Indexed OCR Text
Pages 541-560
الجزء الثاني
٥٣٩
كتاب الصلاة
أي: تحريماً، وفي "التحفة": ((الأفضلُ أنْ لا تُؤخَّرَ الجنازة)).
(وصحَّ) مع الكراهة (تطوُّعٌ بدَأَ به فيها ونَذْرٌ أدَّاه فيها)
[٣٢٩٨) (قولُهُ: أي(١): تحريماً) أفاد ثبوتَ الكراهة التنزيهيَّةِ.
[٣٢٩٩] (قولُهُ: وفي "التحفة"(٢) إلخ) هو كالاستدراك على مفهوم قوله: ((أي: تحريماً))،
فإِنَّه إذا [١/ق ٢٨٧/أ] كان الأفضلُ عدمَ التأخير في الجنازة فلا كراهةً أصلاً، وما في "التحفة"
أقرَّهُ في "البحر"(٣) و"النهر "(٤) و"الفتح"(٥) و"المعراج" لحديثٍ: «ثلاثٌ لا يؤخَّرْنَ، منها الجنازةُ
إذا حضرتْ)(٦)، وقال في "شرح المنية"(٧): ((والفرقُ بينها وبين سجدة التلاوة ظاهرٌ؛ لأنَّ
التعجيل فيها مطلوبٌ مطلقاً إلاَّ لمانعٍ، وحضورُها في وقتٍ مباحٍ مانعٌ من الصلاة عليها في
وقتٍ مكروهٍ بخلافِ حضورها في وقتٍ مكروهٍ، وبخلافٍ سجدة التلاوة؛ لأنَّ التعجيل لا
يُستحَبُّ فيها مطلقاً)) اهـ. أي: بل يُستحَبُّ في وقتٍ مباحٍ فقط، فثبَتَ(٨) كراهةُ التنزيهِ في
سجدة التلاوة دون صلاة الجنازة.
[٣٣٠٠] (قولُهُ: وصحَّ تطوُّعٌ بدَأَ به فيها) تكرارٌ محضٌ مع قوله: ((وينعقدُ نفلٌ بشروعٍ
" _(٩)
فيها)). اهـ ح
(١) في "م": ((أو)) وهو خطأ.
(٢) "تحفة الفقهاء": كتاب الصلاة ١٠٥/١ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦٣/١.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة ق ٣٤/ب.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة ٢٠٤/١.
(٦) أخرجه أحمد ١٠٥/١، والترمذي (١٧١) كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل،
وقال: هذا حديث غريب حسن، و(١٠٧٥) كتاب الجنائز - باب ما جاء في تعجيل الجنازة، وقال: هذا حديث
غريب وما أرى إسناده بمتصل، وابن ماجه مختصراً (١٤٨٦) كتاب الجنائز - باب ما جاء في الجنازة لا تؤخر إذا
حضرت ولا تتبع بنار، والحاكم في "المستدرك" ١٦٢/٢ كتاب النكاح، وقال: هذا حديث غريب صحيح ولم
يخرِّجاه، وقال الذهبي: صحيح. وأورده الزيلعي في "نصب الراية" ٢٤٤/١.
(٧) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الخامس: الوقت صـ ٢٣٨ -.
(٨) في "م": ((فثبتت)).
(٩) "ح": كتاب الصلاة ق٣٩/ب.
قسم العبادات
٥٤٠
حاشية ابن عابدين
وقد نذَرَهُ فيها (وقضاءُ تطوُّعِ بدأ به فيها فأفسَدَهُ لوجوبه ناقصاً) ثم ظاهرُ الرواية
وجوبُ القطع والقضاء في كاملٍ كما في "البحر"، وفيه عن "البغية":
٠٠٠
وقد يجابُ: بأنَّ المراد أنَّه يصحُّ أداؤه فيها، ويخرجُ به عن العُهْدة مع الكراهة، وما مرَّ(١) بيانٌ
الأصلِ الانعقاد وصحَّةِ الشروع فيه، بحيث لو قهقَهَ انتقَضَ وضوءُهُ بخلاف الفرض كما قدَّمناه(٢)
عن "الخانَيَّة"، تأمَّلْ.
[٣٣٠١] (قولُهُ: وقد نذَرَهُ فيها) أي: والحالُ أَنَّه قد نذَرَ إيقاعَهُ فيها، أي: في هذه الأوقاتِ
الثلاثةِ، أي: في أحدها، أمَّا لو نذَرَهُ مطلقاً فلايصحُّ أداؤه فيها.
[٣٣٠٢) (قولُهُ: لوجوبه) أي: ما ذَكَرَ من المسائلِ الثلاثة.
[٣٣٠٣) (قولُهُ: كما في "البحر")(٣) وقال أيضاً(٣): ((وقولُ "الزيلعيّ(٤): والأفضلُ أنْ يصلِّيَ
في غيره ضعيفٌ)).
[٣٣٠٤) (قولُهُ: عن "الْبُغية") بضمِّ الباء الموخَّدة وكسرِها: الشيءُ المبتغَى، أي: المطلوبُ، وهو
هنا عَلَمُ كتابٍ هو مختصرُ "القنية"(٥)، ذكَرَهُ في "البحر"(٦) في باب شروط الصلاة، "ح"(٧).
(قولُهُ: وقد يُجابُ بأنَّ المراد أنَّه يصحُّ أداؤه فيها إلخ) قد يقال: إنَّ صحَّةَ الأداء والخروجَ عن
العهدة معلومٌ من الحكم بالكراهة الذي وقَعَ قولُهُ: ((وينعقدُ نفلٌ إلخ)) بياناً له، فَلَمْ يُفِدْ ما ذكرَهُ هنا
فائدةً جديدةً، تأمَّل.
(١) المقولة [٣٢٩١] قوله: ((وينعقد نفل إلخ)).
(٢) المقولة [٣٢٩٢] قوله: ((لا ينعقد الفرض)).
(٣) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦٢/١.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة ٨٦/١.
(٥) المسمى "بغية القنية": لمحمود بن أحمد بن مسعود، جمال الدين المعروف بابن السِّرَاج القَوْنويّ الدمشقيّ(ت٧٧٠هـ وقيل:
٧٧١، وقيل: ٧٧٧) وهو تلخيص "القنية" لأبي الرجاء مختار بن محمود، نجم الدين الزاهديّ(ت ٦٥٨هـ). ("كشف
الظنون" ٢٤٩/١، ١٣٥٧/٢، "الجواهر المضية" ٤٣٥/٣، "الدرر الكامنة" ٣٢٢/٤، "الفوائد البهية" ص ٢٠٧-).
(٦) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦٤/١.
(٧) "ح": كتاب الصلاة ق٣٩/ب - ٤٠/أ.
الجزء الثاني
٥٤١
كتاب الصلاة
((الصلاةُ فيها على النبيِ وَّ أفضلُ من قراءة القرآن))، وكأنّه لأنّها من أركان
الصلاة، فالأَولى تركُ ما كان ركناً لها.
(وكُرِهَ نفلٌ) قصداً ولو تحيَّةَ مسجدٍ ..
[٣٣٠٥] (قولُهُ: الصلاةُ فيها) أي: في الأوقاتِ الثلاثة، وكالصلاةِ الدعاءُ والتسبيحُ كما هو في
"البحر"(١) عن "البغية".
[٣٣٠٦] (قولُهُ: وكأنّه إلخ) من كلام "البحر".
[٣٣٠٧) (قولُهُ: فالأَولى) أي: فالأفضلُ ليوافقَ كلامَ "البغية"، فإنَّ مُفاده أنَّه لا كراهةَ أصلاً؛
لأنَّ ترك الفاضلِ لا كراهةَ فيه.
[٣٣٠٨] (قولُهُ: وكُرِهَ نفلٌ إلخ) شروعٌ في النوع الثاني من نوعَيِ الأوقات المكروهةِ، وفيما
٢٥٠/١
يكرهُ فيها، والكراهةُ هنا تحريميّةٌ أيضاً كما صرَّحَ به في "الحلبة"(٢)، ولذا عبَّرَ في "الخانَيَّة"(٣)
و"الخلاصة"(٤) بعدم الجواز، والمرادُ عدمُ الحلِّ لا عدمُ الصحّة كما لا يخفى.
[٣٣٠٩] (قولُهُ: قصداً) احترَزَ به عمَّا لو صلَّى [١/ق٢٨٧/ب] تطوُّعاً في آخرِ الليل، فلمَّا
صلَّى ركعةً طَلَعَ الفجر فإِنَّ الأفضل إتمامُها؛ لأنَّ وقوعه في التطوُّعِ بعد الفجر لا عن قصدٍ، ولا
ينوبان عن سنَّةِ الفجر على الأصحِّ.
[٣٣١٠] (قولُهُ: ولو تحيَّةَ مسجدٍ) أشار به إلى أَنَّه لا فرقَ بين ما له سببٌ أوْ لا كما في
"البحر "(٥) خلافاً لـ "الشافعيِّ" فيما له سببٌ كالرَّواتب وتحيَّةِ المسجد، "ط" (٦).
(قولُهُ: ولا ينوبان عن سنَّةِ الفجر على الأصحِّ) الظاهرُ أنّهما لا ينوبان عن السنَّة في هذه الصُّورة
اتّفاقاً، حيث كان ابتداؤهما قبل طلوع الفجر الذي هو وقتُ السنّة بخلاف ما يأتي.
(١) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦٤/١.
(٢) "الحلبة": شروط الصلاة - الخامس: الوقت ٢/ق ٢٧/أ.
(٣) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل في مواقيت الصلاة ٧٤/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الرابع في المواقيت ق ٢٢/ب.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦٥/١.
(٦) "ط": كتاب الصلاة ١٨١/١ بتصرف نقلاً عن أبي السعود.
قسم العبادات
٥٤٢
حاشية ابن عابدين
(وكلُّ ما كان واجباً) لا لعينِهِ بل (لغيرِهِ) وهو ما يتوقّفُ وجوبُهُ على فعله
(كمنذورٍ وركعتي طوافٍ).
[٣٣١١] (قولُهُ: وكلُّ ما كان واجباً إلخ) أي: ما كان ملحقاً بالنفل، بأنْ ثبَتَ وجوبُهُ بعارِضِ
بعدما كان نفلاً.
(٣٣١٢] (قولُهُ: على فعلِهِ) أي: فعلِ العبد، والأَولى إظهارُهُ، مثلاً: المنذورُ يتوقَّفُ على
النذر، وركعتا الطَّاف على الطَّواف، وسجدتا السَّهو على ترك الواجب الذي هو من
جهته. اهـ "ط" (١).
ويرِدُ عليه سجودُ التلاوة، فإِنَّه يتوقّفُ وجوبُهُ على التلاوة، وأجاب في "الفتح"(٢): ((بأنَّ
وجوبه في التحقيق متعلّقٌ بالسَّماع لا بالاستماع ولا بالتلاوة، وذلك ليس فعلاً من المكلَّفِ، بل
وصفٌ خَلْقِيٌّ فيه بخلاف الَّذْرِ والطَّوافِ والشروعِ، فإِنَّها فعلُهُ، ولولاه لكانت الصلاة نقلاً)) اهـ.
قال في "شرح المنية"(٣): ((لكنَّ الصحيح أنَّ سبب الوجوب في حقِّالتالي التلاوةُ دون
السَّماع، وإلاَّ لزِمَ عدمُ الوجوب على الأصمِّ بتلاوته)) اهـ. ونحوُهُ في "البحر "(٤).
وقد يجابُ بأَنَّه وإنْ كان بفعله لكنَّه ليس أصلُهُ نفلاً؛ لأنَّ التنفُّل بالسجدة غيرُ مشروعٍ،
فكانت واجبةً بإيجاب الله تعالى لا بالتزام العبد، وتمامُهُ في "شرح المنية"(٥).
(٣٣١٣] (قولُهُ: وركعتي طوافٍ) ظاهرُهُ: ولو كان الطوافُ في ذلك الوقتِ المكروهِ، ولم أره
صريحاً، ويدلُّ عليه ما أخرَجَهُ "الطحاويُّ" في "شرح الآثار"(٦) عن "معاذٍ بن عفراء": أَنَّه طافَ
(١) "ط": كتاب الصلاة ١٨١/١.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة ٢٠٨/١.
(٣) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الخامس: الوقت صـ٢٣٨ -.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦٥/١.
(٥) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الخامس: الوقت صـ ٢٣٨ -.
(٦) انظر "شرح معاني الآثار": ٣٠٣/١ -٣٠٤ كتاب الصلاة - باب الركعتين بعد العصر، وأخرجه النسائي ٢٥٨/١
كتاب المواقيت - باب مَنْ أدرك ركعتين من العصر. وفي الباب عن علي ، وابن مسعود، وعقبة بن عامر، =
الجزء الثاني
٥٤٣
كتاب الصلاة
وسجدتي سهوِ (والذي شَرَعَ فيه) في وقتٍ مستحبٌٍ أو مكروهٍ (ثم أفسَدَهُ و) لو
سنَّةَ الفجر (بعدَ صلاةٍ فجرِ و) صلاةِ (عصرٍ).
بعد العصر أو بعد صلاةٍ الصبح ولم يصلِّ، فسُئل عن ذلك فقال: ((نَهَى رسول الله وُّ عن صلاةٍ
بعد الصبح حتى تطلُعَ الشمس، وعن صلاةٍ بعد العصر حتَّى تغرُبَ الشمسُ)، ثمَّ رأيتُهُ مصرَّحاً به
في "الحلبة"(١) و"شرح اللباب"(٢).
[٣٣١٤] (قولُهُ: وسجدتي سهوٍ) أقول: تِبِعَ فيه صاحبَ "المجتبى"، ولم يظهرْ لي معناه، هل
هو على إطلاقه، أو مقيَّذٌ ببعض الصلوات؟ فإنَّه لا وجهَ لكراهةِ سجودِ السَّهو فيما لو صلَّى
الفجر أو العصر وسَهَا فيهما، وكذا لو قضى [١/ق٢٨٨/أ] بعدهما فائتةً وسَهَا فيها، فإنَّه إذا
حلَّ له أداءُ تلك الصلاةِ كيف لا يحلُّ له سجودُ السَّهِ الواجبُ فيها؟! ولعلَّه اشتبَهَ النوعُ الثاني
من الأوقات بالنوع الأوَّلِ، فإنَّ ذِكْرَ سجودِ السَّهو في النوع الأوَّلِ صحيحٌ، وقد مرَّ(٢) بخلاف
ذكرِهِ هنا، إلاَّ أنْ يقال: إنَّه مقيَّدٌ ببعض الصَّلوات، وهي التي تكرهُ في هذا النوع كالنفل
والواجب لغيره، فكما يكرهُ فعلُها يكرهُ سجودُ السَّهو فيها، ثم رأيتُ "الرحمتيَّ" جزَمَ: ((بأنَّ
ذلك سهوٌ))، فتأمَّلْ وراجِعْ.
[٣٣١٥) (قولُهُ: ولو سنةَ الفجرِ) أي: ولو كان الذي شرَعَ فيه ثم أفسَدَهُ سنةَ الفجر، فإِنَّه لا
يجوزُ على الأصحِّ، وما قيل من الحِيَلِ مردودٌ كما سيأتي(٤).
[٣٣١٦] (قولُهُ: بعدَ صلاةٍ فجرٍ وعصرٍ) متعلّقٌ بقوله: ((وكُرِهَ))، أي: وكُرِهَ نفلٌ إلخ
= وأبي هريرة، وابن عمر، وسَمرة بن جندب، وعبد الله بن عمرو، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن ثابت،
وعائشة، وكعب بن مرة، وأبي أمامة، وعمرو بن عبسة، ويعلى بن أمية، ومعاوية بعد﴿ه.
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - الخامس: الوقت ٢/ق ٢٧/ب.
(٢) انظر "إرشاد الساري": فصل في ركعتي الطواف صـ١٠٥ -.
(٣) صـ ٥٢٧ - "در".
(٤) صـ ٥٥٣- "در".
قسم العبادات
٥٤٤
حاشية ابن عابدين
ولو المجموعةَ بعرفةَ (لا) يكرهُ (قضاءُ فائتةٍ و) لو وتراً.
بعد صلاةٍ فجرٍ وعصرٍ، أي: إلى ما قُبيلَ الطُّلوع والتغُّرِ بقرينة قوله السَّابقِ(١): ((لا ينعقدُ الفرضُ
إلخ))، ولذا قال "الزيلعيُ))(٢) هنا: ((المرادُ بما بعدَ العصر قبلَ تغُّرِ الشمس، وأمَّا بعده فلا يجوزُ فيه
القضاءُ أيضاً وإنْ كان قبل أنْ يصلِّيَ العصر)) اهـ.
[٣٣١٧] (قولُهُ: ولو المجموعةَ بعرفَةَ) عزاه في "المعراج" إلى "المجتبى"، وفي "القنية"(٣) إلى محد
الأئمّة "التَّرِجُمانيّ"(٤) و"ظهير الدين المرغينانيّ)(٥)، وذكَرَهُ في "الحلبة"(٦) بحثاً وقال: ((لم أره
صريحاً))، وتبعَهُ في "البحر)"(٧).
[٣٣١٨] (قولُهُ: ولو وتراً) لأَنَّه(٨) على قوله واجبٌ يفوتُ الجوازُ بفَوْتِهِ، وهو معنى
الفرضِ العمليِّ، وعلى قولهما سنةٌ مخالفةٌ لغيرها من السُّن، ولذا قالا(٩): ((لا تصحُّ من
قعودٍ))، وعن هذا قال في "القنية" (١٠): ((الوترُ يُقضَى بعد الفجر بالإجماع بخلاف سائرِ
السُّنن)).
(١) صـ ٥٣٧ - "در".
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - ٨٧/١.
(٣) لم نعثر عليها في "القنية".
(٤) ذكره القرشيّ في "الجواهر المضية" ٤٣٢/٤ في الألقاب، وذكر محققه الدكتور عبد الفتاح الحلو رحمه الله تعالى أن
ترجمته في "كتائب أعلام الأخيار" برقم (٣٣٣)، و"الطبقات السنية" برقم (٣٠٢٣).
(٥) هو لقبٌ لعلي بن عبد العزيز بن عبد الرزاق (ت٥٠٦هـ)، ولابنه أبي المحاسن الحسن بن علي بن عبد العزيز (توفي
زهاء ٦٠٠هـ). ("الجواهر المضية" ٧٤/٢، ٥٧٦، "الفوائد البهية" صـ ٦٢-١٢١-).
(٦) "الحلبة": شروط الصلاة - الخامس: الوقت ٢/ ق ٣٢/ب.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - ٢٦٥/١.
(٨) ((لأنّه)) ساقطة من "آ".
(٩) في "ب": ((قال)) وهو خطأ، وانظر "ط"١٨١/١.
(١٠) "القنية": كتاب الصلاة - باب مواقيت الصلاة ق٩/ب.
الجزء الثاني
٥٤٥
كتاب الصلاة
أو(١) (سجدةِ تلاوةٍ وصلاةٍ جنازةٍ، وكذا) الحكمُ من كراهة نفلٍ وواجبٍ لغيره،
لا فرضٍ وواجبٍ لعينه (بعدَ طلوعٍ فجرٍ سوى سنِهِ) لشغلِ الوقت به تقديراً، ....
[٣٣١٩] (قولُهُ: أو سجدةِ تلاوةٍ) لوجوبها بإيجابه تعالى لا بفعلِ العبد كما علمتَهُ، فلم تكنْ في
معنى النَّفل.
٣٣٢٠١] (قولُهُ: لشُغلِ الوقتِ به) أي: بالفجر، أي: بصلاته، ففي العبارة استخدامٌ، "ط)"(٢).
أي: لأنَّ المراد بالفجر الزمنُ لا الصلاةُ.
ثُمَّ هذا علَّةٌ لقوله: ((وكره))، وفيه جوابٌ عمَّا أُورِدَ من أنَّ قوله ◌ُّ: ((لا صلاةَ بعد
العصر حتى تغرُبَ الشمس، ولا صلاةَ بعد الفجر حتى تطلُعَ الشمس)) رواه "الشيخان"(٣) يعمُّ
النفلَ وغيره.
وجوابُهُ: أنَّ النهيَ هنا لا لنقصان في الوقت، بل ليصيرَ الوقتُ كالمشغول بالفرض، فلم يَجُزِ
النقلُ ولا ما أُلحِقَ به مما ثبَتَ وجوبُهُ بعارضٍ [١/ق٢٨٨/ب] بعدَما كان نفلاً دون الفرائض وما
في معناها، بخلاف النهي عن الأوقات الثلاثة، فإنَّ لمعنىٍّ في الوقت، وهو كونُهُ منسوباً للشيطان،
فيؤثِّرُ في الفرائض والنوافل، وتمامُهُ في شروح "الهداية (٤).
(١) في "و": ((ولا)) بدل ((أو)).
(٢) "ط": كتاب الصلاة ١٨١/١.
(٣) أخرجه البخاري (٥٨٦) كتاب مواقيت الصلاة - باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، ومسلم (٨٢٧)
كتاب صلاة المسافرين - باب الأوقات التي نُهِيَ عن الصلاة فيها، والنسائي ٢٧٨/١ كتاب المواقيت - باب النهي
عن الصلاة بعد العصر، وابن ماجه (١٢٤٩) كتاب الصلاة - باب النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر،
والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣٠٤/١ كتاب الصلاة - باب الركعتين بعد العصر، وفي الباب عن أبي ذرِّ
وأبي هريرة وعمر وعائشة .
(٤) انظر "الفتح" والعناية" و"الكفاية": كتاب الصلاة - فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة ٢٠٨/١-٢٠٩
و "البناية" ٥٩/٢.
قسم العبادات
٥٤٦
حاشية ابن عابدين
حتّى لو نوى تطوُّعاً كان سنَّةَ الفجر بلا تعيينِ (وقبلَ) صلاةِ (مغربٍ).
[٣٣٢١] (قولُهُ: حَتَّى لو نوى إلخ) تفريعٌ على ما ذكَرَهُ من التعليل، أي: وإذا كان المقصودُ
كونَ الوقت مشغولاً بالفرض تقديراً، وسنتُهُ تابعةٌ له فإذا تطوَّعَ انصرَفَ تطوُّعُه إلى سنَّته لئلاّ
يكونَ آتياً بالمنهيِّ عنه، فتأمَّلْ.
[٣٣٢٢] (قولُهُ: بلا تعيينٍ)(١) لأنَّ الصحيح المعتمدَ عدمُ اشتراطه في السُّنن الرواتبِ، وأَنَّها
تصحُّ بنِيَّةِ النفل وبمطلق النّة، فلو تهجَّدَ بركعتين بظنِّ بقاءِ الليل، فتبَّنَ أَنَّهما بعد الفجر كانتا عن
السُّنة على الصَّحيح، فلا يصلّيها بعده للكراهة، "أشباه"(٢).
٢٥١/١
[٣٣٢٣] (قولُهُ: وقبل صلاةِ مغربٍ) عليه أكثرُ أهلِ العلم، منهم أصحابُنا و"مالكٌ"، وأحدُ
الوجهين عن "الشافعيّ"؛ لِما ثبَتَ في "الصحيحين)"(٣) وغيرهما مما يفيدُ أَنَّهِ مَّ: ((كان يواظبُ
على صلاة المغرب بأصحابه عقِبَ الغروب))، ولقول "ابن عمر" رضي الله عنهما: ((ما رأيتُ
أحداً على عهدٍ رسول الله ﴿ل يصلّيهما)، رواه "أبو داود"(٤) وسكَتَ عنه، و"المنذريُّ"
(١) في "د" زيادة: ((هذا مأخوذ من "التجنيس"، وعلَّله بأنَّ السنّةَ تطوّعٌ فتأدى بنية التطوع، ولكن ردَّه في "المزيد" بأنَّ
الأصحَّ أنَّهما لا ينوبان عن ركعة الفجر، كما إذا صلَّى الظُّهْرَ ستاً وقد قعد على رأس الرابعة في الصحيح من الجواب؛
لأنَّ السنة ما واظب عليه النبي ◌ُّ﴾، ومواظبته كانت بتحريمة مبتدأة، لا يقال: يفرَّق بينهما بكراهية التطوع قبل الفجر،
بخلافه بعد الظهر؛ لأنا نقول: ذاك في التطوع القصديّ، وأمَّا هذا فغير قصدي فلا يكره، كما هو فَرَضُ المسألة، قيل:
وعلى التصحيح الذي نقله الشارح يشترط أن يكون ابتداء الشروع بعد طلوع الفجر، كما هو المقرُّ من كلامهم،
قيل: وعلى ما نقله في "المزيد" إذا لم يكونا عن سنة الفجر هل يقطع؟ قال الكمال في السهو: إذا تطوع من آخر الليل،
فلما صلَّى ركعة طلع الفجر، الأَوْلى أن يتمَّها ركعتين؛ لأنَّه لم يتنفل بأكثر من ركعتي الفجر قصداً. انتهى)).
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الثانية صـ٢٨ - بتصرف.
(٣) أخرجه البخاري (٥٦١) كتاب مواقيت الصلاة - باب وقت المغرب، ومسلم (٦٣٦) كتاب المساجد - باب بيان أن
أول وقت المغرب عند غروب الشمس، وأبو داود (٤١٧) كتاب الصلاة - باب في وقت المغرب، والترمذي(١٦٤)
كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء في وقت المغرب، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٦٨٨) كتاب الصلاة -
باب وقت صلاة المغرب، عن سلمة بن الأكوع قال: كنا نصلي مع رسول الله ﴿ المغرب إذا توارت بالحجاب.
(٤) في "سننه" (١٢٨٤) كتاب الصلاة - باب الصلاة قبل المغرب.
الجزء الثاني
٥٤٧
كتاب الصلاة
الكراهةِ تأخيره إلاَّ يسيراً.
في "مختصره"(١)، وإسنادُهُ حسنٌ، وروى "محمَّدٌ)(٢) عن "أبي حنيفة" عن "حَمَّادٍ": أَنَّه سُئِلَ "إبراهيم
النخعيُّ" عن الصلاةِ قبل المغرب، قال: فنهى عنها وقال: ((إِنَّ رسول الله وَّ و "أبا بكر" و"عمر"
لم يكونوا يصلُّونها))، وقال القاضي "أبو بكر بن العربيّ (٣): ((اختلَفَ الصحابةُ في ذلك، ولم
يفعله أحدٌ بعدهم))، فهذا يُعارِضُ ما رُوِيَ من فعلِ الصحابة ومن أمرِهِ ﴿ّ بصلاتهما؛ لأَنَّه إذا
اتّفَقَ الناس على تركِ العمل بالحديث المرفوع لا يجوزُ العملُ به؛ لأنّه دليلٌ ضعفِهِ على ما عُرِفَ في
موضعه، ولو كان ذلك مشتهِراً بين الصحابة لَما خفِيَ على "ابن عمر"، أو يُحمَلُ ذلك على أنّه
كان قبل الأمر بتعجيلِ المغرب، وتمامُهُ في "شرحي المنية"(٤) وغيرهما.
(٣٣٢٤) (قولُهُ: لكراهةِ تأخيرِهِ) الأولى: تأخيرِها، أي: الصلاةِ، وقولُهُ: ((إلاَّ يسيراً)) أفادَ أَنَّه
ما دون صلاةٍ ركعتين بقدْرِ جلسةٍ، وقدَّمنا(٥) أنَّ الرَّائد عليه [١/ق٢٨٩/أ] مكروه تنزيهاً ما لم
تشتبكِ النجومُ، وأفاد في "الفتح"(٦) - وأقرَّهُ في "الحلبة"(٧) و"البحر"(٨) -: ((أنَّ صلاة ركعتين إذا
تُجُوِّزَ فيها لا تزيدُ على اليسيرِ، فيباحُ فعلهما))، وقد أطالَ في تحقيق ذلك في "الفتح"(٩) في باب
الوترِ والنوافل.
(١) "مختصر المنذري" (١٢٣٩) تفريع أبواب التطوع وركعات السنة - باب الصلاة قبل المغرب، وهو مختصر "سنن أبي داود".
(٢) في "الآثار" (١٤٥) باب ما يعاد من الصلاة وما يكره منها، وأورده التهانوي في "إعلاء السنن"٦٢/٢ وقال: رجاله
ثقات مع إرساله، وهذا مرسل، ولكن مراسيل النخعي صحيحة باستثناء البعض وهذا ليس منه.
(٣) "عارضة الأحوذيّ بشرح صحيح الترمذي": كتاب أبواب الصلاة - باب الصلاة قبل المغرب ٣٠٠/١. وهو لأبي
بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن العربي المعافريّ الإشبيليّ المالكيّ (ت٥٤٣هـ). ( "كشف الظنون"
٥٥٩/١، "سيرأعلام النبلاء" ١٩٧/٢٠).
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الخامس: الوقت صـ٢٤٠ -٢٤١-، و"الحلبة": ٢/ق ٢٩ /أ - ب.
(٥) المقولة [٣٢٦٦] قوله: ((يكره تنزيهاً)).
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب النوافل ٣٨٩/١.
(٧) "الحلبة": شروط الصلاة - الخامس: الوقت ٢/ق ٢٩/ب.
(٨) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦٦/١.
(٩) انظر "الفتح": كتاب الصلاة - ٣٨٨/١ -٣٨٩ والمسألة في باب النوافل.
قسم العبادات
٥٤٨
حاشية ابن عابدين
(وعندَ خروجٍ إمامٍ) من الحُجْرة، أو قيامِهِ للصعود إنْ لم يكن له حجرةً.
(تنبيةٌ)
يجوزُ قضاءُ الفائتة وصلاةُ الجنازة وسحدةُ التلاوة في هذا الوقت بلا كراهةٍ، ويبدأُ بصلاة
المغرب ثم بالجنازةِ ثم بالسُّنةِ، ولعلَّهُ لبيانِ الأفضليّة، وفي "الحلبة"(١): ((الفتوى على تأخير صلاة
الجنازة عن سنَّةِ الجمعة(٢)، فعلى هذا تؤخَّرُ عن سنَّةِ المغرب؛ لأَنَّها أكدُ)). اهـ "بحر "(٣).
وصرَّحَ في "الحاوي القدسيِّ" (٤) بكراهةِ المنذورة، وقضاءِ ما أفسده، والفائتةِ لغير صاحبِ
ترتیبٍ، وهو تقییدٌ حسنٌ.
وبقيَ ركعتا الطَّواف، فتكرهُ أيضاً كما صرَّحَ به في "الحلبة (٥)، ويُفهَمُ من كلام "المصنّف"
أيضاً، فإنَّ قوله: ((وقبل صلاةِ مغربٍ)) معطوفٌ على قوله: ((بعد طلوع فجرٍ))، فيكرهُ في الثاني
جميعُ ما يكرهُ فِي الأَوَّلِ، نعمْ صرَّحَ في "شرح اللباب" (٦): ((أَنَّه لو طافَ بعد صلاةِ العصر يصلّي
ركعتيه قبل سنَّةِ المغرب كالجنازة)).
[٣٣٢٥] (قولُهُ: وعندَ خروجٍ إمامٍ) لحديثِ "الصحيحين(٧) وغيرهما: ((إذا قلتَ لصاحبك:
أنصِتْ والإِمامُ يخطُبُ فقد لَغَوتَ))، فإذا نهى عن الأمرِ بالمعروف وهو فرضٌ فما ظُنُّك بالنفل؟
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - الخامس: الوقت ٢/ق ٢٩/ب.
(٢) نقلاً عن حجة الدين البلخي، كما في "الحلبة".
(٣) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦٦/١ باختصار نقلاً عن "الحلبة" معزياً إلى حجة الدين البلخي.
(٤) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - فصل في الأوقات المكروهة ٣٧/ب بتصرف.
(٥) "الحلبة": شروط الصلاة - الخامس: الوقت ٢/ق ٢٨/ب.
(٦) انظر "إرشاد الساري": فصل في ركعتي الطواف صـ ١٠٧ - والعبارة لـ"اللباب".
(٧) أخرجه مالك (٦) كتاب الجمعة - باب ما جاء في الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، وأحمد ٢٤٤/٢، ٤٨٥،
٥١٨، والبخاري (٩٣٤) كتاب الجمعة - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، ومسلم (٨٥١) كتاب الجمعة
- باب الإنصات يوم الجمعة في الخطبة، وأبو داود (١١١٢) كتاب الصلاة - باب الكلام والإمام يخطب،
والترمذي (٥١٢) كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء في كراهية الكلام والإمام يخطب، وقال: حديث أبي
هريرة رضي ◌ُله حديث حسن صحيح، والنسائي ١٠٣/٣ -١٠٤ كتاب الجمعة - باب الإنصات للخطبة يوم الجمعة،
كلهم عن أبي هريرة ◌َّه مرفوعاً، وفي الباب عن ابن أبي أوفى وجابر بن عبد الله رضي يته.
الجزء الثاني
٥٤٩
كتاب الصلاة
(لخطبةٍ) ما، وسيجيءُ أنّها عشرٌ (إلى تمامٍ صلاته بخلافٍ فائتةٍ) فإنها لا تكرهُ، .....
B
وهذا قولُ الجمهور من أهلِ العلم كما قاله "ابن بَطَّال"(١)، منهم أصحابُنا و"مالكٌ"، وذكره "ابنُ
أبي شيبة(٢) عن "عمر" و"عثمان" و"عليِّ" و"ابن عباسٍ" وغيرهم من التابعين، فما رُوِيَ مما يدلُّ
على الجواز كان قبلَ التَّحريم، فلا يعارِضُ أدلَّةَ المنع، وتمامُ الأدلّة في "شرحي المنية"(٣) وغيرهما.
ثم هذا معطوفٌ على ما قبله، فيكرهُ فيه ما يكرهُ فيه كما بينًّا.
[٣٣٢٦] (قولُهُ: لخطبةٍ ما) أتى بــ ((ما)) لتعميمِ الخطبة، وشمِلَ ما إذا كان ذلك قبلها
وبعدها (٤)، سواءٌ أمسَكَ الخطيبُ عنها أم لا، "بحر "(٥).
[٣٣٢٧] (قولُهُ: وسيجيءُ(٦) أَنَّها عشرٌ) أي: في باب العيدين، وهي: خطبةُ جمعةٍ، وفطرٍ،
وأضحى، وثلاثُ خطبِ الحجِّ، وختمٌّ، ونكاحٌ، واستسقاءٌ، وكسوفٌ، والمرادُ تعدادُ الخطبِ
المشروعةِ في الجملة، وإلاَّ فخطبةُ الكسوف مذهبُ "الشافعيّ".
والظاهرُ عدمُ كراهةِ التنفُّل فيها عند "الإِمام" لعدمٍ مشروعيَّتها عنده، [١/ق ٢٨٩/ب] وبه
صرَّحَ في "الحلبة(٧)، و کذا خطبةُ الاستسقاء مذهبُ الصاحبین، فيقال فيها کذلك، وقد يجابُ بما
في "القُهُستانيِّ)(٨)، حيث نقَلَ روايةً عن "الإِمام" بمشروعيَّةِ خطبة الكسوف، ولعلَّ مَنْ
ذكَرَها كـ "الخانَّة(٩) وغيرها جنَحَ إلى هذه الروايةِ، فصحَّ كونُها عشراً عندنا، ولا يخفى أنَّ قوله:
(١) أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطّال القرطبيّ (ت٤٤٩هـ). ("شذرات الذهب" ٢١٤/٥، "الأعلام" ٢٨٥/٤).
(٢) في "المصنف" ٣٣/٢ كتاب الجمعة - في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الخامس: الوقت صـ ٢٤١-، و"الحلبة":٢/ق ٢٩/ب.
(٤) عبارة "البحر": ((قبل الخطبة ووقتها)) لا ((بعدها)) كما نقله ابن عابدين رحمه الله؛ إذ المكروه التنفل قبل الخطبة
ووقتها كما هو منصوص في كتب المذهب.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦٧/١.
(٦) المقولة [٧٠٣٩] قوله: ((بل عشر)).
(٧) "الحلبة": شروط الصلاة - الخامس: الوقت ٢/ق ٣١/أ.
(٨) "جامع الرموز": كتاب الصلاة ٧٣/١ والنقل فيها رواية عن ((أئمتنا)) لا ((الإمام)).
(٩) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل في مواقيت الصلاة ٧٤/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
قسم العبادات
٥٥٠
حاشية ابن عابدين
وقَّدَها "المصنّف" في الجمعة بواجبةِ الترتيب، وإلاَّ فيكرهُ، وبه يحصُلُ التوفيقُ بين
كلامي "النهاية" و"الصدر".
(وكذا يكرهُ تطوُّعٌ عند إقامةِ صلاةٍ مكتوبٍ).
((خروجٍ إمامٍ من الحجرة وقيامِهِ للصلاة)) قيدٌ فيما يناسبُهُ منها، وهو ما عدا خطبةَ النكاح وخطبةً
ختم القرآن، فافهم.
وعلَّةُ الكراهة في الجميع تفويتُ الاستماع الواجبِ فيها كما صرَّحَ به في "المجتبى".
[٣٣٢٨] (قولُهُ: وقَيَّدَها) أي: قَّدَ الفائتةَ التي لا تكرهُ حالَ الخطبة، "ط)"(١).
[٣٣٢٩] (قولُهُ: بين كلامى "النهاية" و"الصَّدر") فإنَّ "صدرَ الشريعة"(٢) يقول: ((تكرهُ
الفائتةُ))، وصاحبَ "النهاية" يقول: ((لا تكرهُ)) كما في "شرح المصنّف"(٣)، "ح" (٤).
٣٣٣٠] (قولُهُ: عند إقامةِ صلاةٍ مكتوبةٍ) أطلَقَها مع أَنَّه قَّدَها في "الخانَّة "(٥) و"الخلاصة"(٦) -
وأقرَّهُ في "الفتح"(٧) وغيره من الشرَّح - بيوم الجمعة، وتِبِعَهم في "شرح المنية"(٨) وقال: ((وأمَّا في
غيرِ الجمعة فلا يكرهُ بمجرَّدِ الأخذِ بالإِقامة ما لم يشرعِ الإِمامُ في الصلاة، ويعلمْ أَنَّه
(قولُهُ: أطلَقَها مع أَنَّه قَيَّدَها في "الخانيّة" و"الخلاصة" إلخ) لكنْ على التقييدِ لا يظهرُ فائدةٌ لذكرٍ
هذه المسألة هنا لدخولها فيما قبلها، وأيضاً استثناءُ سنَّة الفجر إنما يناسبُ الإِطلاقَ، تأمَّل.
(١) "ط": كتاب الصلاة ١٨٢/١.
(٢) "شرح الوقاية": كتاب الصلاة ٣٦/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٣) انظر "المنح": كتاب الصلاة ١/ق ٢٩/أ.
(٤) "ح": كتاب الصلاة ق ٤٠/أ.
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل في مواقيت الصلاة ٧٤/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الرابع في المواقيت ق٢٢/ب.
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة ٢٠٩/١.
(٨) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الخامس: الوقت صـ٢٤٢ -.
الجزء الثاني
٥٥١
كتاب الصلاة
أي: إقامةِ إمامٍ مذهبه؛
يدركُهُ فِي الرَّكعة الأولى، وكان غيرَ مخالِطٍ للصفِّ بلا حائل، والفرقُ أَنَّه في الجمعة لكثرةٍ
الاجتماع لا يمكنُ غالباً بلا مخالطةٍ للصفِ)). اهـ ملخّصاً، وسيأتي(١) في باب إدراكِ الفريضة.
[٣٣٣١] (قولُهُ: أي: إقامةِ إمامٍ مذهبه) قال "الشارح" في هامش "الخزائن)(٢): ((نصَّ على هذا
مولانا "منلا علي" شيخ القرَّاء بالمسجد الحرام في "شرحه" على "لباب المناسك" (٣)) اهـ.
مطلبٌ في تكرارِ الجماعة والاقتداء بالمخالف
وهو مبنيٌّ على أَنَّه لا يكرهُ تكرارُ الجماعة في مسجدٍ واحدٍ، وسيذكرُ(٤) في الأذان - وكذا
في باب الإمامة(٥) - ما يخالفُهُ، وقد أَلَّفَ جماعةٌ من العلماء رسائلَ في كراهة ما يُفعَلُ في الحرمين
٢٥٢/١ الشريفين وغيرهما من تعدادِ الأئمَّة والجماعات، وصرَّحوا بأنَّ الصلاة مع أوَّلِ إمامٍ أفضلُ، ومنهم
صاحبُ "المنسك" المشهور العلاَّمةُ الشيخ "رحمةُ اللهِ السنديُّ"(٦) تلميذُ المحقّق "ابن الهمام"، فقد
نقَلَ عنه العلاَّمة "الخير الرمليُّ" في باب الإمامة: ((أَنَّ بعض مشايخنا سنةَ إحدى وخمسين
وخمسمائةٍ أنكَرَ ذلك، منهم الشريفُ "الغزنويُّ"، وأنَّ بعض المالكَّةِ في سنة خمسين وخمسمائةٍ
[١/ق٢٩٠/أ] أفتى بمنعِ ذلك على المذاهب الأربعة، ونقَلَ عن جماعةٍ من علماء المذاهب إنكارَ
ذلك أيضاً)) اهـ.
لكنْ أَلَّفَ العلاَّمة الشيخ "إبراهيم البيري" شارحُ "الأشباه" رسالةً سمَّاها "الأقوال
المرضية"(٧)، أَثْبَتَ فيها الجوازَ وكراهةَ الاقتداء بالمخالف؛ لأَنَّه - وإنْ راعى مواضعَ الخلاف -
(١) المقولة [٥٩٩٤] قوله: ((فإنّه إنْ خاف فوت ركعة إلخ)).
(٢) "الخزائن": كتاب الصلاة - فصل في الأوقات المكروهة ق ٧١/ب.
(٣) انظر "إرشاد الساري": فصل في ركعتي الطواف صـ١٠٧ -.
(٤) صـ ٦١٤ - "در".
(٥) ٥٠٣/٣ "در".
(٦) رحمة الله بن عبد الله بن إبرهيم السنديّ(ت٩٩٣هـ، وقيل: ٩٧٨). ("النور السافر" صـ ٤٣٩-، "الكواكب
السائرة" ١٥٢/٣، "شذرات الذهب" ٥٦٥/١٠، "هدية العارفين" ٣٦٦/١، "الأعلام" ١٩/٣).
(٧) لم تذكر كتب التراجم التي بين أيدينا هذه الرسالة للبيري، ورسائله نيّفت على سبعين رسالةٌ، انظر "هدية
العارفين" ٣٤/١.
قسم العبادات
٥٥٢
حاشية ابن عابدين
الحديث: ((إذا أُقيمَت الصلاةُ فلا صلاةَ إلاَّ المكتوبةُ)) (إلاَّ سنَّةَ فجرِ إنْ لم يَخَفْ
فوتَ جماعتِها).
لا يتركُ ما يلزمُ من تركه مكروهُ مذهبِهِ كالجهر بالبسملة، والتأمينِ، ورفعِ اليدين، وجلسةٍ
الاستراحة، والصلاةِ على النبي ◌ُ ﴿ّ في القعدة الأولى، ورؤيتهِ السلامَ الثانيَ سنّةً وغير ذلك مما تجبُ
فيه الإِعادةُ عندنا أو تستحبُّ، وكذا أَلَّفَ العلاَّمة الشيخ "علي القاري" رسالةً سمَّاها "الاهتداء في
الاقتداء"(١)، أثّبَتَ فيها الجوازَ، لكنْ نفى فيها كراهةَ الاقتداء بالمخالِفِ إذا راعى في الشُّروط
والأركان فقط، وسيأتي(٢) تمامُهُ إنْ شاء الله تعالى في باب الإمامة.
[٣٣٣٢) (قولُهُ: لحديثِ إلخ) رواه "مسلمٌ)(٣) وغيره، قال "ط"(٤): ((ويُستثنى من عمومه
الفائتةُ واجبةُ الترتيب، فإِنَّها تُصلَّى مع الإقامة)).
[٣٣٣٣] (قولُهُ: إِلَّ سنَّةَ فجرٍ) لِمَا رَوَى "الطحاويُّ" وغيره عن "ابن مسعودٍ": ((أَنّه دخلَ
المسجدَ وأقيمت الصلاةُ، فصلَّى ركعتيِ الفجرِ في المسجد إلى أُسطوانةٍ، وذلك بمحضرٍ "حذيفةً"
و "أبي موسى")، ومثلُهُ عن "عمر" و"آأبي الدرداء" و"ابن عباسٍ" و"ابن عمر" كما أسنَدَهُ الحافظ
"الطحاويُّ" في "شرح الآثار"(٥)، ومثلُهُ عن "الحسن" و"مسروقِ" و "الشعبيّ"، "شرح المنية" (٦).
(١) "الاهتداء في الاقتداء": للملا علي بن سلطان محمد، نور الدين القاري الهرويّ(ت١٠١٤هـ). ("إيضاح المكنون"
١٥١/١، "خلاصة الأثر" ١٨٥/٣، "التعليقات السنية" على "الفوائد البهية" صـ٨-).
(٢) المقولة [٤٧٦٦] قوله: ((إن تيقِّنَ المراعاة لا يكره إلخ)).
(٣) أخرجه أحمد ٤٥٥/٢، ومسلم (٧١٠) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع
المؤذن، وأبو داود (١٢٦٦) كتاب الصلاة - باب إذا أدرك الإمام ولم يصلِّ ركعتي الفجر، والترمذي (٤٢١) كتاب
أبواب الصلاة - باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وقال: حديث أبي هريرةڅته حديث حسن،
والنسائي ١١٦/٢-١١٧ كتاب الصلاة - باب ما جاء في ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) كلّهم عن أبي
هريرة رَّه مرفوعاً، وفي الباب عن أبي بُحَيْنَة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن سَرْجَس، وابن عباس، وأنس ◌ُ﴾.
(٤) "ط": كتاب الصلاة ١٨٢/١.
(٥) "شرح معاني الآثار": كتاب الصلاة - باب الرجل يدخل المسجد والإمام في صلاة الفجر ٣٧٤/١ وما بعدها بتصرف.
(٦) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الخامس: الوقت صـ٢٤٢- باختصار.
الجزء الثاني
٥٥٣
كتاب الصلاة
ولو بإدراكِ تشهُّدِها، فإنْ خافَ ترَكَها أصلاً، وما ذُكِرَ من الحِيَلِ مردودٌ، وكذا
يكرهُ غيرُ المكتوبة عند ضيق الوقت (وقبلَ صلاةِ العيدين.
[٣٣٣٤] (قولُهُ: ولو بإدراكِ تشهُّدِها) مشى في هذا على ما اعتمَدَهُ "المصنّف"
و "الشرنبلاليُ) (١) تبعاً لـ "البحر"(٢)، لكنْ ضعَّفَهُ في "النهر "(٣)، واختار ظاهرَ المذهب: ((من أَنَّه لا
يصلّي السنةَ إلاَّ إذا عِلِمَ أنَّه يدركُ ركعةً))، وسيأتي في باب إدراك الفريضة، "ح "(٤).
قلت: وسنذكرُ(٥) هناك تقويةً ما اعتمدَهُ "المصنّف" عن "ابن الهمام" وغيره.
[٣٣٣٥) (قولُهُ: ترَكَها أصلاً) أي: لا يقضيها قبل الطُّلوع ولا بعده؛ لأنّها لا تُقضَى إلاَّ مع
الفرض إذا فاتَ وقُضِيَ قبل زوالِ يومها، "ح"(٦).
[٣٣٣٦) (قولُهُ: وما ذُكِرَ من الحِيَلِ) وهي: أنْ يشرعَ فيها فيقطعَها قبل الطلوع، أو يشرعَ
فيها ثمَّ يشرعَ في الفرض من غيرِ قطعها، ثمَّ يقضيَها قبل الطلوع. وردُّهُ من وجهين:
الأَوَّلُ: أنَّ الأمر بالشُّروع للقطعِ قبيحٌ شرعاً، وفي كلٍّ منهما قطعٌ.
والثاني: [١/ق ٢٩٠/ب] أنَّ فيه فعلَ الواجب لغيره في وقتِ الفجر، وأنَّه مكروهٌ كما تقدَّمَ،
=
ح.
[٣٣٣٧] (قولُهُ: وكذا يكرهُ غيرُ المكتوبة) ((أل)) فيه للعهد، أي: المكتوبةِ الوقتيّةِ، فشمِلَت
الكراهةُ النفلَ والواجبَ والفائتةَ ولو كان بينها وبين الوقتَّةِ ترتيبٌ، وكذلك ((أل)) في ((الوقتٍ))
للعهد، أي: الوقتِ المعهودِ الكامل، وهو المستحبُّ لِما سيأتي(٨) في باب قضاء الفوائت
(١) "مراقي الفلاح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة صـ٤٤٥ -.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٩/٢.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة ق ٣٥/أ.
(٤) "ح": كتاب الصلاة ق ٤٠/أ.
(٥) المقولة [٥٩٨٣] قوله: ((لكن ضعّفه في "النهر")).
(٦) "ح": كتاب الصلاة ق ٤٠/أ.
(٧) "ح": كتاب الصلاة ق ٤٠/أ.
(٨) انظر المقولة [٦٠٥٣] قوله: ((إذا ضاق الوقت)).
قسم العبادات
٥٥٤
حاشية ابن عابدين
مطلقاً، وبعدَها بمسجدٍ لا بيتٍ) في الأصحِّ (وبين صلاتي الجمْعِ بعرفةَ ومزدلفةَ)
وكذا بعدَهما كما مرَّ (وعند مدافعةِ الأخبثين) أو أحدِهما، أو الرِّيحِ (ووقتَ
حضورِ طعامٍ.
من أنَّ الترتيب يسقُطُ بضيق الوقت المستحبِّ، ولو قال: وكذا يكرهُ غيرُ الوقتَّة عند ضيقِ الوقت
المستحبِّ لَكان أَولِى، أفاده "ح"(١).
(تنبيةٌ)
رأيتُ بخطّ "الشارح" في هامش "الخزائن)(٢): ((ولو تنفَّلَ ظاناً سعةَ الوقت، ثم ظهَرَ أَنَّه إنْ
أَتَّمَّ شفعاً يفوتُ الغرضُ لا يقطعُ، كما لو تنفَّلَ ثم خرَجَ الخطيب، كذا في آخر "شرح المنية"(٣))
اهـ. فتأمَّلْ.
[٣٣٣٨] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ كان في المسجد أو في البيت بقرينةِ التفصيل في مقابله،
_"(٤)
ح
[٣٣٣٩] (قولُهُ: في الأصحِّ) ردٌّ على مَنْ يقول: لا يكرهُ في البيت مطلقاً سواءٌ كان قبلها أو
بعدها، وعلى مَنْ يقول: لا يكرهُ بعدها مطلقاً سواءٌ كان في المسجد أو في البيت، "ح"(٥).
[٣٣٤٠] (قولُهُ: وبين صلاتي الجمْعِ) أي: جمْعِ العصر مع الظّهر تقديماً في عرفةَ، وجمعِ المغرب
مع العشاء تأخيراً في مزدلفةً.
[٣٣٤١] (قولُهُ: وكذا بعدَهُما) ضميرُ التثنية راجعٌ إلى صلاتي الجمع الكائنِ بعرفةً فقط لا
بمز دلفةَ أيضاً وإنْ أوهمَهُ كلامُهُ لعدم كراهةِ النفل بعد صلاتي الجمع بمز دلفةَ، ويدلُّ على أنَّ هذا
(١) "ح": كتاب الصلاة ق ٤٠ /أ - ب.
(٢) "الخزائن": كتاب الصلاة - فصل في الأوقات المكروهة ق ٧١/ب.
(٣) "شرح المنية الكبير": مسائل شتى صـ٦١٩ -.
(٤) "ح": كتاب الصلاة ق ٤٠/ب.
(٥) "ح": كتاب الصلاة ق ٤٠/ب.
الجزء الثاني
٥٥٥
كتاب الصلاة
تاقَتْ نفسُهُ إليه و) كذا كلُّ (ما يشغلُ بالَهُ عن أفعالِها.
مرادُهُ قولُهُ: ((كما مرَّ))(١)، أي: قريباً في قوله: ((ولو المجموعةَ بعرفةَ))، فلو قدَّمَ قوله: ((وكذا
بعدَهُما كما مرَّ)) على قوله: ((ومزدلفةَ)) لَسلِمَ من الإيهام، ولو أسقطَهُ أصلاً لَسلِمَ من التّكرار،
" ح"(٢). وذكَرَ "الرَّحمتيُّ" ما يفيدُ ثبوتَ الخلاف عندنا في كراهة التنفَّلِ بعد صلاتي المغرب والعشاء
في المزدلفة، لكنَّ الذي جزَمَ به في "شرح اللباب"(٣): ((أَنَّه يصلِّي سنةَ المغرب والعشاء والوترَ
بعدهما))، وقال: ((كما صرَّحَ به مولانا "عبدُ الرحمن الجامي" في "منسكه"(٤))، تأمَّلْ.
[٣٣٤٢] (قولُهُ: تاقتْ نفسُهُ إليه) أي: اشتاقتْ، "ح "(٥) عن "القاموس"(٦). وأفهَمَ أَنَّه إذا لم
تشتقْ إليه لا كراهةَ، وهو ظاهرٌ، "ط)"(٧).
(٣٣٤٣] (قولُهُ: وما يشغَلُ بالَهُ) بفتح الغين المعجمة، والبالُ: القلبُ، وهذا من عطفِ العامِّ
على [١/ق ٢٩١/أ] الخاصِّ لشموله للمدافعة وحضورِ الطعام، وإنما نصَّ عليهما لوقوعِ التنصيص
(قولُهُ: وذكَرَ "الرحمتيُّ" ما يفيدُ ثبوتَ الخلافِ عندنا إلخ) حيث قال: ((وأمَّا كراهةُ التنفُّل بعد
الجمع بالمزدلفةِ كما مشى عليه "الشارح" هنا فلأنَّ رسول الله :﴿ حَجَّ حجَّةً واحدةً مع اهتمامه
بالطاعات بحيث لا يستطيعُ أحدٌ ما يستطيعُهُ، وقد جُعِلَتْ قَرَّةُ عينه في الصلاة مع فضيلةِ الوقت والمكان،
والمنقولُ عنه مِ﴿ أَنَّه صلَّى العشاء واضطجَعَ إلى الفجر ولم يُصَلِّ بعد العشاء شيئاً، ولولا كراهةُ الصلاة
لَمَا تركَهُ، وعلى هذا جماعةٌ من الحنفيَّة والشافعيَّة، ومَن يقولُ بعدم الكراهة يقولُ: إنما ترَكَ القيامَ تخفيفاً
على أمَّتِهِ كما كان يحبُّ ذلك )) اهـ.
(١) صـ ٤ ٥٤ - "در".
(٢) "ح": كتاب الصلاة ق ٤٠/ب.
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب أحكام المزدلفة صـ ١٤٤ -.
(٤) "مناسك الحج": لأبي البركات عبد الرحمن بن أحمد بن محمد، نور الدين الشِّيْرازي المشهور بالجامي (ت٨٩٨هـ).
("كشف الظنون" ١٨٣١/٢، "الفوائد البهية" صـ ٨٦ -).
(٥) "ح": كتاب الصلاة ق ٤٠/ب.
(٦) "القاموس": مادة ((توق)).
(٧) "ط": كتاب الصلاة ١٨٢/١ بتصرف.
قسم العبادات
٥٥٦
حاشية ابن عابدين
ويُخِلُّ بخشوعها) كائناً ما كان، فهذه نّيِّفٌ وثلاثون وقتاً، ..
عليهما بخصوصهما في الأحاديث، أفاده في "الحلبة"(١)، فافهم.
[٣٣٤٤] (قولُهُ: ويُخِلُّ بخشوعها) عطفُ لازمٍ على ملزومٍ، فافهم. قال "ط) (٢): ((محلُّ
الخشوع القلبُ، وهو فرضٌ عند أهل الله تعالى، وورَدَ في الحديث: ((أنَّ الإنسان ليس له من
صلاِهِ إلَّ بقدْرِ ما استحضَرَ فيها، فتارةً يكون له عُشْرُها أو أقلُّ أو أكثرُ)(٣))).
مطلبٌ في إعرابٍ: كائناً ما كانَ
[٣٣٤٥] (قولُهُ: كائناً ما كانَ) في هذا التركيبِ أعاريبُ ذكرتُها في رسالتي المسمّاة
٢٥٣/١ بـ "الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة"(٤)، أظهرُها: أنَّ كائناً مصدرَ الناقصةِ(٥) حالٌ،
وفيه ضميرٌ يعودُ على الشَّاغل هو اسمُها، وما خبرُها، وهي نكرةٌ موصوفةٌ بكان التامَّةِ، أي:
حالَ كون الشَّاغل شيئاً متّصِفاً بصفةِ الوجود، والمعنى تعليقُ الكراهة على أيِّ شاغلٍ وُجِدَ، لا
بقیپٍ زائدٍ علی قیدِ الوجود.
[٣٣٤٦) (قولُهُ: فهذه نّيِّفٌ وثلاثون وقتاً) النِّفُ بفتح النون وكسرِ التحتيّة مشدَّدَةً، وقد
تخفّفُ، وفي آخره فاء: ما زاد على العِقْدِ إلى أنْ يبلُغَ العِقدَ الثاني كما في "القاموس" (٦)، والمرادُ هنا
ثلاثةٌ وثلاثون على ما يظهرُ، وهي: الشروقُ، الاستواءُ، الغروبُ، بعد صلاةٍ فجرٍ، أو عصرٍ،
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - الخامس: الوقت ٢/ ق ٣٢/ب.
(٢) "ط": كتاب الصلاة ١٨٣/١.
(٣) أخرجه الحافظ العراقي كما في "الإحياء" ٢٢٨/١، ٢٤١، ٣٢٤ وقال: غير مرفوع، وروى محمد بن نصر المروزي
في كتاب الصلاة، من رواية عثمان بن أبي دهرش مرسلاً ((لا يقبل الله من عبد عملاً حتى يشهد قلبه مع بدنه ))،
ورواه أبو منصور الديلمي في "الفردوس" من حديث أُبي بن كعب وإسناده ضعيف، وابنُ المبارك في "الزهد"
موقوفاً على عمار ه.
(٤) انظر مجموعة رسائل ابن عابدين: ٣٣٩/٢.
(٥) قوله: ((أَنَّ كائناً مصدر الناقصةِ إلخ)) هكذا بخطه، ولا يخفى ما في هذه العبارة من النظر، فتدبر. اهـ مصححه.
(٦) "القاموس": مادة ((نوف)).
الجزء الثاني
٥٥٧
كتاب الصلاة
وكذا تكرهُ في أماكنَ.
قبل صلاة فجرٍ، أو مغربٍ، عند الخطب العشرِ، عند إقامة مكتوبةٍ، وضيقِ وقتها، قبل صلاةِ عيدِ فطرِ،
وبعدها في مسجدٍ، وقبل صلاة عيدِ أضحى، وبعدها في مسجدٍ، بين صلاتيْ جمعٍ عرفةَ، وبعدهما،
بين جمعٍ مزدلفةً، عند مدافعةٍ بولٍ، أو غائطٍ، أو كلٍّ منهما، أو ربحٍ، عند طعامٍ يتوقُهُ، عند كلِّ ما
يشغَلُ البالَ، وما بعد نصفِ اللّيل لأداءِ العشاء لا غير، عند اشتباكِ نجومٍ لأداء المغرب فقط.
واعلمْ أَنَّا قدَّمنا (١) أنَّ النهيَ في الثلاثة الأُوَلِ لمعنىًّ في الوقت، ولهذا أثّرَ في الفرض والنفل،
وفي البواقي لمعنىً في غيره، ولهذا أثّر في النوافل دون الفرائض وما في معناها، وبه صرَّحَ في
"العناية"(٢) وغيرها، لكنَّ كون النهي في البواقي مؤثّراً في النوافل إنما يظهرُ إذا لم يتعلَّقْ بخصوص
صلاةِ الوقت كما في الأخيرين، فإنَّ [١/ق ٢٩١/ب] المكروه فيهما الصلاةُ الوقتيّةُ فقط دون
غيرها، فإنَّ في تأخير العشاء إلى ما بعد النصف تقليلَ الجماعة، وفي تأخيرِ المغرب إلى الاشتباك
تشبُّهاً باليهود كما صرَّحُوا به، وذلك خاصٌّ بهما، وقدَّمنا(٣) أنَّ الصحيح أَنَّه لا كراهةَ في الوقت
نفسِهِ، وأنَّ الأوجهَ - كما حقَّقَهُ في "البحر" تبعاً لـ "الحلبة" - ((كونُ الكراهة في كلِّ من التأخيرِ
والأداء، لا في التأخير فقط))، فافهم.
[٣٣٤٧] (قولُهُ: وكذا تكرهُ إلخ) لَمَّا ذكَرَ الكراهةَ في الزمان استطرَدَ ذِكْرَ الكراهةِ في المكان،
وإلاَّ فمحلٌّ ذلك مكروهاتُ الصلاة.
(قولُهُ: وفي البواقي لمعنىٍّ في غيرِهِ) قال العلاَّمة "السنديُّ": ((قلت: ولا يخفى أنَّ الصلاة - ولو فرضاً
- حالَ مدافعةِ الأخبثين أو الرِّيح أو حالَ حضورِ الطعام ونفسُهُ مشغولةٌ به مكروهةٌ مع أنَّها لمعنىٍّ في غيرِ
الوقت، فتنبّه )) اهـ.
(١) المقولة [٣٣٢٠] قوله: ((لشغل الوقت به)).
(٢) "العناية": كتاب الصلاة - فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة ٢٠٤/١ (هامش "فتح القدير").
(٣) المقولة [٣٢٨٨] قوله: ((فلا يكره فعله)).
قسم العبادات
٥٥٨
حاشية ابن عابدين
كفوقِ كعبةٍ، وفي طريقٍ، ومزبلةٍ، ومجزرةٍ، ومقبرةٍ،
[٣٣٤٨) (قولُهُ: كفوقِ كعبةٌٍ إلخ) أي: لِما فيه من تركِ تعظيمها المأمور به، وقوله: ((وفي
طريقٍ)) لأنَّ فيه منعَ الناس من المرور وشُغلَهُ بما ليس له؛ لأَنّها حقُّ العامَّة للمرور، ولِما رواه "ابنُ
ماجه" و "الترمذيُ)(١) عن "ابن عمر": أنَّ رسول اللـه ◌ُّ: «نهى أنْ يُصلَّى في سبعةِ مواطنَ: في
المزبلةِ، والمجزرةِ، والمقبرة، وقارعةِ الطريق، وفي الحمَّام، ومَعَاطنِ الإبل، وفوقَ ظهرِ بيت الله)) اهـ.
ومَعَاطنُ الإِبل: مَبَارِكُها، جمعُ مَعطَنٍ، اسمُ مكان.
والمزبلةُ بفتح الميم مع فتحِ الباء وضمِّها: مُلقَى الزّل.
والمجزرةُ بفتح الميمٍ مع فتحِ الزَّايِ وضمِّها أيضاً: موضعُ الجزارةٍ، أي: فعلِ الجزَّار، أي:
القصَّاب، "إمداد"(٢).
[٣٣٤٩) (قولُهُ: ومقبرةٍ) مثلَّثُ الباء، "ح"(٣). واخْتُلِفَ في عَلَّتِهِ، فقيل: لأنَّ فيها عظامَ الموتى
وصديدَهم، وهو نجسٌ، وفيه نظرٌ ، وقيل: لأنَّ أصل عبادة الأصنام اتّخاذُ قبورِ الصالحين مساجدَ،
؟ أقول: قد عقد الحديث العلامة نجم الدين الطَّرَسُوسِيّ في منظومته "الفوائد" فقال:
عن الصلاة في بقاع تُعْتَبَرْ
نهى الرسولُ أحمدُ خيرُ البشر
مزبلة طريق ثم مجزرة
معاطنُ الجِمال ثم مقبرَهْ
والحمد لله على التمام
وفوق بيت الله والحمّام
اه منه.
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٦) كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء في كراهية ما يصلى إليه وفيه، وقال: حديثُ ابنِ عمر
إسنادُهُ ليس بذاك القويّ، وأخرجه ابن ماجه (٧٤٦) كتاب المساجد - باب المواضع التي تكره فيها الصلاة، من
حديث ابن عمر ظلُّته، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣٨٣/١ كتاب الصلاة - باب الصلاة في أعطان الإبل،
وفي الباب عن أبي مرثد وجابر وأنسهگه.
(٢) "الإمداد": کتاب الصلاة ۔ فصل في المکروهات ق ١٩٠ /ب باختصار.
(٣) "ح": كتاب الصلاة ق ٤١/أ نقلاً عن "القاموس".
؟ قوله: ((وفيه نظر)) لعلَّ وجهه أنَّ الاستحالة عندنا مطهرة. اهـ منه