Indexed OCR Text
Pages 321-340
قسم العبادات
٣١٩
حاشية ابن عابدين
وكذا مريضٌ لا يبسُطُ ثوباً إلاَّ تنجَّسَ فوراً له تركُهُ.
(و) المعذورُ (إنما تبقى طهارتُهُ في الوقت) بشرطين: (إذا) توضَّأَ لعذرِهِ،
ما في "الحلبة"(١) عن "الرَّاهديِّ" عن "البقَّالِيِّ": ((لو علمتِ المستحاضةُ أنّها لو غسلَنْهُ يبقى طاهراً
إلى أنْ تصلّيَ يجبُ بالإجماع، وإنْ علمَتْ أَنَّه يعودُ نجِساً غسلَتْهُ عند "أبي يوسف" دون "محمَّدٍ"))
اهـ. لكنْ فيها (٢) عن "الزاهديّ" أيضاً عن "قاضي صَدر"(٣): ((أَنَّه لو يبقى طاهراً إلى أنْ تفرَغَ من
الصلاة، ولا يبقى إلى أنْ يخرجَ الوقتُ فعندنا تصلِّي بدونِ غَسِهِ خلافاً لـ "الشافعيّ"؛ لأنَّ الرُّخصة
عندنا مقدَّرةٌ بخروج الوقتِ، وعنده بالفراغ من الصلاة)) اهـ.
لكنَّ هذا قولُ "بن مقاتلِ الرازيّ"، فإنّه يقولُ: يجبُ غَسُلُهُ في وقتِ كلِّ صلاةٍ قياساً على
الوضوءٍ، وأجاب عنه في "البدائع"(٤): ((بأنَّ حكم الحدث عَرَفناه بالَنَّصِّ، ونجاسةُ الثوب ليستْ في
معناه، فلا تُلحَقُ به)).
[٢٧٧٢] (قولُ: وكذا مريضٌ إلخ) في "الخلاصة(٥): ((مريضٌ مجروحٌ تحته ثيابٌ نجسةٌ إِنْ
كان بحال لا يُبسَطُ تحته شيءٌ إلَّ تنجَّسَ من ساعته له أنْ يصلِّيَ على حاله، وكذا لو لم يتنجَّسِ
الثاني، إلَّ أَنَّه يزدادُ مرضُهُ له أنْ يصلِّيَ فيه))، "بحر"(٦) من باب صلاة المريض.
والظاهرُ أنَّ المراد بقوله: ((مِنْ ساعتِهِ)) أنْ يتنجَّسَ نجاسةً مانعةً قبلَ الفراغ من الصلاة كما
أشارَ إليه "الشارحُ" بقوله: ((وكذا)).
(٢٧٧٣] (قولُهُ: والمعذورُ إلخ) تقييدٌ لِما عُلِمَ مما مرَّ(٧) من أنَّ وضوءَه يبقى ما دامَ الوقتُ باقياً.
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ٢٣٩/١/أ.
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ٢٣٩/١/ب.
(٣) أبو المعالي أحمد بن محمد بن محمد المشهور بالقاضي الصَّدْرِ النِّسَفيّ البَزْدَوِيَّ البخاريّ(ت٥٤٢هـ). ("الجواهر
المضية"٣٠٩/١، "الفوائد البهية" ص ٣٩-).
(٤) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان ما ينقض الوضوء ٢٩/١ بتصرف.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني والعشرون في صلاة المريض ق ٤٩/ب.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة ١٢٤/٢.
(٧) صـ ٣١٦ - "در".
الجزء الثاني
٣٢٠
باب الحیض
و(لم يطرأُ عليه حدثٌ آخرُ، أمَّا إذا) توضَّأَ لحدثٍ آخرَ وعذرُهُ منقطعٌ ثم سالَ، أو
توضَّأَ لعذرِهِ ثم (طرّأَ) عليه حدثٌ آخرُ.
[٢٧٧٤] (قولُهُ: ولم يطرأُ) بالهمز، قال في "المغرب"(١): ((وطراً علينا فلانٌ: جاء من بعيدٍ
فجأةً، من بابِ مَنَعَ، ومصدرُهُ: الطُّروءُ، وقولهم: طَرَى الجنونُ والطَّاري خلافُ الأصل،
فالصوابُ الهمزة، وأمَّ الطَّرَيانُ فخطأٌ أصلاً)) اهـ، فافهم.
[٢٧٧٥] (قولُهُ: أمَّا إذا توضَّأَ لحدثٍ آخرَ) أي: لحدثٍ غيرِ الذي صار به معذوراً، وكان
حدَثُّهُ منقطِعاً كما في "شرح المنية(٢)، أمَّا إذا كان حدَتُهُ غيرَ منقطعٍ، وأحدَثَ حدَثاً آخرَ، ثم
توضَّأَ فلا ينتقضُ بسيلانِ عذرِهِ كما هو ظاهرُ التقييد؛ لأنَّ وضوءه وقَعَ لهما.
ثُمَّ إنَّ ما ذَكَرَهُ "الشارح" محترَزُ قوله: ((إذا توضَّأَ لعذره))، ووجهُ النَّقضِ فيه بالعذر: أنَّ
الوضوء لم يقعْ له، فكان عَدَماً في حقِّهِ، "بدائع"(٣). وكذا لو توضَّأَ(٤) على الانقطاع، ودام إلى
خروجِ الوقت، ثمَّ جدَّدَ الوضوءَ في الوقت الثاني، ثمَّ سالَ انتقَضَ؛ [١/ق٢٣٤/ أ] لأنَّ تحديد
الوضوء وقَعَ من غيرِ حاجةٍ فلا يُعَتَدُّ به، بخلاف ما إذا توضَّأَ بعد السََّلان، "زيلعي" (٥).
(٢٧٧٦] (قولُهُ: أو توضَّأَ لعذره إلخ)(٦) محترزُ قوله: ((ولم يطرأُ عليه حدثٌ آخرُ))، ووجهُ
(١) "المغرب": مادة ((طرأ)).
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء صـ ١٣٦ -.
(٣) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان ما ينقض الوضوء ٢٨/١ بتصرف يسير.
(٤) من ((لعذره)) إلى ((وكذا لو توضأ)) ساقط من "الأصل".
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة - باب الحيض ٦٦/١ بتصرف.
(٦) في "د" زيادة: ((هذا مسلُّم في الثاني دون الأول، فإنَّك قد علمت مما قدمناه عن "البحر" أنَّ السيلان بمجرده لا
يبطل الطهارة، وأصرَحُ منه ما قاله في "النهاية" و"معراج الدراية" عن شمس الأئمة السرخسيّ أنَّ الناقض لطهارة
المستحاضة شيئان: سيلانُ الدم وخروجُ الوقت، ثم لو تحرَّد سيلان الدم عن خروج الوقت لم يكن ناقضاً، وكذلك
إذا تجرَّد خروج الوقت عن سيلان الدم؛ لأن الحكم المتصف بعلةٍ ذات وصفين ينعدم بانعدام أحد الوصفين انتهى.
وفيهما أيضاً: المراد من وجود الحدث في وقت الصلاة هو أن يوجد في الوضوء في وقت الصلاة أو بعد الوضوء في
وقت الصلاة. انتهى. وفي "القهستانيّ": لو استحاضت فدخل وقت العصر والدم منقطع فتوضأت وصلّت العصر، =
قسم العبادات
٣٢١
حاشية ابن عابدين
- بأنْ سالَ أحدُ مَنْخِرِيه أو جُرحيه أو قرحتيه ..
النَّقْضِ فيه - كما في "البدائع"(١) -: ((أنَّ هذا حدثٌ جديدٌ لم يكن موجوداً وقتَ الطهارة، فكان
هو والبولُ والغائطُ سواءٌ)) اهـ.
[٢٧٧٧] (قولُهُ: بأنْ سالَ أحدُ مَنخِرَيهِ) أمَّا لو سالَ منهما جميعاً، ثم انقطَعَ أحدُهما فهو على
وضوئه ما بقيَ الوقت؛ لأنَّ طهارته حصلَتْ لهما جميعاً، والطهارةُ متى وقعَتْ لعذرٍ لا
يضرُّها السَّيلانُ ما بقِيَ الوقتُ، فبقِيَ هو صاحبَ عذرٍ بالمنخر الآخرِ، وعلى هذا صاحبُ القروح
إذا انقطَعَ السيلانُ عن بعضها، "بدائع"(٢).
= ثم سال الدم في هذا الوقت لم ينتقض وضوءها، وينبغي أن تنتظر الوقت ثم تتوضأ كما في "المحيط". انتهى
فهذه النقول صريحةٌ في خلاف ما ذكره هنا، وفي "البزازية": ولو سال بعد الوضوء حتى نفذ من الربط يجوز
أداء الصلاة به. انتهى. ثم رأيت في "المنية" صرَّح بما ذكره الشارح، وعبارتها مع "شرحها للحلبي": أو إذا توضأ
صاحبُ العذر لحدث آخر غير الذي ابتلي به، والدم ونحوه من الحدث الذي ابتلي به منقطع، ثم سال فعليه
الوضوء، ذكره في أحكام الفقه؛ لأنَّ الوضوء لم يقع لذلك العذر حتى لا ينتقض به، بل وقع لغيره، وإنَّما لا
ينتقض به ما وقع له. انتهى. وقد ظهر بهذا تخصيص العبارات السابقة بما إذا كان الوضوء من العذر الذي ابتلي به
فاتضح الأمر ولله تعالى الحمد والمنّة.
ثم رأيت بعد في "التاتر خانية" ما يوافق ذلك التوفيق حيث قال: ولو توضأت في وقت العصر بدون الحاجة إليه،
ثم سال الدم لزمتها الإعادة، وفي "الكافي": وكذا إن توضأت لحدث آخر غير السيلان فسال تتوضأ؛ لأنَّ الوضوء
ما وقع للسيلان بل لحدث آخر. اهـ.
ورأيت في "البدائع" أيضاً ما نصُّه: وكذلك إذا توضأ للحدث أولاً ثم سال الدم فعليه الوضوء؛ لأنَّ ذلك
الوضوء لم يقع لدم العذر، فكان عدماً في حقه، وكذا إذا سال الدم من أحد منخريه فعليه الوضوء؛ لأن هذا
الحدث جديد لم يكن موجوداً وقت الطهارة، فلم تقع الطهارة له، وكان هو والبول والغائط سواء، فأمَّا إذا سال
منها جميعاً ثم انقطع أحدهما فهو على وضوئه ما بقي الوقت؛ لأن طهارته حصلت لهما جميعاً، والطهارة متى
وقعت لعذر لا يضرُّها السيلان ما بقي الوقت، فبقي هو صاحبَ عذر بالمنخر الآخر، وعلى هذا حكمُ صاحب
القروح إذا كان البعض سائلاً فانقطع السيلان من البعض)).
(١) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل: وأما بيان ما ينقض الوضوء ٢٨/١ باختصار.
(٢) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل: وأما بيان ما ينقض الوضوء ٢٨/١ بتصرف يسير.
الجزء الثاني
٣٢٢
باب الحیض
ولو مِن جُدَرِيّ - ثم سالَ الآخرُ (فلا) تبقى طهارتُهُ.
(فروعٌ) يجبُ ردُّ عذرِهِ أو تقليلُهُ بقدْرٍ قدرته ولو بصلاته مُومئاً، وبرَدِّهِ لا يبقى ذا
عذر بخلاف الحائض،.
[٢٧٧٨) (قولُهُ: ولو مِنْ جُدَريٍّ) بضمِّ الجيم وفتحِ الدال، "ط("(١). وبخطّ "الشارح" في
هامش "الخزائن)"(٢): (( قولُهُ: أو قَرْحَتَيَه يشمَلُ مَنْ به جُدَريٌّ سالَ منها ماءٌ فتوضَّأَ، ثم سالَ منها
قرحةٌ أخرى، فإنَّه ينتقِضُ؛ لأنَّ الْجُدَريَّ قروحٌ متعدِّدةٌ، فصار بمنزلة جرحَين في موضعين من
البدن، أحدُهما لا يرقأُ لو توضَّأَ لأجله، ثم سالَ الآخرُ كما في "شرح المنية"(٢) )) اهـ.
[٢٧٧٩] (قولُهُ: فلا تبقَى طهارتُهُ) جوابُ أمَّا.
[٢٧٨٠] (قولُهُ: أو تقليلُهُ) أي: إنْ لم يمكنْه ردُّهُ بالكلَّة.
[٢٧٨١] (قولُهُ: ولو بصلاتِهِ مومِئاً) أي: كما إذا سالَ عند السُّجود، ولم يسِلْ بدونه، فيومئُ
قائماً أو قاعداً، وكذا لو سالَ عند القيام يصلِّي قاعداً، بخلاف مَنْ لو استلقَى لم يسِلْ، فإنَّه لا
يصلّي مستلقياً. اهـ "بركويَّة"(٤).
[٢٧٨٢] (قولُهُ: وبردهٌ لا يبقى ذا عذرٍ) قال في "البحر(٥): ((ومتى قدَرَ المعذورُ على ردِّ السَّيلان
(قولُهُ: بخلافِ مَن لو استلقى لم يَسِلْ فإِنَّه لا يصلِّي مُستلقياً) لأنَّ الصلاة كما لا تجوزُ مع الحدث إلاّ
الضرورةٍ لا تجوزُ مستلقياً إلاَّ لها فاستويا، وترجَّحَ الأداءُ لِما فيه من إحرازِ الأركان، "فتح".
(قولُ "الشارح": وبردِّهِ لا يبقى ذا عذرٍ) في "القُهُستانيِّ" عن "الزاهديِّ": ((لو لم يُعالَجْ مع القدرةِ
عليه وصلَّى مع السَّيلان لم يَحُزْ )) اهـ. وفي "السِّراج": (( لو كان في حلقِهِ جرحٌ إذا سجَدَ سال وإذا
أومَأَ لم يسل وهو يقدرُ على القيام والركوع والسجود فإِنَّه يصلّي قاعداً بالإيماء، ومع هذا لو صلَّى
قائماً وركَعَ وسجَدَ جاز، وكذا لو كان برجلِهِ جرحٌ إذا قام سالَ وإذا قعَدَ لم يَسِلْ، أو كان إذا قامَ
(١) "ط": كتاب الطهارة - باب الحيض ١٥٦/١.
(٢) "الخزائن": كتاب الطهارة - باب الحيض - فصل: وصاحب عذر ق ٦٠/أ.
(٣) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء صـ١٣٥ - باختصار.
(٤) "ذخر المتأهلين": تذنيب في حكم الجنابة والحدث صـ ١٦٠ - (ضمن مجموع "رسائل البركويّ").
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٢٧/١.
قسم العبادات
٣٢٣
حاشية ابن عابدين
ولا يصلِّي مَن به انفلاتُ ريحِ خلف مَن به سَلَسُ بولِ؛
برباطٍ أو حشو، أو كان لو جلَسَ لا يسيلُ، ولو قام سالَ وجب ردُّهُ، وخرَجَ بردِّه عن أنْ يكون
صاحبَ عذرٍ(١)، ويجبُ أنْ يصلّيَ جالساً بإيماءٍ إِنْ سالَ بالَيَلان؛ لأنَّ ترك السجود أهونُ من
الصلاةِ مع الحدث)) اهـ.
واسْتُفِيدَ من هذا أنَّ صاحب كيِّ الحمِّصة غيرُ معذورٍ لإمكانِ رَدِّ الخارجِ برفعِها، "ط)" (٢).
وهذا إذا كان الخارجُ منه فيه قوَّةُ السَّيلان بنفسه لو تُرِكَ، وكان إذا رفَعَها ينقطِعُ سيلانُهُ، أو كان
يمكنُهُ ربطُهُ بما يمنعُه من السيلان والنشرِّ كنحوٍ جلدٍ، أمَّا إذا كان لا ينقطِعُ في الوقت برفعِها، ولا
يمكنُهُ الرَّبطُ المذكورُ فهو معذورٌ*، وقدَّمنا(٣) بقيَّةَ الكلام في نواقض الوضوء.
(٢٧٨٣] (قولُهُ: بخلاف الحائضِ) لأنَّ الشرع اعتبَرَ دمَ [١ /ق٢٣٤/ب] الحيض كالخارج،
حيث جعَلَها حائضاً، وكان القياسُ خلافَهُ لانعدامِ دمِ الحيض حِسَاً. اهـ "حلبة(٤). وهذا إذا منعَتْهُ
بعد نزوله إلى الفرجِ الخارجِ كما أفاده "البرِكويُّ"(٥)؛ لِما مرَّ(٦) أَنَّه لا يثبتُ الحيضُ إلَّ بالْبُرُوز لا
بالإحساسِ به خلافاً لـ "محمَّدٍ"، فلو أحسَّتْ به، فوضَعَتْ الكرسُفَ في الفرجِ الداخلِ، ومنعتْهُ من
الخروج فهي طاهرةٌ كما لو حبَسَ المنيَّ في القصبة.
٢٠٤/١
سَلِسَ بولُهُ وإذا قعد استمسَكَ، أو كان شيخاً كبيراً إذا قامَ عجَزَ عن القراءة وإذا قعَدَ قرأ جاز أنْ يصلّيَ
قاعداً في هذه المسائل، وكذا المرأةُ إذا كان معهاِ ثَوبٌ لا يسترُ جميعَ بدنها قائمةً ويسترُ قاعدةً جاز أنْ
تصلِّيَ قاعدةً، وإن كان جرحُهُ إذا قام وقعد سال وإذا استقَرَّ على قفاهُ لم يَسِلْ فإنَّه يصلّي قائماً يركعُ
ويسجدُ)) اهـ "سندي"، والله سبحانه أعلم.
(١) ((نقلاً عن "السراج الوهاج")) كما في "البحر".
(٢) "ط": كتاب الطهارة - باب الحيض ١٥٦/١.
* قال في "البزازية": إذا قدرت المستحاضة أو ذو الجرح أو المفتصد على منع دمٍ بربطٍ، وعلى منع النشِّ بخرقة الرَّبْط
لزم، و کان کالأصحَّاء، فإن لم يقدر على منع النشِّ فهو ذو عذر. اهـ منه
(٣) المقولة [١١٣٣] قوله: ((ولو شد إلخ)).
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ٢٣٩/١/ب بتصرف.
(٥) "ذخر المتأهلين": الفصل الأول صـ ١٥١- (ضمن مجموع "رسائل البركويّ").
(٦) المقولة [٢٥٦٣] قوله: ((وركنه بروز الدم إلى الرحم)).
الجزء الثاني
٣٢٤
باب الحیض
لأنَّ معه حدثاً ونَجَساً.
[٢٧٨٤] (قولُهُ: لأنَّ معه حدثاً ونجساً) أي: بخلاف المقتدي، فإنَّ معه انفِلاتَ الرِّيح، وهو
حدثٌ فقط. وظاهرُ التعليل جوازُ عكسِ هذه الصورة، وبه صرَّحَ "الشارحُ" في باب الإمامة (١)،
لكنْ صرَّحَ في "النهر "(٢) هناك بعدمِ الجواز، وبأنَّ مجرَّدَ اختلافِ العذر مانعٌ.
أقولُ: ويوافقُهُ ما صرَّحَ به في "السِّرَاجِ"(٣) و"التبين" (٤) و"الفتح"(٥) وغيرها: ((من أنَّ اقتداء
المعذورِ بالمعذور صحيحٌ إِنِ اتَّحَدَ عذرُهما))، وأوضَحَهُ في "شرح المنية"(٦)، فراجعْهُ، وسيأتي(٧)
تمامُهُ في محلِّهِ إنْ شاء الله تعالى، وهو سبحانه وتعالى أعلمُ.
﴿بابُ الأنجاس﴾
أي: بابُ بيانِها وبيانِ أحكامها وتطهيرٍ محالِّها. وقدَّمَ الحكمِيَّةَ لأَنّها أقوى؛ لكون
قليلها يمنعُ جوازَ الصلاة اتّفاقاً، ولا يسقُطُ وجوبُ إزالتها بعذرٍ، "بحر "(٨) عن "النهاية".
أقولُ: فيه أنَّ الحكميَّةَ لا تتجزَّا على الأصحِّ، فمَنْ بقيَتْ عليه لُمْعةٌ فهو محدِثٌ.
﴿بابُ الأنجاس﴾
(قولُهُ: ولا يسقطُ وجوبُ إزالتها بعذرٍ) أي: مع قيام المحلِّ، فلا ينافي السقوطَ بمعنى عدمٍ
ء
الافتراض ابتداءً في المسألة الآتية، تأمَّل.
(١) ٥٩٠/٣ "در".
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٦/أ.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الحيض ١/ق ٩٨/أ.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإمامة ١٤٠/١- ١٤١.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣١٨/١.
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥١٦ -.
(٧) المقولة [٤٨٥٦] قوله: ((ومعذور بمثله إلخ)).
(٨) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣١/١.
الجزء الثاني
٣٢٥
باب الأنجاس
﴿بابُ الأنجاس﴾
جمعُ نَحَسِ بفتحتين، وهو لغةً يعمُّ الحقيقيَّ والحكميَّ، وعُرفً يختصُّ بالأوَّلِ
.
فلا توصَفُ بالقلَّةِ، وقد تسقُطُ بعذر كما مرَّ(١) أوَّلَ الطهارة فيمَنْ قُطِعتْ يداه ورِجْلاه وبوجهِهِ
جراحةٌ، فإنَّه يصلّي بلا وضوءٍ ولا تيمُّمٍ، ولا إعادةً عليه.
[٢٧٨٥] (قولُهُ: بفتحتين) كذا في "العناية"(٢)، ثمَّ قال: ((وهو كلُّ مستقذَرٍ، وهو في الأصل
مصدرٌ، ثم استُعمِلَ اسماً )) اهـ.
لكنَّ الصحيحَ ما قاله "تاجُ الشريعة"(٣): ((إِنَّه جمعُ نِحِسٍ بكسر الجيم))؛ لِما في
"العباب" (٤): ((النجسُ ضدُّ الطاهر، والنجاسةُ ضدُّ الطهارة، وقد نَجُسَ ينجُسُ كسمِعَ
يسمَعُ وكُرُمَ يكرُمُ، وإذا قلت: رجلٌ نجِسٌ بكسر الجيم ثَّيْتَ وجمعْتَ، وبفتحها لم تُثَنِّ ولم
تجمعْ، وتقول: رجلٌ ورجلان ورجالٌ وامرأةٌ ونساءٌ نَجَسٌ)) اهـ. وتمامُهُ في "شرح الهداية"
لـ "العينيِّ"(٥).
وحاصلُهُ: أنَّ الأنجاس ليس جمعاً لمفتوحِ الجيم، بل لمكسورِها.
[٢٧٨٦] (قولُهُ: يُعُمُّ الحقيقيَّ والحكميَّ) والخبثُ يخصُّ الأَوَّلَ، والحدثُ الثّانيّ، "بحر" (٦).
(قولُهُ: وحاصلُهُ أنَّ الأنجاس ليس جمعاً إلخ) لكنَّ ما في "العباب" مبنيٌّ على بقاءِ لفظ النجس على
مصدرِيَّتِهِ، فلا ينافي ما في الشَّرح من جعلِهِ جمعً؛ لأنّه ناظرٌ لِما بعد جعلِهِ اسماً، ولا مانعَ من كلا
النظرين، تأمَّل.
(١) ٢٦٥/١ -٢٦٦ "در".
(٢) "العناية": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٦٧/١ (هامش "فتح القدير").
(٣) محمود بن أحمد بن عبيد الله بن إبراهيم، تاج الشريعة المحبوبيّ(ت٧٤٧هـ). ("الفوائد البهية"صـ١١٠ -٢٠٧،١١٢-).
(٤) "العباب الزاخر": لأبي الفضائل - وقيل: أبو العباس - الحسن بن محمد، رضيّ الدين العدوَي العمريّ الصَّغَانيّ أو
الصَّاغانيّ الهنديّ (ت ٦٥٠هـ). ("كشف الظنون" ١١٢٢/٢، "الفوائد البهية" صـ٦٣-، "الأعلام" ٢١٤/٢).
(٥) انظر "البناية": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ٧٠٤/١.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣١/١ بتصرف نقلاً عن "الكافي".
قسم العبادات
٣٢٦
حاشية ابن عابدين
(يجوزُ رفعُ نجاسةٍ حقيقيَّةٍ عن محلِّها) ولو إناءً أو مأكولاً، عُلِمَ محلُّها أوْ لا
فلو قال "المصنّف": رفعُ خبثٍ بدلَ قوله: ((رفعُ نجاسةٍ حقيقيّةٍ)) كان أخصرَ. اهـ "ح"(١).
[٢٧٨٧] (قولُهُ: يجوزُ إلخ) [١/ق٢٣٥/ أ] عبَّرَ بالجواز لأَنَّه أطلَقَ في قوله: ((عن محلِّها ))، ولم
يقيِّدْه بَبَدَنِ المصلِّي وثوبِهِ ومكانه كما قَّدَهُ في "الهداية"(٢)، فعَّرَ بالوجوب، ولأنَّ المقصود - كما
قال "ابنُ الكمال" - : ((بيانُ جوازِ الطهارة بما ذُكِرَ - أي: من الماء وكلِّ مائعٍ إلخ - لا بيانُ وجوبها
حالةَ الصلاة، فإنَّه من مسائلٍ باب شروط الصلاة)) اهـ.
على أنَّ الوجوب - كما قال في "الفتح"(٣) - : ((مقيَّدٌ بالإمكان وبما إذا لم يرتكبْ ما هو
أشدُّ، حتى لو لم يتمكَّنْ من إزالتها إلاَّ بإبداءِ عورته للناس يصلّي معها؛ لأنَّ كشف العورة أشدُّ،
فلو أبداها للإزالة فسَقَ؛ إذ مَنِ ابْتُلِيَ بين محظورَينِ عليه أنْ يرتكبَ أَهْوَنَهما)) اهـ.
وقدَّمَ "الشارحُ" في الغُسل من الجنابة: ((أَنَّه لا يدَعُهُ وإِنْ رآه الناسُ))، وقدَّمنا (٤) ما فيه من
البحث هناك.
[٢٧٨٨) (قولُهُ: ولو إناءً أو مأكولاً) أي: كَقَصعةٍ وأدهانٍ، وهذا حيث أمكنَ لقوله آخرَ
الباب (٥): (( حنطةٌ طُبِخَتْ فِي حمرٍ لا تطهُرُ أبداً )).
[٢٧٨٩] (قولُهُ: أَوْ لا) كما لو تنجَّسَ طرفٌ من ثوبه ونسِيَهُ فيغسِلُ طرفاً منه ولو بلا تحرِّ
كما سيأتي متناً(٦) مع ما فيه من الكلام.
(قولُهُ: فلو قال "المصنّف": رفعُ خبثٍ إلخ) قد يقال: لم يقل رفعُ خبثٍ لأَنّه ربما يخفى معناه فيحتاجُ إلى
التفسير. اهـ "سندي".
(١) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٨/أ.
(٢) "الهداية": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ٣٤/١.
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٦٨/١ بتصرف.
(٤) المقولة [١٢٩١] قوله: ((لا يدعه وإن رأوه)).
(٥) صـ ٤٠٩ - "در".
(٦) صـ ٣٨٣ - "در".
الجزء الثاني
٣٢٧
باب الأنجاس
(بماء ولو مُستعمَلاً) به يُفتَى (وبكلِّ مائعٍ طاهرٍ قالعٍ) للنجاسةِ.
[٢٧٩٠] (قولُهُ: بماءٍ) يُستثنى منه الماءُ المشكوكُ على أحدِ القولين كما مرَّ(١) في الأسآر.
(٢٧٩١] (قولُهُ: به يُفْتَى) أي: خلافاً لـ "محمَّدٍ"؛ لأَنَّه لا يُجيزُ إزالةَ النحاسة الحقيقيَّةِ إلّ بالماء
المطلق، "بحر"(٢). لكنْ فيه (٣): (( أَنّهم ذكروا أنَّ الطهارة بانقلابِ العين قولُ "محمَّدٍ"))، تأمَّلْ.
(٢٧٩٢] (قولُهُ: وبكلِّ مائعٍ) أي: سائلٍ، فخرَجَ الجامدُ كالثلج قبلَ ذوبِهِ، أفاده "ط " (٤).
(تنبيةٌ)
صرَّحَ في "الحلبة"(٥) في بحث الاستنجاء: (( بأنَّه تُكرَّهُ إزالةُ النجاسة بالمائع المذكورِ لِما فيه
من إضاعةِ المال عند عدمِ الضرورة )).
(٢٧٩٣) (قولُهُ: طاهرٍ) فَوْلُ ما يؤكلُ لا يطهِّرُ محلَّ النجاسة اتفاقاً، بل ولا يزيلُ حكمَ الغليظة .
في المختار، فلو غسَلَ به الدَّمَ بقيتْ نجاسةُ الدم؛ لأَنَّه ما ازدادَ الثوبُ به إلاَّ شرًّاً، ولو حلَفَ ما فيه
دمّ - أي: نجاسةُ دمٍ - يحنثُ، وعلى الضعيفِ لا، وكذا الحكمُ في الماء المستعمَلِ على القول
بنجاسته، وتمامُهُ في "النهر"(٦).
(٢٧٩٤] (قولُهُ: قالِعٍ) أي: مُزِيلٍ.
(قولُهُ: إلاَّ بالماءِ المطلقِ) أي: لا بغيره من المائعات، فلا ينافي أنَّ "محمَّدً" يقولُ بالطهارة بانقلابِ
العين، على أنَّ موضوع كلام "البحر" إزالةُ النجاسة، وإنَّه لا يجوزُ إلاّ بالماء المطلق، وانقلابُ العين ليس
فيه إزالةُ النجاسةِ أصلاً حَتَّى يَرِدَ عليه، بل فيه انقلابُ عينٍ من حقيقةٍ إلى حقيقةٍ أخرى، تأمَّل.
(١) صـ٥٥ - "در".
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٣/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٩/١ بتصرف.
(٤) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٥٧/١.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة ١/ ق ٥١/ب.
(٦) انظر "النهر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٩/أ.
قسم العبادات
٣٢٨
حاشية ابن عابدين
يَنْعصِرُ بالعصرِ (كَخَلٍّ وماءٍ وَرْدٍ) حتى الرِّقِ(١)، فتطهُرُ أصبعٌ وثديٌّ تنخَّسَ(٢) بلحس ثلاثا
ے
(بخلافِ نحوٍ لَبَنِ) كزيتٍ؛ لأَنَّه غيرُ قالعٍ، وما قيل: إنَّ اللَنَ وبولَ ما يُؤْكَلُ مزيلٌ.
....
[٢٧٩٥] (قولُهُ: ينعصِرُ بالعصر) تفسيرٌ لـ ((قالعٍ))، لا قيدٌ آخرُ. اهـ "ح"(٣).
[٢٧٩٦) (قولُهُ: فتطهُرُ أصبعٌ إلخ) عبارةُ "البحر "(٤): ((وعلى هذا فرَّعُوا طهارةَ الَّدي إذا قاءً
عليه الولدُ، ثم رضِعَه حتى زالَ أثرُ القيءٍ، وكذا إذا لَّحَسَ إصبعَهُ من نجاسةٍ حتى ذهبَ الأثرُ، أو
شرِبَ خمراً، ثم تردَّدَ ريقُهُ في فيه مراراً طهُرَ، حتى لو صلَّى صحَّتْ، وعلى قول "محمَّدٍ" لا)) اهـ.
وقدَّمنا (٥) في الأسآرِ عن "الحلبة": [١/ق٢٣٥/ب] (( أَنَّه لا بدَّ أنْ يزولَ أثرُ الخمر عن الرِّيق
في كلِّ مرَّةٍ ))، وفي "الفتح"(٦): ((صبِيٌّ ارتضَعَ ثم قاءً، فأصابَ ثيابَ الأمّ إنْ كان ملءَ الفم
فنحسٌ، فإذا زادَ على قدْرِ الدرهم منَعَ، وَرَوَى "الحسنُ" عن "الإمام": أَنَّه لا يمنعُ ما لم يفحُشْ؛
لأَنَّه لم يتغيّرْ من كلِّ وجهٍ، وهو الصحيح، وقدَّمنا ما يقتضي طهارتَهُ )).
٢٠٥/١
[٢٧٩٧] (قولُهُ: مزيلٌ) لم يقلْ: مطهّرٌ لِما علمْتَ من أنَّ بول المأكول لا يطهِّرُ اتفاقاً، وإنما
الخلافُ في إزالتِهِ للنجاسة الكائنة.
(١) في "د" زيادة: ((قوله: حتى الريق إلخ، فائدة: قال البرهان الحلبيّ في "شرح المنية": الماءُ الذي يسيل من
فم النائم طاهرٌ، وذكر في "المحيط" أنَّه إنْ جفَّ وبقي له أثرٌ أي: ريح أو لون، بأن كان منتناً أو أصفر فإنّه
نجسٌ، وجه الأول: أن الغالب كونه من البلغم وهو طاهر مطلقاً عندهما خلافاً لأبي يوسف، ووجه الثاني:
أنَّ ما كان متغيراً فالظاهر كونه من المعدة، وما خرج منها نجسٌ، واستثناؤهما البلغم لِلُزُوجَتِهِ، وهذا ليس
كذلك، على أنّه يجوز أن يكون من قرحة ونحوها أيضاً، وقال في "الملتقط": هو طاهرٌ إلا إذا علم أنّه من
الجوف، وهو غير مخالف لما في "المحيط" فإنَّ تغيُّر الرائحة أو اللون، دليلٌ على أنَّه من الجوف، وأمَّا إذا علم
أنَّه من قرحة ونحوها فلا خفاء في نجاسته، والكلام فيما إذا لم يعلم ذلك)).
(٢) ((تنجَّس)) ساقطة من "د".
(٣) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٨/أ.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٣/١.
(٥) المقولة [١٩٦٤] قوله: ((فور شربها)).
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٩/١ بتصرف نقلاً عن "فتاوى نجم الدين النسفيّ".
الجزء الثاني
٣٢٩
باب الأنجاس
فخلافُ المختار.
(ويطهُرُ خفٌّ ونحوُهُ) كنعْلٍ (تنجَّسَ بذي حِرْمٍ).
[٢٧٩٨] (قولُهُ: فخلافُ المختار) وعلى ضعفِهِ فالمرادُ بالََّن ما لا دُسُومةَ فيه، "بحر"(١).
[٢٧٩٩] (قولُهُ: ويطهُرُ خفٌّ ونحوُهُ)(٢) احترازٌ عن الثوب والبدن، فلا يطهُرانِ بالدَّلك إلاَّ في
المنيِّ، وتمامُهُ في "البحر"(٣). وأطلقَهُ فشمِلَ ما إذا أصابَ النجسُ موضعَ الوطءِ وما فوقه، وهو
الصحيحُ كما في "حاشية الحمويّ (٤).
(٢٨٠٠] (قولُهُ: كنفعلٍ) ومثلُهُ الفَرْوُ. اهـ "ح"(٥) عن "القُهُستانيِّ"(٦) و"الحمويّ"(٧).
أي: مِنْ غيرِ جانبِ الشَّعر، وقَّدَ النعلَ في "النهر (٨) بغيرِ الرَّقيقِ، ولم أره لغيره، وأمَّا قولُ
"البحر"(٩): ((قَّدَه "أبو يوسف" بغيرِ الرقيق)) فالمرادُ به النجِسُ ذو الجرم، ومثّلَ له في "المعراج"
بالخمر والبول، فالضميرُ في عبارة "البحر" للنجسِ لا للنعل.
(٢٨٠١) (قولُهُ: بذي جِرْمٍ) أي: وإنْ كان رَطْباً على قول "الثاني"، وعليه أكثرُ المشايخ، وهو
الأصحُّ المختارُ، وعليه الفتوى لعمومٍ البلوى، ولإطلاقِ حديث "أبي داودَ"(١٠): ((إذا جاءَ أحدُكم
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٤/١.
(٢) في "د"زيادة: ((هذا عند أبي يوسف بشرط أن يكون على سبيل المبالغة وعليه الفتوى، ذكره في "المحيط"، وعند أبي
حنيفة أيضاً يطهر بالدَّلْك، ولكن إذا جفَّت النجاسة، لا إذا كانت رطبة، وعند محمد لا يطهر إلا بالغسل كما في
"شرح المنية". انتهى ))
(٣) انظر "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٤/١.
(٤) "غمز عيون البصائر": الفن الثاني - كتاب الطهارة ٨/٢.
(٥) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٨/أ.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في الأنجاس ٦٠/١.
(٧) "غمز عيون البصائر": الفن الثاني، كتاب الطهارة ٨/٢.
(٨) "النهر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٩/ب.
(٩) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٥/١.
(١٠) أخرجه أبو داود (٦٥٠) كتاب الصلاة - باب الصلاة في النعل، وأخرجه أحمد ٢٠/٣-٩٢، وابن أبي شيبة ٣٠٧/٢
كتاب صلاة التطوع والإمامة - باب من رخص في الصلاة في النعلين، والطيالسيّ (٢١٥٤)، وعبد الرزاق (١٥١٦)، =
قسم العبادات
٣٣٠
حاشية ابن عابدين
هو كلُّ ما يُرى بعد الجفاف ولو مِن غيرها كخمرٍ وبولِ أصابه ترابٌ، به يُفتَى (بدِلْكٍ)
المسجدَ فلينظرْ، فإنْ رأى في نعلِهِ أذىًّ أو قذراً فليمسحْهُ، وليصلِّ فيهما))، كما في "البحر"(١) وغيره.
[٢٨٠٢) (قولُهُ: هو كلُّ ما يُرى بعد الجفافِ) أي: على ظاهرِ الخفِّ كالعَذِرةِ والدَّمِ، وما لا
يُرى بعد الجفاف فليس بذي حِرْمٍ، "بحر "(٢). ويأتي تمامُهُ قريباً(٣).
[٢٨٠٣] (قولُهُ: ولو مِنْ غيرِها) أي: ولو كان الجِرِمُ المرئيُّ من غيرِ النجاسة.
(٢٨٠٤] (قولُهُ: كخمرٍ وبولٍ إلخ) أي: بأنِ ابَلَّ الخفُّ بخمرٍ، فمشى به على رملٍ أو رمادٍ
فاستحسَدَ، فمسَحَهُ بالأرض حتى تناثَرَ طهُرَ، وهو الصحيحُ، "بحر "(٤) عن "الزيلعيِّ" (٥).
أقولُ: ومُفادُه أنَّ الخمر والبولَ ليس بذي جِرْمٍ مع أنَّه قد يُرى أثْرُهُ بعد الجفاف، فالمرادُ بذي
" الجرم ما تكونُ ذاتُهُ مشاهَدةً بحسِّ البصر، وبغيره ما لا تكونُ كذلك كما سنذكُرُه(٦) مع ما فيه
من البحث عند قوله: (( وكذا يطهُرُ محلُّ نجاسةٍ مرئيَّةٍ)).
[٢٨٠٥] (قولُهُ: بدلكٍ) أي: بأنْ يمسحَهُ على الأرض مسحاً قويًّاً، "ط)(٧). ومثلُ الدَّلكِ الحُّ
(قولُهُ: وليصلِّ فيهما) قال "المصحِّح": ((هكذا بخطّهِ، ولعلَّهُ: فيها، أي: النعلِ وليحرَّر لفظُ
الحديث)) اهـ. ولفظُ الحديث على ما في "السنديِّ" : ((نعليه)) بالتثنية.
(قولُهُ: الحثُّ) هو إمرارُ جِرْمٍ على جِرْءٍ صَكّاً، "قاموس".
= والدارميّ ٣٢٠/١ كتاب الصلاة - باب طهارة الخف والنعلين، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٠١٧) كتاب الصلاة - باب
المصلي يصلي في نعليه وقد أصابها قذر، والحاكم في "المستدرك" ٢٦٠/١ كتاب الصلاة - وصحَّحه ووافقه الذهبيّ، وأبو
يعلى (١١٩٤)، وابن حبان (٢١٨٥) كتاب الصلاة - ذكر الأمر لمن أتى المسجد للصلاة أن ينظر في نعليه.
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٤/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٥/١ بتصرف.
(٣) المقولة [٢٨٠٤] قوله: ((كخمر وبول إلخ)).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٥/١.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٧١/١ بتصرف.
(٦) المقولة [٢٩٤٣] قوله: ((بعد جفاف)).
(٧) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٥٧/١.
الجزء الثاني
٣٣١
باب الأنجاس
يزولُ به أثرُها (وإلاَّ) جرْمَ لها كبولِ (فُيُغْسَلُ، و) يطهُرُ (صقيلٌ) لا مَسامَّ له
(كمرآةٍ) وظُفْرٍ، وعظمٍ، وزجاجٍ، وآنيةٍ مدهونةٍ، أو خَرَّاطِئٍّ، وصفائحٍ فضَّةٍ غيرِ
منقوشةٍ (بمسحٍ يزولُ به أثرُها).
والحتُّ على ما في "الجامع الصغير"(١)، وفي "المغرب"(٢): ((الحتُّ: القَشْرُ باليد أو العُودِ )).
(٢٨٠٦] (قولُهُ: يزولُ به أثرُها) [١/ق ٢٣٦ /أ] أي: إلاَّ أنْ يشِقَّ زوالُهُ، "نهر"(٣).
[٢٨٠٧] (قولُهُ: وإلاَّ جِرْمَ لها) أي: وإنْ كانت النجاسةُ المفهومةُ من المقام لا جِرْمَ لها.
[٢٨٠٨] (قولُهُ: فُيُغْسَلُ) أي: الخفُّ، قال في "الذخيرة": ((والمختارُ أنْ يُغْسَلَ ثلاثَ مرَّاتٍ،
ويُترَكَ في كلِّ مرةٍ حتى ينقطِعَ التقاطُرُ وتذهبَ النَّداوةُ، ولا يُشترَطُ الْسُ)).
[٢٨٠٩] (قولُهُ: صَقِيلٌ) احترَزَ به عن نحوِ الحديد إذا كان عليه صداً أو منقوشاً، وبقوله:
((لا مَسامَّ له)) عن الثوبِ الصَّقِيلِ، فإنَّ له مسامَّ، "ح"(٤) عن "البحر "(٥).
[٢٨١٠] (قولُهُ: وآنبةٍ مدهونةٍ) أي: كالزُّبِدِيَّةِ الصِّينية، "حلبة"(٦).
(٢٨١١) (قولُهُ: أو خَرَّاطِيٍّ) بفتحِ الخاء المعجمة والرَّاءِ المشدَّدة بعدَها ألفٌ، وكسرِ الطاء
المهملة، آخره ياءٌ مشدّدةٌ، نسبةٌ إلى الخرَّاط، وهو خشبٌ يخرِطُهُ الخرَّاط، فيصيرُ صقيلاً
كالمرآة، "ح"(٧).
[٢٨١٢] (قولُهُ: يمسحٍ) متعلّقٌ بـ (يطهُرُ))، وإنما اكتُفِيَ بالمسح لأنَّ أصحاب رسول اللـه ◌َِّ
كانوا يقتلون الكفّارَ بسيوفهم، ثم يمسحونها ويصلُّون معها(٨)، ولأَنَّه لا تتداخلُهُ النجاسةُ،
(١) "الجامع الصغير": كتاب الطهارة - باب في النجاسة تصيب الثوب أو الخف أو النعل صـ ٨٠ -.
(٢) "المغرب": مادة ((حتت)).
(٣) "النهر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٩/ب.
(٤) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٢٨/أ.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٦/١ بتصرف.
(٦) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣١٧/ب.
(٧) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٨/أ.
(٨) لم نجد هذا الأثر إلا في كتب الفقه.
قسم العبادات
٣٣٢
حاشية ابن عابدين
مطلقاً، به يُفتَى (و) تطهُرُ (أرضٌ)
وما على ظاهرِهِ يزولُ بالمسح، "بحر"(١).
(٢٨١٣) (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ أصابَهُ نجسٌ له جِرْمٌ أوْ لا، رَطْباً كان أو يابساً على المختار
للفتوى، "شربلاليّةٍ(٢) عن "البرهان". قال في "الحلبة"(٣): ((والذي يظهرُ أَنَّها لو يابسةً ذاتَ جِرْمٍ تطهُرُ
بالحتِّ والمسحِ بما فيه بلَلٌ ظاهرٌ من خرقةٍ أو غيرها حتى يذهبَ أَثْرُها مع عَِها، ولو يابسةً ليست بذاتِ
جِرْمٍ كالبول والخمر فبالمسحِ بما ذكرناه لا غيرَ، ولو رطبةً ذاتَ حِرْمٍ أوْ لا فبالمسحِ بخرقةٍ مبتَّةٍ أَوْ لا)).
(تنبيةٌ)
بقيَ مما يطهُرُ بالمسح موضعُ الحجامة، ففي "الظهيريَّةَ"(٤): ((إذا مسَحَها بثلاثِ خرق
رطباتٍ نِظافٍ أجزأه عن الغَسل))، وأقرَّهُ في "الفتح "(٥)، وقاسَ عليه ما حوْلَ محلِّ الفصد إذا تلطَّخَ
ويُخافُ من الإِسالةِ السَّرَيانُ إلى الثقب، قال في "البحر"(٦): ((وهو يقتضي تقييدَ مسألة المحاجمِ بما
إذا خافَ من الإِسالةِ ضرراً، والمنقولُ مطلقٌ)) اهـ.
أقولُ: وقد نقَلَ في "القنية (٧) عن "نجم الأئمَّةُ (٨) الاكتفاءَ فيها بالمسحِ مرَّةً واحدةً إذا زالَ
بها الدَّمُ، لكنْ في "الخانَيَّة"(٩): (( لو مسَحَ بها موضعَ الحجامة بثلاثِ خرقِ مبلولةٍ يجوزُ
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٧/١.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - باب تطهير الأنجاس ٤٦/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣١٧/ب بتصرف.
(٤) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الثاني - الفصل الثالث فيما يتنجس ومالا يتنجس ق٦/أ معزياً إلى الفقيه أبي الليث.
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٦/١.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٥/١ بتصرف يسير.
(٧) "القنية": كتاب الطهارة - باب تطهير النجاسة والدباغ ق٧/ب.
(٨) هو نجم الأئمة البخاريّ، مِن علماء القرن الخامس، ومِن أقران الصدر الماضي عبد العزيز بن عمر بن مازه، وعلاء
الدين الحِمَّاني، والبدر طاهر، وكان مدار الفتوى عليهم. ("الجواهر المضية"٤٤٠/٤، "الفوائد البهية" صـ ٢٢٠-).
(٩) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ٢٥/١ باختصار (هامش"الفتاوى الهندية").
الجزء الثاني
٣٣٣
باب الأنجاس
بخلاف نحوِ بساطٍ (بُبْسِها)
إِنْ كان الماءُ متقاطراً )) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ هذا مبنيٌّ على قول "أبي يوسف" في المسألةِ بلزومِ الغَسلِ كما نقَلَهُ عنه في
"الحلبة"(١) عن "المحيط"، يدُلُّ عليه ما في "الخانَيَّة"(٢) قبل هذه المسألةِ عن "أبي جعفرٍ": ((على بدَنِهِ
نجاسةٌ، فمسَحَها بخرقةٍ مبلولةٍ ثلاثاً يطهُرُ لو الماءُ متقاطراً على بدنه)) اهـ.
فإنّه مع التقاطُرِ يكونُ غَسلاً [١/ق٢٣٦/ب] لا مسحاً لِما في "الولو الحيّة(٣): ((أصابَهُ نجاسةٌ،
فَبَلَّ يده ثلاثً ومسَحَها، إنْ كانت البلَّةُ من يده متقاطرةً جاز؛ لأَنَّه يكونُ غَسلاً، وإلاَّ فلا)).
[٢٨١٤] (قولُهُ: بخلافِ نحوِ بساطٍ) أي: وحصيرٍ وثوبٍ وبدنٍ مما ليس أرضاً ولا مَتَّصلاً بها
اتّصالَ قرارٍ.
[٢٨١٥] (قولُهُ: بُبْسِها) لِما في "سنن أبي داودَ"(٤): ((بابُ طهورِ الأرض إذا يِسَتْ))،
وساقَ بسنده عن "ابن عمرَ" قال: ((كنتُ أَبْتُ في المسجد في عهد رسول الله صَ لّ، وكنتُ شاباً
عَرَباً، وكانت الكلابُ تبولُ، وتُقِلُ وتُدِرُ في المسجد، ولم يكونوا يرُشُّون شيئاً من ذلك)). اهـ
ولو أُريدَ تطهيرُها عاجلاً يُصَبُّ عليها الماءُ ثلاثَ مراتٍ، وتُحفَّفُ في كلِّ مرةٍ بخرقةٍ طاهرةٍ،
وكذا لو صُبَّ عليها الماءُ بكثرةٍ حتى لا يظهَرَ أثرُ النجاسة، "شرح المنية "(٥) و"فتح"(٦). وهل الماءُ
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣١٧/ب.
(٢) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما لا يجوز به التوضؤ ١٧/١ بتصرف (هامش"الفتاوى الهندية").
(٣) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل الثاني في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ق٣/ب.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٨٢) كتاب الطهارة - باب في طهور الأرض إذا يبست، ومن طريق أبي داود أخرجه البغويّ في
"شرح السنة" (٢٩٢)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى"٤٢٩/٢ كتاب الصلاة - باب من قال بطهور الأرض إذا
يبست، وأخرجه أحمد ٧٠/٢-٧١، وأخرجه البخاري مختصراً(١٧٤) كتاب الوضوء - باب إذا شرب الكلب في
الإناء، وأخرجه ابن حبان (١٦٥٦) كتاب الصلاة - باب المساجد.
(٥) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني في الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٧ -.
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٥/١ بتصرف يسير.
قسم العبادات
٣٣٤
حاشية ابن عابدين
أي: جفافِها ولو بريحٍ (وذهابِ أثرِها).
٢٠٦/١ في الصورة الثانية نجسٌ أم طاهرٌ؟ يُفهَمُ من قول "البحر"(١): ((صَبَّ عليها الماءَ كثيراً، ثمَّ تَرَكَها
حتى نشِفَت طهُرَتْ)) أَنَّه نجسرٌ؛ لأَنَّه علَّقَ طهارتَها بنشافِها، أي: يُيْسِها، وبه صرَّحَ في
"التتار خانَّة"(٢) عن "الحجَّة"، حيث قال: ((ويتنجَّسُ الموضعُ الذي انتقَلَ الماءُ إليه))، وفي
"البدائع"(٣) ما يدُلُّ عليه.
والظاهرُ: أنَّ هذا حيث لم يصِرِ الماءُ جارياً عُرْفً، أمَّا لو جرَى بعد انفصاله عن محلِّها، ولم
يظهرْ فيه أثرُها فينبغي أنْ يكون طاهراً؛ لأنَّ الجاريَ لا ينجُسُ وإنْ لم يكنْ له مددٌ ما لم يظهر فيه
الأَثْرُ، يدلُّ عليه ما في "الذَّخيرة": ((وعن "الحسن بن أبي مطيعِ"(٤): إذا صَبَّ عليها الماءَ، فجرى
قَدْرَ ذراعٍ طهُرَتِ الأرضُ، والماءُ طاهرٌ بمنزلة الماءِ الجاري، وفي "المنتقى": أصابَها المطرُ غالباً،
وجرى عليها فذلك مطهّرٌ لها، ولو قليلاً لم يَجْرِ عليها لم تطهُرْ، فيغسِلُ قدميه وخفّه، يريدُ به إذا
كان المطرُ قليلاً، ومشى عليها)) اهـ.
فهذا نصٌّ في المقصود، ولله الحمد، وسنذكُرُ(٥) آخرَ الفصل تمامَ ذلك.
[٢٨١٦] (قولُهُ: أي: جفافِها) المرادُ به ذهابُ النَّدوة، وفسَّرَ "الشارحُ" به لأَنَّه المشروطُ دون
الْبَيْسِ كما دلَّتْ عليه عباراتُ الفقهاء، "قُهُستاني" (٦). وصرَّحَ به "ابنُ الكمال" عن "الذخيرة".
[٢٨١٧] (قولُهُ: ولو بريحٍ) أشارَ إلى أنَّ تقييد "الهداية"(٧) وغيرها بالشَّمس اتّفاقيٌّ، فإنّه
لا فرقَ بين الجفاف بالشمس أو النارِ أو الريحِ كما في "الفتح"(٨) وغيره.
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٨/١ بتصرف نقلاً عن "السراج"و"الخلاصة" و"المحيط".
(٢) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الثامن في تطهير النجاسات ٣٠٩/١.
(٣) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان ما يقع به التطهير ٨٥/١.
(٤) لم نعثر على ترجمته فيما بين أيدينا من المصادر.
(٥) المقولة [٢٩٢١] قوله: ((أي: جرى)).
(٦) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في الأنجاس ٦١/١ بتصرف يسير.
(٧) "الهداية": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ٣٥/١.
(٨) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٦/١.
الجزء الثاني
٣٣٥
باب الأنجاس
كلونٍ وريحِ (ٍ) أَجْلِ (صلاةٍ) عليها (لا لتيمُّمِ) بها؛ لأنَّ المشروط لها الطهارةُ وله
الطُّهوَرِيَّةِ.
(و) حكمُ (آجُرٍّ) ونحوِهِ كلبِنِ (مفروشٍ وخُصٍ) بالخاء: تحجيرةً سطحِ (وشجرٍ ...
[٢٨١٨) (قولُهُ: كَلَوْنٍ وريحٍ) أَدْخَلَتِ الكافُ الطَّعَمَ، وبه صرَّحَ في "البحر"(١) و"الذَّخيرة"
وغيرهما.
[٢٨١٩] (قولُهُ: وله الطُّهوريَّةُ) لأنَّ الصَّعيد عُلِمَ قبل التنجُّسِ طاهرً وطهوراً، وبالتنخُّسِ
[١/ق٢٣٧/أ] عُلِمَ زوالُ الوصفين، ثم تَبَتَ بالجفاف شرعاً أحدُهما - أعني التطهيرَ - فيبقى الآخرُ
على ما عُلِمَ من زوالِهِ، وإذا لم يكن طهوراً لا يتيمَّمُ به. اهـ "فتح"(٢).
(٢٨٢٠) (قولُهُ: مفروشٍ) أمَّا لو موضوعاً غيرَ مُثَبَتٍ فيها يُنقَلُ ويُحوَّلُ فلا بدَّ من الغَسل؛ لأنَّ
الطهارة بالجفاف إنما ورَدَتْ في الأرض، ومثلُ هذا لا يُسمَّى أرضاً عُرْفاً، ولذا لا يدخُلُ في بيع
الأرض حكماً لعدمٍ اتّصالِهِ بها على جهةِ القرار، فلا يُلحَقُ بها، "شارح المنية"(٣).
زاد في "الحلبة"(٤): ((وإذا قُلِعَ المفروشُ بعد ذلك هل يعودُ نجساً؟ فيه روايتان، قلت: والأشبهُ
عدمُ العَودِ)) اهـ. وفي "البحر"(٥) عن "الخلاصة"(٦): ((أَنَّه المختارُ)).
(٢٨٢١] (قولُهُ: بالخاء) أي: المعجمةِ المضمومةِ والصَّادِ المهملةِ المشدَّدة.
(٢٨٢٢] (قولُهُ: تَحْجِيرةُ سطحٍ) من الحَحْرِ بالفتح، وهو المنعُ، وفسَّرَهُ في "الدرر"(٧) تبعاً
لـ "صدر الشريعة"(٨) بالسُّرةِ التي تكونُ على السُّطوح، أي: لأَنّها تمنعُ من النظرِ إلى مَنْ هو
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٨/١.
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٦/١.
(٣) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٧ -١٨٨ - بتصرف يسير.
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٣٣/أ.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٨/١.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل السادس في غسل الثوب والدهن ونحوه ق ١٤/ب.
(٧) "الدرر": كتاب الطهارة - باب تطهير الأنجاس ٤٦/١.
(٨) "شرح الوقاية": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٣٢/١ وزاد أنها - أى السترة - من القصب (هامش"كشف الحقائق").
قسم العبادات
٣٣٦
حاشية ابن عابدين
وكلاً قائمين في أرضٍ كذلك) أي: كأرضٍ، فيطهُرُ بجفافٍ، وكذا كلُّ ما كان
ثابتاً فيها؛ لأخذِهِ حكمَها باتّصاله بها، فالمنفصلُ يُغسَلُ لا غيرَ، إلاَّ حَجَراً حَشِناً
کرَحاً فكأرضٍ.
(ويطهُرُ منيٌّ) أي: محلُّهُ (يابسٌ.
خلفَها، وفسَّرَهُ في "المغرب"(١) و"الصحاح"(٢) بالبيتِ من القَصَبِ.
[٢٨٢٣) (قولُهُ: وكَلٍ) بوزن جَبَلٍ، قال في "المغرب"(٣): ((هو اسمٌ لِما يرعاهُ الدَّابُّ رطباً
كان أو يابساً)).
[٢٨٢٤] (قولُهُ: وكذا إلخ) ومثلُهُ الحصا إذا كان متداخِلاً في الأرض كما في "المنية"(٤)، وفي
"التاتر خانَّةً "(٥): ((أمَّا إذا كان على وجهِ الأرض لا يطهُرُ)) اهـ.
والظاهرُ أنَّ التراب لا يتقيَّدُ بذلك، وإلا لَزِمَ تقييدُ الأرض التي تطهُرُ باليبس بما لا ترابَ
عليها، تأمَّلْ.
[٢٨٢٥] (قولُهُ: إلاَّ حَجَراً خَشِناً إلخ) في "الخانيَّةُ "(٦) ما نصُّهُ: ((الحجَرُ إذا أصابتهُ النجاسةُ إِنْ
كان حَجَراً يتشرَّبُ النجاسةَ كحجرِ الرَّحِى يكونُ يُبْسُه طهارةً، وإنْ كان لا يتشرَّبُ لا يطهُرُ
بالغَسل)) اهـ. ومثلُهُ في "البحر)(٧).
وبحَثَ فيه في "شرح المنية (٨)، فقال: ((هذا بناءً على أنَّ النصَّ الواردَ في الأرض معقولُ
المعنى؛ لأنَّ الأرض تجذِبُ النجاسةَ، والهواءُ يحفّفُها، فُيُقاسُ عليه ما يوجدُ فيه ذلك المعنى الذي هو
(١) "المغرب": مادة ((خصص)).
(٢) "الصحاح": مادة ((خصص)).
(٣) "المغرب": مادة ((كلأ)).
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٨ -.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الثامن في تطهير النجاسات ٣١٦/١.
(٦) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ٢٣/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٧/١ نقلاً عن الصيرفيّ.
(٨) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٨ -.
الجزء الثاني
٣٣٧
باب الأنجاس
بِفَرْكٍ) ولا يضرُّ بقاءُ أثره (إِنْ طَهُرَ رأسُ حشفةٍ)
الاجتذابُ، ولكنْ يلزمُ منه أنْ يطهُرَ اللَِّنُ والآجُرُّ بالجفاف وذهابِ الأثر وإنْ كان منفصلاً عن
الأرض لوجودِ التشرُّبِ والاجتذابِ)) اهـ.
وعن هذا استظهَرَ في "الحلبة"(١) حملَ ما في "الخانَيَّة" على الحجَرِ المفروشِ دونَ الموضوع،
وهذا هو المتبادِرُ من عبارة "الشرنبلاليَّة"(٢)، لكنْ يرِدُ عليه أنَّه لا يظهرُ فرقٌ حينئذٍ بين الخشِنِ
وغيره، فالأَولى حملُهُ على المنفصلِ كما هو المفهومُ المتبادِرُ من عبارة "الخالنَّة" و"البحر".
ويجابُ عمَّا بِحَثَهُ في "شرح المنية" بأنَّ اللَّبِنَ والآجُرَّ قد خرجا بالطبخِ والصَّنَعةِ عن
[١/ق٢٣٧ /ب] ماهَّتِهِما الأصليَّةِ بخلاف الحجر، فإنَّه على أصلٍ خِلْقِتِهِ، فأشبَهَ الأرضَ بأصله،
وأشبَهَ غيرَها بانفصاله عنها، فقلنا: إذا كان خَشِناً فهو في حكم الأرض؛ لأَنَّه يتشرَّبُ النجاسةَ،
وإنْ كان أمَلَسَ فهو في حكمٍ غيرها؛ لأَنَّه لا يتشرَّبُ النجاسةَ، والله أعلمُ.
[٢٨٢٦] (قولُهُ: بفَرْكٍ) هو الحثُّ باليدِ حتى يتفَتَّتَ، البحر "(٣).
[٢٨٢٧) (قولُهُ: ولا يضُرُّ بقاءُ أثرِهِ) أي: كبقائِهِ بعدَ الغَسل، "بحر "(٤).
[٢٨٢٨] (قولُهُ: إِنْ طَهُرَ رأسُ حشفةٍ) قيل: هو مقيّدٌ أيضاً بما إذا لم يسبِقْهُ مذْيٌ، فإنْ سبَقَهُ
فلا يطهُرُ إلَّ بالغَسل، وعن هذا قال شمس الأئمّة "الحَلْوانِيُّ": ((مسألةُ المنيِّ مشكلةٌ؛ لأنَّ كلَّ
فحلٍ يمذي ثم يمني، إلاَّ أنْ يقال: إنَّه مغلوبٌ بالمني مستهلَكٌ فيه، فُيُحِعَلُ تبعاً)) اهـ.
وهذا ظاهرٌ، فإِنَّه إذا كان كلُّ فحلٍ كذلك، وقد طهَّرَهُ الشرعُ بالفَرك يابساً يلزمُ أَنَّه اعتُبرَ
مستهلكاً للضَّرورة، بخلافِ ما إذا بالَ فلم يستَنْجِ بالماء حتى أمنَى لعدمِ المُلحِيِّ. اهـ "فتح "(٥).
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٣٣/ب.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - باب تطهير الأنجاس ٤٦/١ (هامش"الدرر والغرر").
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٦/١ نقلاً عن "شرح ابن الملك".
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٦/١ نقلاً عن "المجتبى".
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٤/١ بتصرف.
قسم العبادات
٣٣٨
حاشية ابن عابدين
كأنْ كان مستنجياً بماءٍ، وفي "المجتبى": ((أولَجَ فنزَعَ فأنزَلَ لم يَطهُرْ إلاَّ بِغَسِهِ ...
وما في "البحر"(١): ((من أنَّ ظاهر المتون الإطلاقُ، فإنَّ المذيَ لم يُعْفَ عنه إلاَّ لكونِهِ
مستهلَكاً لا للضَّرورة، فكذا البولُ)) رَدَّهُ في "النهر "(٢): ((بأنَّ الأصل أنْ لا(٣) يُجعَلَ النجسُ تبعاً
لغيره إلاَّ بدليلٍ، وقد قامَ في المذيِ دون البولِ)) اهـ
٢٠٧/١
قال الشيخ "إسماعيلُ)(٤): ((وهو بعيدٌ(٥) كما لا يخفى)) اهـ.
وقال العلاّمة "نوحٌ": ((والحقُّ أنَّ المذي إنما ◌ُفِيَ عنه للضَّرورة لا للاستهلاك))، ثم أطالَ في
ردِّ ما في "حاشية أخي جلبي": ((مِنَ اللَّق بحالٍ المسلم أنْ لا يكتفيَ بالفرك في المنيِّ أبداً؛ لأنَّ
القيود المعتبَرَةَ فيه مما يستحيلُ رعايتها عادةً))، فراجِعْهُ.
[٢٨٢٩] (قولُهُ: كأنْ كانَ مُستنجياً بماءٍ) أي: بعدَ البولِ، واحترَزَ عن الاستنجاء بالحجر؛ لأَنَّه
مقلِّلٌ للنحاسة لا قالِعٌ لها كما مرَّ(٦) في مسألة البئر؛ قال في "شرح المنية"(٧): ((ولو بالَ،
ولم يستَنْجِ بالماء قيل: لا يطهُرُ المنيُّ الخارجُ بعدَه بالفَرْكِ، قاله "أبو إسحاقَ" الحافظ (٨)،
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٦/١ باختصار.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٢٩/ب.
(٣) ((لا)) ساقطة من"آ".
(٤) "الإحكام": كتاب الطهارة - ١/ق ٢١٢/ب.
(٥) في النسخ جميعها: ((وجيه)) وهو خطأ، وما أثبتناه من "الإحكام" و"البحر" هو الصحيح.
وثمَّةَ إشكالان: الأوَّل: قوله: ((بعيدٌ كما لا يخفى)) ليس كلام الشيخ إسماعيل، بل هو كلام البحر نقله عنه
الشيخ إسماعيل.
الثاني: قول ابن عابدين رحمه الله: ((قال الشيخ إسماعيل: وهو بعيد كما لا يخفى)) يوهم أنَّ البعيد كلام "النهر"،
وليس كذلك؛ إذ البعيد هو كلام "غاية البيان" المنقول في "البحر"، وهو: ((اشتراط كون الثوب الذي يطهر بالفرك
غسيلاً لا جديداً ))، ولم ينقله ابن عابدين رحمه الله هنا، ففي اختصاره خلل، فليتأمل.
(٦) ٦٧٠/١ "در".
(٧) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨١-١٨٢ -.
(٨) أبو إسحاق الحافظ: أستاذ شيخ الإسلام، وعلاء الأئمة الخيّاطي، ("الجواهر المضية"١١/٤) قال محققه: والمترجم من
رجال القرن السادس تقديراً.