Indexed OCR Text
Pages 181-200
الجزء الثاني
١٧٩ ٠
باب المسح على الخفين
ولم يقدِّمْ قدمَهُ إليه لم يَحُزْ، ولا يضرُّ رؤيةُ رِجْله من أعلاه
(و) الثالثُ (كونُهُ مما يمكنُ متابعةٌ ..
[٢٣٤٠] (قولُهُ: ولم يُقدِّمْ قدَمَه إليه لم يَجُزْ) لأَنَّه لَمَّا مسَحَ على الموضع الخالي من القدَمِ لم
يقعِ المسحُ في محلّه - وهو ظهرُ(١) القدَم كما يأتي(٢) - فلم يمنعْ سِرايةَ الحدث إلى القدم، فلو قدَّمَ
قدَّمَه إليه ومسَحَ جاز كما في "الخلاصة(٣)، وفيها أيضاً: ((ولو أزالَ رِجْلَه من ذلك الموضعِ أعادَ
المسحَ))، ونقلَهُ في "التجنيس" عن "أبي عليِّ الدَّقَّاق "(٤)، ثمَّ قال: ((وفيه نظرٌ))، ولم يذكُرْ وجهَه،
قال "ح"(٥): ((وقد ذكَرَ شيخُنا "السُِّ(* رحمه الله تعالى وجهَهُ بقوله: وجهُ النظر أَنَّهم اعتبروا
خروجَ أكثرِ القَدَمِ من موضعٍ يمكنُ المسحُ عليه، وها هنا وإنْ خرجَتْ من موضعٍ مُسِحَ عليه لم
تخرجْ من موضعٍ يمكنُ المسحُ عليه)) اهـ.
[٢٣٤١) (قولُهُ: ولا يضُرُّ إلخ) الأولى ذِكْرُه عند الكلام على الشَّرط الأوَّلِ كما فعَلَهُ في "الدُّر" (٦)
و "نور الإيضاح"(٧)؛ ليكونَ إشارةً إلى أنَّ المرادَ سترُهُ للكعبين من الجوانب لا من الأعلى(٨)،
(قولُهُ: الأَولى ذكرُهُ عند الكلام على الشَّرط الأوَّل إلخ) لعلَّ وجه ذكره هنا أنّه لا يتأَتَّى رؤيةُ رجلِهِ
من أعلاه إلاَّ مع كونه واسعاً الذي الكلامُ فيه.
(١) في "آ": ((ظاهر)).
(٢) صـ ١٩١ - "در".
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الرابع في المسح - المسح على الجاروق - ق ١٠/ب.
(٤) الأستاذ أبو علي الحسن بن علي المعروف بالدَّقّاق النَّيْسابوريّ الشافعيّ(ت٤٠٥هـ أو ٤٠٦). ("الكواكب الدرية"
٦٢٣/١، "شذرات الذهب" ٤٠/٥).
(٥) "ح": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ق١٩ /أ - ب.
** قوله: ((شيخنا السيد)) هو العلامة المحقق السيّد عليّ الضرير السيواسيّ. اهـ منه. نقول: ولم نعثر له على ترجمة فيما
بين أيدينا من المصادر.
(٦) "الدرر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ٣٥/١.
(٧) بل في شرحه "مراقي الفلاح": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين صـ ١٦٦ -.
(٨) من ((ليكون إشارة)) إلى ((الأعلى)) ساقط من"آ".
قسم العبادات
١٨٠
حاشية ابن عابدين
المشيٍ) المعتادِ ( فيه ) فرسخاً فأكثرَ،.
ونَبَّهَ على ذلك لخلافِ الإِمام "أحمد" فيه، قال في "درر البحار": ((وعند "أحمد": إذا كان الخفُّ
واسعاً بحيث يُرى الكعبُ لا يجوزُ المسحُ)).
(٢٣٤٢) (قولُهُ: المشيِ المعتادِ) بأنْ لا يكونَ في غاية السُّرعة ولا في غاية البُطْءِ، بل يكونُ
وسَطاً، ونظيرُه ما قالوه في السَّيْرِ المعتادِ في مدَّةِ السَّفر لقَصْرِ الصلاة.
(٢٣٤٣) (قولُهُ: فرسخاً فأكثرَ تقدَّمَ(١) أنَّ الفرسخ ثلاثةُ أميالِ اثنا عشرَ ألفَ خطوةٍ، وعَّرَ في
"السِّرَاجِ"(٢) معزّاً إلى "الإيضاح" بمسافة السَّفر، وبه جزَمَ في "النّقاية"، وقال "القُهُستانيُ) (٣).
((أي: الشرعيُّ كما هو المتبادِرُ، ويدلُّ عليه كلامُ "المحيط "(٤)، ويخالفُه كلامُ "حاشية الهداية"))،
حيث قال: ((ما يمكنُ المشيُّ فيه فرسخاً فأكثر)) اهـ.
أقولُ: ويمكنُ أنْ يكون مَحمَلُ القولين على اختلاف الحالتين، ففي حالة الإقامة يُعتبَرُ
الفرسخُ؛ لأنَّ المقيم لا يَزِيدُ مشيُه عادةً في يومٍ وليلةٍ على هذا المقدار، أي: [١ /ق ٢٠٠/ب] المشيٍ
لأجْلِ الحوائج التي تلزمُ غالبَ الناس، وفي حالةِ السفر يُعتبرُ مدَّتُه، ويقرُبُ منه ما اعتبَرَهُ الشافعيّةُ
من التقدير بمتابعةِ المشي للمقيم يوماً وليلةً، وللمسافر ثلاثةَ أيامٍ ولياليها اعتباراً بمدَّةِ المسح، لكنْ قد
يقال: لَمَّا ثبَتَ أنَّ هذا الحُفَّ صالِحٌ للمسح عليه للمقيم قُطِعَ النظرُ عن حالة السفر؛ لأنَّ المسافر في
الغالب يكونُ راكبً، ولا يَزِيدُ مشيُه غالباً على مقدار الفرسخ، فالأظهرُ اعتبارُ الفرسخ في حقِّهما،
ومَحمَلُ قولِ مَنْ قال: مسافةُ السَّفْر على السَّفر اللُّغويِّ دونَ الشرعيِّ كما يشيرُ إليه كلامُ
"الْقُهُستانيِّ" السابقُ، تأمَّلْ.
(١) انظر المقولة [٢٠٤٣] قوله: ((ميلاً)).
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١/ق ٧٥/أ.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ٤٥/١-٤٦.
(٤) "المحيط البرهاني": كتاب الطهارات - المسح على الخفين ١/ق ٢٤/ب.
الجزء الثاني
١٨١
باب المسح على الخفين
فلم يجزْ على متّخَذٍ من زجاجٍ أو خشبٍ أو حدیدٍ.
(وهو جائزٌ) فالغسلُ أفضلُ إلاّ لتهَمةٍ، فهو أفضلُ،
(تنبيةٌ)
المتبادِرُ من كلامهم أنَّ المرادَ مِنْ صُلُوحِهِ لقطع المسافة أنْ يصلُحَ لذلك بنفسه من غير لُبْسِ
المدَاس فوقَه، فإنَّه قد يرِقُّ أسفلُه، ويمشي به فوقَ المداس أَيَّماً وهو بحيثُ لو مشَى به وحدَه فرسخاً
تخرَّقَ قدْرُ المانع، فعلى الشَّخصِ أنْ يتفقَّدَه ويعملَ به بغَبةِ ظَنّه، وقد وقعَ اضطرابٌ بين بعض
١٧٥/١ العصرِيِّين في هذه المسألة، والظاهرُ ما قدَّمتُه(١)، وهو الأحوطُ أيضاً، وقد تأيَّدَ ذلك عندي برُؤيا
رأيتُ فيها النبيَّ ﴿ّ بعدَ تحريرِ هذا المحلِّ بأيامٍ، فسألته عن ذلك، فأجابني ،﴿ّ بِأَنَّه إذا رقَّ الخفُّ
قدرَ ثلاث أصابعَ مَنَعَ المسحَ، وكان ذلك في ذي القعدة سنةَ (١٢٣٤) ولله الحمدُ، ثم رأيتُ
التصريحَ بذلك في كتب الشافعيَّةِ.
[٢٣٤٤] (قولُهُ: فلم يَجُزْ إلخ) وكذا لو لفَّ على رِجْله خرقةً ضعيفةً لم يَجُزِ المسحُ؛ لأَنّه لا
تنقطعُ به مسافةُ السفر. اهـ "سراج"(٢) عن "الإيضاح".
[٢٣٤٥) (قولُهُ: فالغَسلُ أفضلُ) وجهُ التفريع أَنَّه لو كان المسحُ أفضلَ لَكان المناسبُ أنْ يقول:
وهو مستحبٌّ، فعُدولُه إلى قوله: ((وهو جائزٌ)) يفيدُ أنَّ الغَسل أفضلُ منه؛ لأَنَّه أشقُّ على البدن.
(٢٣٤٦] (قولُهُ: إلاَّ لْتُهَمَةٍ) أي: لنفيها عنه؛ لأنَّ الرَّوافض والخوارِجِ لا يرونه، وإنما يرَون
المسحَ على الرِّجْل، فإذا مسحَ الخفَّ انتَفَتِ الْتُّهَمَةُ بخلاف ما إذا غسَلَ، فإنَّ الرَّوافِض قد يَغْسِلون
تَقِيَّةً، ويجعلون الغَسلَ قائماً مَقامَ المسح، فيشتبِهُ الحالُ في الغَسل فيَّهم، أفاده "ح"(٣).
ثُمَّ إنَّ ما ذَكَرَه "الشارحُ" نقَلَهُ "القُهُستانيُّ)(٤) عن "الكرمانيّ"، ثم قال: ((لكنْ في
"المضمرات" وغيره: أنَّ الغَسل أفضلُ، وهو الصحيحُ كما في "الزاهديٍّ")) اهـ.
(١) في هذه المقولة.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١/ق ٧٥/أ.
(٣) "ح": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ق١٩/ب.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ٤٤/١ نقلاً عن "الذخيرة"لا "الكرمانيّ".
قسم العبادات
١٨٢
حاشية ابن عابدين
بل ينبغي وجوبُهُ على مَنْ ليس معه إلاَّ ما يكفيهِ، أو خافَ فَوْتَ وقتٍ أو وقوفٍ
عرفةَ، "بحر". وفي "القهستاني"(١) ..
وفي "البحر"(٢) عن [١/ق ٢٠١/ أ] "التوشيح": ((وهذا مذهبنا، وبه قال "الشافعيُّ" و"مالك"، وقال
"الرُّسْتُغْفَنِي)" (٣) من أصحابنا: المسحُ أفضلُ، وهو أصحُّ الرِّوايتين عن "أحمدَ"، إمّا لَنَفْيِ النُّهَمَة أو
للعملِ بقراءة الجرِّ)، وتمامُه فيه.
[٢٣٤٧] (قولُهُ: بل ينبغي إلخ) أصلُ البحث لصاحب "البحر "(٤)، فإِنَّه نقَلَ ذلك عن كتب
الشافعيَّة، ثم قال: ((وقواعدُنا لا تأباه)).
[٢٣٤٨] (قولُهُ: إلاَّ ما يكفيه) أي: يكفي المسحَ فقط، بأنْ كان لو غسَلَ به رِجْلَيه لا يكفيه
للوضوء، ولو توضَّأَ به ومسَحَ كَفَاهُ.
[٢٣٤٩] (قولُهُ: أو خافَ) عطفٌ على صِلَةِ ((مَنْ)).
[٢٣٥٠] (قولُهُ: أو وقوفٍ) أي: أَنَّه إذا غسَلَ رِجْلَيه يُدرِكُ الصلاة، لكنْ يخافُ فَوتَ الوقوف
بعرفةَ، وإذا مسَحَ يُدركُهما جميعاً يجبُ المسحُ، بل لو كان بحيث لو صلَّى فاتَه الوقوفُ قدَّمَ
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ٤٤/١ باختصار. وفي "د" زيادة: ((قوله: وفي
القهستانيّ إلخ، عبارته: فإن قلت: كيف يكون الغسل أفضلَ، وفي الأصول أنَّ المسحَ رخصةُ إسقاطٍ، أيْ: رخصةٌ
مسقطةٌ للعزيمة كقصر الصلاة؟ قلت: إنها رخصةُ إسقاطٍ على التخفيف للتخفيف، ولهذا لو صبَّ الماءَ في الخف
بنية الغسل ينبغي أن يصير آثماً، لكن إذا نزع الخفَّ تصير العزيمة مشروعة بل متعينة، ينال الأجر لزيادة المشقة،
وليس من رخصة الترفيه؛ إذ المعنى رخصةٌ مخففة لجواز التأخير عن وقته للمعذور، وإن كان الأفضل أن لا يؤخر
كقصر المسافر، فلو كان منها لزم أن يكون غسل المتخفّف أفضلَ من مسحه، ولا يخفى ما في المقام من الكلام
الوافي لتحقيق ما في "الهداية" و"الكافي"، فمن قال: إنَّ المسحَ رخصةُ ترفيهٍ عندها، فقد دلَّ كلامُهُ على بُعْدٍ مِنْ فَهْمِ
كلام الفحول، كما دلَّ على قِصَرِ باعِهِ في علم الأصول. انتهى، فراجعه)).
(٢) انظر "البحر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٧٤/١.
(٣) أبو الحسن علي بن سعيد الرُّسْتَغْفَنِيّ، من علماء القرن الرابع. ("الجواهر المضية"٥٧٠/٢، "تاج التراجم" صـ ١٤٥-).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٧٣/١ -١٧٤.
الجزء الثاني
١٨٣
باب المسح على الخفين
((أَنَّه رخصةٌ مُسقِطٌ للعزيمة، ولهذا لو صبَّ الماءَ في خفِّهِ بنِيَّةِ الغَسلِ ينبغي أنْ
يصيرَ آثماً)).
الوقوفَ للمشقّة كما في "النهر"(١)، لكنَّه أحدُ قولين حكاهما "العماديُّ" في "مناسكه"(٢).
(٢٣٥١] (قولُهُ: رُخصةٌ) هي ما بُنيَ على أعذار العباد، ويقابلُها العزيمةُ، وهي ما كان أصلُها
غيرَ مبنيٌّ على أعذار العباد، وهو الأصحُّ في تعريفهما، "بحر"(٣).
[٢٣٥٢) (قولُهُ: مُسقِطّةٌ للعزيمة) أي: مُسقِطّةٌ لمشروعيَّتِها، فلا تبقى العزيمةُ مشروعةً، فإذا أرادَ
تحصيلَ العزيمة مع بقاء سببِ الرخصة يأْثُمُ، لكنَّه قد لا يتأَنَّى له تحصيلُها كما إذا نوى الظُّهْرَ أربعاً
في السَّفْر، فإِنَّه لا يتأَتَّى له جعْلُ الأربعة فرضاً، بل الفرضُ الأُولَيَان إذا قعَدَ القعدةَ الأُولى، وإِثْمُه
حينئذٍ لبناء النَّفْل على الفرض، وقد يتأَنَّى له تحصيلُها(٤) كغَسل الرِّجْلين ما دام متخفّفاً، أفاده
"ح "(٥) عن شيخه "السيِّد"، ثم قال: ((واحترَزَ بقوله: مُسقطٌ عن رُخصةِ الّرفيهِ، فإنَّ العزيمة تبقَى
فيها مشروعةً مع بقاء سبب الرُّخصة كالصوم في السفر)).
(٢٣٥٣] (قولُهُ: ينبغي أنْ يصيرَ آئِماً) أي: لِما علمتَ من أنَّ العزيمة لم تَبْقَ مشروعةً ما دام
متخفّفاً، بخلاف ما إذا نزَعَ وغسَلَ لزوال سبب الرُّخصة.
هذا، وقد بحثَ العلاَّمة "الزيلعيُّ"(٦) في جعلهم المسحَ رخصةَ إسقاطٍ: ((بأنَّ المنصوص عليه
في عامَّة الكتب: أَنَّه لو خاضَ ماءً بِخُفْه، فانغسَلَ أكثرُ قدميه بطَلَ المسحُ، وكذا لو تكلَّفَ غسلَهما
(قولُ "الشارح": ينبغي أنْ يصيرَ آثماً) قال في "الشرنبلاليَّة": ((في تأثيمِهِ نظرٌ لا يخفى)).
(١) "النهر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ق ٢٢/أ.
(٢) المسماة "المستطاع من الزاد": لعبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عماد الدين المعروف بالعِمَاديّ(ت ١٠٥١ هـ).
("كشف الظنون" ١٨٢٩/٢، "خلاصة الأثر" ٣٨٠/٢، "الأعلام" ٣٣٢/٣، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه
الحنفي ١٧٠/٢).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٧٥/١ بتصرف.
(٤) من ((كما إذا نوى)) إلى ((تحصيلها)) ساقط من"آ".
(٥) "ح": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ق١٩/ب.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ٤٦/١ بتصرف.
قسم العبادات
١٨٤
حاشية ابن عابدين
من غير نزعٍ أجزَأَه عن الغَسل، حتى لا يبطُلُ بمضيِّ المدة))، قال: (( فَعُلِمَ أنَّ العزيمة مشروعة
مع الخفِّ)) اهـ.
ودفعَهُ في "الفتح"(١): ((منعِ صحَّةِ هذا الفرع لاتّفاقهم على أنَّ الخفَّ اعُتُبِرَ شرعاً مانِعاً
سِرايةَ الحدَث إلى القدم، فتبقى القدمُ على طهارتها، ويحلُّ الحدثُ بالخفِّ، فيُزالُ بالمسح، فيكونُ
[١/ق ٢٠١/ب] غسلُ الرِّجْل في الخفِّ وعدمُه سواءً في أَنَّه لم يُزُلْ به الحدثُ؛ لأنَّه في غير محلّه))،
واعتَرَضَ أيضاً في "الدُّرر"(٢) على "الزيلعيِّ" مع تسليمٍ صحَّة الفرع المذكور بما أشارَ إليه "الشارح":
((من أنَّ المشروعيَّة في قولهم: إنَّ المسح رخصةٌ مُسقِطٌ لمشروعيَّةِ العزيمة ليس المرادُ بها الصحَّةَ
كما فهِمَه "الزيلعيُّ"، فاعترضَهم بالفرع المذكور، وإنما المرادُ بها الجوازُ المترتّبُ عليه الثوابُ،
فالمتخفّفُ ما دام متخفّفاً لا يجوزُ له الغَسلُ، حتى إذا تكلَّفَ وغسَلَ بلا نزعٍ أثِمَ وإنْ اجزأَه عن
الغَسل، وإذا نزَعَ وزالَ الترخُّصُ صار الغَسلُ مشروعاً يثابُ عليه))، وقد انتصَرَ البرهانُ "الحلبيُّ"
في "شرحه" على "المنية"(٣) للإمام "الزيلعيّ"، وأجابَ عمَّا في "الفتح" و"الدُّرر"، وبيَّنًا ما في كلامه
من النظر فيما علَقناه على "البحر " (٤).
والحاصلُ: أنَّ ما ذكَرَه "الزيلعيُّ" من الفرع المذكور تبعاً لعامَّة الكتب مسلَّمٌ، بل صحَّحَهُ
غيرُ واحدٍ كما سيذكرُهُ(٥) "الشارح" في النواقض، وما ذكَرَه في "الفتح" من منعِ صحَّته موافقٌ لِما
نقَلَه "الزاهديُّ" وغيرُهُ، واستظهرَهُ في "السِّراج"(٦)، ومشى عليه "المصنّف" فيما سيأتي(٧)،
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - باب المسح على الخفين ١٢٨/١ بتصرف.
(٢) "الدرر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ٣٣/١.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين صـ١٠٥-١٠٦ -.
(٤) حاشية "منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٧٤/١ وما بعدها.
(٥) صـ ٢٢٥ - "در".
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١/ق ٧٦/ب.
(٧) صـ ٢٢٥ - "در".
١٨٥ -
الجزء الثاني
باب المسح على الخفين
(بسنةٍ مشهورةٍ) فمنكرُهُ مبتدِعٌ، وعلى رأي "الثاني" كافرٌ،.
١٧٦/١
ويأتي الكلامُ عليه(١)، فافهم.
[٢٣٥٤) (قولُهُ: بسْنَّةٍ) متعلّقٌ بقوله: ((جائزٌ)). وهي لغةً: الطريقةُ والعادةُ، واصطلاحاً في
العبادات: النائِلَةُ، وفي الأدَلَّةِ - وهو المراد هنا -: ما رُوِيَ عنهم ﴿و قولاً أو فعلاً أو تقريراً لأمرٍ
عاَيْنَه، والمسحُ رُوِيَ قولاً وفعلاً.
مطلبٌ: تعريفُ الحديثِ المشهور
[٢٣٥٥] (قولُهُ: مشهورةٍ) المشهورُ في أصول الحديث: ما يَرويه أكثرُ من اثنين في كلِّ طبقةٍ
من طبقات الرُّواة، ولم يصِلْ إلى حدِّ التواتُر، وفي أصول الفقهِ: ما يكونُ من الآحاد في العصر
الأوَّلِ - أي: عصرِ الصحابة - ثم ينقلُهُ في العصر الثاني وما بعدَه قومٌ لا يُتُوهَّمُ تواطؤُهم على
الكذب، فإنْ كان كذلك في العصر الأوَّلِ أيضاً فهو المتواترُ، وإنْ لم يكنْ كذلك في العصر الثاني
أيضاً فهو الآحادُ، وبه عُلِمَ أنَّ المشهور عند الأصوليِين قَسِيمٌ للآحادِ والمتواترِ، أمَّا عند المخِّدثين
فهو قسمٌ من الآحاد، وهو ما لم يبلُغْ رتبةَ التواتر، والذي وقعَ الخلافُ في تبديعِ مُنكِرِه أو تكفيرِهِ
هو المشهورُ المصطلحُ عند الأصوليِّين لا عند المحدِّثين، فافهم.
[٢٣٥٦] (قولُهُ: وعلى رأىٍ "الثاني" كافرٌ) أي: بناءً على جعلِه المشهورَ قسماً من المتواتر، لكنْ
قال في "التحرير"(٢): (( والحقُّ الاتّفاقُ على [١/ق٢٠٢/أ] عدم الإكفار بإنكارِ المشهور لآحادِّيَّةٍ
أصله، فلم يكنْ تكذيباً له عليه الصلاة والسلام، بل ضلالةً لتخطِئةِ المجتهدين)
(قولُهُ: أي: بناءً على جعلِهِ المشهورَ قسماً إلخ) في "القُهُستانيِّ": (( أَنَّه ثابتٌ بآثارٍ قريبةٍ من التواتر،
وقالوا: على قياسِ قول "أبي يوسف" يُكفَرُ جاحدُهُ لذلك)) اهـ. فجعَلَ عَلَّةَ الإِكفار عنده أنَّ الآثار فيه
قريبةٌ من التواتر لا كونَ المشهور قسماً من المتواتر.
(١) المقولة [٢٤٩٢] قوله: ((وهو الأظهر)).
(٢) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الثالث - فصل: حجية السنة ضرورة دينية صـ ٣١١ -.
قسم العبادات
١٨٦
حاشية ابن عابدين
وفي "التحفة": ((ثبوتُهُ بالإجماع بل بالتواتر، رُواتُهُ أكثرُ من ثمانين، منهم العشرةُ ))،
"فقهستاني". وقيل: بالكتاب، ورُدَّ بأَنَّه غيرُ مغيَّا بالكعبين إجماعاً،.
[٢٣٥٧] (قولُهُ: وفي "التحفة")(١) أي: للإمام "محمَّدِ السَّمَر قنديِّ" التي شرَحَها تلميذُه
"الكاشانيُّ" بشرحٍ عظيمٍ سمَّاه "البدائع".
[٢٣٥٨) (قولُهُ: بالإجماع) ولا عبرةَ بخلاف الرَّافِضة، وأمَّا مَنْ لم يره كـ "ابن عباسٍ" و"أبي
هريرة" و"عائشة" عَّه فقد صحَّ رجوعُه، "ح"(٢).
[٢٣٥٩] (قولُهُ: بل بالتواتر إلخ) ليس هذا من عبارة "التحفة"، بل عزاه "القُهُستانيُ) (٣) إلى
"ابن حجرٍ"(٤).
ثمَّ الظاهرُ: أنَّ هذا بناءٌ على أنَّ ذلك العددَ يفيدُ اليقينَ والعلمَ الضَّروريَّ، ويرفعُ تُهَمَةَ
الكذب بالكليّة، وكأنَّ "الإِمام" توقَّفَ في إفادته ذلك، أو لم يَتْبُتْ عنده هذا العددُ، ولذا قال:
أخافُ الكفرَ على مَنْ لم يرَ المسحَ على الخفّين؛ لأنَّ الآثار التي جاءت فيه في حيِّزِ التواتُر.
[٢٣٦٠] (قولُهُ: رُاوتُه) أي: من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
[٢٣٦١] (قولُهُ: وقيل: بالكتاب) أي: بقراءة الجرِّ في: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة - ٦] بناءً
على إرادة المسح بها لعطفِها على الممسوح جمعاً بينها وبين قراءة النصبِ المرادِ بها الغسلُ
لعطفِها على المغسول.
(قولُهُ: وكأنَّ "الإِمام" توقَّفَ في إفادته ذلك، أو لم يثبت عنده إلخ) الأصوبُ في وجهِ عدم الإِكفار عنده
هو أنَّ وقوع الخلاف فيه في الصَّدرِ الأوَّلِ وإن ثبَتَ الرُّجوعُ عنه يُورِثُ شبهةً دارئةً للكفر وإن كان منکرُ
المجمَعِ عليه والثابتِ بالتواتر كافراً، و"أبو يوسف" لم يعتبرْهُ شبهةً حيث ثبَتَ الرُّجوع عنه، ولا يليقُ جعلُ
الإكفار على قوله مبنيًّ على جعلِهِ المشهورَ قسماً من المتواتر لِما نقله عن "التحرير": ((من أنَّ الحقَّ عدمُ
الإِكفار بإنكارِ المشهور إلخ ))، تأمَّل.
(١) "تحفة الفقهاء": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ٨٤/١.
(٢) "ح": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ق١٩/ب.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ٤٤/١.
(٤) "فتح الباري": كتاب الوضوء - باب المسح على الخفين ٣٠٦/١.
الجزء الثاني
١٨٧
باب المسح على الخفين
فالجرُّ بالجوارِ (لمحدثٍ) ظاهرُهُ عدمُ جوازه لمجدِّدِ الوضوءِ، إلاَّ أنْ يقال: لَمَّا حصلَ
له القربةُ بذلك صار كأنّه محدثٌ (لا لجنبٍ) وحائضٍ،
[٢٣٦٢] (قولُهُ: فالجرُّ بالجوار) أي: كما في قوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ﴾ [هود-٨٤]،
و﴿وَحُورُ عِينٌ﴾ [الواقعة- ٢٢] المعطوفِ على ﴿وِلْدَانٌّمُخَلَّدُونَ﴾ لا على ﴿أَكْوَابٍ﴾؛ إذ لا يطوفُ
عليهم الوِلْدانُ بالحُور، ونظيرُه في القرآن والشِّعر كثيرٌ، فهو في المعنى معطوفٌ على المنصوب، وإنما
عُدِلَ عن(١) النصب للّنبيهِ على أنَّه ينبغي أنْ يُقتصَدَ في صبِّ الماء عليهما، ويُغسَلا غَسلاً خفيفاً
شبيهاً بالمسح كما في "الدرر"(٢) وغيره.
[٢٣٦٣] (قولُهُ: لمحدِثٍ) متعلّقٌ بقوله: ((جائزٌ))، وشمِلَ المرأةَ كما سيصرِّحُ به(٣)، قال في
"غرر الأفكار "(٤): (( والمحدِثُ: حقيقةٌ عُرُفِيَّةٌ فِيمَنْ أصابَه حدَثٌ يُوجِبُ الوضوء)).
[٢٣٦٤) (قولُهُ: ظاهرُه إلخ) البحثُ والجوابُ لـ "القُهُستانيِ))(٥).
وأقولُ: قد يقال: إنَّ جوازَه لمجدِّدِ الوضوء يُعلَمُ بالأَولى؛ لأنَّ ما رفَعَ الحدثَ الحقيقيَّ يحصُلُ
به تحديدُ الطهارة بالأولى، على أنَّ قوله: (( لا لجُنُبٍ)) يدلُّ بالمقابلة على أنَّ المحدِثَ احترازٌ عن
الجنب فقط، تأمَّلْ.
مطلبٌ: إعرابُ قولهم: إلاَّ أن يقال
[٢٣٦٥] (قولُهُ: إلاَّ أنْ يقالَ) استثناءٌ مفرٌَّ مِنْ أعمِّ الظروف؛ لأنَّ المصادر قد تقعُ ظروفاً نحو:
آتيكَ طلوع الفجر، أي: وقتَ طلوعه، والمصدرُ المنسبِكُ هنا من هذا القَبِيل، فالمعنى: ظاهرُه ما
ذُكِرَ [١/ق٢٠٢/ب] في جميع الأوقات إلاَّ وقتَ قولنا: لَمَّا حصَلَ إلخ، كذا أفاده المحقّقُ "صدر
."(٦).
الشريعة" في أوائل "التوضيح"
.
(١) في "م": ((على)) بدل ((عن)).
(٢) "الدرر": كتاب الطهارة - ٩/١.
(٣) "در" صـ٢٠٢ -.
(٤) "غرر الأذكار": كتاب الطهارة - ذكر المسح على الخفين وغيرهما ق١٨/ب.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ٤٤/١.
(٦) "التوضيح": تعريف الحكم ١٥/١ (هامش "التلويح").
قسم العبادات
-
١٨٨
حاشية ابن عابدين
والمنفيُّ لا يلزمُ تصويرُه، وفيه أنَّ النفيَ الشرعيَّ يَفتقِرُ إلى إثباتٍ عقليٌّ(١)،.
[٢٣٦٦] (قولُهُ: والمنفيُّ لا يلزمُ تصويرُه) أي: لا يلزمُ أنْ يُجعَلَ له صورةٌ يمكنُ حصولُها
في الذّهن.
[٢٣٦٧] (قولُهُ: وفيه إلخ) البحثُ لـ "القُهُستانيِ)(٢)، بيانُهُ: أنَّ النفيَ الشرعيَّ - أي: الذي
اسْتُفِيدَ من الشرع - يتوقَّفُ على إمكانِ تصوُّرٍ ما نُفِيَ به عقلاً، وإلاَّ لم يكنْ مستفاداً من الشَّرع،
بل من العقل كقولنا: لا تجتمعُ الحركةُ مع السكون، وصوَّروا له صُوَراً، منها: لو تيمَّمَ الجنبُ، ثم
لِسَ الخفَّ، ثم أحدَثَ ووجَدَ ماءً يكفي للوضوء فقط لا يمسحُ؛ لأنَّ الجنابة سَرَتْ إلى القَدَمين،
والتيمُّمُ ليس طهارةً كاملةً، ومثلُهُ الحائضُ إذا انقطَعَ دمُها، واعترضَهُ في "المجتبى": (( بأنَّ ما ذكرَ
غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الجنابة لا تعودُ على الأصحِ)) اهـ.
أقولُ: أي: لا تعودُ إلى أعضاء الوضوء ولا غيرِها؛ لأَنَّ لم يَقدِرْ على الماء الكافي، والجنابةُ لا
تتجرَّى، فهو محدِثٌ حقيقةً لا جنبٌ، وليس الكلامُ فيه، فاعتراضُ "البحر"(٣) على "المجتبى":
((بأنَّه عاد جنباً برؤيةِ الماء)) غيرُ وارِدٍ كما لا يخفى، فالصحيحُ في تصويره ما في "المجتبى":
(قولُهُ: أي: لا يلزمُ أنْ يُجعَلَ له صورةٌ إلخ) وقال "عبد الحليم": (( أي: لا يلزمُ تصويرُهُ بصورةٍ
معيّنةٍ )) اهــ أي: أنَّه لا يحتاجُ إلى التصوير لا أَنَّه نَفَى التصوُّرَ العقليَّ، وحينئذٍ لا يَرِدُ ما في الشَّرح عن
"القُهُستانيِّ"، تأمَّل.
(١) في "د"زيادة: ((هذه عبارة القهستانيّ، قال بعده: وصورته أن يغمس في الماء منكوساً إلى كعبيه، ثم يمسح أو يقعد
فيه واضعاً رجليه مكاناً رفيعاً لا يصل إليه الماء. انتهى
قال المنلا مسكين: قيل: صورته رجل توضأ ولبس الخف، ثم أجنب فتيمم للجنابة، ثم أحدث، ثمَّ وجد ما يكفي
للوضوء ولا يكفي للاغتسال، فإنّه يتوضأ ويغسل رجليه ولا يمسح ويتيمَّم للجنابة. انتهى
وعن نجم الأئمة: أنه لا يمسح الخفّ، بل يُجْرِي الماءَ على ظاهره بعد أن يشدَّ فوق الكعبين، قال القهستانيُّ: وههنا
إشكال؛ لأنَّ المبسوط علَّله بأنَّ الجنابة ألزمته غسل جميع البدن، ومع الخف لا يتأتى ذلك. انتهى)).
(٢) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ٤٤/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٧٧/١.
الجزء الثاني
١٨٩
باب المسح على الخفين
ثم ظاهرُهُ جوازُ مسح مغتسِلٍ جمعةٍ ونحوه، وليس كذلك على ما في "المبسوط"،
ولا يبعُدُ أنْ يُجعَلَ في حكمه، ..
((فيما إذا توضَّأَ ولبسَ، ثم أجنَبَ ليس له أنْ يشُدَّ خفَّه فوق الكعبين، ثم يغتسلَ ويمسحَ)) اهـ.
أو يغتسلَ قاعداً، أو واضِعاً رِجْلَيه على شيءٍ مرتفعٍ ثم يمسحَ، ومثلُهُ الحائضُ، ولكنْ لا
يتأتّى إِلاَّ على قول "أبي يوسف" من أنَّ أقلَّ الحيض عنده يومان وأكثرُ الثالث، فإذا كانت المرأةُ
مسافرةً، وتوضَّأَت ابتداءً مدَّةِ السَّفْر، ولبسَت الخفَّ، ثم حاضتْ هذا المقدارَ فقد بقِيَ من المدَّة نحوُ
خمسٍ ساعاتٍ، فلا يجوزُ لها أنْ تمسح فيها، وأمَّا على قولهما فلا يُتصوَّرُ؛ لأنَّ أقلَّ مدَّةِ الحيض
ثلاثةُ أيامٍ، فتنقضي فيها مدَّةُ المسح كما أوضحَهُ في "البحر"(١)، ولم يذكرِ النّفَسَاءَ، وصورتُها
- كما في (٢) "البحر"(٣) -: ((أَنَّها لِسَتْ على طهارةٍ، ثم نَفِيسَتْ، وانقطعَ قبلَ ثلاثةٍ مسافرةً، أو قبلَ
يومٍ وليلةٍ مقيمةٌ)).
[٢٣٦٨] (قولُهُ: ثمَّ ظاهرُهُ) أي: ظاهرُ قوله: ((لا لجنبٍ))، ثم هذا الكلامُ إلخ
لـ "القُهُستانيِّ) (٤).
[٢٣٦٩] (قولُهُ: وليس كذلك إلخ) عبارةُ "القُهُستانيِّ) (٥): (( وينبغي أنْ لا يجوزَ على ما في
"المبسوط" (٦)) اهـ.
ومُقادُه: أَنَّه في "المبسوط" ذكَرَه بلفظ: ((ينبغي)) لا على سبيلِ الجزم، فلذا قوَّه بقوله:
((ولا يبعُدُ))، وإلاَّ لم يحتجْ إلى ذلك.
[٢٣٧٠] (قولُهُ: ولا يبعُدُ إلخ) أي: لا يبعُدُ أنْ يُجعَلَ غُسلُ الجمعة في حكم غُسل الجنابة،
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٧٧/١.
(٢) قوله: ((ولم يذكر النفساء وصورتها كما في)) ساقطة من"آ".
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٧٧/١.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ٤٥/١.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ٤٥/١.
(٦) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب المسح على الخفين ٩٩/١.
قسم العبادات
١٩٠
حاشية ابن عابدين
فالأحسنُ: لمتوضِّئٍ لا المغتسِلٍ.
والسنَّةُ أن يخطَّهُ (خطوطاً بأصابعٍ) يدٍ (مفرَّجةٍ).
[١/ق٢٠٣/أ] يعني: أنَّ كلام "المبسوط" غيرُ بعيدٍ. اهـ "ح"(١).
ووجهُه: أنَّ ماهيّةَ الْغُسل المسنون هي ماهيَّةُ غُسل الجنابة، وهي غَسلُ جميعِ ما يمكنُ غَسُه
من البدن، فقوله: ((لا لجنبٍ)) نفيٌ لمشروعيَّةِ المسح في الغُسل، سواء كان عن جنابةٍ أو غيرها،
١٧٧/١ كما أنَّ إثباتَ مشروعَّتِه للمحدث هو إثباتٌ لمشروعيَّته في الوضوء، سواءٌ كان عن حدثٍ أو
غيره؛ لأنَّ ماهيّة الوضوء في حقّهما واحدةٌ أركاناً وسُناً كما قلْنا في الغُسل(٢).
(٢٣٧١] (قولُهُ: فالأحسنُ إلخ) أي: الأحسنُ تعبيرُ "المصنّف" بذلك ليشملَ المتوضِّئَ مجدِّدَ
الوضوء، والمغتسِلَ مغتسِلَ الجمعة، والعيدَ بلا تأويلٍ في العبارة.
(٢٣٧٢) (قولُهُ: والسُّنَّة إلخ) أفادَ أنَّ إظهار الخطوط ليس بشرطٍ، وهو ظاهرُ الرواية، بل هو
شرطُ السَُّّة في المسح، وكيفيُّه - كما ذكرَه "قاضي خان" في "شرح الجامع الصغير"(٣) - : (( أنْ
يضعَ أصابعَ يدِهِ اليمنى على مقدَّمِ خُفْه الأيمنِ، وأصابعَ يدِهِ اليسرى على مقدَّم خفّه الأيسرِ من قِبَلِ
الأصابع، فإذا تمكّنَتِ الأصابعُ يَمُدُّها حتى ينتهيَ إلى أصل السَّاق فوقَ الكعبين؛ لأنَّ الكعبين
يلحقُهما فرضُ الغَسل، ويلحقُهما سُنَّهُ المسح، وإنْ وضعَ الكفَّين مع الأصابع كانَ أحسَنَ، هكذا
رُوِيَ عن "محمَّدٍ")) اهـ "بحر "(٤).
أقولُ: وظاهرُه أنَّ التّيامُن فيه غيرُ مسنونٍ كما في مسح الأذنين، وفي "الحلبة"(٥):
((والمستحبُّ أنْ يمسحَ بباطنِ اليدِ لا بظاهرِها)).
(١) "ح": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ق ٢٠/أ.
(٢) المقولة [١٢٤٩] قوله: ((يعني إلخ)).
(٣) "شرح الجامع الصغير": كتاب الطهارة - المسح على الخفين ١/ق ٧/أ.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٨٣/١.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ١/ق ٢٠٨/ب بتصرف.
الجزء الثاني
١٩١
باب المسح على الخفين
قليلاً (يبدأ مِن) قِبَلِ (أصابعِ رِجْله) متوجِّهاً (إلى) أصلِ (السَّاق) ومحلَّهُ (على ظاهر
B
خفیه) من رؤوس اصابعِهِ
[٢٣٧٣] (قولُهُ: قليلاً) ذكَرَهُ في "البحر"(١) عن "الخلاصة"(٢).
[٢٣٧٤) (قولُهُ: ومحلُّه) زادَه على المتن لِيُعلَمَ أنَّ ذلك شرطٌ.
[٢٣٧٥] (قولُهُ: على ظاهرٍ خُفِيه) قَيَّدَ به إذ لا يجوزُ المسحُ على الباطن والعَقِبِ والسَّاق،
"درر"(٣).
(٢٣٧٦] (قولُهُ: من رؤوسِ أصابعِهِ) ظاهرُهُ أنَّ الأصابعَ لها دخْلٌ في محلِّ المسح، حتى لو
مسَحَ عليها صحَّ إِنْ حصَلَ قَدْرُ الفرض، وذكَرَ في "البحر "(٤): (( أَنَّه مُفادُ ما في "الكنز" وغيرِهِ من
المتون والشروح، وعلى ما في أكثرِ الفتاوى لا يجوزُ؛ لأنَّهم قالوا: وتفسيرُ المسح أنْ يمسحَ على
ظهْرِ(٥) قدَمَيه ما بين أطراف الأصابع إلى السَّاق، فهذا يفيدُ أنَّ الأصابعِ غيرُ داخلةٍ في المحلّية، وبه
صرَّحَ في "الخانّة"(٦)، فليُتَنَّهْ لذلك)) اهـ ملخَّصاً.
واعترضَهُ في "النهر "(٧): (( بأنَّ ما في الفتاوى يفيدُ دخولَها؛ لأنَّ أطرافَها أواخِرُها، أي:
رؤوسُها))، يوافقُهُ [١/ق٢٠٣/ب] قولُ "المبتغى": ((ظَهْرُ القدَمِ مِنْ رؤوس الأصابع إلى مَعقِدٍ
الشِّراك)).
أقولُ: وما في "النهر" هو ما فهمَهُ في "الحلبة"(٨) من عبارة الفتاوى فقال: ((إنَّ مؤدَّى
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٨٣/١ نقلاً عن "الخلاصة" و"فتاوى الولوالجيّ" وغيرها.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الرابع في المسح - المسح على الخفين ق ١٠/أ.
(٣) "الدرر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ٣٥/١ وتتمة عبارته: ((لأنَّ المسح معدولٌ به عن سنن القياس،
فيراعى فيه جميعُ ما ورد به الشرع)).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٨٣/١.
(٥) في"م": ((ظاهر)).
(٦) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ٥٠/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "النهر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ق٢٣/أ بتصرف.
(٨) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ١/ق ٢٠٧/أ بتصرف.
قسم العبادات
١٩٢
حاشية ابن عابدين
إلى مَعقِدِ الشِّراك، ..
رؤوس الأصابع وما بين أطراف الأصابع واحدٌ؛ لأنَّ أطرافها هي رؤوسُها))، ثمَّ قال: (( نعمْ في
"الذخيرة": وتفسيرُ المسح على الخفّين: أنْ يمسحَ على ظهْرِ قَدَمَيه ما بين الأصابع إلى السَّاقِ(١)،
وعن "الحسن" عن "أبي حنيفة": المسحُ على ظهْرٍ قَدَمَيه من أطراف الأصابع إلى السَّاقِ اهـ.
فالأصابعُ على ما ذكَرَه في "الذخيرة" أوَّلاً غيرُ داخلةٍ في المحلِّة، وعليه ما في "شرح الطحاويّ": لو
مسَحَ موضعَ الأصابع لا يجوزُ، وبه صرَّحَ في "الخالنَّة (٢)، وعلى رواية "الحسن" داخلةٌ ويظهرُ أنَّها
الأَولى، ويشهدُ لها حديثُ "جابرِ" المرويُّ في "الأوسطِ" لـ "الطبرانيّ" (٢) من أَنَّه ◌ُّ: ((مسحَ من
مقدَّمِ الخَفِّين إلى أصل السَّاقِ مرَّةً، وفرَّجَ بين أصابعه))، فلذا مشى عليها أصحابُ الفتاوى)) اهـ.
أقولُ: والحاصلُ أنَّ في المسألة اختلافَ الرِّواية، وحيث كانت روايةُ الدُّخول هي المفادَ من
عبارات المتون والشُّروح - وكذا من أكثرِ الفتاوى كما علمتَ - كان الاعتمادُ عليها أولى، فلذا
اختارَها "الشارح" تبعاً لـ "النهر" و"الحلبة"، فافهم.
[٢٣٧٧) (قولُهُ: إلى مَعقِدِ الشِّراك) أي: المحلِّ الذي يُعقَدُ عليه شِراكُ النَّعل، بالكسر، أي:
سَيْرُه، فالمرادُ به المِفِصَلُ الذي في وسطِ القدم، ويسمَّى كعباً، ومنه قولهم في الإحرام: يقطعُ الخفّين
أسفلَ من الكعبين.
ثُمَّ إِنَّ قوله: ((من رؤوسِ أصابعه إلى مَعقِدِ الشِّراك)) هو عبارةُ "المبتغى" كما قدَّمناه(٤)،
(١) نقول: عبارة "الحلبة": ((نَعَم، راجعْتُ نسخة "الذخيرة" فإذا فيها ما نصُّه: وتفسير المسح على الخفين أن يمسح ما
بين الأصابع إلى الساق، ويفرّج بين أصابعه قليلاً، وعن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ... )) اهـ فليتأمل.
(٢) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ٥٠/١.
(٣) لم نجده بهذا اللفظ عند الطبرانيّ في "الأوسط" وإنما أخرجه بنحوه (١١٥٧)، وأخرجه ابن ماجه (٥٥١) كتاب
الطهارة باب مسح أعلى الخف وأسفله، وأبو يعلى (١٩٤٥) وتفرَّد بقيةُ بنُ الوليد بهذا الحديث عن جابر، وهو
متكلّمٌ فيه. وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١٦٠/١: إسناده ضعيف جداً. اهـ وله شواهد ضعيفة أيضاً ذكرها
ابن حجر في "التلخيص".
(٤) في المقولة السابقة.
الجزء الثاني
١٩٣
باب المسح على الخفين
ويُستحَبُّ الجمعُ بين ظاهرٍ وباطنٍ طاهٍ ..
والمرادُ به بيانُ محلِّ الفرضِ اللَّزمٍ، وإلاَّ فالسُّنةُ أنْ ينتهىَ إلى أصل السَّاقِ كما قدَّمناه (١) عن " شرح
الجامع"، فلا مخالفةً بينهما كما لا يخفى، فافهم.
[٢٣٧٨] (قولُهُ: ويُستحَبُّ الجمعُ إلخ) المرادُ بالباطن أسفلُه ◌َمَا يلي الأرضَ لا ما يلي البشرةَ
كما حقَّقَهُ في "شرح المنية"(٢) خلافاً لِما في "الفتح"(٣).
هذا، وما ذكَرَهُ "الشارح" تَبِعَ فيه صاحبَ "النهر"(٤)، حيث قال: ((لكنْ يُستحَبُّ عندنا
الجمعُ بين الظاهر والباطن في المسح، إلَّ إذا كان على باطنِه نجاسةٌ، كذا في "البدائع"))(٥) اهـ.
وأقولُ: الذي رأيْتُهُ في نسختَي "البدائع" نقَلَهُ عن "الشافعيّ"، فإنَّه قال: ((وعن "الشافعيّ" أَنَّه
لو اقتصَرَ على الباطن لا يجوزُ، والمستحبُّ عنده(٦) الجمعُ إلخ))، [١/ق ٢٠٤ /أ] فضميرُ الغَية
راجعٌ إلى "الشافعيّ"، وهكذا رأيتُهُ في "التاتر خانَيَّةً"(٧)، وقال في "الحلبة (٨): ((المذهبُ عند
أصحابنا أنَّ ما سوى ظهْرِ القدَم من الخفِّ ليس بمحلٍّ للمسح لا فرضاً ولا سنّةً، وبه قال "أحمدٌ"،
وقال "الشافعيُّ": يُسَنُّ مسحُهما))، وقال في "البحر "(٩): ((وفي "المحيط": ولا يُسَنُّ مسحُ باطن
الخفِّ مع ظاهرِهِ خلافاً لـ "الشافعيّ"؛ لأنَّ السنّةَ شُرِعَتْ مكمِّلةً للفرائض، والإكمالُ إنما يتحقّقُ في
محلِّ الفرض لا في غيره اهـ. وفي غيره نفيُ الاستحباب، وهو المرادُ)) اهـ كلامُ "البحر".
(١) المقولة [٢٣٧٢] قوله: ((والسنة إلخ)).
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين صـ١٠٩ -.
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات - باب المسح على الخفين ١٣٢/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ق ٢٢/ب.
(٥) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ١٢/١.
(٦) في نسخة "البدائع" التي بين أيدينا: ((عندنا)) وهو تحريف.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل السادس في المسح على الخفين ٢٦٥/١.
(٨) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ١/ق ٢٠٦/أ باختصار.
(٩) "البحر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٨٠/١.
قسم العبادات
١٩٤
حاشية ابن عابدين
أي: وفي غير "المحيط" قال: لا يستحبُّ، وهو المرادُ من قول "المحيط": ((لا يسنُّ)).
وفي "معراج الدراية": (( السنّةُ عند "الشافعيِّ" و"مالكٍ" مسحُ أعلى الخفِّ وأسفلِه؛ لِما
رُوِيَ أَنَّهُ وَّ: ((مسَحَ أعلى الخفِّ وأسفلَه)(١)، وعندنا و"أحمدَ"؛ لا مدخَلَ لأسفلِه في المسح
لحديث "علي" ◌َّهُ: «لو كان الدِّينُ بالرَّأي لكان أسفلُ الخفِّ أَولى بالمسح عليه من ظاهره،
وقد رأيتُ رسول اللـه ﴿ يمسحُ على الخفَّين على ظاهرِهما)، رواه "أبو داود" و"أحمد"
و "الترمذيُّ"، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(٢)، وما رواه "الشافعيُّ" شاٌ لا يعارِضُ هذا مع أنَّه
١٧٨/١ ضعَّفَه أهلُ الحديث، ولهذا قيل: إنَّه يُحمَلُ على الاستحبابِ إنْ ثبَتَ، وعن بعض مشايخنا:
يستحبُّ الجمعُ)) اهـ.
فقد ظهَرَ أنَّ استحباب الجمع قولٌ لبعض مشايخنا، لا كما نقلَهُ في "النهر"(٣): ((من أنّه
المذهبُ))، فتنبَّهْ لذلك، ولله الحمد.
(١) أخرجه أبو داود (١٦٥) كتاب الطهارة - باب كيف المسح؟ والترمذيُّ (٩٧) كتاب الطهارة - باب ما جاء في المسح
على الخفين أعلاه وأسفله، وابن الجارود في "المنتقى" (٨٤)، والدار قطنيُّ ١٩٥/١ كتاب الطهارة - باب الرخصة في
المسح على الخفين، والبيهقيُّ في "السنن الكبرى"٢٩٠/١ كتاب الطهارة - باب كيف المسح على الخفين؟ وقال أبو
داود: بلغني أن ثوراً لم يسمعه من رجاء. وقال الترمذي: وهذا حديث معلول لم يسنده عن ثور غيرُ الوليد،
وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح، لأنَّ ابن المبارك رواه عن ثور عن رجاء
قال: حُدِّثت عن كاتب المغيرة عن النبي { ﴿ مرسلاً، وقال الدار قطنيُّ في "العلل" هذا حديث لا يثبت؛ لأنَّ ابن
المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلاً، وقد ضعَّف الإمام أحمد هذا الحديث. وقد ردَّ الشيخ أحمد شاكر رحمه الله
على هذه الأقوال بكلامٍ نفيسٍ في تعليقه على "سنن الترمذيّ" ١٦٣/١ -١٦٤ فانظره.
(٢) أخرجه أحمد ١١٤/١، وأبو داود (١٦٢) كتاب الطهارة - باب كيف يمسح؟ والدار قطني١٩٩/١ّ كتاب الطهارة -
باب الرخصة في المسح على الخفين وما فيه واختلاف الروايات. قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير"
١٦٠/١: رواه أبو داود وإسناده صحيح. وأخرجه الترمذي (٩٨) كتاب الطهارة - باب ما جاء في المسح على
الخفين ظاهرهما، وقال: حديث حسن صحيح، من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعاً.
(٣) "النهر": باب المسح على الخفين ق ٢٢/ب.
الجزء الثاني
١٩٥
باب المسح على الخفين
(أو جُرِمُوقيه) ولو فوق خفّ
[٢٣٧٩] (قولُهُ: أو جُرْمُوقَه) بضمِّ الجيم، جِلْدٌ يُلَسُ فوق الخفِّ لحفظِه من الطِّين وغيره على
المشهور، "قُهُستاني)"(١). ويقال له: الموقُ، وليس غيرَه كما أفاده في "البحر "(٢).
[٢٣٨٠] (قولُهُ: ولو فوقَ خفِّ) أفادَ جوازَ المسح عليهما منفردين أيضاً، وهذا لو كانا
من جلدٍ، فلو من كِرباسٍ لا يجوزُ ولو فوقَ الخفِّ إلى أنْ يصِلَ بَلَلُ المسح إلى الخفِّ. ثمَّ
الشَّرطُ أنْ يكونا بحيث لو انفرَدا يصحُّ مسحُهما، حتّى لو كان بهما خرقٌ مانعٌ لا يجوزُ
المسحُ عليهما، "سراج"(٣). وأنْ يلبَسَهما قبلَ أنْ يمسحَ على الحقَّين، وقبل أنْ يُحدِثَ، فلو
كان مسَحَ على الخفّين، أو أحدَثَ بعدَ لُبْسِهما، ثمَّ لبِسَ الجُرمُوقِين لا يجوزُ المسحُ عليهما
اتفاقاً؛ لأنَّهما حينئذٍ لا يكونان تبعاً للخفِّ، صرَّحَ بهذا الشَّرطِ [١/ق ٢٠٤/ب] في
"السِّرَاجِ "(٤) وشروح "المجمع" و"منية المصلّي"(٥) وغيرِها.
ومقتضاه: أَنَّه لو توضَّأَ، ثم لِبِسَ الخفَّ، ثم جدَّدَ الوضوءَ قبل الحدث، ومسَحَ على
الخفِّّ، ثم ليِسَ الجُرُمُوقَ لا يجوزُ له المسحُ لاستقرار الحكم على الخفِّ، فلا يصيرُ الجُرموقُ
تبعاً، وعبارةُ "الشارح" في "الخزائن"(٦): ((وهذا إذا كانا صالِحَين للمسح أو رقيقين ينفُذُ إلى
الخفِّ قدرُ الفرض، ولم يكنْ أَحدَثَ، ولا مسَحَ على خفَّيه قبل ما أحدَثَ، ذكَرَه "ابن
الكمال" و"ابن ملكٍ")) اهـ.
هذا، وفي "البحر"(٧): ((والخفُّ على الخفِّ كالجُرُمُوق عندنا في سائر أحكامه،
"خلاصة"(٨).
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ٤٥/١ بتصرف يسير.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٨٩/١.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١/ق ٧٩/ب بتصرف يسير.
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١/ق ٧٩/ب.
(٥) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين صـ ١١٢ -.
(٦) "الخزائن": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ق ٥٢/أ.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٩٠/١.
(٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الرابع في المسح - المسح على الجاروق - ق ١٠/أ بتصرف.
قسم العبادات
١٩٦
حاشية ابن عابدين
أو لُفافةٍ، ولا اعتبارَ بما في "فتاوى الشاذي"؛ لأنّه رجلٌ مجهولٌ لا يقلَّدُ فيما خالَفَ
النقولَ (أو جَورَبيه) ..
[٢٣٨١) (قولُهُ: أو لُفافةٍ) أي: سواء كانت ملفوفةً على الرِّجْل تحت الخفِّ، أو كانت مَخِيطةً
ملبوسةً تحتَه كما أفاده في "شرح المنية"(١).
[٢٣٨٢) (قولُهُ: ولا اعتبارَ بما في "فتاوى الشاذي")(٢) بالذَّال المعجمة على ما رأيتُه في النسخ،
لكنَّ الذي رأيتُه بخطّ "الشارح" في "خزائن الأسرار"(٣) بالدَّال المهملة.
ثُمَّ الذي في هذه "الفتاوى" هو ما نقَلَهُ عنها في "شرح المجمع" من التفصيل، وهو: (( أنَّ ما
يُلَسُ من الكِرباس المحرَّدِ تحت الخفِّ يمنعُ المسحَ على الخفِّ لكونه فاصلاً، وقطعةُ كِرباسٍ تُلَفُّ
على الرِّجْل لا تمنعُ؛ لأنّه غيرُ مقصودٍ باللُّبس))، وقد أطالَ في ردِّه في "شرح المنية"(٤) و"الدرر"(*)
و"البحر"(٦) لتمسُّكِ جماعةٍ به من فقهاء الرُّوم، قال "ح"(٧): (( وقد اعتنى "يعقوب باشا" بتحقيق
هذه المسألة في كُرَّاسةٍ مبِيِّناً للجواز لَمَّا سألَه السلطانُ "سليم خان")).
(٢٣٨٣] (قولُهُ: أو جَورَبَيْه) الجَوْرَبُ: لُفافةُ الرِّجْل، "قاموس"(٨). وكأنَّه تفسيرٌ باعتبار اللُّغة،
لكنَّ العُرفَ خَصَّ اللَّقافة بما ليس بمَخِيطٍ، والجوربَ بالمخِيط ونحوِهِ الذي يُلَسُ كما يُلَسُ الخفُّ،
"شرح المنية" (٩).
(١) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ١١٢/١.
(٢) لعله شاذان بن إبراهيم البصريّ، ذكره في "القنية" والخاصيّ في "فتاواه"، وله فتاوى غريبةٌ غير مقبولة. (انظر
"الجواهر المضية" ٢٤٥/٢، و"الفوائد البهية" صـ ٨٣-).
(٣) "الخزائن": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ق ٥٢/أ.
(٤) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين صـ١١٢ -.
(٥) "الدرر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ٣٥/١.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٩١/١.
(٧) "ح": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ق ٢٠/ب.
(٨) "القاموس": مادة ((جرب)).
(٩) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين صـ ١٢٠ -.
الجزء الثاني
١٩٧
باب المسح على الخفين
ولو من غَزْلِ أو شعرِ (الثخينين)
[٢٣٨٤) (قولُهُ: ولو من غَزَلٍ أو شَعرٍ) دخَلَ فيه الجُوعُ كما حقَّقَهُ في "شرح المنية"(١)، وقال:
(( وخرَجَ عنه ما كان مِنْ كِرباسٍ - بالكسر - وهو الثوبُ من القطن الأبيضِ، ويُلحَقُ بالكِرباس
كلُّ ما كان من نوعِ الخَيط كالكِتَّان والإِبْرِيسَم ونحوِهما))، وتوقّفَ "ح"(٢) في وجهِ عدمٍ جواز
المسح عليه إذا وُجِدَ فيه الشروطُ الأربعةُ التي ذكَرَها "الشارح".
وأقولُ: الظاهرُ أَنَّه إذا وُجِدَتْ فيه الشروطُ يجوزُ، وأَنّهم أخرجوه لعدمٍ تأتِّي الشروطِ فيه
غالباً، يدلُّ عليه ما في "كافي(٣) النسفيّ"(٤)، حيث علَّلَ عدمَ جوازِ المسح على الجورب من
كرباسٍ: (( بأنّه لا يمكنُ تتأيُعُ المشى عليه))، فإنَّه يفيدُ أَنَّه لو أمكنَ جازَ، [١/ق ٢٠٥/أ] ويدلُّ
عليه أيضاً ما في "ط "(٥) عن "الخانيَّةً"(٦): (( أنَّ كلَّ ما كان في معنى الخفِّ في إدمان المشي عليه
وقطعِ السَّفْر به - ولو مِنْ لَبَدٍ رومِيّ - يجوزُ المسحُ عليه)) اهـ.
[٢٣٨٥) (قولُهُ: الثَّخِينين)(٧) أي: اللَّذَين ليسا محلَّدَين ولا مُنْعَلين، "نهر "(٨). وهذا التقييدُ
(١) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين صـ ١٢١ -.
(٢) "ح": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ق ٢٠/ب.
(٣) ((كافي)) ساقطة من "الأصل".
(٤) "كافي النسفيّ": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١/ق ١٥/أ.
(٥) "ط": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٣٩/١.
(٦) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ٥٢/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) في "د" زيادة: ((احتراز من غير الثخين، ويعمُّ إطلاقُه ما لو كانا منعَّلين، قال العلامة أخي جلبي في حواشيه على صدر
الشريعة: ولم يتعرض لخصوصه أحدٌ من المؤلفين، والذي لاح لي من تتبع كلماتهم أنَّ نَعْلَ غيرِ الثّخين إذا كان إلى
الساق فالظاهرُ الجواز، ثم قال بعد كلام طويل: والذي تلخّص عندي أنَّ الجورب الذي لا يجوز المسح عليه إجماعاً إذا
خُلِّد أسفله فقط، أو مع مواضع الأصابع بحيث يكون محلُّ الفرضِ الذي هو ظهرُ القدمِ خالياً عن الجلد بالكلية لا يجوز
المسح عليه قطعا؛ لأنّه لا ريب أنَّ منشأ الاختلاف بين الإِمام وصاحبيه اكتفاؤهما بمجرد الثخانة والاستمساك وعدم
اكتفائه به، بل لا بد معه من النعل والجلد. اهـ ملخصاً . أقول: بقي ما إذا كان محلُّ الغرض أيضاً منعلاً مجلداً دون ما
فوقه إلى الكعب، هل يكفي أم لا بدَّ من ستر الرِّجْل بالجلد إلى الكعب؟ وظاهرُ كلامِه الأولُ، وإليه مال سيدي عبد
الغنيّ حتى أجاز المسح على خفُ قصير دون الكعب إذا كان مخيطاً بالسروال، وأَلْف فيه رسالةً، ورأيت رسالةً
للشارح مال فيها إلى عدم الجواز، وكلّ منهما استدلَّ فيها على مُدَّعاه فراجع الرسالتين)).
(٨) "النهر": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ق ٢٤/أ.
قسم العبادات
١٩٨
حاشية ابن عابدين
بحيث يمشي فرسخاً، ويثبتُ على السَّاق بنفسِهِ، ولا يُرى ما تحته ولا يشِفُّ، ......
مستفادٌ من عطفِ ما بعدَه عليه، وبه يُعلَمُ أَنَّه نعتٌ للحَورَبين فقط كما هو صريحُ عبارة
"الكنز"(١)، وأمَّا شروطُ الخفِّ فقد ذكَرَها أوَّلَ الباب(٢)، ومثلُهُ الجُرموقُ، ولكونه من الجلد غالباً
لم يقيِّدْه بالثخانة المفسَّرَةِ بما ذكَرَه "الشارح"؛ لأنَّ الجلدَ الملبوسَ لا يكون إلاَّ كذلك عادةً.
[٢٣٨٦] (قولُهُ: بحيثُ يمشي فرسخاً) أي: فأكثرَ كما مرَّ(٣)، وفاعلُ ((يمشي)) ضميرٌ يعودُ
على الجوربِ، والإسنادُ إليه مجازيٌّ، أو على اللَّيِسِ له، والعائدُ محذوفٌ، أي: به.
[٢٣٨٧] (قولُهُ: بنفسه) أي: من غيرِ شدٍّ، "ط "(٤).
[٢٣٨٨] (قولُهُ: ولا يَشِفُّ) بتشديدِ الفاء، مِنْ شَفَّ الثوبُ: رقَّ حتى رأيتَ ما وراءه، من
باب ضرَبَ، "مغرب"(٥). وفي بعض الكتب: ينشَفُ بالنون قبل الشِّين، من نَشَفَ الثوبُ العرَقَ
- كسَمِعَ ونصَرَ - شرِبَه، "قاموس"(٦). والثاني أَولِى هنا لئلاّ يتكرَّرَ مع قوله تبعاً لـ "الزيلعيّ(٧).
((ولا يُرى ما تحتَه))، لكنْ فسَّرَ في "الخانَيَّةَ"(٨) الأوَّلَ: (( بأنْ لا يشِفَّ الجوربُ الماءَ إلى نفسه
كالأدِيم والصَّرْمِ))، وفسَّرَ الثانيَ: ((بأنْ لا يُجاوِزَ الماءُ إلى القدم))، وكأنَّ تفسيرَه الأوَّلَ مأخوذٌ
(قولُهُ: لا يَشِفَّ الجوربُ الماءَ إلى نفسِهِ) أي: ماءَ المسح لا ماءَ الغسل كما في "الإِمداد".
(١) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ٢٠/١ وعبارته: ((والجورب المجدّد
والمنعَّل والثخين)).
(٢) ص ١٧٤ - "در".
(٣) صـ ١٨٠- "در".
(٤) "ط": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ١٣٩/١.
(٥) "المغرب": مادة ((شفف)).
(٦) "القاموس": مادة ((نشف)).
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين ٥٢/١.
(٨) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في المسح على الخفين ٥٢/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").