Indexed OCR Text
Pages 61-80
الجزء الثاني
٥٩
الأسآر
لاحتمال طهوريَّته.
(ويُقدَّمُ التيمُّمُ على نبيذِ التَّمر على المذهب) المصحَّحِ المفتى به؛.
((وهو قولٌ جَيِّدٌ))، "بحر"(١) عن "جامع المحبوبيِّ" (٢).
[١٩٩٧) (قولُهُ: لاحتمالِ طُهورِيَتِه) أي: فَتَحتمِلُ الصلاةُ البطلانَ فُتُعادُ، وفي "الزيلعيّ)(
١٥١/١
((متيمِّمٌ رأى سؤرَ حمارِ وهو في الصلاة أتَمَّها، ثم توضَّأَ به وأعادَها لاحتمالِ البطلان)) اهـ.
[١٩٩٨] (قولُ: ويقدّمُ التيمُّمُ على نبيذ الَّمر) اعلمْ أَنَّه رُويَ في النبيذ عن "الإِمام" ثلاثُ
روایاتٍ:
الأُولى - وهي قولُه الأوَّلُ - : أَنَّه يتوضَّأُ به، ويُستحَبُّ أنْ يضيفَ إليه التيمُّمَ.
الثانيةُ: الجمعُ بينهما كسور الحمار، وبه قال "محمَّدٌ"، ورجَّحَهُ في "غاية البيان".
والثالثةُ: التيمُّمُ فقط، وهي قولُهُ الأخيرُ، وقد رَجَعَ إليه، وبه قال "أبو يوسف" والأئمّةُ
الثلاثة، واختاره "الطحاويُّ"، وهو المذهبُ المصحَّحُ المختارُ المعتمد عندنا، "بحر "(٤).
إذا علمتَ ذلك ظهَرَ لك أنَّ ظاهرَ كلام "المصنّف" مبنيٌّ على الرواية الثانية، وبه تظهرُ
مناسَبةُ ذكرِهِ في بحث السؤر، لكنْ ينافيه قولُهُ: ((على المذهب))، فيتعيّنُ حملُ قوله: ((ويُقدَّمُ إلخ))
على التقدُّم في الرُّبة لا في الزمان، أي: إنَّ التيمُّمَ رتبتُه التقدُّمُ على الوضوء بالنبيذ، فلا يُقتصَرُ
(قولُهُ: لكنْ يُنافيه قولُهُ: على المذهبِ إلخ) وينافيه أيضاً أنَّ على هذه الرِّوايةِ لا يُطلَبُ تقديمُ التيمُّم،
بل المدارُ على الجمع، ولم يَذكُر أحدٌ طلبَ التقديم عليها، ثمَّ النظرُ إلى ظاهر كلامِهِ لا يَمنَعُ من حمله على
الرِّواية الأُولى أيضاً، إلاَّ أنَّه لَمَّا لم يُصحِّحها أحدٌ لم يمكن حملُهُ عليها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ١٤٢/١.
(٢) هو شرح عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد، جمال الدين العُبَاديّ المحبوبيّ البخاريّ المعروف بأبي حنيفة الثاني
(ت ٦٣٠هـ) على "الجامع الصغير" للإمام محمد. ("كشف الظنون" ٥٦٤/١، "الجواهر المضية" ٤٩٠/٢، "الفوائد
البهية" صـ ١٠٨-).
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٣٥/١ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٤٤/١ بتصرف.
قسم العبادات
٦٠
حاشية ابن عابدين
لأنَّ المجتهدَ إذا رجَعَ عن قولٍ لا يجوزُ الأخذُ به (و) حكمُ (عَرَقِ كِسُؤْرِ) فَعَرَقُ
الحمار إذا وقَعَ في الماء.
على الوضوء به، ولا يُجمَعُ بينهما مع سبْقِ التيمُّم، قال في "النهر"(١): ((ومحلٌّ
[١/ق١٧٢/ب] الخلاف ما إذا أُلْقِيَ في الماء تميراتٌ حتى صار حلواً رقيقاً غيرَ مطبوخٍ ولا
مُسكِرٍ، فإنْ لم يحْلُ فلا خلافَ في جواز الوضوء به، أو أسكَرَ فلا خلافَ في عدم الجواز، أو
طُبِخَ فَكذلك في الصحيح كما في "المبسوط"(٢)، ورجَّحَ غيرُه الجوازَ، إلاَّ أنَّ الأوَّلَ أَولِى
لموافقته لِما مرَّ من الضَّابط))، أي: المذكورِ في المياه(٣).
[١٩٩٩] (قولُهُ: لأنَّ المجتهِدَ إلخ) علَّةٌ لكون ما ذكرَ هو المذهبَ المفتى به دون غيره، فافهم.
[٢٠٠٠) (قولُهُ: وحكمُ عَرَقِ كسُؤْرٍ) أي: العَرَقُ من كلِّ حيوانٍ حكمُه كسُؤْره لتولّدِ كلٍّ
منهما من اللّحم، كذا قالوا، ولا خفاءَ أنَّ المتولّدَ هو اللُّعابُ - أي: لا السؤرُ - لكنْ أُطلِقَ عليه
المجاورة، "نهر "(٤).
(٢٠٠١] (قولُهُ: فَعَرَقُ الحمارِ إلخ) أفردَه بالتَّصيص عليه لأنَّ بعضَهم - كصاحب "المنية"(٥) -
استثناه فقال: ((إلاَّ أنَّ عَرَقَ الحمار طاهرٌ عند "أبي حنيفة" في الروايات المشهورةِ كما ذكَرَهُ
"القدوريُّ))، وقال شمسُ الأئمَّة "الحلوانيُّ": ((نجسرٌ، إلاَّ أَنَّه جُعِلَ عفواً في الثوب والبدن
للضرورة))، قال في "شرح المنية"(٦): ((وهذا الاستثناءُ إنما يصحُّ على القول بأنَّ الشكَّ في الطهارة،
فإذا قيل: إنَّ سؤرَ الحمار مشكوكٌ في طهارته ونجاسته، وعَرَقُ كلِّ شيءٍ كسوره صحَّ أنْ يقالَ:
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق١٧/ب.
(٢) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الوضوء والغسل ٨٨/١.
(٣) ٦٠٥/١ "در".
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٦/ب.
(٥) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الأسار صـ ١٧٠ -.
(٦) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الأسآر صـ ١٧٠ -.
الجزء الثاني
٦١
الأسآر
صار مُشكلاً(١) على المذهبِ كما في "المستصفى"، وفي "المحيط": ((عَرَقُ الجلَّلة عفوٌ
في الثوبِ والبدن ))، وفي "الخالنَّةِ": (( أَنَّه طاهرٌ على الظاهرِ)).
إلاَّ أنَّ عرَقَ الحمار طاهرٌ، أي: من غيرِ شكٍ؛ لأَنَّهَ﴾ «ركِبَ الحمارَ مُعْرَورِياً في حرِّ
الحجاز)(٢)، والغالبُ أَنَّه يعرَقُ، ولم يُروَ أَنَّه عليه الصلاة والسلام غسَلَ بدَنَه أوثوبه منه)) اهـ.
و((مُعْرَورِياً)) حالٌ من الفاعل، ولو كان من المفعول لقيل: مُعْرورَىَّ، كذا في "المغرب"(٣).
قُلْتُ: وليس المعنى أنّه عليه السلام ركِبَ وهو عُريادُ كما يُوهِمُه كلامُ "النهر "(٤) وغيرِه؛ إذ
لا يخفى بُعدُه، بل المرادُ أَنَّه ركِبَ حالَ كونه معرورياً الحمارَ، فهو اسمُ فاعلٍ من: اعرَوْرَى
المتعدِّي، حُذِفَ مفعولُه للعلم به، يقال: اعرورَى الفرسَ: رَكِبَه عُرْياً، فتنَّهْ.
[٢٠٠٢] (قولُهُ: صار مُشكِلاً) يعني: صار الماءُ به مُشكِلاً، أي: في الطُّهورية، فُيُحمَعُ بينه
وبين التيمُّمِ كما في لُعاِهِ، ويجوزُ شربُه من ذلك الماءِ كما في "السراج"(٥).
(٢٠٠٣) (قولُهُ: وفي "المحيط)"(٦) إلخ) هذا مأخوذٌ من "القُهُستاني)(٧)، ونصُّه: ((وفي
"الزبدة"(٨): أنَّ عَرقَ الجلَّة كالحمار والبغل وغيرِهما نحسرٌ، وفي "قاضي خان"(٩): أنَّ عرقَهما
طاهرٌ في ظاهر الرواية، وفي "المحيط" عن "الحلوانيِّ": نجسرٌ، لكنَّه عفوٌ في البدن والثوب،
(١) في "و": ((مشكوكاً)).
(٢) أخرجه مسلم (٩٦٥) كتاب الجنائز - باب ركوب المصلّي على الجنازة إذا انصرف، والنسائيُّ ٨٦/٤ كتاب الجنائز -
باب الركوب بعد الفراغ من الجنازة، عن جابر بن سمرة، وفيه: أُتِيَ النبيُّ ◌ِ # بفرس، وليس فيه ذكر الحمار.
(٣) "المغرب": مادة((عرو)).
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق١٦/ب.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٥٣/ب بتصرف.
(٦) "المحيط البرهاني": كتاب الطهارة - فصل الأسآر - بيان حكم عَرَق الحيوانات ولُعابها ١/ق ١٨/أ.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الماء الجائز للوضوء ٣٨/١ باختصار.
(٨) لم يذكرها ابن عابدين رحمه الله سوى هذه المرة بواسطة القهستانيّ، ونقل عنها القهستانيّ غير مرة. ولم نهتد إلى
معرفتها.
(٩) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في الأسار ١٨/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
قسم العبادات
٦٢
حاشية ابن عابدين
. . . . .
وعن "أبي حنيفة" أنَّ عَرَقَ الحمار [١/ق١٧٣/أ] نجاسةٌ غليظةٌ، وعنه أَنَّه خفيفةٌ)). اهـ كلامُ
"الْقُهُستانيِّ".
وحاصلُه: أَنَّ ذُكِرَ في عرَق الحمار والبغلِ ثَلاثُ رواياتٍ عن "الإِمام" كما صرَّحَ به في
"شرح المنية" (١): أَنَّه طاهرٌ - وهو ما قال "قاضي خان": ((إِنَّه ظاهرُ الرواية))، وهو الروايةُ
المشهورة كما قدَّمناه(٢) عن "المنية" - ونجسرٌ مغلَّظٌ، ونجسرٌ مخقَّفٌ، وكلامُ "الحَلْوانِيِّ" محتمِلٌ
للأخيرتين، إلاَّ أنَّه أسقَطَ حكمَ النجاسة في البدن والثوب، وقدَّمنا (٣) عن "المنية " تعليله بالضَّرورة،
أي: ضرورةِ رُکوبه.
إذا علمتَ ذلك ظهَرَ لك أنَّ الكلامَ في عرَقِ الحمار والبغل لا في الجلاَّلة، وأنَّ ضمير
عرقهما في عبارة "القُهُستانيِّ" عن "قاضي خان" ضميرٌ مثنىَّ راجعٌ إلى البغل والحمار.
والظَّاهِرُ أنَّ نسخة "القُهُستانيِّ" التي وقعتْ لـ "الشارح" بضمير المفرد لا المثنى، فأرجَعَ
الضميرَ إلى الجلَّلة، وليس كذلك، وقد راجعتُ عبارةً "قاضي خان"، فرأيتُها بضميرِ التثنية العائدِ
إلى ما ذكرَه قبلَه من البغل والحمار، ولم أرَ فيها ذِكْرَ الجلَّلة أصلاً، وكذا ما نقَلَهُ في "المحيط" عن
"الحَلْوانيّ" ليس في الجلاَّة، بل في البغل والحمار بدليل ما قدَّمناه(٤) عن "المنية" من عبارة
"الحَلْوانيّ"، وهو المتعِّنُ في عبارة "القُهُستانيِّ" بعد ضمير النية، وقد ذكرنا (٥) أحكام الجلاَلة عند
قوله: ((وإبلٍ وبقرٍ جلّلةٍ))، ونقلْنا التصريحَ عن "البقَّالِيِّ": ((بأنَّ عرَقَها نجسٌ))، وبه صرَّحَ
"الشارح" في مسائلَ شتى آخرَ الكتاب، وهو محمولٌ على التي أَنتَنَ لحمُها كما قدَّمنا (٦)، فاغتنمْ
هذا التحريرَ الذي هو من مِنَحِ العليم الخبير، الحمدُ لله على نعْمائه وتواتُرٍ آلائه.
(١) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الأسار صـ١٧٠ -.
(٢) المقولة [٢٠٠١] قوله: ((فعرق الحمار إلخ)).
(٣) المقولة [٢٠٠١] قوله: ((فعرق الحمار إلخ)).
(٤) المقولة [٢٠٠١] قوله: ((فعرق الحمار إلخ)).
(٥) المقولة [١٩٧٠] قوله: ((وإبل وبقر)).
(٦) المقولة [١٩٧٠] قوله: ((وإبل وبقر)).
الجزء الثاني
٦٣
باب التیمم
﴿بابُ التيمُّمِ﴾
ثُلَّثَ به تأسِّياً بالكتاب، وهو من خصائص هذه الأمَّةِ بلا ارتيابٍ.
﴿بابُ التّيمُمْ﴾(١)
[٢٠٠٤] (قولُهُ: ثَلَّثَ به) أي: جعَلَهُ ثالثاً للوضوء والغُسل، أي: ذكرَه بعدَهما اقتداءً بالكتاب
العزيز، أعني قولَهُ تعالى: ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة - ٦] الآيةَ، فإنَّه
ثَلَّثَ به فيها، وأيضاً فهو خلَفٌ عنهما، والخلَفُ يَتَبَعُ الأصلَ.
١٥٢/١
[٢٠٠٥] (قولُهُ: وهو إلخ) دليلُه قولُهُ مَ﴿: ((أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي:
نُصرتُ بالرُّعب مسيرة شهرٍ، وجُعَلَتْ لي الأرضُ - وفي روايةٍ: ولأَمَّتي - مسجداً وطَهُوراً، فَأَيُما
رجلٍ من أمَّتي أدركتْه الصلاةُ فليصلِّ، وأُحِلَّتْ ليَ الغنائمُ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيتُ
الشفاعةَ، وكان النبيُّ يُبعَثُ إلى قومه خاصَّةً، وبُعثتُ إلى الناس عامَّةً))، رواه "الشيخان"(٢)
(١) في "د" زيادة: ((فائدة: اعلم أنَّ التيمم بدلٌ بلا شكّ اتفاقاً، لكن اختلفوا في كيفية البدلية في موضعين، أحدهما
الخلاف فيه لأصحابنا مع الشافعيّ، فقال مشايخنا: هو بدل مطلق عند عدم الماء وليس بضروري، ويرفع به الحدث
إلى وقت وجود الماء، لا أنَّه مبيحٌ للصلاة مع قيام الحدث، وقال الشافعيُّ: هو بدلٌ ضروريٌّ مبيحٌ مع قيام الحدث
حقيقةٌ، فلا يجوز قبل الوقت ولا يصلى به أكثر من فريضة.
الثاني: الخلاف بين أصحابنا فعند الإمام وأبي يوسف البدلية بين الماء والتراب، وعند محمد بين الفعلين، ويتفرع عليه
جواز اقتداء المتوضئ بالمتيمم فأجازاه ومنعه، واعلم أنَّ ظاهرَ قول المشايخ أنَّ التراب مطهِّر بشرط عدم الماء، فإذا
وُجِدَ الماءُ فُقِدَ الشرط، فيفتقد المشروط وهو طهورية التراب؛ لأنَّ الشرط يلزم من عدمه عدمُ المشروط، والمذكور
في الأصول أنَّ الشرط لا يلزم من عدمه العدم ولا من وجوده وجودٌ ولا عدٌ، والجواب أنَّ الشرط إذا كان مساوياً
للمشروط استلزمه، وهنا كذلك فإنّ كل واحد من عدم الماء وجواز التيمم مساوٍ للآخر لا محالة فجاز أن يستلزمه،
كذا في "العناية"، ولا يقال: ثم لا نسلم مساواتَهما لجوازه مع وجوده حال مرضه لأنا نقول: ليس بقادرِ حال
المرض، كذا ذكره بعض الفضلاء)).
نقول: هذا الكلام بنصه في "البحر الرائق" ١٦٤/١-١٦٥.
(٢) أخرجه البخاريُ (٣٣٥) كتاب التيمم، ومسلم (٥٢١) أول كتاب المساجد، وأخرجه أحمد ٣٠٤/٣، والنسائيُّ ٢١٠/١
كتاب الغسل - باب التيمم بالصعيد، والدارميُّ في "السنن"٣٤٣/١ كتاب الصلاة - بابٌ الأرضُ كلُّها طهور ما خلا
المقبرةَ والحمامَ، والبيهقيُّ في "السنن الكبرى"٢١٢/١ كتاب الطهارة - باب التيمم بالصعيد الطيِّب، من حديث جابر بن
عبد الله مرفوعاً.
قسم العبادات
٦٤
حاشية ابن عابدين
(هو) لغةً: القصدُ، وشرعاً (قصدُ صعيدٍ) شُرِطَ القصدُ لأَنَّه النَّةُ (مطهِّرٍ).
.....
وغيرُهما، بل قال "السيوطيُّ)(١): ((إِنَّه متواترٌ))، [١/ق ١٧٣/ب] فلذا قال "الشارح": ((بلا
ارتيابٍ))، وفيه رمزٌ إلى ما في اختصاص هذه الأمَّةِ بالوضوء كما قدَّمناه في محلِّه(٢).
[٢٠٠٦) (قولُهُ: هو لغةً القصدُ) أي: مطلقُ القصد، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ﴾
[ البقرة - ٢٦٧] بخلاف الحجِّ، فإنّه القصدُ إلى معظّمٍ كما في "البحر "(٣).
[٢٠٠٧] (قولُهُ: وشرعاً إلخ) قال في "البحر(٤): ((واصطلاحاً على ما في شروح "الهداية":
القصدُ إلى الصَّعيد(٥) الطاهرِ للتطهير، وعلى ما في "البدائع"(٦) وغيرِه: استعمالُ الصَّعيدِ في عضوين
مخصوصَين على قصدِ التطهير بشرائطَ مخصوصةٍ، وزُيِّفَ الأَوَّلُ بأنَّ القصد شرطٌ لا ركزٌ، والثاني
بأنّه لا يُشترَطُ استعمالُ جزءٍ من الأرض، حتى يجوزُ بالحجر الأملسِ، فالحقُّ أَنَّه اسمٌ لمسحِ الوجهِ
واليدَين عن الصَّعيد الطاهر(٧)، والقصدُ شرطٌ؛ لأَنَّه الّيةُ)) اهـ. وهذا ما حقَّقَهُ في "الفتح"(٨).
[٢٠٠٨) (قولُهُ: شُرِطَ القصدُ إلخ) بالبناء للمجهول، وفيه تورُّكٌ على "المصنّف" (٩)؛ لأنَّ
تركيبه يقتضي أنَّ حقيقتَه القصدُ، فبَّهَ على أنَّه شرطٌ - وكذا الصَّعيدُ - وكونِهِ مطهِّراً كما
أفاده "ح"(١٠)، فافهم.
(١) "الأزهار المتناثرة": كتاب المناقب صـ٣٦ -.
(٢) المقولة [٦٨٩] قوله: ((بدليل إلخ)).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٤٥/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٤٥/١.
(٥) في "د" زيادة: ((الصعيد: وجه الأرض تراباً كان أو غيره، قال الرَّجَّاج: ولا أعلم اختلافاً بين أهل اللغة في ذلك،
"مصباح")).
(٦) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام في التيمم ٤٥/١.
(٧) عبارة "البحر": ((على الصعيد الطاهر)) فعدِّي المسح بـ ((على)) وهو كذلك في "منحة الخالق"، وهو الموافق لما في
كتب اللغة، إذ تعدية المسح بـ((عن)) تصيره بمعنى ((أزال)). واستعمال ((على)) هنا لا يخلو من تجوّز؛ إذ الوجه لا
يمسح على الصعيد حقيقة وانظر "اللسان"مادة ((مسح)).
(٨) "الفتح": كتاب الطهارات - باب التيمم ١٠٦/١.
(٩) أي: خلاف ما يفيده كلام المصنف، والّوريك في اللغة: تحميل الرجل ذَنْبُه غَيّره كأَنَّه يُلزمه إياه. انظر "اللسان" مادة ((ورك)).
(١٠) "ح": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ١٥/أ.
الجزء الثاني
٦٥
باب التيمم
خَرَجَ الأرضُ المتنجِّسةُ إذا جفّتْ، فإنَّها كالماءِ المستعمَل (واستعمالُهُ) حقيقةً أو حكماً
ليُعُمَّ التيمُمَ بالحجَرِ الأملسِ.
[٢٠٠٩) (قولُهُ: خرَجَ إلخ) ولذا لم يقلْ: طاهرٍ كما مرَّ(١) عن شروح "الهداية"؛ لأنَّ هذه
الأرضَ طاهرةٌ غيرُ مطهّرٍ.
[٢٠١٠] (قولُهُ: واستعمالُهُ إلخ) هذا هو التعريفُ الثاني الذي قدَّمناه(٢) عن "البدائع"، وأرادَ
بالصفةِ المخصوصةِ ما سيأتي(٣)، أو ما مرَّ(٤) من كونه في عضوين مخصوصَين بشرائطَ مخصوصةٍ.
وقولُهُ(٥): ((لأجْلٍ إقامةِ القُربة)) هو معنى ما مرَّ(٦) عن "البدائع" من قوله: ((على قصدِ
التطهير))، وقولُ "الشارح": ((حقيقةً أو حكماً إلخ)) جوابٌ عن الإيراد المارِّ على هذا التعريف؛
إذ لا يخفى أنَّ الحجَرَ الأملسَ جزءٌ من الأرض استُعمِلَ في العضوين للتطهير؛ إذ ليس المرادُ
بالاستعمال أخْذَ جزء منها، بل جعْلَه آلةً للتطهير، وعليه فهو استعمالٌ حقيقةً، وهو ظاهرُ كلامٍ
"النهر"(٧)، فلا حاجةً إلى قوله: ((أو حكماً)) كما أفاده "ط "(٨).
﴿بابُ التيمُم ﴾
(قولُهُ: وقوله: لأجلِ إقامة القربة هو معنى ما مرَّ إلخ) ليس كذلك، بل هما شيئان مختلفان كما هو
ظاهرٌ، وأحدُهما كافٍ لصحَّةِ التيمُّم كما يأتي.
(قولُهُ: إذ لا يخفى أنَّ الحَجَر إلخ) الأَولى الإتيانُ بالاستدراكِ لعدم صحَّةِ التعليل.
(١) المقولة [٢٠٠٧] قوله: ((وشرعاً إلخ)).
(٢) المقولة [٢٠٠٧] قوله: ((وشرعاً إلخ)).
(٣) المقولة الآتية.
(٤) المقولة [٢٠٠٧] قوله: ((وشرعاً إلخ)).
(٥) أي قول الماتن الآتي في صـ٦٩ -.
(٦) المقولة [٢٠٠٧] قوله: ((وشرعاً إلخ)).
(٧) "النهر": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ١٧/ب.
(٨) "ط": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٢٤/١.
قسم العبادات
٦٦
حاشية ابن عابدين
(بصفةٍ مخصوصةٍ) هذا يفيدُ أنَّ الضربتين ركنٌ،
وبما قرَّرناه ظهَرَ لك أنَّ "المصنّف" ذكَرَ التعريفَين المنقولين عن المشايخ.
والظاهرُ أَنَّه قصَدَ جعَلَهما تعريفاً واحدً؛ إذ لا بدَّ في الألفاظ الاصطلاحيّةِ المنقولةِ عن اللُّغوية
أنْ يوجدَ فيها المعنى اللُّغويُّ غالبً، ويكونُ المعنى الاصطلاحيُّ أخصَّ من اللُّغويِّ، ولذا عرَّفَ
المشايخُ الحجَّ بأَنَّه قصدٌ خاصٌّ بزيادة أوصافٍ مخصوصةٍ، وما مرَّ(١) من الإيراد على ذلك بأنَّ
القصدَ شرطٌ يظهرُ لي [١/ق١٧٤ / أ) أَنَّه غيرُ وارِدٍ؛ لأنَّ الشرط هو قصدُ عبادةٍ مقصودةٍ إلخ ما
يأتي(٢)، لا قصدُ نفس الصعيد، على أنَّ المعانيَ الشرعيَّةَ لا توجدُ بدون شروطها، فمَنْ صلَّى بلا
طهارةٍ مثلاً لم توجدْ منه صلاةٌ شرعاً، فلا بدَّ من ذكر الشروط حتى يتحقَّقَ المعنى الشرعيُّ، فلذ
قالوا: بشرائطَ مخصوصةٍ كما مرَّ(٣)، ولَمَّا كان الاستعمالُ - وهو المسحُ المخصوصُ للوجهِ واليدير
- من تمامِ الحقيقة الشرعيَّةِ ذكَرَه مع القصد تتميماً للتعريف، فاغتنمُ هذا التحريرَ المنيف.
[٢٠١١] (قولُهُ: بصفةٍ مخصوصةٍ) وهي ما في "البدائع"(٤): ((عن "أبي يوسف" قال: سألتُ
"أبا حنيفة" عن التيمُّم فقال: التيمُّمُ ضربتان: ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ لليدين إلى المِرْفَقين، فقُلْتُ:
كيف هو؟ فضرَبَ بيديه على الصعيد، فأقبَلَ بهما وأدبَرَ، ثمَّ نفضَهما، ثمَّ مسَحَ بهما وَجْهَه، ثم
أعادَ كفّيه على الصعيد ثانياً، فأقبلَ بهما وأدبَرَ، ثمَّ نفَضَهما، ثمَّ مسحَ بذلك ظاهرَ الذّراعين
وباطَنَهما إلى المرْفَقين))، ثمَّ قال في "البدائع"(٥): ((وقال بعضُ مشايخنا: ينبغي أنْ يمسحَ بباطنِ أربعِ
(قولُهُ: لا قصدُ نفسِ الصَّعيد) فيه أنَّ قصد الصَّعيدِ - وهو عبارةٌ عن النَّة - شرطٌ أيضاً كما ظهَرَ
من كلام "الشارح" سابقاً، ويدلُّ لذلك عبارة شُرَّاحِ "الهداية"، فُتُحمَلُ عبارة "المصنّف" عليها.
(١) المقولة [٢٠٠٧] قوله: ((وشرعاً إلخ)).
(٢) صـ ١٢٦ - ١٢٨ - "در".
(٣) المقولة [٢٠٠٧] قوله: ((وشرعاً إلخ)).
(٤) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في كيفية التيمم ٤٦/١.
(٥) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في كيفية التيمم ٤٦/١.
الجزء الثاني
٦٧
باب التيمم
وهو الأصحُّ الأحوطُ.
أصابعِ يدِهِ اليسرى ظاهرَ يدِهِ اليمنى من رؤوسِ الأصابع إلى المرْفَق، ثمَّ يمسحَ بكفّه اليسرى دون
الأصابع باطنَ يده اليمنى من المرْفَق إلى الرُّسُغ، ثمَّ يَمُرَّ بباطن إبهامِهِ اليسرى على ظاهر إبهامه
اليمنى، ثمّ يفعلُ باليد اليسرى كذلك، وهذا الأقربُ إلى الاحتياط لِما فيه من الاحتراز عن
استعمالِ التراب المستعمَلِ بالقدْرِ الممكِنِ)). اهـ ملخّصاً، ومثلُهُ في "الحلبةِ"(١) عن "التحفةِ"(٢)
و"المحيطِ" و"زادِ الفقهاءِ"(٣).
[٢٠١٢] (قولُهُ: وهو الأصحُّ الأحوطُ) هذا ما ذهبَ إليه السيِّدُ "أبو شجاعٍ"(٤)، وصحَّحَهُ
"الحَلْوانيُّ"، وفي "النصاب": ((وهذا استحسانٌ، وبه نأخذُ، وهو الأحوطُ))، وقيل: ليسا بركنٍ،
(قولُهُ: وهذا الأقربُ إلى الاحتياط لِما فيه من الاحتراز إلخ) يظهرُ على أنَّ الاستعمال يتحقّقُ قبل
الانفصالِ، لا على أنّه لا بدَّ من الانفصالِ لتحقُّقِهِ، وقد يقال: إنَّ القصد بهذه الاحتياطُ؛ إذ رُبَّما بدونها
يرفعُ يدَهُ قبل تمام المسح بها، ثُمَّ يُتِمُّه وقد حصَلَ الاستعمالُ بالرَّفع، ثمَّ رأيتُ في "حاشية البحر" ما
نصُّهُ: (( فيه أنَّه إن استُعمِلَ بأوَّلِ الوضع لا يُجزِئ في باقي العضو، وإنْ لا يُستعمَلْ بأوَّلِ الوضع كالماء
فلا يكونُ لازماً ))، يؤيِّدُهُ ما قاله في "شرح هديَّة ابن العماد" عن "جامع الفتاوى": ((وقيل: يمسحُ
بجميع الكفِّ والأصابع؛ لأنَّ التراب لا يصيرُ مستعملاً في محلّه كالماء، ولذا عبَّرَ بعضُهم عن هذه الكيفيّةِ
بقوله: والأحسنُ إشارةً إلى تجويزٍ خلافه، إلاَّ أنْ يقال: المرادُ أَنَّه يصيرُ مستعملاً صورةً لا حقيقةً )).
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ١/ق ١٣٠/ب.
(٢) "تحفة الفقهاء": كتاب الطهارة - باب التيمم ٣٦/١.
(٣) "زاد الفقهاء": لأبي المعالي محمد بن أحمد بن يوسف، بهاء الدين المرغينانيّ الإسبيجابيّ، شرح "مختصر القدوري".
("كشف الظنون" ١٦٣٢/٢، "الجواهر المضية" ٧٤/٣ وفيه: أبو المحامد، "تاج التراجم" صـ ٢١٠-).
(٤) هو محمد بن أحمد بن حمزة الشهير بالسيّد، كان في زمن ركن الإسلام علي بن الحسين السعديّ، وهو من علماء
القرن الخامس، وقد ذكره ابن عابدين في المقولة رقم: [٢١٠٢]، أيضاً بلفظ: ((ابن شجاع)) ولعله خطأ من
الناسخ، والمسألة التي ذكرها ابن عابدين هناك هي نفسها التي نقلها عنه هنا. انظر ترجمته في "الجواهر المضية"
٢٨/٣، و"الفوائد البهية" صـ ١٥٥ -.
قسم العبادات
٦٨
حاشية ابن عابدين
وإليه ذهَبَ "الإِسبيجابيُّ" و"قاضي خان"(١)، وإليه مالَ في "البحر"(٢) و"البزَّازِيَّة"(٣)
و"الإمداد"(٤)، وقال في "الفتح"(٥): ((إنَّه الذي يقتضيه النظرُ؛ لأنَّ المأمور به في الآية المسحُ
ليس غيرُ، ويُحمَلُ قولُهُ مَ﴿: ((التيهُمُ ضربتان)(٦) إمَّا على إرادةِ الضربة أعمَّ من كونها على
الأرض، أو على العضوِ مسحاً، أو أنَّه خُرِّجَ مخرجَ الغالب)) اهـ. وأقرَّه في "الحلبة"(٧)،
ورجَّحَهُ في "شرح الوهبانيَّة"(٨).
وقال العلاَّمة "ابنُ الكمال"(٩): ((والمرادُ بيانُ كفاية الضربتين، لا أَنَّه لا بدَّ منهما، كيف وقد
ذكَرَ في كتاب الصلاة: لو كنَسَ داراً، أو هدَمَ حائطاً، أو كالَ حنطةً [١/ق ١٧٤/ب] فأصابَ
وجهَهُ وذراعيه غبارٌ لم يُجْزِه ذلك عن التيمُّم حتى يُمِرَّ يدَه عليه؟!)) اهـ. أي: أو يحرِّكَ وجهَه
ويديه بنّته كما سيأتي(١٠) عن "الخلاصة".
(١) عبارته في "الخانية" كتاب الطهارة - فصل فيما يجوز به التيمم ٦٤/١: ((إذا أراد أن يتيمم فضرب ضربة ثم أحدث
فمسح بذلك التراب وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى لليدين إلى المرفقين جاز)). ومفادها عدم ركنية الضربتين،
ولكن صرّح في شرحه على "الجامع الصغير" ١/ق ٧/ب بركنيتهما؛ إذ قال: ((أما ركنه ضربتان)).
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٢/١.
(٣) "البزازية": كتاب الطهارة - الفصل الخامس في التيمم ١٧/٤ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٤) "الإمداد": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ٥١/ب.
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب التيمم ١١٠/١-٠١١١
(٦) أخرجه الدار قطنيُّ ١٨١/١ كتاب الطهارة - باب التيمم، والحاكم في "المستدرك"١٨٠/١ كتاب الطهارة، والبيهقيُّ
في "السنن"٢٠٧/١ كتاب الطهارة - باب كيف التيمم؟ عن جابر مرفوعاً ورجالُهُ ثقاتٌ إلّ أنَّ روايته مرفوعاً
شاذة، والصواب أنّه موقوف، كما قاله الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير"١٥٢/١، وفي الباب عن عائشة وابن
عمر. انظر "نصب الراية "١٥٠/١- ١٥١، و"التلخيص الحبير" ١٥١/١-١٥٣.
(٧) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ١/ق ١٣١/ب.
(٨) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الطهارة ق١٣/أ.
(٩) في "إيضاحه"، كما نص على ذلك النابلسيُّ في "نهاية المراد" صـ ٣٦٢ -.
(١٠) المقولة [٢١٠٣] قوله: ((لما في "الخلاصة")).
الجزء الثاني
٦٩
باب التیمم
(لِ) أجلِ (إقامةِ القُربةِ) خرَجَ التيمُمُ للتعليم، فإنّه لا يُصلَّى به.
وركنُهُ شيئان: الضربتان والاستيعابُ، ..
وقال في "النهر"(١): ((المرادُ الضربُ أو ما يقومُ مَقامَه))، وعليه مشى "الشارحُ" فيما
سيأتي(٢).
١٥٣/١
وتظهرُ ثمرةُ الخلاف - كما في "البحر"(٣) - : ((فيما لو ضربَ يديه، فقبلَ أنْ يمسحَ
أحدَثَ(٤)، وفيما إذا نوى بعد الضرب(٥)، وفيما إذا ألقتِ الرِّيحُ الغبارَ على وجهه ويديه، فمسحَ
بنيّة التيمُّم أجزأه على الثاني دون الأوَّلِ(٦))).
[٢٠١٣) (قولُهُ: لأجْلٍ إقامةِ القُربة) أي: لأجلِ عبادةٍ مقصودةٍ لا تصحُّ بدون الطهارة كما
سيأتي(٧) بيانُهُ.
[٢٠١٤] (قولُهُ: فإِنَّه لا يصلّي به) لأنَّ التعليمَ يحصُلُ بالقول، فلا يتوقَّفُ على الطهارة.
[٢٠١٥] (قولُهُ: والاستيعابُ) الذي يظهرُ لي أنَّ الرُّكن هو المسحُ؛ لأَنَّه حقيقةُ التيمُم كما
مرَّ(٨)، والاستيعابُ شرطٌ؛ لأَنَّه مكمِّلٌ له، و"الشارحُ" عكَسَ ذلك، ثم رأيتُ التصريح في كلامهم
(قولُهُ: والاستيعابُ شرطٌ إلخ) فيه أنَّه من تمامِ الحقيقة، فيكونُ ركناً لعدم خروجِهِ عنها، وكونُهُ
شرطاً يقتضي أنّه خارجٌ مع أنَّه داخلٌ فيها، فعلى هذا الرُّكنُ هو المسحُ المستوعب، وقال "ابن
الشحنة": ((في كونِ المسح شرطاً نظرٌ قويٌّ، بل هو ركنٌ، وما وقَعَ في كلامٍ بعضهم من أنَّ الاستيعاب
(١) "النهر": كتاب الطهارة - باب التيمم ق١٩/أ.
(٢) صـ ٩٦ - "در".
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٢/١-١٥٣ ملخصاً.
(٤) معزياً إلى السيد أبي شجاع، كما في "البحر".
(٥) نقلاً عن "السراج الوهاج"، كما في "البحر".
(٦) نقلاً عن "فتح القدير"، كما في "البحر".
(٧) المقولة [٢١٩٢] قوله: ((مقصودة)).
(٨) المقولة [٢٠١٢] قوله: ((وهو الأصح الأحوط)).
قسم العبادات
٧٠
حاشية ابن عابدين
وشرطُهُ ستّةٌ: النَّةُ، والمسحُ، وكونُهُ بثلاثِ أصابعَ فأكثرَ، والصعيدُ، وكونُهُ مطهِّراً،
وفَقْدُ الماءِ،
بما ذكرتُه.
[٢٠١٦) (قولُهُ: وشرطُه ستّةٌ) بل تسعةٌ كما سيأتي(١).
[٢٠١٧](قولُهُ: بثلاث أصابعَ فأكثر) هو معنى قوله في "البحر"(٢): ((بالیدِ أو بأكثرِها))، فلو
مسَحَ بأصبعين لا يجوزُ ولو كرَّرَ حتى استوعَبَ بخلاف مسحِ الرَّاس، فإنَّه إذا مسحَها مِراراً بأصبعِ
أو أصبعين بماءٍ جديدٍ لكلٍّ حتى صار قدْرَ ربعِ الرأس صحَّ. اهـ "إمداد"(٣) والبحر "(٤).
قُلْتُ: لكنْ في "التاتر خانيَّةً"(٥): ((ولو تمَعَّكَ بالتراب بنيَّةِ التيمُّم، فأصابَ الترابُ وجهَه ويديه
أجزأه؛ لأنَّ المقصود قد حصَلَ)) اهـ. فعُلِمَ أنَّ اشتراط أكثرِ الأصابع محلُّه حيث مسَحَ بيده، تأمَّلْ.
[٢٠١٨] (قولُهُ: والصَّعيدُ) كونُهُ شرطاً لا يُنافي عدمَ تحقَّقِ الحقيقة الشرعيّة بدونه كما عُلِمَ نَّا
قرَّرناه سابقاً(٦)، فافهم.
[٢٠١٩] (قولُهُ: وفَقْدُ الماء) أي: ولو حكماً ليشملَ نحوَ المرض، فافهم.
شرطٌ فالمرادُ بذلك أَنَّه مما لا بدَّ منه، ولعلَّ المؤلّف أطلَقَ الشَّرط بهذا المعنى))، كذا نقلَهُ "السِّنديُّ" عنه.
(قولُهُ: هو معنى قولِهِ في "البحر" إلخ) يُنظَرُ وجهُ الفرق بين الوضوء والتيمُّم، وقد يقال: إنَّ المسح
في الوضوء لَمَّا كان أصلاً اعتُبِرَ حصولُهُ بأيِّ كيفيَّةٍ بدون اعتبارِ الآلة كلاً أو بعضاً، والتيمُّمَ لَمَّا كان
خَلَفاً وفيه ضعفٌ اشتُرِطَ فيه الآلةُ جميعُها أو أكثرُها تقويةً له.
(١) المقولة [٢٠٣٤] قوله: ((وبَطِّنْ)).
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٢/١.
(٣) "الإمداد": كتاب الطهارة - باب التيمم وشروطه ق ٥١/ب .
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٢/١.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الخامس في التيمم ٢٢٨/١.
(٦) المقولة [٢٠١٠] قوله: ((واستعماله إلخ)).
الجزء الثاني
٧١
باب التيمم
وسُنْهُ ثمانيةٌ: الضربُ بباطنِ كَفِّه».
.... .
[٢٠٢٠] (قولُهُ: وستُهُ ثمانيةٌ) بل ثلاثَ عشرةَ كما سنذكرُه(١).
(٢٠٢١) (قولُهُ: الضربُ بباطنِ كفّيه) أقولُ: ذكَرَ في "الذخيرة": ((أَنَّه أشارَ "محمَّدٌ" إلى ذلك،
ولم يصرِّحْ به))، ثم قال في "الذخيرة" بعد أسطُرٍ: ((والأصحُّ أَنَّه يَضرِبُ بباطنهما وظاهرِهما على
الأرض، وهذا يصيرُ روايةً أخرى غيرَ ما أشار إليه "محمَّدٌ))) اهـ.
وقد اقتصَرَ في "الحلبة"(٢) على نقلِ عبارة "الذخيرة" الأُولى، واقتصَرَ "الشُّمُنِيُّ" على نقلٍ
الثانية، فظَنَّ في "البحر"(٣) المخالفةَ في النقل عن "الذخيرة"، وكأنَّه لم يُراجع "الذخيرة". وبه يُعلَمُ
أنَّ الواو في قوله: ((وظاهرِهما)) على حقيقتها لا بمعنى أو خلافاً لِما فهِمَهُ في "البحر"، ولقوله
(قولُهُ: أقول: ذكَرَ في "الذَّخيرة" أَنَّه أشار "محمَّدٌ" إلى ذلك إلخ) الذي تفيدُهُ عبارة "الذَّخيرة" أنَّ
موضوعها في أصلِ الجواز لا في بيان ما هو السنّة، وذلك أنَّه ذكَرَ أوَّلاً ما نقلَهُ في "الحلية" - ولفظُهُ: ((لم
يَذْكُرُ "محمَّدْ" أَنَّه يَضرِبُ على الأرضِ ظاهرَ كفّيه أو باطَنَهما، وأشارَ أَنَّ يَضرِبُ باطنهما، فإِنَّه قال في
"الكتاب": لو ترَكَ المسحَ على ظاهرٍ كفّيه لا يجوزُ، وإنما يكونُ تاركاً للمسح على ظاهرٍ كفّيه إذا ضرَبَ
باطنَ كَفَّيه على الأرض)) اهـ ـ ثمَّ ذكَرَ بعد أسطرٍ ما نقلَهُ "الشمنيُّ"، ولفظُهُ: (( لم يَرِدْ نصٌّ: هل
الضَّرِبَةُ بباطنِ كَفَّه أو بظاهرهما؟ والأصحُّ أَنَّه بظاهرِهما وباطنِهما، وهذا يصيرُ روايةً أخرى غيرَ ما
أشارَ إليه "محمَّدٌ" )) اهـ.
فقد ذكَرَ أنَّ الضربة بباطنهما على ما أشار إليه "محمَّدٌ" بدونِ تعرُّضٍ لِما هو السنّة، ثمَّ ذكَرَ مقابله
وهو ما نقلَهُ "الشمنيُّ"، هذا هو الظاهرُ من عبارة "الذَّخيرة"، ولا شكَّ أنَّ الواو حينئذٍ بمعنى أو كما في
"البحر"، وأنَّ الجواز حاصلٌ بأيّهما كان كما في "النهر"، ومَن يدَّعي أنَّ السنَّة أنْ يكون المسحُ
بظاهرهما وباطنهما فعليه إثباتُ دعواه بصريحِ النَّقل.
(١) المقولة [٢٠٣٤] قوله: ((وبَطِّنْ)).
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ١/ ق ١٣٠/ب.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٣/١.
قسم العبادات
٧٢
حاشية ابن عابدين
وإقبالُهما، وإدبارُهما، ونفضُهما، وتفريجُ أصابعِهِ،.
في "النهر"(١): ((إنَّ الجواز [١/ق١٧٥ /أ] حاصلٌ بأيّهما كان، نعم الضربُ بالباطن سنّةٌ)) اهـ.
فإنَّ صريح "الذَّخيرة" كونُ الضرب بكلِّ من الظاهرِ والباطنِ هو السنّةَ في الأصحِّ، وقد ظهَرَ
أنَّ ما ذكرَه "الشارح" تبعاً لـ "النهر" خلافُ الأَصحِّ، فتدبّرْ.
[٢٠٢٢) (قولُهُ: وإقبالُهما وإدبارُهما) أي: بعدَ وضعِهما على التراب، "نهر"(٢). وكذا يقالُ في
التفريج، "ط" (٣).
[٢٠٢٣] (قولُهُ: وَنَفْضُهما) أي: مرَّةً، ورُوي مرَّتين، وليس باختلافٍ في المعنى؛ لأنَّ المقصود
تناثرُ التراب، إنْ حصلَ بِمرَّةٍ فِها، وإلاَّ فبمرَّتين، "بدائع"(٤). ولذا قال في "الهداية"(٥): ((وينفُضُهما
بقدْرِ ما يتناثرُ الترابُ كيلا يصيرَ مُثْلَةً)). اهـ "بحر "(٦).
قال "الرمليُّ": ((فعلى هذا إذا لم يحصلْ بمرَّتين ينغُضُ ثلاثاً، وهكذا)) اهـ.
ويظهرُ من هذا أَنَّه حيث لا ترابَ أصلاً لا يُسنُّ النفضُ، تأمَّل.
(٢٠٢٤) (قولُهُ: وتفريجُ أصابعِهِ) تعليلُهم سُنّةَ التفريج بدخول الغبار أثناءَ أصابعه يفيدُ أَنَّه لو
ضربَ على حجرٍ أملسَ لا يُفرِّجُ، إلاَّ أنْ يقالَ: العَلَّهُ تراعَى في الجنس. اهـ "ح"(٧).
(قولُهُ: ويظهرُ من هذا أنَّه حيث لا ترابَ أصلاً لا يُسَنُّالنفضُ) إلاَّ أنْ يقال: العَلَّةُ تُراعَى في الجنس كما
ذكرَهُ في "التفريج"، وقال "السِّنديُّ" فيه: ((ليدخلَ الغبارُ فيه ولو حكماً ))، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ١٩/أ.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة - باب التيمم ق١٩/أ.
(٣) "ط": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٢٤/١.
(٤) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في كيفية التيمم ٤٦/١ بتصرف.
(٥) "الهداية": كتاب الطهارات - باب التيمم ٢٥/١.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٤/١ بتصرف يسير.
(٧) "ح": كتاب الطهارة - باب التيمم ق١٥/أ وما بعدها.
الجزء الثاني
٧٣
باب التیمم
وتسميةٌ، وترتيبٌ، وولاءٌ.
وزادَ "ابنُ وهبان" في الشروط الإِسلامَ فزدتُهُ وضممتُ إليه(١) سُننهُ الثمانيةَ في
بيتٍ آخرَ، وغَيَّرْتُ شطرَ بيْته الأوَّلَ
[٢٠٢٥] (قولُهُ: وتسميةٌ) الظاهرُ أَنَّها على صيغةِ ما ذُكِرَ في الوضوء، والعطفُ بالواو لا يفيدُ
ترتيباً، فلا يرِدُ أنَّ التسمية تكونُ عند الضرب، "ط"(٢).
[٢٠٢٦) (قولُهُ: وترتيبٌ) أي: كما ذُكِرَ في القرآن، "ط)" (٣).
[٢٠٢٧] (قولُهُ: وولاءٌ) بكسر الواو، أي: مسحُ المتأخِر عقبَ المتقدِّم، بحيث لو كان
الاستعمالُ بالماء لا يجفُّ المتقدِّمُ، "ط"(٤).
[٢٠٢٨] (قولُهُ: وزاد "ابنُ وهبانَ"(٥) إلخ) فيه أنَّ اشتراط النّة يُغني عنه؛ لأَنّها لا تصحُّ من
كافرِ، إلاَّ أنْ يقال: صرَّحَ به - وإن استلزمتُه النيّةُ - للتوضيح. اهـ "ح"(٦).
وقد أسقَطَ "ابنُ وهبان" كونَ المسح بثلاثة أصابعَ، وعدَّها سنَّةً أيضاً حيث قال:
وعُذرُك شرطٌ ضربتانٍ ونَّةٌ والاسْلامُ والمسحُ الصَّعيدُ المطهّرُ
وكأنّه أرادَ بالشرط ما لابدَّ منه حتى سمَّى الضربتين شرطاً، وإلاَّ فهما ركزٌ.
(٢٠٢٩] (قولُهُ: فزِدْتُهُ) هذا يقتضي أنَّه زادَ على السِّةِ المتقدِّمة الإِسلامَ، فصار المجموعُ سبعةً
مع أَنَّه ترَكَ في البيت من السنَّةِ كونَه بثلاثةِ أصابعَ فأكثرَ، وزادَ الضربَ والتعميمَ - أي: الاستيعابَ
- فصارتْ ثمانيةً، وأطلَقَ الشرطَ على الأخيرين بناءً على ما قلناه آنفاً(٧)، فافهم.
[٢٠٣٠] (قولُهُ: وغيّرتُ شطرَ بيتِه الأوَّلَ) بيتُهُ هو ما قدَّمناه(٨)، ولا يخفى أنَّ التغيير
(١) ((إليه)) ليست في "ب" و"و".
(٢) "ط": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٢٤/١.
(٣) "ط": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٢٤/١.
(٤) "ط": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٢٤/١.
(٥) "الوهبانية": فصل من كتاب الطهارة - صـ ٤- (هامش "المنظومة المحبية").
(٦) "ح": كتاب الطهارة - باب التيمم ق١٥ /ب بتوضيح من ابن عابدين.
(٧) في المقولة السابقة.
(٨) في المقولة السابقة.
قسم العبادات
٧٤
حاشية ابن عابدين
فقلت: [ طويل ]
ومسحٌ وتعميمٌ صعيدٌ مطهِّرُ
والاسلامُ شرطٌ عذرُ ضربٌ ونَيَّةٌ
ونفضٌ ورَتِّبْ والِ أَقِلْ وَتُدْبِرُ
وسنّتُهُ سَمِّي وبَطِنْ وفَرِّجَنْ
وقعَ في الشَّطرين.
(٢٠٣١] (قولُهُ: والاسْلامُ) بنقلِ حركةٍ الهمزة إلى اللام للوَزْن.
[٢٠٣٢] (قولُهُ: عذْرُ) بإسقاط التنوين للضَّرورة.
(٢٠٣٣) (قولُهُ: سَمِّي) بإشباعِ حركة الميم.
[٢٠٣٤] (قولُهُ: وبطٌنْ) أي: اضربْ بباطنِ الكَفِين على الأرض، وقد علمتَ ما هو الأصحُّ.
(تتمَّةُّ)
زادَ في "نور الإيضاح"(١) في الشروط [١/ق١٧٥ /ب] شرطين آخرين:
((الأوَّلُ: انقطاعُ ما يُنافيه من حيضٍ أو نفاسٍ أو حدَثٍ.
والثاني: زوالُ ما يمنعُ المسحَ على البشرة كشَمَعٍ وشحمٍ))، لكنْ يُغْني عن الثاني الاستيعابُ
كما لا يخفى، وزاد في "المنية"(٢) طلبَ الماء إذا غلبَ على ظنّه أنَّ هناك ماءً، وسيذكرُهُ
"المصنّف"(٣) بقوله: ((ويطلبُه غلوةً إنْ ظنَّ قُربَه))، وزاد سيِّدي "عبدُ الغنيّ (٤) في السنن ثلاثةً:
((الأُولى: التيامُنُ كما في "جامع الفتاوى" (٥) و"المجتبى".
الثانيةُ: خصوصُ الضرب على الصَّعيد لموافقته للحديث، قال في "الخانيّة" (٦): ذكَرَ
١٥٤/١
(١) "نور الإيضاح": كتاب الطهارة - باب التيمم صـ٦٩° -.
(٢) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في التيمم صـ ٦٤ -.
(٣) صـ ١٢٢ - وما بعد "در".
(٤) "نهاية المراد": التيمم صـ٣٦٣ -٣٦٤ - بتصرف.
(٥) "جامع الفتاوى": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ق ٥/أ.
(٦) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في صورة التيمم ٥٣/١ باختصار (هامش "الفتاوى الهندية").
الجزء الثاني
٧٥
باب التیمم
٠٠
في "الأصل"(١): أنَّه يضعُ يديه على الصعيد، وفي بعض الروايات: يضربُ يديه على الصعيد، وهذا
أَولى ليدخلَ الترابُ في أثناءِ الأصابع اهـ.
الثالثة: أنْ يكونَ المسحُ بالكيفيَّة المخصوصة التي قدَّمناها(٢) عن "البدائع"، وفي "الفيض":
ويخلّلُ لحيته وأصابعَه، ويحرِّكُ الخاتم والقرطَ كالوضوء والغُسل)) اهـ.
قُلْتُ: لكنْ في "الخانَيَّة"(٣): ((أنَّ تخليلَ الأصابع لا بدَّ منه لَيَتِمَّ الاستيعابُ)). وقال في
"البحر"(٤): ((وكذا نزْعُ الخاتم أو تحريكُه)) اهـ.
فبقيَ تخليلُ اللِّحية من السنن، فصار المزيدُ أربعةً، ويزادُ خامسةٌ، وهي كونُ الضرب بظاهرٍ
الكفَين أيضاً كما علمتَ تصحيحَه، ولم أر مَنْ ذَكَرَ السِّواك في السنن مع أنّهم ذكروه في الوضوء
والغُسل، فينبغي ذِكْرُهُ، تأمَّلْ.
فالحاصلُ: أنَّ ركنَ التيمُّم شيئان: الضربُ أو ما يقومُ مَقامَه، ومسحُ العضوين، وشرطُهُ
تسعةٌ، وهي الستّةُ التي في بيت "الشارح"، وكونُ المسحِ بأكثرِ اليد، وزوالُ ما ينافيه، وطلبُ الماء
لو ظنَّ قُربَه. وسنتَهُ ثلاثةَ عشرَ: الثمانيةُ التي نظَمَها، والخمسةُ التي ذكرناها(٥) آنفاً.
وقد نظمتُ جميعَ ذلك، فقُلْتُ:
ومسحٌ وضربٌ ركُنُه العذْرُ شرطُه
وقصدٌ وإسلامٌ صعيدٌ مطهّرُ
بأكثرِ كفٍّ فقدُها الحيضَ يُذكَرُ
وتطلابُ ماءِ ظُنَّ تعميمُ مسحِهِ
وكيفيَّةُ المسحِ التي فيه تُؤَثَرُ
وسُنَّ خصوصُ الضَّربِ نفضٌ تيامُنٌ
وخلّلْ وفرِّجْ فيه أَقِْلْ وَتُدِرُ
وسمِّ ورتّبْ والِ بطّنْ وظهِّرَنْ
(١) "الأصل": كتاب الطهارة والصلاة - باب التيمم بالصعيد ١١٠/١-١١١.
(٢) المقولة [٢٠١١] قوله: ((بصفة مخصوصة)).
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في صورة التيمم ٥٣/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٢/١.
(٥) في هذه المقولة.
قسم العبادات
٧٦
حاشية ابن عابدين
(مَنْ عجَزَ) مبتدأُ خبرُهُ تيمَّمَ (عنِ استعمالِ الماءِ) المطلقِ الكافي لطهارته.
[٢٠٣٥] (قولُهُ: مَنْ عجَزَ) العجزُ على نوعين: عجزِ من حيث الصورةُ والمعنى، وعجزٍ من
حيث المعنى فقط، فأشارَ إلى الأوَّلِ بقوله: [١/ق١٧٦/ أ] ((لُبُعدِه))، وإلى الثاني بقوله: ((أو
لمرضٍ))، أفاده في "البحر"(١). وفيه (٢) عن "المحيط ": ((المسافرُ يطَأُ جاريتَه وإنْ علمَ أَنَّه لا يجدُ الماءِ؟
لأنَّ الترابِ شُرِعَ طهوراً حالَ عدم الماء، ولا تكرهُ الجنابةُ حالَ وجوده، فكذا حالةَ عدمه)) اهـ.
(٢٠٣٦) (قولُهُ: مبتدأٌ) المبتدأُ لفظُ ((مَنْ)) فقط، لكنْ لَمَّا كان الصلةُ والموصولُ كالشيءٍ
الواحد تُسُمِّحَ في إطلاق المبتدأ عليهما، "ط)" (٣).
[٢٠٣٧] (قولُهُ: المطلَقِ) قَّدَ به لأنَّ غيره كالعدم.
[٢٠٣٨] (قولُهُ: الكافي لطهارته) أي: من الخَبَثِ والحدَثِ الأصغرِ أو الأكبرِ، فلو وجَدَ ماءً
يكفي لإزالة الحدث أو غَسلِ النجاسة المانعة غسَلَها وتيمَّمَ عند عامَّة العلماء، وإنْ عكَسَ وصلَّى
في النجس أجزأه وأساءَ، "خانَّةُ(٤). ولو تيمَّمَ أوَّلاً، ثمَّ غسَلَها يعيدُ التيمُّمَ؛ لأَنّه تيمَّمَ وهو قادرٌ
على الوضوء، "محيط".
ونظَرَ فيه في "البحر"(٥) بما سنذكرُه(٦) مع جوابه، وفي "القُهُستانيّ(٧): ((إذا كمان للجنُبِ
ماءٌ يكفي لبعضِ أعضائه أو للوضوء تيمَّمَ، ولم يجبْ عليه صرفُه إليه إلاَّ إذا تيمَّمَ للجنابة ثمَّ
(قولهُ: أي: من الخبثِ والحدثِ الأصغر) فيه أنَّ الشَّرط العجزُ عن الماء الكافي لطهارته من الحدث
فقط، ولا يُشترَطُ أنْ يعجزَ عن الماءِ الكافي للطَّهارتين لصحَّةِ التيمُّم كما نقلَهُ عن "المحيط".
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٤٦/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٤٧/١.
(٣) "ط": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٢٥/١.
(٤) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يجوز به التيمم ٦٣/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٤٦/١.
(٦) المقولة [٢٢٧٠] قوله: ((كالمعدوم)).
(٧) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ٣٩/١ بتصرف.
الجزء الثاني
٧٧
باب التيمم
لصلاةٍ تفُوْتُ إلى خَلَفٍ (لُبُعدِهِ)
أحدَثَ، فإنّه يجبُ عليه الوضوءُ؛ لأَنَّه قدَرَ على ماءٍ كافٍ، ولا يجبُ عليه التيمُّمُ؛ لأَنَّه بالتيمُم
خَرَجَ عن الجنابة إلى أنْ يجدَ ماءً كافياً للغُسل، كذا في "شرح الطحاويِّ" وغيره)) اهـ.
[٢٠٣٩] (قولُهُ: لصلاةٍ) متعلّقٌ بقوله: ((لطهارته)) أو بـ ((استعمالٍ))، واحترَزَ بها عن النوم
وردِّ السَّلام ونحوِهِ ثَما يأتي(١)، فإِنَّه لا يُشترَطُ له العجْزُ.
[٢٠٤٠) (قولُهُ: تَفُوتُ إلى خَلَفٍ) كالصلوات الخمس فإنَّ خَلَفَها قضاؤُها، وكالجمعة فإنَّ
خَلَفَها الظهرُ، واحترَزَ به عمَّا لا يفوتُ إلى خلَفٍ كصلاة الجنازة والعيد والكُسوف والسُّنن
الرَّواتِبِ، فلا يُشترَطُ لها العجزُ كما سيأتي(٢).
[٢٠٤١] (قولُهُ: لُبُعدِهِ) الضميرُ يرجعُ إلى ((مَنْ))، "ط " (٣).
وقَيَّدَ بالبعد لأَنَّه عند عدمه لا يتيمَّمُ وإِنْ خافَ خروجَ الوقت في صلاةٍ لها خلَفٌ خلافاً
لـ "زفر"، وسيذكرُ "الشارح"(٤): ((أنَّ الأحوطَ أنْ يتيمَّمَ ويصلِّيَ ثمَّ يعيدَ))، ويتفرَّعُ على هذا
الاختلافِ ما لو ازدحَمَ جمعٌ على بئرٍ لا يمكنُ الاستقاءُ منها إلاَّ بالمناوبة، أو كانوا عُراةً ليس معهم
إلاَّ ثوربٌ يتناوبونِهِ، وعَلِمَ أنَّ الَّوبةَ لا تصلُ إليه إلاَّ بعدَ الوقت فإنَّه لا يتيمَّمُ، ولا يصلي عارياً، بل
يصِرُ عندنا، وكذا لو اجتمعوا في مكانٍ ضيِّقٍ ليس فيه إلاَّ موضعٌ يسعُ أنْ يصلِّيَ قائماً فقط يَصِرُ
ويصلّي قائماً بعد الوقت، كعاجزٍ عن القيامِ والوضوءِ في الوقت [١/ق١٧٦ /ب] ويغلِبُ على ظنّه
(قولُهُ: واحترَزَ به عمَّا لا يَقُوت إلى خلفٍ) أي: لا عن صلاةٍ لا تفوتُ أصلاً كالنافلة، فإنَّه يُشترَطُ
لها في التيمُّمِ البُعدُ إلخ، فهي كالفريضة، فالمفهومُ فيه تفصيلٌ.
(١) صـ ١١٢ - "در".
(٢) صـ ١١١ - "در".
(٣) "ط": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٢٥/١.
(٤) صـ ١٢١ - "در".
قسم العبادات
٧٨
حاشية ابن عابدين
ولو مقيماً في المصر (ميلاً)
القدرةُ بعده، وكذا مَنْ معه ثوبٌ نجسٌ وماءٌ يلزمُهُ غَسلُ الثوب وإِنْ خرجَ الوقتُ، "بحر "(١)
ملخَّصاً عن "التوشيح".
[٢٠٤٢) (قولُهُ: ولو مقيماً) لأنَّ الشَّرط هو العدمُ، فأينما تحقَّقَ جازَ التيمُمُ، نصَّ عليه
في "الأسرار"، "بحر"(٢).
(٢٠٤٣) (قولُهُ: ميلاً)(٣) هو المختارُ في المقدار، "هداية(٤). وهو أقربُ الأقوال، "بدائع"(٥).
والمعتبرُ غلبةُ الظنِّ في تقديره، "إمداد"(٦) وغيره.
والمِيلُ في كلام العرب: منتهى مدِّ البصر، وقيل للأعلام المبنيّةِ في طريق مكة: أميالٌ لأَنَّهَا بُنَيَتْ
كذلك كما في "الصِّحاح"(٧) و"المغرب"(٨)، والمرادُ هنا ثلثُ الفَرْسخ، والفرسحُ ربعُ البريدُ.
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٤٧/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٤٧/١.
(٣) في "د" زيادة: ((قال مسكين: وقال زفر: إنْ كان بحيث يصل إلى الماء قبل خروج الوقت لا يتيمَّمُ وإن كان بالعكس
تيمَّم وإن كان الماءُ قريباً منه، وعن محمد يجوز التيمُّم إذا كان الماءُ قدرَ الميلين، وهو اختيار الفقيه أبي بكر محمد بن
الفضل، وعن الكرخيّ أنه إن كان في موضع يُسْمَعُ فيه صوتُ أصلِ الماءِ فهو قريبٌ، وإنْ كان لا يُسْمِعُ فهو بعيدٌ،
وبه أخذ أكثر المشايخ، كذا في "فتاوى قاضيخان"، وقال الحسن: إذا كان الماء أمامه يُعْتَبَرُ الميلان، وإن كان يمنة أو
يسرة أو خلفه فميلٌ واحدٌ، وعن أبي يوسف أنّه إذا كان لو اشتغل به تذهب القافلة وتغيب عن بصره يكون بعيداً،
وإن كان على العكس فهو قريبٌ، كذا في "المحيط. انتهى)).
(٤) "الهداية": كتاب الطهارات - باب التيمم ٢٥/١.
(٥) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في شرائط ركن التيمم ٤٧/١.
(٦) "الإمداد": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ٤٨/ب.
(٧) "الصحاح": مادة ((ميل))، انظر المقدمة "مبحث المقاييس والمكاييل والأوزان".
(٨) "المغرب": مادة ((ميل)) نقلاً عن "الأزهريّ".
؟ وفي ذلك يقول بعضهم: (قيل: إنّه ابن الحاجب):
إنَّ البريدَ منَ الفراسخ أربعُ
والميلُ ألفٌ أيْ من الباعات قُل
ولِفَرْسخٍ فثلاثَ أميالٍ ضَعُوا
والباعُ أربعُ أذرعٍ تُسْتَتَبِعُ
=