Indexed OCR Text
Pages 261-280
قسم العبادات
٢٥٩
حاشية ابن عابدين
وتترُكُ غيرَ مؤكِّدةٍ ومسجداً وجماعاً، وتصومُ رمضانَ.
الشروع فيها، فاخترنا الاستحسانَ، وقد قال به البعضُ، وقدَّمَه "برهانُ الدين" في "المحيط " (١)،
وتداركْنا ذلك الاحتمالَ باختيارِ قول "أبي سهلٍ": إنَّها تعيدُ كلَّ صلاةٍ في وقتِ أخرى قبلَ
الوقتية، فتيقِّنُ بالطهارة في إحداهما لو وقعتْ فِي طُهرٍ)) اهـ.
أقولُ: وهو تحقيقٌ بالقبولِ حقيقٌ.
[٢٥٩٦) (قولُهُ: وتترُكُ غيرَ مؤكّدةٍ إلخ) متعلّقٌ بقوله: ((وإِنْ بينَهما إلخ))، ذكَرَه "ح"(٢)
و"ط"(٣).
أقولُ: وهو تخصيصٌ بلا مخصِّصٍ؛ إذ لا فرقَ يظهرُ، ويحتاجُ إلى نقلٍ، فليراجعْ، وإنما لا تترُكُ
السُّنْنَ المؤكَّدَةَ - ومثلُها الواجبُ بالأَولِى - لكونِها شُرِعَتْ جبراً لنقصان تمكَّنَ(٤) في الفرائض،
فيكونُ حكمُها حكمَ الفرائض.
ثُمَّ اعلمْ أَنَّها تقرأُ في كلِّ ركعةٍ الفاتحةَ وسورةً قصيرةً، وتقرأُ [١/ق٢١٩ /ب] في الأُخرَيَينِ
من الفرض الفاتحةَ في الصحيح، وتقرأُ القنوتَ وسائرَ الدَّعَوات، "بركويّة"(٥) وغيرُها.
[٢٥٩٧] (قولُهُ: ومسجداً وحِماعاً) أي: تترُكُهما، بأنْ لا تدخلَ المسجد إلاَّ لطوافٍ كما
يُعَلَمُ ثَمَا بعدَه، ولا تُمكِّنَ زوجَها من جِماعها، وكذا لا تَمَسُّ المصحفَ، ولا تصومُ تطوُّعاً، وإنْ
سمعتْ سجدةً، فسجدَتْ للحالِ سقطَتْ؛ لأنّها لو طاهرةً صحَّ أداؤها، وإلاّ لم تلزمْها، وإِنْ
أخَّرَتْها أعادَتْها بعد عشرةِ أيامٍ للتّيقُّنِ بالأداء في الطُّهر في إحدى المرّتين، وإنْ كانتْ عليها صلاةٌ
فائتةٌ فقضَتْها فعليها إعادَتُها بعدَ عشرة أيامٍ قبلَ أنْ تزيدَ على خمسةَ عشرَ، وإلاَّ احْتُمِلَ عَوْدُ
(١) "المحيط البرهانيّ": كتاب الطهارات - الحيض والنفساء والاستحاضة ١/ق ٣٩/أ، والعبارة في نسخة "المحيط"
التي بين أيدينا ((لا تغتسل لوقت كل صلاة)) بزيادة ((لا)) ولعلها خطأ من الناسخ.
(٢) "ح": كتاب الطهارة - باب الحيض ق ٢٤/أ.
(٣) "ط": كتاب الطهارة - باب الحيض ١٤٨/١.
(٤) في "م": ((يمكن)).
(٥) "ذخر المتأهلين": الفصل الخامس صـ١٥٥- (ضمن مجموع "رسائل البركويّ").
الجزء الثاني
٢٦٠
باب الحیض
ثُمَّ تقضي عشرين يوماً إنْ عَلِمتْ بدايتَهُ ليلاً، وإلاَّ فاثنين وعشرين، وتطوفُ لرُكنٍ
حيضِها، "تاتر خانَّةً"(١) و"بركويَّة"(٢) و"بحر "(٣).
١٩١/١
[٢٥٩٨] (قولُهُ: ثُمَّ تقضِيْ عشرين يوماً) أي: لاحتمالِ أنَّ الحيض عشرةُ أيامٍ في رمضانَ،
وعشرةُ أيامٍ في العشرين التي قضَتْها. اهـ "ح"(٤).
[٢٥٩٩] (قولُهُ: إِنْ علمَتْ بدايتَهُ ليلاً) لأَنَّ إِنْ بِدَأَ ليلاً خُتِمَ ليلاً، وبين الَّلتين عشرةٌ، فلم
يفسُدْ من صومِها سوى عشرةٍ أيامٍ في رمضانَ وعشرةٍ في القضاء، "ح"(٥).
[٢٦٠٠] (قولُهُ: وإلاَّ) أي: وإنْ علمَتْ بدايَتَه نهاراً، وذلك لأَنَّه إنْ بدأَ نهاراً خُتِمَ نهارَ حادي
عشرَ الأوَّلِ، فيفسُدُ أحدَ عشرَ يوماً من صومِها في رمضانَ، ومثلُها في القضاء، "ح"(٦). ومثلُهُ ما
إذا لم تعلمْ شيئاً كما في "الخزائن)"(٧).
ثُمَّ اعلمْ أنَّ هذا إنْ عَلِمَتْ أَنَّها تحيضُ في كلِّ شهرٍ مرَّةً، وإلاّ فإنْ لم تعلمْ أنَّ ابتداء حيضِها
باللَّيل أو بالنهار، أو علمَتْ أَنَّه بالنَّهار، وكان رمضانُ كاملاً قضَتِ اثنين وثلاثينٌ إنْ قضَتْ
(قولُ "الشارح": (٨) أربعةَ عشرَ) ثمَّ لا يُجزيها في أحدَ عشرَ. اهـ من "شرح البركويَّة".
(١) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل التاسع في الحيض ٣٧٣/١.
(٢) "ذخر المتأهلين": الفصل الخامس صـ١٥٥- باختصار (ضمن مجموع "رسائل البركويّ").
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٢١/١ بتصرف. وقوله: ((بعد عشرة أيام قبل أن تزيد على خمسة عشر))
عزاه في "البحر" إلى أبي علي الدقاق.
(٤) "ح": كتاب الطهارة - باب الحيض ق ٢٤/أ.
(٥) "ح": كتاب الطهارة - باب الحيض ق ٢٤/أ.
(٦) "ح": كتاب الطهارة - باب الحيض ق ٢٤/أ.
(٧) "الخزائن": كتاب الطهارة - باب الحيض ق ٥٦/أ.
قوله: ((قضت اثنين وثلاثين إلخ)) أي: لجواز حيضها في أوله نهاراً فيفسد أحد عشر، وفي آخره فتفسد خمسة،
ويوم العيد سادس حيضها فلا تصومه، ثم لا يجزيها خمسة بعده، ثم تجزي أربعة عشر، ثم يجزي في يومين، والجملة
اثنان وثلاثون. وأما لو فصلت فلا يجزيها صومها في أحد عشر من رمضان، ثم يجزي في أربعة عشر، ثم لا يجزي
في أحد عشر، ثم يجزي في يومين، والجملة ثمانية وثلاثون، وعلى هذا التخريج. اهـ منه
(٨) هذا التقرير على منهوة العلامة ابن عابدين رحمه الله السابقة، لا كما توهم الرافعي أنّه كلام الشارح، فليتنبه.
قسم العبادات
٢٦١
حاشية ابن عابدين
ثم تعيدُهُ بعد عشرةٍ، ولصَدَرٍ ولا تعيدُهُ، وتعتدُّ لطلاقٍ بسبعة أشهرٍ على المفتى به.
(وما تراهُ) من لونٍ ...
موصولاً برمضانَ، أي: في ثاني شوَّالِ، وإِنْ مفصولاً فثمانيةً وثلاثين، وإنْ كان رمضانُ ناقصاً
تقضي في الوصلِ اثنين وثلاثين، وفي الفصل سبعةً وثلاثين، وإنْ علمَتْ أنَّ ابتداءه باللَّيل والشهرُ
كاملٌ تقضي في الوصل والفصل خمسةً وعشرين، وإنْ كان ناقصاً ففي الوصلِ عشرين، وفي
الفصلِ أربعةً وعشرين، وتمامُ المسائل في "البركويَّةُ"(١)، وتوجيهُها في "شرحنا" عليها(٢)، وكذا في
"البحر "(٣)، لكنْ فيه تحريفٌ وسَقْطٌ، فليتنبَّهْ له.
(٢٦٠١) (قولُهُ: ولصَدَرٍ) بالتحريكِ، هو طواف الوداع، [١/ق٢٢٠/أ] وهو واجبٌ على
غيرِ المكِّيِّ، وسكَتَ عن طواف التحيّة لأَنَّه سنَّةٌ فتتركُهُ.
[٢٦٠٢] (قولُهُ: ولا تعيدُهُ) لأَنّها إنْ كانتْ طاهرةً فقد سقَطَ، وإلاَّ فلا يجبُ على الحائض،
"بحر "(٤).
[٢٦٠٣] (قولُهُ: وتعتدُّ لطلاقٍ) وقيل: لا يقدَّرُ لعدَّتِها طُهرٌ، ولا تنقضي عدَّتُها أبداً.
[٢٦٠٤] (قولُ: على المفتى به) أي: على القول السَّابقِ المفتى به من أَنَّه يُقدَّرُ طهرُها للعدَّةِ
بشهرين، فتنقضي بسبعة أشهرٍ لاحتياجها إلى ثلاثةِ أطهارِ بستةٍ أشهرِ وثلاثِ حيضاتٍ بشهرٍ،
وكَتَبَ "الشارحُ" في هامش "الخزائن"(٥) ما نصُّهُ: ((قولُه: وعليه الفتوى كذا في "النهاية" و"العناية"(٦)
(١) انظر "ذخر المتأهلين": الفصل الخامس صـ١٥٦- (ضمن مجموع "رسائل البركويّ").
(٢) انظر رسالة "منهل الواردين من بحار الفيض على ذخر المتأهلين في مسائل الحيض"١٠٣/١ (ضمن مجموعة "رسائل
ابن عابدين").
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٢١/١-٢٢٢.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٢٣/١.
(٥) "الخزائن": كتاب الطهارة - باب الحيض ق٥٦/أ.
(٦) "العناية": كتاب الطهارات - باب الحيض ١٥٦/١ نقلاً عن الحاكم الشهيد، وهو رواية ابن سماعة عن محمد، وهو
قول أبي علي الدقاق (هامش "فتح القدير").
الجزء الثاني
٢٦٢
باب الحيض
ككُدْرةٍ وتُربِيَّةٍ.
و"الكفاية"(١) و"فتح القدير"(٢)، واختارَه في "البحر"(٣)، وجزَمَ به في "النهر "(٤))) اهـ.
لكنْ في "السِّراج "(٥) عن "الصيرفيّ": ((إنما تنقضي عدَّتُها بسبعةِ أشهر وعشرة أيامٍ إلاّ ساعةً؛
لأَنَّه ربما يكونُ طَلَّقَها في أوَّلِ الحيض، فلا يُحتسَبُ بتلك الحيضةِ، فتحتاجُ إلى ثلاثةِ أَطهارٍ، وهي
ستةُ أشهرٍ وعشرةُ أيامٍ إلَّ ساعةً، وهي السَّاعةُ التي مضَتْ من الحيض الذي وقَعَ فيه الطلاقُ)).
[٢٢٠٥] (قولُهُ: ككُدْرةٍ وتُربَّةٍ) اعلمْ أنَّ ألوانَ الدماء سنةٌ: هذان، والسَّوادُ، والحُمرةُ،
والصُّفْرةُ، والخُضرةُ.
ثُمَّ الكُدْرةُ ما هو كالماءِ الكَدِرِ، والتّربِيَّةُ نوعٌ من الكُدْرةِ على لونِ التراب، بتشديدِ الياء وتخفيفِها
بغير همزةٍ نسبةً إلى التّربِ بمعنى التُرابِ، والصُّغْرةُ كصُفرةِ القَرِّ والنّبْنِ أو السِّنِّ على الاختلاف.
ثُمَّ المعتبرُ حالةُ الرُّؤية لا حالةُ التغُرِ كما لو رأتْ بياضاً، فاصفَرَّ باليْسِ، أو رأتْ حُمرةً أو
صُفُرةً، فابيضَّتْ بِالْسِ، وأنكَرَ "أبو يوسف" الكُدرةَ في أوَّلِ الحيض دونَ آخرِهِ، ومنهم مَنْ أُنكَرَ
الخُضرَةَ، والصحيحُ أَنَّها حيضٌ من ذواتِ الأَقْراء دونَ الآيسَةِ، وبعضُهم قال فيما عدا السَّوادَ
والحُمرةَ: لو وجدَتْه عجوزٌ على الكُرْسُف فهو حيضٌ إنْ كانتْ مدَّةُ وضعِه قريبةً، وإلاَّ فلا.
مطلبٌ: لو أفتى مُفتٍ بشيءٍ من هذه الأقوال في مواضعِ الضرورة طلباً للتيسير كان حسناً
وفي "المعراج" عن "فخر الأئمَّة": (( لو أفتى مُفْتٍ بشيءٍ من هذه الأقوالِ في مواضعٍ
(قولُهُ: لو أفْتَى مُفْتٍ بشيءٍ من هذه الأقوالِ في مواضع الضَّرورة إلخ) أي: بأنْ طَلَتْ عدَُّها، فعالَجَتْ
(١) "الكفاية": كتاب الطهارات - باب الحيض ١٥٦/١-١٥٧ نقلاً عن الحاكم الشهيد، وبرهان الدين عمر بن علي بن
أبي بكر (هامش "فتح القدير").
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الحيض ١٥٦/١ نقلاً عن برهان الدين عمر بن أبي بكر، وهو قول الحاكم
الشهید، وهو المروي عن محمد.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٢٣/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة - باب الحيض ق٢٧/ب.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الحيض ١/ق ٩٤/أ بتصرف.
--
قسم العبادات
٢٦٣
حاشية ابن عابدين
(في مدَّتِهِ) ..
الضَّرورة طَلَباً للتيسير كان حَسَناً)) اهـ.
وخصَّهُ بالضَّرورة لأنَّ هذه الألوانَ كلَّها حيضٌ فِي أَيَّامِه؛ لِما في "موطَّأٍ مالكٍ" (١): ((كان
النساءُ ببعثْنَ إلى "عائشة" بالدُّرْحَة فيها الكُرسُفُ فيه الصُّفْرةُ من دم الحيض [١/ق ٢٢٠/ب] لتنظُرَ
إليه، فتقول: لا تعجلْنَ حتى ترَيْنَ القَصَّةَ البيضاءَ، تريدُ بذلك الطُّهرَ من الحيض)) اهـ.
والدُّرجَةُ - بضمِّ الدَّال وفتحِ الجيم - خرقةٌ ونحوُها تُدخِلُها المرأةُ في فرجِها لتعرفَ أزالَ الدَّمُ
أم لا؟
والقَصَّةُ - بفتح القاف وتشديدِ الصَّاد المهملة - الجَصَّةُ، والمعنى: أنْ تخرجَ الدُّرجَةُ كأَنَّها
قَصَّةٌ لا يُخالِطُها صفرٌ ولا تربيّةٌ، وهو مجازٌ عن الانقطاع، وفي "شرح الوقاية"(٢): ((وضعُ
الكُرسُفِ مستحبّ للِكْرِ في الحيض وللتّبِ في كلِّ حالٍ، وموضعُه موضعُ البَكَارة، ويكرهُ في
الفرْجِ الدَّاخلِ)) اهـ.
وفي غيره: ((أَنَّه سنَّةٌ للثِّبِ في الحيض، مستحبٌّ في الطُّهر، ولو صلَّا بدونه جازَ)). اهـ
ملخَّصاً من "البحر"(٣) وغيره.
والكُرسُفُ - بضمِّ الكاف والسِّين المهملةِ، بينَهما راءٌ ساكنةٌ - القطنُ، وفي اصطلاح
الفقهاء: ما يوضَعُ على فمِ الفرجِ.
[٢٦٠٦] (قولُهُ: في مدَِّهِ) احترازٌ عمَّ تراه الصغيرة، وكذا الآيسَةُ في كلِّ ما تراه مطلقاً، أو
سوى الدَّمِ الخالصِ على ما سيأتي (٤).
فرجَها بدواءٍ حَتَّى رأت صُفرةً مثلاً فهي حيضٌ وإنْ لم يكن في أَيَّامٍ حيضها.
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" ٥٩/١ كتاب الطهارة - باب طهر الحائض، وذكره البخاريُّ تعليقاً في كتاب الحيض -
باب إقبال المحيض وإدباره، وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (١١٥٩) كتاب الحيض - باب كيف الطهر؟
(٢) "شرح الوقاية": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٧/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٠٢/١ -٢٠٣.
(٤) صـ ٣١٠ - "در".
الجزء الثاني
٢٦٤
باب الحیض
المعتادةِ (سوى بياضٍ خالصٍ) قيل: هو شيءٌ يُشبِهُ الخيطَ الأبيضَ (ولو) المرئيُّ
(طُهراً متخلِّلاً) بين الدَّمين.
[٢٦٠٧] (قولُهُ: المعتادةِ) احترازٌ عمَّا زادَ على العادة، وجاوَزَ العشرةَ، فَإِنَّه ليس بحيضٍ.
[٢٢٠٨] (قولُهُ: ولو المرْئِيُّ طُهراً إلخ) مرادُهم بالطُّهر هنا الَّقَاءُ بالمدِّ، أي: عدمُ الدَّمِ.
ثمَّ اعلمْ أنَّ الطُّهر المتخلِّلَ بين الدَّمَين إذا كان خمسةَ عشرَ يوماً فأكثرَ يكونُ فاصلاً بين
الدَّمَين في الحيض اتّفاقاً، فما بلَغَ مِنْ كلٍّ مِنَ الدَّمَين نصاباً جُعِلَ حيضاً، وأَنَّه إذا كان أقلَّ من
ثلاثةِ أيامٍ لا يكونُ فاصلاً وإنْ كان أكثرَ من الدَّمَين اتفاقاً، واختلفوا فيما بين ذلك على ستةٍ
أقوالٍ، كُلُّها رُوِيَتْ عن "الإِمام"، أشهرُها ثلاثةٌ:
الأُولى: قولُ "أبي يوسف": إنَّ الطُّهر المتخلِّلَ بين الدَّمَين لا يَفصِلُ، بل يكونُ كالدَّمِ المتوالي
بشرطِ إحاطةِ الدمِ لطَرَفي الطُّهرِ المتخلّلِ، فيجوزُ بدايةُ الحيض بالطُّهر وخَتْمُه به أيضاً، فلو رأتْ
مبتدأَةٌ يوماً دماً، وأربعةَ عشرَ طُهراً، ويوماً دماً فالعشرةُ الأُولى حيضٌ، ولو رأتِ المعتادةُ قبل عادتِها
١٩٢/١ يوماً دماً، وعشرةً طُهراً، ويوماً دماً فالعشرةُ التي لم تَرَ فيها الدَّمَ حيضٌ إنْ كانت عادتَها، وإلاّ
رُدَّتْ إلى أيامٍ عادتِها.
الثانيةُ: أنَّ الشرط إحاطةُ الدَّمِ لِطَرَفَيْ مدَّةِ الحيض، فلا يجوزُ بدايةُ الحيض بـالطُّهر ولا ختمُهُ
به، فلو رأتْ مبتدأةٌ يوماً دماً، وثمانيةً طهراً، ويوماً دماً فالعشرةُ حيضٌ، ولو [١/ق ٢٢١/أ] رأتْ
معتادةٌ قبل عادتِها يوماً دماً، وتسعةً طُهراً، ويوماً دماً لا يكونُ شيءٌ منه حيضاً، وكذا النّاسُ (١)
على هذا الاعتبار.
الثالثةُ: قولُ "محمَّدٍ": إنَّ الشرطَ أنْ يكون الطُّهرُ مثلَ الدَّمَين أو أقلَّ في مدَّةِ الحيض، فلو كان
أكثرَ فصَلَ، لكنْ يُنظَرُ: إنْ كان في كلٍّ من الجانبين ما يمكنُ أنْ يُجعَلَ حيضاً فالسَّابِقُ حيضٌ، ولو
(قولُ "الشارح": قيل: هو شيءٌ إلخ) عَّرَ عنه بـ ((قيل)) إشارةً إلى ضعفِهِ، والراجحُ أنَّه عبارةٌ عن
انقطاع الدَّمِ وألوانِهِ بالكلّيّة.
(١) في"آ": ((النفساء)).
قسم العبادات
٢٦٥
حاشية ابن عابدين
في أحدِهما فهو الحيضُ، والآخَرُ استحاضةٌ، وإلاَّ فالكلُّ استحاضةٌ، ولا يجوزُ بدءُ الحيض
بالطُّهر ولاحتْمُه به، فلو رأتْ مبتدأةٌ يوماً دماً، ويومين طُهراً، ويوماً دماً فالأربعةُ حيضٌ؛
لأنَّ الظُّهر المتخلِّلَ دون ثلاثٍ، وهو لا يفصِلُ اتّفاقً كما مرَّ(١)، ولو رأتْ يوماً دماً، وثلاثةً
طُهراً، ويومين دماً فالسنَّةُ حيضٌ للاستواء، ولو رأتْ ثلاثاً دماً، وخمسةً طُهراً، ويوماً دماً
فالثلاثةُ حيضٌ لِغَلَبةِ الطُّهر، فصار فاصلاً، والمتقدِّمُ أمكَنَ جعلُهُ حيضاً، هذا خلاصةُ ما في
"شروح الهداية"(٢) وغيرها.
وقد صحَّحَ قولَ "محمَّدٍ" في "المبسوط"(٣) و"المحيط"، وعليه الفتوى، وفي "الهداية"(٤).
((الأخذُ بقول "أبي يوسف" أيسَرُ)) اهـ.
وكثيرٌ من المتأخّرِين أفتوا به؛ لأَنَّه أسهلُ على المفتي والمستفتي، "سراج)"(٥). وهو الأولى،
"فتح"(٦). وهو قولُ "أبي حنيفة" الآخِرُ، "نهاية". وأمَّا الروايةُ الثانيةُ ففي "البحر"(٧): ((قد اختارَها
أصحابُ المتون، لكنْ لم تُصحَّحْ في الشروح)).
(تتمَّةٌ)
الظُّهرُ المتخلِّلُ بين الأربعين في النّاس لا يَفصِلُ عند "أبي حنيفة"، سواءٌ كان خمسةَ عشرَ أو أقلَّ أو
أكثرَ، ويُعَلُ إحاطةُ الدَّمَين بطرفَيْهِ كالدَّمِ المتوالي، وعليه الفتوى، وعندهما: الخمسةَ عشرَ تفصِلُ،
فلو رأتْ بعد الولادةِ يوماً دماً، وثمانيةً وثلاثين طُهراً، ويوماً دماً فعنده: الأربعون نفاسٌ، وعندهما:
(١) في هذه المقولة.
(٢) انظر "الفتح" و"العناية" و"الكفاية": كتاب الطهارة - باب الحيض ١٥١/١ وما بعدها، و"البناية "٦٥٣/١ وما بعدها.
(٣) "المبسوط": كتاب الحيض ١٥٦/٣.
(٤) "الهداية": كتاب الطهارات - باب الحيض والاستحاضة ٣٢/١.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الحيض ١/ق ٩١/ب بتصرف.
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الحيض ١٥٤/١.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢١٧/١.
الجزء الثاني
٢٦٦
باب الحیض
(فيها حيضٌ) لأنَّ العِبرة لأوَّلِهِ وآخرِهِ، وعليه المتونُ، فليُحفَظْ ..
ثم ذكَرَ أحكامَهُ بقوله :.
الدَّمُ الأوَّلُ. ولو رأتْ مَنْ بَلَغَتْ بالحبَلِ بعد الولادة خمسةً دماً، ثم خمسةَ عشرَ طُهراً، ثم خمسةً
دماً، ثم خمسةَ عشرَ طُهراً، ثم استمَرَّ الدَّمُ فعنده: نِفاسُها خمسةٌ وعشرون، وعندهما: نِفاسُها
الخمسةُ الأولى، وحيضُها الخمسةُ الثانية، وتمامُّهُ في "التاتر خانَّةً"(١).
[٢٦٠٩] (قولُهُ: فيها) أي: في مدَّةِ الحيض.
[٢٦١٠] (قولُهُ: حيضٌ) خبرُ المبتدأ، وهو قولُهُ: ((وماتراه)).
[٢٦١١) (قولُهُ: وعليه المتونُ) أي: على أنَّ الشَّرط في جَعْلِ الطُّهر المتخلِّلِ بين الدَّمَين حيضاً
كونُ الدَّمَين المحيطَين به في مدَّةِ الحيض لا في مدَّةِ الطُّهر.
[ مطلبٌ: التصحيحُ الصريحُ مقدَّمٌ على التصحيح الالتزاميِّ]
[٢٦١٢] (قولُهُ: فليُحفظْ) أشارَ إلى أنَّ [١/ق٢٢١/ب] اختيار أصحابِ المتون له ترجيحٌ.
أقولُ: لكنَّه تصحيحٌ التزاميٌّ، وقد صرَّحَ العلاَّمة "قاسمٌ": ((بأنَّ التصحيحَ الصريحَ مقدَّمٌ
على الالتزاميِّ)).
(٢٦١٣] (قولُهُ: ثَمَّ ذكَرَ أحكامَهُ) أي: بعضَها، وإلاَّ فقدْ أوصَلَها في "البحر"(٢) إلى اثنين
وعشرين، منها: ((أَنّ يمنعُ صحَّةَ الطهارة إلَّ التي يُقَصَدُ بها التنظيفُ كأَغْسالِ الحجِّ، ولا يُحرِّمُها
لقولهم: يستحبُّ لها أنْ تتوضَّأَ لوقتِ كلِّ صلاةٍ، وتقعُدَ على مصلاَّها تسبِّحُ وتهلِّلُ وتكبِّرُ بقدْرِ
أدائها كي لا تنسى عادتها، وفي روايةٍ: (يُكتَبُ لها ثوابُ أحسنٍ صلاةٍ كانتْ تصلِّي))، وأنّه يمنعُ
الاعتكافَ، ويمنعُ صحَّتَه، ويُفسِدُه إذا طَرَأ عليه، ويمنعُ وجوبَ طوافِ الصَّدَرِ، ويحرِّمُ الطلاقَ،
وتبلُغُ به الصِيَّةُ، ويتعلَّقُ به انقضاءُ العدَّةِ والاستبراءُ، ويوجبُ الغُسلَ بشرطِ الانقطاع، ولا يقطعُ
(١) انظر "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل التاسع في الحيض ٣٩٠/١-٣٩١ وقوله: ((وعليه الفتوى)) نقله في
"التاتر خانية" عن "الخلاصة"، وقوله: ((وعندهما الخمسة عشر تفصل)) نقله عن "المحيط".
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٠٣/١.
قسم العبادات
٢٦٧
حاشية ابن عابدين
(يَمنَعُ صلاةٌ) مطلقاً ولو سحدةَ شكر (وصوماً) وجماعاً (وتقضيهِ) لزوماً (دونَها)
للحرج،.
التابعَ في صومٍ كَفَّارَةِ القتل والفِطْرِ بخلاف كفَّرةِ اليمين ونحوِها))، وكلُّ أحكامِهِ تتعلَّقُ بالنّفاس
إلاَّ خمسةٌ أو سبعةً على ما سيأتي(١).
[٢٦١٤) (قولُهُ: يمنعُ) أي: الحيضُ، وكذا النّاسُ، "خزائن)"(٢).
[٢٦١٥] (قولُهُ: صلاةٌ) أي: يمنعُ صحَّتها ويحرِّمُها، وهل يمنعُ وجوبَها لعدمٍ فائدتِه - وهي الأداءُ
أو القضاءُ - أم لا وتسقُطُ للحَرَجِ؟ خلافٌ، وعامَّتُهم على الأوَّلِ، وبسَطْنا الكلامَ على ذلك فيما
علَّقناه على "البحر"(٣).
[٢٦١٦] (قولُهُ: مطلقاً) أي: كُلاًّ أو بعضاً؛ لأنَّ مِنْعَ الشيءٍ مِنْعٌ لأبعاضِهِ، "نهر"(٤).
[٢٦١٧] (قولُهُ: ولو سجدةَ شُكْرٍ) أي: أو تلاوةٍ، فيمنعُ صحَّتَهما ويحرِّمُهما، "بحر "(٥).
[٢٦١٨] (قولُهُ: وصوماً) أي: يحرِّمُه، ويمنعُ صحَّتَه لا وُجُوبَه، فلذا تقضيه.
[٢٦١٩] (قولُهُ: وجماعاً) أي: يحرِّمُه، وكذا ما في حُكمِه كما يأتي(٦).
[٢٦٢٠] (قولُهُ: وتقضيهِ) أي: الصَّومَ على التّراحي في الأصحِّ، "خزائن(٧). وعَزَاه في هامشها
إلى "منلا مسكين"(٨) وغيرِه.
[٢٦٢١] (قولُهُ: للحَرَجِ) علَّةٌ لقوله: ((دونَها))، أي: لأنَّ في قضاءِ الصلاة حَرَجاً بتكرُّرِها
(١) صـ٢٩٥ - "در".
(٢) "الخزائن": كتاب الطهارة - باب الحيض ق ٥٦/ب.
(٣) حاشية "منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٠٣/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة - باب الحيض ق ٢٦/أ.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٠٤/١ بتصرف.
(٦) صـ ٢٧١ - "در".
(٧) "الخزائن": كتاب الطهارة - باب الحيض ق٥٦/ب.
(٨) في "شرحه على الكنز": كتاب الطهارة - باب الحيض صـ ١٦ -.
الجزء الثاني
٢٦٨
باب الحیض
ولو شَرَعتْ تطوُّعاً فيهما فحاضتْ قَضَتْهما.
في كلِّ يومٍ وتكرُّرِ الحيضِ في كلِّ شهرٍ بخلاف الصَّومِ، فإنَّه يجبُ فِي السَّنَة شهراً واحداً، وعليه
انعقَدَ الإجماعُ لحديثِ "عائشة" في "الكتب السِّنَّةِ"(١)، وتمامُهُ في "البحر"(٢)، وفيه: ((وهل يكرهُ لها
قضاءُ الصلاة؟ لم أرَه صريحاً، وينبغي أنْ يكونَ خلافَ الأَولى))، قال في "النهر "(٣): ((ويدلُّ عليه
قولهم: لو غَسَلَ رأسَه بدَلَ المسحِ كُرِهَ)) اهـ، تأمَّل.
وهل يكرهُ لها التشبُّهُ بالصُّوَّمِ أم لا؟ مالَ بعضُ المحقّقين إلى الأوَّلِ؛ لأنَّ [١/ق٢٢٢/أ]
الصَّومَ لها حرامٌ، فالتشبّهُ به مثلُهُ، واعتُرِضَ بأَنَّه يُستحَبُّ لها الوضوءُ والقعودُ في مُصَلاَّها، وهو
تشبُّهُ بالصلاة اهـ، تأمَّلْ.
[٢٦٢٢] (قولُهُ: ولو شرَعَتْ تطوُّعاً فيهما) أي: في الصَّلاة والصَّوم، أمَّا الفرضُ ففي الصَّومِ
تقضيه دون الصلاة وإنْ مضى من الوقت ما يُمكِّنُها أداؤها فيه؛ لأنَّ العِبرة عندنا لآخِرِ الوقت كما
في "المنبع "(٤).
(٢٦٢٣] (قولُهُ: فحاضَتْ) أي: في أثنائِهما.
[٢٦٢٤) (قولُهُ: قَضَتْهما) لِلُزومِهما بالشُّروع.
(١) هو حديث الحرورية المشهور، أخرجه البخاريُ (٣٢١) كتاب الحيض - باب لا تقضي الحائض الصلاة، ومسلم (٣٣٥)
كتاب الحيض - باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، وأبو داود (٢٦٢) كتاب الطهارة - باب في الحائض
لا تقضي الصلاة، والترمذيُّ (١٣٠) كتاب الطهارة - باب ما جاء في الحائض أنَّها لا تقضي الصلاة، والنسائيُّ ١٩١/١
كتاب الحيض - باب سقوط الصلاة عن الحائض، وابن ماجه (٦٣١) كتاب الطهارة - باب الحائض لا تقضي الصلاة، عن
معاذة أن امرأة قالت لعائشة: أتجزئ إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية أنت؟ كنا نحيض مع النبي ﴿ّ فلا يأمرنا
به، أو قالت: فلا نفعله.
(٢) انظر "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٠٤/١.
(٣) "النهر": كتاب الطهارة - باب الحيض ق ٢٦/أ.
(٤) "المنبع": لأبي العباس أحمد بن إبراهيم بن أيوب، شهاب الدين العَيْنتابيّ الحلبيّ (ت٧٦٧هـ)، شرح "مجمع البحرين
وملتقى النّرين" لأحمد بن علي بن تغلب، مُظَفّر الدين الشهير بابن الساعاتيّ الْبَعْلَبَكّيَ الأصل البغداديّ (ت ٦٩٤هـ).
("كشف الظنون" ١٦٠١/٢، "الطبقات السنية" ٢٥٨/١، ٤٠٠، "الفوائد البهية" صـ ٢٦،١٣-).
قسم العبادات
٢٦٩
حاشية ابن عابدين
خلافاً لِما زعَمَهُ "صدر الشريعة"، "بحر". وفي "الفيض": ((لو نامتْ طاهرةً،
وقامتْ حائضةً حُكِمَ بحيضِها مذ قامت، وبعكسِهِ مذ نامتْ احتياطاً ))
١٩٣/١
[٢٦٢٥] (قولُهُ: خلافاً لِما زِعَمَه "صدرُ الشريعة")(١) أي: مِنْ أَنَّه يجبُ قضاءُ نفْلِ الصَّلاة لا
تَفْلِ الصَّوم، "ط)"(٢).
[٢٦٢٦] (قولُهُ: "بحر") ذكَرَهُ في "البحر "(٣) قبيلَ قول المتن: ((والطُّهرُ المتخلِّلُ بين الدَّمَين في
المدَّةِ حيضٌ ونِفاسٌ))، ونقَلَ التَّسويةَ بينهما عن "الفتح"(٤) و"النهاية" و"الإسبيجابيِّ"، ثم قال:
((فتبَّنَ أنَّ ما في "شرح الوقاية "(٥) من الفرْقِ بينهما غيرُ صحيحٍ)). اهـ "ح"(٦).
[٢٦٢٧] (قولُهُ: وبعكسِهِ) أي: عكسِ الَّصوير المذكورِ - بأنْ نامتْ حائضاً، وقامتْ طاهرةً،
أي: وضعتْ الكُرسُفَ ونامَتْ، فلمَّا أصبحَتْ رأتْ عليه الطُّهرَ - لا عكسِ الحكمِ؛ لأَنَّه بيَّنَهُ بقوله:
((مذ نامَتْ))، أي: حكمَ بحيضِها من حينِ نامَتْ، فافهم.
[٢٦٢٨] (قولُهُ: احتياطاً) أي: في الصُّورتين، فتقضي العشاءَ فيهما إنْ لم تكنْ صَّتها كما في
"البحر"(٧)، حتى لو نامَتْ قبلَ انقضاء الوقت، ثمَّ انتبهتْ بعد خروجِهِ حائضاً يجبُ عليها قضاءُ
تلك الصلاةِ؛ لأَنَّا جعلناها طاهرةً في آخرِ الوقت، حيث لم نحكُمْ بحيضها إلاَّ بعدَ خروجه،
(١) "شرح الوقاية": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٨/١ (هامش "كشف الحقائق"). وفي "د" زيادة: ((وعبارة صدر
الشريعة: والصائمة إذا حاضت في النهار، وإن كان في آخره بطل صومها، فيجب قضاؤه إن كان صوماً واجباً،
وإن كان نفلاً لا، بخلاف صلاة النفل إذا حاضت في خلالها.
(٢) "ط": كتاب الطهارة - باب الحيض ١٤٩/١ معزّاً إلى الحلبيّ.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢١٦/١.
(٤) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٢٨٠/٢.
(٥) "شرح الوقاية": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٨/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٦) "ح": كتاب الطهارة - باب الحيض ق ٢٤/ب.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٠٠/١.
الجزء الثاني
٢٧٠
باب الحیض
(و) يَمْنَعُ حلَّ (دخولِ مسجدٍ و).
ولو نامَت حائضاً، وانتبهَت طاهرةً بعدَ الوقت يجبُ عليها قضاءُ تلك الصلاةِ التي نامَتْ عنها؛
لأَنّا جعلناها طاهرةً من حينِ نامَتْ، وحيث حكَمْنا بطهارتها في آخر الوقتِ وجَبَ القضاءُ، ولأنَّ
الدَّمَ حادثٌ، والأصلُ فيه أنْ يضافَ إلى أقربِ أوقاتِهِ، فُتُحعَلُ حائضاً مذ قامَتْ، والانقطاعُ عدمٌ،
وهو الأصلُ، فلا يُحكَمُ بخلافه إلاَّ بدليلٍ، ولم يُعلَمْ دُرُورُ الدَّمِ في نومها، فجُعِلتْ طاهرةً مذ
نامَتْ، فقد ظهَرَ أنَّ الاحتياطَ في الوجهين لا في العكس فقط، "رحمتي"، فافهم.
نعمْ في قول "الشارح": ((وبعكسِه مذ نامَتْ)) إيهامٌ، والمرادُ أَنَّه يُحكَمُ بأَنَّها كانتْ حائضاً
حين نومِها، وطهُرَتْ قبل خروجِ الوقت، ولو قال: حُكِمَ بطُهرِها مذ نامَتْ، وكذا في عكسِه
لَکَان أوضحَ.
[٢٦٢٩] (قولُهُ: وَيَمنَعُ حِلَّ) قدَّرَ لفظةَ ((حِلَّ)) هنا وفيما بعده لأنَّ ما قبلَه المنعُ فيه من الحلِّ
والصحَّةِ، فلذا [١/ق٢٢٢ /ب] أطلَقَ المنعَ فيه.
[٢٦٣٠] (قولُهُ: دخولِ مسجدٍ) أي: ولو مسجدَ مدرسةٍ أو دارٍ لا يَمَنَعُ أهلُهما الناسَ من
الصلاة فيه، وكانا لو أُغلِقا يكونُ له جماعةٌ منه، وإلاَّ فلا تثبُتُ له أحكامُ المسجد كما قدَّمناه(١) في
بحث الغُسل عن "الخانَيَّة" و"القنية"، وخرَجَ مصلَّى العيدين(٢) والجنازة وإنْ كان لهما حكمُ
المسجدِ في صحَّةِ الاقتداء مع عدم اتّصالِ الصفوف.
وأفادَ منعَ الدُّخول ولو للمرور، وقدَّمَ (٣) في الغُسل تقييدَه بعدَمِ الضَّرورة، بأنْ كان بأبه إلى
المسجد، ولا يمكنُه تحويلُهُ ولا السُّكْنى في غيره، وذكرنا هناك(٤) أنَّ الظَّاهر حينئذٍ أَنَّه يجبُ التيمُّمُ
للمرور أخذاً فَمَا في "العناية"(٥) عن "المبسوط" (٦): ((مسافرٌ مرَّ بمسجدٍ فيه عينُ ماءٍ وهو جُنُبٌّ،
(١) المقولة [١٤٧٣] قوله: ((لكن إلخ)).
(٢) في "ب " و"م: ((العيد)).
(٣) ٥٧٢/١ "در".
(٤) المقولة [١٤٧٧] قوله: ((تيمم ندباً إلخ)).
(٥) "العناية": كتاب الطهارة - باب الحيض ١٤٧/١ (هامش "فتح القدير").
(٦) "المبسوط": كتاب الطهارة - باب التيمم ١١٨/١.
قسم العبادات
٢٧١
حاشية ابن عابدين
حلَّ (الطوافٍ) ولو بعدَ دخولها المسجدَ وشروعِها فيه (وقُربانَ ما تحتَ إزارٍ)
يعني: ما بينَ سرَّةٍ وركبةٍ ولو بلا شهوةٍ، وحَلَّ ما عداه.
ولا يجدُ غيرَه فإنَّه يتيمَّمُ لدخول المسجدِ عندنا)) اهـ.
وكذا لو مكَثَ في المسجد خوفاً من الخروج بخلاف ما لو احتلَمَ فيه، وأمكَّنَهُ الخروجُ
مُسرِعاً، فإنَّه يُندَبُ له التيُمُ لظُهور الفرق بين الدُّخول والخروج.
(٢٦٣١] (قولُهُ: وحلَّ الطَّوافِ) لأنَّ الطهارة له واجبةٌ، فيُكرهُ تحريماً وإِنْ صحَّ كما في
"البحر"(١) وغيرِهِ.
[٢٦٣٢] (قولُهُ: ولو بعد دخولها المسجدَ) أي: ولو عَرَضَ الحيضُ بعد دخولها المسجدَ، فعدمُ
الحلِّ ذاتيٌّ له لا لعلَّةِ دخولِ المسجد، "ط)(٢). حَتَّى لو لم يكنْ في المسجد لا يحِلُّ، "نهر "(٣).
[٢٦٣٣] (قولُهُ: وقُربانَ ما تحتَ إزارٍ) من إضافةِ المصدر إلى مفعوله، والتقديرُ: ويمنعُ الحيضُ
قُربانَ زوجِها ما تحت إزارِها كما في "البحر "(٤).
[٢٦٣٤) (قولُهُ: يعني: ما بينَ سُرَّةٍ ورُكبةٍ) فيجوزُ الاستمتاعُ بالسُّرَّة وما فوقَها، والرُّكبةِ وما
تحتّها ولو بلا حائلٍ، وكذا بما بينَهما بحالٍ بغيرِ الوطءِ ولو تلَطَّخَ دماً، ولا يكرهُ طبخُها ولا
استعمالُ ما مسَّتْه من عجينٍ أو ماءٍ أو نحوِهما، إلاَّ إذا توضَّأتٌْ بقصدِ القُربة كما هو المستحبُّ،
فإِنَّه يصيرُ مستعمَلاً، وفي "الولوالجِيَّةُ "(٥): ((ولا ينبغي أنْ يَعِزِلَ عن فراشها؛ لأنَّ ذلك يُشبِهُ فعلَ
اليهود))، "بحر"(٦). وفي "السِّراج)(٧): ((يكرهُ أنْ يعزِلَها في موضعٍ لا يُخالِطُها فيه)).
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٠٧/١ بتصرف.
(٢) "ط": كتاب الطهارة - باب الحيض ١٤٩/١.
(٣) "النهر": كتاب الطهارة - باب الحيض ق ٢٦/أ.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٠٧/١.
** قوله: ((إلا إذا توضأت إلخ)) أي: لقصد القربة المستحبة من الجلوس قدر أداء فرض الصلاة إلخ، "خزائن"، وقدمناه
قبل نحو ورقة. اهـ منه.
(٥) "الولوالجية": كتاب الكراهية والاستحسان - الفصل الثامن فيما لا بأس أن يفعل في الصلاة ق١١٨/ب.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٠٩/١ بتصرف.
(٧) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الحيض ١/ق ٨٧/أ.
الجزء الثاني
٢٧٢
باب الحیض
مطلقاً، وهل يحلُّ النظرُ.
هذا، واعلمْ أنَّ المصرَّحَ به عندنا في كتاب الحظر والإباحة (١) أنَّ الرُّكبةَ من العورة، ومقتضاه
- كما أفاده "الرحمتيُّ" - حرمةُ الاستمتاع بالرُّكبة لاستدلالهم هنا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما
دونَ الإِزار)(٢)، ومحلُّهُ العورةُ التي يدخُلُ فيها الرُّكبةُ، تأمَّلْ.
[٢٦٣٥] (قولُهُ: مطلقاً) أي: بشهوةٍ أوْ لا.
[٢٦٣٦) (قولُهُ: وهل يحلُّ النظرُ) أي: بشهوةٍ، وهذا كالاستثناء من عمومِ حِلِّ ما عدا القُربانَ،
[١/ق٢٢٣/أ] وأصلُ التردُّدِ لصاحب "البحر"، حيث ذكَرَ (٢): ((أنَّ بعضهم عبَّرَ بالاستمتاع
فيشملُ النظرَ، وبعضَهم بالمباشرة فلا يشملُهُ))، ومالَ إلى الثاني، ومالَ أخوه في "النهر "(٤) إلى
الأوَّلِ، وانتصَرَ العلاَّمةُ "ح"(٥) للأوَّلِ.
وأقولُ: فيه نظرٌ، فإِنَّ مَنْ عَبَّرَ بالمباشرة - أي: التقاءِ البشرة - ساكتٌ عن النظر، ومَنْ عِبَّرَ
بالاستمتاع مانعٌ للنظر، فيؤخذُ به لتقدُّمِه على المفهوم، على أنَّه نقَلَ في "الحقائق"(٦) في باب
الاستحسان عن "التحفة"(٧) و"الخانَيَّة(٨): ((يجتنبُ الرَّجلُ من الحائض ما تحتَ الإزار عند
"الإِمام"(٩)، وقال "محمَّدٌ": يحتِبُ شعارَ الدَّمِ، يعني الجماعَ فقط، ثمَّ اختلفوا في تفسير قولٍ
"(الإِمام"، قيل: لا يباحُ الاستمتاعُ من النظر ونحوِهِ بما دونَ السُّرَّةِ إلى الرُّكبة، ويباحُ ما وراءَه،
(١) المقولة [٣٣٠٠٢] قوله: ((فالركبة عورة )).
(٢) أخرجه أبو داود (٢١٣) كتاب الطهارة - باب في المذي، من حديث معاذ بن جبل ظلُّنه، وقال: ليس هو بالقويِّ.
وله شاهد من حديث عمر عند أحمد ١٤/١، ومن حديث عائشة عند أحمد أيضاً ٧٢/٦، ومن حديث حرام بن
حكيم عن عمه عند أبي داود (٢١٢). وانظر "التلخيص الحبير" ١٦٦/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٠٨/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة - باب الحيض ق ٢٦/ب.
(٥) "ح": كتاب الطهارة - باب الحيض ق٢٤/ب وما بعدها.
(٦) "حقائق المنظومة": كتاب الاستحسان ق ١٩٥/أ بتصرف.
(٧) "تحفة الفقهاء": كتاب الحظر والإباحة ٣٣٢/٣ بتصرف.
(٨) "الخانية": كتاب الحظر والإباحة ٤٠٨/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) وأبي يوسف، كما في "التحفة".
قسم العبادات
٢٧٣
حاشية ابن عابدين
ومباشرتُها له؟ فيه تردُّدٌ.
وقيل: يباحُ مع الإزار)) اهـ
ولا يخفى أنَّ الأَوَّلَ صريحٌ في عدمٍ حلِّ النظرِ إلى ما تحتَ الإزار، والثاني قريبٌ منه، وليس
بعدَ النقل إلا الرُّجوعُ إليه، فافهم.
[٢٦٣٧] (قولُهُ: ومباشرتُها له؟) سببُ تردُّدِه في المباشرة تردُّدُ "البحر" فيها، حيث قال(١):
((ولم أرَ لهم حكمَ مباشرتِها له، ولقائلٍ أنْ يمنعَه بأَنَّه لَمَّ حرُمَ تمكينُها من استمتاعِه بها حرُمَ فعلُها
١٩٤/١ به بالأَولى، ولقائلِ أنْ يجوِّزَه بأنَّ حرمتَه عليه لكونها حائضاً، وهو مفقودٌ في حقّهِ، فحلَّ لها
الاستمتاعُ به، ولأنَّ غاية مسِّها لذَكَرَه أَنَّه استمتاعٌ بكفّها، وهو جائزٌ قطعاً)) اهـ
واستظهَرَ في "النهر"(٢) الثانيَ، لكنْ فيما إذا كانتْ مباشرتُها له بما بينَ سُرَّتِه ورُكبته -
كما إذا وضعتْ يدَها على فرجِهِ كما اقتضاه كلامُ "البحر" - لا إذا كانت بما بين سُرَّتِها
وركبتِها كما إذا وضعتْ فرجَها على يدِهِ، فهذا - كما ترى - تحقيقٌ لكلام "البحر" لا
اعتراضٌ عليه، فافهم.
وهو تحقيقٌ وجيةٌ؛ لأَنَّه يجوزُ له أنْ يلمِسَ بجميع بدَنِه حتى بِذَكَرِه جميعَ بدِنِها إلاَّ ما
تحتَ الإزار، فكذا هي لها أنْ تلمِسَ بجميعٍ بِدَنِها إلاَّ ما تحتَ الإزار جميعَ بدنه حتى ذَكَرَه،
وإلاَّ فلو كان لَمْسُها لذَكَرِهِ حراماً لحُرُمَ عليها تمكينُه من لَمْسِهِ بذَكَرِه لِما عدا ما تحتَ الإزارِ
منها، وإذا حرُّمَ عليه مباشرةُ ما تحتَ إزارها حرُمَ عليها تمكينُه منها، فيحرُمُ عليها مباشرتُها له
بما تحتَ إزارِها بالأولى.
(قولُهُ: واستظهَرَ في "النهر" الثاني) عبارتُهُ: ((مقتضى النظرِ أنْ يقال بحرمةِ مباشرتها له حيث كانت
بما بين سُرَّتِها وركبتها، لا ما إذا كانت بما بين سُرَّتِهِ وركبته كما إذا وضَعَتْ يدَها على فرجه)).
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٠٨/١.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة - باب الحيض ق ٢٦/ب.
الجزء الثاني
٢٧٤
باب الحيض
(وقراءةَ قرآنٍ) بقصدِهِ (ومسَّهُ) ولو مكتوباً بالفارسيّة في الأصحِّ.
٠٠٠
[ مطلبٌ: التوراةُ والإنجيلُ والزَّبور كالقرآن في حقِّ الحائض ]
[٢٦٣٨] (قولُهُ: وقراءة قرآنٍ) أي: ولو دونَ آيةٍ(١) من المركَّبات لا المفردات؛ لأَنَّه جُوِّزَ
للحائض المعلِّمةِ [١/ق٢٢٣/ب] تعليمُه كلمةً كلمةً(٢) كما قدَّمناه(٣)، وكالقرآن التوراةُ والإنجيلُ
والزَّبورُ كما قدَّمَهُ "المصنّف"(٤).
[٢٦٣٩] (قولُهُ: بقصدِهِ) فلو قرأتِ الفاتحةَ على وجهِ الدُّعاء، أو شيئاً من الآيات التي فيها
معنى الدُّعاء، ولم تُرِدِ القراءةً لا بأس به كما قدَّمناه(٥) عن "العيون" لـ "أبي الليث"، وأنَّ مفهومه أنَّ
ما ليس فيه معنى الدُّعاءِ كسورة أبي لهبٍ لا يؤثّرُ فيه قصدُ غيرِ القرآنِيَّةِ.
[٢٦٤٠] (قولُهُ: ومسَّهُ) أي: القرآنِ ولو في لوحٍ أو درهمٍ أو حائطٍ، لكنْ لا يَمنعُ إِلاَّ مِنْ مسِّ
المكتوب بخلاف المصحف، فلا يجوزُ مسُّ الجلدِ وموضعِ البياضِ منه، وقال بعضُهم: يجوزُ، وهذا
أقربُ إلى القياس، والمنعُ أقربُ إلى التعظيم كما في "البحر"(٦)، أي: والصحيحُ المنعُ كما نذكُرُه(٧)،
ومثلُ القرآن سائرُ الكتبِ السماويَّةِ كما قدَّمناه(٨) عن "القُهُستانيِّ" وغيرِهِ، وفي النِّفسير والكتبِ
الشرعيَّةِ خلافٌ مرَّ(٩).
(١) في "د" زيادة: ((وهو قول الكرخي وصحَّحه غير واحد كما في "البحر" خلافاً للطحاويّ في تجويز ما دون الآية)).
(٢) في "د" زيادة: ((قال بعض المحققين: ومثله في "النهر"، ويؤِّيدُهُ ما في "السراج": قال أصحابنا المتأخرون: إذا كانت
الحائض والنفساء معلّمةً جاز لها أن تلقّن الصبيان كلمةً كلمةً، وتقطع بين الكلمتين على قول الكرخي، وعلى قول
الطحاوي تعلِّمُهُم نصفَ آيةٍ نصفَ آيةٍ، ولا تلقنهم آيةً تامةً. انتهى. واندفع اعتراض "البحر" على "النهاية" وغيرها
من أنَّ التعلمَ كلمة كلمة لا ينطبق تفريعُه على قول الكرخيِّ، فإنّه قائلٌ باستواء الآية وما دونها في المنع)).
(٣) المقولة [١٤٨٠] قوله: ((ولو دون آية)).
(٤) ٥٨٤/١ "در".
(٥) المقولة [١٤٨٢] قوله: ((فلو قصد الدعاء)).
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢١١/١، ناقلاً عدمَ الجواز عن "السراج الوهاج"، والجوازَ عن "غاية
البيان".
(٧) في المقولة الآتية.
(٨) المقولة [١٤٩٧] قوله: ((ظاهر كلامهم لا)).
(٩) المقولة [١٥٢٤] قوله: ((والتفسير كمصحف)) وما بعدها.
قسم العبادات
٢٧٥
حاشية ابن عابدين
(إلاَّ بغلافِهِ) (١) المنفصلِ كما مرَّ (وكذا) يَمنَعُ (حملَهُ) كلوحٍ ووَرَقِ فيه آيةٌ.
(ولا بأسَ) لحائضٍ وجنبٍ.
[٢٦٤١] (قولُهُ: إلاَّ بغلافِهِ المنفصِلِ) أي: كالجراب والخريطة، دونَ المَّصل كالجلد المشرَّز، هو
الصحيحُ، وعليه الفتوى؛ لأنَّ الجلد تَبَعٌ له، "سراج"(٢). وقدَّمنا(٣) أنَّ الخريطة الكِيسُ.
أقولُ: ومثلُها صندوقُ الرَّبعة، وهل مثلُها كرسيُّ المصحف إذا سُمِّرَ به؟ يراجَعُ.
[٢٦٤٢) (قولُهُ: وكذا يَمنعُ حَمَلَهُ) تِبِعَ فيه صاحبَ "البحر "(٤)، حيث ذكَرَه عند تعدادٍ أحكام
الحيض، وفيه أنّه إنْ أرادَ به حمَلَهُ استقلالاً أغنى عنه ذِكْرُ المسِّ، أو تَبَعاً فلا يُمنَعُ منه، ففي
"الحلبة"(٥) عن "المحيط": ((لو كان المصحفُ في صندوقٍ فلا بأسَ للجنب أنْ يحملَه))، وفيها:
((قالوا: لا بأسَ بأنْ يحملَ خُرجاً فيه مصحفٌ، وقال بعضُّهم: يكرهُ، وقال آخَرُ: يكرهُ أخذُ زِمام
الإِبل التي عليها المصحفُ، قال "المحبوبيُّ": ولكنَّه بعيدٌ، وهو كما قال)) اهـ
أقولُ: وقد يقال: يمكِنُ تصويرُ الحملِ بدونِ مسٍّ وتبعَيَّةٍ كحمِلِهِ مربوطاً بخيطٍ مثلاً، لكنَّ
الظاهر جوازُه، تأمَّلْ.
(٢٦٤٣] (قولُهُ: فيه آيةٌ) فَيَّدَ بالآية لأَنَّه لو کَتَبَ ما دونَ الآية لم يكرهْ مسُّهُ كما في
"القُهُستانيِّ"(٦)، "ح"(٧).
[٢٦٤٤] (قولُهُ: ولا بأسَ) يشيرُ إلى أنَّ وضوءَ الجنب لهذه الأشياءِ مستحبٌّ كوضوء
المحدِثِ، وقد تقدَّمَ، "ح"(٨). أي: لأنَّ ما لا بأسَ فيه يستحبُّ خلافُهُ، لكنِ استثَنَى من ذلك
(١) في "د" زيادة: ((قوله: ومسّه إلا بغلافه. أقول: وهل يجوز في المنسوخ أن يمسَّهُ المحدث أو يتلوه الجنب؟ فيه تردُّدٌ والأشبه
جوازه فيما نُسخ تلاوته وأُقِرَّ حكمه؛ لأنّه ليس بقرآن إجماعاً، كذا في "شرح مختصر أصول ابن الحاجب" للعضد، وإذا كان
هذا فيما أقرَّ حكمُه فمن باب أولى الجوازُ فيما نُسِخ تلاوته وحكمه. انتهى خير الدين الرمليّ)).
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الحيض ١/ق ٨٩/أ.
(٣) المقولة [١٤٩٨] قوله: ((غير مشرز)).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٠٤/١.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - محظورات الجنب والحائض والنفساء ١/ق ١٢٤/أ.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في الحيض ٥٤/١.
(٧) "ح": كتاب الطهارة - باب الحيض ق٢٥/ب.
(٨) "ح": كتاب الطهارة - باب الحيض ق٢٥/ب.
الجزء الثاني
٢٧٦
باب الحیض
(بقراءةٍ أدعيةٍ ومسِّها وحملِها وذِكْرِ الله تعالى وتسبيحٍ) وزيارةٍ قبورٍ ودخولِ مصلّى
عيدٍ (وأكلٍ وشربٍ بعد مضمضةٍ وغَسلِ يدٍ) وأمَّا قبلَهما فيكرهُ لجنبٍ لا حائضٍ ..
"ط"(١) الأكلَ والشُّربَ بعد المضمضة والغَسلِ بدليل قول "الشارح": ((وأمَّا قبلَهما فيكرهُ)).
[٢٦٤٥] (قولُهُ: بقراءةِ أدعيةٍ إلخ) شمِلَ دعاء القنوت، وهو ظاهرُ [١/ق ٢٢٤/أ]
المذهب كما قدَّمناه(٢).
[٢٦٤٦] (قولُهُ: فيكرهُ لجنبٍ) لأَنَّه يصيرُ شارِباً للماء المستعمَلِ، أي: وهو مكروهٌ تنزيهاً، ويدُهُ
لا تخلو عن النجاسة، فينبغي غَسُها، ثم يأكلُ، "بدائع"(٣).
وظاهرُ التعليل أنَّ استحبابَ المضمضة لأجْلِ الشرب، وغَسلِ اليدِ لأجْلِ الأكل، فلا يكرهُ
الشُّربُ بلا غَسلٍ بِدٍ، ولا الأكلُ بلا مضمضةٍ، وعليه ففي كلام المتن لفٌّ ونشرٌ مشوَّشٌ، لكنْ قال
في "الخلاصة"(٤): ((إذا أرادَ الجنبُ أنْ يأكلَ فالمستحبُّ له أنْ يغسلَ يديه ويتمضمضَ)) اهـ، تأمَّلْ.
وذكَرَ في "الحلبة"(٥) عن "أبي داود" وغيره: ((أَنَّه عليه الصلاة والسلام إذا أرادَ أنْ يأكلَ وهو
جنبٌ غسَلَ كفّيه))، وفي روايةٍ "مسلمٍ)": (يتوضَّأُ وضوءه للصلاة)(٦).
[٢٦٤٧] (قولُهُ: لا حائضٍ)(٧) ..
(١) "ط": كتاب الطهارة - باب الحيض ١٥١/١.
(٢) المقولة [١٥١٨] قوله: ((لا قراءة قنوت)).
(٣) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في آداب الوضوء ٣٨/١ بتصرف.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل التاسع في الحظر والإباحة ق١٧/أ، معزياً إلى "الأصل".
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - محظورات الجنب والحائض والنفساء ١/ق ١٢٥/ب.
(٦) أخرجه أبو داود (٢٢٣) كتاب الطهارة - باب الجنب يأكل، والنسائيُّ ١٣٩/١ كتاب الطهارة - باب اقتصار الجنب
على غسل يديه إذا أراد أن يأكل، وابن ماجه (٥٩٣) كتاب الطهارة - باب من قال يجزيه غسل يديه. وأمَّا رواية
مسلم ففي "صحيحه" (٣٠٥) كتاب الحيض - باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له إذا أراد أن يأكل.
(٧) في "د" زيادة: ((أقول: هذه من المسائل التي فرّق فيها بين الجنب والحائض، منها: أنَّ الجنابة صفة مستدامة بخلاف
الحيض فيجب الغسل على من أسلم جنباً، بخلاف ما لو أسلمت بعد انقطاع دم الحيض، وفيه كلام لـ "الكمال"،
ومنها : وضوءُ الحائض مستحبٌّ مع أنّها ليست أهلاً، ومنها: وجوبُ أداء الصلاة على الجنب وقضائها، ومنها: حِلُّ
وطئها جنباً لا حائضاً، ومنها: تطلق الجنب بلا كراهة وطلاقُ الحائض بدعي، ومنها: تصحُّ الخلوةُ مع الجنابة -
قسم العبادات
٢٧٧
حاشية ابن عابدين
مالم تُخاطَبْ بِغُسلِ، ذكَرَهُ "الحلبي"(١) (ولا يكرهُ) تحريماً (مسُّ قرآنٍ بَكُمٍّ) عند
الجمهورِ تيسيراً، وصحَّحَ في "الهداية"(٢) الكراهةَ، وهو أحوطُ.
(ويحلُّ وَطؤُها إذا انقطَعَ حيضُها لأكثرِهِ) بلا غُسلٍ.
في "الخانيّة"(٣): (( قيل: إنّها كالجنب، وقيل: لا يستحبُّ؛ لأنَّ الغَسل لا يزيلُ نجاسةً الحيض عن
الفمِ واليدِ بخلاف الجنابة)) اهـ.
أقولُ: ينبغي أنْ يُستحبَّ لها غَسلُ اليدِ للأكل بلا خلافٍ؛ لأَنَّه يستحبُّ للطَّاهر، فهي
أَولى، ولذا قال في "الخلاصة"(٤): ((إذا أرادتْ أنْ تأكلَ تغسلُ يديها، وفي المضمضة خلافٌ)).
[٢٦٤٨) (قولُهُ: ما لم تُخاطَبْ بِغُسلٍ) أي: لا يكرهُ لها مدَّةً عدمٍ خطابِها التكليفيِّ بالغُسل،
وذا إنما يكونُ بعد الطَّهارة من الحيض.
(٢٦٤٩] (قولُهُ: الكراهةَ) أي: التحريميَّةَ، "ط)" (٥).
[٢٦٥٠] (قولُهُ: وهو أحوطُ) وقدَّمنا(٦) عن "الخانَيَّة": ((أَنَّه ظاهرُ الرواية))، وعزاه في
"الخلاصة"(٧) إلى عامَّة المشايخ، قال في "البحر "(٨): ((فكان أولى))، وقدَّمنا(٩) عن "الفتح": ((أنَّ
التّقييدَ بالكُمِّ اتفاقِيٌّ، فإنَّه لا يجوزُ مسُّهُ بِغيرِ الكُمِّ أيضاً من بعضِ ثيابِ البدن)).
(٢٦٥١] (قولُهُ: إذا انقطَعَ حيضُها لأكثرِه) مثلُهُ النّاسُ، وحِلُّ الوطءِ بعدَ الأكثرِ ليس متوقّفٍ
= لا الحيض، ومنها: الجنابة تصلح للرجل والمرأة بخلاف الحيض، ومنها: يغسل الشهيد لو قتل جنباً، والحائضُ قبل
استمرار الحيض ثلاثاً لا تغسل، ومنها: قربانُ الرجل ما تحت الإزار للمرأة الجنب بخلاف الحائض، حموي)).
(١) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - مطلب في أصح القولين صـ٦٠ -.
(٢) "الهداية": كتاب الطهارة - باب الحيض والاستحاضة ٣١/١.
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يوجب الغسل ٤٦/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل التاسع في الحظر والإباحة ق ١٧ /أ معزياً إلى "الأصل".
(٥) "ط": كتاب الطهارة - باب الحيض ١٥١/١.
(٦) المقولة [١٤٩٨] قوله: ((غير مشرز)).
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الحادي عشر في القراءة ق٢٩/ب.
(٨) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢١٢/١.
(٩) المقولة [١٤٩٨] قوله: ((غير مشرز)) وقدمنا عندها أنَّ قوله: ((التقييد بالكم اتفاقي)) ليس في "الفتح"، ولعله
توضیح من ابن عابدين رحمه الله تعالی.
الجزء الثاني
٢٧٨
باب الحیض
وجوباً بل ندباً (وإنٍ) انقطَعَ لدونِ أقلِّهِ تتوضَّأُ وتصلِّي في آخرِ الوقت،.
على انقطاعِ الدَّمٍ، صرَّحَ به في "العناية"(١) و "النهاية" وغيرهما، وإنما ذكَرَه ليبنيَ عليه ما بعده،
قال "ط"(٢): ((ويؤخذُ منه جوازُ الوطءِ حالَ نزولِ دمِ الاستحاضة)) اهـ.
وقدَّمنا (٣) عن "البحر": ((أَنَّه يجوزُ الاستمتاعُ بما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبةِ بحائلٍ بغيرِ الوطءِ ولو
تلطَّخَ دماً)) اهـ. وهذا في الحائض، فيدُلُّ على جوازِ وطءِ المستحاضة وإنْ تلطَّخَ دماً، وسيأتي(٤)
ما يؤيّدُهُ، فافهم.
١٩٥/١
[٢٦٥٢] (قولُهُ: وجوباً) منصوبٌ بعاملٍ محذوفٍ، أي: بلا غُسلٍ يجبُ وجوباً، ومثلُهُ قولُهُ:
(( بل ندباً)).
[٢٦٥٣] (قولُهُ: بل ندباً) لأنَّ قراءة ﴿حَّ يَطَّهَّرْنٌ﴾ [البقرة - ٢٢٢] بالتشديد تقتضي حرمةً
الوطء إلى غاية الاغتسال، فحملناها [١/ق٢٢٤/ب] على ما إذا كان أيامُها أقلَّ من عشرةٍ دفعاً
اللَّعَارُض بين القراءتين، فظاهرُهُ يُورِثُ شبهةً، فلهذا لا يستحبُّ، "نوح" عن "الكافي)"(٥).
[٢٦٥٤) (قولُهُ: لدونِ أقلّهِ) أي: أقلِّ الحيضِ، وهو ثلاثةُ أيامٍ.
[٢٦٥٥] (قولُهُ: في آخرِ الوقت) أي: وجوباً، "بركوي"(٦). والمرادُ آخرُ الوقت المستحبِّ دون
المكروهِ كما هو ظاهرُ سياقِ كلامِ "الدرر"(٧) و"صدر الشريعة"(٨)، قال "ط" (٩): ((وأُهمَلَ
(قولُ "الشارح": لدُونِ أقلّهِ) يعني: لم يبلغ ثلاثةَ أَيَّامٍ، "سندي".
(١) "العناية": كتاب الطهارات - باب الحيض ١٥١/١ (هامش "فتح القدير").
(٢) "ط": كتاب الطهارة - باب الحيض ١٥١/١.
(٣) المقولة [٢٦٣٤] قوله: ((يعني: ما بين سرة وركبة)).
(٤) المقولة [٢٦٨٥] قوله: ((وجماعاً)).
(٥) "كافي النسفيّ": كتاب الطهارة - باب الحيض ١/ق ١٦/أ.
(٦) "ذخر المتأهلين": الفصل الثالث ص ١٥٣ - (ضمن مجموع "رسائل البركويّ").
(٧) "الدرر": كتاب الطهارة - باب دماء تختص بالنساء ٤٢/١.
(٨) "شرح الوقاية": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٩/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٩) "ط": كتاب الطهارة - باب الحيض ١٥١/١.