستحبِّ كما مرَّ(١) في التيمُّمِ، وهذا تنظيرٌ لا قياسٌ حَتَّى يردَ أنَّ الظاهر قياسُ مسألة الثوبِ
على الماء الموعودِ، فيجبُ الانتظارُ وإِنْ فات الوقتُ، فافهم.
[٣٦٣٢] (قولُهُ: وثوبٍ ومكانٍ)(٢) فإِنَّه إذا رجا وجودَ الثوب يؤخِّرُ ما لم يخفْ فوتَ الوقت
كطهارة المكان، "قنية"(٣). أي: كما إذا كان محبوساً مثلاً في مكانٍ نجسٍ، ويرجو رجاءً قويًّاً
الخروجَ منه، فإنَّه يؤخّرُ ما لم يخف الفوتَ.
والظاهرُ: أنَّ هذا التأخيرَ مستحبٌّ أيضاً كنظائره المارَّةِ.
(٣٦٣٣] (قولُهُ: ينبغي ذلك) أي: قياساً على الماء، والبحثُ لـ "البحر "(٤)، وتبعَهُ في "النهر "(٥)
وقال: ((ولم يذكروه)).
وأقولُ: قدَّمنا (٦) المسألةَ منقولةً عن "السِّراج"، وأنَّ فيها قولين، وفي تيمُّمِ "مواهب الرحمن":
((ويجبُ أنْ يشتريَ الماءَ والثوبَ بمثلِ الثمن إنْ فضَلَ عن نفقته، لا بزيادةٍ غُبْنٍ فاحشٍ))، ولله
الحمد.
[٣٦٣٤) (قولُهُ: ليس بأصليّ إلخ) أي: ليس بأصليِّ النجاسةِ، وإنما المرادُ ما نجاستُهُ عارضةٌ
كالبولِ والدم كما في "النهر"(٧)، لكنْ في كون جلد الميتة نَحِسَ الأصلِ نظرٌ؛ لأنَّ نجاسته
(قولُهُ: لكنْ في كونِ جلد الميتة نَحِسَ الأصل نظرٌ) قد يقال: هو تمثيلٌ للنفي لا للمنفيِّ، وتمثيلُ المنفيِّ
(١) ١٣٠/٢ "در".
(٢) قوله: ((ومکان)) هکذا بخطه، والذي في نسخ الشارح: ((وطهارة مکان)) وهو اظھر، تأمل. اهـ مصححه.
(٣) "القنية": كتاب الصلاة - باب ستر العورة ق ١٠/أ.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٠/١.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٣٩/ب.
(٦) المقولة [٢٢٢١] قوله: ((في ذلك المكان)).
(٧) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٣٩/ب.
قسم العبادات
٤٢
حاشية ابن عابدين
(فإنّه لا يستُرُ به فيها) اتفاقاً، بل خارجَها، ذكَرَهُ "الواني" (أو أقلُّ من ربعِهِ طاهرٌ
نُدِبَ صلاَتُهُ فِيه) وجازَ الإيماءُ كما مرَّ، وحتّمَ "محمَّدٌ" لبسَهُ، واستحسَنَهُ في
"الأسرار"، وبه قالت "الثلاثةُ" (ولو) كان (ربعُهُ طاهراً صلَّى فيه حتماً) إذ الربعُ
کالكلّ،
عارضةٌ بالموت، تأمَّلْ.
[٣٦٣٥] (قولُهُ: فإنّه لا يستُرُ به فيها) لأنَّ نجاسته أغلظُ لعدمٍ زوالها بالماء، "بحر "(١).
[٣٦٣٦] (قولُهُ: بل خارجَها) ظاهرُهُ وجوبُ السَّتْر به حيث لم يجدْ غيره، وقد مرَّ أوَّلَ
الباب(٢) أنَّ له لُبْسَ ثوبٍ نجسٍ في غيرِ صلاةٍ.
[٣٦٣٧] (قولُهُ: نُدِبَ صلاَتُهُ فِيه) أي: بالقيامِ والرُّكوع والسجود، "ح"(٣).
[٣٦٣٨] (قولُهُ: وجازَ الإيماءُ كما مرَّ (٤) أي: عارياً، بأنْ فعَلَ إحدى الصُّورِ الأربعِ السابقة،
ولو قال: وجاز أنْ يفعلَ كما مرَّ لكان أولى، "ط"(٥). أي: لأنَّ بعض تلك الصُّورِ لا إِماءَ فيها.
[٣٦٣٩] (قولُهُ: واستحسنَهُ في "الأسرار") لكنْ نَازَعَهُ في "الفتح"(٦).
[٣٦٤٠] (قولُهُ: إذ الربعُ كالكلِّ) أي: يقومُ مَقامه في مواضعَ كما في حلقِ المحرِمِ ربعَ رأسه،
وكما في كشف العورة.
إنما هو بجلدِ الخنزير، ثمَّ رأيتُ "السنديّ" ذكر ما نصُّهُ: ((فإنَّ نجاسته ليست بأصلَّةٍ بل عارضةٌ بالموت )).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٩/١ بتصرف.
(٢) صـ ١٢ - "در".
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٦/أ.
(٤) صـ ٣٧ -٣٨ - "در".
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٢/١.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٣٠/١.
الجزء الثالث
٤٣
باب شروط الصلاة
وهذا إذا لم يَجِدْ ما يزيلُ به النجاسة أو يقلّلُها، فيتحتّمُ لبسُ أقلِّ ثوبيه نجاسةً،
والضابطُ أنَّ مَن ابْتُلِيَ ببليَّتين فإنْ تساويا خُيِّرَ، وإن اختلفا.
[٣٦٤١] (قولُهُ: وهذا إذا لم يجدْ إلخ) فإِنْ وجَدَ في الصورتين وجَبَ استعمالُه كما في
"البحر"(١).
[٣٦٤٢] (قولُهُ: فيتحتَّمُ لبسُ أَقَلِّ ثوبيه نجاسةً) تِبِعَ فيه صاحبَ "النهر"(٢)، وليس على إطلاقه
لِما في "الحلبة"(٣): ((إنْ كانت النجاسةُ في كلّ منهما غليظةً فقالوا: إنْ لم تبلغْ في كلٍّ منهما
ء
الربعَ تَخَّرَ، والمستحبُّ الصلاةُ في أقلّهما نجاسةً، وإنْ بلغتِ الربعَ [١/ق ٣١٩/أ] في أحدهما فقط
تَعَّنَ الآخرُ، وإِنْ زاد عليه في كلٍّ منهما ولم تبلغْ ثلاثة أرباعٍ تخيَّرَ، وإِنْ بَلَغَتْها في أحدهما
واستوعبت الآخرَ تعَّنَ ما ربعُهُ طاهرٌ، وإنْ كانت النجاسةُ خفيفةً لم أره، ومقتضى التخريجِ على
ما مرَّ أنْ يتخيََّ ما لم تزدْ في أحدهما على ثلاثة أرباعه أو تستوعبْهُ، وإلاَّ تَعَيَّنَ ما ربعُهُ فصاعداً
طاهرٌ) اهـ. وذكَّرَ نحوَهُ "ح"(٤) عن "الهنديَّةِ"(٥) و"الزيلعيِّ)"(٦) و "الخلاصة(٧).
(٣٦٤٣) (قولُهُ: ببلَتين) أي: بفعلٍ إحداهما غيرَ عينٍ، لا بفعلِهما معاً.
[٣٦٤٤] (قولُهُ: فإنْ تساويا) أي: من حيث المنعُ من الصلاة بلا مرجِّحٍ معتبرٍ وإنْ لم
يستويا في قدْرِ النجاسة، وقولُهُ: ((أو اختلفا)) أي: بأنْ كان ما في أحدهما مانعاً دونَ ما في
الآخرِ، أو كان ما في كلٍّ منهما مانعاً، لكنْ وُجِدَ في أحدهما مرجٌِّ يقيمُهُ مُقَامَ الكلِّ
كطهارة الربع أو نجاستِهِ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٨/١.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٣٩/ب.
(٣) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٤٩/أ.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٦/أ.
(٥) "الفتاوى الهندية": كتاب الصلاة - طهارة ما يستر به العورة ٦٠/١ نقلاً عن "التبيين" و"الخلاصة".
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٩٨/١.
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السابع في طهارة الثوب والمكان ق٢٥/ب.
قسم العبادات
٤٤
حاشية ابن عابدين
اختارَ الأخفَّ.
(ولو وجَدَت) الحرَّةُ البالغةُ (ساتراً يستُرُ بدنَها مع ربع رأسها يجبُ سترُهما)، فلو
ترَكَتْ سترَ رأسها أعادَتْ بخلاف المراهقة؛ لأَنَّ لَمَّا سقَطَ بِعُذرِ الرِّقِّ فَبِعُذْرِ الصِّبا
أَولى (ولو) كان يستُرُ (أقلّ من ربع الرأس.
وبهذا التقريرِ ينطبقُ الضابط على ما ذكرناه من الفروع (١)، فإذا كانت النجاسةُ في كلٍّ
منهما أكثرَ من قَدْرِ الدرهم، لكنْ لم تبلغِ الربعَ تخيَّرَ وإنْ كانت في أحدهما أكثرَ من الآخرِ
التساويهما في المنع بلا مرجِّحٍ، بخلاف ما إذا بلغتْ ربعَ أحدهما لترُّحِه يإقامتهم الربعَ مُقَامَ
الكلِّ، وتقريرُ الباقي ظاهرٌ مما قلنا، فافهم.
[٣٦٤٥] (قولُهُ: اختارَ الأخفَّ) نظيرُهُ: جَرِيحٌ لو سجَدَ سالَ جرحُهُ وإِلاَّ لا فإنّه يصلّي قاعداً
مُومياً؛ لأنَّ ترك السجود أهونُ من الصلاة مع الحدثِ لجواز تركِهِ اختياراً في التنفُّلِ على الداَبَّة،
"زيلعي"(٢).
[٣٦٤٦] (قولُهُ: لأَنَّه لَمَّا سقَطَ إلخ) الأَولى التعليلُ بقوله عليه الصلاة والسلام: (( لا تصلِّي
حائضٌ بغيرِ قناعٍ))(٣)، لأنَّ تعليله يُفهِمُ أنَّ كلَّ ما سقَطَ ستره بعذرِ الرقِّ كالكتفين والسَّاقِين
(١) المقولة [٣٦٤٢] قوله: ((فيتحتم لبس أقل ثوبيه نجاسةٌ)).
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٩٨/١ بتصرف.
(٣) أخرجه أحمد ١٥٠/٦ و٢١٨ و٢٥٩، وأبو داود (٦٤١) كتاب الصلاة - باب: المرأة تصلي بغير خمار،
والترمذيّ (٣٧٧) كتاب الصلاة - باب ما جاء: لا تقبل صلاة المرأة إلا بخمار، وقال: حديث عائشة حديث حسن،
وابن ماجه (٦٥٥) كتاب الطهارة - باب إذا حاضت الجارية لم تصلِّ إلاَّ بخمار، والبيهقيّ في "السنن الكبرى"
٢٣٣/٢ كتاب الصلاة - باب ما تصلي فيه المرأة من الثياب، وابن خزيمة (٧٧٥) كتاب الصلاة - باب نفي قبول
صلاة الحرَّة المُدْرِكة بغير خمار، وابن حبان (١٧١١) (١٧١٢) كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة، والبغوي في
"شرح السنة" (٥٢٧)، والحاكم في "المستدرك" ٢٥١/١ كتاب الصلاة - باب لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار،
وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرِّجاه، ووافقه الذهبي، كلَّهم رووه من حديث عائشة رضي الله
عنها أنَّ رسول اللهِ ﴿ّ قال: ((لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ خَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ))، وفي الباب عن عبد الله بن عَمْرٍو، والحسن
رضي الله عنهما.
الجزء الثالث
٤٥
باب شروط الصلاة
لا) يجبُ، بل يُندَبُ، لكنَّ قوله (ولو وجَدَ) المكلَّفُ (ما يستُرُ به بعضَ العورة
وجَبَ استعماله) ذكَرَهُ "الكمال"، زاد "الحلبيُّ": ((وإنْ قلَّ)) يقتضي وجوبَهُ
مطلقاً،
يسقُطُ بالصِّبا، وليس كذلك، أفاده "ح"(١)، تأمَّلْ.
وفي "أحكام الصغار)"(٢) ل "الأستروشنيّ": ((وجوازُ صلاةِ الصغيرة بغيرِ قناعٍ استحسانٌ؛
لأَنَّه لا خطابَ مع الصِّبا، والأحسنُ أنْ تصلِّيَ بقناعٍ؛ لأَنّها إنما تُؤُمَرُ بالصلاة للتعوُّدِ، فُؤَمَرُ على
وجهٍ يجوزُ أداؤها بعد البلوغ))، ثم قال: ((المراهقةُ إذا صلَّتْ بغيرِ قناعٍ لا تؤمرُ بالإعادة
استحساناً، وإنْ صلَّتْ بغير وضوءٍ تؤمُ، ولو صلَّتْ عريانةً تعيدُ، وفي كلِّ موضعٍ تعيدُ البالغةُ
الصلاةَ فهي تعيدُ على سبيل الاعتياد)) اهـ.
[٣٦٤٧] (قولُهُ: لا يجبُ) لأنَّ ما دون الربعِ لا يُعطَى له حكمُ الكلِّ، والسترُ أفضلُ تقليلاً
للانكشاف، "زيلعي"(٣). ومثلُهُ [١/ق٣١٩/ب] في "الحلبة"(٤) عن "المحيط" و"الخلاصة"(٥)
و "الكافي"(٦).
٢٧٦/١
[٣٦٤٨] (قولُهُ: زاد "الحلبيُّ) أي: في "شرحه الصغير "(٧)، " ح "(٨).
[٣٦٤٩) (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ كان يسترُ الربعَ أو الأقلَّ، "ط)" (٩).
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٦/أ.
(٢) "جامع أحكام الصغار": مسائل الصلاة - المسألة /١٨ / ٣٨/١ بتصرف.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٩٨/١.
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٥٣/ب.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السادس: في ستر العورة ١/ق ٢٤/أ.
(٦) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - باب شروط الصلاة ١/ق٢٤/أ.
(٧) "شرح المنية الصغير": شروط الصلاة - الثالث: ستر العورة صـ ١٢١ -.
(٨) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٦/ب.
(٩) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٣/١.
قسم العبادات
٤٦
حاشية ابن عابدين
فتأمَّل.
(ويستُرُ القُبُلَ والدُّبَرَ) أوَّلاً - (فإِنْ وجَدَ ما يستُرُ أحدَهما)
[٣٦٥٠) (قولُهُ: فتأمَّلْ) أشارَ إلى إمكانِ الجواب بحمْلِ كلام "الكمال" على غيرِ الرأس؛ لأَنَّه
أخفُّ بدليل صحَّةٍ صلاةٍ المراهقة مع كشفِ الرأس دون غيره، أفاده "ح"(١).
أقولُ: والأحسنُ الجوابُ بحملِ ((أل)) في ((العورةٍ)) على جنسِ الأفراد لا جنسِ الأجزاء،
أي: إذا وُجِدَ ما يسترُ بعضَ أفراد العورةِ - بأنْ كان يسترُ أصغرَها كالقُبل أو الدُّبر دون أكبرها -
وحَبَّ استعمالُهُ بدليلٍ قوله بعدَه: ((ويسترُ القُبُلَ والدُّبَرَ إلخ))، وقولِهِ في "المعراج": ((ولو وجَدَ ما
يسترُ به بعضَ العورة سَتَّرَ القبلَ والدُّبْرَ بالاتّفاق)) اهـ
وهو معنى ما في "البحر"(٢) عن "المبتغى": ((إنْ كان عنده قطعةٌ يسترُ بها أصغرَ العورات
فسدَتْ، وإلاَّ فلا)) اهـ.
وحينئذٍ فلا منافاةً بين كلامهم؛ إذ ليس فيه على هذا الحملِ ما يقتضي وجوبَ سترِ ما دون
ربعٍ عضوٍ من العورة حتى يخالفَ ما قدَّمناه(٣) عن "الزيلعيِّ" و"المحيط" و"الخلاصة" و"الكافي":
(قولُهُ: والأحسنُ الجوابُ بحمل أل في العورةِ إلخ) وقال "الفتَّال": ((يمكن حملُ كلام "الكمال"
على العورة الغليظة، فإنَّه يجبُ سترها بالقَدْرِ الممكن لا سيَّما ما كان أفحَشَ كالدُّبر، فسترُ بعضها وإنْ
قَلَّ واجبٌ في الصلاة وغيرها بخلاف سترِ الرأس، فإنَّ وجوبه في حقّها فقط حيث بلَغَ الربعَ القائمَ مقام
الكلِّ، فإنْ لم يبلغ لا يجبُ استعماله لعدمٍ قيامه مقامَ الكلِّ)) اهـ. وقال "الشرنبلاليُّ": (( يمكنُ الجمع
بحملِ الواجب في كلامه أوَّلاً على اللازم، فلا يفوتُ الجواز بتركِ أقلّ من ريع الرأس مكشوفاً مع القدرة
على سترِهِ لِما أنَّ دون الربع لا يمنعُ كشقُهُ صحَّةَ الصلاة، ويحمل الواجب في كلامه ثانياً على
الاصطلاحيِّ، ولا يمنعُهُ قوله: ويسترُ القبلَ والدُّبرَ لإمكانِ حمله على تقديرِ مضافٍ، أي: يسترُ بعضَ
القبل والدبر )) اهـ من "السنديِّ".
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٦ /ب.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٠/١.
(٣) المقولة [٣٦٤٧] قوله: ((لا يجب)).
الجزء الثالث
٤٧
باب شروط الصلاة
قيل: (يستُرُ الدُّبرَ) لأَنَّه أفحشُ في الركوع والسجود، وقيل: القُبلَ حكاهما في
"البحر" بلا ترجيحٍ، وفي "النهر": ((الظاهرُ أنَّ الخلاف في الأولويَّة))، والتعليلُ يفيدُ
أَنَّه لو صلَّى بالإِماء تعيَّنَ سترُ القبل - ثمَّ فخذَهُ، ثم بطنِ المرأة وظهرِها، ثم الركبةِ،
ثم الباقي على السَّواء (وإذا لم يَجِد) المكلّفُ المسافرُ (ما يزيلُ به نجاسته).
((من أنَّ ما دون الربعِ لا يُعطَى له حكمُ الكلِّ))، وأمَّا قولُ "الحلبي": ((وإِنْ قلَّ)) فيحتاجُ لنقلٍ،
وإلاَّ فلا يعارِضُ كلامَ أئمَّةِ المذهب، اللهمَّ إلاَّ أنْ يراد: ما يسترُ عضواً كاملاً كالدُّبر مثلاً، وإلاّ فلو
وجَّدَتِ المرأةُ ما يسترُ ما بين السرَّة والرُّكبة وعندها خرقَةٌ قَدْرَ الظُّفر مثلاً يبعُدُ كلَّ البعدِ إلزامُها
بالسَّر بها، هذا ما ظهَرَ لي من فيض الفتّاح العليم.
[٣٦٥١] (قولُهُ: وقيل: القُبلَ) لأَنَّه يَستقبلُ به القبلةَ، ولأَنَّه لا يُستَرُّ بغيره، والدُّبرُ يُستَرُ
بالأليتين، "بحر"(١) عن "السِّراج"(٢).
[٣٦٥٢] (قولُهُ: والتعليلُ) أي: للقولِ الأوَّلِ بأَنَّه أفحشُ إلخ، وهو مرادُ صاحب "النهر "(٣)
بقوله: ((والتعليلُ الثاني))، لأنَّ ما ذَكَرَهُ "الشارح" أوَّلا ذكَرَهُ في "النهر" ثانياً، فافهم.
(٣٦٥٣] (قولُهُ: بالإِيماء) عبارةُ "النهر "(٤): ((قاعداً بالإِيماء)).
[٣٦٥٤) (قولُهُ: تَعَّنَ سترُ القُبل) لعدمِ العَلَّة، وهي زيادةُ الفحشِ في الرُّكوع والسُّجود.
أقولُ: وهذا إنما يظهرُ لو قعَدَ متربِّعاً، أمَّا لو قعَدَ ماداً رِحْليه إلى القبلة، أو قعَدَ كالمتشهِّدِ -
كما مشى عليه فيما مرَّ(٥) - يتعيَّنُ سترُ الدبر؛ لأَنَّه [١/ق ٣٢٠/أ] يمكنُهُ جعلُ الذَّكَر والخصيتين
تحت الفخذين، وأمَّ الدبرُ فإِنَّه ينكشِفُ حالةً الإيماء، فيتعيَّنُ سترُهُ، تأمَّلْ.
[٣٦٥٥] (قولُهُ: ثُمَّ فخذَهُ) بالنصب عطفاً على قول المتن: ((القبلَ والدُّبرَ))، وعبارةُ
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٠/١.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ١٤١/ب.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٣٩/ب.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٣٩/ب.
(٥) صـ ٣٧ - "در".
قسم العبادات
٤٨
حاشية ابن عابدين
أو يقلّلُها لُبُعدِهِ ميلاً أو العطش (صلَّى معها) أو عارياً.
"شرح المنية"(١): ((ويقدِّمُ في السَّتَر ما هو أغلظُ كالسَّوءتين، ثم الفخذَ، ثم الرُّكبةَ، وفي المرأةِ بعد
الفخذِ البطنَ والظَّهرَ، ثم الرُّكبةَ، ثم الباقيَ على السواء)) اهـ.
وأفادَ بقوله: ((كالسَّوءتين)) أنَّ ستر نحوِ الآلية والعانةِ مثلُهما، فيقدَّمُ على الفخذ، فافهم.
[٣٦٥٦] (قولُهُ: أو يُقَلّلُها) كذا في "شرح المنية"(٢)، والظاهرُ تقييدُه بما يقلّلها عن الدرهم
أو عن ربعِ الثوب، وإلاَّ فلو كانتْ أكثرَ من الدرهم ودونَ الربع، وإذا قلَّلها تبقى أكثرَ من
الدرهم لا يجبُ التقليلُ لِما مرَّ(٢) عن "الحلبة" وغيرها: ((من أنَّه لو له ثوبان لم تبلغْ نحاسةُ كلِّ
الربعَ یتخيَّرُ))، فتدبّرْ.
[٣٦٥٧] (قولُهُ: لُبُعدِهِ ميلاً) صرَّحَ به في "السِّراج"(٤)، وأشار به إلى أنَّ عدم الوجود يكونُ
حقيقةً وحكماً.
[٣٦٥٨] (قولُهُ: أو العطشٍ) أي: خوفِهِ حالاً أو مالاً، على نفسه أو على مَنْ تلزمُهُ مؤنَتُه، فإنّه
لا يلزمُهُ إزالةُ تلك النجاسةِ، "شرح المنية"(٥). ومثلُهُ خوفُ العدوِّ وعدمُ وجودٍ ثمنه ونحوُ ذلك
كما في "الإحكام"(٦) عن "البِرْجَنديّ".
[٣٦٥٩) (قولُهُ: صلَّى معها أو عارياً) أي: إنْ كان الطاهرُ أقلَّ من ربعِ الثوب، وإلاَّ تَعَّنتْ
صلاتُهُ به كما مرَّ(٧).
(١) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثالث: ستر العورة صـ٢١٦ -.
(٢) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٩٧ -.
(٣) المقولة [٣٦٤٢] قوله: ((فيتحتم لبس أقل ثوبيه نجاسة)).
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ ق ١٤٠/ب.
(٥) في "م": ((شراح "المنية")). انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ١٩٧ -.
(٦) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ٢٦٢/أ.
(٧) صـ ٤٢ - "در".
الجزء الثالث
٤٩
باب شروط الصلاة
(ولا إعادةَ عليه) وينبغي لزومُها لو العجزُ عن مزيلٍ وساترِ (١) بفعل العباد كما مرَّ
في التيمُّم، ثمَّ هذا للمسافر؛ لأنَّ للمقيم يُشترَطُ طهارةُ الساتر وإنْ لم يَملِكه،
"قُهُستاني".
(و) الخامسُ (النّيَّةُ)
[٣٦٦٠] (قولُهُ: ولا إعادةَ عليه) أي: إذا وجَدَ المزيلَ وإِنْ بقيَ الوقت، "قُهُستاني"(٢).
[٣٦٦١] (قولُهُ: وينبغي) البحثُ لصاحب "الحلبة"(٣)، وقال: ((ولعلَّهم لم يذكروه هنا للعلم
به مما مرَّ في التيمُّمِ))، وتَبِعَهُ في "البحر" (٤) وغيره، فافهم.
[٣٦٦٢] (قولُهُ: عن مزيلٍ) أي: للنجاسةِ في مسألتنا، وقولُهُ: ((وعن ساترٍ)) أي: للعورة في
المسألة التي قبلها.
[٦٣ ٣٦) (قولُهُ: كما مرَّ) أي: نظيرَ ما مرَّ في باب التيمُمِ (٥) مما ذكروه من التفصيل في عدمِ
القدرة على الماء، فافهم.
[٣٦٦٤] (قولُهُ: ثمَّ هذا للمسافر) الأَولى أنْ يقول: وقَّدْنا بالمسافر، وكأَنَّه يشيرُ بهذا إلى ردِّ ما
في "شرح المنية"(٦): ((من أنَّ التقييد بالمسافر باعتبار الغالب؛ إذ لا فرقَ بينه وبين غيره)).
[٣٦٦٥) (قولُهُ: لأنَّ للمقيم إلخ) اسمُ ((أنَّ)) ضميرُ الشأن محذوفٌ، و((للمقيم)) يتعلَّقُ
بـ ((يُشترَطُ))، والجملةُ خبرُ ((أَنَّ))، وضميرُ ((يملكُهُ)) للسَّاتر، وعبارة "القُهُستانيِ)(٧) هكذا:
(١) في "ب": ((وعن ساتر)).
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في شروط الصلاة ٨٢/١.
(٣) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٤٩/ب بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٠/١.
(٥) ٧٦/٢ "در" فما بعد.
(٦) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ص ١٩٧ -.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في شروط الصلاة ٨٢/١.
قسم العبادات
٥٠
حاشية ابن عابدين
بالإجماع.
((والتقييدُ بالمسافر لأنَّ للمقيم اشتراطَ طهارةٍ ما يستُرُ العورةَ وإنْ لم يمِلِكْهُ كما في
[١/ق٣٢٠/ب] "النظم" وغيره)). اهـ "ح"(١).
قلت: فأسقَطَ "الشارح" لفظ ((طهارةٍ)).
وحاصلُ المعنى: أنّه لا تصحُّ صلاةُ المقيم بساترٍ نجسٍ وإنْ لم يملكِ الطَّاهرَ، بناءً على أنَّ
المقيم لا يتحقَّقُ عجزُهُ عن الماء أو غيره(٢) من المائعات المزيلةِ؛ لأنَّ المصر ونحوَهُ مظنّةُ وجودٍ ذلك،
ولذا لم يَحُزْ له التيمُمُ في المصرِ، لكنَّ هذا قولهما، والمفتى به قولُهُ حيث تحقَّقَ العجزُ كما مرَّ(٣)،
ومقتضاه أنْ يكون هنا كذلك، فافهم.
[٣٦٦٦] (قولُهُ: بالإجماع) أي: لا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمُِوَاْإِلَّا لِيَعْبُدُ واْاللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
[ البينة - ٥]، فإِنَّ المراد بالعبادة هنا التوحيدُ، ولا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمالُ
بالنّات))(٤)؛ لأنَّ المراد ثوابُها، ولا تعرُّضَ فيه للصحَّة، وتمامُهُ في "ح"(٥).
(قولُهُ: فأسقَطَ "الشارحُ" إلخ) على ما في بعضِ النسخ.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٦/ب.
(٢) "من ((قلت: فأسقط)) إلى ((أو غيره)) ساقط من "الأصل".
(٣) المقولة [٢٠٥٧] قوله: ((ولو في المصر)).
(٤) أخرجه مالك (٩٨٣) برواية محمد بن الحسن، فصل: باب النوادر، والبخاريّ(١) كتاب بدء الوحي - باب كيف
كان بدء الوحي إلى رسول الله له؟، ومسلم (٩٠٧) كتاب الإمارة - باب قولهحل: ((إنما الأعمال بالنية))،
وأحمد ٢٥/١-٤٣، وأبو داود (٢٢٠١) كتاب الطلاق - باب فيما عُنِيَ به الطلاق والنيات، والترمذيّ (١٦٤٧)
كتاب فضائل الجهاد - باب ما جاء فيمن يقاتل رياءً وللدنيا، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائيّ
٥٨/١-٥٩ -٦٠ كتاب الطهارة - باب النية في الوضوء، وابن ماجه (٤٢٢٧) كتاب الزهد - باب النية، كلُّهم من
حدیث عمر رصڅبه.
(٥) انظر "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٣٨/ب.
الجزء الثالث
٥١
باب شروط الصلاة
(وهي الإرادةُ) المرجِّحةُ لأحدٍ المتساويين، أي: إرادةُ الصلاة لله تعالى على الخُلُوص
٢٧٧/١
مبحثُ النِّةِ
[٣٦٦٧] (قولُهُ: وهي الإرادةُ) النيَّهُ لغةً: العزمُ، والعزمُ: هو الإرادةُ الجازِمةُ القاطعة.
والإرادةُ: صفةٌ تُوجِبُ تخصيصَ المفعول بوقتٍ وحالِ دون غيرهما، أي: تُرجِّحُ أحدٌ
المستويين وتُخصِّصُهُ بوقتٍ وحالٍ، أي: كيفَّةٍ وحالةٍ مخصوصةٍ، وبه عُلِمَ أنَّ النَّة ليستْ مطلقَ
الإرادة، بل هي الإرادةُ الجازمة.
[٣٦٦٨] (قولُهُ: المرجِّحةُ) نعتٌ للإرادة قصَدَ به تفسيرَها، "ح"(١).
[٣٦٦٩] (قولُهُ: أي: إرادةُ الصلاةِ إلخ) لَمَّا عرَّفَ مطلقَ النَّةِ بَّنَ المعنى المرادَ بها هنا الذي هو
من شروطِ الصلاة، وإلاَّ فالنيَّةُ غيرُ خاصَّةٍ بالصلاة، قال "ط)" (٢): ((والمرادُ بقوله: على الخلوص
الإِخلاصُ لله تعالى على معنى أنَّه لا يُشرِكُ معه غيرَهُ في العبادة)) اهـ.
أقولُ: هذا يوهِمُ أَنَّها لا تصحُّ مع الرياء مع أنَّ الإخلاص شرطٌ للَّواب لا للصحَّةِ كما
سيأتي(٣) في الفروع أنَّه لو قيل لشخصٍ: صلِّ الظُّهرَ ولك دينارٌ، فصلَّى بهذه النَّةِ ينبغي أنْ
يُحزيَّهُ، وأَنَّه لا رياءَ في الفرائض في حقِّ سقوطِ الواجب، فهذا يقتضي صحَّةَ الشُّروع مع عدمٍ
الإِخلاص، فليتأمَّلْ.
(قولُهُ: على معنى أنَّه لا يُشرِكُ معه غيرَهُ في العبادةِ) قال في "شرح الأشباه" عند الاستدلال بآيةٍ
﴿وَمَا أُمِرُوَاْإِلَّا لِيَعْبُدُ واْ اللّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البِّنة - ٥] على اشتراطِ النَّة في العبادات المقصودة: ((إِنَّ
الإخلاص فيها مجازٌ عن النّة، وعدَلَ عن الحقيقة إليه باعتبارِ أنَّ المعتبر في النّة كمالُ الإخلاص لا أنَّه
شرطٌ فِي النَّةِ)) اهـ.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٦/ب.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٣/١.
(٣) صـ ١٣١ - "در".
قسم العبادات
٥٢
حاشية ابن عابدين
(لا) مطلقُ (العِلْمِ) في الأصحِّ، ألا ترى أنَّ مَن عَلِمَ الكفرَ لا يُكفَرُ، ولو نواه يُكفَرُ
ثُمَّ رأيتُ "الحمويّ" في "حواشي الأشباه"(١) اعترضَهُ بقوله: ((فيه أنَّ هذا إنما يستقيمُ في
عبادةٍ يترتَّبُ عليها ثوابٌ، لا المنهيّاتِ (٢) المترتّبِ عليها عقابٌ)) اهـ.
[٣٦٧٠] (قولُهُ: لا مطلقُ العِلم إلخ) أي: ليست النَّةُ مطلقَ العلم بالمنويِّ، أي: سواءٌ كان مع
قصدٍ وإرادةٍ جازمةٍ أوْ لا، وهذا ردٌّ على ما عن "محمَّدِ بنِ سلمةَ"(٣): ((من أَنَّه إذا عَلِمَ عند
الشُّروع أيَّ صلاةٍ يصلّي فهذا القدْرُ نيّةٌ))، وكذا في الصَّوم كما أوضحه في "الدرر"(٤)، قال في
"الإحكام"(٥): ((لكنْ في "المفتاح"(٦) و"شرح ابنِ ملكٍ":(٧) أنَّ مراد ذلك القائلِ أَنَّ مَنْ قصَدَ
صلاةً، فعَلِمَ أَنَّها ظُهرٌ أو عصرٌ أو نفلٌ أو قضاءٌ [١/ق ٣٢١/ أ] يكون ذلك نَّةً، فلا يحتاجُ إلى نَّةٍ
أخرى للتعيين إذا وصَلَها بالتحريمة، وفيما أورَدَهُ لم يوجدْ قصدٌ إلى الكفر، وهذا القائلُ لم يدَّعِ أنَّ
مطلق العلم بشيءٍ يكون نيَّةً، فلا يرِدُ عليه الاعتراضُ)) اهـ.
قلت: وحاصلُهُ أنَّ النَّةَ التي هي الإرادةُ الجازمةُ لَمَّا كانتْ لا تحقَّقُ إلَّ بتصوُّرِ المرادِ
وعلمِهِ، وكان ذلك شرطاً لصحَّتها شرعاً ولازماً لها لغةً اقتصَرَ عليه.
(قولُهُ: اعترضَهُ بقوله: فيه أنَّ هذا إلخ) أي: أنَّ "الحمويّ" اعترَضَ قولهم: النَّةُ اصطلاحاً قصدُ
الطاعةِ والتقرُّبِ إلى الله تعالى في إيجادٍ فعل ((بأنَّ هذا إنما يستقيمُ إلخ))، فأنت ترى أنَّ هذا الاعتراض
غيرُ واردٍ على ما هنا، على أنَّه قدَّمَ في سنن الوضوء أنَّ يدخلُ في إيجادِ الفعل المنهيَّاتُ، فإِنَّ المكلَّف به
الفعلُ الذي هو كفُّ النفسِ عن المنهِيَّات، فاعتراضُ "الحمويِّ" حينئذٍ ساقطٌ بالكليّة.
(١) "غمز عيون البصائر": الفن الأول - القاعدة الأولى ٥١/١.
(٢) في "حاشية الحموي" التي بين أيدينا: ((والمنهيات)) وهو تحريف، والصواب ما نقله ابن عابدين رحمه الله تعالى.
(٣) أبو عبدالله محمد بن سَلَمة البلخيّ(ت ٢٧٨هـ). ("الجواهر المضية "١٦٢/٣، "الفوائد البهية "صـ ١٦٨-).
(٤) "الدرر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٦٢/١.
(٥) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ٢٧٣/ب.
(٦) "مفتاح السعادة": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة - فصل: وتشترط النية ق ٨٠/أ.
(٧) أي: شرحه على "مجمع البحرين وملتقى النّرين" : كتاب الصلاة - فصل في الشروط التي تتقدمها ق٢٢/آ.
الجزء الثالث
٥٣
باب شروط الصلاة
(والمعتبَرُ فيها عملُ القلب اللازمُ للإرادة) فلا عبرةَ للذِّكْر باللسان إِنْ(١) خالَفَ
القلبَ؛ لأَنَّه كلامٌ لا نيَّةٌ، إلاَّ إذا عجَزَ عن إحضاره لهمومٍ أصابته فيكفيه اللسانُ،
"مجتبى" (وهو) أي: عملُ القلب ..
[٣٦٧١] (قولُهُ: والمعتبرُ فيها عملُ القلبِ)(٢) أي: أنَّ الشَّرط الذي تتحقَّقُ به النيةُ، ويُعتبرُ فيها
شرعاً العلمُ بالشيء بداهةً الناشئُ ذلك العلمُ عن الإرادة الجازمة، لا مطلقُ العلم ولا محرَّدُ القول
باللِّسان.
والحاصلُ: أنَّ معنى النَّةِ المعتَبَرَ في الشرع هو العلمُ المذكورُ، وهذا معنى ما نُقِلَ عن "ابن
سلمة" كما قدَّمناه(٣)، وأمَّا قولهم: لا يصحُّ تفسيرُ النية بالعلم فالمرادُ به مطلقُ العلم الخالي عن
القصدِ بقرينة الاعتراض المارّ(٤)، فافهم. لكنْ في جعله العلمَ من أعمال القلب مسامحةٌ؛ لأنَّ العلم
من الكيفيَّات النفسانيَّة كما حُقّقَ في موضعه(٥).
[٣٦٧٢] (قولُهُ: إِنْ خَالَفَ القلبَ) فلو قصَدَ الظُّهر، وتلفّظَ بالعصر سهواً أجزأه كما في
"الزاهديِّ"، "قُهُستاني"(٦).
(٣٦٧٣] (قولُهُ: فيكفيه اللِّسان) أي: بدلاً عن النّة، واعترضَهُ في "الحلبة"(٧): ((بأنَّه يلزمُ عليه
(١) في "و":((وإن))، وهو خطأ.
(٢) في "د" زيادة: ((أي: فلا يشترط مع نية القلب التلفظُ في جميع العبادات، ولذا قال في "المجمع": ولا معتبر باللسان،
واستثنى من هذا مسائل منها النذر الذي لا يكتفى في إيجابه بالنّيَّة، بل لا بُدَّ من التلفظ به كما صرَّحوا به في باب
الاعتكاف، ومنها الوقف كما في "الأشباه". قلت: ومنها لو باع بألف وفي البلد نقودٌ لا غالبَ فيها فقبل ونويا
نوعاً لم يصحَّ حتى يبيِّناه لفظاً، كذا في "فتح المدبر"، ومنها ما في "شرح الجامع الصغير" للتمرتاشي: لو ملك شاة
بالهبة أو غيرها ينويها للأضحية، تكون للأضحية عندهما، وعنده لا ما لم يتلفظ. انتهى)).
(٣) في المقولة السابقة.
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) أي: في مؤلفات علم الكلام.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في شروط الصلاة ٨٢/١.
(٧) "الحلبة": شروط الصلاة - السادس: النية ٢/ ق ٤١ /ب.
قسم العبادات
٥٤
حاشية ابن عابدين
(أَنْ يَعَلَمَ) عند الإرادة (بداهةٌ) بلا تأمُّلِ (أيَّ صلاةٍ يصلِّي) فلو لم يَعلَم إلاَّ بتأمُّلٍ
لم یَجُزْ.
(والتلفّظُ بها(١) مستحبٌّ) هو المختارُ).
نصبُ الأبدال بالرأي؛ لأَنَّه إذا سقَطَ الشرطُ للعجز فقد يسقُطُ إلى بدلِ كما في التيمُّمِ، أو بلا بدلٍ
كستر العورة، وقد يسقُطُ المشروطُ كما في العاجز عن الطَّهورين، فإثباتُ أحدِ هذه الاحتمالاتِ
لا بدَّله من دليلٍ، وأين هو هنا؟ فلا يجوز)). اهـ موضحاً، وأقرَّهُ في "البحر"(٢).
ويؤيِّدُهُ ما سيأتي في الفصل الآتي(٣) من أنَّ العاجز عن النّطق لا يلزمُهُ تحريكُ لسانه للتكبير
أو القراءة في الصحيح لتعذّرِ الأصلِ، فلا يلزمُ غيره إلاَّ بدليلِ اهـ.
وأجاب "الحمويُ)(٤): ((بأنّه صار أصلاً لا بدلاً)).
وأقولُ: نصبُ الأصل أبلغُ من البدلَ، فلا يجوزُ بالرأيِ بالأَولى، ولا يبعُدُ القولُ بسقوط
الأداء عمَّن وصَلَ إلى هذه الحالة، فإنَّ مَنْ لا يمكنه معرفةُ أيِّ صلاةٍ يصلّي منزلة المجنون، وسيذكرُ
"المصنّف" في باب صلاة المريض(٥): ((أَنَّه لو اشتبَهَ على المريض أعدادُ الركعات أو السجدات
النعاسٍ يلحقُهُ [١/ق ٣٢١/ب] لا يلزمُهُ الأداء)).
[٣٦٧٤] (قولُهُ: أَنْ يعلمَ عند الإرادة إلخ)(٦) قال "الزيلعيُّ"(٧): ((وأدناه أنْ يصيرَ بحيث لو
(١) في "ب" و"و": ((والتلفظ عند الإرادة بها)).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٣/١.
(٣) صـ٢٦٣ -٢٦٤ - "در".
(٤) "غمز عيون البصائر": الفن الأول ١٦٢/١.
(٥) ٥٤٤/٤ "در".
(٦) في "د" زيادة: ((فيجب حضور القلب عند التحريمة، فلو اشتغل قلبه بتفكر مسألة مثلاً في أثناء الأركان فلا
تستحب الإعادة، وقال البقالي: لم ينقص أجره إلا إذا قصَّر، وقيل: يلزمه في كلِّ ركن ولا يؤاخذ بالسهو؛ لأنه
معفو عنه لكنه لم يستحق ثواباً كما في "المنية"، ولم يعتبر قول من قال: لا قيمة لصلاة مَنْ لم يكن قلبه فيها معه
كما في "الملتقط" و"الخزانة" و"السراجية" وغيرها، واعلم أن حضور القلب فراغُهُ عن غير ما هو ملابس له، وهو
ها هنا العلم بالعمل بالفعل والقول الصادرين عن المصلِّ، وهو غير التفهم فإنَّ العلم بنفس اللفظ غيرُ العلم بمعنى
اللفظ. كذا في "شرح المقدمة الكيدانية" للقهستاني)).
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٩٩/١.
الجزء الثالث
باب شروط الصلاة
وتكونُ بلفظِ الماضي ولو فارسيَّاً؛ لأنّه الأغلبُ في الإنشاءات، وتصحُّ بالحال،
'قُهُستانی"(١).
سُئل عنها أمكنَهُ أنْ يجيبَ من غير فكرٍ)) اهـ.
واعترضَهُ في "البحر"(٢): ((بأنَّ هذا قولُ "ابن سلمةً"، ومقتضاه لزومُ الاستحضار في أثناءِ
الصلاة وعند الشُّروع، والمذهبُ جوازُها بنيّةٍ متقدِّمةٍ بشرطها المتقدِّمِ وإنْ لم يقدرْ على الجواب بلا
تفكٍّ)) اهـ.
أقولُ: أنت خبيرٌ مما قدَّمناه(٣) بأنَّ قول "ابن سلمة" هو لزومُ الاستحضار عند الشُّروع،
وليس في كلام "الزيلعيّ" اشتراطُ ذلك، بل هو بيانٌ لأدنى العلمِ المعتَبَرِ فِي النَّة اللازمٍ لها، سواءٌ
تقدَّمَتْ أو قارنَت الشُّروع، ولدفعِ هذا التوهُّمِ قال "الشارح": ((عند الإرادة))، أي: النَّةِ، ثم
رأيتُ "ط"(٤) نَبَّهَ على ذلك.
[٣٦٧٥] (قولُهُ: وتكونُ بلفظِ الماضي)(٥) مثل: نويتُ صلاةً كذا.
(٣٦٧٦] (قولُهُ: لأَنّ) أي: الماضيَ.
[٣٦٧٧] (قولُهُ: في الإنشاءاتِ) كالعقود والفسوخ، "ط" (٦).
[٣٦٧٨) (قولُهُ: وتصحُّ بالحالِ) أي: المضارعِ المنويِّ به الحالُ مثل: أصلِّي صلاةَ كذا.
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٨٥/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٩/١. ونقل قول ابن سلمة عن "البدائع" و"الخانية" و"الخلاصة".
(٣) في هذه المقولة.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٣/١.
(٥) في "د" زيادة: ((قال في "الأشباه": وهل يستحبُّ التلفُّظ أو ليس أو يكره؟ أقوال: اختار في "الهداية" الأول لمن لم
يجمع عزيمته، وفي "المفيد": كره بعض مشايخنا النطق باللسان ورآه الآخرون سنة، وفي "المحيط" الذكر باللسان
سنة. انتهى. وبعضهم يوجب التلفُّظَ بها وهو محجوج بالإجماع. انتهى)).
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٣/١.
قسم العبادات
٥٦
حاشية ابن عابدين
(وقيل: سنةَ) يعني: أجبَّهُ السلفُ، أو سنَّهُ علماؤنا؛ إذ لم يُنقَلْ عن المصطفى ولا
الصحابة ولا التابعين،
[٣٦٧٩] (قولُهُ: وقيل: سنّةٌ) عزاه في "التحفة"(١) و"الاختيار"(٢) إلى "محمَّدٍ"، وصرَّحَ في
"البدائع"(٣): ((بأَنَّه لم يذكرْه "محمَّدٌ" في الصلاةِ بل في الحجِّ))، فحملوا الصلاةَ على الحجِّ،
واعترضهم في "الحلبة"(٤) بما ذكّرَهُ جماعةٌ من مشايخنا: ((أَنَّ الحَجَّلَمَّا كان مما يمتدُّ وتقعُ فيه
العوارضُ والموانعُ، ويحصُلُ بأفعالِ شاقَّةٍ استُحِبَّ فيه طلبُ التيسير والتسهيل، ولم يُشرَعْ مثلُهُ في
٢٧٨/١ الصلاة؛ لأنَّ وقتها يسيرٌ اهـ. فهذا صريحٌ في نفىٍ قياسِ الصلاة على الحجِّ)) اهـ. وأقرَّهُ في
"البحر"(٥) وغيره.
[٣٢٨٠] (قولُهُ: يعني إلخ) أشارَ به للاعتراض على "المصنّف" بأنَّ معنى القولين واحدٌ، سُمِّي
مستحَبّاً باعتبارِ أَنَّه أحبَّهُ علماؤنا، وسنّةً باعتبارِ أَنَّه طريقةٌ حسنٌ لهم لا طريقةٌ للنبيِوَل﴿ كما حرَّرَهُ
في "البحر"(٦)، "ح"(٧).
[٣٦٨١] (قولُهُ: إذ لم يُنقَلْ إلخ) في "الفتح"(٨) عن بعض الحفّاظ: ((لم يثبتْ عنه ◌ُ لّ من
(قولُهُ: واعترَضَهم في "الحلبة" بما ذكرَهُ جماعةٌ من مشايخنا من أنَّ الحجَّ لَمَّا كان إلخ) فيه تأمُّلٌ؛ إذ
طلبُ التيسير والتسهيل شيءٌ آخرُ غيرُ النَّة، والقصدُ قياسُ الصلاة على الحجِّ في التلفُّظِ بها لا في
طلبهما، ولا شكَّ أنَّه قد تلفّظَ بها فيه بقوله: اللهمَّ إنّي أريدُ، وقد تقدَّمَ أنَّ النَّة هي الإرادة الجازمة، فَتَمَّ
حملُ الصلاة عليه، تأمَّل.
(١) "تحفة الفقهاء": كتاب الصلاة - باب افتتاح الصلاة ١٢٥/١.
(٢) "الاختيار": كتاب الصلاة - باب ما يفعل قبل الصلاة ٤٨/١.
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في سنن الصلاة ١٩٩/١ بتصرف.
(٤) لم نجد الاعتراض المذكور في "الحلبة" ولعله وهمّ، بل هو كلام "البحر"، وانظر العزو الآتي.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٣/١.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٩٣/١.
(٧) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٧/أ.
(٨) "الفتح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٣٢/١.