Indexed OCR Text

Pages 361-380

الجزء الثاني
٣٥٩
باب الأنجاس
إلاَّ دمَ شهيدٍ ما دام عليه، وما بَقِيَ في لحمٍ مهزولٍ، وعُروقٍ، وكبدٍ، وطحال، وقلبٍ، ..
B
ولفظُ الفتوى وإنْ كان اكدَ من لفظ الصحيح إلاَّ أنَّ القول الثانيَ هنا تأيَّدَ بكونه ظاهرَ
الرواية، فافهم. لكنْ تقدَّمَ(١) في فصل البئر أنَّ الأصحَّ أَنَّه لا يُنجِّسُهُ، وقد يقال: إنَّ الضرورة في
البئر متحقّقةٌ بخلاف الأواني؛ لأنّها تُخمَّرُ كما مرَّ(٢)، فتدبَّ.
[ ٢٨٧١] (قولُهُ: إلاَّ دمَ شهيدٍ) أي: ولو مسفوحاً كما اقتضاه كلامُهُ وكلامُ [١/ق ٢٤٣/ أ]
"البحر"(٣).
[٢٨٧٢] (قولُهُ: ما دامَ عليه) فلو حَمَلَهُ المصلّي جازت صلاته؛ إلاَّ إذا أصابَهُ منه؛ لأَنَّه زالَ عن
المكان الذي حُكِمَ بطهارته، "حموي" (٤). ونحوُهُ في "الحلبة "(٥).
(٢٨٧٣) (قولُهُ: وما بَقِيَ في لحمٍ إلخ) يُوهِمُ أنَّ هذه الدماءَ طاهرٌ ولو كانت مسفوحةً،
وليس بمرادٍ، فهي خارجةٌ بقيد المسفوح كما هو صريحُ كلام "البحر"(٦)، وأفادَهُ " ح"(٧)، وفي
"البزَّازِيَّةُ"(٨): ((وكذا الدمُ الباقي في عروقِ المذكَّاةِ بعد الذبح، وعن "الإمام الثاني": أَنَّه يُفسِدُ
الثوبَ إذا فَحُشرَ، ولا يُفسِدُ القِدْرَ للضرورة أو الأثر، فإنَّه كان يُرى في بُرْمَةِ (٩) "عائشة" رضي الله
عنها صُفْرةُ دمِ العُثُقَ(١٠)، والدُ الخارجُ من الكبد لو من غيره فنجسرٌ، وإنْ منه فطاهرٌ، وكذا الدمُ
الخارج من اللحم المهزول عند القطع إنْ منه فطاهرٌ، وإلاّ فلا، وكذا دمُ مطلقِ اللحم ودمُ القلب،
(١) صـ٣٧ - "در".
(٢) في هذه المقولة.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤١/١.
(٤) "غمز عيون البصائر": الفن الثاني - كتاب الطهارة ١٤/٢ بتصرف يسير.
(٥) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٤٣/ب.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤١/١.
(٧) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٩/أ.
(٨) "البزازية": كتاب الطهارة - فصل في النجس ٢١/٤ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٩) الْبُرْمَة: قِدْرٌ من حجارة. اهـ "القاموس "مادة ((برم)).
(١٠) لم نجده في المصادر التي بين أيدينا، وذكره الشروانيّ والعباديّ في حواشيهما ٢٩٣/١.

قسم العبادات
٣٦٠
حاشية ابن عابدين
وما لم يَسِلْ، ودمَ سمكٍ، وقملٍ، وبرغوثٍ، وبقٍّ، وزادَ في "السِّراج"(١):
((وكُتّانٍ))، وهي - كما في "القاموس" (٢) .:
قال "القاضي"(٣): الكبدُ والطحال طاهران قبل الغَسل، حتَّى لو طَلَى به وجهَ الخفِّ وصلَّى
به جاز)) اهـ.
[٢٨٧٤] (قولُهُ: وما لم يَسِلْ) أي: من بدنِ الإِنسان، "بحر "(٤). لكنْ في "حواشي
الحمويّ(٥): ((أنَّ التقييد بالإنسان اتّفاقيٌّ؛ لأنَّ الظاهر أنَّ غيره كذلك)).
[٢٨٧٥] (قولُهُ: ودمَ سمكٍ) لأَنّه ليس بدمٍ حقيقةً؛ لأَنَّه إذا يَسَ يَبْيَضُّ، والدمُ يَسوَدُّ، وشَمِلَ
السمكَ الكبير إذا سالَ منه شيءٌ في ظاهر الرواية، "بحر "(٦).
[٢٨٧٦) (قولُهُ: وقَمْلٍ وبُرغوثٍ وَبَقٍّ) أي: وإِنْ كَثُرَ، "بحر"(٧) و"منية (٨). وفيه تعريضٌ بما
عن بعض الشافعيّة أَنَّه لا يُعفَى عن الكثير منه، وشَمِلَ ما كان في البدن والثوب تعمَّدَ إصابتَهُ
أوْ لا. اهـ "حلبة"(٩).
وعليه فلو قتَلَ القملَ في ثوبه يُعفَى عنه، وتمامُهُ في "الحلبة" (١٠)، ولو ألقاه في زيتٍ ونحوِهِ لا
يُنجِّسُه؛ لِما مرَّ(١١) في كتاب الطهارة من أنَّ موت ما لا نفسَ له سائلةٌ في الإِناءِ لا يُنجِّسُهُ،
(١) "السِّراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ١١٠/أ.
(٢) "القاموس": مادة ((كتن)).
(٣) أي: قاضيخان، والمسألة في فتاواه - كتاب الطهارة - فصل في النجاسة ١٩/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤١/١.
(٥) "غمز عيون البصائر": الفن الثاني - كتاب الطهارة ١٥/٢.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٧/١ باختصار.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤١/١.
(٨) هذه العبارة ليست في شرحَي "المنية" الكبير والصغير للحلبي، وهي في "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من
الأنجاس ١/ق٣٣٦/ب.
(٩) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٣٦/ب، ٣٣٧/أ باختصار.
(١٠) انظر "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٣٧/أ.
(١١) المقولة [١٦٠٥] قوله: ((غير دموي)).

الجزء الثاني
٣٦١
باب الأنجاس
((كُرُمَّان: دُويبةٌ حمراءُ لسَّاعةٌ))، فالمستثنَى اثنا عشرَ، (وخمرٍ) وفي باقي الأشربة
رواياتُ الْتغليظِ والتخفيفِ والطهارةِ، ورجَّحَ في "البحر" الأوَّلَ، وَفي "النَّهر" الأوسطَ
(وخُرْءٍ) كلِّ طيرٍ.
وفي "الحلبة"(١): ((الْبُرْغوث بالضمِّ، والفتحُ قليلٌ)).
[٢٨٧٧] (قولُهُ: كُرُّمَّانِ) هو الثمرُ المعروف.
[٢٨٧٨) (قولُهُ: دُوَيَِّةٌ) بضمٍّ ففتحٍ فسكونٍ للياءِ المتّة وتشديدٍ للباء الموحَّدة: تصغيرُ دَّةٍ.
٢١٢/١
[٢٨٧٩] (قولُهُ: لَسَّاعةٌ) أي: شديدةُ اللَّسْعِ وهو العَضُّ، وتمامُّهُ في "ح"(٢).
[٢٨٨٠] (قولُهُ: وخمرٍ) هذا ما في عامَّة المتون، وفي "القُهُستانيِّ(٣) عن "فتاوى الديناريٍّ"(٤).
((قال الإِمامُ " خواهر زاده"(٥): الخمرُ تَمنَعُ الصلاةَ وإِنْ قَلَّتْ بخلاف سائر النجاسات)) اهـ.
[٢٨٨١) (قولُهُ: وفي باقي الأشربةِ) أي: المسكرةِ ولو نبيذاً على قول "محمَّدٍ" المفتى به،
"ط "(٦)
[٢٨٨٢] (قولُهُ: وفي "النهرِ"(٧) الأوسطَ) واستدلَّ بما في "المنية(٨): ((صلَّى وفي ثوبه دونَ
الكثير الفاحش من السَّكَرِ أو المنصَّف تُحزيه في الأصحّ))، قال "ح"(٩): ((وهو نصٌّ في التخفيف،
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٣٧/أ.
(٢) انظر "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٩/أ.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - النجاسات ٦٣/١.
(٤) فتاوى أبي نصر عبد الكريم بن يوسف بن محمد بن عباس، علاء الدين الدِّيناريّ(ت ٥٩٠هـ، وقيل: ٥٩٣هـ).
("الجواهر المضية" ٤٥٩/٢، "الفوائد البهية" ص ١٠١-، "هدية العارفين" ٦٠٩/١).
(٥) أبو بكر محمد بن الحسين بن محمد، شيخ الإسلام المعروف ببكر خَوَاهَرْ زاده القَدَيْدِيّ البخاريّ(ت٤٨٣ هـ).
("الجواهر المضية" ١٤١/٣، "الفوائد البهية" صـ ١٦٣-).
(٦) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٦٠/١.
(٧) "النهر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٣٠/ب.
(٨) هي "منية المفتي" كما في "النهر".
(٩) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٩/أ.

قسم العبادات
٣٦٢
حاشية ابن عابدين
لا يَذْرُقُ في الهواء كبطٍ" أهلي
فكان هو الحقَّ؛ لأنَّ فيه [١/ق ٢٤٣/ب] الرُّجوعَ إلى الفرع المنصوص في المذهب، وأمَّا ترجيحُ
صاحب "البحر"(١) فبحثٌ منه)) اهـ.
قلت: لكنْ في "القُهُستانيّ"(٢): ((وأمَّ سوى الخمرِ من الأشربة المحرَّمة فغليظةٌ في ظاهرٍ
الرواية خفيفةٌ على قياس قولهما)) اهـ.
فأفادَ أنَّ التخفيف مبنيٌّ على قولهما، أي: لثبوتِ اختلاف الأئمّة، فإنَّ السَّكَرَ والمنصَّفَ -
وهو الباذِقُ - قال بكلِّهما الإِمامُ "الأوزاعيُّ".
ويظهرُ لي التوفيق بين الرواياتِ الثلاث بأنَّ رواية التغليظِ على قول "الإِمام"، وروايةً
التخفيف على قولهما، وروايةَ الطهارة خاصَّةٌ بالأشربةِ المباحةِ، وينبغي ترجيحُ التغليظ في الجميع،
يدلُّ عليه ما في "غرر الأفكار"(٣) من كتاب الأشربة حيث قال: ((وهذه الأشربةُ عند "محمَّدٍ"
ومُوافِقِيه كخمرٍ بلا تفاوتٍ في الأحكام، وبهذا يُفْتَى في زماننا)) اهـ. فقولُهُ: ((بلا تفاوتٍ في
الأحكام)) يقتضي أنَّها مغلَّظةٌ، فتدبّر.
[٢٨٨٣] (قولُهُ: لا يَذْرُقُ) بالذال المعجمة أو بالزاي، "ح"(٤) عن "القاموس" (٥).
[٢٨٨٤] (قولُهُ: كَبَطٌّ أهليِّ) أمَّا إنْ كان يطيرُ ولا يعيشُ بين الناس فكالحمامة، "بحر "(٦) عن
"البَّازِيَّةِ"(٧). وجعلُهُ كالحمامة موافقٌ لروايةِ "الكرخيِّ" كما يأتي(٨).
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤١/١.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - النجاسات ٦٣/١ بتصرف يسير.
(٣) "غرر الأذكار": ق ٢٥٢/ب.
(٤) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٩/ب.
(٥) "القاموس": مادة((ذرق)).
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤١/١.
(٧) "البزازية": كتاب الطهارة - فصل في النجس ٢٤/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) المقولة [٢٨٨٨] قوله: ((وإلا فمخفف)).

الجزء الثاني
٣٦٣
باب الأنجاس
و(دجاجٍ) أمَّا ما يَذْرُقُ فيه فإنْ مأكولاً فظاهرٌ، وإلاَّ فمخفَّفٌ (ورَوْثٍ وخِثْىٍ) أفادَ
بهما نجاسةَ خرءٍ كلِّ حيوانٍ غيرِ الطيور، وقالا: مخفّفةٌ».
[٢٨٨٥] (قولُهُ: ودَجاجٍ) بتثليثِ الدال، يقعُ على الذكر والأنثى، "حلبة"(١).
[٢٨٨٦) (قولُهُ: فإنْ مأكولاً) كحمامٍ وعصفورٍ.
[٢٨٨٧] (قولُهُ: فطاهرٌ) وقيل: معفوٌّ عنه لو قليلاً لعموم البلوى، والأوَّلُ أشبهُ، وهو ظاهرُ
"البدائع"(٢) و "الخانَّة"(٣)، "حلبة"(٤).
[٢٨٨٨] (قولُهُ: وإلاَّ فمخفَّفٌ) أي: وإلاَّ يكنْ مأكولاً كالصقر والبازي والحِدَّأةِ فهو نجسٌ
مُخفَّفٌ عنده مغلّظٌ عندهما، وهذه روايةُ "الهندوانيِّ"، ورَوَى "الكرخيُّ": ((أَنَّه طاهرٌ عندهما
مغلّظٌ عند "محمّدٍ"))، وتمامُهُ في "البحر"(٥)، ويأتي(٦).
[٢٨٨٩) (قولُهُ: وَرَوْثٍ وخِنْىٍ) قدَّنا (٧) في فصل البر أنَّ الرَّثَ للفرسِ والبغلِ والحمارِ، والخِّيَ
بكسرٍ فسكون للبقر والفيل، والبعرَ للإبل والغنم، والخرءَ للطيور، والنَّجْوَ للكلب، والعَذِرةَ للإنسان.
[٢٨٩٠] (قولُهُ: أفادَ بهما نجاسةَ خرٍ كلٍّ حيوانٍ) أرادَ بالنجاسة المغلّظةَ؛ لأنَّ الكلام فيها،
ولانصرافِ الإطلاق إليها كما يأتي(٨)، ولقوله: ((وقالا: مخفَّةٌ))، وأرادَ بالحيوان ما له رَوْثٌ أو
خِنْيٌ، أي: سواءٌ كان مأكولاً كالفرس والبقر أوْ لا كالحمار، وإلاَّ فخُرُءُ الآدميِّ وسباعِ البهائم
متّفقٌ على تغليظه كما في "الفتح"(٩) و"البحر"(١٠) وغيرهما، فافهم.
(١) "الحلبة": فصل في النجاسة ١/ق ٢٦٢/أ.
(٢) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الطهارة الحقيقية ٦٢/١.
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يقع في البئر ١٠/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٤) "الحلبة": فصل في النجاسة ١/ق ٢٦٤/ب ـ ٢٦٥/أ.
(٥) انظر "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٦/١.
(٦) المقولة [٢٩٠٤] قوله: ((وصحح)).
(٧) المقولة [١٩٣٧] قوله: ((وبعرتي إبل وغنم)).
(٨) المقولة [٢٨٩٥] قوله: ((ثم متى أطلقوا النجاسة إلخ)).
(٩) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٨/١.
(١٠) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٢/١.

٠
قسم العبادات
٣٦٤
حاشية ابن عابدين
وفي "الشرنبلاليّة": ((قولُهما أظهرُ، وطهَّرَهما "محمَّدٌ" آخراً للبلوى، وبه قال "مالكٌ")).
(ولو أصابَهُ من) نجاسةٍ (غليظةٍ و) نجاسةٍ (خفيفةٍ جُعِلَت الخفيفةُ تبعاً للغليظة)
احتياطاً كما في "الظهيريَّة"،
[٢٨٩١] (قولُهُ: وفي "الشرنبلاليَّة"(١) إلخ) عزاه فيها إلى [١/ق٢٤٤/ أ] "مواهب الرحمن"،
لكنْ في "النكت" العلاَّمة "قاسمِ": ((أنَّ قول "الإِمام" بالتغليظ رجَّحَهُ في "المبسوط" (٢) وغيره))
اهـ. ولذا جرى عليه أصحابُ المتون.
[٢٨٩٢] (قولُهُ: وطهَّرَهما "محمَّدٌ" آخِراً) أي: في آخرِ أمرِهِ حين دخَلَ الرَّيَّ مع الخليفة،
ورأى بلوى الناسِ مِن امتلاء الطرق والخانات بها، وقاسَ المشايخ على قوله هذا طينَ بُخارى،
"فتح "(٣).
[٢٨٩٣] (قولُهُ: وبه قال "مالكٌ") فيه أنّه يقولُ: ما أُكِلَ لحَمُهُ فبولُهُ ورجيعُه طاهرٌ فقط، فلا
يقولُ بطهارةِ روث الحمار، "ط"(٤).
[٢٨٩٤] (قولُهُ: كما في "الظهيريَّة")(٥) ونصُّها - على ما في "البحر "(٦) -: ((وإنْ أصابَهُ بولُ
الشَّة وبولُ الآدميِّ تُجعَلُ الخفيفة تبعاً للغليظة)) اهـ. وظاهرُهُ: ولو الخفيفةُ أكثرَ من الغليظة كما
قالَهُ "ط" (٧).
قلت: لكنْ في "القُهُستَانِ)(٨): ((تُحمَعُ النجاسةُ المتفرِّقة، فُتُجعَلُ الخفيفةُ غليظةً إذا كانت
نصفاً أو أقلّ من الغليظة كما في "المنية")) اهـ.
(١) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - باب تطهير الأنجاس ٤٧/١ بتصرف (هامش"الدرر والغرر").
(٢) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الوضوء والغسل ٦٠/١.
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٩/١.
(٤) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٦٠/١.
(٥) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الثاني في أحكام الماء المستعمل - الفصل الثالث ق ٥/ب.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٧/١.
(٧) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٦٠/١.
(٨) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - النجاسات ٦٣/١.

الجزء الثاني
٣٦٥
باب الأنجاس
ثم متى أطلقوا النحاسةَ فظاهرُه التغليظُ.
(وعُفِيَ ..
ونحوُهُ ما في "القنية"(١): ((نصفُ النجاسةِ الخفيفة ونصفُ الغليظة يُجمَعان)) اهـ.
ويمكنُ أن يقال: معنى الأوَّلِ أَنَّه إذا اختلَطَت الخفيفةُ بالغليظة جُعِلَتْ تبعاً للغليظة، فإذا
زادَتْ على الدرهم منَعَت الصلاةَ، كما لو اختلَطَت الغليظةُ بماءٍ ظاهرٍ، ومعنى الثاني أَنَّه إذا كان
كلٌّ منهما في موضعٍ، ولم يَبلُغْ كلٌّ منهما بانفرادِهِ القَدْرَ المانعَ فُتُرجَّحُ الغليظةُ لو كانت أكثرَ أو
مُساوِيةً للخفيفة، فإذا زادَ مجموعُهما على الدرهم منَعَ، ولو كانت الخفيفةُ أكثرَ ترجَّحَتْ، فإذا بلَغَ
مجموعُهما ربعَ الثوب منَعَ.
والحاصلُ: أَنَّه إن اختَلَطا تُرجَّحُ الغليظة مطلقً، وإلاّ فإنْ تساويا أو زادت الغليظةُ فكذلك،
وإلاَّ تُرجَّحُ الخفيفةُ، فاغتنم هذا التحریر.
[٢٨٩٥] (قولُهُ: ثمَّ متى أطلقوا النجاسةَ إلخ) أي: كإطلاقهم النجاسةَ في الأسآرِ النجسة، وفي
جلدِ الحَيَّة وإنْ كانت مذبوحةً؛ لأنَّ جلدها لا يَحمِلُ الدباغةَ. اهـ "بحر"(٢).
(٢٨٩٦] (قولُهُ: فظاهرُهُ التغليظُ) هو لصاحب "البحر"(٣) حيث قال: ((والظاهرُ أَنَّها مغلّظةٌ،
وأنّها المرادةُ عند إطلاقهم)) (٤).
(١) "القنية": كتاب الطهارة - باب في الأعيان النجسة وأحكامها ق٥/ب.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٣/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٣/١.
(٤) في "د"زيادة: ((قال في "البحر": ولم يصرِّح "المصنف" بما يثبت به التغليظ والتخفيف، وفيه اختلافٌ: فعن أبي حنيفة:
التخفيف والتغليظ تعارض النصين وعدُمُه، وقالا: بالاختلاف وعدمه، كذا في "المجمع". وحاصلُهُ أنّه إن ورد نصٌّ واحد
بنجاسة شيء فهو مغلّظ، وإن تعارض نصَّان في طهارته ونجاسته فهو مخفّف عنده، وعندهما إن اتفق العلماء على النجاسة
فهو مغلّظ، وإن اختلفوا فهو مخفف، هكذا تواردت كلمتهم، وزاد في "الاختيار" في تفسير الغليظة عنده: ((ولا حرج في
اجتنابه ))، وفي تفسيرها عندهما: ((ولا بلوى في إصابته)) فظهر به أنَّ عنده كما يكون التخفيف بالتعارض يكون
بعموم البلوى إلى جنس المكلفين، وإن ورد نص واحد في نجاسته من غير معارض، وكذا عندهما كما يكون التحقيق
بالاختلاف يكون أيضاً بعموم البلوى في إصابته، والله أعلم. اهـ )).

قسم العبادات
٣٦٦
حاشية ابن عابدين
١۵(١).
دونُ ربعٍ) جميعٍ بدنٍ و(ثوبٍ) ولو كبيراً، هو المختارُ، ذكرَهُ "الحلبيُّ"
، .
[٢٨٩٧] (قولُهُ: دونُ) بالرفع نائبُ فاعلِ ((عُفِيَ)).
[٢٨٩٨) (قولُهُ: وثوبٍ) أي: ونحوِهِ كالخفِّ، فإنّه يُعتَبَرُ فيه قدْرُ الربع، والمرادُ ربعُ (٢) ما دون
الكعبين لا ما فوقهما؛ لأَنَّه زائدٌ على الخفِّ. اهـ "خانيَّة"(٣).
[٢٨٩٩] (قولُهُ: ولو كبيراً إلخ) اعلم أنَّهم اختلفوا في كيفيَّةِ اعتبار الربع على ثلاثةِ أقوالٍ:
٢١٣/١ فقيل: ربعُ طرفٍ أصابتْهُ النجاسة كالذيلِ والكمِّ و [١/ق٢٤٤/ب] الدِّخريصٌ إنْ كان المصابُ
ثوباً، وربعُ العضوِ المصاب كاليد والرجل إنْ كان بدناً، وصحَّحَهُ في "التحفة"(٤) و"المحيط"
و "المحتبى" و"السِّراج)"(٥)، وفي "الحقائق": ((وعليه الفتوى))، وقيل: ربعُ جميع الثوب والبدن،
وصحَّحَهُ في "المبسوط"(٦)، وهو ما ذكَرَهُ "الشارح"، وقيل(٧): ربعُ أدنى ثوبٍ تجوزُ فيه الصلاة
كالميزرِ، قال "الأقطع"(٨): ((وهذا أصحُّ ما رُوِيَ فيه)) اهـ. لكنّه قاصرٌ على الثوبِ.
فقد اختلَفَ التصحيحُ كما ترى، لكنْ تَرجَّحَ الأوَّلُ بأنَّ الفتوى عليه، ووقَّقَ في "الفتح" (٩)
(قولَهُ: والمرادُ ربعُ ما دون الكعبين لا ما فوقهما إلخ) الظاهرُ أنَّ اعتبار قدر الربع مما دون الكعبين
إنما هو على مقابلِ القول باعتبار ربعٍ جميع الثوب ولو كبيراً، تأمَّل.
(١) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الأسار صـ١٧٦ -.
(٢) ((والمراد ربع)) ساقطة من "آ".
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٦/١ بتصرف يسير (هامش"الفتاوى الهندية").
* قوله: ((والدِّخْريص)) هو بكسر الدال المهملة وسكون الخاء المعجمة وبالصاد المهملة قيل: معرّب، وقيل: عربيّ، وهو
عند العرب البَنِيْقَةٌ والدِّخْرص والدِّخروصة لغة [عبارة "المصباح": الدِّخْرِصَةَ] والجمع دخارص [عبارة "المصباح":
دَخَارِيْص ] كما في "المصباح". اهـ من شرح الشيخ إسماعيل. اهـ منه.
(٤) "تحفة الفقهاء": كتاب الطهارة ٦٥/١.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١١٢/ب.
(٦) "المبسوط": كتاب الطهارة - باب الوضوء والغسل ٥٥/١.
(٧) هذا القول رواية عن الإمام أبي حنيفة، كما في "البحر".
(٨) أبو نصر أحمد بن محمد بن محمد الأقطع البغدادي(ت ٤٧٤ هـ). ("الجواهر المضية"٣١١/١، "تاج التراجم" صـ٢٦-).
(٩) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٨/١ بتصرف.

الجزء الثاني
٣٦٧
باب الأنجاس
ورجَّحَهُ في "النهر" على التقدير بربعِ المصاب كيدٍ وكمٍّ وإن قال في "الحقائق"(١):
((وعليه الفتوى)) (من) نجاسةٍ (مخفّفةٍ كبولِ مأكولٍ).
بين الأخيرين: ((بأنَّ المراد اعتبارُ ربع الثوب الذي هو عليه سواءٌ كان ساتراً لجميعِ البدن أو أدنى
ما تجوزُ فيه الصلاة)) اهـ. وهو حسنٌ جدًّاً، ولم يَنقُلِ القولَ الأَوَّلَ أصلاً، "بحر "(٢).
[٢٩٠٠] (قولُهُ: ورجَّحَهُ في "النهر")(٣) أي: ((بأنَّ ظاهرُ كلام "الكنز"، وبتصحيحِ "المبسوط"(٤) له،
وبأنَّ المانع هو الكثيرُ الفاحش، ولا شكَّ أنَّ ربع المصاب ليس كثيراً فضلاً عن أنْ يكون فاحشاً)) اهـ.
أقولُ: تصحيحُ "المبسوط" مُعارَضٌ بتصحيحٍ غيره، والمرادُ بالكثيرِ الفاحشِ ما كُثُرَ بالنسبة إلى
المصاب، فربعُ الثوب كثيرٌ بالنسبة إلى الثوب، وربعُ الذيل أو الكمِّ مثلاً كثيرٌ بالنسبة إلى الذيل أو
الكمِّ، وكذا ربعُ أدنى ثوبٍ تجوزُ فيه الصلاة كثيرٌ بالنسبة إليه كما صرَّحَ بذلك في "الفتح"(٥).
[٢٩٠١] (قولُهُ: وإنْ قال إلخ) فيه نظرٌ؛ لأنَّ لفظ الفتوى أكدُ من لفظِ الأصحِّ ونحوه،
"منح"(٦). ومُفادُه ترجيحُ القول بربع المصاب، وهو مُفادُ ما مرَّ(٧) عن "البحر"، لكن اعترضَهُ "الخيرُ
الرمليُّ": ((بأنَّ هذا القولَ يُؤدِّي إلى التشديد لا إلى التخفيف، فإنَّه قد لا يبلُغُ ربعُ المصاب
الدرهمَ، فيلزمُ جعلُهُ مانعاً في المخفَّقة مع أنَّه معفوٌّ عنه في المغلّطة؛ إذ لو كان المصابُ الأُنْمُلةَ من
البدن يلزمُ القول بمنعٍ ربعها على القول يمنع ربع المصاب)) اهـ.
وفيه نظرٌ؛ لأنَّ مقتضى قولهم: كاليدِ والرِّجْلِ اعتبارُ كلٍّ من اليدِ والرِّجْل بتمامه عضواً
واحداً، فلا يلزمُ ما قالَ، تأمَّل.
(١) "حقائق المنظومة": كتاب الصلاة ١/ق ١٢/أ.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٥/١ - ٢٤٦ بتصرف يسير.
(٣) "النهر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٣٠/ب.
(٤) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الوضوء والغسل ٥٥/١.
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٨/١.
(٦) "المنح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ٢٥/ب.
(٧) المقولة [٢٨٩٩] قوله: ((ولو كبيراً إلخ)).

قسم العبادات
٣٦٨
حاشية ابن عابدين
ومنه الفرسُ، وطهَّرَهُ "محمَّدٌ" (وخُرْءٍ طيرٍ) من السِّباع أو غيرِها (غيرِ مأكولٍ)
وقيل: طاهرٌ، وصُحِّحَ، ثم الخفّةُ إنما تظهرُ في غيرِ الماء، فليحفظ
[٢٩٠٢] (قولُهُ: ومنه الفَرَسُ) أي: من المأكولِ، وإنما نَبََّ عليه لئلاّ يُتوهَّمَ أَنَّه داخلٌ في غير
المأكول عند "الإِمام" فيكونَ مغلَّظاً؛ لأنَّ "الإِمام" إنما كَرَّهَ لحمَهُ تنزيهاً أو تحريماً على اختلاف
التصحيح لأَنّه آلةُ الجهاد، لا لأنَّ لحمه نحسٌ بدليل أنَّ سؤره طاهرٌ اتّفاقً كما في "البحر"(١).
[٢٩٠٣] (قولُهُ: وطهَّرَهُ "محمَّد١ٌ) الضميرُ لبولِ المأكول [١/ق٢٤٥/أ] الشاملِ للفرس،
"ح"(٢).
(٢٩٠٤] (قولُهُ: وصُحِّحَ) صحَّحَهُ في "المبسوط ) (٣) وغيره، وهو روايةُ "الكرخيِّ" كما مرَّ(٤)،
ورَوَى "الهندوانيُّ" النجاسةَ، وصحَّحَهُ "الزيلعيُّ))(٥) وغيره، قال في "البحر"(٦): ((والأَولى اعتمادُهُ
لموافقته للمتون، ولذا قال في "الحلبة"(٧): إنَّه أوجهُ)).
[٢٩٠٥] (قولُهُ: ثمَّ الِفَّةُ إنما تَظهَرُ في غيرِ الماء) اقتصَرَ في "الكافي(٨) على ظهورِها في الثياب،
قال في "البحر"(٤): ((والبدنُ كالثياب))، فلذا عمَّمَ "الشارحُ"، لكنَّ الظاهر من كلام "الكافي"
الاحترازُ عن المائعات لا عن خصوص الماء.
والحاصلُ: أنَّ المائع متى أصابَتْهُ نجاسةٌ خفيفةٌ أو غليظةٌ - وإِنْ قَلَّتْ - تنجَّسَ، ولا يُعتبرُ فيه
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٦/١ باختصار.
(٢) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ٢٩/ب.
(٣) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الوضوء والغسل ٥٧/١.
(٤) المقولة [٢٨٨٨] قوله: ((وإلا فمخفف)).
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٧٤/١.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأنجاس ٢٤٧/١.
(٧) "الحلبة": فصل في النجاسة ١/ق ٢٦٣/أ.
(٨) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١٨/ب.
(٩) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤١/١.

الجزء الثاني
٣٦٩
باب الأنجاس
(و) عُفِيَ (دمُ سمكٍ ولعابُ بغلٍ وحمارٍ) والمذهبُ طهارتُها (وبولٌ انْتَضَحَ.
ربعٌ ولا درهمٌ، نعم تظهرُ الخَفَّةُ فيما إذا أصابَ هذا المائعُ ثوباً أو بدناً فُيُعتَبَرُ فيه الربعُ كما أفادَهُ
"الرحمنيُّ"، واستثنى "ح"(١) خرءَ طيرٍ لا يُؤْكَلُ بالنسبة إلى البئر، فإنَّه لا يُنجِّسُها لتعدُّرِ صونها عنه
كما تقدَّمَ(٢) في البئر.
[٢٩٠٦] (قولُهُ: وعُفِيَ دمُ سمكٍ) صرَّحَ بالفعل إشارةً إلى أنَّ قول "المصنّف": ((ودُ سمكٍ
إلخ)) معطوفٌ على قوله: ((دونُ ربعٍ ثوبٍ)).
[٢٩٠٧) (قولُهُ: والمذهبُ طهارتُها) إنما قال ذلك لأنَّ المتن يقتضي نجاستها بناءً على ما رُوِيَ
عن "أبي يوسف" من نجاسةِ دم السمك الكبير نجاسةً غليظةً، وسؤرِ الحمارِ والبغلِ نجاسةً خفيفةً
كما ذكَرَهُ في هامش "الخزائن"(٣)، والمذهبُ أنَّ دم السمكِ طاهرٌ؛ لأَنَّه دمٌ صورةً لا حقيقةً، وأنَّ
سؤر هذين طاهرٌ قطعاً، والشكُّ في طهوريَّتِهِ، فيكونُ لعابُهما طاهراً.
[٢٩٠٨) (قولُهُ: وبولٌ انْتَضَحَ) أي: ترشَّشَ، وشَمِلَ بولَهُ وبولَ غيره، "بحر "(٤). وكالبول الدمُ
على ثوبِ القصَّاب، "حلبة"(٥) عن "الحاوي القدسيِّ"(٦)، وظاهرُ التقييد بالقصَّاب - أي: اللخَّامِ -
أَنَّه لا يُعْفَى عنه في ثوبٍ غيرِ القصَّاب؛ لأنَّ العَلَّةَ الضرورةُ، ولا ضرورةَ لغيره، وتأمَّلْهُ مع قول
"البحر" المارّ(٧): ((وشَمِلَ بولَهُ وبولَ غيره)).
(قولُهُ: لأنَّ المتن يقتضي نجاستَها بناءً إلخ) قال "السنديُّ": ((التعبيرُ بالعفو لصورةِ النجاسة في دم
السمك، ولتولّدِ اللعاب من اللحم النجس، ولعدم الاتّفاق على طهارتها وإنْ كانت هي المذهبَ)) اهـ.
(١) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٢٩/ب.
(٢) المقولة [١٩٣٣] قوله: ((لتعذر صونها )).
(٣) "الخزائن": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ١٦٠/ب.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٧/١ - ٢٤٨.
(٥) "الحلبة": فصل في الأسآر ١/ ق ٣٠٦/ب.
(٦) "الحاوي القدسي": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٩/ب.
(٧) في هذه المقولة.

قسم العبادات
٣٧٠
حاشية ابن عابدين
كرؤوسِ إِبٍ) وكذا جانبُها الآخرُ وإنْ كثُرَ بإصابةِ الماء للضَّرورة، لكنْ لو وقَعَ في
ماء قليل.
٠
[٢٩٠٩) (قولُهُ: كرؤوسِ إِبَرِ) بكسرِ الهمزة: جمعُ إبرةٍ، احترازٌ عن المِسَلَّةِ، كما في "شرح
المنية"(١) و"الفتح"(٢).
[٢٩١٠] (قولُهُ: وكذا جانبُها الآخرُ) أي: خلافاً لـ "أبي جعفر" الهندوانيِّ، حيث منَعَ بالجانب
الآخر، وغيرُهُ من المشايخ قالوا: لا يُعتبرُ الجانبان، واختارَهُ في "الكافي"(٢)، "حلبة" (٤). فرؤوسُ الإِبر
تمثيلٌ للتقليل كما في "القُهُستانيِّ (٥) عن "الطلبة"(٦)، لكنْ فيه أيضاً عن "الكرمانيّ": ((أنَّ هذا ما
لم يُرَ على الثوب، وإلاّ وجَبَ غَسُهُ إذا صار بالجمع أكثرَ من قدر الدرهم)) اهـ.
مطلبٌ: إذا صرَّحَ بعضُ الأئمَّةِ بقيدٍ لم يُصرِّح غيرُهُ بخلافه وجَبَ اتّباعُهُ
وكذا نَّهَ عليه في "شرح المنية(٧) فقال: ((والتقييدُ بعدم إدراكِ الطَّرْف ذكَرَهُ "المعَلَّى" في
"نوادره"(٨) عن "أبي يوسف"، وإذا [١/ق ٢٤٥/ب] صرَّحَ بعضُ الأئمّة بقيدٍ لم يَرِدْ عن غيره
منهم تصريحٌ بخلافه يجبُ أنْ يُعتبَرَ، سَّما والموضعُ موضعُ احتياطٍ، ولا حَرَجَ في التحرُّزِ عن مثله،
بخلاف ما لا يُرَى كما في أثرٍ أَرجُلِ الذباب، فإنَّ في التحرُّزِ عنه حَرَجاً ظاهراً)) اهـ.
(١) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٧٩ -.
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٨٣/١.
(٣) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١٩/أ.
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٢٠/ب.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - النجاسات ٦٤/١.
(٦) "طِلْبَةُ الطَّلَبَة": لأبي حفص عمر بن محمد، نجم الدين النسفيّ(ت٥٣٧ هـ). ("كشف الظنون"١١٤/٢، "الجواهر
المضية"٦٥٩/٢) وذكر صاحب "الجواهر المضية" أيضاً في "الكنى" في ترجمة أبي اليسر البزدوي ٩٨/٤ أن "طلبة الطلبة" الركن
الأئمة عبد الكريم بن محمد بن أحمد الصباغيّ المدينيّ، والله تعالى أعلم. وانظر "الفوائد البهية" ص ١٠١، ١٥٠ -.
(٧) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١٧٩ -١٨٠ باختصار.
(٨) "النوادر": لأبي يعلى - وقيل: أبو يحيى - معَلَّى بن منصور الرازيّ(ت٢١١هـ). ("كشف الظنون"١٩٨٠/٢، "الجواهر
المضية" ٤٩٢/٣، "الفوائد البهية" صـ٢١٥-، "هدية العارفين" ٤٦٦/٢).

الجزء الثاني
٣٧١
باب الأنجاس
أقولُ: الذي يظهرُ لي أنَّ هذا التقييد موافقٌ لقول "الهندوانيِّ"، وقد علمتَ تصريح غيره من
المشايخ بخلافه؛ لأنَّ مقدار الجانبِ الآخرِ من الإبرة يدركُهُ الطَّرْفُ، ثمَّ رأيتُ في "الحلبة"(١) ذكَرَ:
((أنَّ ما في "غاية البيان": من أنَّ التقييد برؤوس الإِبرِ احترازٌ عن رؤوس المسالِّ هو بما عن
"الهندوانيّ " أشبهُ، ولعلَّهُ المرادُ بما في "نوادر المعلّى")) اهـ. وهذا عينُ ما فهمتُهُ، ولله الحمد.
٢١٤/١
والحاصلُ: أنَّ في المسألة قولين مبنيًّين على الاختلافِ في المراد من قول "محمَّدٍ": كرؤوس
الإِبر:
أحدُهما: أَنَّه قيدٌ احترَزَ به عن رأسِها من الجانب الآخر وعن رؤوس المسالِّ، ويؤيِّدُهُ روايةُ
"المعَلَّى" عن "أبي يوسف" من التقييد بما لا يُدرِكُه الطَّرْفُ.
ثانيهما: أنَّه غيرُ قيدٍ، وإنما هو تمثيلٌ للتقليل، فُعفَى عنه سواءٌ كان مقدارَ رأسِها من جانبٍ
الخرزِ أو من جانبِ الثقب، ومثلُهُ ما كان كرأسِ المسلَّة. وقد علمتَ أنّه في "الكافي" اختارَ القول
الثانيَ، ولكنَّ ظاهر المتون والشروح اختيارُ الأوَّلِ؛ لأنَّ العَلَّة الضرورةُ قياساً على ما عمَّتْ به
البلوى مما على أَرُلِ الذباب، فإِنَّه يقعُ على النجاسة، ثمَّ يقعُ على الثياب، قال في "النهاية": ((ولا
يُستطاعُ الاحترازُ عنه، ولا يُستحسَنُ لأحدٍ استعدادُ ثوبٍ لدخول الخلاء، ورُوِيَ أنَّ "محمد بن
عليٍّ" زين العابدين تكلّفَ لبيتِ الخلاءِ ثوباً ثمَّ ترَكَهُ وقال: لم يَتَكلَّفْ لهذا مَن هو خيرٌ مِنِّي،
يعني: رسولَ الله ﴿ والخلفاءَ رضي الله عنهم)) اهـ.
وقد يقال: إنَّ قول المتون: كرؤوس الإِبر اتّباعٌ لعبارة "محمِّدٍ"، لا للاحترازِ عن الجانب
الآخر، ولذا لم يجعله للاحتراز إلاَّ "الهندوانيُّ"، وخالَفَهُ غيره من المشايخ معلّين بدفعِ الحرج، ولا
شكَّ في وجودِ الحرج في ذلك، فلذا اختارَهُ في "الكافي" اتّباعاً لِما عليه أكثرُ المشايخ، وقال في متن
"مواهب الرحمن": ((وعُفِيَ عن رَشاشِ بولٍ كرؤوسِ الإِبر، وقيل: يَعتبرُهُ - أي: "أبو يوسف" - إنْ
رُئِيَ أَثْرُهُ))، فأفادَ بـ ((قيل)) ضعفَ اعتبار ما يُدرِكُهُ الطَّرْفُ، وهو روايةُ "المعَلَّى" السابقةُ.
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٢٠/ب باختصار.

قسم العبادات
٣٧٢
حاشية ابن عابدين
نَجَّسَهُ في الأصحِّ؛ لأنَّ طهارة الماء أكدُ،.
وقد ظهَرَ مما قرَّرناه أنَّ الخلاف فيما يُرى أثرُهُ، وهو ما يُدرِكُهُ الطَّرْفُ، وأنَّ الأرجحَ
[١/ق ٢٤٦/ أ] العفوُ عنه وعدمُ اعتباره كما مَشَى عليه "الشارح"، وظهَرَ أنَّ المراد به ما كان مثلَ
رأسِ الإبرةِ من الجانب الآخرِ لا أكبرَ من ذلك، وظهَرَ أيضاً أنَّ ما لا يُدرِكُه الطَّرْفُ ما كان مثلَ
رؤوس الإبر وأَرجُلِ الذباب، فإِنَّه لا يُدرِكُه الطرفُ المعتدل ما لم يَقرُبْ إليه جدًّاً، أي: مع مغايرةٍ
لون الرَّشاش لِلَونِ الثوب، وإلَّ فقد لا يُرى أصلاً، وينبغي أنَّه لو شكَّ أنّه يُدرِكُه بالطَّرْف أم لا أَنَّه
يُعْفَى عنه اتّفاقاً؛ لأنَّ الأصل طهارةُ الثوب، وشكَّ فيما يُنجِّسُّه، هذا ما ظهَرَ لي في هذا المحلِّ،
والله أعلم.
[٢٩١١] (قولُهُ: نَجَّسَهُ فِي الأصحِّ) قال في "الحلبة"(١): ((ثُمَّ لو وقَعَ هذا الثوبُ المنتضَحُ عليه
البولُ مثلَ رؤوس الإِبرِ في الماء القليل هل ينجُسُ؟ ففي "الخلاصة"(٢) عن "أبي جعفرٍ": لقائلٍ أن
يقول: ينجُسُ، ولقائلٍ أن يقول: لا ينجُسُ، وهذا فرعُ مسألةِ الاستنجاء، يعني: لو استنجى بغيرِ
الماء، ثمَّ ابَلَّ ذلك الموضعُ، ثمَّ أصابَ من ذلك ثوبَهُ أو بدنَهُ فالمختارُ أَنَّه يَتَنجَّسُ إنْ كان أكثرَ من
قَدْرِ الدرهم)) اهـ. ثمَّ ذكَرَ في "الحلبة"(٣) عن "الكفاية" ما يفيدُ أنَّ الكلام فيما يُرى أثرُهُ، ثمَّ قال:
((وهو المّجهُ)) اهـ.
ويدلُّ عليه ما قدَّمناه(٤) من اختيارِ أكثر المشايخ عدمَ اعتبار رؤوس الإِبر من الجانبين خلافاً
لـ "الهندوانيّ"، وقولُ "الخلاصة" المارُ(٥): ((المختارُ أَنَّه ينجُسُ إنْ كان أكثرَ من قدر الدِّرهم))
(قولُهُ: وقولُ "الخلاصة" المارُّ: المختارُ أَنَّه ينجُسُ إذا كان أكثرَ من قدر الدرهم غيرُ ظاهرٍ) فيه أنَّه
إنما اعتبَرَ في "الخلاصة" الزيادةَ عن الدرهم لنجاسةِ الثوب لا لنجاسةِ الماء، تأمَّل.
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ ق ٣٢٠/أ - ب بتصرف يسير.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثامن في النجاسة التي تصيب الثوب وغيره ق ١٦/ب باختصار.
(٣) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٢٠/ب.
(٤) المقولة [٢٩١٠] قوله: ((وكذا جانبها الآخر)).
(٥) في هذه المقولة.

الجزء الثاني
٣٧٣
باب الأنجاس
"جوهرة". وفي "القنية": ((لو أَتَّصَلَ وانبسَطَ، وزادَ على قدْرِ الدرهم ينبغي أنْ
يكون كالدُّهنِ النجس إذا انبسَطَ))،
غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ الماء يُنجِّسُهُ ما قلَّ وكَثُرَ، فإذا لم ينجُسْ بأقلَّ من الدرهم لا ينجُسُ بالأكثرِ منه.
ثُمَّ اعلم أنَّ وقوع الرَّشاشِ في الماء ابتداءً مثلُ وقوع هذا الثوبِ فيه كما في "السِّرَاجِ"(١) وغيره.
هذا، وفي "القُهُستانيِّ(٢) عن "التمرتاشيّ": ((إن استبانَ أثْرُهُ على الثوب - بأنْ تُدرِكَه العينُ
- أو على الماء - بأنْ يَنفرِجَ أو يتحرَّكَ - فلا عبرةً به، وعن "الشيخين" أنَّه مُعتَبِرٌ)) اهـ
وظاهرُهُ: أنَّ المعتمد عدمُ اعتبار ما ظهَرَ أثرُهُ في الثوب والماء، وفي ذلك تأييدٌ لِما قدَّمناه(٣)،
فافهم.
[٢٩١٢] (قولُهُ: "جوهرة")(٤) ومثلُهُ في "القُهُستانيِ)) (٥)، وقدَّمناه (٦) عن "الفيض" أيضاً خلافاً
لِما مشى عليه "المصنّف" تبعاً لـ "الدرر"(٧) في فصل البئر، فافهم. نعم يؤيِّدُهُ ما نقَلَهُ "القُهُستانيُّ"
آنفاً(٨) عن "التمرتاشيّ"، والله أعلم.
[٢٩١٣] (قولُهُ: لو أَّصَلَ وانبسَطَ) أي: ما يصيبُ الثوبَ مثلَ رؤوس الإِبرِ كما هو عبارةٌ
"القنية"(٩)، ونقَلَها في "البحر"(١٠)، فافهم.
(٢٩١٤] (قولُهُ: ينبغي أنْ يكون كالدُّهنِ إلخ) أي: فيكونُ مانعاً للصلاة، ووجهُ إلحاقِهِ بالدُّهن
(١) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١١١/ب بتصرف.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - النجاسات ٦٣/١.
(٣) في المقولة السابقة.
(٤) لم نعثر عليها في "الجوهرة النيرة".
(٥) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - النجاسات ٦٣/١.
(٦) المقولة [١٩٣٤] قوله: ((ولا بتقاطر بول إلخ)).
(٧) "الدرر": كتاب الطهارة ٢٥/١.
(٨) في المقولة السابقة.
(٩) "القنية": كتاب الطهارة - باب في الأعيان النجسة وأحكامها ق ٥/أ.
(١٠) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٨/١.

قسم العبادات
٣٧٤
حاشية ابن عابدين
أنَّ كلاً منهما كانَ أوَّلاً غيرَ مانعٍ، ثمَّ منَعَ بعد زيادته على الدرهم، لكن قد يُفرَّقُ بينهما بأنَّ
[١/ق٢٤٦ /ب] البول الذي كرؤوسِ الإبر اعتُبِرَ كالعدم للضرورة، ولم يَعْتبِرُوا فيه قدْرَ الدرهم
بدليل ما في "البحر"(١): ((أَنَّه معفوٌّ عنه للضرورة وإن امتلأ الثوبُ)) اهـ.
ومعلومٌ أنَّ ما يملأ الثوبَ يزيدُ على الدرهم، وكذا قولُ "الشارح"(٢): ((وإِنْ كَثُرَ بإصابةٍ
الماء))، فإنَّه لا فرقَ بين كثرته بالماء وبين اتّصالِ بعضه ببعضٍ، ونظيرُهُ ما ليس فيه قوَّةُ السيلان من
الخارج من الجسد، فإنَّه ساقطُ الاعتبارِ وإِنْ كَثُرَ، وعَمَّالثوبَ، وقد صرَّحَ في "الحلبة(٣) بعينِ ما
قلنا فقال: ((ما ليس بكثيرٍ من النجاسة منه ما هو مُهدَرُ الاعتبارِ، فلا يُجمَعُ بحالٍ))، وعليه ما في
"الحاوي القدسيِّ"(٤): ((أَنَّ ما أصاب من رَشِّ البول مثلَ رؤوس الإِبرِ - ونحوُهُ الدمُ على ثوب
القصَّاب - وما لا ينقُضُ الوضوءَ من بَلَّةِ الجرحِ أو القيءٍ معفوٌّ عنه وإِنْ كَثُرَ))، وما في "المحيط":
((من أَنَّ لو أصابَ موضعُ ذلك الرشِّ ماءً فإنَّه لا يُنجِّسُهُ)) اهـ.
نعم لو كان الرشُّ مما يُدرَكُ بالطَّرْفِ - بأنْ كان أكبرَ من رؤوس الإِبر من الجانبِ الآخرِ
٢١٥/١ على ما مرَّ(٥) - فإِنَّه يُجمَعُ ويَمنَعُ وإنْ كان في مواضعَ متفرّقةٍ كما يُعلَمُ مما قدَّمناه(٦) عن
"القُهُستانيِّ" عن "الكرمانيّ"، وفي "القُهُستانيِّ"(٧) أيضاً: ((لو أصابَ قدْرُ ما يُرى من النجاسة
(قولُهُ: لكنْ قد يُفرَّقُ بينهما بأنَّ البول إلخ) بالتأمُّلِ في هذا الفرق لم يظهر منه ما يفيدُ عدمَ صحَّةٍ
إلحاقِ مسألة البولِ المّصلِ بمسألة الدهن، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٧/١.
(٢) صـ ٣٧٠ - "در".
(٣) "الحلبة": فصل في الأسآر ١/ق ٣٠٦/ب بتصرف.
(٤) "الحاوي القدسي": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٩/ب.
(٥) المقولة [٢٩١٠] قوله: ((وكذا جانبها الآخر)).
(٦) المقولة [٢٩١٠] قوله: ((وكذا جانبها الآخر)).
(٧) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - النجاسات ٦٣/١ بتصرف يسير.

الجزء الثاني
٣٧٥
باب الأنجاس
وطينُ شارعٍ،
أثواباً: عمامةً وقميصاً وسراويلَ مثلاً منَعَ الصلاةَ إذا كان بحيث إذا جُمِعَ صار أكثرَ من قَدْرِ
الدرهم)) أهـ.
لكنَّ كلام "القنية" صريحٌ في أنَّ الذي يُجمَعُ ويَمنَعُ ما كان مثلَ رؤوسِ الإبر كما
قدَّمناه (١)، فَرِدُ عليه ما علمتَهُ من أنَّ ما كان كذلك فهو مُهدَرُ الاعتبارِ، ولا ينفعُهُ هذا التأويلُ،
فافهم واغتنم هذا التحریر.
مطلبٌ في العفوِ عن طينِ الشَّارع
[٢٩١٥) (قولُهُ: وطينُ شارعٍ) مبتدأُ خبرُهُ قوله: ((عفوٌ))، والشارعُ: الطريق، "ط)" (٢).
وفي "الفيض": ((طينُ الشوارع عفوٌ وإنْ ملأ الثوبَ للضرورة ولو مُختلِطً بالعَذِرات، وتجوزُ
الصلاة معه)) اهـ.
وقدَّمنا(٣) أنَّ هذا قاسَهُ المشايخ على قول "محمَّدٍ" آخراً بطهارةِ الرَّوْثِ والخِثْيِ، ومقتضاه أَنَّه
طاهرٌ، لكنْ لم يَقبَلْهُ الإِمامُ "الحَلْوانيُّ" كما في "الخلاصة (٤)، قال في "الحلبة "(٥): ((أي: لا يُقْبَلْ
كونُهُ طاهرً، وهو منَّحِةٌ، بل الأشبهُ المنعُ بالقَدْرِ الفاحش منه إلاَّ لِمَن ابْتُلِيَ به بحيث يجيءُ ويذهبُ
في أيّام الأوحال في بلادنا الشاميَّة؛ لعدم انفكاكِ طرقها من النجاسة غالباً مع عُسْرِ الاحتراز،
بخلاف مَن لا يمرُّ بها [١/ق ٢٤٧/أ] أصلاً في هذه الحالةِ، فلا يُعنَى في حقِّهِ، حتَّى إِنَّ هذا
لا يُصلِّي في ثوبِ ذاك)) اهـ.
(قولُهُ: ولا ينفعُهُ هذا التأويلُ) أي: بحملٍ كلام "القنية" على ما إذا كان الرشُّ أكبرَ من رؤوس الإِبر.
(١) في المقولة السابقة.
(٢) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٦١/١.
(٣) المقولة [٢٨٩٢] قوله: ((وطهَّرَهما محمد آخراً)).
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثامن في النجاسة التي تصيب الثوب وغيره ق ١٦/ب.
(٥) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣١٩/ب - ٣٢٠/أ.

قسم العبادات
٣٧٦
حاشية ابن عابدين
وبخارُ نجس،
أقولُ: والعفوُ مقيَّدٌ بما إذا لم يَظهَرْ فيه أثرُ النجاسة كما نقَلَهُ في "الفتح"(١) عن "التجنيس"،
وقال "القُهُستانيُّ)(٢): ((إنَّه الصحيحُ))، لكنْ حَكَى في "القنية"(٣) قولين وارتضاهما، فحكى عن
"أبي نصرٍ الدبوسيّ": ((أَنَّه طاهرٌ، إلاَّ إذا رأى عينَ النجاسة))، وقال: ((وهو صحيحٌ من حيث
الروايةُ، وقريبٌ من حيث المنصوصُ))، ثُمَّ نقَلَ عن غيره فقال: ((إِنْ غَلَبَت النجاسةُ لم يَجُزْ، وإِنْ
غَلَبَ الطينُ فطاهرٌ))، ثمَّ قال: ((وإِنَّه حسنٌ عند المنصِفِ (٤) دون المعاند)) اهـ.
والقولُ الثاني مبنيٌّ على القول بأنَّه إذا اختلَطَ ماءٌ وترابٌ وأحدُهما نجسٌ فالعبرةُ للغالب،
وفيه أقوالٌ ستأتي(6) في الفروع.
والحاصلُ: أنَّ الذي ينبغي أنَّه حيث كان العفوُ للضرورةِ وعدمٍ إمكان الاحتراز أنْ يقال
بالعفو وإِنْ غلَبَت النجاسةُ ما لم يُرَ عِينُها لو أصابَهُ بلا قصدٍ، وكان ممن يذهبُ ويجيءُ، وإلاَّ فلا
ضرورةَ، وقد حَكَى في "القنية"(٦) أيضاً قولين فيما لو ابتَلَّتْ قَدَماه مما رُشَّ في الأسواقِ الغالبةِ
النحاسةِ، ثُمَّ نقَلَ: ((أَنَّه لو أصابَ ثوبَهُ طينُ السوقِ أو السّكَّةِ، ثُمَّ وقَعَ الثوبُ في الماء تنخَّسَ)).
[٢٩١٦] (قولُهُ: وبخارُ نَجسٍ) في "الفتح"(٧): ((مرَّتِ الريحُ بالعَذِرات، وأصابَ الثوبَ
(قولُهُ: وإلاَّ فلاضرورةَ) فيه أنَّهم اعتبروا أصلَ الضرورة للقول بالعفو، ولا يُشترَطُ تحقَّقُها في كلِّ
شخصٍ كما يُعلَمُ ذلك مما قالوه في المعفوَّات كالقول بالعفو عن الدرهم وعن الرَّشاش ونحوهما
للضَّرورة، فإنَّهم لم يشترطوا تحقَّقَها في كلِّ شخصٍ.
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٨٤/١.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - النجاسات ٦٥/١.
(٣) "القنية": كتاب الطهارة - باب في الأعيان النجسة وأحكامها ق ٥/أ - ب.
(٤) الذي في "القنية" ونسخة "م": ((المصنف)) وهو تحريف كما يدل عليه السياق.
(٥) المقولة [٣١٠٣] قوله: ((والعبرة للطاهر إلخ)).
(٦) "القنية": كتاب الطهارة - باب في الأعيان النجسة وأحكامها ق ٥/أ.
(٧) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٨٧/١.

الجزء الثاني
٣٧٧
باب الأنجاس
إن وُجِدَتْ رائحتُها تنجَّسَ))، لكنْ نقَلَ في "الحلبة"(١): ((أَنَّ الصحيح أَنَّه لا ينجُسُ))، وما يصيبُ
الثوبَ من بخاراتِ النجاسة قيل: يُنجِّسُهُ، وقيل: لا، وهو الصحيحُ، وفي "الحلبة"(٢): ((استنجَى
بالماء وخرَجَ منه ريحٌ لا ينجُسُ عند عامَّةِ المشايخ، وهو الأصحُّ، وكذا إذا كان سراويلُهُ مبتلاً))،
وفي "الخانَّةُ"(٣): ((ماءُ الطابِقِ نجسٌ قياساً لا استحساناً، وصورتُهُ: إذا أُحرِقَتِ العَذِرةُ في بيتٍ،
فأصاب ماءُ الطابق ثوبَ إنسانٍ لا يُفسِدُهُ استحساناً ما لم يَظهَرْ أثرُ النجاسة فيه، وكذا الإصطبلُ
إذا كان حارًّاً وعلى كوَّتِهِ طابقٌ، أو كان فيه كوزٌ معلّقٌ فيه ماءٌ فترشَّحَ(٤)، وكذا الحمَّامُ لو فيها
نجاساتٌ فَعَرِقَ حيطانُها وكوَّتها وتقاطَرَ))، قال في "الحلبة"(٥): ((والظاهرُ العمل بالاستحسان،
ولذا اقتصَرَ عليه في "الخلاصة"(٦)، والطابقُ: الغطاءُ العظيم من الزُّجاج أو اللَّبِن)) اهـ.
وقال في "شرح المنية(٧): ((والظاهرُ أنَّ وجه الاستحسان فيه الضرورةُ لتعذُّرِ التحرُّزِ، وعليه
فلو اسْتُقْطِرَت النجاسةُ فمائيُّها نجسةٌ لانتفاءِ الضرورة، فَبَقِيَ القياسُ بلا مُعارِضٍ.
مطلبٌ: العرقيُّ الذي يُستقطَرُ من درديِّ الخمرِ نجسٌ حرامٌ بخلافِ النُّشادَر
وبه يُعلَمُ أنَّ ما يُستَقْطَرُ من دُرْدِيٍّ [١/ق٢٤٧/ب] الخمر - وهو المسمَّى بالعرقيِّ في ولاية
الروم - نجسٌ حرامٌ كسائرٍ أصناف الخمر)) اهـ.
أقولُ: وأمَّا النُّوشادَرُ المستجمَعُ من دخانِ النجاسةِ فهو طاهرٌ كما يُعلَمُ مما مرَّ(٨)، وأوضَحَهُ
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٤٠/ب بتصرف.
(٢) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٤٠/ب - ٣٤١/أ بتصرف.
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ١٩/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) ((فترشح)) ساقطة من "آ".
(٥) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني - الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٤١/أ - ب بتصرف.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل السابع: فيما يكون نجساً وفيما لا يكون ق ١٦/أ نقلاً عن فوائد الإمام
أبي علي النسفيّ رحمه الله تعالى.
(٧) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٩٣ -.
(٨) في هذه المقولة.

قسم العبادات
٣٧٨
حاشية ابن عابدين
وغبارُ سِرْقِينِ، ومحلُّ كلابٍ، وانتضاحُ غُسالةٍ لا تظهرُ مواقعُ قطرِها في الإناء عفوٌ.
سيِّدي "عبدُ الغنيِّ" في رسالةٍ سَمَّاها "إتحاف مَن بادَرَ إلى حكم النّوشادَرِ"(١).
[٢٩١٧] (قولُهُ: وغبارُ سِرْقِينٍ) بكسرِ السين، أي: زِبْلٍ، ويقال: سِرْجينٌ كما في
"القاموس"(٢)، قال في "القنية" راقماً (٣): ((لا عبرةَ للغبار النحس إذا وقَعَ في الماء، إنما العبرةُ
للتراب)) اهـ. ونظَمَهُ "المصنّف" في "أرجوزته"، وعلَّلهُ في "شرحها"(٤) بالضرورة.
[٢٩١٨] (قولُهُ: ومحلُّ كلابٍ) في "المنية "(٥): ((مشى كلبٌ على طينٍ (٦)، فوضَعَ رَجُلٌ قدمَهُ
على ذلك الطينِ تنجَّسَ، وكذا إذا مشى على تلجِ رَطْبٍ، ولو جامداً فلا)) اهـ.
قال في "شرحها": ((وهذا كلُّهُ بناءً على أنَّ الكلب نجسُ العين، وقد تقدَّمَ أنَّ الأصحَّ
خلافُهُ، ذكَرَهُ "ابن الهمام"))(٢) اهـ. ومثلُهُ في "الحلبة"(٨).
[٢٩١٩] (قولُهُ: وانتضاحُ غُسالةٍ إلخ) ذكَرَ المسألةَ في "شرح المنية الصغير)(٩) عن
"الخانَّة"(١٠)، وقد رأيتُها في "الخانيّة" ذكَرَها في بحثِ الماءِ المستعمل، لكنَّ غُسالةَ النجاسة كغُسالةٍ
الحدث بناءً على القول بنجاسةِ الماء المستعمل، ويدلُّ لها ما قدَّمناه(١١) عن "القُهُستانيِّ"
(١) "إتحاف من بادر إلى حكم النوشادر": لعبد الغني بن إسماعيل النابلسيّ الدمشقيّ (ت١١٤٣ هـ). ("إيضاح
المكنون" ٢٠/١، "سلك الدرر" ٣٠/٣).
(٢) "القاموس": مادة ((سرقن)) و((سرجن)).
(٣) أي: رامزاً، انظر "القنية": كتاب الطهارة - باب في حكم ماء الحياض والآبار ق/٤/أ.
(٤) المسمى "مواهب الرحمن شرح تحفة الأقران".
(٥) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ١٩٣ - بتصرف يسير.
(٦) في "ب" و"م": ((الطين)).
(٧) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٨٦/١.
(٨) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٤١/أ.
(٩) "شرح المنية الصغير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٠٠ -.
(١٠) "الخانية": كتاب الطهارة - ١٥/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(١١) المقولة [٢٩١١] قوله: (( نَجَّسه في الأصح )).