Indexed OCR Text
Pages 41-60
الجزء الثاني
٣٩
فصلٌ في البئر
كرؤوسٍ إِبٍ وغبارٍ نجسٍ) للعفوِ عنهما (وبعرتَيْ إبلٍ وغنمٍ كما) يُعفَى (لو وَقَعَنا في
مِحْلَبٍ) وقتَ الحلبِ (فُرُمِيّا) فوراً.
"المصنّف" مبنيٌّ على القول الضعيف كما نَبَّهَ عليه العلاّمة "نوح أفندي".
[١٩٣٥) (قولُهُ: كرؤوسٍ إِبَرِ) ومثلُ الرُّؤوس الجهةُ الأخرى، "ط)(١). وسيأتي(٢) إشباعُ
الكلام على هذه المسألةِ في باب الأنجاس.
[١٩٣٦] (قولُهُ: وغبارِ نحِسٍ) بالإضافةِ وعدمِها، وفي الجيم الفتحُ والكسرُ، "ط)(٢).
[١٩٣٧] (قولُهُ: وَبَعْرَتَي إِلٍ وَغَنَمٍ) أي: لا نزحَ بهما، وهذا استحسانٌ، قال في "الفيض":
((فلا ينجُسُ إلَّ إذا كان كثيراً، سواء كان رطباً أو يابساً، صحيحاً أو منكسِراً، ولا فرقَ بين أنْ
يكونَ للبئر حاجزٌ كالمدُنِ أوْ لا كالفلَوات، هو الصحيحُ)) اهـ.
وفي "التاتر خانَّةً"(٤): ((ولم يذكُرْ "محمَّدٌ" في "الأصل" روتَ الحمار والخِيَ، واختلفوا فيه،
فقيل: ينجِسُ ولو قليلاً أو يابساً، وقيل: لو يابساً فلا، وأكثرُهم على أَنَّه لو فيه ضرورةٌ وبلوى لا
ينجِّسُ، وإلاَّ نَجِّسَ)) اهـ.
مطلبٌ في الفرق بين الرَّوثِ والخِي والْبَعْر والخُرء والنَّجْوِ والعَذِرة
(فائدةٌ)
قال "نوح أفندي": ((الرَّوثُ للفرس والبغلِ والحمارِ، والخِنْيُ - بكسرٍ فسكونٍ - للبقر
والفيلٍ، والبَعرُ للإبلِ والغَنَمِ، والخُرْءُ للطُُّور، والنّجْوُ للكلب، والعَذِرةُ للإنسان )).
[١٩٣٨) (قولُهُ: فِي مِحْلَبٍ) بكسر الميم، ما يُحَلَبُ فيه، "قاموس" (٥).
[١٩٣٩] (قولُهُ: وقتَ الحلْبِ) فلو وقعتْ في غيرِ زمانِ الحلبِ فهو كوقوعها في سائرِ الأواني،
(١) "ط": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١٢٠/١.
(٢) المقولة [٢٩١٠] قوله: ((وكذا جانبها الآخر)).
(٣) "ط": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١٢٠/١.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الرابع في المياه ١٩٢/١ نقلاً عن "المحيط".
(٥) "القاموس": مادة((حلب)).
قسم العبادات
٤٠
حاشية ابن عابدين
قبل تفتَّتٍ وتلوُّن، والتعبيرُ بالبعرتين اتفاقيٌّ؛ لأنَّ ما فوق ذلك كذلك،.
فتنجِّسُ في الأصحِّ؛ لأنَّ الضرورةَ إنما هي زمانَ الحَلْبِ؛ لأنَّ مِنْ عادتِها أنْ تَبْعَرَ ذلك الوقتَ،
والاحترازُ عنه عسيرٌ، ولا كذلك غيرُه. اهـ "شارح منية"(١).
١٩٤٠١) (قولُهُ: قبلَ تفتُّتٍ وتلوُّنِ) قال في "العناية"(٢) تبعاً لـ "الخانَيَّة"(٣): ((فلو تفتّتْ، أو
أَخَذَ اللَّبِنُ لونَها ينجُسُ)). اهـ "قَتَّال".
[١٩٤١] (قولُهُ: والتَّعبيرُ بالبعْرتين) أي: في مسألتي البئرِ والمِحْلَب كما أفاده في
"الشرنبلالَّة"(٤) عن "الفيض".
[٤٢ ١٩] (قولُهُ: اتّفاقِيٌّ) اعلمْ أنَّ بعضَهم فهِمَ من تقييدِ "محمَّدٍ" في "الجامع الصغير"(٥) بالبعرة
أو البعرتين أَنَّه احترازٌ عن الثلاث بناءً على أنَّ مفهومَ العدد في الرواية معتبرٌ، قال في "البحر" (٦):
((وهذا الفهمُ إنما يتِمُّ لو اقتصَرَ "محمَّدٌ" على ذلك، مع أَنَّه قال: لا يُفسِدُ ما لم يكنْ كثيراً فاحشاً،
١٤٧/١ والثلاثُ ليس بكثيرٍ فاحشٍ، كذا نقَلَ عبارةً "الجامع" في "المحيط" وغيره)) اهـ.
فأشارَ "الشارح" إلى أنَّ قول "المصنّف": (( وبعرتَيْ إبلٍ وغَنَمٍ )) المرادُ منه القليلُ لا
خصوصُ الثّتين، وحَمَلَ قولَهُ: ((وقيل إلخ))(٧) على [١/ق١٦٧ /ب] بيانِ حدِّ القليل والكثير
ليفيدَ أنَّ ذلك ليس قولاً آخرَ كما قد يُتوهّمُ، وإنما عبَّرَ عنه "المصنّف" بقوله: ((وقيل)) ليفيدَ وقوعَ
الخلاف في حدِّه، فإنَّ فيه أقوالاً صُحِّحَ منها قولان، أرجحُهما هذا، والثاني: أنَّ ما لا يخلو دلوٌ عن
بعرةٍ فهو كثيرٌ، صحَّحَهُ في "النهاية"، وعزاه إلى "المبسوط "(٨)، فافهم.
(١) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في البئر صـ ١٦١ -.
(٢) "العناية": كتاب الطهارات - فصل في البئر ٨٧/١ (هامش"فتح القدير").
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٧/١ بتصرف (هامش"الفتاوى الهندية").
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - فصل: بتر دون عشر في عشر ٢٥/١ (هامش"الدرر والغرر").
(٥) "الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب في النجاسة تقع في الماء صـ٧٨ -.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ١١٩/١.
(٧) انظر صـ ٤١ - "در".
(٨) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الوضوء والغسل ٨٧/١.
الجزء الثاني
٤١
فصلٌ في البئر
ذكَرَهُ في "الفيض" وغيره، ولذا قال (و(١) قيل: القليلُ المعفوُّ عنه ما يستقلُّهُ الناظرُ، والكثيرُ
بعكسه، وعليه الاعتمادُ) كما في "الهداية"(٢) وغيرها؛ لأنَّ "أبا حنيفة" لا يُقدِّرُ شيئاً
بالرأي.
(فرعٌ) البعدُ بين البئرِ والبالوعةِ بقدْرِ ما لا يظهرُ للنجس أثرٌ ..
[١٩٤٣) (قولُهُ: ذكَرَهُ في "الفيض") لم يصرِّحْ في "الفيض" بهذه العبارةِ، وإنما يُفهَمُ من قوله:
(( إلاَّ إذا كان كثيراً)) كما قدَّمناه(٣).
(١٩٤٤) (قولُهُ: وعليه الاعتمادُ) وصحَّحَهُ في "البدائع"(٤) و"الكافي"(٥) وكثيرٍ من الكتب،
"بحر"(٦). وفي "الفيض": (( وبه يُفتَى )).
[١٩٤٥) (قولُهُ: لا يُقدِّرُ إلخ) أي: أنَّ عادةً "الإِمام" رحمه الله تعالى أنَّ ما كان محتاجاً إلى
تقديرٍ بِعَدَدٍ أو مقدارٍ مخصوصٍ، ولم يَرِدْ فيه نصٌّ لا يُقدِّرُه بالرأي، وإنما يفوِّضُه إلى رأي المبتلَى،
فلذا كان هذا القولُ أرجحَ.
[١٩٤٦] (قولُهُ: الْبُعدُ إلخ) اختُلفَ في مقدار البُعدِ المانعِ من وصول نجاسةِ البالوعة إلى البئر،
ففي روايةٍ: خمسةُ أذرُعٍ، وفي روايةٍ: سبعةٌ، وقال "الحَلْوانِيُّ": (( المعتبرُ الطَّعمُ أو اللون أو الريح،
فإنْ لم يتغيّرْ جاز، وإلاَّ لا ولو كان عشرةَ أذرعٍ ))، وفي "الخلاصة"(٧) و"الخانّة"(٨): ((والتعويلُ
عليه))، وصحَّحَهُ في "المحيط "، "بحر "(٩).
(١) ((الواو)) لسيت في "ط" و"ب" و"و".
(٢) "الهداية": كتاب الطهارات - فصل في البئر ٢١/١.
(٣) المقولة [١٩٣٧] قوله: ((وبعرتي إبل وغنم)).
(٤) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحلُّ نجساً ٧٨/١.
(٥) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - باب المياه ١/ق ٩/ب.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ١١٩/١ بتصرف.
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الأول في المياه ق ٥/أ.
(٨) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في البئر ٨/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٩) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٨/١ بتصرف.
قسم العبادات
٤٢
حاشية ابن عابدين
(ويُعتبَرُ سُؤْرٌ بِمُسْئِرٍ) اسمُ فاعلٍ مِنْ أسأَرَ، أي: أبقى لاختلاطِهِ بلُعابِهِ (فسُؤْرُ آدميٌ
مطلقاً) ولو جُنُباً.
والحاصلُ: أَنَّه يَختِلِفُ بحسب رخاوةِ الأرض وصَلابتها، ومَنْ قدَّره اعتبَرَ حالَ أرضه.
مطلبٌ في السُّؤُر
[٤٧ ١٩] (قولُهُ: ويُعتبرُ سؤرٌ بِمُسْئِرٍ) لَمَّا فرغَ من بيان فسادِ الماء وعدمِه باعتبار وقوعِ نفسِ
الحيوانات فيه ذكَرَهما باعتبارِ ما يَتولَّدُ منها.
والسُّؤُرُ بالضمّ مهموزَ العين: بقيَّةُ الماء التي يُبقيها الشارِبُ في الإناء أو في الحوض، ثم
استُغيرَ لبقَيَّةِ الطعام وغيره، والجمعُ: الأسارُ، والفعلُ: أسأَرَ، أي: أبقَى ثَمّ شرِبَ، "بحر"(١) وغيره.
وظاهرُ "القاموس"(٢): ((أنَّ السُّؤْرَ حقيقةٌ في مطلق البقيَّة ))، والمعنى أنَّ السؤر يُعتَبَرُ بلحمٍ مُسِرِه.
فإنْ كان لحمُ مسِرِهِ طاهراً فسؤرُه طاهرٌ، أو نجساً فنحسٌ، أو مكروهاً فمكروهٌ، أو مشكوكاً
فمشكوكٌ، "ابن ملك".
[١٩٤٨) (قولُهُ: اسمُ فاعلٍ من: أسأَرَ) أي: مُستِرٌ اسمُ فاعلٍ قياسيٌّ مأخوذٌ من مصدرِ أسأَرَ،
أو سأَرَ كمِنَعَ، واسمُ فاعلِهما السَّماعِيُّ: سأَرّ كسَخَّارٍ، والقياسيُّ جائزٌ كما في "القاموس)"(٣).
[١٩٤٩)] (قولُهُ: لاختلاطِه بلُعابِهِ) علَّةٌ لـ (يُعتَبِّرُ))، أي: ولعابُه متولّدٌ من [١/ق١٦٨/أ]
لحمه، فاعتُبرَ به طهارةً ونجاسةً وكراهَةً وشكّاً، "منح" (٤). اهـ "ط " (٥).
[١٩٥٠] (قولُهُ: ولو جُنُباً إلخ) بيانٌ للإطلاق، فإنْ قيل: ينبغي أنْ يتنجَّسَ سؤرُه على القول
بنجاسةِ المستعمل لسقوطِ الفرض بهذا الشُّربِ على الراجح قلنا: المستعملُ هو المشروبُ
(قولُهُ: قلنا: المستعملُ هو المشروبُ) أي: والمشروبُ لم يتصف بالاستعمال إلا بعد انفصاله عن
الفمِ، فلا يقال: إنَّ مَتَّصلّ بما بقيَ فينجِّسُهُ.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٢/١.
(٢) "القاموس": مادة ((سأر)).
(٣) "القاموس": مادة ((سأر)).
(٤) "المنح": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١/ق ١٥/أ.
(٥) "ط": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١٢١/١.
الجزء الثاني
٤٣
الأسآر
أو كافراً أو امرأةً، نعمْ يُكرَهُ سؤرُها للرَّجُل كعكسه.
لا ما بقِيَ، ولو سُلَّمَ فلا يُستعمَلُ للحرج كإدخال اليد في الحُبِّ للكُوز، وتمامُّهُ في "البحر"(١).
(١٩٥١] (قولُهُ: أو كافراً) لأَنّه عليه الصلاة والسلام أنزَلَ بعضَ المشركين في المسجد على ما
في "الصحيحين"(٢)، فالمرادُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسٌ﴾ [التوبة -٢٨] النجاسةُ في
اعتقادهم، "بحر"(٣). ولا يُشكِلُ نزحُ البئر به لو أُخرِجَ حيًّاً؛ لأنَّ ذلك لِما عليه في الغالب من
النَّجاسة الحقيقيَّة أو الحكميَّة كما قدَّمناه(٤).
[١٩٥٢) (قولُهُ: أو امرأةٌ) أي: ولو حائضاً أو نُفَساءَ لِمَا رَوَى "مسلمٌ "(٥) وغيرُه عن "عائشةَ"
رضي الله عنها قالت: ((كنتُ أشربُ وأنا حائضٌ، فَأُناوِلُه النبيَّ ◌َ﴿ِ، فِيضَعُ فاه على موضعٍ فيَّ)،
"بحر"(٦).
[١٩٥٣] (قولُهُ: نعم يُكرَهُ سؤرُها إلخ) أي: في الشُّرب لا في الطَّهارة، "بحر"(٧). قال
"الرمليُّ" : (( ويجبُ تقييدُه بغير الزَّوجةِ والمحارِم)) اهـ.
وأَورَدَ بعضُهم على قول "البحر": (( لا في الطَّهارة)) ما مرَّ(٨) في الوضوء من أنّه يُكرَهُ
التوضِّي بفضلٍ ماءِ المرأة، والمرادُ به السُّؤْرُ.
(١) انظر "البحر": كتاب الطهارة ١٣٣/١.
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٩) كتاب الصلاة - باب دخول المشرك المسجد، ومسلم (١٧٦٤) كتاب الجهاد - باب ربط
الأسير وحبسه وجواز المن عليه، وأبو داود (٢٦٧٩) كتاب الجهاد - باب الأسير يُؤْثَّق، والنسائي ١١٠/١ كتاب
الطهارة - باب تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم، كلهم من حديث أبي هريرة
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٣/١.
(٤) المقولة [١٨٧٢] قوله: ((كآدمي محدث ... )).
(٥) أخرجه مسلم (٣٠٠) كتاب الحيض - باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، وأبو داود(٢٥٨) كتاب
الطهارة - باب مؤاكلة الحائض ومجامعتها، والنسائي ١٤٨/١ -١٤٩ كتاب الطهارة - باب مؤاكلة الحائض والشرب
من سؤرها، وابن ماجه (٦٤٣) كتاب الطهارة - باب ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٣/١.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٣/١.
(٨) ٤٤٣/١ "در".
قسم العبادات
٤٤
حاشية ابن عابدين
للاستلذاذِ واستعمالِ رِيْقِ الغير، وهو لا يجوزُ، "مجتبى" (ومأكولِ لحمٍ) ومنه الفَرَسُ
في الأصح،
أقولُ: المرادُ به الماءُ الذي توضَّأتْ به في خلوتها كما أوضحناه فيما مرَّ(١)، فتدبّرْ.
[١٩٥٤] (قولُهُ: للاستلذاذِ) قال "شيخُنا"(٢): ((ويستفادُ منه كراهةُ الحَلَّق الأمرَدِ إذا وَجَدَ
المحلوقُ رأسُه من اللَّذة ما يَزِيدُ على ما لو كان مُلتحِياً )) اهـ.
فكراهةُ التَّكييس وغمْزِ الرِّجْلين واليدين من الأمرَدِ في الحمَّام بالأَولى، "ط)"(٣).
[١٩٥٥) (قولُهُ: واستعمالِ رِيقِ الغيرِ) اعترضَهُ "أبو السُّعود"(٤): ((بأنّه يشمَلُ سؤرَ الرَّجُل
للرَّجُل والمرأةِ للمرأة، فالظاهرُ الاقتصارُ على التعليل الأوَّلِ كما فعَلَ في "النهر" (٥))) اهـ.
أي: لأَنّه ﴿ كان يشربُ ويعطي الإِناءَ لِمَنْ عن يمينه، ويقولُ: ((الأيمنَ فالأيمنَ) (٦)، نعم
عَبَّرَ في "المنح(٧) بالأجنبيّة، وفيه نظرٌ أيضاً.
والذي يظهرُ أنَّ العلَّةَ الاستلذاذُ فقط، ويُفهَمُ منه أنَّه حيث لا استلذاذَ لا كراهةَ، ولا سيَّما
إذا كان يَعافُهُ.
[١٩٥٦] (قولُهُ: "مجتبى") أي: قُبِيلَ كتاب الوصايا، وكان المناسبُ ذِكْرَه قبل التعليل؛ لأَّي لم
أرَه في "المجتبى".
[١٩٥٧) (قولُهُ: ومأكولٍ لحمٍ) أي: سِوى الجَلَّلة منه، فإنَّه مكروهٌ كما يأتي(٨).
[١٩٥٨] (قولُهُ: ومنه الفرَسُ في الأصحِّ) [١/ق١٦٨/ب] وهو ظاهرُ الروايةِ عن
"الإِمام"، وهو قولُهما، وكراهةُ لحمِه عنده لاحترامه؛ لأنَّه آلةُ الجهاد لا لنجاسته، فلا يؤثّرُ
(١) المقولة [١٠٦٢] قوله: ((التوضي إلخ)).
(٢) أي: شيخُ أبي السعود، كما في "ط".
(٣) "ط": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١٢١/١ نقلاً عن أبي السعود.
(٤) "فتح المعين": كتاب الطهارة - فصل الأسار ٨٢/١.
(٥) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٦/ب.
(٦) وسيأتي تخريجه ٥٦٠/٣.
(٧) "المنح": كتاب الطهارة - باب المياه - فصل في البئر ١/ق ١٥/ب.
(٨) المقولة [١٩٧٠] قوله: ((وإبل وبقر جلالة)).
الجزء الثاني
٤٥
الأسآر
ومثلُهُ ما لا دمَ له (طاهرِ الفمِ) قيدٌ للكلِّ (طاهرٌ) طَهُورٌ بلا كراهةٍ.
(و) سؤرُ (خنزير ..
في كراهة سؤره، "بحر" (١).
والفرسُ: اسمُ جنسٍ كالحمار، فيعُمُّ الذَّكَرَ والأنثى، "ط)" (٢).
[١٩٥٩] (قولُهُ: ومثلُه ما لا دمَ له) أي: سائلَ، سواءٌ كان يعيشُ في الماء أو في غيره، "ط"(٣)
عن "البحر "(٤).
[١٩٦٠) (قولُهُ: قيدٌ للكلِّ) أي: للآدميِّ، ومأكولِ اللَّحم، وما لادمَ له، "ط "(٥).
[١٩٦١)] (قولُهُ: طاهرٌ) أي: في ذاتِه، ((طهورٌ)) أي: مطهِّرٌ لغيره من الأحداث والأخباث،
"ط " (٦).
١٤٨/١
[١٩٦٢] (قولُهُ: وسؤرُ خنزيرٍ) قدَّرَ لفظَ ((سؤرُ)) إشارةً إلى أنَّ لفظ ((خنزيرٍ)) مجرورٌ
بعضافٍ حُذِفَ وأُبقِيَ عملُه، وهو قليلٌ، والأَولى رفعُه لقيامه مَقامَ المضاف، قال "الزيلعيُ))(٧).
((ولا يجوزُ عطفُه على المجرور قبله))؛ لأَنَّه يلزمٌُ منه العطفُ على معمولَيْ عاملين مختلفين كما
(١) "البحر": كتاب الطهارة - ١٣٤/١.
(٢) "ط": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١٢١/١.
(٣) "ط": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١٢١/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٤/١.
(٥) "ط": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١٢١/١.
(٦) "ط": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١٢١/١.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٣١/١.
* قوله: ((لأنّه يلزم إلخ)) أي: لأنَّ ((الكلب)) معطوف على ((الآدمي))، وهو معمول للمضاف، أعني: سؤر،
و((نجس)) معطوف على ((طاهر)) وهو معمول للمبتدأ، أعني ((سؤر)) فكان فيه العطف على معمولين وهما
((الآدمي)) و((طاهر)) لعاملين هُما المضاف والمبتدأ. هذا إذا كان المضاف عاملاً في المضاف إليه، أما إذا كان العامل هو
الإضافة فلا إشكال أنه من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين . اهـ "بحر".
وأشار بقوله: (( فلا إشكال )) إلى أنَّ في التقرير السابق إشكالاً؛ لأنّه مبنيٌّ على تنزيل اختلاف العمل منزلة اختلاف
العامل؛ لأنَّ العاملَ وهو ((سور)) واحدٌ في الحقيقة، لكن عمله في المضاف إليه وفي الخبر مختلف، فكأنّه عاملان . اهـ منه
قسم العبادات
٤٦
حاشية ابن عابدين
وكلبٍ وسباعٍ بهائمَ) ومنهُ الهرَّةُ البرِّيّةُ (وشاربِ خمرٍ فَوْرَ شربها) ولو شاربُهُ طويلاً لا
يستوعبُهُ اللسانُ فنجسٌ ولو بعد زمانِ (وهرَّةٍ فَوْرَ أكلٍ فأرةٍ نجسٌ) مغلّظٌ (و) سؤرُ هرَّةٍ
ے
و (دجاجةٍ ..
أُوضَحَهُ في "البحر"(١).
[١٩٦٣)] (قولُهُ: وسباعٍ بهائمَ) هي ما كان يَصطادُ بنابه كالأسد والذّب والفهْد والنَّمِر
والتَّعلب والفِيل والضّبْع وأشباهِ ذلك، "سراج"(٢).
[١٩٦٤) (قولُهُ: فَوْرَ شُرِبِها) أي: بخلاف ما إذا مكَثَ ساعةً ابتَلَعَ رِيقَه ثلاثَ مرَّاتٍ بعد
لَحْسِ شفتيه بلسانه ورِيقِه، ثم شرِبَ فإنّه لا ينجُسُ، ولا بدَّ أنْ يكون المرادُ إذا لم يكنْ في بُزاقِه
أثّرُ الخمر من طعمٍ أو ريحٍ. اهـ "حلبة"(٣).
[١٩٦٥) (قولُهُ: لا يَستوعِبُه اللِّسانُ) أي: لا يَتمكَّنُ أنْ يعُمَّه برِيقه.
[١٩٦٦] (قولُهُ: ولو بعدَ زمانٍ) أي: ولو كانَ شربُه الماءَ بعد زمانٍ طويلٍ، وفي أنحاس
"التاتر خانيَّةً"(٤) عن "الحاوي" (٥): ((وقيل: إذا كان الإِناءُ مملوءاً ينجُسُ الماءُ والإِناءُ بملاقاةِ
فمِهِ، وإِلاَّ فلا)) اهــ أي: لأَنَّه إذا لم يكنْ مملوءاً يكونُ الماءُ وارداً على الشَّارب، فإذا ابتلَعَهُ
یکونُ کالجاري.
[١٩٦٧) (قولُهُ: فورَ أكلِ فأرةٍ) فإنْ مكنتْ ساعةً، ولحسَتْ فمَها فمكروهٌ، "منية"(٦). ولا
ينجُسُ عندهما، وقال "محمَّدٌ": ينجُسُ؛ لأنَّ النحاسةَ لا تزولُ عنده إلاَّ بالماء، وينبغي أنْ لا ينجُسَ
على قوله إذا غابتْ غَيبةً يجوزُ معها شربُها من ماءِ كثيرٍ، "حلبة(٧).
[١٩٦٨] (قولُهُ: مغلَّظٌ) وفي روايةٍ عن "الثاني)": أنَّ سؤرَ ما لا يؤكلُ كبولِ ما يؤكلُ، والذي
(١) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٤/١.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٥٠/ب.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الأسار ١/ق ٢٩٦/أ - ب باختصار.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الثامن في تطهير النجاسات ٣١٩/١.
(٥) لم نعثر عليها في مظانّها من "الحاوي القدسي".
(٦) انظر"شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الأسار صـ١٦٩ -.
(٧) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الأسار ١/ق ٢٩٩/ب باختصار.
الجزء الثاني
٤٧
الأسآر
مخلّةٍ) وإبل وبقر جلَّلةٍ، فالأحسنُ تركُ دجاجةٍ ليُعُمَّ الإِبلَ والبقرَ والغنمَ،
"قُهُستاني"(١) (وسباعِ طيٍ)
يظهرُ ترجيحُ الأَوَّلِ، "بحر "(٢).
[١٩٦٩) (قولُهُ: مخلَّةٍ) بتشديد اللام، أي: مرسَلَةٍ تُخالِطُ النجاساتِ، ويصلُ منقارُها
[١/ق ١٦٩/أ] إلى ما تحتَ قدميها، أمَّا التي تُحَبَسُ في بيتٍ وتُعَلَفُ فلا يكرهُ سؤرُها؛ لأَنَّها لا تحدُ
عَذِراتِ غيرِها حتى تجولَ فيها، وهي في عَذِراتِ نفسها لا تجولُ، بل تلاحظ الحَبَّ بينه، فتلتقطُهُ
كما حقَّقَه في "الفتح"(٣)، وتمامُهُ في "البحر "(٤).
[١٩٧٠) (قولُهُ: وإبلٍ وبقرِ جلاَّةٍ) أي: تأكُلُ النجاسة إذا جُهِلَ حالُها، فإنْ عُلِمَ حالُ فمِها
طهارةً ونجاسةً فسؤرُها مثلُّه. اهـ "مقدسي".
أقولُ: الظَّاهرُ أَنَّه أرادَ بالجلَّلة غيرَ التي أنْتَنَ لحمُها من أكلِ النجاسة؛ إذ لو أنْتَنَ فالظاهرُ
الكراهةُ بلا تفصيلٍ؛ لأنّهم صرَّحوا بأنّها لا يضخَّى بها كما يأتي(9) في الأضحية، قال في "شرح
الوهبائَّة"(٦): ((وفي "المنتقى": الجلَلةُ المكروهةُ التي إذا قُرِّبتْ وُجِدتْ منها رائحةٌ، فلا تؤكلُ،
ولا يُشْرَبُ لِبُها، ولا يُعمَلُ عليها، ويكرهُ بيعُها وهِبْتُها، وتلك حالُها، وذكَرَ "البقاليُّ": أنَّ عَرَقها
نجسٌ )) اهـ.
وصرَّحَ "المصنّف" في الحظر والإِباحة: (٧) ((أَنَّ يكرهُ لحمُ الأتان والجلَّلة))، قال "الشارح"
(قولُهُ: فالظاهرُ الكراهةُ بلا تفصيلٍ) لا يظهرُ مع العِلم بالنجاسة، ويظهرُ حملُ كلام الشَّرح على
كراهةِ التنزيهِ، وحملُ الكراهة في الجلالة التي أنتَنَ لحمُها على كراهة التحريم، ونفيُ الكراهة الواقعُ في
عبارة "الجوهرة" على التحريم، وبهذا تزولُ المخالفةُ في هذه المسألة.
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة ٣٧/١ بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٧/١ والرواية عن الثاني نقلها في "البحر"عن "معراج الدراية".
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الأسار ٩٨/١.
(٤) انظر "البحر": كتاب الطهارة ١٣٩/١.
(٥) انظر المقولة [٣٢٦٥٠] قوله: ((ولا الجلالة إلخ)).
(٦) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الذبائح والصيود ق ٢٨٧/أ.
(٧) انظر المقولة [٣٢٧٩٥] قوله: ((الأهلية)) وما بعدها.
قسم العبادات
٤٨
حاشية ابن عابدين
لم يَعلَمْ رُبُّها طهارةَ منقارِهِ.
هناك: (( وَتُحَبَسُ الجِلَّلة حتى يذهبَ نَتَنُ لحمِها، وقُدِّرَ بثلاثة أيامٍ لدجاجةٍ، وأربعةٍ لشاةٍ، وعشرةٍ
الإبلٍ وبقرٍ على الأظهر، ولو أكَلَتِ النجاسةَ وغيرَها بحيث لم يُنِنْ لحمُها حلَّتْ)) اهـ.
وبه عُلِمَ أنَّ الجلَّلة التي يكرهُ سؤرُها هي التي لا تأكلُ إلَّ النجاسةَ حتى أنتنَ لحمُها؛ لأنَّها
حينئذٍ غيرُ مأكولةٍ، ولذا قال في "الجوهرة"(١): ((فإنْ كانتْ تخلِطُ و(٢) أكثرُ عَلَفِها عَلَفُ الدَّابِّ
لا یکرُ سؤرُها )) اهـ.
قُلْتُ: بقيَ شيءٌ، وهو أنَّ الغالبَ أنَّ الإِبلَ تجترُّ كالغنم، وجِرَّتُها نجسةٌ كسِرْقِينها كما
سيأتي(٣).
ومقتضاه: أنْ يكونَ سؤرُها مكروهاً وإنْ لم تكنْ حلََّةً، ولم أرَ مَنْ تعرَّضَ له، وإنما المفهومُ
من إطلاقهم عدمُ الكراهة، فليتأمَّلْ.
[١٩٧١] (قولُهُ: لم يَعلَمْ ربُّها طهارةَ مِنقارِها) لِمَا رَوى "الحسنُ" عن "أبي حنيفة": إنْ كان
هذا الطيرُ لا يتناولُ الميتةَ مثلَ البازي الأهليِّ ونحوِهِ لا يكرهُ الوضوءُ، وإنما يكرهُ في الذي يَتناولُ
الميتة(٤)، ورُوِيَ عن "أبي يوسف" أيضاً مثلُهُ، "حلبة" (٥).
(قولُهُ: قلت: بقي شيءٌ، وهو أنَّ الغالب إلخ) قال "السِّنديُّ": ((قلت: انتَفَت الكراهةُ؛ لأنَّ
الشَّارع لم يَعتبر تلك النَّحاسةَ حيث لم تبرز من الفم، وقد أحلَّ اللَّهُ الإِبل والغنم، وهو كذلك، وصحَّ
أكُلُهُ ﴿ لحمَ الجزورِ والغنمِ مطلقاً )) اهـ. على أنَّه لو قيل بنجاسته بدون بروزٍ يقال بطهارةِ الفم
باللُّعاب، وشربُها عقبَ أن اجتَرَّتْ أمرٌ موهوٌ فلا يُؤثّر.
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الطهارة - فصل في الأسار ٢١/١.
(٢) في النسخ جميعها: (( أو )) وما أثبتناه من "الجوهرة النيرة" هو الصواب والموافق لعبارته في "السراج الوهاج"كتاب الطهارة
١/ ق ٥٠/ب، والموافق لما في "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - فصل في بئر دون عشر في عشر ٢٧/١ نقلاً عن "الجوهرة".
(٣) المقولة [٣١٠٠] قوله: ((وجرته كزبله)).
(٤) ذكره الفقيه أبو الليث في "شرح الجامع الصغير، "كما في "الحلبة".
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الأسار ١/ق ٢٩٨/ب وفيها: ((قال في "الهداية": واستحسن المشايخ هذه
الرواية، وفي "النهاية": واستحسن المتأخرون رواية أبي يوسف وأفتوا بها )).
الجزء الثاني
٤٩
الأسآر
(وسواكنِ بيوتٍ) طاهرٌ للضَّرورة ..
[١٩٧٢] (قولُهُ: وسواكنِ بيوتٍ) أي: ثَمّا له دمٌ سائلٌ كالفأرة والحيّة والوَزَغة بخلاف ما لا
دمَ له كالخَنْفَسِ والصُّرصُر والعقرب، [١/ق١٦٩/ب] فإنّه لا يكرهُ كما مرَّ(١)، وتمامُهُ في
"الإِمداد"(٢).
(١٩٧٣) (قولُهُ: طاهرٌ للضَّرورة) بيانُ ذلك: أنَّ القياس في الهرَّة نجاسةُ سؤرِها؛ لأَنَّه مختِلِطٌ
بُعَابِها المتولِّدِ من لحمِها النحِس، لكنْ سقَطَ حكمُ النجاسة اتّفاقاً بعلَّةِ الطوافِ المنصوصةِ
بقوله: ((إِنَّها ليست بنحِسةٍ، إِنَّها من الطَّوَّافين عليكم والطوَّافاتِ))، أخرجه "أصحابُ السُّنن
الأربعة"(٣) وغيرُهم، وقال "الترمذيُّ": (( حسنٌ صحيحٌ))، يعني: أَنَّها تدخُلُ المضايِقَ، ولازِمُه
شدَّةُ المخالطة، بحيث يتعذَّرُ صَونُ الأواني منها، وفي معناها سواكِنُ البيوت للعلَّة المذكورة، فسقَطَ
حكمُ النجاسة للضَّرورة، وبقيتِ الكراهةُ لعدم تحاميها النجاسةَ.
وأمَّا المخلَّةِ فُعابُها طاهرٌ، فسؤرُها كذلك، لكنْ لَمَّا كانتْ تأكلُ العذِرَةَ كُرِهَ
سؤرُها، ولم يُحكَمْ بنجاسته للشكِّ، حتى لو عُلِمَتِ النجاسةُ في فمها تنجَّسَ، ولو عُلِمَتْ
الطهارةُ انتفَتِ الكراهةُ.
وأمَّا سِباعُ الطير فالقياسُ نجاسةُ سُؤْرِها كسباع البهائم بجامِعِ حرمةٍ لحمِها، والاستحسانُ
طهارته؛ لأَنَّها تَشرَبُ بمنقارها، وهو عظمٌ طاهرٌ بخلاف سباع البهائم؛ لأَنّها تشربُ بلسانها المبتلِّ
بُعابها النحسِ، لكنْ لَمَّا كانتْ تأكلُ الميتةَ غالباً أشبهت المخلَّةَ، فَكُرهَ سؤرُها، حتى لو عُلِمَ
طهارةٌ منقارِها انتفتِ الكراهةُ، هكذا قرَّرُوا، وبه عُلِمَ أنَّ طهارةَ السُّؤُر في بعض هذه المذكوراتِ
ليستْ الضَّرورة، بل على الأصل، فتنبَّهُ.
(١) المقولة: [١٦٠٥] قوله: ((غير دموي)) وما بعدها.
(٢) انظر"الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في بيان أحكام السؤر ق ١٤/ب.
(٣) أخرجه أبو داود (٧٥) كتاب الطهارة - باب سؤر الهرة، والترمذي (٩٢) كتاب الطهارة - باب ما جاء في سؤر الهرة، والنسائي
٥٥/١ كتاب الطهارة - باب سؤر الهرة، وابن ماجه (٣٦٧) كتاب الطهارة - باب الوضوء بسؤر الهرة، وأخرجه مالك في
"الموطأ"٢٣/١ كتاب الطهارة - باب الطهور للوضوء، كلُّهم من حديث كبشة بنت كعب بن مالك رضي الله عنها.
قسم العبادات
٥٠
حاشية ابن عابدين
(مكروهٌ) تنزيهاً في الأصحِّ إنْ وُجدَ غيرُهُ، وإلاَّ لم يكره أصلاً.
[١٩٧٤) (قولُهُ: مكروهٌ) لجوازِ كونِها أكلتْ نجاسةً قبيلَ شرِبِها، وأفاد في "الفتح"(١) أنَّه لو
احْتُمِلَ تطهيرُها فمَها زالت الكراهةُ، حيث قال: (( ويُحمَلُ إصغاؤُهُ ﴿ّ الإِناءَ لهرَّة على زوالٍ
١٤٩/١ ذلك التوهُّمٍ، بأنْ كانتْ في مرأىّ منه في زمانٍ يمكنُ فيه غسلُها فمَها بُعابها، وأمَّا على قول
"(محمَّدٍ" فُيُمكِنُ بمشاهدةِ شريِها من ماءٍ كثيرٍ، أو مشاهدةِ قدومِها عن غَيْبةٍ يجوزُ معها ذلك،
فُيُعارَضُ هذا التجويزُ بتجويزِ أكلِها نِحَساً قبيلَ شربها فيسقطُ، فتبقى الطهارةُ دون كراهةٍ؛ لأنَّ
الكراهةَ ما جاءت إلاَّ من ذلك التجويزِ، وقد [١/ق ١٧٠/أ] سقط.
وعلى هذا لا ينبغي إطلاقُ كراهةٍ أكلٍ فضلِها والصلاةِ إذا لَحَسَتْ عضواً قبل غَسلِه كما
أطلَقَهُ "شمسُ الأئمَّة" وغيره، بل يُقيَّدُ بثبوت ذلك التوهُّم، أمَّا لو كان زائلاً بما قلنا فلا)) اهـ.
وأقرَّ في "البحر"(٢) و"شرحِ المقدسيّ"، وهو خلافُ ما قدَّمناه(٣) عن "المنية"، تأمَّلْ.
مطلبٌ: الكراهةُ حيث أُطلِقت فالمرادُ منها التحريم
[١٩٧٥) (قولُهُ: تنزيهاً) قَيَّدَ به لئلا يُتُوهَّمَ التحريمُ، قال في "البحر" (٤): ((واعلمْ أنَّ المكروهَ
إذا أُطلِقَ في كلامهم فالمرادُ منه التحريمُ، إلاَّ أنْ يُنَصَّ على كراهةِ التنزيهِ، فقد قال "المصنّف" في
"المصفَّى "(٥): لفظُ الكراهة عند الإطلاق يُرادُ بها التحريمُ، قال "أبو يوسف": قلتُ لـ "أبي حنيفة":
إذا قلتَ في شيءٍ: أكرهُه فما رأيك فيه؟ قال: التحريمُ )) اهـ.
[١٩٧٦] (قولُهُ: في الأصحِّ) الخلافُ إنما هو في سؤرِ الهرَّةِ، قال في "البحر"(٦): ((وأمَّا سؤرُ
الدجاجة المخلاَّة فلم أرَ مَنْ ذكَرَ خلافاً في المراد من الكراهة، بل ظاهرُ كلامهم أنَّها كراهةُ تنزيهٍ
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الأسار ٩٨/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٩/١.
(٣) المقولة [١٩٦٧] قوله: ((فور أكل فأرة)).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٧/١.
(٥) في "البحر": ((المستصفى)).
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٨/١.
الجزء الثاني
٥١
الأسآر
كأكلِهِ لفقير.
(و) سؤرُ (حمارٍ).
بلا خلافٍ؛ لأَنَّها لا تتحامى النجاسةَ، وكذا في سباع الطير وسواكنِ البيوت )) اهـ.
[١٩٧٧) (قولُهُ: كأكلِهِ لفقيرٍ) أي: أكلِ سؤرِها، أي: موضعٍ فمِها وما سقطَ منه من الخبز
ونحوه من الجامدات؛ لأنَّه لا يخلو من لُعابها، وليس المرادُ أكلَ ما بقي، أي: ثَمّا لم يخالِطْه ◌ُعَابُها
بخلاف المائع كما أوضحَهُ في "الحلبة"(١)، وأفاد "الشارحُ" كراهته لغنيٌّ؛ لأَنَّه يجدُ غيره، وهذا عند
توهُّمٍ نجاسةٍ فمِها كما قدَّمناه(٢) عن "الفتح" قريباً.
(فرعٌ)
تكرهُ الصلاةُ مع حمْلٍ ما سُؤْرُه مكروهٌ كالهرَّة. اهـ "بحر"(٣) عن "التوشيح".
قُلْتُ: وينبغي تقييدُه بالتوهُّمِ أيضاً كما علمتَه ◌َمّ مرَّ(٤)، ويظهرُ منه كراهةُ الصلاة بثوبٍ
أصابَه السُّؤْرُ المكروهُ كما ذكَرَهُ في "الحلبة"(٥).
مطلبٌ: ستٌّ تُورِثُ النسيان
(نكتة)
قيل: ستٌّ تُورِثُ النّسيانَ: سؤرُ الفأرة، وإلقاءُ القُمَّلَة وهي حَيَّةٌ، والبولُ في الماءِ الرَّاكِدِ،
وقطعُ القطار، ومضْغُ العِلْك، وأكلُ التفّاحِ، ومنهم مِنْ ذكَرَه حديثاً، لكنْ قال "أبو الفرج بنُ
الجوزيِّ": ((إنّه حديثٌ موضوعٌ)) (٦)، "بحر"(٧) و"حلية "(٨).
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الأسآر ١/ق ٣٠٠/أ.
(٢) المقولة [١٩٧٤] قوله: ((مكروه)).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١٤٠/١.
(٤) المقولة [١٩٧٤] قوله: ((مكروه)).
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الأسار ١/ق ٣٠٢/ب.
(٦) أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" ٣٤/٣، وحكم بوضعه، ووافقه السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" ٢٥٣/٢،
وابن عراق في "تنزيه الشريعة" ٢٤٠/٢ -٢٤١، والملا علي القاري في "الأسرار المرفوعة"صـ ٤٣٣- وغيرهم.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ١٤٠/١.
(٨) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الأسار ١/ق ٣٠٠/أ.
قسم العبادات
٥٢
حاشية ابن عابدين
أهليٌّ ولو ذكراً في الأصحِّ (وبغلِ) أمُّهُ حمارةٌ، فلو فرساً أو بقرةً.
وإطلاقُ التفّاح هنا موافقٌ لِما في كتب الطِّبِّ من أَنَّ كَلَّه مورِثٌ للنسيان، وذكَرَ بعضُهم الحديثَ
مقيِّداً التفاحَ بالحامِضِ.
(تتمَّةٌ)
زادَ بعضُهم ثَمَّا يورِثُ النّسيانَ أشياءَ، منها: العِصيانُ، والهمومُ والأحزانُ بسبب الدنيا وكثرةٍ
الاشتغال بها، وأكلُ الكُزْبُرَةَ الرَّطبة، والنظرُ إلى المصلوب والحَجْمُ في [١ /ق١٧٠ /ب] نُقْرَة القَفاء
واللَّحمُ الملح، والخبزُ الحامي، والأكلُ من القِدْر، وكثرةُ المزْحِ، والضحكُ بين المقابر، والوضوءُ في
محلِّ الاستنجاء، وتوسُّدُ السَّراويل أو العمامةِ، ونظرُ الجُنُبِ إلى السَّماءِ، وكَنسُ البيت بالخِرَق،
ومسحُ وجهِهِ أو يديه بذيله، ونفضُ الثوبِ في المسجد، ودخولُه باليسرى، وخروجُه باليمنى،
واللَّعبُ بالمذاكير أو الذَّكَر حتى يُنزِلَ، والنظرُ إليه، والبولُ في الطريق، أو تحتَ شجرةٍ مثمرةٍ، أو
في الماء الرَّاكد، أو في الرَّماد، والنظرُ إلى الفرْج، أو في مرآة الحجَّام، والامتشاطُ بالمِشْط المكسور
وغيرُ ذلك، ولسيِّدي "عبدِ الغنيّ" فيها رسالةٌ(١).
[١٩٧٨) (قولُهُ: أهليٍّ) أمَّ الوحشيُّ فمأكولٌ، فلا شكَّ في سؤرِه ولا كراهةً.
[١٩٧٩) (قولُهُ: في الأصحِّ) قاله "قاضي خان"(٢)، ومقابلُه القولُ بنجاسته؛ لأَنَّه ينحُسُ فمُه
بشمِّ البول؛ قال في "البدائع"(٣): ((وهو غيرُ سديدٍ؛ لأَنَّه أمرٌ موهوٌ لا يغلِبُ وجودُه، فلا يؤثّرُ في
إزالة الثابت ))، "بحر "(٤).
[١٩٨٠] (قولُهُ: أمُّه حمارةٌ) قال في "القاموس" (٥): (( الحمارةُ بالهاء: الأتاثُ ))، فافهم.
(١) اسمها "الكشف والبيان عما يتعلق بالنسيان"، وهي مطبوعة، نقول: إنَّ كثيراً مما ذكر هنا ليس له مستند شرعيّ أو
عقلي أو طبي، على أنَّ موضوع النسيان إنَّما يعوّل فيه على النقل أو الطب، ولا يلتفت إلى غير ذلك.
(٢) "شرح الجامع الصغير": كتاب الطهارة - باب النجاسة تقع في الماء ١/ق ٢٣.
(٣) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الطهارة الحقيقية ٦٥/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٤١/١ بتصرف.
(٥) "القاموس": مادة ((حمر)).
الجزء الثاني
٥٣
الأسآر
فطاهرٌ كمتولّدٍ من حمارٍ وحشیٍّ وبقرةٍ، ولا عبرةَ بغلبة الشَّبَهِ.
وهذا القيدُ صرَّحَ به غيرُ واحدٍ، منهم "السُّروجيُّ" في "شرح الهداية"(١)، قال: ((إذا نَزا
الحمارُ على الرَّمْكة - أي: الفرسِ - لا يكرهُ لحمُ البغل المتولِّدِ بينهما، فعلى هذا لا يصيرُ سؤرُه
مشکو کا فیہ )) اهـ.
والمرادُ: لا يكرهُ لحمُه عندهما إلحاقاً له بالفرس، وعنده يكرهُ كالفرس، إلاَّ أنَّ سؤرَه لا
يكون مشكوكاً اتفاقاً كما هو الصَّحيحُ في سؤرِ الفرس، وكذا البغلُ الذي أمُّه بقرةٌ، يحلُّ لحمُه
اتفاقاً، ولا يكون سؤرُه مشكوكاً، لكنْ ينافي هذا قولُ صاحب "الهداية"(٢): (( والبغلُ مِنْ نسْلٍ
الحمار، فيكونُ بمنزلته ))، فإِنَّه يفيدُ اعتبارَ الأَبِ، إلاَّ أنَّ الأصل في الحيوانات الإلحاقُ بالأمِّ كما
صرَّحوا به في غير موضعٍ، "شرح المنية"(٣)، ونحوُه في "النهر"(٤). قال في "الحلبة"(٥): (( قلت:
ويمكنُ أنْ يقال: ما في "الهداية" مخرَّجٌ على مذهب "الإِمام" خاصَّةً فيما إذا كان أبوه حماراً وأمُّه
فرساً تغليباً لجانب التحريم على الإباحة احتياطاً )).
[١٩٨١] (قولُهُ: فطاهرٌ) الأَولى قولُ "ابن ملَكٍ" عن "الغاية": ((فطهورٌ؛ لأنَّ الولد يتبعُ
الأَمَّ)) اهـ.
[١٩٨٢] (قولُهُ: ولا عبرةَ بِغَلَبةِ الشَّبَهِ) ردٌّ على ما قاله "مسكين"(٦): ((من أنَّ التَّبَعَيَّة للأمِّ
محلُّها ما إذا لم يغلِبْ شبهُه بالأب )).
(١) المسمى بـ"الغاية" لأبي العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني، شمس الدين السَّرُوجي(ت٧١٠ هـ، وقيل: ٧٠١)
("كشف الظنون" ٢٠٣٣/٢، "الجواهر المضية" ١٢٣/١، "الفوائد البهية" صـ ١٣-، "فهرس مخطوطات الظاهرية" -
الفقه الحنفي ٥١٢/١).
(٢) "الهداية": كتاب الطهارات - فصل في الأسآر ٢٤/١.
(٣) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الأسار صـ١٧٠ -.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق١٧/ب.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الأسار ١/ق ٣٠٤/ب.
(٦) في "شرحه على الكنز": كتاب الطهارة صـ ١١- بتصرف.
قسم العبادات
٥٤
حاشية ابن عابدين
لتصريحهم بحلِّ أكلٍ ذئبٍ وَلَدَتْهُ شاةٌ اعتباراً للأمِّ، وجوازُ الأكل يَستلزِمُ طهارةَ السُّؤر
كما لا يخفى، وما نقَلَهُ "المصنف" عن "الأشباه" من تصحيحِ عدمِ الحلِّ قال "شيخنا":
(( إنّه(١) غريبٌ )).
(١٩٨٣] (قولُهُ: لتصريحِهم إلخ) صرَّحَ في "الهداية"(٢) وغيرها في الأضحية [١/ق١٧١/أ]
بجواز الأضحية به، حيث قال: (( والمولودُ بين الأهليِّ والوحشيِّ يتبعُ الأمَّ؛ لأَنَّها الأصلُ فِي التَّعَيَّةِ،
حتى إنْ نزا الذّئبُ على الشَّاة يضخَّى بالولد )) اهـ، تأمَّلْ.
[١٩٨٤) (قولُهُ: اعتباراً للأمِّ) لأَنّها الأصلُ في الولد لانفصاله منها وهو حيوانٌ متقوِّمٌ، ولا
ينفصلُ من الأب إلَّ ماءً مهيناً، ولهذا يتبعُها في الرِّقِّ والحرِّية، وإنما أُضيفَ الآدميُّ إلى أبيه تشريفاً
١٥٠/١ له وصيانةً له عن الضَّيَاعِ، وإلاَّ فالأصلُ إضافته إلى الأمّ كما في "البدائع" (٣).
[١٩٨٥) (قولُهُ: عن "الأشباه") صوابُهُ: عن "الفوائد النَّاجَّةُ"(٤)، "ط" (٥). وكذا نقَلَهُ في
"الأشباه"(٦) عنها في قاعدةٍ: إذا اجتمَعَ الحلال والحرامُ.
(١٩٨٦) (قولُهُ: عدمِ الحِلِّ) أي: عدمٍ حِلِّ أكلٍ ذئبٍ ولدَتْه شاٌ.
[١٩٨٧) (قولُهُ: قال "شيخُنا") يريدُ "الرمليّ" عند الإطلاق، "ط)"(٧).
[١٩٨٨] (قولُهُ: إنَّه غريبٌ) أي: لمخالفتِه المشهورَ في كلامهم من إطلاق أنَّ العِبرةَ للأمِّ، وقد
ذكر القولين "المصنّفُ" في منظومته "تحفةِ الأقران" في الأضحية، فقال:
(١) ((إنه)) ليست في "د".
(٢) "الهداية": كتاب الأضحية ٧٥/٤.
(٣) "البدائع": كتاب التضحية - فصل في بيان محل إقامة الواجب ٦٩/٥.
(٤) لم نعثر على ترجمته فيما بين أيدينا من المصادر.
(٥) "ط": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١٢٢/١.
(٦) "الأشباه والنظائر": الفن الأول صـ١٢٢ -.
(٧) "ط": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١٢٢/١.
الجزء الثاني
٥٥
الأسآر
(مشكوكٌ في طهوريَّتِهِ لا في طهارتِهِ) حتى لو وقَعَ في ماءٍ قليلٍ ..
تُلحَقُ بالأمِّ على المرضِيِّ
نتيجةُ الأهلِيِّ والوَحْشيِّ
مع المباحِ يا أُخَيَّ فاعلمٍ
ومثلُه نتيجةُ المحرَّمِ
والحظرُ في هذا حَكَوه فاعلَما
هذا هو المشهورُ بين العُلَما
[١٩٨٩) (قولُهُ: مشكوكٌ في طَهُوريَّتِه) هذا هو الأصحُّ، وهو قولُ الجمهور، ثم قيل: سببُه
تعارُضُ الأخبار في لحمه، وقيل: اختلافُ الصحابةِ في سؤره، والأصحُّ ما قاله "شيخُ الإسلام":
((إنَّ الحمارَ أشبَهَ الهرَّةَ لوجوده في الدُّور والأفنية، لكنَّ الضرورةَ فيه دونَ الضَّرورة فيها لدخولها
مضايقَ البيت، فَأَشَبَهَ الكلبَ والسِّباعَ، فلمَّا ثبتتِ الضرورةُ من وجهِ دون وجهٍ، واستوى ما
يُوجِبُ الطهارةَ والنجاسةَ تساقطا للتَّعارُضِ، فصِيْرَ إلى الأصل، وهو هنا شيئان: الطهارةُ في الماء،
والنجاسةُ في اللُّعاب، وليس أحدُهما بأَولى من الآخر، فبقيَ الأمرُ مُشكِلاً، نجساً من وجهٍ، طاهراً
من آخرَ ))، وتمامُهُ في "البحر"(١). لا يقالُ: كلبُ الصَّيد والحراسةِ كذلك؛ لأَنَّه مُعارَضٌ بالنصِّ
كما أفادَهُ في "السعديَّة"(٢).
[١٩٩٠) (قولُهُ: لا في طهارتِهِ) أي: ولا فيهما جميعاً كما قيل أيضاً، هذا مع اتّفاقهم أنَّه
(قولَهُ: لدخولِها مضايقَ البيت، فأشبهَ الكلبَ والسِّباعَ) عبارة "البحر": ((لدخولهما مضايقَ البيت
بخلافِ الحمار، ولو لم تكن الضَّرورة ثابتةً أصلاً كما في الكلب والسِّباع لوجَبَ الحكمُ بالنجاسة بلا
إشكالٍ، ولو كانت الضَّرورةُ مثلَ الضَّرورة فيهما لوجَبَ الحكمُ بإسقاط النجاسة، فلمَّا ثُبتت إلخ )).
(١) انظر "البحر": كتاب الطهارة ١٤٠/١.
(٢) "الحواشي السعدية": كتاب الطهارة - فصل في الأسآر وغيرها ١٠١/١ (هامش "فتح القدير)، و"الحواشي السعدية" هي
حواشٍ لسعد الله بن عيسى بن أمير خان الشهير بسعدي جلبي وسعدي أفندي الرُّومي (ت ٩٤٥ هـ) على "العناية"
لأكمل الدين البابِرْتي شرح "الهداية". ("كشف الظنون" ٢٠٣٥/٢، "الشقائق النعمانية" صـ٢٦٥-، "الطبقات السنية"
٢٧/٤)، وتقدّمت ترجمة ابن عابدين رحمه الله لسعدي أفندي في المقولة [١٣٣] قوله: ((سعدي أفندي)).
قسم العبادات
٥٦
حاشية ابن عابدين
اعْتُبِرَ بالأجزاءِ، وهل يطهُرُ النجسُ؟
على ظاهرِ الرواية لا ينجِّسُ الثوبَ والبدنَ والماءَ، ولا يرفعُ [١/ق١٧١ /ب] الحدَثَ، فلهذا قال في
"كشف الأسرار"(١): ((إنَّ الاختلافَ لفظيٌّ؛ لأنَّ مَنْ قال: الشَّكُّ فِي طَهوريَّته فقط أرادَ أنَّ
الطاهر لا يتنجَّسُ به، ووجبَ الجمعُ بينه وبين التراب، لا أنَّه ليس في طهارته شكٌّ أصلاً؛ لأنَّ
الشكَّ فِي طَهورِيَّتِه إنما نشَأَ من الشكِّ في طهارته)). اهـ "بحر"(٢).
قُلْتُ: ويؤيِّدُهُ ما مرَّ(٣) عن "شيخ الإسلام"، فإنَّه صريحٌ في أنَّ الشكَّ في الطهارة.
[١٩٩١) (قولُهُ: اعتُبِرَ بالأجزاءِ) أي: كالماء المستعمل عند "محمَّدٍ"، فيجوزُ الوضوءُ بالماء ما لم
يغلبْ عليه، "محيط". وكان الوجهُ أنْ يقول: ما لم يساوِهِ؛ لِما علمتَه في مسألة الفَسَاقي، "بحر "(٤).
هذا، وفي "السِّراج"(٥) بعدَ نقلِهِ عن "الوجيز": ((واعتَرَضَ "الصَّيْرِفِيُّ(٦) عليه حيث قال:
وهذا بعيدٌ؛ لأنه إذا جُوِّزَ الوضوءُ بالماء الذي يختلِطُ بالسؤر إذا كان أكثرَ كان أيضاً يجوزُ الوضوءُ
بالسؤر؛ لأَنّه أكثرُ من اللُّعاب )) اهـ.
أقولُ: ويؤيِّدُه ما قدَّمناه(٧) عن "الفتح": (( من أَنَّه تظافرَ كلامُهم على أَنَّه يُنزَحُ منه جميعُ ماء
(قولُهُ: فلهذا قال في "كشف الأسرار": إنَّ الاختلافَ لفظيِّ) لا يظهرُ أَنَّه لفظيٌّ مع قولِهِ: ((لا في
طهارته))، وأيضاً إزالةُ الخبث به على أحدِ القولين يدلُّ على أنَّه لا شكَّ في طهارته؛ إذ النجسُ الثابتُ
بيقينٍ لا يرتفعُ إلاَّ بطاهرٍ يقيناً.
(١) "كشف الأسرار": باب المعارضة ١٧٩/٣.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١٤١/١ بتصرف يسير.
(٣) المقولة [١٩٨٩] قوله: ((مشكوك في طهوريته)).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٧١/١.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٥٣/أ.
(٦) لم نهتد إلى معرفته.
(٧) المقولة [١٨٧١] قوله: ((كذا في الخانية)).
الجزء الثاني
٥٧
الأسآر
قولان (فيتوضَّأ به) أو يَغتسِلُ (ويتيمَّمُ) أي: يجمعُ بينهما احتياطاً في صلاةٍ واحدةٍ لا
في حالةٍ واحدةٍ.
البئر ))، وقدَّمنا النَّقولَ فيه، وأنَّ اعتبارَه بالأجزاء مخالفٌ لذلك، وقد صرَّحوا بأنَّ العمل بما عليه
الأكثرُ، وبه يظهرُ أنَّ ما هنا غیرُ معتبَرِ، فتدبَّرْ.
[١٩٩٢] (قولُهُ: قولان) قد علمتَ أنَّ الشكَّ في الطُّهوريَّة ناشئٌ عن الشكِّ في الطهارة،
والنجسُ الثابتُ بيقينٍ لا يرتفعُ إلاَّ بطاهرٍ بيقينٍ، فافهم وتأمَّلْ.
[١٩٩٣] (قولُهُ: في صلاةٍ واحدةٍ إلخ) يعني: أنَّ الشرط أنْ لا تخلوَ الصلاةُ الواحدةُ عنهما
وإنْ لم يوجدِ الجمعُ بينهما في حالةٍ واحدةٍ، حتى لو توضَّأَ به وصلَّى، ثم أحدَثَ وتيمَّمَ وصلَّى
تلك الصلاةَ جازَ، هو الصحيحُ؛ لأنَّ المطهِّرَ أحدُهما لا المجموعُ، فإنْ كان السُّؤْرَ صِحَّتْ، ولَغَتْ
صلاةُ التيمُّم، أو التيمُّمَ فبالعكس، "نهر"(١).
فإِنْ قيل: يَلزمُ من هذا أداءُ الصلاة بلا طهارةٍ في إحدى المرَّتين، وهو مستلزِمٌ للكفر، فينبغي
وجوبُ الجمع بينهما في أداءٍ واحدٍ. قلنا: كلٌّ منهما مطهّرٌ من وجهٍ دون وجهٍ، فلا يكونُ الأداءُ
بلا طهارةٍ من كلِّ وجهٍ، فلا يلزمُه الكفرُ، كما لو صلَّى حنفيٌّ بعدَ نحوِ الحجامة، لا تجوزُ صلاتُه،
ولا يُكَفَرُ للاختلاف، بخلاف ما لو صلَّى بعد البول، "بحر"(٢) عن "المعراج".
والظاهرُ: أنَّ الأَولى الجمعُ بينهما في أداءٍ واحدٍ للتباعُدِ عن هذه الشُّبهة،
[١ / ق ١٧٢ /أ] ثم رأيتُ في "الشرنبلاليَّة"(٣) نقَلَ عن شيخه "الشمسِ المحبِّيِّ"(٤): ((أَنَّه لو
صلَّى بالوضوء ثم بالتيمُّمِ فإنْ لم يُحْدِثْ بينهما كُرهَ فعلُه في الأُولى دون الثانية، وإنْ أُحدَث
كُرُهَ فيهما))، ووجهُه ظاهرٌ، فتدبّرْ.
وبه ظهَرَ أنَّ قول "النهر" فيما مرَّ(٥): ((ثُمَّ أَحدَثَ)) غيرُ قيدٍ، نعم يُفهَمُ منه أنَّه لو لم يُحدِث
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٧/ب.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١٤/١ بتصرف.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - فصل: بئر دون عشر في عشر ٢٨/١ بتصرف (هامش"الدرر والغرر").
(٤) محمد بن منصور بن إبراهيم، محبّ الدين الملقّب شمس الدين الشهير بالمحبي الدمشقي الحنفيّ (ت ١٠٣٠ هـ).
("خلاصة الأثر" ٢٣١/٤، "معجم المؤلفين" ٧٣٤/٣).
(٥) في هذه المقولة.
قسم العبادات
٥٨
حاشية ابن عابدين
(إِنْ فَقَدَ ماءً) مطلقاً (وصحَّ تقديمُ أَيِّهما شاءَ) في الأصحِّ، ولو تيمَّمَ وصلَّى، ثم أراقَهُ
الزمَهُ إعادةُ التيمُمِ والصلاةِ.
يصحُّ بالأُولى؛ لأنَّ الصلاةَ الثانية تكونُ بالطَّهارتين، وفي "النهر"(١) عن "الفتح"(٢): ((واختُلِفَ في
النَّة بسؤرِ الحمار، والأحوطُ أنْ ينويَ)) اهـ.
أي: الأحوطُ القولُ بوجوبها، فقد قدَّمنا (٣) في بحث النَّة عن "البحر" عن "شرح المجمع"
و "النّقاية " معزّاً إلى "الكفاية": ((أَنَّها شرطٌ فيه وفي نبيذِ الثَّمر))(٤).
[١٩٩٤] (قولُهُ: إِنْ فَقَدَ ماءً مُطلَقاً) أمَّا إذا وَجَده تعَّنَ المصيرُ إليه، ولو وجدَه بعدَما توضَّأَ
بالسُر وتيمَّمَ لا يصلّي ما لم يتوضَّأُ به، ولو لم يتوضَّأُ به حتى فقَدَه ومعه السُّؤْرُ أعادَ التيمُّمَ لا
الوضوءَ بالسؤر، "تاتر خانَّةَ"(٥).
[١٩٩٥) (قولُهُ: في الأصحِّ) والأفضلُ تقديمُ الوضوء رعايةً لقول "زفر" بلزومِهِ، "إمداد"(٦).
[١٩٩٦) (قولُهُ: ثمَّ أراقَهُ) أمَّا لو أراقَهُ أوَّلاً حتى صارَ عادِماً للماء لا يلزمُه، بل عن
"نصيرِ بن يحيى)"(٧): ((أَنَّ مَنْ لم يجدْ إلَّ سؤرَ الحمار يُهرِيقُه، ثمَّ ينيمَّمُ))، قال "الصفَّار "(٨).
(قولُهُ: رعايةً لقولِ "زفر" بلزومِهِ) هو يقولُ بلزومٍ تقدُّمِ الوضوء؛ لأَنَّه لا يجوزُ التيمُّمُ مع وجودٍ ماءٍ
واجبِ الاستعمال كالماء المطلق، ووجهُ الأصحِّ أنَّ المطهِّر أحدُهما بدون تعيينٍ وقد وُجِدَ إذا جَمَعَ، فلا
يضرُّ تقدُّمُه أو تأخُرُه.
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٧/ب.
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الأسآر ١٠٢/١.
(٣) المقولة [٨٥٣] قوله: ((بسؤر حمار)).
(٤) انظر تعليقنا على المسألة ٣٥٦/١.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الرابع في المياه ٢٢١/١ نقلاً عن "العتابية"والسغناقيّ.
(٦) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في أحكام السؤر ق ١٥/أ.
(٧) نُصَيْر - وقيل: نصر - بن يحيى البلْخيّ(ت٢٦٨هـ) ("الجواهر المضية" ٥٤٦/٣، "الفوائد البهية "صـ ٢٢١-).
(٨) أبو القاسم أحمد بن عِصْمة الصّفّار البَلْخيّ الملقّب ((حَمْ)) (ت ٣٢٦هـ). ("الجواهر المضية" ٢٠٠/١ "الفوائد البهية"
صـ ٢٦ -، وذكر الكفويّ في "كتائب أعلام الأخيار" أن وفاته كانت سـ٣٣٦سنة هـ).