Indexed OCR Text
Pages 141-160
قسم المعاملات
١٣٥
فصلٌ في مسائلَ شَنَّی
وفي "الأصل": فلا يَدَّعي إرثاً، ولا كَفالةَ نفسٍ أو مالٍ، ولا ديناً، أو مُضارَبةً، أو شِركةً،
أو وديعةٌ، أو مِيراثاً، أو داراً، أو عبداً، أو شيئاً إلا شيئاً(١) حادثاً بعدَ البراءةِ اهـ.
فما في "شرح المنظومة"(٢) عن "المحيط"(٢): أَبْرَأَ أحدُ الوَرَثةِ الباقيَ ثُمَّ ادَّعَى التَّكَةَ
وأَنْكَرُوا لا تُسمَعُ دَعواهُ وإِنْ أَقَرُّوا بِالَِّكَةِ أُمِرُوا بِالرَِّّ عليه اهـ ظاهرٌ فيما إذا لم تكنِ البَراءةُ
عامّةً؛ لِمَا عَلِمْتَهُ(٤)، ولِما سنَذْكُرُ (٥): أنَّه لو أَبْرَأَهُ عامّاً ثمَّ أَقَرَّ بعدَهُ بالمالِ المُبرأُ منه(٦) لا يَعُودُ
بعدَ سُقُوطِهِ.
وفي "العمادية": قالَ ذو اليدِ: ليس هذا لي، أو ليس(٧) مِلْكي، أو لا حَقَّ لي فيه، أو نحوّ ذلك
ولا مُنَازِعَ له حينَئذٍ، ثُمَّ ادَّعاهُ أحدٌ فقال ذو اليدِ: هو لي فالقولُ له؛ لأنَّ الإقرارَ لمجهُولٍ(٨) باطلٌ،
والتَّاقُضُ إلَّا يَنَعُ إذا تَضْمَّنَ إبطالَ حَقٌّ على أحدٍ اهـ، ومثلُهُ في "الفيض" و"خزانة المفتين".
(قولُهُ: أو شيئاً مِن الأشياءِ حادثاً) لعلَّه: إلّا شيئاً حادثاً.
(قولُهُ: ظاهرٌ فيما إذا لم تكنِ البَراءةُ عامّةً) كلامُهُ هذا غيرُ مُحَّرٍ، تأمَّلْ.
(١) في "الأصل" و"ر" و"آ" و"ب": ((أوشيئاً من الأشياء))، وما أثبتناه من "م"، وانظر "تقريرات الرافعي" رحمه الله تعالى.
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الإقرار ٢٧/٢.
(٣) في هامش "م": ((قوله: (فما في "شرح المنظومة" إلخ)، قال شيخنا: لا حاجة إلى هذا الحمل بل الحكم كذلك ولو
كانتِ البراءةُ عامَّةً؛ إذ غايةُ ما في البراءة العامة منعُ الدعوى في الأعيان، لكن لا تصيرُ العينُ بها ملكاً للمبرأ، فلو أقرَّ
بها يؤمر بالدَّفع، بخلاف الدَّين فإنه يملك بالبراءة، فلا يؤمر بالدَّفع لو أقرَّ، ومنعُ المُبْرِئِ من الدَّعوى لا ينافي أمرَ المقر
بالدَّفع، ألا ترى أن من منع من سماع الدَّعوى لطول المدَّة لو أقرَّ خصمُهُ بالمدَّعى فإنه يؤمر بالدفع)) اهـ.
(٤) في هذه المقولة.
(٥) المقولة [٢٨٣٩٣] قوله: ((ذَكَّرَهُ "المصنِّفُ" في "فتاويه")).
(٦) في "ب" و"م": ((به)).
(٧) في "ب" و"م": ((وليس)) بالواو.
(٨) في "آ": ((المجهول)).
حاشية ابن عابدين
١٣٦
الجزء الثامن عشر
فبهذا عَلِمْتَ الفَرقَ بينَ: أَبْتُكَ، أو: لا حَقَّ لي قِبَلَكَ، وبينَ: قَبَضْتُ تَرِكَةَ مُورِّي، أو: كلُّ مَن
لي عليه دَينٌ فهو بريءٌ [٣/ق٣١٠/ب] ولم يُخاطِبْ مُعيَّناً، وعَلِمْتَ بُطلانَ فتوى بعضِ أهلِ زمانِنا
بأنَّ إبراءَ الوارثِ وارثاً آخَرَ إبراءً عاماً لا يَنَعُ مِن دَعوى شيءٍ مِنِ التَِّكَةِ.
وأمّا عبارةُ "البزّازيّة" . أي: التي قدَّمناها (١) . فأصلُها مَعزُوٌّ إلى "الخطِّ"(٢)، وفيه نَظَرٌ ظاهرٌ،
ومعَ ذلك لم يُقيِّدِ الإبراءَ بكونِهِ لمعيٍَّ أو لا، وقد عَلِمْتَ اختلافَ الحكم في ذلك.
ثمَّ إنْ كانَ المُرادُ به اجتماعَ الصُّلْحِ المَذَكُورِ في المتونِ والشُّرُوحِ في مسألةِ التَّخارُجِ
مع البراءةِ العامّةِ لمُعيٍَّ فلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ فيه: لا روايةَ فيه، كيف وقد قال "قاضي خان"(٣):
أَتَّفَقَّتِ الرِّواياتُ على أنَّه لا تُسمَعُ الدَّعوى بعدَهُ إلّا في حادثٍ؟
وإنْ كانَ المُرادُ به الصُّلْحَ والإبراءَ بنحوٍ قولِهِ: فَبَضْتُ تَرِكَةَ مُورِّي ولم يَبْقَ لي فيها حَقٌّ إلّا
استَوفَيْتُهُ فلا يَصِحُ قولُهُ: لا روايةَ فيه أيضاً؛ لِمَا قَدَّمْناهُ(٤) مِن النُّصُوصِ على صِحّةٍ دَعْواهُ
بعدَهُ، واتَّفَقَتِ الرِّواياتُ على صِحّةٍ دَعوى ذي اليدِ المُقِرِّ بأنْ لا مِلْكَ له في هذا العينِ عندَ
عدمِ المُنازِعِ.
والذي يَتَرَاءَى: أنَّ المُرادَ مِن تلك العبارةِ الإِبراءُ لغيرِ مُعيَّنٍ معَ ما فيه، ولو سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ
به المُعيَّنُّ، وَقَطَعْنا النَّظَرَ عن اتِّفَاقِ الرّواياتِ على مَنْعِهِ مِن الدَّعوى بعدَهُ فهو مُباينٌ لِما
في "المحيط" عن "المبسوط"(٥) و"الأصل" و"الجامع الكبير"(٦) ومَشُورِ الفتاوَى المُعتمَدةِ
كـ "الخانيّة" و"الخلاصة"، فيُقدَّمُ ما فيها ولا يُعدَلُ عنها إليه.
(١) في هذه المقولة، وقوله: ((أي: التي قدمناها)) زيادة من ابن عابدين رحمه الله تعالى.
(٢) في "ب" و"": ((المحيط))، والمراد بالخطّ صدر الإسلام، فإنَّه عزا مسألة "البزازية" إلى خطّه.
(٣) "الخانية": كتاب الدعوى والبينات - باب اليمين ٤٢٤/٢ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) ((لما قدمناه)) من كلام "العمادية"، وانظر ما قدمه في هذه المقولة نفسها.
(٥) "المبسوط": كتاب الإقرار - باب إقرار الرجل أنه لا حق له قبل فلان ١٦٤/١٨ - ١٦٥.
(٦) لم نعثر على المسألة في مطبوعة "الجامع الكبير" التي بين أيدينا.
قسم المعاملات
١٣٧
فصلٌ في مسائلَ شَّی
ولا تناقُضَ؛ لحَمْلِ قولِهِ: لم يَبْقَ لي حقٌّ . أي: مِمّا قبضتُهُ. على أنَّ الإبراءَ عن الأعيانِ
باطلٌ، وحينئذٍ فالوَجِهُ عدمُ صِحَّةِ البَراءةِ كما أفادَهُ "ابن الشِّحْنة"(١)، واعتمَدَهُ
"الشُّرُ بُلاليّ"، وسنحقّقُهُ في الصُلحِ.
وأمّا ما في "الأشباه"(٢) و"البحر"(٣) عن "القنية"(٤): افتَرَقَ الزَّوجانِ وَأَبْرَأَ كلٌّ صاحبَهُ عن
جَميعِ الدَّعاوَى وللزَّوجِ أعيانٌ قائمةٌ لا تَبرأُ المرأةُ مِنها وله الدَّعوى؛ لأنَّ الإبراءَ إِنَّا يَنْصَرِفُ إلى
الدُّيُونِ لا الأعيانِ اهـ فمَحمُولٌ على حُصُولِهِ بصيغةٍ خاصّةٍ كقولِهِ: أَبْرَأْتُما عن جَمَيِعِ الدَّعاوَى مِمّا
لي عليها فيَخْتَصُّ بالدُّيُونِ فقط؛ لكونِهِ مُقيَّداً بـ: ما لي عليها، ويُؤَيِّدُهُ التَّعليلُ، ولو بَقِيَ على
ظاهرِهِ فلا يُعدَلُ عن كلامِ "المبسوط" و"المحيط" و"كافي الحاكم" المُصرِّحِ بِعُمُومِ البَراءِ
لكلّ مَن أَبْرَأَ إبراءً عاماً إلى ما في "القنية")) اهـ.
هذا حاصلُ ما ذَكَرَهُ "الشّرنبلاليّ" في رسالتِهِ، وهي قَرِيبٌ مِن كُرَّاسَينِ، وقد أَكثَرَ فيها مِن
الثّقُولِ، فمَن أَرَادَ الزِّيادةً فليَرجِعْ إليها.
وبه عُلِمَ أنَّه ما كان ينبغي لـ "المصنِّفِ" أنْ يَذْكُرَ ما في "البزّزِيَة" متناً، وأمّا ما سيجيءُ آخِرَ
الصُّلْحِ(*) فليس فيه إبراءٌ عامٌّ، فتَدَبَّرْ، وانظُر "شرح الملتقى"(٦) في الصُّلْحِ.
[٢٨٣٧٤] (قولُهُ: عن الأَعيانِ) سيأتي الكلامُ على ذلك في الصُّلْحِ(٧).
[٢٨٣٧٥] (قولُهُ: في الصُّلْحِ) أي: في آخِرِهِ(٨).
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الإقرار ٢٧/٢.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث: الجمع والفرق - قاعدة: فيما إذا اجتمعت الإشارة والعبارة صـ٤٢٣. بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الصلح - باب الصلح في الدين - فصل في صلح الورثة ٢٦١/٧.
(٤) "القنية": كتاب المداينات - باب فيما يقع البراءة من الديون ق ١٦٢/أ بتصرف.
(٥) صـ٢١٠. وما بعدها "در" و"حاشية".
(٦) "الدر المنتقى": كتاب الصلح ٣١٠/٢-٣١١ (هامش "مجمع الأنخر").
(٧) صـ١٦٢. وما بعدها "در" و"حاشية".
(٨) صـ١٦١ - وما بعدها "در".
حاشية ابن عابدين
١٣٨
الجزء الثامن عشر
(أَقَّرَّ) رجلٌ (بمالٍ فِي صَكِّ وأشهَدَ عليهِ) به، (ثُمَّ ادَعَى أَنَّ بعضَ هذا المالِ) المُقَرِّ
به (قَرْضٌ وبعضَهُ رِباً عليه، فإنْ أقامَ على ذلك بيِّنةً تُقبّلُ) وإنْ كان مُتناقِضاً(١)؛ لأنَّا
نعلَمُ أنَّه مُضطَرّ إلى هذا الإقرارِ، "شرح وَهبانيَّة".
قلتُ: وحرَّرَ شارحُها "الشُّرُ نِيُلالِيُّ": ((أَنَّه لا يُفتَى بهذا الفرع؛ لأنَّ لا عُذْرَ لِمَن
أَقَرَّ، غايتُهُ.
[٢٨٣٧٦] (قولُهُ: أَقَرَّ رجلٌ) تَقدَّمَتِ المسألةُ متناً في مُتفرّقاتِ القضاءِ(٢).
[٢٨٣٧٧] (قولُهُ: "شرح وَهبائيّة") وبه أَفْقَى في "الحامدية"(٣) و"الخيريّة "(٤) مِن الدَّعوى.
[٢٨٣٧٨] (قولُهُ: لا عُذْرَ لِمَن أَقَّ) فيه: أنَّ(٥) اضطرارَهُ إلى هذا الإقرارِ عُذْرٌ.
٤٧٠/٤
[٢٨٣٧٩] (قولُهُ: غايتُهُ) حاصلُهُ: أَنَّه لا فائدةَ لدَعْواهُ أنَّ بعضَ المُقَرِّ به رِباً إلّا تَحليفُ
المُقَرِّ له بناءً على قول(٦) "الثّاني": إذا ادَّعَى أَنَّه أَقَرَّ كاذباً يُحلَّفُ المُقَرُّ له، وهذه المسألةُ مِن
أفرادِها، فلذا قالَ في هذه ونحوِها: ولقد أَبعَدَ مَن حَمَلَ قولَ "أبي يوسفَ" على الضَّرُورةِ فقط
كما في هذه المسألةِ كما مَرَّ قُبَيلَ الاستثناءِ (٧).
(قولُهُ: فيه: أنَّ اضطرارَهُ إلى هذا الإقرارِ عُذْرٌ) فيه: أنَّ المُرادَ لا عُذْرَ له مقبولٌ عند القاضي.
(١) في "د": ((تناقضا)).
(٢) ١٦/١٧ "در".
(٣) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الدعوى ٤٠/٢ نقلاً عن "التنوير".
(٤) "الفتاوى الخيرية": كتاب الدعوى ٥٤/٢.
(٥) في هامش "م": ((قوله: (فيه أن إلخ)، فيه: أن المراد بنفي العذر نفي قبوله أي: لا عذر مقبول ولو كان موجوداً،
تأمل)) اهـ.
(٦) ((قول)) ليست في "ب" و"مّ.
(٧) المقولة [٢٨٢٠٨] قوله: ((وبه يُفَى)).
قسم المعاملات
١٣٩
فصلٌ في مسائلَ شَئِّی
أنْ يُقالَ بأَنَّه يُحُلَّفُ المُقَرُّ له على قولِ "أبي يوسف" المُختارِ للفتوى في هذه
ونحوِها)) اهـ. قلتُ: وبه جزَمَ "المصنّف"(١) فیمَن أُقَّ، فتدبّرْ.
(أَقَّ بعدَ الدُّخولِ) - مِن هنا إلى كتابِ الصُّلحِ ثابتٌ فِي نُسَخِ "المتن" ساقطٌ مِن
نُسَخِ "الشَّرَحِ" - (أَنَّه طلّقَها قبلَ الدُّخولِ لزِمَهُ مَهْرٌ) بالدُّخولِ (ونِصِفٌ) بالإقرارِ. (أَقَّ
المشروطُ له الرَّيعُ) أو بعضُهُ (أَنَّه) أي: رَيعَ الوَقفِ (يستحِقُّهُ فلانٌ دونَهُ صحَّ)
[٢٨٣٨٠] (قولُهُ: أنْ يُقالَ إلخ) ولأنَّهِ لا يَتَأَتَّى على قولِ "الإمام"؛ لأنَّ يقولُ بُلُزُومِ المالِ
ولا يَقبَلُ تَفسيرَةُ وَصَلَ أُو فَصَلَ، وعندَهما إِنْ وَصَلَ قُبِلَ وإلّا فلا، ولفظةُ ((ثم)) تُفيدُ الفَصْلَ
فلا يُقبَلُ اتَّفاقاً، "شرنبلاليّ"(٢).
[٢٨٣٨١] (قولُهُ: وبه جَزَمٌ) أي: بقولِ "أبي يوسفَ".
[٢٨٣٨٢] (قولُهُ: فيمَنْ أَقَرَّ) وفي نسخةٍ (٢): ((فيما مَّ))، وعليها فإنَّه مَرَّ قُبَيلَ
الاستثناءِ(٤). ق٤٧٥/ب
[٢٨٣٨٣] (قولُهُ: مِن نُسَخِ "الشّرِحِ") أي: "المنحِ".
[٢٨٣٨٤] (قولُهُ: أنَّه يَسْتَحِقُّهُ) يُعمَلُ بالمُصادَقةِ على الاستحقاقِ وإِنْ خَالَفَتْ كتابَ
الوَقْفِ، لكنْ في حَقِّ المُقِرِّ خاصّةً إِلَخْ ما ◌َرَّ في الوَقْفِ(٥).
(قولُ "الشّارِحِ": بالدُّخولِ) ولم يُحُدَّ؛ لعدمِ تكرّرِ إقرارِهِ أربعاً، وإذا لم يجب الحدُّ لِما ذُكِرَ وجَبَ
المَهْرُ كما ذكَّرَ ذلك "الزَّيلعيُّ " أوَّلَ كتابِ الحدودِ، فانظُرُهُ.
(١) "المنح": کتاب الإقرار - فصلّ: مسائل تتعلق بکتاب الإقرار ٢/ق ١١٠/ب.
(٢) في "ب" و"مّ: (("شرنبلالية"))، ولم نعثر على النقل فيها، على أنَّ أصل المسألة في "الدر" منقول عن الشرنبلالي في
"شرحه على الوهبانية".
(٣) كما في نسخة "و"
(٤) في "الأصل": ((أي: قبيل الاستثناء)) بدل ((وعليها فإنه مر قبيل الاستثناء))، وانظر صـ ٦٢. وما بعدها "در".
(٥) المقولة [٢١٧٩٠] قوله: ((يُعمَلُ بالمُصادَقةِ على الاستحقاقِ إلخ)).
حاشية ابن عابدين
١٤٠
الجزء الثامن عشر
وسقَطَ حقُّهُ
[٢٨٣٨٥] (قولُهُ: وسَقَطَ حَقُّهُ) الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ سُقُوطُهُ ظاهراً، فإذا لم يكنْ
مُطابِقاً للواقعِ لا يَحِلُّ للمُقَرِّ له أَخْذُهُ، ثمَّ إنَّ هذا السُّقُوطَ ما دامَ حيّاً، فإذا ماتَ عادَ على
ما شَرَطَ الواقفُ.
قال "السّائحانيُّ" في "مجموعته": ((وفي "الخَصّافِ"(١): قال المُقَرُّ له بالغَّةِ: عشرَ
سنواتٍ مِن اليوم لزيدٍ، فإنْ مَضَتْ رَجَعَتْ للمُقَرِّ له، فإنْ ماتَ المُقَرُّ له أو المُقِرُّ(٢) قبلَ
مُضيِّها تَرجِعُ الغَّةُ على شرطِ الواقفِ، فكأنَّه صَرَّحَ ببطلانِ المُصادَقةِ بُمُضيِّ المُدّةِ
[٣/ق ١/٣١١] أو موتِ المُقِرِّ.
وفي "الخَصّافِ"(٣) أيضاً: رجلٌ وَقَفَ على زيدٍ وَوَلَدِهِ ثُمَّ للمساكينِ، فَأَقَّ زيدٌ به وبأنَّه على
بكرٍ ثُمَّ ماتَ زيدٌ بَطَلَ إقرارُهُ لبکٍ.
(قولُهُ: وفي "الخَصّاف": قال المُقَرُّ له بالغَّةِ إلخ) عبارتُهُ مِن البابِ الحادي والثّلاثِينَ: ((قلتُ:
وكذلك إنْ كان المُقِرُّ قال: صارَتْ غَّةُ هذا الوَقْفِ لفلانِ بنِ فلانٍ هذا عشرَ سِنِينَ أَّهَا غُرَّةُ شهرٍ كذا
وآخِرُها سَلْخُ شهرٍ كذا مِن سنةٍ كذا دوني بأمرٍ حقِّ عرَفْتُهُ له ولزِمَنِي الإقرارُ به، قال: أُلزِمُهُ ذلك وأَجعَلُ
الغَّةَ للمُقَرِّ له ما دامَ المُقِرُّ حيّاً هذه العشْرَ سِنِينَ، فإنْ ماتَ المُقِرُّ قبلَ ذلك رُدَّتِ الغَلُّ إلى مَن جعَلَها له
الواقفُ بعدَ المُقِرِّ. قلت: فإنْ لم يُتِ المُقِرُّ ولكنِ السّنُونُ العشْرةُ انْقَضَتْ قال: ترجِعُ الغَّةُ إلى المُقَرِّ له
أبداً ما دامَ حيّاً)) اهـ.
ولم يُعلَمْ مِن هذه العبارةِ حُكْمُ ما لو ماتَ المُقَرُّ له قبلَ مُضيِّ العشْرِ سِنِينَ، والظّاهرُ انتقالها إلى
الفُقَراءِ.
(١) نقول: عبارة "الخصاف" بنصها هي ما نقله الرافعي رحمه الله تعالى، انظر "أحكام الأوقاف": باب الرجل الموقوف
عليه يقر بأن الوقف عليه وعلى رجل آخر صـ ١٦٢-١٦٣. بتصرف.
(٢) في "ب" و"مّ: ((والمقر)).
(٣) "أحكام الأوقاف": باب الرجل الموقوف عليه يقرُّ بأن الوقف عليه وعلى رجل آخر صـ١٦٠. بتصرف.
قسم المعاملات
١٤١
فصلٌ في مسائلَ شِّی
ولو كتابُ الوَقفِ بخلافِهِ، (ولو جعَلَهُ لغيرِهِ).
وفي "الحامدية"(١): إذا تَصادَقَ جَمَاعةٌ الوَقْفَ ثُمَّ ماتَ أحدُهم عن وَلَدٍ فهل تَبَطُلُ مُصادَقةٌ
المَيْتِ فِي حَقِّهِ؟ الجوابُ: نَعَمْ. وَيَظهَرُ لي مِن هذا أنَّ مَن مُنِعَ عن استحقاقِهِ بِمُضيِّ المدّةِ الطّويلِةِ
إذا ماتَ فَوَلَدُهُ يأخُذُ ما شَرَطَهُ الواقفُ له؛ لأَنَّ التَّرْكَ لا يَزِيدُ على صريحِ المُصادَقةِ، ولأنَّ الْوَلَدَ
لم يَمَلَّكْهُ مِن أبيِهِ، وإنَّما يَتَمَلَّكُهُ مِن الواقفِ)) اهـ.
[٢٨٣٨٦] (قولُهُ: ولو جَعَلَهُ إلخ) وفي إقرارِ "الإسماعيليّة"(٢): ((فيمَن أَقَرَّتْ بأنَّ فلاناً
يَسْتَحِقُّ رَبْعَ ما يَخُصُّها مِن وَقْفٍ كذا في مُدّةٍ مَعلُومَةٍ بِمُقْتَضَى أَّمَا قَبَضَتْ مِنه مبلغاً مَعلُوماً؟
فأجابَ بأنَّه باطلٌّ؛ لأَنَّ بَيْعُ(٣) الاستحقاقِ المَعدُومِ وقتَ الإقرارِ بالمبلغِ المُعيَِّ، وإطلاقُ
قولهم: لو أَقَرَّ المَشرُوطُ له الرَّبِعُ أنَّه يَستحِقُّهُ فلانٌ دونَهُ يَصِحُ ولو جَعَلَهُ لغيرِهِ لم يَصِحَّ يَقْضِي
بُطلانِهِ، فإنَّ الإقرارَ بعِوَضٍ مُعاوَضٌ)) اهـ مُلتَّصاً.
وفي "الخصّاف" (٤): ((فإنْ كانَ الواقِفُ جَعَلَ أرضَهُ مَوقُّوفةً على زيدٍ ثُمَّ مِن بعدِهِ
على المساكينٍ، فَأَقَرَّ زيدٌ بهذا الإقرارِ - يعني: بقولِهِ: جَعَلَها وَقْفاً عليَّ وعلى هذا الرَّجلِ .
يُشارِكُهُ الرَّجلُ في الغَلّةِ أبداً ما كانَ حيّاً، فإنْ ماتَ زيدٌ كانتْ للمساكينِ ولم يُصدَّقْ زيدٌ
عليهم، وإِنْ ماتَ المُقَرُّ له وزيدٌ في الحياةِ فالنِّصفُ الذي أَقَرَّ به زيدٌ للمساكينِ والنّصفُ لزيدٍ،
فإذا ماتَ زيدٌ(٥) صارَتِ الغَّةُ كلُّها للمساكينِ، وكذا لو أَقَرَّ أَّمَا على هذا الرّجلِ وحدَهُ فالغَّةُ
كلُّها للرَّحِلِ ما دامَ زِيدٌ المُقِرُّ حَيّاً، فإذا ماتَ فللمساكينِ، ولا يُصدَّقُ عليهم، وإنَّما يُصَدَّقُ
على إبطالٍ حَقِّ نفسِهِ ما دامَ حيّاً)) اهـ مُلتَّصاً.
(١) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الوقف - الباب الثاني في أحكام استحقاق أهل الوقف
وأصحاب الوظائف إلخ ١٨٤/١ بتصرف.
(٢) "الفتاوى الإسماعيلية": کتاب الإقرار ق ١٠٥/أ.
(٣) في "ب": ((لا بيع)) بدل ((لأنه بيع))، وهو خطأ.
(٤) "أحكام الأوقاف": باب الرجل الموقوف عليه يقر بأن الوقف عليه وعلى رجل آخر صـ١٦٠-١٦١.
(٥) ((زيد)) ليست في "آ" و"ب" و"م".
حاشية ابن عابدين
١٤٢
الجزء الثامن عشر
أو أسقَطَهُ لا لأحدٍ (لم يصِحَّ، وكذا المشروطُ له النَّظَرُ على هذا) كما مرَّ(١) في
الوَقفِ، وذَكَّرَهُ في "الأشباه"(٢) ثَمَّةَ، وهنا، وفي ((السّاقطُ لا يعودُ))، فراحِعْهُ.
(القِصَصُ المرفوعةُ إلى القاضي لا يؤاخَذُ رافعُها بما كان فيها مِن إقرارٍ
وتناقُضٍ)؛ لِما قدَّمْنا (٣) في القضاءِ أنَّه لا يؤاخَذُ (٤) بما فيها، (إلّا إذا) أَقَرَّ(٥)
بلفظِهِ صريحاً.
(قال: له عليَّ ألفٌ فِي عِلْمي، أو فيما أعلَمُ، أو أحسِبُ، أو أظُنُّ لا شيءَ عليه)
خلافاً لـ "الثّاني" في الأوَّلِ(٦). قلنا: هي للشَّكِّ عُرْفاً، نَعَمْ لو قال: قد عِلِمْتُ لزِمَهُ
اتِّفاقاً.
ويَظْهَرُ مِن هذا أنَّ المُصادَقةً على الاستحقاقِ تَبطُلُ بموتِ المُقِرِّ؛ لِلُومِ الضَّرَرِ على مَن
بعدَهُ، ولا تَبطُلُ بموتِ المُقَرِّ له عَمَلاً بإقرارِ المُقِّرِّ على نفسِهِ.
بَقِيَ ما لو أَقَرَّ جماعةٌ مُستحِقُّونَ كثلاثةِ إخوةٍ مَثَلاً مَوقُوفٍ عليهم سَوِيَّةً، فَتَصادَقُوا
على أنَّ زيداً مِنهم يَستحِقُّ النِّصفَ، فإذا ماتَ زِيدٌ تَبقَى المُصادَقةُ، وإنْ ماتَ المُقِرّنِ تَبطُلُ،
وإنْ ماتَ أحدُهما تَبطُلُ في حِصّتِهِ فقط، والذي يَكثُرُ وُقوعُه في زمانِنا المُصادَقةُ في النَّظَرِ،
(قولُهُ: ولا تَبطُلُ بموتِ المُقَّرِّ له عَمَلاً إلخ) بل تكونُ على حالها، ويُعطَى نصيبُ المُفَّرِّ له للفقراءِ
بموتِهِ، ولو أبطلناها لأعطيناهُ للمُقِرِّ.
(١) ٦٧٤/١٣ وما بعدها "در".
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث: الجمع والفرق . ما يقبل الإسقاط من الحقوق وما لا يقبله وبيان أن الساقط لا يعود
صـ٠٠٣٧٧
(٣) ٣٥٣/١٦ - ٣٥٤ " در".
(٤) في "د": ((يؤخذ)).
(٥) ((أقر)) من المتن في "و".
(٦) في هامش "م": ((قولُ "الشارح": (من الأوَّلِ) [كذا في "م"، وعبارة الشارح: في الأوَّل] أي: الشِّقِّ الأَوَّلِ، وهو قولُهُ:
(في علمي، أو فيما أعلمُ) وهو أحسن في تفسيره بـ (في علمي) فقط؛ إذ لا فَرْقَ بينه وبين: فيما أعلمُ)) اهـ.
قسم المعاملات
١٤٣
فصلٌ في مسائلَ شَنَّی
(قال: غصَبْنا ألفاً) مِن فلانٍ، (ثُمَّ قال: كنّا عشَرَةَ أَنفُسٍ) مثلاً، (واذَّعَى
الغاصبُ) كذا في نُسَخِ "المتن"، وقد علِمتَ سُقوطَ ذلك مِن نُسَخِ "الشَّرح"،
وصوابُهُ: وادَّعَى الطّالبُ، كما عبَّرَ به في "المَجمَع"، وقال شُرّاحُهُ: ((أي:
المغصوبُ مِنهُ)) (أَنَّه هو وحدَهُ) غصَبَها (لزِمَهُ الألفُ كلَّها) وألزَمَهُ "زفُ" بعُشرِها.
قلنا: هذا الضَّميرُ يُستعمَلُ في الواحدِ، والظّاهرُ: أَنَّه يُخِرُ بفِعلِهِ دونَ غيرِهِ، فيكونُ
قولُهُ: كنّا عشَرَةً رُجوعاً، فلا يصِحُّ. نَعَمْ لو قال: غصَبْناهُ كلُّنا صحَّ اتِّفاقاً؛ لأنَّه
لا يُستعمَلُ في الواحدِ.
(قال) رجلٌّ: (أُوصَى أبي بِثُلثِ مالِهِ لزيدٍ بل لعمٍو بل لبكرٍ فالثُّلثُ للأُوَّلِ،
وليس لغيرِهِ شيءٌ)، وقال "زفر": لكلِّ ثُلُهُ(١)، وليس للابنِ شيءٌ. قلنا: نَفاذُ الوصيَّةِ
في الثُّلثِ وقد أقرّ به للأوَّلِ فاستحَقَّهُ، فلم يصِحَّ رُجوعُهُ بعدَ ذلك للثّاني بها بخلافٍ
الدَّينِ؛ لنَفاذِهِ مِن الكلِّ. الكلُّ مِن "المَجمَع".
(فروعٌ)
أَقَرَّ بشيءٍ ثمَّ ادَّعَى الخطأَ لم يُقْبَلْ إلّ إذا أَقَرَّ بالطَّلاقِ
والذي يَقتضِيهِ النَّظَرُ بُطلائُها بموتِ كلٌّ مِنهما، ويَرجِعُ النَّوجيهُ إلى القاضي. هذا ما ظَهَرَ لنا،
فتأمَّلْ.
[٢٨٣٨٧] (قولُهُ: كذا في نُسَخِ "المتن") أي: بعضِها، وفي بعضٍ نُسَخِ "المتن": ((المَغْضُوبُ
مِنه)). ق٤٧٦/أ
[٢٨٣٨٨] (قولُهُ: مِن الكلِّ) وقد تقدَّمَ(٢) قُبِيلَ(٣) إقرارِ المَريضِ.
(١) في "د": ((ثلث)).
(٢) المقولة [٢٨٢٥٠] قوله: ((هذا الألفُ وديعةُ فلانٍ إلخ)) وما بعدها.
(٣) في "ب" و"م": ((قبل)).
حاشية ابن عابدين
١٤٤
الجزء الثامن عشر
بناءً على إفتاءِ المُفتي، ثمَّ تبيَّنَ عدمُ الوقوعِ لم يقَّعْ - يعني (١): ديانةً - "قنية"(٢).
إقرارُ المُكرَهِ باطلٌ إلّا إذا أُقَرَّ السّارقُ مُكرَهاً فأفتَى بعضُهم بصِحَّتِهِ، "ظهيرِيَّةً"(٣).
الإقرار بشيءٍ مُحالٍ.
[٢٨٣٨٩] (قولُهُ: بناءً على إفتاءِ المفتي) وفي "البزّزيّة"(٤): ((ظَنَّ وُقُوعَ الثَّلاثِ بإفتاءٍ مَن ليس
بأهلِ، فَأَمَرَ الكاتبَ بصَكٌّ الطَّلَاقِ فَكَتَبَ، ثمَّ أَفْتَاهُ عالمٌ بعدعِ الوقوع(٥) له أنْ يَعُودَ إليها في الدِّيانِ،
لكنْ القاضي لا يُصدِّقُّهُ؛ لِقِيامِ الصَّكِّ)) "سائحانيّ".
[٢٨٣٩٠] (قولُهُ: بشيءٍ مُحالٍ) كما لو أَقَرَّ له بأَرْشِ يدِهِ التي قَطَعَها خمسِمائةٍ درهٍ ويداهُ
صحيحتانِ لم يَلَمْهُ شيءٌ كما في حِيَّلِ "التّاترخانيّة"، وعلى هذا أَفْتَيتُ ببطلانِ إقرارِ إنسانٍ
بَقَدْرٍ مِن السِّهامِ لوارثٍ وهو أَزْيَدُ مِن الفريضةِ الشَّرعيّةِ؛ لكونِهِ مُحالاً شرعاً، ولا بدَّ مِن كونِهِ
مُحالاً مِن كلِّ وَجْهٍ، وإلّ فلو أَقَرَّ أنَّ لهذا الصَّغِيرِ عليَّ ألفَ درهٍ قَرْضٌ أَقْرَضَنِيهِ، أو مِن ثَمَنِ
/٤٧١ مَبِيعِ بَاعَنِيهِ صَحَّ الإقرارُ كما مَرَّ، "أشباه"(٦) مُلَّصاً.
(قولُ "الشّارِحِ": فأفتَى بعضُهم بصحَّتِهِ) مِن حيثُ ضمانُ المالِ لا الحدُّ كما يظهَرُ.
(قولُهُ: خمسَمائةٍ درهٍ) حقُّهُ: خمسمائةِ دينارٍ.
(قولُهُ: ولا بدَّ مِن كونِهِ مُحالاً مِن كلِّ وَجْهٍ) لا داعيَ لهذا التَّقييدِ فإِنَّ صحّةَ الإقرارِ مُعلَّلةٌ بأنَّ إضافةً
العَقْدِ للصَّغيرِ تَجَازٌ عن إضافتِهِ لوليِّهِ، أو بأنَّه قد ثبَتَ عليه المالُ بقولِهِ: له عليَّ كذا، وما بعدَه رُجوعٌ عن
الإقرارِ فلا يُقبَلُ مِنه.
(١) ((یعني)) ليست في "و".
(٢) "القنية": كتاب الطلاق - باب في الطلاق الذي لا يقصد إيقاعه ونحوه ق ٤٠/ب بتصرف.
(٣) "الظهيرية": كتاب السرقة - الفصل الرابع في ظهور السرقة وقُطّع الطريق ق١٥٧/أ.
(٤) "البزازية": كتاب الطلاق - الفصل الأول في صريح الطلاق - مسائل الإيقاع بلا قصد وإضافة ١٧٨/٤ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٥) في "٢": ((وقوعه له))، وعبارة "البزازية": ((وقوع الطلاق له)).
(٦) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب الإقرار صـ ٣٠٢-٣٠٣ ..
قسم المعاملات
١٤٥
فصلٌ في مسائلَ شَنَّی
وبالدَّينِ بعدَ الإبراءِ مِنه باطلٌ ولو بمَهْرٍ بعدَ هبتِها له على الأشبَهِ. نَعَمْ لو اذَّعَى
دَیناً.
[٢٨٣٩١] (قولُهُ: وبالدَّينِ) قَّدَ به لأَنَّ إقرارَهُ بالعينِ بعدَ الإبراءِ العامِّ صحيحٌّ معَ أنَّه يَبْرُ
مِن الأعيانِ في الإبراءِ العامِّ كما صَرَّعَ به في "الأشباه"(١)، وتَحَقِيقُ الفَرْقِ في رسالةٍ
"الشّرنبلاليّ"(٢) في الإبراءِ العامِّ.
[٢٨٣٩٢] (قولُهُ: بعدَ هبتِها له على الأَشبَهِ) قال في "البزّزيّة"(٣): ((وفي "المحيط ":
وَهَبَتِ المَهْرَ مِنه(٤) ثمَّ قال: اشهَدُوا أَنَّ لها عليَّ مَهْراً(٥) كذا فالمختارُ عندَ "الفقيه" أنَّ إقرارَهُ
جاثٌ، وعليه المَذْكُورُ إذا قَبِلَتْ؛ لأنَّ الزّيادةَ لا تَصِحُّ بلا قَبُولِها، والأَشبَهُ أنْ لا يَصِحَّ ولا تُحْعَلَ
زيادةً بغيرِ [٣/ق٣١١/ب] قَصْدِ الزِّيادةِ))، "فَتَّال"(٦) عن "الحمويّ"(٧).
بَرهَنَ أنَّه أَبْرَأَني عن هذه الدَّعوى، ثمَّ ادَّعَى المُدَّعي ثانياً أنَّه أَقَرَّ لي بالمالِ بعدَ إبرائي،
(قولُهُ: مع أنَّه يَبرُأُ مِن الأعيانِ في الإبراءِ العامِّ إلخ) معنى براءتِهِ مِن الأعيانِ بعدَ الإِبراءِ العامِّ البراءةُ
مِن دَعواها، لا أَما تصيرُ مِلكاً للمُبْرَأْ فيصِحُّ الإقرارُ بها بعدَه، والدَّينُ يسقُطُ بالإبراءِ،
فلا يصحُّ الإقرارُ به بعدَه.
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث: الجمع والفرق - قاعدة فيما إذا اجتمعت الإشارة والعبارة صـ ٤٢٣ ..
(٢) الرسالة الحادية والأربعون "تنقيح الأحكام في حكم الإبراء والإقرار الخاص والعام" ق٢٦٦/ب (ضمن "مجموع رسائل
الشرنبلالي").
(٣) "البزازية": كتاب النكاح - الفصل الثاني عشر في المهر ١٣٣/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) عبارة "البزازية": ((له)) بدل ((منه)).
(٥) في "البزازية": ((كذا مهراً)).
(٦) ((فتال)) ليست في "ب" و"م".
(٧) "غمز عيون البصائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب الإقرار ٦٧/٣.
حاشية ابن عابدين
١٤٦
الجزء الثامن عشر
بسَبَبٍ حادثٍ بعدَ الإبراءِ العامّ وأنَّه أقَرَّ به يلزَمُهُ،
فلو قال المُدَّعَى عليه: أَبْرَأَنِي وَقَبِلْتُ الإبراءَ، وقال(١): صَدَّقْتُهُ فيه لا يَصِحُّ الدَّفْعُ - يعني: دَعوى
الإقرارِ - ولو لم يَقُلُهُ يَصِحُ الدَّفعُ؛ لاحتمالِ الرَّدِّ، والإِبراءُ يَرَّدُّ بالرَِّّ، فَيَبقَى المالُ عليه، بخلافٍ
قَبُولِهِ؛ إذ لا يَتَّدُّ بالرَّدِّ بعدَهُ، "جامع الفصولين"(٢)، لكنْ كلامُنا في الإبراءِ عن الدَّينِ، وهذا في
الإبراء عن الدعوى.
وفي الرّابعِ والعشرينَ مِن "التّاترخانيّة": ((ولو قال: أَبْتُكَ مِمّا لي عليكَ فقال: لك عليَّ
ألفٌ قد صَدَقْتَ فهو بريءٌ استحساناً. لا حَقَّ لي في هذه الدّارِ فقال: كان لك سُدسٌ
فاشتَرَيْتُها مِنكَ، فقال: لم أَبِعْهُ(٣) فله السُّدسُ، ولو قال: خَرَجْتُ عن (٤) كلٌّ حَقٍ لي في هذه
الدّارِ، أو بَرِئتُ مِنه إليك أو أَقْرَرْتُ لك فقالَ الآخَرُ: اشتَرَيْتُها مِنك، فقال: لم أَقْبِضِ الثَّمَنَ
فله الثَّمَنُ)) اهـ
وفيها عن "العّابيّة": ((ولو قال: لا حَقَّ لي قيلَ: بَرِئَّ مِن كلِّ عينٍ (٥) ودَينٍ، وعلى هذا لو
قال: فلانٌ بريءٌ مِمّا لي قِبَلَهُ دَخَلَ المَضمُونُ والأمانةُ، ولو قال: هو بريءٌ مِمّا لي عليه دَخَلَ
المَضْمُونُ دونَ الأمانةِ، ولو قال: هو بريءٌ مِمّا لي عندَهُ فهو بريءٌ مِن كلِّ شيءٍ أُصلُهُ أمانةٌ
(قولُهُ: لاحتمالِ الرَِّّ) فيه تأمّلٌ؛ إذكيف يُعمَلُ بالاحتمالِ ويُرَكُ المُتَيقَّنُ به، وهو الإبراءُ المانعُ
مِن صحّةِ الإقرارِ؟!
(قولُهُ: لكنْ كلامُنا في الإبراءِ عن الدَّينِ، وهذا في الإبراءِ عن الدَّعوى) أي: ولا فَرْقَ بينَهما.
(١) في "الأصل" و"ر": ((أو قال))، وما أثبتناه موافق لما في "جامع الفصولين".
(٢) "جامع الفصولين": الفصل العاشر في التناقض في الدعاوى وفي دعاوى الدفع وما يتصل به وفي آخره التناقض في
النسب ١٠٩/١.
(٣) في "٦": ((لم أقبض)).
(٤) في "الأصل" و"ر" و"٢": ((من)) بدل ((عن)).
(٥) في "م": ((عيب)).
قسم المعاملات
١٤٧
:
فصلٌ في مسائلَ شَنَّی
ذكَرَهُ "المصنّف" في "فتاويه".
قلتُ(١): ومُفادُهُ أَنَّه لو أقَرَّ ببقاءِ الدَّينِ أيضاً فحُكمُهُ
ولا يَرُأُ عن المَضْمُونِ، ولو ادَّعَى الطّالبُ حَقّاً بعدَ ذلك وأَقَامَ بِيِّئَةً فإِنْ كان أَرَّعَ بعدَ البَراءَةِ
تُسمَعُ دَعواهُ وتُقبَلُ بيِّتُهُ، وإنْ لم يُؤْرِّعْ فالقياسُ أنْ تُسمَعَ، ويُحمَلَ(٢) على حَقِّ وَجَبَ بعدَها،
وفي الاستحسانِ لا تُقْبَلُ بِيِّنْتُهُ)).
[٢٨٣٩٣] (قولُهُ: ذَكَرَهُ "المصنِّفُ" في "فتاوِيهِ") ونَصُّهُ(٣): ((سُئِلَ عن رجلَيْنِ صَدَرَ
بينَهما إبراءٌ عامٌّ، ثمَّ إنَّ رجلاً مِنهما بعدَ الإِبراءِ العامّ أَقَرَّ أنَّ في ذِمَّتِهِ مبلغاً مُعيَّناً للآخَرِ فهل
يَلَّمُهُ ذلك أم لا؟ أجابَ: إذا أَقَرَّ بالدَّينِ بعدَ الإبراءِ مِنه لم يَلَمْهُ كما في "الفوائد الزّينيّة" نقلاً
عن "التّاترخانيّة". نَعَمْ إذا ادَّعَى عليه دَيناً بسَبَبٍ حادثٍ بعدَ الإبراءِ العامّ وأنَّه أَقَرَّ به
يَزَمُهُ)) اهـ. وانظُرْ ما في إقرارِ "تعارض البيّنات" ["غانم البغداديّ".
[٢٨٣٩٤] (قولُهُ: قلتُ: ومُفادُهُ) أي: مُفادُ تقييدِ اللُّزُومِ بدعواهُ بسَبَبٍ حادثٍ. وقولُهُ:
((لو أَقَرَّ بِيَقاءِ الدَّينِ)) أي: بأنْ قال: ما أَبْرَأَنِي مِنه باقٍ في ذِمِّتِي، والفَرْقُ بينَ هذا وبينَ قولِهِ
السّابقِ: ((وبالدَّينِ بعدَ الإبراءِ مِنه)) أنَّه قال هناك بعدَ الإبراءِ: لفلانٍ عليَّ كذا، تأمَّل.
[٢٨٣٩٥] (قولُهُ: بَبَقاءِ الدَّينِ) أي: بعدَ الإبراءِ العامِّ.
(قولُهُ: ولا يَبْرَأُ عن المَضمُونِ) أي: مِمّا في الذِّمَّةِ، وما له عندَه يَشمَلُ المغصوبَ أيضاً فيدخُلُ في
البراءةِ، والظّاهرُ أنَّ المرادَ الاحترازُ عمّا في الذِّةِ لا المغصوبِ، وهذا مُفادُ العُرفِ، والذي في "البزّزيّة"
وغيرِها أنَّ لفظَ ((قِبَلَهُ)) يتناوَلُ المضمونَ وغيرَه، ويدخُلُ فيه كلُّ عينٍ ودَينٍ، وعندَه تدخُلُ الأمانةُ
لا المضمونُ.
(قولُ "الشارح": ومُفادُهُ أنَّه لو أقَّ ببقاءِ الدَّينِ أيضاً إلخ) لعلَّ الأَولى حذفُ لفظِ: ((أيضاً)).
(١) من هنا حتى نهاية هذا الفصل ساقط من "ط".
(٢) في "آ" و"ب" و"م": ((وحمل)).
(٣) "فتاوى التمرتاشي": فصل من كتاب الدعوى والإقرار ق٧٧/ب.
حاشية ابن عابدين
١٤٨
الجزء الثامن عشر
كالأوَّلِ، وهي واقعةُ الفتوى، فتأمَّلْ. الفِعلُ في المَرَضِ أحَطُّ مِن فِعلِ الصِّحَّةِ إلّا في
مسألةِ إسنادِ النّاظِرِ النَّظَرَ لغيرِهِ بلا شَرطِ، فإنَّه صحيحٌ في المَرَضِ لا في الصِّحَّةِ، الْنَتَمَّة".
وتمامُّهُ في "الأشباه"(١). وفي "الوَهبانيَّة"(٢):
أُقَرَّ بَمَهْرِ المثلِ فِي ضَعْفِ موتِهِ
فبِيِّئَةُ الإِيهابِ مِن قَبْلُ مُمْدَرُ
[٢٨٣٩٦] (قولُهُ: كالأوَّلِ) أي: الإقرارِ بالدَّينِ بعدَ الإبراءِ مِنه.
[٢٨٣٩٧] (قولُهُ: "تتمّة") اسمُ كتابٍ.
[٢٨٣٩٨] (قولُهُ: أَفَرَّ بمهرٍ المثلِ) قَّدَ به إذْ لو كان الإقرارُ بأَزْيَدَ مِنه لم يَصِحَّ.
[٢٨٣٩٩] (قولُهُ: الإيهابِ) أي: لو أقامَتِ الوَرَثَةُ البَيِّنَةَ، ومِثلُهُ الإبراءُ كما حَقَّقَهُ "ابنُ
الشِّحنة"(٣).
[٢٨٤٠٠] (قولُهُ: مِن قبلُ تُدَرُ) أي: في حالةِ الصِّحّةِ أنَّ المرأةَ وَهَبَتْ مَهْرَها مِن
زوجِها في حياتِهِ لا تُقبَلُ، ولا يُنافي هذا ما قَدَّمَهُ "الشّارح"(٤) ((مِن بُطلانِ الإقرارِ بعدَ الهبةِ))؛
(قولُهُ: إذْ لو كان الإقرارُ بأَزْيَدَ مِنه لم يصِحَّ) هذا التَّقييدُ إِنَّا يظهَرُ فيما إذا لم تُصدِّقِ الوَرَثَةُ أَنَّ
المَهْرَ الذي تزوَّجَها به أكثرُ مِن مَهْرِ المِثلِ، وإذا صدَّقَتْ على ذلك وادَّعَتِ الهبةَ والمرأةُ الإقرارَ به
في المرَضِ يكونُ الحَكْمُ كذلك. ووجهُ الإهدارِ أنَّ الإقرارَ به في المَرَضِ مِنِ الزَّوجِ يُنافي دَعوى ورَثْتِهِ الهبةَ
في الصّحّةِ، وما هنا لا يُافي ما قدَّمَهُ "الشّارعُ"؛ لعدمِ جُحُودِ الإقرارِ والهبةِ فيه، حتّى لو أُقَرَّ بالمالِ ثمَّ
ادَّعَى الهبةَ قبلَهُ لا تُقبَلُ للتَّاقُضِ، كذلك هنا.
(قولُ "الشّارِحِ": فبيّةُ الإبهابِ إلخ) أي: مع القَبولِ حتَّى يتحقَّقَ التَّاقُضُ، وإلّا فَتُقبَلُ البيِّئَةُ ولا يضرُّ
التَّنَاقُضُ للخَفاءِ، تأمَّلْ.
(١) انظر "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب الإقرار صـ٣٠٧. وفيه: "اليتيمة" لا "التتمة".
(٢) "المنظومة الوهبانية": فصل من كتاب الإقرار صـ٦٧-٦٨. بتصرف.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الإقرار ٢٣/٢.
(٤) صـ ١٤٤ - ١٤٥. "در".
قسم المعاملات
١٤٩
فصلٌ في مسائلَ ثَنَّی
وفي القَبضِ مِن ثُلْثِ التُراثِ يُقدَّرُ
وإسنادُ بَيعِ فيه للصِّحَّةِ اقْبَلَنْ
ولو قال: لا تُخِرْ فخُلْفٌ يُسطّرُ
وليس بـ: لا تشهَدْ مُقِرّاً نَعُدُّهُ
ومَن قال: هذا مِلْكُ ذا فهو مُظهِرُ
ومَن قال: مِلْكي ذا لذا كان مُنشئاً
فما يدَّعي مِن بعدُ مِنها فمُنكَرُ.
ومَن قال: لا دعوى ليَ اليومَ عندَ ذا
لاحتمالٍ أنَّه أبانتَهَا ثُمَّ تَزْوَّجَها على المَهْرِ المذكورِ في هذه المسألةِ، كذا قيل. وفيه: أنَّ الاحتمالَ
مَوجودٌ ثَمّةً.
[٢٨٤٠١] (قولُهُ: وإسنادُ) قال في "المنتقى": ((لو أَقَّ في المَرَضِ الذي ماتَ فيه أنَّه باعَ هذا
العبدَ مِن فلانٍ في صِحّتِهِ وقَبَضَ الثَّمَنَ، وادَّعَى ذلك المشتري فإِنَّه يُصدَّقُ في البَيعِ ولا يُصدَّقُ في
قَبْضِ الثَّمَنِ إلّا بِقَدْرِ الثُّلثِ)). هذه مسألةُ النَّظْمِ، إلّا أنَّه أَغْفَلَ فيه قَيْدَ تصديقِ المشتري، "ابن
الشِّجنة"(١)، "مدنيّ". وقَدَّمنا قبلَ نحوِ خمسةٍ أوراقٍ(٢) عن "نور العين" كلاماً فراجِعْهُ.
[٢٨٤٠٢] (قولُهُ: فيه)(٣) أي: في ضَعفِ الموتِ.
[٢٨٤٠٣] (قولُهُ: مِن ثُلثِ التُراثِ) أي: الميراثِ.
[٢٨٤٠٤] (قولُهُ: تَشْهَدْ) بإسكانِ الدّالِ المُهمَلِةِ.
[٢٨٤٠٥] (قولُهُ: نَعُدُّهُ) بفتحِ النّونِ وبالعين(٤) ورفعِ الدّالِ المشدَّدةِ.
[٢٨٤٠٦] (قولُهُ: فَخُلْفٌ) برفعِ الخاءِ وإسكانِ اللّمِ. قال "المقدسيّ": ((ذَكَرَ "محمّدٌ" أنَّ قِولَهُ:
لا تُخبِرْ فلاناً أنَّ له عليَّ ألفاً إِقرارٌ، وزَعَمَ "السَّخسيُّ "(٥) أنَّ فيه روايَتَينٍ))، [٣/ق١/٣١٢] "سائحانيّ".
[٢٨٤٠٧] (قولُهُ: مُنشِئاً) أي: كان هبةً.
[٢٨٤٠٨] (قولُهُ: مُظهِرُ) بضمِّ الميمِ، أي: مُقِرٍّ.
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الإقرار ٢٤/٢، وفيه: ((أهمل)) بدل ((أغفل)) والمعنى واحد.
(٢) المقولة [٢٨٣٠٣] قوله: ((ليس بوارثٍ)).
(٣) هذه المقولة ليست في "الأصل".
(٤) في "ر": ((والعين)).
(٥) "المبسوط": كتاب الإقرار - باب ما يكون به الإقرار ٢١/١٨.
حاشية ابن عابدين
١٥٠
الجزء الثامن عشر
﴿كتابُ الصُّلح﴾
مُناسَبْتُهُ أنَّ إنكارَ المُقِرِّ سَبَبٌ للخُصومةِ المُستدعِيةِ للصُّلحِ.
(هو) لغةً: اسمٌّ مِن المُصالَةِ. وشرعاً: (عَقدٌ يَرفَعُ النِّزَاعَ) ويقطَعُ الخُصومةَ.
(وركنُهُ(١) الإيجابُ) مُطلَقاً (والقَبُولُ) فيما يتعيَّنُ، أمّا فيما لا يتعيَّنُ كالدَّراهمِ فيتِمُّ
بلا قَبُولٍ، "عناية"(٢). وسيجيءُ(٣). (وشَرطُهُ العَقلُ، لا البُلوُ والْحُرِيَّةُ،
﴿كتابُ الصُّلح﴾
[٢٨٤٠٩] (قولُهُ: مُطلَقاً) فيما يتعيَّنُ وفيما لا يتعيَّنُ.
[٢٨٤١٠] (قولُهُ: بلا قَبُولٍ) لأنَّه إسقاطٌ، وسيجي ءُ قريباً(٤).
[٢٨٤١١] (قولُ: وشرطُهُ إِلخ) وشرطُهُ أيضاً: قَبْضُ بَدَلِهِ إِنْ کان ديناً بدینٍ، وإلاّ لا، كما سيأتي في
مسائلَ شتّى آخِرَ الكتابِ(٥)، فراِعْهُ، وَأَوَضَحَهُ في "الدّرر)"(٦) هنا.
﴿کتابُ الصُّلح﴾
(قولُ "الشّارِحِ": فيما يتعيَّنُ) أي: إذا طلَبَ المُدَّعَى عليه الصُّلْحَ وكان البَدَلُ مِن جنسِ المُدَّعَى.
قال في "العناية": ((وركنُهُ: الإيجابُ مطلقاً، والقَبُولُ فيما يتعيَّنُ بالتَّعيينِ، فإذا وقَعَ الدَّعوى في الدَّراهمِ
والدَّنانيرِ وطلَبَ الصُّلْحَ على ذلك الجنسِ فقد ثمَّ الصُّلْحُ بقولِ المُدَّعِي: فعَلتُ، ولا يُحتاجُ فيه إلى قَبُولِ
المُدَّعَى عليه؛ لأنَّه إسقاطٌ لبعضِ الحقِّ، وهو يتمُّ بالمُسقِطِ، بخلافِ الأوَّلِ؛ لأنَّه طَلَبَ البيعَ مِن غيرِهِ، ومَن
طَلَبَ البيعَ مِن غيرهٍ فقال ذلك الغيرُ: بِعْتُ لا يتمُّ البيعُ ما لم يقُلِ الطّالبُ: قَبِلْتُ)).
(١) في "د" و"و": ((ركنه)) من دون الواو.
(٢) "العناية": كتاب الصلح ٣٧٥/٧ بتصرف (هامش "تكملة فتح القدير").
(٣) ص١٥٤- "در".
(٤) ص١٥٥. "در".
(٥) انظر "الدر" عند المقولة [٣٧٠١١] قوله: ((الحاصلةِ مِنْ لفظٍ كلَّما)).
(٦) انظر "الدرر والغرر": كتاب الصلح ٤٠١/٢.
قسم المعاملات
١٥١
کتابُ الصُّلح
-
فصعَ (١) مِن صبيٍّ مأذونٍ إِنْ عِرِيَ) صُلحُهُ (عن ضَرَرٍ بِيٍِّ، و) صحَّ (مِن عبدٍ مأذونٍ
ومُكاتَبٍ) لو فيه نَفْعٌ، (و) شَرطُهُ أيضاً (كُونُ المُصالَ عليه مَعْلُوماً.
[٢٨٤١٢] (قولُهُ: فصَعَّ(١) مِن صبيِّ إلخ) وكذا عنه بأنْ صائحَ أبوهُ عن دارٍ وقد اذَّعاها
مُدَّعٍ وَأَقَامَ البُرهانَ.
[٢٨٤١٣] (قولُهُ: لو فيه نَفْعٌ) لو قال: لو لم يكن فيه ضَرَرّ بيِّنَّ لَكانَ أَولى؛ لِيَشمَلَ ما إذا
لم يكنْ فيه نفعٌ ولا ضَرَرٌ، أو كان فيه ضَرَرٌ غيرُ بيٍِّ، "ط"(٢).
/٤٧٢
[٢٨٤١٤] (قولُهُ: مَعَلُوماً) قال في "جامع الفصولين"(٣) عازياً لـ "المبسوط " (٤): ((الصُّلْحُ
على خمسةٍ أُوهُهٍ:
صُلْحٌّ على دراهمَ أو دنانيرَ أو قُلُوسٍ، فيحتاجُ إلى ذِكْرِ القَدْرِ.
:
الثّاني: على بُرِّ أو كَيْلِيّ أو وَزْنِيٌّ مِّا لا حَمْلَ له ولا مَؤُونَ، فيحتاجُ إلى ذِكْرٍ قَدْرٍ وصِفةٍ؛
إذْ يكونُ جيّداً أو وَسَطاً أو رديئاً، فلا بدَّ مِن بَيَانِهِ.
الثّالثُ: على كَيْلِيٍّ أو وَزْنِيٌّ مِمّا له حَمْلٌ ومَؤُونٌ، فيحتاجُ إلى ذِكْرٍ قَدْرٍ وصِفةٍ ومكانٍ
تَسليمِهِ عندَ "أبي حنيفةً" كما في السَّلَمِ.
الرّابعُ: صُلْحٌ(٥) على ثوبٍ، فيحتاجُ إلى ذِكْرٍ ذَرْعٍ وصِفةٍ وَأَجَلٍ (٦)؛ إذِ الثَّوبُ لا يكونُ
(قولُهُ: فيحتاجُ إلى ذِكْرِ القَدْرِ) ويقَعُ على الجيادِ مِن نقدِ البَلَدِ، وإنْ كان فيها نقودٌ مُخْتلِفٌ يَقَعُ على
الغالبٍ مِنها، وإنْ لم يكن لبعضِها غَلَبَةً لا يجوزُ ما لم يبيِّنْ نقْداً مِنها، "سنديّ".
(١) في "د": ((فيصِحُّ)).
(٢) "ط": كتاب الصلح ٣٥٠/٣.
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الثلاثون في التصرفات الفاسدة وأحكامها وفيما يكون مضموناً بالقبض والحبس
وما لا یکون ٥١/٢ باختصار.
(٤) رُمز في مطبوعتي " جامع الفصولين" للمسألة بـ: ((س)) وهو خطأ، صوابه: (("بس"))، أي: "المبسوط" كما
في مخطوطة "الفصولين - ميكروفيلم - التي بأيدينا، على أننا لم نعثر على المسألة في مظانها من مطبوعة "مبسوط السرخسي"
التي بأيدينا، ولعلّ النقل عن "مبسوط" آخر، والله تعالى أعلم.
(٥) في "الأصل" و"ر" و"آ": ((صالح)).
"ر" و"آ": ((وصفة داخل)).
(٦) في "الأصل" و"ر" .
حاشية ابن عابدين
١٥٢
الجزء الثامن عشر
إنْ كان يُحتاجُ إلى قَبِضِهِ، و) كُونُ (المُصالَ عنه حقّاً يجوزُ الاعتياضُ عنه ولو) كان
(غيرَ مالٍ كالقِصاصِ والتَّعزيرِ معلوماً كان) المُصالحُ عنه (أَو تَجَهُولاً، لا) يصِحُ
(لو)(١) المُصالحُ عنه (مِمّا لا يجوزُ الاعتياضُ عنه) وبيِّنَهُ بقولِهِ:
دَيناً إلّ فِي السَّلَمِ، وهو عُرِفَ مُؤخَّلاً.
الخامسُ: صُلْحٌ على حَيّوانٍ، ولا يجوزُ إلاّ بعَينِهِ؛ إذِ الصَّلْحُ مِن التِّجارةِ، والحيوانُ
لا يصلُحُ دیناً فیھا)) اهـ. ق٤٧٦ /ب
[٢٨٤١٥] (قولُهُ: إلى قَبْضِهِ) بخلافٍ ما لا يُحتاجُ إلى قَبْضِهِ، مثلَ: أَنْ يَدَّعِيَ حَقّاً في دارٍ
رجلٍ وادَّعَى المُدَّعَى عليه حَقّاً في أرضٍ بيدِ المُدَّعي، فاصطَلَحا على تَركِ الدَّعوى جازَ.
[٢٨٤١٦] (قولُهُ: والتَّعزيرِ) أي: إذا كان حَقّاً للعبدِ(٢) كما لا يَخْفَى، "ح"(٣).
[٢٨٤١٧] (قولُهُ: أَو تَجْهُولاً) أي: بشرطِ أنْ يكونَ مِمَا لا يحتاجُ إلى التَّسليمِ كَرِكِ الدَّعوى مَثَلاً،
بخلافٍ ما لو كان عن تَسليمِ المُدَّعَى. وفي "جامع الفصولين"(٤): ((ادَّعَى عليه مالاً مَعلُوماً، فصالَحَهُ
على ألفِ درهم وقَبَضَ بَدَلَ الصُّلْحِ، وذَكَرَ في آخِرِ الصَّكِّ: وَبَرَّأَ المُدَّعي عن جميعِ دَعاواهُ(٥)
(قولُهُ: أي: بشرطِ أنْ يكونَ مِمّا لا يحتاجُ إلى التَّسليمِ إلخ) في "القُّهِستانيِّ" عن "قاضيخان": ((أَنَّ المُصاَحَ
عليه أو عنه إذا كان تجهولاً واحتيجَ فيه إلى التّسليم تُفسِدُهُ الجَهالةُ، وإلاّ فلا، فلو ادَّعَى حقّاً بَجهولاً مِن دارٍ فصالَهُ
على حقِّ بَجهولٍ مِن أرضٍ لم يَجُزْ، ولو صالَحَهُ على أنْ يترَكَ كلٌّ مِنهما دَعواهُ جازَّ، ولو ادَّعَى حقّاً بجهولاً مِن دارٍ
فصلَهُ على مالٍ معلوم وتسلَّمَ المُدَّعَى عليه المُدَّعَى لم يَجُزْ، ولو صالَحَهُ عليه ليَتَرَكَ المُدَّعي دَعواهُ جازَ، ولو ادَّعَى
حقّاً معلوماً فصالَحَهُ على تَجَهولٍ كان على هذا التَّفصيلِ)) اهـ، وقد ذكَرَ نحوَهُ في "التَّكملة" عن "العناية".
(١) ((لو)) من الشرح في "و".
(٢) في هامش "٢": ((قوله: (إذا كان حقَّاً للعبد) أما إذا كان حقّاً لله تعالى كقبلة في أجنبيةٍ فالظاهرُ عدمُ صحةِ الصلحِ
عنه، وحرّره. اهـ "ط")).
(٣) "ح": کتاب الصلح ق٣٢٨/ب.
(٤) "جامع الفصولين": الفصل الأربعون في خلل المحاضر والسجلات ٢٤٩/٢.
(٥) في "آ": ((دعاویه)).
قسم المعاملات
١٥٣
كتابُ الصّلح
(كحقٌّ شُفْعةٍ، وحدِّ قَذْفٍ، وَكَفالةٍ بنَفسٍٍ)، ويبطُلُ به الأوَّلُ والثّالثُ، وكذا الثّاني لو
قَبْلَ الرَّفِعِ.
وخُصُوماتِهِ إبراءً صحيحاً عاماً، فقيل(١): لم يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْ قَدْرَ المالِ المُدَّعَى
فيه(٢)، ولا بدَّ مِن بَيَانِهِ؛ ليُعلَمَ أنَّ هذا الصُّلْحَ وَقَعَ مُعاوَضةً أو إسقاطاً أو وَقَعَ صَرْفاً شُرِطَ (٣) فيه
الَّقَابُضُ في المَجلِسِ(٤) أو لا، وقد ذَكَرَ قَبْضَ بَدَلِ الصُّلْحِ ولم يَعرَّضْ لمجلِسِ الصُّلْحِ،
فمعَ هذا الاحتمالِ لا يُمكِنُ القولُ بصِحّةِ الصُّلْحِ، وأمّا الإبراءُ فقد حَصَلَ على سبيلِ العُمُومِ،
فلا تُسمَعُ دَعوى المُدَّعي بعَدَهُ(٥) للإبراءِ العامّ لا للصُّلْحِ)) اهـ. وتقدَّمَ التَّصريحُ به
في الاستحقاقِ(٦)، وانظُرْ ما كَتَبْناهُ عن "الفتح" أَوَاخِرَ(٧) خِيارِ العَيْبِ(٨).
[٢٨٤١٨] (قولُهُ: كحَقِّ شُفْعةٍ) إذ هو عبارةٌ عن ولايةِ الطَّلَبِ، وتَسليمُ الشُّفْعةِ لا قيمةَ
له، فلا يجوزُ أَخْذُ المالِ في مُقابلتِهِ.
[٢٨٤١٩] (قولُهُ: والثّالثُ) هو إحدى الرَّوايتَينِ(٩)، وبها يُفتَى كما في "الشّرنبلالية"(١٠)
عن "الصُّغْرِى"، أمّا بُطلانُ الأوَّلِ فروايةٌ واحدةٌ كما فيها(١٠) أيضاً عن "الصُّغْرى".
(قولُهُ: لأنَّه لم يَذْكُرْ قَدْرَ المالِ المُدَّعَى فيه إلخ) فيه نظَرّ؛ لأنَّ المالَ معلومٌ حيثُ قال: ((ادَّعَى
مالاً معلوماً))، والظّاهرُ أنَّ لفظَ ((معلوماً)) زائدٌ حتى يتمَّ المرادُ. اهـ "تكملة".
(١) في "جامع الفصولين": ((فقبل)) بدل ((فقيل)).
(٢) في "الأصل" و"ر" و"آ": ((به))، وفي "جامع الفصولين": ((المدَّعى ولا بدَّ)).
(٣) في "آ": ((يشترط)).
(٤) في "الأصل" و"ر" و"آ": ((أو في المجلس))، وما أثبتناه من "ب" و"م" هو الموافق لعبارة "جامع الفصولين".
(٥) في "ب" و"م": ((بعين))، وما أثبتناه من "الأصل" و"ر" و"آ" هو الموافق لعبارة "جامع الفصولين".
(٦) المقولة [٢٤٦٢٦] قوله: ((ولا رُجوعَ إِلخ)) وما بعدها.
(٧) في "الأصل" و"ر": ((في أواخر)).
(٨) المقولة [٢٣١٩٦] قوله: ((بالمَوجودٍ)) وما بعدها.
(٩) في "الأصل": ((روايتين)).
(١٠) "الشرتبلالية": كتاب الصلح ٣٩٥/٢ (هامش "الدرر والغرر").
حاشية ابن عابدين
١٥٤
الجزء الثامن عشر
للحاكمِ، لا حدِّ زِناً وشُربٍ مُطلَقاً. (وطَلَبُ الصُّلحِ كافٍ عن القَبُولِ مِن المدَّعَى عليه
إنْ كان المدَّعَى به مِمّا لا يتعيَّنُ بالَّعيينِ) كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ، وطلَبَ الصُّلحَ على ذلك؛
[٢٨٤٢٠] (قولُهُ: للحاكمِ) ظاهرُهُ: أَنَّ يَبطُلُ بالصُّلْحِ أصلاً، وهو الذي في "الشّرنبلاليّة"
عن "قاضي خان"(١)، فإنَّه قال(٢): ((بَطَلَ الصُّلْحُ وسَقَّطَ الحَدُّ إنْ كان قبلَ أنْ يُرفَعَ إلى القاضي،
وإنْ كان بعدَهُ لا يَبطُلُ الْحَدُّ))، وقد سَبَقَ أَنَّ(٣) إِنَّا سَقَّطَ بالعَفْوِ لعدِ الطََّبِ، حتَّى لو عادَ
وطّلَهُ(٤) حُدَّ، إلّ أنْ يُحمَلَ ما في "الخانيّة" على أنَّه لم يَطْلُبْ بعدُ.
[٢٨٤٢١] (قولُهُ: مُطلَقاً) قبلَ الرَّفْعِ(٥) وبعدَهُ.
[٢٨٤٢٢] (قولُهُ: وطَلَبَ الصُّلْحَ) فاعل ((طَلَبَ)) مستِرٌّ فيه، و((الصُّلْحَ)) مَفعُولُهُ، ولا حاجةَ
إليه؛ لأنَّه تَكرارٌ معَ ما في "المتن".
[٢٨٤٢٣] (قولُهُ: على ذلك) وفي بعضِ النُّسَخِ: ((عن(٦)).
(قولُ "الشّارِحِ": لا حدِّ زِناً وشُربٍ) لم يتعرَّضْ لحدِّ السَّرِقَةِ، ونقَلَ "السِّنديُّ" صحّةَ الصُّلْحِ فيه، ثمَّ
نقَلَ عدمَهُ، ونقَلَهُ "المُحشِّ" فيما بعدُ.
(قولُ "المصنِّفِ": مِمَا لا يتعيَّنُ بالَّعيينِ) فيه: أنَّ الكَيْلِيَّ أو الوزنيَّ مِما يتعيَّنُ به مع أنَّ حكمَهما
کالدَّراهم.
(قولُ "الشّارِحِ": وطلَبَ الصُّلحَ على ذلك) أي: الجنسِ الذي وقَّعَ عنه الصُّلحُ، فيكونُ زيادةُ قولِهِ:
((وطلَبَ إِلَخْ)) بياناً لزيادةِ قيدٍ في كلامِ "المصنِّفِ"، فلا تَكرارَ، ففي هذه الزِّيادةِ تقييدٌ لإطلاقِ "المتن"
بما إذا كان البَدَلُ مِن جنسِ المُدَّعَى به الذي لا يتعيَّنُّ بالتَّعيينِ، لكن يُقيّدُ أيضاً بما إذا كان أقلَّ، وإذا كان
أكثرَ فسَدَ، ومُساوِياً صار مُستوفِياً لحقِّهِ بتمامِهِ.
(١) "الخانية": كتاب الصلح . باب صلح الأعمال والأمانات والجنايات والحدود والمضمونات والحقوق ٩٨/٣ بتصرف
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الصلح ٣٩٦/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) في "الأصل": ((سبق منه أنَّه))، بزيادة ((منه)).
(٤) في "ب" و"م": ((عاد وطلب))، وفي "٢": ((ادعاه وطلبه)).
(٥) في "ب": ((الرد)).
(٦) في "ب" و"م": ((هذه)) بدل ((عن)).