Indexed OCR Text

Pages 401-420

الجزء السادس عشر
٣٩٩
فصل في الحبْس
(وبَِّةُ يَسارِهِ أَحَقُّ) مِن بيِّنَةِ إعسارِهِ بالقَبُولِ؛
الصَّحِيحُ أَنَّها تُقبَلُ، وقال "قاضي خان"(١): ينبغي أنْ يكونَ مُفوَّضاً إلى رأيِ القاضي: إِنْ عَلِمَ
يَسارَهُ لا يقبلُها، وإِنْ عَلِمَ إعسارَهُ قَبِلَها اهـ. وبَقِيَ ما إذا لم يعلَمْ مِن حالِهِ شيئاً، والظّاهرُ: أنّه
لا يقبلُها)) اهـ ما في "النّهر". وفيه: أنَّ ما مرَّ عن "شيخ الإسلام" هو ما قدَّمناهُ(٢) عنه في سؤالِهِ
عن حالِ المحبوسِ بعدَ تمامِ المدَّةِ، وأَنَّه لا يَجِبُ، بل له أنْ يعمَلَ بما يَراهُ، ولا يخفَى أنَّ كلامَنا هنا
فيما قبلَ الحَسِ، وما نقَلَهُ عن "قاضي خان" غيرُ ما قدَّمناهُ عنه آنفاً(٣)، ولا يخفَى ما فيه، فإنَّه إذا
عَلِمَ إِعسارَهُ وكان ظاهراً يسألُ عنه عاجلاً، ويقبَلُ بَيِّتَهُ، ويُخلِّي سبيلَهُ كما قدَّمَهُ "الشّارِحُ (٤)،
والكلامُ هنا فيما إذا كان أَمْرُهُ مُشكِلاً كما في "البزّزيَّة"(٥)، حيثُ قال: ((وإنْ كان أَمْرُهُ
مُشكِلاً هل يَقبَلُ البَِّةَ قبلَ الَحَبسِ؟ فيه روايتانٍ)).
مطلبٌ: بَيِّنَةُ اليَسَارِ أَحَقُّ مِن بيّةِ الإعسارِ عندَ التَّعارضِ
[٢٦٢٢١] (قولُهُ: وبَِّةُ يَسارِهِ أَحَقُّ إلخ) هذا ظاهرٌ فيما يكونُ فيه القولُ للمديون أنّه
فقيرٌ؛ لأنَّ البِّنَةَ لإثباتِ خلافِ الظّهرِ، وذلك في بيِّنَةِ اليَسارِ، أمّا القِسمُ الأوَّلُ - وهو ما يكونُ
القولُ فيه للمُدَّعِي بأنْ كان الدَّينُ مُلَتَزَمَاً بِمُقابلةِ مالٍ أو بعَقْدٍ - فلا يَظهَرُ؛ لأنَّ الأصلَ فيه
اليسارُ، بل الظّاهرُ تقدُّمُ بِّنةِ الإعسارِ؛ لإثباتِها خلافَ الظّهرِ، ولم أرَ مَن فَصَّلَ، بل كلامُهم
هنا مُحمَلٌ، فليُتْأمَّلْ.
(قولُهُ: أمّا القِسمُ الأوَّلُ - وهو ما يكونُ القولُ فيه للمُدَّعِي، إلى قولِهِ: فلا يَظهَرُ) الأسلمُ إبقاءُ
كلامِ "المصنّف" على عُمُومِهِ وإنْ لم يَظهَرْ وجهُهُ.
(١) "الخانية": كتاب الدعوى والبينات - باب الدعوى ٣٧٣/٢ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) المقولة [٢٦١٩٣] قوله: ((احتياطاً لا وُجُوباً)) والمقولة [٢٦١٩٩] قوله: ((قلتُ: لكنّها إلخ)).
(٣) في هذه المقولة.
(٤) صـ ٣٨٦ - "در".
(٥) "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل العاشر في الحبس - نوعٌ في المعاملة معه ٢٢٥/٥ - ٢٢٦ (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
٤٠٠
قسم المعاملات
لأَنَّ الْيَسارَ عارِضٌ، والبِّنَاتُ للإثباتِ، نَعَمْ، لو بَّنَ سببَ إعسارِهِ وشَهِدُوا به ...
[٢٦٢٢٢] (قولُهُ: لأنَّ اليَسارَ عارِضٌ) فإنَّ الآدميَّ يُولَدُ ولا مالَ له كما مَرَّ(١)، لكنْ إذا
تحقَّقَ دخولُ المبيعِ في يدِهِ صار اليسارُ هو الأصلَ، فينبغي ترجيحُ بَيِّنَةِ الإعسارِ كما قلنا، تأمَّل.
(٢٦٢٢٣) (قولُهُ: نَعَمْ، لو بَّنَ إلخ) عبارةُ "الفتح"(٢) هكذا: ((وكُلَّما تعارَضَتْ بَيِّنَةُ
اليسارِ والإعسارِ [٣/ ق٢/٢١٠) قُدِّمَتْ بَيَّةُ اليَسارَ؛ لأنَّ معها زيادةَ عِلْمٍ، اللَّهمَّ إلّ أنْ يُدَّعَى أَنَّه
مُوسِرٌ وهو يقولُ: أَعسَرْتُ مِن بعدِ ذلك، وأقامَ بذلك بَِّةً، فإِنَّها(٣) تُقَدَّمُ؛ لأنَّ معها عِلْماً بأمرٍ
حادثٍ، وهو حدوثُ ذهابِ المالِ)) اهـ. قال في "البحر"(٤): ((والظّاهرُ أَنَّه بحثٌ مِنه، وليس
٣٢١/٤ بصحيحٍ؛ لجوازِ حُدُوثِ اليَسارِ بعدَ إعسارِهِ الذي ادَّعاهُ)) اهـ. ورَدَّهُ "المقدسيُّ" بقولِهِ: ((وهذا
تَحَرِّ مِن غيرٍ تَخَرِّ ◌ٌ)) اهـ.
قلتُ: ووجهُهُ أوَّلاً: مَنْعُ كونِهِ بحثاً، بل ظاهرُ كلام "الفتح" أنّه منقولٌ، كيف وهو موافقٌ
لِما قدَّمناهُ(٥) عن "أنتفع الوسائل" عن "النّهاية" عندَ قولِ "الشّارح": ((إلّ إذا تَنَازَعا))؟! وثانياً:
ما قاله في "النَّهر "(٦): ((مِن أَنَّه ينبغي أنْ يكونَ معناهُ: أَنَّهَ بَّنَ سببَ الإعسارِ وشَهِدُوا به، وما في
"البحر" مدفوعٌ بأنَّهم لم يَشْهَدُوا بيسارٍ حادثٍ بل بما هو سابقٌ على الإعسارِ الحادثِ، وبَِّةُ
الإِعسارِ تُحْدِثُ أمراً عارِضاً)) اهـ
لكنْ يظهرُ لي أنَّ بيانَ سببِ الإعسارِ غيرُ لازمٍ، بل يكفي قولُهم: إنَّه أعسَرَ بعدَ
ذلك، تأمَّلْ.
(١) المقولة [٢٦١٨١] قوله: ((إذِ الأصلُ العُسْرةُ)).
(٢) "الفتح": كتاب أدب القاضي - فصل في الحبس ٣٧٧/٦.
(٣) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((فإنه))، وما أثبتناه من "م" هو الموافق لعبارة "الفتح"، وأشار إليه مصحِّح "ب".
(٤) "البحر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٣١٤/٦.
•• قوله: ((وهذا تجرِّ من غير تحرِّ)) الأول بالجيم من الجرأة، وهي الإقدام على الشيء بلا ترو، والثاني بالحاء المهملة،
وهو طلب الأمر الأحرى، أي: الأوفق. اهـ منه.
(٥) المقولة [٢٦١٩٨] قوله: ((إلاّ إذا تَنَازَعا إلخ)).
(٦) "النهر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ق ٤٣٢ /ب باختصار.

الجزء السادس عشر
٤٠١
فصل في الحبْس
فُتُقدَّمُ لإثباتِها أَمْراً عارِضاً، "فتح"(١) بحثاً، واعتَمَدَهُ في "النَّهر "(٢). وفي "القنية"(٣): ((إِنْ
لم يُبِّنُوا مقدارَ ما يَملِكُ قُبَلَتْ، وإلّ لم يُمكِنْ قَبُولُها؛ لأَنَّها قامَتْ للمحبوسِ وهو
مُنكِرٌ، والبِّنَةُ متى قامَتْ للمُنكِرِ لا تُقبَلُ)). (وَأَبَّدَ حَبْسَ المُوسِرِ)؛ لأَنَّه جزاءُ الظُّلْمِ.
(تنبية)
قال "البيري"(٤): ((وفي "أوضح رمزٍ"(٥) ناقلاً عن "المستصفى"(٦): واعلمْ أنَّ بَيِّنةَ الإعسارِ
إِنَّمَا تُقبَلُ إذا قالوا: إنَّه كثيرُ العِيالِ وضَّيِّقُ الحالِ، أمّا إذا قالوا: لا مالَ له لا تُقَبَلُ)) اهـ.
[٢٦٢٢٤] (قولُهُ: فُتُقدَّمُ) الأَولى حذفُ الفاءِ، "ط"(٧).
[٢٦٢٢٥] (قولُهُ: قُبِلَتْ) لأنَّ المقصود مِنها دَوامُ الحَبْسِ عليه، "بحر "(٨) عن "البزّازِيَّةِ" (٩).
[٢٦٢٢٦) (قولُهُ: وإلّ إلخ) أي: بأنْ بَيُِّوا مقدارَ ما يَملِكُ لم يُمكِّنْ (١٠) قَبُولُها.
[٢٦٢٢٧] (قولُهُ: لأَنَّها قامَتْ للمحبوسِ إلخ) أي: على إثباتِ مِلْكِهِ لقَدْرٍ مُعَيَّنٍ. قال في
"القنية"(١١): ((وقولُهم - أي: الشُّهودِ -: إنَّه مُوسِرٌ ليس كذلك، فيُقبَلُ)) اهـ.
قلتُ: وحاصلُهُ: أنَّ الشُّهودَ لو قالوا: إنَّه يَملِكُ الشَّيءَ الفلانيَّ مثلاً لا تُقبَلُ؛ لأَنَّه يقولُ:
لا أَملِكُ شيئاً وهم يَشْهَدُون له بأنَّ ذلك الشَّيءَ مِلْكُهُ، والبيّنةُ لا تُقبَلُ للمُنكِرِ بل تُقبَلُ عليه، وهذه
شهادةٌ له صريحاً، وتتضمَّنُ الشَّهادةَ عليه بيسارِهِ وإدامةِ حَبْسِهِ، وإذا بطَلَ الصَّرِيحُ بِطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ،
(١) "الفتح": كتاب أدب القاضي - فصل في الحبس ٣٧٧/٦.
(٢) "النهر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ق ٤٣٢/ب.
(٣) "القنية": كتاب أدب القاضي - باب الحبس والإفلاس إلخ ق١٣٣/أ بتصرف، نقلاً عن بكر خواهر زاده عن أبي بكر حامد.
(٤) "عمدة ذوي البصائر": كتاب القضاء والشهادات والدعاوى ق ١٥٠/أ.
(٥) "أوضح رمز على نظم الكنز": للمقدسي (ت١٠٠٤هـ)، وتقدمت ترجمته ١٠٨/٢.
(٦) "المستصفى" لأبي البركات النسفي (ت ٧١٠هـ)، وتقدمت ترجمته ١٩٦/١.
(٧) "ط": كتاب القضاء - فصل في الحبس ١٩٠/٣.
(٨) "البحر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٣١٤/٦.
(٩) "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل العاشر في الحبس - نوعٌ في المعاملة معه ٢٢٦/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(١٠) في "الأصل": ((لم يملك))، وعبارة "القنية": ((لم يكن)).
(١١) "القنية": كتاب أدب القاضي - باب الحبس والإفلاس إلخ ق١٣٣/أ، نقلاً عن بكر خواهر زاده عن أبي بكر حامد.

حاشية ابن عابدين
٤٠٢
قسم المعاملات
قلتُ: وسيجيءُ(١) في الحَجْرِ: أَنَّه يُباعُ مالُهُ لدَيْنِهِ عندَهما، وبه يُفتَى، وحينئذٍ فلا
يَتَأَبَّدُ حَبْسُهُ، فَتَبَّهْ. (ولا يُحَبَسُ لِمَا مَضَى مِن نفقةِ زوجتِهِ وولدِهِ) إذا ادَّعَى الفَقْرَ وإِنْ
قُضِيَ بها؛ لأَنّها ليستْ بدلَ مالٍ ولا لَزِمَتْهُ بِعَقْدٍ على ما مَرَّ(٢)، ...
بخلافِ قولهم: إنَّه مُوسِرٌ، فإِنَّها شهادةٌ عليه صريحاً، وإنْ كان قولُهم: إِنَّه مُوسِرٌ يتضمَّنُ
الشَّهادةَ بأَنَّه يَملِكُ قَدْرَ الدَّيْنِ أو أكثرَ فإِنَّها ليستْ بشهادةٍ له؛ إذ ليس فيها إثباتُ شيءٍ
مُعَّنٍ أو مقدارٍ قَدْرِ الدَّيْنِ؛ لأنَّ اليسارَ أَعُمُّ، وأيضاً فإنَّهَا ضِمْنيّةٌ لا صريحةٌ، بل الصَّرِيحُ مِنها
قَصْدُ إدامةِ حَبْسِهِ، فافهم.
[٢٦٢٢٨] (قولُهُ: وسيجيءُ في الحَجْرِ) قدَّمنا(٣) عبارتَهُ فيه.
[٢٦٢٢٩] (قولُهُ: وحينئذٍ فلا يَتَأَبَّدُ حَبْسُهُ) أي: على قولِهما، وكذا على قولِهِ إنْ كان
مالُهُ غيرَ عقارٍ ولا عَرْضٍ، بل كان مِن الأثمانِ ولو خلافَ جِنْسِ الدَّيْنِ كما قدَّمناهُ(٣).
[٢٦٢٣٠) (قولُهُ: ولا يُحبَسُ لِمَا مَضَى إلخ) اعلمْ أنَّ نفقةَ الزَّوجةِ لا تصيرُ دَيْناً على الزَّوجِ إلّ
بالقضاءِ أو الرِّضا، فإذا مَضَتْ مدَّةٌ قبلَ القضاءِ أو الرِّضا سَقَطَتْ عنه، والمرادُ بالمدَّةِ(٤) شهرٌ فأكثرُ،
وكذا نفقةُ الولدِ الصَّغيرِ الفقيرِ، وأمّا نفقةُ سائرِ الأقاربِ فإنّها تسقطُ بالمُضيِّ ولو بعدَ القضاءِ أو
الرِّضا، إلاّ إذا كانَتْ مُستدانةً بأَمْرِ قاضٍ فلا تسقُطُ بالمُضيِّ، هذا حاصلُ ما قَدَّمَهُ "الشّارح" (٥) في
الَّفَقات، لكنَّ ما ذكرَهُ مِن كونِ الصَّغيرِ كالزَّوجةِ نقَلَهُ هناك عن "الزَّيلعيّ"، وقدَّمنا هناك(٦): أَنَّه
مُخالِفٌ لإطلاقِ المتونِ والشُّروحِ ولِما صرَّحَ به في "الهداية" والذَّخيرة" و"شرح أدب القضاء"
و"الخانيَّة": ((مِن أنَّ نفقةَ الولدِ والوالدينِ والأرحامِ إذا قُضِيَ بها ومَضَتْ مُدَّةٌ سقَطَتْ)).
[٢٦٢٣١) (قولُهُ: وإنْ قُضِيَ بها) أفادَ أَنَّه إذا لم يُقْضَ بها لا يُحَبَسُ بها بالأولى؛ لأَنَّها لم تَصِرْ
(١) انظر "الدر" عند المقولة [٣٠٨٦٦] قوله: ((ليبيعَ مالَه)).
(٢) صـ ٣٨٠ - وما بعدها "در".
(٣) المقولة [٢٦٢١١] قوله: ((وسيجيءُ تمامُهُ في الحجْرِ)).
(٤) في "الأصل": ((بالمرأة))، وهو تحريف.
(٥) ٥٤٤/١٠ وما بعدها "در"، و٦٦٣/١٠ وما بعدها "در".
(٦) المقولة [١٦٣٦٢] قوله: ((زَادَ الزَّيلعِيُّ: والصَّغيرِ)).
1

الجزء السادس عشر
٤٠٣
فصل في الحبْس
حتّى لو بَرْهَنَتْ على يَسارِهِ حُبِسَ بِطَلَبها، (بل يُحَبَسُ إذا) بَرْهَنَتْ على يَسارِهِ
بِطَلَبها كما لو (أَبَى أنْ يُنفِقَ عليهما)
دَيْناً أصلاً، وأمّا إذا قُضِيَ بها - ومثلُهُ الرِّضا - فلأَنَّها ليستْ بدلَ مالٍ ولا مُلتَزَمةً بَعَقْدٍ على
ما مَرَّ(١)، أي: في قولِهِ: ((لا يُحبَسُ في غيرِهِ إن ادَّعَى الفَقْرَ)) كما مَرَّ(٢) تقريرُهُ.
[٢٦٢٣٢] (قولُهُ: حَتّى لو بَرْهَنَتْ إلخ) المناسبُ حذفُهُ والاقتصارُ على ما بعدَهُ لئلاّ يتكرَّرَ.
(٢٦٢٣٣) (قولُهُ: حُبُسَ بِطَلَبِها) أي: بطَلَبِها حَيْسَهُ إنْ كانت النَّفْقَةُ مُقَضِيّاً بها أو مُتْراضًّى عليها.
[٢٦٢٣٤) (قولُهُ: كما لو أَبَى أنْ يُنفِقَ عليهما) أي: كما يُحبَسُ الْمُوسِرُ لو امتْنَعَ مِن
[٣/ق٢١٠/ب] الإنفاق على زوجتِهِ وولدِهِ الفقيرِ الصَّغِيرِ كما في "السِّراج"، وفَهِمَ في "البحر"(٣):
((أَّ قَيْدٌ احترازيٌّ عن البالغِ الزَّمِنِ الفقيرِ))، وقال(٣): ((وفيه تأمُّلٌ لا يخفى)). قال في "المنح"(٤):
((وليس كذلك، فإنّه في معنى الصَّغِيرِ كما لا يخفى، فُيُحَبَسُ(٥) أبوه إذا امتَنَعَ مِن الإنفاقِ عليه
كما هو الظاهر) اهـ.
وفي "الفتح"(٦): ((ويتحقَّقُ الامتناعُ بأنْ تُقَدِّمَهُ في اليوم الّانِي مِن يومٍ فَرْضِ النَّفْقَةِ - وإنْ كان
مقدارُ النّقةِ قليلاً كالدّائِقِ - إذا رأى القاضي ذلك، فأمّا بمجرَّدٍ فَرْضِها لو طَلَبَتْ حَبْسَهُ لم يَحِبِسْهُ؟
لأنَّ الْعُقُوبَةَ تُسَتَحَقُّ بالظُّلْمِ، وهو بالمنْعِ بعدَ الوُجُوبِ ولم يَتَحقَّقْ، وهذا يقتضي أنَّه إذا لم يَفرِضْ
لها ولم يُنفِقِ الزَّوجُ عليها في يومٍ ينبغي إذا قَدَّمَتْهُ في اليومِ الَّانِي أنْ يأمُرَهُ بالإنفاقِ، فَإِنْ رجَعَ فلم
يُنْفِقْ أوْ جَعَهُ عُقُوبةً، وإنْ كانتِ النَّفْقَةُ سَقَطَتْ بعدَ الوُجُوبِ فهو ظالِمٌ لها، وهو قياسُ ما أسلَفناهُ
في بابِ القَسْمِ مِن قولهم: إذا لم يَقْسِمْ لها فرافَعَنْهُ يأمُرُهُ بالقَسْمِ وعدمِ الجَوْرِ، فإنْ ذهَبَ ولم يَقْسِمْ
فرافَعَتْهُ أو جَعَهُ عُقُوبةً وإنْ كان ما ذهَبَ لها مِن الحقِّ لا يُقضَى ويحصُلُ به ضَرَرٌ كبيرٌ)) اهـ.
(١) صـ ٣٨٠ - وما بعدها "در".
(٢) المقولة [٢٦١٦٣] قوله: ((لا يُحَبَسُ في غيرِهِ)).
(٣) "البحر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٣١٦/٦.
(٤) "المنح": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٢/ق ٥٧/أ.
(٥) عبارة "المنح": ((فيجبر)) بدل ((فيحبس)).
(٦) "الفتح": كتاب أدب القاضي - فصل في الحبس ٣٨١/٦.

حاشية ابن عابدين
٤٠٤
قسم المعاملات
أو على أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، فَيُحَبَسُ إحياءً لهم، "بحر"(١).
قلتُ: وهل يُحبَسُ لِمَحْرَمِهِ لو أَبَى؟ لم أَرَهُ، وظاهرُ تقييدِهم لا، لكنْ ما مَرَّ
عن "الأشباه": ((لا يُضرَبُ المحبوسُ إلاّ في ثلاثٍ)) يُفيدُهُ، فتأمَّلْ عندَ الفَتْوى، ....
[٢٦٢٣٥] (قولُهُ: وفُرُوعِهِ) أي: وبقيَّةِ فُرُوعِهِ كالإناثِ والولدِ البالغِ الزَّمِنِ، وهذا بناءٌ
على ما مَرَّ (٢) مِن أَنَّ الصَّغيرَ غيرُ قَيْدٍ.
[٢٦٢٣٦) (قولُهُ: وهل يُحبَسُ لِمَحْرَمِهِ لو أَبِى؟ لِم ◌َرَهُ) أصلُ النَّقُّفِ لـ "صاحبِ الشُّرُ بِلالَيَّةً"(٣).
قلتُ: إذا حُبِسَ الأبُ فغيرُهُ بالأولى، مع أنّا قدَّمنا (٤) في آخرِ النَّفقاتِ التِّصريحَ بذلك عن
"البدائعِ"، فإِنَّه قال: ((ويُحبَسُ في نفقةِ الأَقارِبِ كالزَّوجاتٍ، أمّا غيرُ الأَبِ فلا شَكَّ فيه، وأمّا
الأبُ فلأنَّ فِي النَّفْقَةِ ضرورةَ دَفْعِ الهلاكِ عن الولدِ، ولأَنَّها تَسقُطُ بُضِيِّ الزَّمانِ، فلو لم يُحبَسْ
سقَطَ حَقُّ الولدِ رأساً، فكان في حَبْسِهِ دَفْعُ الهلاكِ واستدراكُ الحَقِّ عن الفَواتِ؛ لأنَّ حَبْسَهُ
يَحمِلُهُ على الأداءِ)) اهـ. وقدَّمنا هناك(٤): أنَّ هذا خلافُ ما عَزَاهُ "الشّارعُ" إلى "البدائع".
[٢٦٢٣٧) (قولُهُ: وظاهرٌ تقييدِهم) أي: بالولدِ، فإنَّ عبارةَ "الكنز "(٥) وغيرِهِ: ((ويُحبَسُ
الرَّجُلُ بنفقةِ زوجتِهِ لا في دَيْنِ ولدِهِ، إلاّ إذا امتَنَعَ مِن الإنفاقِ عليه))، ولا يخفى أنَّها لا تُفيدُ
عدمَ الحَبْسِ في نفقةِ غيرِ الولدِ.
٣٢٢/٤
[٢٦٢٣٨] (قولُهُ: لكنْ ما مَرَّ) أي: في أوَّلِ الباب(٦).
[٢٦٢٣٩] (قولُهُ: يُفيدُهُ) أي: يُفيدُ حَبْسَهُ بالامتناعِ عن نفقةِ القريبِ المَحْرَمِ، حيث عَبَّرَ بالمحبوس.
[٢٦٢٤٠] (قولُهُ: فتأمَّلْ عندَ الفَتْوى) أي: حيث حصَلَ الاضطرابُ فِي فَهْمِ هذا الحُكْمِ
مِن كلامِهِم فلا تَعجَلْ في الفَتْوى.
(١) "البحر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٣١٤/٦ وما بعدها.
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب القضاء ٤٠٨/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) المقولة [١٦٣٧٤] قوله: ((وفي "البدائع" إلخ)).
(٥) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب القضاء - فصل: وإذا ثبت الحق للمدعي أمره إلخ ٨٧/٢.
(٦) صـ ٣٦٥ - ٣٦٦ - "در".

الجزء السادس عشر
٤٠٥
فصل في الحبْس
وسيجيءُ (١) حَبْسُ الوليِّ بدَيْنِ الصَّغير. (لا) يُحَبَسُ (أصلٌّ) وإنْ علا (في دَيْنِ
فَرْعِهِ) بل يَقضِي القاضي دَيْنَهُ.
قلتُ: وبما نَقلناهُ(٢) عن "البدائع" زالَ الاضطرابُ واتَّضَحَ الجوابُ، فافهم.
[٢٦٢٤١] (قولُهُ: وسيجيءُ) أي: في آخرِ البابِ، ويأتي(٣) الكلامُ عليه.
[٢٦٢٤٢) (قولُهُ: لا يُحبَسُ أصلّ(٤) إلخ) أي: ولو جَدَّ الأُمّ(٥)؛ لأَنَّه لا قِصاصَ عليه بقْلِ
ولدِ بنِهِ، فكذا لا يُحَسُ بدَيْنِهِ. وقَّدَ بالأصلِ لأنَّ الولدَ يُحَبَسُ بدَيْنِ أصلِهِ، وكذا القريبُ
بدَّيْنِ قريِهِ كما في "الخانَيَّةُ"(٦)، "بحر "(٧). وسيذكرُ "الشّارحُ" آخرَ البابِ(٨) نَظْماً جماعةً مِمَّن
لا يُحَبَسُ، وسيأتي(٩) عِدَّتُهم عشرةً.
(٢٦٢٤٣) (قولُهُ: بل يَقضِي القاضي إلخ) أفادَ أَنَّه لا فَرْقَ في عدمِ الحَبْسِ بينَ المُوسِرِ والْعسِرِ،
لكنْ يبيعُ القاضي مالَ الأبِ لقضاءِ دَيْنِ ابنِهِ إذا امتَعَ؛ لأَنَّه لا طريقَ له إلّ البيعُ، وإلّ ضاعَ، أفادَهُ
في "البحر"(١٠). وذكَرَ في "جواهر الفتاوى": ((لا يُحبَسُ الأبُ إلّ إذا تَمَرَّدَ على الحاكمِ)) اهـ.
لكنْ ما ذَكَرَ: ((مِن أَنَّ القاضيَ يَقْضِي دَيْنَهُ)) يُغني عن حَبْسِهِ، ذكرَهُ "الرَّمليُّ" عن "المصنّف" (١١).
(قولُهُ: لكنْ ما ذَكَرَ: ((مِن أنَّ القاضيَ يَقْضِي دَيْنَهُ)) يُغني عن حَبْسِهِ) قد يقالُ: إنَّه مع النَّمرُّدِ
لا يَتَيسَّرُ للقاضي أداءُ الدَّيْنِ، فاحتاجَ حينئذٍ للحَبْسِ، أو هو للَّمرُّدِ.
(١) ص ٥٢٧ - "در".
(٢) المقولة [٢٦٢٣٦] قوله: ((وهل يُحَبَسُ لِمَحْرمِهِ لو أَبِى؟ لم أَرَهُ)).
(٣) المقولة [٢٦٤٥٩] قوله: ((يُحبَسُ الوليُّ إلخ)).
(٤) في "م": ((أهل))، وهو خطأ.
(٥) في "الأصل": ((ولو جدّاً لأمِّ)).
(٦) "الخانية": كتاب الدعوى والبينات - باب الدعوى ٣٧٤/٢ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية")
(٧) "البحر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٣١٥/٦.
(٨) صـ ٥٢٨ - وما بعدها "در".
(٩) المقولة [٢٦٤٧٣] قوله: ((ومُعسِرٌ)).
(١٠) "البحر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٣١٥/٦.
(١١) "المنح": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٢/ق٥٧/أ.

حاشية ابن عابدين
٤٠٦
قسم المعاملات
مِن عَيْنِ مالِهِ أو قِيْمتِهِ، والصَّحيحُ عندَهما بَيْعُ عَقارِهِ كمَنْقُولِهِ، "بحر "(١)، فليُحفَظْ.
(ولا يَستخِلِفُ قاضٍ) نائباً.
[٢٦٢٤٤] (قولُهُ: مِن عَيْنِ مالِهِ) أي: إنْ كان مِن جِنْسِ الدَّيْنِ، وقولُهُ: ((أو قِيْمَتِهِ))
أي: إنْ كان مِن غيرِ جِنْسِهِ كما لو كان الدَّيْنُ دراهمَ والمالُ دنانيرَ، فَتُباعُ الدَّنانيرُ بالدَّراهمِ
ويُقضَى بها الدَّيْنُ عند "الإِمام" و"صاحبيه".
[٢٦٢٤٥] (قولُهُ: والصَّحيحُ إلخ) مُقابِلُهُ أَنَّه يبيعُ عندَهما المنقولَ دونَ العقارِ، وأمّا عندَهُ
فلا يبيعُ المنقولَ ولا العقارَ، وقدَّمنا(٢) أنَّ المفتى به قولُهما.
مطلبٌ في استخلافِ القاضي نائباً عنه
[٢٦٢٤٦] (قولُهُ: ولا يَستخلِفُ قاضٍ إلخ) أي: ولو بِعُذْرٍ، "بحر "(٣) عن "العناية"(٤). فدخَلَ
فيه ما لو وَقَعَتْ له حادثةٌ، فلا يَستخلِفُ بلا تَغْوِيضٍ، ففي "البحر"(٥) عن [٣ ق٧/٢١١) "السِّرَاجِيَّةَ" (٦).
((القاضي إذا وَقَعَتْ له حادثةٌ أو لولدِهِ، فأنابَ غيرَهُ وكان مِن أهلِ الإِنابةِ، وتَخاصَما عندَهُ،
وقَضَى له أو لولدِهِ جاز))، ثمَّ قال(٧): ((وقد سُئِلْتُ عن صحَّةٍ توليةِ القاضي ابنَهُ قاضياً حيث
كان مأذوناً له بالاستخلافِ، فَأَجّبْتُ بـ: نعم))، وشَمِلَ إطلاقُهُ الاستخلافَ ما إذا كان مذهبُ
الخليفةِ مُوافِقاً لمذهبهِ أو مُخالِفاً، ثمَّ قال(٧): ((وظاهرُ إطلاقِهم أنَّ المأذونَ له بالاستخلافِ يَملِكُهُ
قبلَ الوُصُولِ إلى محلِّ قضائِهِ، وقد جَرَتْ عادتُهم بذلك، وسُئِلْتُ عنه فَأَجَبْتُ بذلك)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٣١٥/٦.
(٢) المقولة [٢٦٢١١] قوله: ((وسيجيءُ تمامُهُ في الحَجْرِ)).
(٣) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٦/٧.
(٤) "العناية": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٩١/٦ (هامش "فتح القدير").
(٥) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٦/٧.
(٦) "الفتاوى السراجية": كتاب القضاء - باب ما يجوز من القضاء وما لا يجوز ٢٦١/٢ - ٢٦٢ (هامش "فتاوى قاضي خان").
(٧) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٧/٧.

الجزء السادس عشر
٤٠٧
فصل في الحبْس
(إلّ إذا فُوِّضَ إليه) صريحاً كـ: وَلِّ مَن شئتَ، أو دِلالَةً كـ: جَعَتُكَ قاضيَ القضاةِ،
والدِّلالةُ هنا أقوى؛ لأنَّ في الصَّرِيحِ المذكورِ يَملِكُ الاستخلافَ لا العَزْلَ، وفي
الدِّلالةِ يَملِكُهما كقولِهِ: وَلِّ مَن شئتَ واستَبدِلْ،
ثُمَّ نقَلَ(١) عن "شرح أدب القضاء": ((أَنْه ذكَرَ في موضعٍ(٢): أنَّ القاضيَ إنما يصيرُ قاضياً
إذا بلَغَ إلى الموضعِ، ألا ترى أنَّ الأوَّلَ لا يَنْعَزِلُ ما لم يَبلُغْ هو البلدَ؟ وفي موضعٍ آخرَ (٣): ينبغي له
أنْ يُقدِّمَ نائبَهُ قبلَ وُصُولِهِ لَيَتَعرَّفَ عن أحوالِ الَّاس اهـ. فالأوَّلُ يفيدُ أَنَّه لا يَمِلِكُهُ قبلَ وُصُولِهِ،
إلّ أنْ يُقالَ: إنَّ قاضي القضاةِ مأذونٌ بذلك مِن السُّلطانِ، وهو الواقعُ الآن)) اهـ مُلخَّصاً.
قلتُ: وما نقَلَهُ ثانياً صريحٌ في أنَّ له الإنابةَ قبلَ وُصُولِهِ، والتَّعليلُ بالتَّعرُّفِ عن أحوالِ
النّاسِ لا يُنافي أنَّ للنّائبِ القضاءَ قبلَ وُصُولِ الْمُنِيبِ؛ لأنَّ التَّعرُّفَ يكونُ بالقضاءِ، فحينئذٍ إذا
وصَلَ نائبُهُ فالظّاهرُ انعِزالُ الأوَّلِ؛ لأنَّ النّائِبَ قَائِمٌ مَقامَ الُنِيبِ، وقد علّلُوا لعدمِ انعزالِ الأوَّلِ
قبلَ وُصُولِ الثّاني بصيانةِ المسلمين عن تَعْطيلِ قضاياهم، وبوُصُولِ نائبِ الثّاني لا تَتَعطّلُ
قضاياهم، وحيث كان الواقعُ الآنَ هو الإذنَ مِن السُّلطانِ فلا كلامَ، وبه اندفَعَ ما قيل(٤):
إنَّه لا يُعوَّلُ على ما أفتى به في "البحر".
[٢٦٢٤٧] (قولُهُ: إلاّ إذا فُوِّضَ إليه) ومثلُهُ نائبُ القاضي. قال في "البحر"(٥): ((وفي
"الخلاصة"(٦): الخليفةُ إذا أَذِنَ للقاضي في الاستخلافِ فاستخلَفَ رجلاً وأَذِنَ له في الاستخلافِ
جازَ له الاستخلافُ ثُمَّ وثُمَّ)) اهـ.
[٢٦٢٤٨) (قولُهُ: كقولِهِ: وَلِّ مَن شئتَ واسْتَبدِلْ) هذا تنظيرٌ لا تمثيلٌ، أي: فإنَّه في الدِّلالةِ
يَملِكُ الاستخلافَ والعَزْلَ نظيرَ ما لو صَرَّحَ بهما.
(١) أي: صاحبُ "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٧/٧.
(٢) "شرح أدب القاضي" للصدر الشهيد: الباب السادس عشر في القاضي يولى القضاء إلخ ٧١/٢.
(٣) "شرح أدب القاضي" للصدر الشهيد: الباب السادس في قبض المحاضر من ديوان القاضي المعزول إلخ ٢٩٣/١ - ٢٩٤.
(٤) القائل هو أبو السعود في "حاشيته"، كما ذكر ابن عابدين في حاشية "منحة الخالق" ٧/٧، وانظر "فتح المعين" ٣٥/٣.
(٥) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٦/٧.
(٦) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الرابع في حكم القاضي - جنس آخر ق ٢٠٢/أ.

حاشية ابن عابدين
٤٠٨
قسم المعاملات
أو استَخلِفْ مَن شئتَ، فإنَّ قاضي القضاةِ هو الذي يَتَصرَّفُ فيهم مُطلقاً تقليداً
وعَزْلاً، (بخلافِ المأمورِ بإقامةِ الجمعةِ) فإنَّه يَستخِلِفُ بلا تَفْويضِ
[٢٦٢٤٩] (قولُهُ: أو استَخِلِفْ مَن شئتَ) لا يصحُّ عطفُهُ على قولِه: ((واستَبدِلْ))؛ لأَنَّه
يقتضي أنَّه لو قال: وَلِّ مَنْ شئتَ واستخِلِفْ مَن شئتَ يَملِكُ العَزْلَ أيضاً، وليس كذلك؛ لأنَّ
((استَخلِفْ)) بمعنى: ((وَلِّ))، بل نَصَّ في "البحر"(١) في هذه الصُّورةِ: ((على أَنَّه لا يَملِكُ
العَزْلَ))، فتعَّنَ عطفُهُ على قولِهِ: ((وَلِّ))، وعليه فكان المناسبُ أنْ يقولَ: كقولِهِ: وَلِّ
أو استَخِلِفْ مَن شئتَ واسْتَبْدِلْ.
[٢٦٢٥٠] (قولُهُ: فإنَّ قاضي القضاةِ إلخ) في موضعِ التّعليل لقولِهِ: ((وفي الدِّلالةِ
يَمَلِكُهما(٢)).
[٢٦٢٥١] (قولُهُ: فيهم) أي: في القضاةِ.
[٢٦٢٥٢] (قولُهُ: تقليداً وعَزْلاً) تفسيرٌ للإطلاق.
[٢٦٢٥٣] (قولُهُ: فإِنَّه يَستخِلِفُ بلا تَفْويضٍ) فإنْ كان قبلَ شُرُوعِهِ لِحَدَثٍ أصابَهُ لم يَحُزْ أنْ
يَستخِلِفَ إلّ مَن كان شَهِدَ الْخُطبةَ، وإنْ بعدَ الشُّروعِ فاستخلَفَ مَن لم يَشْهَدْها جاز، "نهر "(٣)،
أي: لأَنَّه بانٍ وليس بِمُفْتِحٍ، والخُطبةُ شرطُ الافتتاحِ، وقد وُجِدَ في حَقِّ الأصلِ، "فتح"(٤).
واعتُرِضَ بما لو استخلَفَ شخصاً لم يَشْهَدِ الخُطبةَ ثُمَّ أَفْسَدَ صلاتَهُ ثُمَّ افتَحَ بهمُ الجمعةَ فإنَّه يجوزُ،
وأُجِيبَ: بِأَنَّه لَمّا صَحَّ شُرُوعُهُ فيها وصار خليفةً للأوَّلِ التَحَقَ بِمَن شَهِدَها، واستظهَرَ في
"العناية "(٥) الجوابَ بالحاقِهِ بالباني؛ لتقدُّمِ شُرُوعِهِ فيها.
(١) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٦/٧.
(٢) في "٢" و"م": ((يملكها))، وهو خطأ.
(٣) "النهر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق ٤٣٤/ب.
(٤) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٩١/٦.
(٥) "العناية": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٩١/٦ (هامش "فتح القدير").

الجزء السادس عشر
٤٠٩
فصل في الحبْس
للإذنِ دِلالةً، "ابن ملكٍ" وغيره. وما ذكرَهُ "منلا خسرو" قال في "البحر"(١): ((لا أصلَ
له، وإنما هو فَهْمٌ فَهِمَهُ مِن بعضِ العباراتٍ))، وقد مَرَّ في الجمعة.
[٢٦٢٥٤] (قولُهُ: للإذنِ دِلالَةً) لأنَّ المُولِّيَ عالِمٌ بَتَوَقُتِها (٢)، وأَنَّه إذا عرَضَ عارِضٌ فَتَتْ
لا إلى خَلَفٍ، ومعلومٌ أنَّ الإنسانَ غَرَضٌ للأعراض3، "فتح"(٣). قال في "النَّهر"(٤): ((وهو
ظاهرٌ في جوازِ الاستخلافِ للمرضِ ونحوِهِ، وتقييدُ "الزَّيلعيِّ "(٥) بالحَدَثِ لا دليلَ عليه، وقدَّمنا
في الجمعةِ مسألة الاستنابةِ بغیرِ عذرٍ، فارجعْ إلیه)) اهـ.
٣٢٣/٤
وحاصلُ ما مَرَّ(٦) في الجمعة: أَنَّه قيل: لا يصحُّ الاستخلافُ بلا إذنِ السُّلطان إلّ إذا سَبَقَهُ
الحَدَثُ فيها، وقيل: إنْ لضرورةٍ جازَ - أي: لِحَدَثٍ أو غيرِهِ - وإلّ فلا، وقيل: يجوزُ مُطلقاً، وعليه
مشى في "شرح المنية" و"البحر" و"النّهر"، وكذا "الشُّرُ بلاليُّ" [٣ ق٢١١/ب) و"المصنّفُ" و "الشّارح".
[٢٦٢٥٥) (قولُهُ: وما ذكرَهُ "منلا خسرو") أي: في "الدُّرر والغرر"(٧) مِن باب الجمعة:
((مِن أَنَّه لا يَستخلِفُ الصَّلاةِ ابتداءً، بل بعدَما أحدَثَ إلاّ إذا كان مأذوناً مِن السُّلطانِ
بالاستخلافٍ)) اهـ. وهو ما مَرَّ(٨) عن "الزَّيلعيِّ"
[٢٦٢٥٦] (قولُهُ: وقد مَرَّ في الجمعة) ومَرَّ أيضاً هناك (٩) عن العلاّمةِ "محبِّ الدِّينِ بن
جُرُباشٍ" في "النُّجعةِ في تعدادِ الجمعة": ((أَنَّ إذنَ السُّلطانِ بإقامةِ الخُطبةِ شرطٌ أوَّلَ مرَّةٍ
(١) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٨/٧.
(٢) في "آ": ((بتوقيتها)).
قوله: ((غَرَضٌ للأعراض)) الأوّلُ بالغين المعجمة، وهو الهدف الذي يُرمَى إليه، والثاني بالمهملة، جمعُ عَرَض بمعنى
عارض، فالإنسانُ مشبّهٌ بالهدف والأعراضُ مشبّهةٌ بالسهام. اهـ منه.
(٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٩١/٦ بتصرف.
(٤) "النهر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق ٤٣٤/ب.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٨٧/٤.
(٦) المقولة [٦٧٠٤] قوله: ((واختلِفَ إلخ)) وما بعدها.
(٧) "الدرر والغرر": كتاب الصلاة ١٣٩/١ بتصرف.
(٨) في المقولة السابقة.
(٩) ١٥/٥ وما بعدها "در".

حاشية ابن عابدين
٤١٠
قسم المعاملات
(نائبُ القاضي المُفوَّضِ إليه الاستنابةُ) فقط لا العَزْلُ (نائبٌ عن الأصلِ) وهو
السُّلطانُ، وحينئذٍ (فلا) يَمِلِكُ أنْ (يُعزِلَهُ القاضي بغيرِ تَفْويضٍ مِنه) للعَزْلِ أيضاً
كوكيلٍ وَكَّلَ، (و) كذا (لا يَنعِلُ) أيضاً (بَعَزْلِهِ).
للباني، فيكونُ الإذنُ مُنسحِباً لتوليةِ النِّظّارِ الخطباءَ وإقامةِ الخطيبِ نائباً، ولا يُشترَطُ الإِذنُ
لكلِّ خطيبٍ)) اهـ "بحر"(١). وقدَّمنا هناك(٢) نحوَهُ عن "فتاوى ابن الشِّلْبِيِّ"(٣). وذكرنا هناك:
أنَّ معناه: أنَّ إذنَ السُّلطانِ شرطٌ في أوَّلِ مرَّةٍ، فإذا أَذِنَ لشخصِ بإقامتِها كان له الإذنُ لآخرَ،
وللآخرِ الْإِذُ لآخرَ وهكذا، وليس المرادُ أنَّ إذنَ السُّلطانِ بإقامتِها أوَّلَ مرَّةٍ يكونُ إذناً لكلِّ
مَن أرادَ إقامتها في ذلك المسجدِ بدُونِ إذنٍ مِن السُّلطانِ أو مِن مأذونِهِ كما يُوهِمُهُ ظاهرٌ
العبارةِ، وتقدَّمَ تمامُهُ فراجعْهُ.
[٢٦٢٥٧] (قولُهُ: المُفوَّضِ إليه) بالجرِّ نعتٌ لـ ((القاضي)).
[٢٦٢٥٨] (قولُهُ: بغيرِ تَفْويضٍ مِنه) أي: مِن السُّلطانِ، "درر "(٤).
[٢٦٢٥٩) (قولُهُ: كوكيلٍ وَكَّلَ) أي: بإذنِ الْمُوكِّلِ، فَإِنَّه لا يَمِلِكُ عَزْلَهُ ولا يَنْعزِلُ بموتِهِ
ويَنعزِلان بموتِ المُوكِّلِ، بخلافِ الوصيِّ حيث يَمِلِكُ الإيصاءَ إلى غيرِهِ وَيَمِلِكُ الَّوكيلَ والعَزْلَ
في حياتِهِ؛ لرضا المُوصِي بذلك دلالةً؛ لعجزِهِ، "بحر"(٥).
[٢٦٢٦٠) (قولُهُ: وكذا لا يَنعزِلُ أيضاً بَعَزْلِهِ) أي: لا يَنعزِلُ الَّائبُ بِعَزْلِ القاضي، أي:
بِعَزْلِ السُّلطانِ له.
(١) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٨/٧.
(٢) المقولة [٦٧١٥] قوله: ((إنما يُشترَطُ الإِذنُ إلخ)).
(٣) في "ب" و"م": ((ابن الجلبي))، وتقدم ٥٨٧/١٥ النقل عن "جدِّ الممتار" أنَّ الصواب: ((الشِّلْبي)) بالشين،
وتقدمت ترجمة "فتاوى ابن الشلبي" ٤٦٨/١.
(٤) "الدرر والغرر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٣٩/١.
(٥) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضى إلى القاضى وغيره ٦/٧.

الجزء السادس عشر
٤١١
فصل في الحبْس
ولابموتِهِ ولا بموتِ السُّلطان، بل بعَزْلِهِ، "زيلعيّ"(١)، و"عينيّ" (٢)، و"ابن ملكٍ"،
وغيرهم في الوكالة، واعتمَدَهُ في "الدُّرر" و"الملتقى"، وفي "البزّازِيَّة": ((وعليه
الفَتْوى))، وتمامُهُ في "الأشباه".
(٢٦٢٦١] (قولُهُ: ولا بموتِهِ) أي: موتٍ (٣) القاضي المُستِيبِ.
[٢٦٢٦٢] (قولُهُ: ولا يموتِ السُّلطانِ) أي: لا يَنْعِزِلُ الّائبُ به كما لا يَنعزِلُ الْمُستِيبُ،
بخلافٍ موتِ الْمُوكِّلِ فإنّه يَنْعِزِلُ به الوكيلُ، والفَرْقُ - كما في وكالةِ "الزَّيلعيِّ"(٤) -: ((أَنَّ السُّلطانَ
عاملٌ للمسلمين، فلا يَنعزِلُ بموتِهِ القاضي الذي وَلَّهُ هو أو وَلّهُ القاضي بإذِنِهِ، والمُوكِّلَ عاملٌ
لنفسِهِ، فَيَنعزِلُ وكيلُهُ بموتِهِ؛ لِبُطْلانِ حَقِّه)).
[٢٦٢٦٣) (قولُهُ: بل بعَزْلِهِ) أي: بعَزْلِ السُّلطانِ للنّائب.
[٢٦٢٦٤] (قولُهُ: واعتمَدَهُ في "الدُّرر") أي: في متِها حيث قال(٥): ((ولا يَنعزلُ - أي: نائبُ
القاضي - بخروجِهِ - أي(٦): القاضي - عن القضاءِ)). وقال في "الملتقى"(٧): ((فنائبُهُ لا يَنْعِزِلُ بِعَزْلِهِ
ولا بموتِهِ، بل هو نائبُ السُّلطانِ الأصيلِ)) اهـ. فالضَّميرُ راجعٌ إلى عدمٍ عَزْلِ الّائبِ بموتٍ
القاضي أو بعَزْلِهِ، "ط "(٨).
[٢٦٢٦٥) (قولُهُ: وتمامُهُ في "الأشباه") قال فيها (٩): ((فتحرَّرَ مِن ذلك اختلافُ المشايخِ في
انعِزالِ النّائبِ بعَزْلِ القاضي وموتِهِ. وقولُ "البزّزيّ"(١٠): الفَتْوى على أنّه لا يَنْعِزِلُ بَعَزْلِ القاضي
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الوكالة - فصل: الوكيل بالبيع والشراء إلخ ٢٧٦/٤ بتصرف.
(٢) "رمز الحقائق": كتاب الوكالة - باب عزل الوكيل ١٣٢/٢.
(٣) في "آ": ((يموت)) ..
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الوكالة - فصلٌ: الوكيل بالبيع والشراء إلخ ٢٧٦/٤.
(٥) "الدرر والغرر": كتاب القضاء ٤٠٨/٢.
(٦) في "الأصل": ((إلى))، وهو تحريف.
(٧) "ملتقى الأبحر": كتاب القضاء - فصل: ويجوز قضاء المرأة ٧٥/٢ بتصرف.
(٨) "ط": كتاب القضاء - فصل في الحبس ١٩١/٣.
(٩) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي صـ ٢٧٧ -.
(١٠) "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل الأول في التقليد - نوع آخر ١٣٧/٥ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
٤١٢
قسم المعاملات
وفي "فتاوى المصنّف": ((وهذا هو المعتمدُ في المذهب، لا ما ذكرَهُ "ابنُ الغَرْسِ"؛
لمخالفتِهِ للمذهب)). (ونائبُ غيرِهِ) أي: غيرِ الْمُفوَّضِ إليه(١) (إِنْ قَضَى عندَهُ أو) في
غَيْبِتِهِ و(أجازَهُ) القاضي (صَحَّ) قضاؤُهُ لو أهلاً،.
يدلُّ على أنَّ الفَتْوى على أَنَّه لا يَنعزِلُ بموتِهِ بالأَولى))، ثمَّ نقَلَ(٢) عن "التَّار خائنَّةٍ": ((القاضي
رسولٌ عن السُّلطانِ فِي نَصْبِ النُّوَّابِ)) اهـ "ط"(٣).
[٢٦٢٦٦] (قولُهُ: وفي "فتاوى المصنّف"(٤) إلخ) حيث سُئِلَ عمّا ذكرَهُ "ابنُ الغَرْس":
((مِن أنَّ نائبَ القاضي في زماننا يَنعزِلُ بعَزْلِهِ أو بيموتِهِ، فإنَّه نائبُهُ مِن كلِّ وجهٍ))، أجاب:
((لا يُعْتمَدُ على ما ذكرَهُ "ابنُ الغَرْسِ"؛ لِمُخالفتِهِ للمذهبِ، فقد نقَلَ الثّقاتُ أنَّ النّائِبَ
لا يَنْعزِلُ بِعَزْلِ الأصيلِ ولا بموتِهِ.
قال "الزَّيلعيُّ(٥) مِن كتاب الوكالة: لا يَمِلِكُ القاضي الاستخلافَ إلاّ بإذنِ الخليفةِ، ثُمَّ
لا يَنْعِلُ بِعَزْلِ القاضي الأوَّلِ ولا يموتِهِ، ويَنعزِلانِ بعَزْلِ الخليفةِ لهما، ولا يَنعزِلانِ بموتِهِ، وهو
المعتمدُ في المذهب، ولم نَرَ خلافاً في المسألة، والله سبحانه أعلمُ)) اهـ. لكنَّ الخلافَ موجودٌ
كما مَرَّ(٦) عن "الأشباه".
[٢٦٢٦٧] (قولُهُ: صَحَّ قضاؤُهُ لو أهلاً) في "الَّتَار خانَّةِ" عن "المحيط)"(٧): ((ولو أنَّ
السُّلطانَ لم يَأْذَنْ له في الاستخلافِ، فأمَرَ رجلاً فحكَمَ بين اثنين لم يَحُزْ حُكمُهُ.
(قولُهُ: لكنَّ الخلافَ موجودٌ إلخ) لكنَّ الظّهرَ أنَّ مُرادَ "المصنّف" بقولِهِ: ((ولم نَرَ خلافاً إلخ))
خلافٌ في الاعتمادِ بدلیلِ صَدْرِ عبارتِهِ.
(١) في "د" و"و": ((له)).
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادة والدعاوي صـ ٢٧٧ -.
(٣) "ط": كتاب القضاء - فصل في الحبس ١٩١/٣ - ١٩٢.
(٤) "فتاوى المصنف": فصل من كتاب القضاء ق ٦١/أ.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الوكالة - فصل الوكيل بالبيع والشراء إلخ ٢٧٦/٤ بتصرف.
(٦) المقولة [٢٦٢٦٥] قوله: ((وتمامُهُ في "الأشباه")).
(٧) "المحيط البرهاني": كتاب القضاء - الفصل العشرون فيما يجوز فيه قضاء القاضي وما لا يجوز ٤/ق ٨١/ب.

الجزء السادس عشر
٤١٣
فصل في الحبْس
بل لو قَضَى فُضُولِيٌّ أو هو في غيرِ نَوْيِهِ وأجازَهُ جاز؛ لأنَّ المقصودَ حصولُ رأيهِ،
"بحر"(١). قال(٢): ((وبه عُلِمَ دخولُ الفُضُوليِّ في القضاء)).
(فرعٌ)
في "الأشباه"(٣) و"المنظومة المحِّيَّةُ"(٤): ((لو فَوَّضَ لعبدٍ فَوَّضَ لغيرِهِ صَحَّ، ولو حكَمَ
بنفسِهِ لم يصحَّ، ولو عَنَقَ فَقَضَى صَحَّ، بخلافٍ صَبِيِّ بَلَغَ)). (وإذا رُفِعَ إليه حُكُمُ قاضٍ)
ثمَّ إِنَّ القاضيَ لو أجازَ ذلك الحُكمَ يُنظَرُ: إنْ كان بحالٍ يجوزُ حُكمُهُ لو كان قاضياً جازَ
إمضاءُ القاضي حُكمَهُ، وإنْ كان بحالٍ لا يجوزُ حُكمُهُ لو كان قاضياً يُنظَرُ: إنْ كان مِمَّن يَخْتِلِفُ
فيه الفقهاءُ كالمحدودِ في القَذْفِ جازَ إمضاؤُهُ ذلك، وإنْ كان عبداً أو صبيّاً لم يَجُزْ)).
[٢٦٢٦٨] (قولُهُ: بل لو قَضَى فُضُوليٌّ) [٢ ق١/٢١٢] أي: مِن غيرِ استخلافٍ أصلاً.
[٢٦٢٦٩] (قولُهُ: أو هو) أي: القاضي، كما لو كان مُولَّى في كلِّ أسبوعٍ يومين، فَقَضَى في
غيرِ اليومين توقّفَ قضاؤُهُ: فإنْ أجازَهُ فِي نَوْبِهِ جازَ، "جامع الفصولين)(٥).
[٢٦٢٧٠) (قولُهُ: في القضاء) أي: ليس خاصاً بعَقْدٍ نحوِ البيع والنّكاح.
[٢٦٢٧١] (قولُهُ: فَفَوَّضَ لغيرِهِ صَحَّ) ظاهرُهُ: ولو بدُونِ الإذنِ الصَّرِيحِ؛ لأَنَّه مأذونٌ
دِلالَةً؛ للعِلْمِ بأنَّ قضاءَهُ بنفسِهِ لا يصحُّ، تأمَّل.
[٢٦٢٧٢] (قولُهُ: ولو عَتَقَ إلخ) ومثلُهُ لو فَوَّضَ لكافرِ فأسلَمَ فهو على قضائِهِ عندَ
"محمَّدٍ" كما قدَّمناهُ(٦) عندَ قولِهِ: ((أهلُهُ أهلُ الشَّهادة))، وقدَّمنا(٦) هناك وجهَ الفَرْقِ بينَهما
وبينَ الصَّبِيِّ حيث يَحتاجُ إلى تجديدِ التَّغْويض.
(١) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٢/٦ بتصرف.
(٢) أي: صاحب "البحر": كتاب القضاء ٢٨٢/٦.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث: الجمع والفرق - أحكام العبيد صـ٣٧١ - باختصار.
(٤) "المنظومة المحبية": فصل من كتاب القضاء صـ٥٥- بتصرف.
(٥) "جامع الفصولين": الفصل التاسع والثلاثون في المتفرقات في العتق وحرية الأصل ٢٣٦/٢.
(٦) المقولة [٢٥٩٣٤] قوله: ((وأهلهُ أهلُ الشَّهادةِ)).

حاشية ابن عابدين
٤١٤
قسم المعاملات
خَرَجَ المُحكَّمُ، ودخَلَ الميتُ والمعزولُ والْمُخالِفُ لرأيهِ؛ لأَنَّ نَكِرَةٌ فِي سِياقِ الشَّرْطِ
فَتَعُمُّ(١)، فافهم.
[٢٦٢٧٣] (قولُهُ: خرَجَ المُحكَّمُ) فإنه إذا رُفِعَ حُكمُهُ إلى قاضٍ أَمْضَاهُ إِنْ وَافَقَ مذهَبَهُ،
وإِلّ أَبِطَلَهُ؛ لأنَّ حُكمَهُ لا يَرفَعُ خلافاً كما يأتي(٢) في النَّحكيم، "ح"(٣).
[٢٦٢٧٤] (قولُهُ: ودخَلَ الميتُ إلخ) وكذا قاضي البُغاةِ، فإذا رُفِعَ إلى قاضي العَدْلِ نَفَّذَهُ
٣٢٤/٤ كما ذكرَهُ "الشّارح" عندَ قولِ "المصنّف" فيما مَرَّ(٤): ((ويجوزُ تقليدُ القضاء مِن السُّلطان
العادلِ والجائرِ وأهلِ البَغْيِ))، وقدَّمنا (٥) فيه ثلاثةَ أقوالٍ، وأنَّ المعتمدَ أَنَّه يُنفّذُهُ وافَقَ رأيَهُ
أوْ لا، فافهم.
[٢٢٢٧٥) (قولُهُ: والمُخالِفُ لرأيِهِ) أي: رأيِ القاضي المرفوعِ إليه الحُكمُ، لكنْ فيه تفصيلٌ
يأتي قريباً(٦). وأمّا لو كان القاضي الأوَّلُ حكَمَ بخلافِ رأيِهِ فسيأتي(٧) في قولِ "المصنّف":
((قَضَی في مُجتهَدٍ فیه إلخ)).
مطلبٌ فِي عُمُومِ النَّكِرَةِ في سِياقِ الشَّرط
[٢٦٢٧٦) (قولُهُ: لأَنَّه نَكِرةٌ إلخ) تعليلٌ لقولِهِ: ((ودخَلَ إلخ)) قصَدَ به الرَّدَّ على "الزَّلعيِّ)(٨)،
حيث ذكَرَ: ((أنَّ كلامَ "المصنّفِ" يُوهِمُ اختصاصَهُ بما إذا كان مُواِقاً لرأيِهِ))، وقد تَبِعَ "الشّارحُ"
(١) في "و": ((فيعم)) بالمثناة التحتية.
(٢) صـ ٥٤٣ - وما بعدها "در".
(٣) "ح": كتاب القضاء - فصل في الحبس ق ٣٠٧/ب.
(٤) صـ ٣١٦ - وما بعدها "در".
(٥) المقولة [٢٦٠٤١] قوله: ((نفَّذَهُ)).
(٦) المقولة [٢٦٢٧٧] قوله: ((إذا حُكمُ نفسِهِ قبلَ ذلك)) وما بعدها.
(٧) ص ٤٦٤ - "در".
(٨) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٨٨/٤ - ١٨٩.

الجزء السادس عشر
٤١٥
فصل في الحبْس
(آخَرَ (١)) قَيْدٌ اتّفاقيٌّ؛ إذ حُكمُ نفسِهِ قبل ذلك كذلك، "ابن كمال".
1
في هذا التَّعليلِ "صاحبَ البحر"(٢)، وفيه نظرٌ، وكان المناسبُ أنْ يقولَ بَدَلَهُ: لأَنَّه مُطلَقٌ عن
النَّقِيدِ، أمّا العُمُومُ فِممنوعٌ؛ لِما صرَّحُوا بِهِ في كتبِ الأصولِ كـ "التّحريرِ"(٣) وغيرِهِ مِن أنَّ
النَّكِرَةَ إِما تَعُمُّ نَصّا إذا وَقَعَتْ فِي سِياقِ النَّفْي، ومِنه وُقُوعُها في الشَّرْطِ الُثَبَتِ إذا كان(٤) يميناً؛
لأَنّها تكونُ على النَّغْيِ كقولِهِ: إِنْ كَلَّمْتُ رجلاً فعبدي حُرٌّ، فإنَّ الحَلِفَ على نَفْسِهِ، فالمعنى:
لا أُكُلِّمُ رجلاً، فهي نكرةٌ فِي سِياقِ النَّغْيِ فَتَعُمُّ، ولهذا لا تَعُمُّ فِي الشَّرْطِ المَنْفِيِّ(٥)، مثل: إنْ لم
أُكُلِّمْ رجلاً؛ لأَنّه على الإثباتِ، كأنَّه قال: لأُكلِّمَنَّ رجلاً، فلا تَعُمُّ، وأمّا الشَّرِطُ في غيرِ اليمينِ،
مثل: إِنْ جاءَكَ رجلٌ فَأَطِعِمْهُ فليس نصّاً في العُمُومِ، ومثلُهُ ما نحن فيه، فافهم.
مطلبٌ: ما يُنفَّذُ مِن القضاء وما لا يُنفَّذُ
[٢٦٢٧٧] (قولُ: إذ حُكمُ نفسِهِ قبلَ ذلك) أي: قبلَ الرَّفْعِ إليه ((كذلك)) أي: كحُكمِ قاضٍ
آخرَ في أَنَّه يُنفّذُهُ إذا رُفِعَ إليه، ويكونُ هذا رافِعاً للخلافِ فيه، ولا يَحتاجُ فِي نَفُوذِهِ على المخالِفِ
(قولُهُ: وفيه نظرٌ) ليس الضَّميرُ في (لأَنَّ)) عائداً للقاضي كما في "ط"؛ لأَنَّه في "البحر" قال:
((لكونِ الحُكمِ نَكِرةً إلخ))، ولا شكَّ أنَّه نكرةٌ عامَّةٌ؛ لكونِهِ نكرةً مُضافةً فَتَعُمُّ، ويُؤكِّدُ بقاءَها على العُمُومِ
وُقُوعُها فِي سِياقِ الشَّرْطِ، فهو نظيرُ: إِنْ جاءَني غلامُ رجلٍ فعبدي حُرٍّ، فَإِنَّه يَعْتِقُ بمجيءٍ أيِّ غلامٍ،
بخلافٍ: جاءني غلامُ رجلٍ، فإِنَّه لا عُمُومَ له وإنْ كان نَكِرةٌ مُضافةً؛ لإِسنادِ المجيءِ الواقعِ خارجاً إليه،
وهو لا يُسنَدُ إلّ لخاصِّ، تأمَّل.
(قولُهُ: ولهذا لا تَعُّ فِي الشَّرْطِ الُثَبَتِ إلخ) حقُّهُ: المنْفِيِّ.
(١) في "ب": ((آخر))، بالحاء المهملة، وهو خطأ.
(٢) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٨/٧.
(٣) "التحرير": المقالة الأولى - الفصل الرابع - التقسيم الثاني - البحث الثالث ص ٧٣ -.
(٤) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((كانا)).
(٥) في النسخ جميعها: ((المثبت))، وما أثبتناه هو الصواب كما هو معلوم من كتب الأصول، وقد نبّه عليه الرافعي رحمه الله.

حاشية ابن عابدين
٤١٦
قسم المعاملات
(نَفّذَهُ) أي: أُلزِمَ الحُكمَ والعملَ بِمُقتضاهُ لو مُحَتَهَداً فيه، ...
إلى قاضٍ آخرَ، لكنْ ذكَرَ ذلك "ابنُ الغَرْسِ" سؤالاً، وأجابَ عنه: ((بأَنَّه لا يصحُّ؛ لأنّه غيرُ ممكنٍ
شرعاً؛ إذِ القاضي لا يَقضِي لنفسِهِ بالإجماعِ، والحُكمُ به حُكمٌ بصحَّةٍ فعلِ نفسِهِ، فَيَلغُو)) اهـ.
قلتُ: هذا ظاهرٌ بالنّسبةِ إلى رَفْعِ الخلاف، أمّا بالنّسبةِ إلى مَنْعِ الخَصْمِ وإلزامِهِ به فلا، فتأمَّلْ.
[٢٦٢٧٨] (قولُهُ: نَفِّذَهُ) أي: يجبُ عليه تنفيذُهُ.
[٢٦٢٧٩] (قولُهُ: لو مُحَتَهَداً فيه) بنصبِ ((مُحَتَهَداً)) خبراً لـ ((كان)) المقدَّرةِ بعدَ ((لو))،
واسمُها ضميرٌ عائدٌ إلى حُكمِ العائدِ إليه ضميرُ ((نَفَّذَهُ)).
ثُمَّ اعَلَمْ أَنَّهم قَسَّمُوا الحُكمَ ثلاثةَ أقسامٍ:
قسمٌ يُرَدُّ بكلِّ حالٍ، وهو ما خالَفَ النَّصَّ أو الإجماعَ كما يأتي (١).
وقسمٌ يُمضَى بكلِّ حالٍ، وهو الحُكمُ في محلِّ الاجتهادٍ، بأنْ يكونَ الخِلافُ في المسألةِ
وسببِ القضاءِ، وأمثلتُهُ كثيرةٌ، منها: لو قَضَى بشهادةِ المحدودَيْنِ بالقَذْفِ بعدَ الَّوبةِ وكان يَراهُ
كشافعيّ، فإذا رُفِعَ إلى قاضٍ آخرَ لا يَراهُ كحنفيِّ يُمضِيه ولا يُبطِلُهُ، وكذا لو قَضَى لإمراةٍ بشهادةِ
زوجِها وآخرَ أجنبيٌّ، فرُفِعَ لِمَن لا يُجِيزُ هذه الشَّهادةَ أَمضاهُ؛ لأنَّ الأوَّلَ قَضَى بِمُحَتَهَدٍ فِيه فَفُذُ؛
لأَنَّ الْمُجَتَهَدَ فِيه سببُ القضاءِ، وهو أنَّ شهادةَ هؤلاء هل تصيرُ حُجَّةٌ للحُكمِ أم لا؟ فالخلافُ في
المسألةِ وسببِ الحُكمِ لا في نفسِ الحُكمٍ، وكذا لو سَمِعَ البَِّةَ على الغائبِ بلا وكيلٍ عنه وقَضَى
بها يَنْفُذُ؛ لأنَّ المُحَتَهَدَ فيه سببُ القضاء، وهو أنَّ [٢١٢٥/٣/ب] البِّنَةَ هل تكونُ حُجَّةً بلا خَصْمٍ
حاضرٍ؟ فإذا رآها صَحَّ، وسيأتي(٢) اختلافُ التّرجيحِ في الأخيرةِ.
(قولُهُ: لكنْ ذكّرَ ذلك "ابنُ الغَرْسِ"(٣) إلخ) فيه: أنَّ معنى التّْفيذِ لُحُكمِ نفسِهِ إلزامُ الحُكمِ والعملُ
بِمُقْتَضاهُ، وليس في هذا الحُكمُ لنفسِهِ قصداً بل تبعاً، ولا مانعَ مِن ذلك تبعاً كما لو زَوَّجَ اليتيمةَ ثُمَّ حَصَلَ
تَّرَافُعٌ في زواجِها فحَكَمَ بصحَّتِهِ، فإنَّه يصحُّ حُكمُهُ وإنْ تَضَمَّنَ الحُكمَ لنفسِهِ، تأمَّل.
(قولُهُ: بأنْ يكونَ الخِلافُ في المسألةِ وسببِ القضاءِ) الظّاهرُ التّعبيرُ بـ: في، أو يقالُ: إنَّالعطفَ للَّفسيرِ، تأمَّل.
(١) صـ ٤٣١ - ٤٣٢، و٤٤١ - "در".
(٢) ص ٤٦٩ - وما بعدها "در".
(٣) في مطبوعة "التقريرات": ((الفرس)) بالفاء، وهو خطأ.

الجزء السادس عشر
٤١٧
فصل في الحبْس
عالِماً باختلافِ الفقهاء فيه،.
وقسمٌ اختَلَفُوا فيه، وهو الحُكُمُ المُحَتَهَدُ فيه، وهو ما يقعُ الخلافُ فيه بعدَ وُجُودِ الحُكمِ،
فقيل: يَنْفُذُ، وقيل: يَتَوقّفُ على إمضاءِ قاضٍ آخرَ، وهو الصَّحيحُ كما في "الزَّيلعيِّ(١) وغيرِهِ،
وبه جزَمَ في "الخانَّة(٢)، وحَكَى "ابنُ الشِّحنة" في "رسالتِهِ" المؤلّفةِ في الشَّهادةِ على الخطّ(٣)
عن "جَدِّهِ" ترجيحَ الأَوَّلِ، فإذا رُفِعَ إلى الثّاني فَأَمضاهُ يصيرُ كأنَّ القاضيَ الثّانِيَ حكَمَ في فصلٍ
مُحَتَهَدٍ فيه، فليس للثّالثِ نَقْضُهُ، ولو أبطَلَهُ الثّاني بطَلَ وليس لأحدٍ أنْ يُجِيزَهُ، كما لو قَضَى
الولدِهِ على أجنبيٌّ، أو لامرأتِهِ، أو كان القاضي محدوداً في قَذْفٍ؛ لأنَّ نفسَ القضاءِ مُختَلَفٌ
فيه، وسيُشيرُ "الشّارح"(٤) إلى القسمِ الأخيرِ، وتمامُ الكلامِ على ذلك في "رسالةِ ابنِ الشِّحنةِ"
المذكورةِ و"البزّازِيَّةُ"(٥)، وسيأتي(٦) له مَزِيدُ تحقيقٍ.
[٢٦٢٨٠) (قولُهُ: عالِماً) حالٌ مِن قولِ "المصنّف": ((قاضٍ آخَرَ))، وساغَ مَجِيءُ الحالِ مِنه
وهو نكرةٌ لَتَخَصُّصِها بالوصفِ وهو ((آخَرَ))، ولا يصحُّ كونُهُ خبراً بعدَ خبرِ لـ: كان المقدَّرةِ بعدَ
((لو)) في قولهِ: ((لو مُحَتَهَداً فيه))؛ لأنَّ الضَّمِيرَ المستترَ فيها عائدٌ إلى الحُكمِ كما عَلِمْتَ، فَيَلْزَمُ أنْ
يكونَ الضَّميرُ المسترُ في ((عالِماً)) عائداً إلى الحُكمِ أيضاً ولا يصحُّ.
مطلبٌ مُهِمٌّ في قولِهِم: يُشتَرَطُ كونُ القاضي عالِماً باختلافِ الفقهاء
[٢٦٢٨١] (قولُهُ: عالِماً باختلافِ الفقهاءِ فيه إلخ) أقولُ: ذكَرَ ذلك أيضاً في "البحر "(٧)،
(١) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٨٩/٤.
(٢) "الخانية": كتاب الدعوى والبينات - باب ما يبطل دعوى المدعي إلخ - فصل فيما يقضي في المجتهدات إلخ ٤٥٨/٢
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) لم نهتد إليها.
(٤) صـ ٤٦٤ - وما بعدها "در".
(٥) انظر "البزازية": كتاب أدب القاضي - النوع الرابع فيما يتعلق بقضائه إلخ - نوع في علمه ١٧٣/٥ - ١٧٤
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) المقولة [٢٦٢٨١] قوله: ((عَالماً باختلافِ الفقهاء فيه إلخ)).
(٧) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٨/٧.

حاشية ابن عابدين
٤١٨
قسم المعاملات
فلو لم يَعلَمْ لم يَحُزْ قضاؤُهُ، ولا يُمضِيه الثّاني في ظاهرِ المذهب، "زيلعيّ"(١)،
و"عينيّ"(٢)، و"ابن كمالٍ".
فذكَرَ: ((أنَّ هذا شرطُ نَفاذِ القضاءِ في ظاهرِ المذهب))، ثمَّ ذكَرَ عبارةً "الخلاصة"(٣)، ثمَّ
قال (٤): ((والتَّحقيقُ الْمُعتمَدُ: أنَّ عِلْمَهُ بكونِ ما حَكَمَ به مُحَتَهَداً فيه شرطٌ، وأمّا عِلْمُهُ بكونِ
المسألةِ اجتهاديَّةً فلا، ويدلُّ عليه ما في "الفتاوى الصُّغرى")) اهـ. ثمَّ ذكَرَ (٥) مسألةَ قضاءٍ
القاضي مُخالِفاً لرأيِهِ، وأطالَ الكلامَ عليها، وسيذكرُها "المصنّفُ" (٦) في قولِهِ: ((قَضَى في
مُحَتَهَدٍ فيه بخلافٍ رأيِهِ إلخ))، ويأتي(٧) الكلامُ عليها، وهذه غيرُ مسألةِ اشتراطِ العِلْمِ التي
نحن فيها، ولم يُوَفِّها "صاحبُ البحر" حَقِّها حتّى اشْتَبَهَتْ على بعضِ الْمُحشِّينَ، فتكلّمَ عليها
بما قالوه في المسألةِ الثّانيةِ الآتيةِ(٨) مع أنَّهما مسألتان مُتغايرتان، فافهم.
ومسألةُ اشتراطِ العِلْمِ وقَعَ فيها نِزَاعٌ، وقد أَلَّفَ فيها العلاّمةُ المحقّقُ الشَّيخُ "قاسمٌ" رسالةً(٩)
حاصلُها: ((أنَّ وَضْعَ المسألةِ المذكورةِ في قضاءِ القاضي المحتهِدِ في حادثةٍ له فيها رأيٌّ مُقرَّرٌ قبلَ
قضائِهِ في تلك الحادثةِ التي قَصَدَ فيها الْمَّفَقَ عليه، فحصَلَ حُكمُهُ فِي المَحَلِّ الْمُختَلَفِ فيه وهو لا يَعَلَمُ،
ثُمَّ بانَ أنَّ قضاءَهُ هذا على خلافٍ رأيِهِ المُقرَّرِ قبلَ هذه الحادثةِ، فحينئذٍ لا يَنفُذُ قضاؤُهُ، وأمّا إذا
وافَقَ قضاؤُهُ رأيَهُ في المسألةِ ولم يَعلَمْ حالَ قضائِهِ أنَّ فيها خلافاً فلم يَقُلْ أحدٌ مِن علماءِ الإسلامِ
٣٢٥/٤
(قولُهُ: وأمّا عِلْمُهُ بكونِ المسألةِ اجتهاديَّةً فلا) الأوضحُ التَّعبيرُ بـ: خِلافِيَّةً.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٨٩/٤ بتصرف.
(٢) "رمز الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٩٠/٢ بتصرف.
(٣) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الرابع فيما يتعلق بقضاء القاضي وفي قضاء القاضي بعلمه إلخ ق ٢٠١/ب.
(٤) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٨/٧.
(٥) "البحر": كتاب القضاء باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٩/٧.
(٦) ص ٤٦٤ - "در".
(٧) المقولة [٢٦٣٥١] قوله: ((قضَى في مُجتَهدٍ فيه)).
(٨) في هذه المقولة.
(٩) لم نهتد إليها.