Indexed OCR Text
Pages 281-300
الجزء السادس عشر
٢٧٩
کتابُ القضاء
فالمرادُ قاضٍ له ملَكَةُ الاجتهادِ)) انتهى. وفي "الخلاصة"(١): ((وإنَّما ينفُذُ القضاءُ في المجتهَدِ
ء
فيه إذا عَلِمَ أَنَّه مجتهَدٌ فيه، وإلّ فلا)). (وإذا اختَلَفَ مُمْتيانٍ) في جوابِ حادثةٍ (ُخِذَ بقولٍ
أَفْقَههما بعدَ أنْ يكونَ أَورِعَهُما)، "سراحيَّة"(٢)، وفي "الملتقط)" (٣): ((وإذا أشكَلَ عليه أمرٌ
مِن المسائلِ التي فُوِّضَت لرأىِ القاضي إحدى عشرةَ مسألةً، وزادَ مُحشِّيه "الخيرُ الرَّمليُّ" أربعَ
عشرةَ مسألةً أُخرى ذكَرَها "الحمَويُّ" في "حاشيته(٤)، ولحفيدِ "المصنّف" الشَّيخِ "محمَّدٍ" بنِ الشَّيخِ
"صالح" ابنِ "المصنّف" رسالةٌ في ذلك سَمَّاها: "فيضَ المستفيضِ في مسائلِ النَّويضِ"(٥)، فارجِعْ
إليها. ولكنَّ بعضَ هذه المسائلِ لا يظهَرُ توقُّفُ الرّأيِ فيها على الاجتهادِ المصطلَحِ، فليُنْأمَّلْ. وانظُر
ما نذكُرُه(٦) في الفصلِ الآتي عندَ قولِهِ: ((فَيَحِسُهُ بما رأَى)).
[٢٥٩٨٦] (قولُهُ: وإنَّما ينفُذُ القضاءُ إلخ) هذا في القاضي المجتهدِ، أمّا المقلِّدُ فعليه
العملُ بمعتمَدِ مذهبِهِ عَلِمَ فيه خلافاً أوْ لا. اهـ "ط)(٧). وسيأتي(٨) تمامُ الكلامِ على هذه
المسألةِ عندَ قولِ "المصنّف": ((وإذا رُفِعَ إليه حُكمُ قاضٍ آخَرَ نفَّذَهُ(٩)).
[٢٥٩٨٧) (قولُهُ: وإذا أشكَلَ إلخ) قال في الهنديَّة (١٠): ((وإنْ لم يقَعِ اجتهادُهُ على
شيءٍ، وبقِيَتِ الحادثةُ مُختلفةً ومُشكِلَةً كَتَبَ إلى قُقهاءٍ غيرِ مِصرِهِ، فالمشاوَرَةُ بالكتابِ سُنَّةٌ قديمةٌ
في الحوادثِ الشَّرعيَّةِ، فَإِذِ اتَّفَقَ رأيهم على شيءٍ ورأيُّهُ يُوافِقُهم وهو مِن أهلِ الرّأيِ والاجتهادِ
(١) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الرابع - جنس آخر في النوازل ق ٢٠١/ب.
(٢) "السراجية": كتاب أدب المفتي والتنبيه على الجواب ٤٨١/٢ (هامش "فتاوى قاضي خان").
(٣) "الملتقط": كتاب أدب القاضي - مطلب: إذا أشكل الأمر على القاضي إلخ صـ ٣٦٧ -.
(٤) "غمز عيون البصائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي ٣٧٢/٢.
(٥) "فيض المستفيض في مسائل التفويض": لحفيد المصنف (ت١٠٣٥ هـ). ("خلاصة الأثر" ٤٧٥/٣، "الأعلام" ١٦٣/٦).
(٦) المقولة [٢٦١٩١] قوله: ((قلت: قدَّمنا إلخ)).
(٧) "ط": كتاب القضاء ١٧٧/٣.
(٨) المقولة [٢٦٢٨١] قوله: ((عالِماً باختلافِ الفقهاءِ إلخ)).
(٩) في "آ": ((أنفذه)) وعبارة المصنف ثمة: ((نفذه)).
(١٠) "الفتاوى الهندية": كتاب أدب القاضي - الباب الثالث في ترتيب الدلائل للعمل بها ٣١٤/٣ باختصار.
حاشية ابن عابدين
٢٨٠
قسم المعاملات
ولا رأيَ له فيه شاوَرَ العُلماءَ ونظَرَ أحسَنَ أقاويلِهم وقضَى بما رآهُ صواباً لا بغيرِهِ، إلّ أنْ
يكونَ غيرُهُ أقوى في الفقهِ ووجوهٍ (١) الاجتهادِ، فَيَجُوزُ تركُ رأيهِ برأيهِ))، ثمَّ قال(٢).
((وإنْ لم يكنْ مجتهداً فعليه تقليدُهُم واتّباعُ رأيهم، فإذا قضَى بخلافِهِ لا ينفُذُ حُكمُهُ)).
أَمضَى ذلك برأيهِ، وإن اختَلَفُوا نظَرَ إلى أقربِ الأقوالِ عندَه مِن الْحَقِّ إنْ كان مِن أهلِ
الاجتهادِ، وإلّ أخَذَ بقولِ مَن هو أَفقهُ وأَورِعُ عندَه)) اهـ "ط)" (٣).
[٢٥٩٨٨] (قولُهُ: وقضَى بما رآهُ صواباً) أي: بما حدَثَ له مِن الرّأيِ والاجتهادِ بعدَ
مُشاورتِهم، فلا يُنافي قولَهُ: ((ولا رأيَ له فيه))، تأمَّلْ.
[٢٥٩٨٩] (قولُهُ: إلّا أنْ يكونَ غيرُهُ) أي: إلاّ أنْ يكونَ الشَّخصُ الذي أفتاهُ أقوى مِنه،
فَيَجُوزُ له أنْ يَعدِلَ عن رأيِ نفسِهِ إلى رأيٍ ذلك المفتي، لكنَّ هذا إذا اتَّهَمَ رأيَ نفسِهِ، ففي
"الهنديَّةُ "(٤) عن "المحيط " (٥): ((وإنْ شاوَرَ القاضي رجلاً واحداً كَفَى، فإنْ رأى بخلافٍ رأیهِ
وذلك الرَّجلُ أفضلُ وأفقَهُ عندَه لم تُذكَرْ هذه المسألةُ هنا. وقال(٦) في كتابِ الحدودِ: لو قضَى
برأي ذلك الرَّجلِ أرجو أنْ يكونَ فِي سَعَةٍ، وإنْ لم يَتَّهِمِ القاضي رأيَهُ(٧) لا ينبغي أنْ يترُكَ رأيَ
نفسِهِ ويقضِيَ برأيٍ غيرِهٍ)) اهـ. أي: لأنَّ المجتهدَ لا يُقلِّدُ غيرَهُ.
[٢٥٩٩٠) (قولُهُ: واتّباعُ رأيهم) أي: إنِ اتَّفَقوا على شيءٍ، وإلّ أخَذَ بقولِ الأَفقهِ
والأورعِ(٨) عندَه كما مرَّ(٩).
(١) في "د": ((ووجه)).
(٢) "الملتقط": كتاب أدب القاضي - مطلب: إذا أشكل الأمر على القاضي إلخ صـ ٣٦٧ -.
(٣) "ط": كتاب القضاء ١٧٧/٣ باختصار.
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب أدب القاضي - الباب الثالث في ترتيب الدلائل للعمل بها ٣١٤/٣ بتصرف.
(٥) "المحيط البرهاني": كتاب القضاء - الفصل الثالث في ترتيب الدلائل للعمل بها ٤/ق٦٦/أ بتصرف.
(٦) أي: الإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى، كما في "الهندية" و"المحيط".
(٧) عبارة "الهندية": ((وإن لم يهتمّ القاضي برأيه))، وعبارة "المحيط": ((لم يتّهم)).
(٨) في "م": ((والأروع)) بتقديم الراء على الواو، وهو خطأ.
(٩) صـ ٢٧٩ - "در".
الجزء السادس عشر
٢٨١
کتابُ القضاء
(المِصْرُ شرطٌ لنفاذِ القضاءِ في ظاهرِ الرِّوايةِ، وفي روايةٍ "النّوادر": لا)، فينفُذُ في
القُرى، وفي عقارٍ
قال في "الفتح"(١): ((وعندي أنَّه لو أخَذَ بقولِ الذي لا يَميلُ إليه قلبُهُ جازَ؛ لأنَّ ذلك
الميلَ وعدَمَهُ سواءٌ، والواجبُ عليه تقليدُ مجتهدٍ وقد فعَلَ، أصابَ ذلك المجتهدُ أو أخطأَ)) اهـ.
قلتُ: وهذا كلُّهُ فيما إذا كان المفتيانِ مجتهدَينِ واختَلَفا في الحُكمِ، ومثلُهُ يُقالُ في المقلّدَينِ
فيما لم يصرِّحوا في الكتبِ بترجيحِهِ واعتمادِهِ، أو اختَلَفُوا في ترجيحِهِ، وإلّ فالواجبُ الآنَ اتْبَاعُ
ما اتّفَقوا [١٩٧٥/٣ /ب] على ترجيحِهِ، أو كان ظاهرَ الرِّوايةِ، أو قولَ "الإِمامِ"، أو نحوَ ذلك مِن
مُقتضياتِ الَّرجيحِ التي ذكرناها في أوَّلِ الكتابِ(٢) وفي منظومتنا وشرحِها(٣).
[٢٥٩٩١] (قولُهُ: في ظاهرِ الرّواية) في "البحر "(٤): ((ولا يُشترَطُ المِصْرُ على ظاهرِ الرِّوايةِ،
فالقضاءُ بالسَّوادِ صحيحٌ، وبه يُفتى، كذا في "البزّزيَّة"(٥))) اهـ. وبه عُلِمَ أنَّ كلاَّ مِن القولينِ
معزوٌّ إلى ظاهرِ الرِّوايةِ، وفيه تأمُّلٌ، "رمليّ على المنح".
[٢٥٩٩٢] (قولُهُ: وفي عَقارِ إلخ) في "البحر"(٦): ((ولا يُشترَطُ أنْ يكونَ المتداعيانِ مِن بلدٍ
(قولُهُ: وبه عُلِمَ أنَّ كلّ مِن القولينِ معزوٍّ إلى ظاهرِ الرِّوايةِ، وفيه تأمُّلٌ) وجهُهُ: أنَّ المذكورَ في
"البزّازيَّة" مِن الفصلِ الأوَّلِ: ((أَنَّه ينفُذُ القضاءُ في غيرِ المِصْرِ، وبه يُفتى))، بدونِ أن يعزُوَهُ لظاهرٍ
الرِّوايةِ، ثمَّ قال فيه: ((المِصْرُ شرطٌ لنفاذِ القضاءِ في ظاهرِ الرِّوايةِ))، وذكَرَ في الفصل الرّابعِ: ((قَضَى في
الرُّستاقِ نفَذَ في روايةِ "النَّوادر"، وهو المأخوذُ)) اهـ. ولم يذكُرْ أَنَّ النَّاذَ ظاهرُ الرِّوايةِ.
(١) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٦٠/٦.
(٢) المقولة [٤٦٨] قوله: ((والأصحُ كما في "السراجَيَّة")) وما بعدها.
(٣) هي منظومة "رسم المفتي" و"شرحها"، وتقدم ذكرها ٢٢٩/١.
(٤) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٠/٦.
(٥) "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل الأول في التقليد ١٣٩/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٠/٦.
حاشية ابن عابدين
٢٨٢
قسم المعاملات
لا في ولا يتهِ على الصَّحيحِ، "خلاصة" (١)، (وبه يُفتى)، "بزّازِيَّة". (أخَذَ القضاءَ برِشوةٍ)
القاضي إذا كانتِ الدَّعوى في المنقولِ والدَّينِ، وأمّا في عَقارٍ لا في ولايتِهِ فالصَّحيحُ الجوازُ كما
في "الخلاصة" و"البزّازيَّة"(٢)، وإيّاك أنْ تفهمَ خلافَ ذلك، فإنَّه غَلَطٌ)) اهـ.
مطلبٌ في الكلامِ على الرِّشوةِ والهديَّةِ
(٢٥٩٩٣] (قولُهُ: أَخَذَ القضاءَ برِشوةٍ) بتثليثِ الرّاءِ، "قاموس(٣). وفي "المصباح"(٤): ((الرِّشوةُ
بالكسرِ ما يُعطيهِ الشَّخصُ الحاكمَ وغيرَهُ ليحكُمّ له أو يحمِلَهُ على ما يريدُ، جمعُها: رِشًا مثلُ:
سِدْرةٍ وسِدَرِ، والضَّمُّلغةٌ، وجمعُها: رُشَّا بِالضَّمِّ)) اهـ. وفيه (٥): ((البِرْطيلُ بكسرِ الباءِ: الرِّشوةُ،
وفتحُ الباءِ عَمِِّيٌّ))، وفي "الفتح"(٦): ((ثمَّ الرِّشوةُ أربعةُ أقسامٍ: مِنها ما هو حرامٌ على الآخِذِ
والمُعطي، وهو الرِّشوةُ على تقليدِ القضاءِ والإمارةِ. الثّاني: ارتشاءُ القاضي ليحكُمَ، وهو كذلك
ولوِ القضاءُ بَحَقِّ؛ لأَنَّه واجبٌ عليه. الثّالثُ: أخَذُ المالِ لْيُسوِّيَ أمرَهُ عندَ السُّلطانِ دَفْعاً للضَّررِ أو
جَلْباً للَّفْعِ، وهو حرامٌ على الآخِذِ فقط. وحِيلةُ حِلِّها: أنْ يستأحِرَهُ يوماً إلى اللّيلِ أو يومينٍ، فتصيرُ
مَنَافِعُهُ مَملوكةً، ثُمَّ يستعمِلَهُ فِي الدَّهابِ إلى السُّلطانِ للأمرِ الفُلانِيِّ.
(قولُهُ: وأمّا في عَقارِ لا في ولايتِهِ فالصَّحِيحُ الجوازُ) وإنْ كان الصَّحيحُ الجوازَ لكنْ لا يَصِحُّ الَّسليمُ،
فلذا قال في "الهنديَّة" مِن البابِ العشرينَ مِن القضاءِ: ((ُخاريٌّ اذَّعَى داراً على سَمَرْقَنديِّ عندَ قاضي بُخارى
أنَّ الدّارَ التي في يديهِ بِسَمَرْ قَندَ في مَحلَّةٍ كذا مِلكي، وأقامَ البَّنَةَ على دعواهُ، فالقاضي يقضي بالدّارِ إلاّ أنَّ
الَّسليمَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الدّارَ ليست في ولايِتِهِ، فيكُتُبُ إلى قاضي سَمَرْقَدَ لأَجْلِ الَّسليمِ، كذا في "المحيط")).
(قولُهُ: فالصَّحيحُ الجوازُ إلخ) لكنْ بشرطِ أنْ يكونَ في ولايةِ مَن قَلَّدَهُ كما يأتي نَقْلُهُ عن "البزّازِيَّة".
(١) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الأول في التقليد - الجنس الثالث في التقليد ق ١٩٤/ب بتصرف، وليس فيها
قوله: ((على الصحيح)).
(٢) "البزازية": كتاب أدب القضاء - الفصل الأول في التقليد ١٣٨/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "القاموس": مادة ((رشو)).
(٤) "المصباح": مادة ((رشو))
(٥) "المصباح": مادة ((برطل)).
(٦) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٥٨/٦ - ٣٥٩.
الجزء السادس عشر
٢٨٣
کتابُ القضاء
وفي الأقضيةِ قسَمَ الهديَّة وجعَلَ هذا مِن أقسامِها، فقال: حلالٌ مِن الجانبينِ كالإِهداءِ
للتَّودُّدِ، وحرامٌ مِنهما كالإِهداءِ لْيُعِينَهُ على الظَّلمِ، وحرامٌ على الآخِذِ فقط، وهو أنْ يُهديَ
لَكُفَّ عنه الظُّلمَ. والحِيلةُ: أنْ يستأجِرَهُ إلخ، قال - أي: في الأقضيةِ -: هذا إذا كان فيه شرطٌ،
أمّا إذا كان بلا شرطٍ لكنْ يَعلَمُ يقيناً أنَّه إنَّما يُهدي ليُعِينَهُ عندَ السُّلطانِ فَمَشائُنا على أَنَّه
لا بأسَ به، ولو قضَى حاجتَهُ بلا شرطٍ ولا طمعٍ فأهدَى إليه بعدَ ذلك فهو حلالٌ لا بأسَ به،
وما نُقِلَ عن "ابنِ مسعودٍ"(١) مِن كراهتِهِ فوَرَعٌ.
٣٠٣/٤
(١) روى شُعبةُ وسفيانُ بن عيينةَ عن عمّارِ الدُّهنيِّ عن سالمٍ بن أبي الجَعْد عن مَسروقِ قال: سألتُ عبدَ الله عن
السُّحْت، فقال: ((الرَّجلُ يطلُبُ الحاجةَ للرَّجُلِ فيقضيّها فيهدي إليه فيقبَلُها)).
أخرجه سعيدُ بن منصورٍ في "السنن" (٧٤١)، وابنُ أبي شيبةَ في "المصنف" ١٠١/٥، وابنُ جريرِ الطَّبريُّ في
"التفسير" (١١٩٥٥) [المائدة/٤٢]، ومحمَّدُ بن خلَفٍ "وكيع" في "أخبار القضاة" ٤٠/١ و٥١، والبيهقيُّ في "الكبرى"
١٣٩/١٠، و"الشعب" (٥٥٠٤).
ولفظُ سعيدٍ عن سفيانَ: ((سألتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْت، أهو الرِّشوةُ في الحُكمِ؟ قال: لا، ومَن لم يَحكُمْ
بما أَنزَلَ الله فأولئك هم الكافرون، والظّالمون، والفاسقون، ولكنَّ السُّحْتَ أنْ يَستعينَكَ رَجلٌ على مَظلمةٍ فُيُهديَ
لك فتقبَلَه، فذلك السُّحْتُ)).
ورواه شُعبةُ ومَعمرٌ والثَّورِيُّ وجريرٌ عن منصورٍ عن سالمٍ بن أبي الجَعْد عن مسروقٍ قال: ((جاء رجلٌ مِن
أهل ديارنا، فاستعانَ مَسروقاً على مَظلَمةٍ له عندَ ابنِ زيادٍ فأعانَه، فأتاه بجاريةٍ له بعد ذلك، فرَدَّها عليه، وقال:
إنّي سَمِعتُ عبدَ الله يقولُ: هذا سُحْتٌ)).
أخرجه عبدُ الرَّزّاق (١٤٦٦٦)، وابنُ جريرٍ (١١٩٥٢) و(١١٩٥٤) و(١١٩٥٦) و(١١٩٧٤)، ووكيعٌ في
"أخبار القضاة" ٥٢/١، والبيهقيُّ في "الكبرى" ١٣٩/١٠، وابنُ بطَّةَ في "الإبانة" (١٠١٣). وعزاه في "الدُّرِّ المنشور"
إلى أبي الشيَّخ وابنِ المنذر.
ورواه بشرُ بنُ المفضَّل عن شُعبةَ عن منصورٍ وسليمانَ الأعمشِ عن سالمٍ بن أبي الجَعْد عن مَسروقٍ به.
أخرجه ابنُ جرير الطَّبريُّ في "تفسيره" (١١٩٥٦).
ورواه عثمانُ بن عمرَ ومَكَيُّ بنُ إبراهيمَ عن فِطرِ بن خليفة عن منصورٍ عن سالمٍ عن مَسروقٍ قال: ((كنتُ
جالساً عند عبدِ الله فقال له رجلٌ: ما السُّحْتُ، الرِّشا في الحُكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ. ثمَّ قرأ ﴿ومن لم يحكم بما
أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾.
أخرجه مسدَّدٌ في "مسنده"، والحاكمُ كما في "المطالب العالية" (٢٢٠٥)، وأبو يَعْلَى (٥٢٤٤)، والبيهقيُّ ١٣٩/١٠.
ورواه يحيى بنُ آدمَ عن فِطرٍ بن خليفة عن سالمٍ عن مسروقٍ نحوَه. لم يذكُر منصوراً.
=
حاشية ابن عابدين
٢٨٤
قسم المعاملات
أخرجه وكيعٌ في "أخبار القضاة" ٥٢/١.
==
ورواه الأعمشُ عن سَلَمَةَ بن كُهيلٍ عن سالمٍ قال: قيل لعبدِ الله: ما السُّحْتُ؟ قال: الرِّشوةُ. قالوا: في
الحُكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ! أخرجه ابنُ جريرٍ (١١٩٥١).
ورواه عبدُ الملك بنُ أبي سليمانَ عنِ سَلَمةَ عن مَسروقٍ وعلقمةَ أَنَّهما سألا ابنَ مسعودٍ عن الرِّشوة فقال:
هي السُّحْتُ. قالا: في الحُكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ. ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الكافرون﴾. أخرجه ابنُ جريرٍ (١١٩٦٥).
ورواه إسرائيلُ عن حكيم بن جُبيرٍ عن سالمٍ عن مَسروقٍ قال: سألتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ؟ قال: الرِّشا.
فقلتُ: في الحُكمِ؟ فقال: ذاك الكفرُ. أخرجه ابنُ جريرٍ (١١٩٦٣)، والطّرائيُّ (٩١٠١).
وروى زيدُ بنُ أبي أُنَيسةَ عن يُكيرِ بن مرزوقٍ عن عُبيد بن أبي الجَعْد عن مسروقٍ عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ
قال: ((مَن شَفِعَ لرجلٍ ليدفَعَ عنه مَظلمةً، أو يَرُدَّ عليه حَقّاً، فأهدى إليه هديَّةً فقَبِلَها، فذلك السُّحْتُ))، فقلنا: يا
أبا عبد الرَّحمن! إنّا كُنَّا نَعُدُّ السُّحْتَ الرِّشوةَ في الحُكمِ.
فقال عبد الله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾.
أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ في "التفسير" (٦٣٨٢) [المائدة/٤٢].
ورواه عمّارٌ وبُكيرُ بن أبي بُكيرِ والسُّدِّيُّ، وألفاظُهم مُتفاوتةٌ عن أبي الضُّحى مسلمٍ بنِ صُبِيحٍ عن مسروقٍ
بنحوِ رواية الثّريِّ ومَعمرٍ عن منصورٍ عن سالمٍ.
أخرجه ابنُ جريرِ الطَّرِيُّ (١١٩٦٦) و(١١٩٦٨)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (٩٠٩٨).
ورواية عُبيدةً عن عمّارٍ عن مسلمٍ بنِ صُبِيحٍ عن مَسروقٍ قال: سألتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْت، أهو الرِّشا في
الحُكمِ؟ فقال: ((لا، مَن لم يَحْكُم بما أَنزَلَ الله فهو كافرٌ، ومَن لم يَحَكُمْ بما أَنزَلَ الله فهو ظالمٌ، ومَن لم يَحْكُم بما
أَنزَلَ الله فهو فاسقٌ، ولكنَّ السُّحْتَ يستعينكَ الرَّجلُ على المَظَلَمةِ فتعينُه عليها، فيُهدي لك الهديَّةَ فتقبلُها)).
وروى خَلفُ بن خليفة عن منصورٍ بن زاذانَ عن الحَكْم عن أبي وائلٍ عن مسروقٍ قال: ((القاضي إذا أُكَلَ
الهديَّةِ فقد أكَلَ السُّحْتَ، وإذا قَبِلَ الرِّشوةَ بلَغَتْ به الكفرَ)).
أخرجه النسائيُّ في "المحتبى" ٣١٥/٨، و"الكبرى" (٥١٧٥) في الأشربة ذِكْرُ الرِّواية الُبِّنة عن صلوات شاربٍ
الخمر، وابنُ أبي حاتمٍ في "التفسير" (٦٣٨٢) [المائدة /٤٢]، ووكيعٌ في "أخبار القضاة" ٥٣/١.
ورواه وكيعٌ عن حُرِيثِ بن إبراهيمَ عن الشَّعبِيِّ عن مَسروقٍ قال: قُلنا لعبد الله: ما كُنَا نَرَى السُّحْتَ إلّ
الرِّشوةَ في الْحُكمِ، قال عبدُ الله: ذاك الكفرُ.
أخرجه ابنُ جريرٍ (١١٩٥٢)، ووكيعٌ في "أخبار القضاة" ٥١/١.
ورواه حمّادُ بن يحيى عن أبي إسحاقَ عن أبي الأَخْوص عن عبد الله بن مسعودٍ قال: الرِّشوةُ في الحُكمِ
كفرٌ، وهي بين النّاس سُحْتٌ.
أخرجه سعيدُ بن منصورٍ في "السنن" (٧٤٠)، والطَّرائيُّ في "الكبير" (٩١٠٠)، ووكيعٌ في "أخبار القضاة" ٥٢/١ . =
الجزء السادس عشر
٢٨٥
كتابُ القضاء
للسُّلطانِ، أو لقومِهِ وهو عالمٌ بها،
الرّابِعُ: ما يُدفَعُ لدَفْعِ الْخَوفِ مِن المدفوعِ إليه على نفسِهِ أو مالِهِ حلالٌ للدّافعِ حرامٌ على الآخِذِ؛
لأنَّ دَفْعَ الضَّررِ عن المسلمِ واجبٌ، ولا يَجُوزُ أَخْذُ المالِ ليفعلَ الواجبَ)) اهـ ما في "الفتح"
مُلخَّصاً. وفي "القنية"(١): ((الرِّشوةُ يَجِبُ رَدُّها، ولا تُملَكُ))، وفيها (١): ((دفَعَ للقاضي أو لغيرِهِ
سُحْتاً لإصلاحِ المُهِمِّ، فأصلَحَ ثُمَّ نَدِمَ يُرُدُّ ما دفَعَ إليه)) اهـ. وتمامُ الكلامِ عليها في "البحر)"(٢)،
ويأتي (٣) الكلامُ على الهديَّةِ للقاضي، والمفتي، والعُمّالِ.
[٢٥٩٩٤) (قولُهُ: للسُّلطانِ) صفةٌ لـ ((رِشوةٍ))، أي: دفَعَها القاضي له، وكذا لو دفَعَها
غيرُهُ كما في "البحر "(٤) عن "البزّازيَّة"(٥).
وروى عُبيدُ الله بن موسى عن أبي إسرائيل عن السُّدي عن عبد خير قال: سئل ابنُ مسعودٍ عن السُّحْتِ،
=
قال: الرِّشا، قلنا: في الحُكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ. أخرجه وكيتٌ في "أخبار القضاة" ٥٣/١.
ورواه عبدُ الرَّزّاق وسفيانُ الثَّورِيُّ عن عاصمٍ عن زِرّ بنِ حُبيشٍ قال: قال ابنُ مسعودٍ: السُّحْتُ الرِّشوةُ في
الدِّين، قال سفيانُ: يعني في الحُكمِ.
أخرجه عبدُ الرَّزَاق (١٤٦٦٤)، وابنُ جريرٍ (١١٩٥٠) و(١١٩٥٧)، وابنُ أبي حاتمٍ في "التفسير" (٦٣٨١)،
والطّبرانيُّ في "الكبير" (٩٠٩٩)، ووكيعٌ في "أخبار القضاة" ٥٠/١ و٥١، والفِرْيابيّ، وعبدُ بن حُميد، وابنُ المنذر،
وأبو الشَّيخ كما في "الدُرِّ المنثور" [المائدة/٤٢].
وروى أبو زيادٍ الفُقَيميّ عن أبي حَريْز عن الشَّعبيِّ: ((أَنَّ رجلاً كان يُهدي إلى عمرَ بنِ الخطّاب كلَّ عامٍ
رِجِلَ جَزورٍ، خاصَمَ إليه يوماً، فقال: يا أميرَ المؤمنين! اقضِ بيننا قضاءً فَصْلاً كما يُفصَلُ الرِّجْلُ مِن سائر الجزور،
فقضى عمرُ عليه، وكتب إلى عُمَّاله: ألا إنَّ الهدايا هي الرِّشا، فلا تقبّلُنَّ من أحدٍ هديّةٌ)). أخرجه وكيعٌ في
"أخبار القضاة" ٥٥/١ - ٥٦، والبيهقيُّ في "الكبرى" ١٣٨/١٠.
(١) "القنية": كتاب الهبة - باب في الإباحة والنثار والرشوة والهدايا ق ٩٦/أ بتصرف، نقلاً عن القاضي عبد الجبار،
والسمر قندي بمجموعاته، و"السير الكبير"، وعلاء الدين الزاهديّ.
(٢) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٥/٦ - ٢٨٦.
(٣) المقولة [٢٦٠٦٥] قوله: ((وَيُرُدُّ هديَّةً)) وما بعدها.
(٤) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٥/٦.
(٥) "البزازية": كتاب أدب القضاء - الفصل الأول في التقليد ١٣٦/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
حاشية ابن عابدين
٢٨٦
قسم المعاملات
أو شفاعةٍ (١)، "جامع الفصولين"(٢) و"فتاوى ابن نجيم"(٣)، (أو ارتَشَى) هو أو أعوانُهُ
بعِلمِهِ، "شُرِنُبُلاليَّة"(٤) (وحكَمَ لا ينفُذُ حُكمُهُ).
[٢٥٩٩٥] (قولُهُ: أوِ ارتَشَى) المناسبُ إسقاطُهُ؛ لأَنَّه يُغني عنه قولُهُ: ((ولو كان عَدْلاً))،
مع ما فيه مِن الإيهامِ كما تعرِفُهُ.
[٢٥٩٩٦] (قولُهُ: لا ينفُذُ حُكمُهُ) فيه إبهامُ التّسويةِ بينَ المسألتينِ، مع أنَّه إذا أخَذَ القضاءَ
بالرِّشوةِ لا يصيرُ قاضياً كما في "الكنز "(٥). قال في "البحر"(٦): ((وهو الصَّحيحُ، ولو قضَى
لم ينفُذْ، وبه يُقتى)) اهـ، ومثلُهُ في "الدُّرر"(٧) عن "العماديَّة". وأمّا إذا ارتَشَى - أي: بعدَ صحَّةٍ
توليتِهِ، سواءٌ ارتَشَى ثُمَّ قَضَى، أو قضَى ثُمَّ ارتَشَى كما في "الفتح"(٨) - فحكى في "العماديّة" فيه
ثلاثةَ أقوالٍ: ((قيل: إنَّ قضاءَهُ نافذٌ فيما ارتَشَى فيه وفي غيرِهِ، وقيل: لا ينفُذُ فيه، وينفُذُ فيما
سِواهُ، واختارَهُ "السَّرَخسيُّ" (٩)، وقيل: لا ينفُذُ فيهما، والأَوَّلُ اختارَهُ "البزدويُّ"، واستحسَنَهُ في
"الفتح"(١٠)؛ لأنَّ حاصلَ أمرِ الرِّشوةِ فيما إذا قضَى بَحَقِّ إيجابُ فِسقِهِ وقد فُرِضَ أَنَّه لا يُوجِبُ العَزْلَ،
(قولُهُ: المناسبُ إسقاطُهُ؛ لأَنَّه يُغني عنه قولُهُ: ولو كان عَدْلاً إلخ) ما يأتي في استحقاقِ العَزْلِ،
وهو لا يُفيدُ عَدَمَ النَّاذِ، فلا بدَّ منِ ذِكرِ ما هنا، تأمَّلْ.
(١) في "ب" و"و" و"ط": ((أو بشفاعةٍ))، وما أثبتناه من "د" موافق لما أحال إليه ابن عابدين رحمه الله في المقولة [٢٥٩٩٨].
(٢) "جامع الفصولين": الفصل الأول في القضاء وما يَتَّصل به إلخ ١٣/١.
(٣) "فتاوى ابن نجيم": كتاب القضاء صـ ١٤٠ - (هامش "الفتاوى الغيائية").
(٤) "الشرنبلالية": كتاب القضاء ٤٠٥/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب القضاء ٨٣/٢.
(٦) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٤/٦.
(٧) "الدررو الغرر": كتاب القضاء ٤٠٤/٢.
(٨) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٥٨/٦ - ٣٥٩.
(٩) لم نعثر عليه في كتب السرخسي التي بين أيدينا.
(١٠) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٥٨/٦.
ا
الجزء السادس عشر
٢٨٧
كتابُ القضاء
فولايُتُهُ قائمةٌ وقضاؤهُ بَحَقِّ، فلِمَ لا ينفُذُ؟ وخُصوصُ هذا الفِسقِ غيرُ مؤثّرٍ. وغايةُ ما وُجِّهَ أَنَّه
إذا ارتَشَى عاملٌ لنفسِهِ معَنَّى، والقضاءُ عملٌ للهِ تعالى)) اهـ.
قال في "النَّهر"(١) تَبَعاً لـ "البحر"(٢): ((وأنت خبيرٌ بأنَّ كونَ خُصوصِ هذا الفِسقِ
غيرَ مؤثِّرٍ ممنوعٌ، [١/١٩٨٥/٣] بل يؤثّرُ بملاحظةِ كونِهِ عملاً لنفسِهِ، وبهذا يترجَّحُ(٣) ما اختارَهُ
"السَّرَخسيُّ". وفي "الخانيَّةِ"(٤): أجْمَعُوا أَنَّه إذا ارتَشَى لا ينفُذُ قضاؤهُ فيما ارتَشَى فيه)) اهـ.
قلتُ: حكايةُ الإجماعِ منقوضةٌ بما اختارَهُ "البزدويُّ" واستحسَنَهُ في "الفتح"(٥)، وينبغي
اعتمادُهُ للضَّرورةِ في هذا الزَّمانِ، وإلّ بطَلَت جميعُ القضايا الواقعةِ الآنَ؛ لأَنَّه لا تخلُو قضيَّةٌ عن
أَخْذِ القاضي الرِّشوةَ المسمّاةَ بالمحصولِ قبلَ الحُكمِ أو بعدَهُ، فيلزَمُ تعطيلُ الأحكامِ. وقد مرَّ(٦)
عن صاحبِ "النّهر" في ترجيحِ أنَّ الفاسقَ أهلٌ للقضاءِ أَنَّه لو اعتُبرَ العَدالةُ لانسَدَّ بابُ القضاءِ،
فكذا يُقالُ هنا، وانظُرْ ما سنذكرُهُ في أوَّلِ بابِ التَّحكيمِ(٧). وفي "الحامديَّة"(٨) عن "جواهر
الفتاوى": ((قال شيخُنا وإمامُنا "جمالُ الدِّين اليَزْدِيُّ"(٩): أنا مُتَحَيِّرٌ في هذه المسألةِ، لا أَقدِرُ أنْ
(قولُهُ: وغايةُ ما وُجِّهَ أَنَّه إذا ارتَشَى إلخ) كأَنَّه فَهِمَ مِن توجيههم أنَّه إذا ارتَشَى لم يقصِدْ وجهَ
اللهِ تعالى بهذه العبادةِ، بل قصَدَ نَفْعَ نفسِهِ، وهذا لا يقتضي بُطلانَ ذلك العملِ، بل ثوابِهِ، مع أنَّ هذا
ليس مُرادَهم، بلِ المرادُ أنْ يكونَ حاكماً لنفسِهِ، والقضاءُ لنفسِهِ باطلٌ.
(١) "النهر": كتاب أدب القاضي ق ٤٢٧/أ.
(٢) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٥/٦.
(٣) في "ك": ((ترجح)).
(٤) "الخانية": كتاب الدَّعوى والبِّنات ٣٦٢/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٥٨/٦.
(٦) المقولة [٢٥٩٣٩] قوله: ((والفاسقُ أهلُها)).
(٧) المقولة [٢٦٤٨٢] قوله: ((حاكماً)).
(٨) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب القضاء ٣٠٣/١.
(٩) في النسخ جميعها تبعاً لـ"الحامدية": ((البزدوي)) وهو تحريف، ففي ترجمة صاحب "جواهر الفتاوى" أنه ينقل عن فتاوى
جمال الدين اليزديّ، واليزديّ هو أبو سعيد المطهّرُ بن الحسن - وقيل الحسين - قاضي القضاة (ت٥٩١هـ)، له شرح على
"الجامع الصغير"، و"مختصر القدوري"، وله "الفتاوى". انظر "الجواهر المضية" ٤٨٥/٣، و"الفوائد البهية" صـ٢١٥ -.
حاشية ابن عابدين
٢٨٨
قسم المعاملات
ومِنه: ما لو جعَلَ لُولِّيهِ مَبلغاً في كلِّ شهرٍ يأخُذُه مِنه ويُفوِّضُ إليه قضاءَ ناحيةٍ،
"فتاوى المصنّف"(١)، لكنْ في "الفتح"(٢): ((مَن قُلِّدَ بواسطةِ الشُّفَعَاءِ كمَن قُلِّدَ
احتساباً))، ومثلُهُ في "البزّازِيَّةِ"(٣) بزيادةٍ: ((وإنْ لم يَحِلَّ الطّلبُ بالشُّفَعاءِ)). (ولو)
كان (عَدْلاً ففسَقَ بأَخْذِها) أو بغيرِهِ(٤).
أقولَ: تنفُذُ أحكامُهم؛ لِما أَرى مِن الَّخليطِ والجَهلِ والجُراءة فيهم، ولا أَقدِرُ أنْ أقولَ: لا تنفُذُ؛
لأنَّ أهلَ زمانِنا كذلك، فلو أَفتيتُ بالْبُطلانِ أدَّى إلى إبطالِ الأحكامِ جميعاً. يحكُمُ اللهُ تعالى بينَنَا
وبينَ قُضاةٍ زمانِنا، أَفْسَدُوا علينا دِيْنَنَا وشريعةَ نبِّنا ﴿، لم يَبْقَ مِنهم إلّالاسمُ والرَّسمُ)) اهـ. هذا
في قُضاةِ ذلك الرَّمانِ، فما بالُكَ في قُضاةِ زمانِنا، فإنَّهم زادوا على مَن قبلَهم باعتقادِهم حِلَّ ما
يأخُذونَهُ مِن المحصولِ بزعمِهِمُ الفاسدِ أنَّ السُّلطانَ يأذَثُ لهم بذلك، وسَمِعتُ مِن بعضِهم
أنَّ المولَى "أبا السُّعودِ" أفتى بذلك، وأظنُّ أنَّ ذلك افتراءٌ عليه، وانظُرْ ما سنذكرُّهُ(٥) قبيلَ
كتابِ الشَّهاداتٍ، ولا حولَ ولا قوَّةً إلاّ باللهِ العليِّ العظيمِ.
[٢٥٩٩٧) (قولُهُ: ومِنه إلخ) أي: مِن قسمٍ أَخْذِ القضاءِ بالرِّشوةِ، وهذا يُسمَّى الآنَ مُقاطعةً
والتزاماً، بأنْ يكونَ على رجلٍ قضاءُ ناحيةٍ، فَيَدَفَعَ له آخَرُ شيئاً معلوماً ليقضِيَ فيها ويَستقِلَّ
بجميعِ ما يُحصِّلُهُ مِن المحصولِ لنفسِهِ، وذكَرَ في "الخيريَّةِ(٦) في شأنِهِم نظماً يُصرِّحُ بكُفرِهم.
[٢٥٩٩٨] (قولُهُ: لكنْ في "الفتح" إلخ) استدراكٌ على قولِهِ(٧): ((أو شفاعةٍ)).
[٢٥٩٩٩] (قولُهُ: أو بغيرِهِ) كزِنًا أو شُرْبِ خَمرٍ.
(١) "فتاوى المصنف": فصل من كتاب القضاء ق٥٩/ب.
(٢) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٥٩/٦.
(٣) "البزازية": كتاب أدب القضاء - الفصل الأول في التقليد ١٣٦/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) في "و": ((بغيرها)).
(٥) المقولة [٢٦٧٦٢] قوله: ((في "الأشباه"))، والمقولة [٢٦٧٦٣] قوله: ((والأوقافٍ)).
(٦) "الفتاوى الخيرية": كتاب أدب القاضي ٧/٢ - ٨.
(٧) صـ ٢٨٦ - "در".
الجزء السادس عشر
٢٨٩
كتابُ القضاء
وخَصَّها لأَنّهَا الْمُعْظَمُ (استَحَقَّ العَزْلَ) وُجوباً، وقيل: يَنعزِلُ، وعليه الفتوى،
"ابن الكمالِ" و"ابن مَلَكٍ"(١). وفي "الخلاصة"(٢) عن "الّوادر": ((لو فسَقَ، أوِ ارتَدَّ،
أو عَمِيَ، ثمَّ صلَحَ، أو أبصَرَ فهو علی قضائهِ).
[٢٦٠٠٠) (قولُهُ: لِأَنَّهَا الْمُعْظَمُ) أي: مُعْظَمُ ما يفسُقُ به القاضي، "نهر "(٣).
[٢٦٠٠١] (قولُهُ: استَحَقَّ العَزْلَ(٤)) هذا ظاهرُ المذهبِ، وعليه مَشائُنا البُخاريُّون
والسَّمَرْقَندُّون. ومعناهُ: أَنَّه يَجِبُ على السُّلطانِ عَزْلُهُ، ذكَرَهُ في "الفصول"، وقيل: إذا وُلِّيَ
عَدْلاً ثمَّ فَسَقَ انعزَلَ؛ لأنَّ عدالنَّهُ مشروطةٌ معَنَّى؛ لأنَّ مُؤَلِيَهُ اعتمَدَها فيزولُ بزوالِها. وفيه:
أَنَّه لا يلزَمُ مِن اعتبارٍ ولا يتِهِ لصلاحَيَتِهِ تقييدُها به على وجهٍ تزولُ بزوالِهِ، "فتح"(٥) مُلخَّصاً.
[٢٦٠٠٢) (قولُهُ: وقيل: يَنعزِلُ، وعليه الفتوى) قال في "البحر"(٦) بعدَ نَقْلِهِ: ((وهو
غريبٌ، والمذهبُ خلاقُهُ)).
[٢٦٠٠٣) (قولُهُ: ثمَّ صلَحَ) أي: بالطَّاعةِ أو الإسلامِ، "ط)"(٧).
[٢٦٠٠٤] (قولُهُ: فهو على قضائهِ) مُخالِفٌ لِما في "البحر "(٨) عن "البزّازِيَّةِ"(٩): ((أربعُ
خِصالٍ إذا حَلَّت بالقاضي انعزَلَ: فواتُ السَّمعِ، أو البصرِ، أو العقلِ، أو الدِّينِ)) اهـ، لكنْ قال
بعدَهُ(١٠): ((وفي "الواقعات الحساميَّة": الفتوى على أَنَّه لا يَنعزِلُ بالرِّدَّةِ، فإنَّ الكُفرَ لا يُنافِي ابتداءً
(١) في "د" و"و": ((الملك)).
(٢) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الأول في التقليد - الجنس الثاني في المقلِّد ق ١٩٤/أ بتصرف.
(٣) "النهر": كتاب القضاء ق٤٢٧/أ.
(٤) في "م": ((الغزل)) بالغين المعجمة، وهو خطأ.
(٥) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٥٨/٦.
(٦) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٤/٦.
(٧) "ط": كتاب القضاء ١٧٨/٣.
(٨) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٢/٦.
(٩) "البزازية": كتاب أدب القضاء - الفصل الأول في التقليد ١٣٨/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(١٠) أي: صاحب "البحر": كتاب القضاء ٢٨٢/٦.
حاشية ابن عابدين
٢٩٠
قسم المعاملات
وما قضَى في فِسقِهِ ونحوِهِ باطلٌ))، واعتمَدَهُ في "البحر". وفي "الفتح"(١): ((اتّفَقوا في
الإمارةِ والسَّلطَنةِ على عَدَمِ الانعزالِ بالفسقِ؛ لأنّها مبنيّةٌ على القهرِ والغَلَبةِ)). لكنْ في
أوَّلِ دعوى "الخائَّة": ((الوالي كالقاضي))، فليُحفَظْ ..
القضاءِ في إحدى الرِّوايتينِ))، ثمَّ قال(٢): ((وبه عَلِمتَ أنَّ ما مرَّ(٣) على خلافِ المفتى به.
وفي "الولوالحيَّة"(٤): إذا ارتَدَّ، أو فسَقَ ثُمَّ صَلَحَ فهو على حالِهِ؛ لأنَّ الارتدادَ فِسقٌ، وبنفسِ
الفِسقِ لا يَنعزِلُ إلّ أنَّ ما قضَى في حالِ الرِّدَّةِ باطلٌ)) اهـ.
قلتُ: وظاهرُ ما في "الولوالجِيَّة" أنَّ ما قضاهُ في حالِ الفِسقِ نافذٌ، وهو الموافقُ لِما
مرَّ(٥)، إلّ أنْ يُرادَ بالفِسقِ في عبارةِ "الخلاصة" الفِسقُ بالرِّشوةِ، تأمَّلْ.
٣٠٤/٤
[٢٦٠٠٥] (قولُهُ: واعتمَدَهُ في "البحر") فيه: أنَّ الذي اعتمَدَهُ في "البحر"(٦) هو قولُهُ: ((فصار
الحاصلُ: أَنَّه إذا فسَقَ لا يَنعزِلُ، وتنفُذُ قضاياهُ إلّ في مسألةٍ، هي: ما إذا فسَقَ بالرِّشوةِ، فإنَّه
لا ينفُذُ في الحادثةِ التي أخَذَ بسبِها))، قال(٧): ((وذكَرَ "الطَّرَسوسيُّ"(٨): أنَّ مَن قال
باستحقاقِهِ العَزْلَ(٩) قال بصحَّةِ أحكامِهِ، ومَن قال بعَزْلِهِ قال ببطلانِها)) اهـ.
مطلبٌ: السُّلطانُ يصيرُ سُلطانً بأمرَيْنِ
[٢٦٠٠٦) (قولُهُ: لكنْ في أوَّلِ [٣/ ١٩٨٢/ ب] دعوى "الخانّة" إلخ) حيثُ قال(١٠) - كما في
"البحر"(١١) -: ((والوالي إذا فسَقَ فهو بمنزلةِ القاضي يستَحِقُّ العَزْلَ ولا يَنعزِلُ)) اهـ.
(١) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٥٨/٦.
(٢) أي: صاحبُ "البحر": كتاب القضاء ٢٨٢/٦ - ٢٨٣ بتصرف.
(٣) أي: مِن نَقْلِهِ عن "البزازية"، كما أوضحه ابن عابدين رحمه الله في "منحة الخالق": كتاب القضاء ٢٨٢/٦.
(٤) "الولوالجية": كتاب القضاء - الفصل الأول فيما ينفذ قضاء القاضي وفيما لا ينفذ ٣٤/٤ باختصار.
(٥) صـ٢٨٩ - "در".
(٦) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٤/٦.
(٧) أي: صاحب "البحر".
(٨) "أنفع الوسائل": الاجتهاد شرط الأولوية صـ ٣١٠ -.
(٩) في "٢": ((بالاستحقاق للعزل)).
(١٠) "الخانية": كتاب الدعوى والبينات ٣٦٢/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(١١) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٤/٦.
الجزء السادس عشر
٢٩١
كتابُ القضاء
(وينبغي أنْ يكونَ.
وأنت خبيرٌ بأنَّ هذا لا يُخالِفُ ما في "الفتح"، فافهمْ. نَعَمْ نقَلَ في "البحر"(١) عن "الخانَيَّة"(٢)
أيضاً مِن الرِّدَّةِ: ((أَنَّ السُّلطانَ يصيرُ سُلطاناً بأمرَينٍ: بالمبايعةِ معه مِن الأشرافِ والأعيان، وبأنْ
ينفُذَ حُكمُهُ على رعيَّتِهِ خوفاً مِن قَهْرِهِ، فإنْ بُويعَ ولم ينفُذْ فيهم حُكمُهُ لعجزِهِ عن قهرِهم لا
يصيرُ سُلطانً، فإذا صار سُلطانً بالمبايعةِ فجارَ: إنْ كان له قَهْرٌ وغَلَبَةٌ لا يَنعزِلُ؛ لأَنَّه لو انعزَلَ
يصيرُ سُلطانً بالقَهرِ والغَلَبةِ فلا يُفيدُ، وإنْ لم يكنْ له قَهْرٌ وغَلَةٌ يَنعزِلُ)) اهـ. فكان المناسبُ
الاستدراكَ بهذه العبارةِ الثّانيةِ؛ لِيُفيدَ حملَ ما في "الفتح" على ما إذا كان له قَهْرٌ وَغَلَبَةٌ.
[٢٦٠٠٧] (قولُهُ: وينبغي أنْ يكونَ إلخ) ويكونَ شديداً مِن غيرِ عُنفٍ، لَيّاً مِن غيرِ ضَعفٍ؛ لأنَّ
القضاءَ مِن أهمِّ أمورِ المسلمينَ، فكلُّ مَن كان أعرَفَ، وأقدَرَ، وأوجَهَ، وأهَيَبَ، وأصبَرَ على ما يُصيبُهُ
مِن الّاسِ كان أولى، وينبغي للسُّلطانِ أنْ يتفخَّصَ في ذلك ويُولِّيَ مَن هو أَولِى؛ لقولِهِ عليهِ الصَّلاةُ
والسَّلامُ: ((مَن قَلَّدَ إنساناً عملاً وفي رعيِّهِ مَن هو أولى فقد خانَ اللهَ ورسولَهُ وجماعةَ المسلمينَ)(٣)،
(١) "البحر": کتاب القضاء ٢٨٤/٦ باختصار.
(٢) "الخانية": كتاب السِّير - باب الرِّدة وأحكام أهلها - فصل فيما يبطله الارتداد ٥٨٤/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) روى عفّانُ ويزيدُ بن عبد العزيز الواسطيُّ ووَهْبُ بن بَقِيَّة ومُسدَّدٌ، كلُّهم عن خالد بن عبد الله عن حسين بن
قيسٍ الرَّحْبِيِّ عن عكرمةَ عن ابن عبّاسٍ عن النّبِيِّ :﴿: ((مَنِ استعمَلَ رجُلاً على عِصابةٍ، وفي تلك العِصابةِ مَن هو
أَرْضى للهَ مِنه، فقد خانَ اللهَ ورسولَهُ، وخانَ جماعةَ المسلمين)).
أخرجه ابنُ أبي عاصمٍ في "السُّنَّة" (١٤٦٢)، والعُقيليُّ في "الضُّعَفاء" ٢٤٨/١، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل"
٣٥٢/٢، والطَّرانيُّ في "الكَبير" (١١٥٣٤)، والحاكمُ في "المستدرك" ٩٢/٤ - ٩٣، وقال: صحيحُ الإسناد.
وتعقّبُه الذَّهبِيُّ بأنَّ حُسَيناً ضعيفٌ. وقال العُقيليُّ: وهذا يُروى من كلامٍ عمرَ.
وزادَ عَبدانُ وابنُ أبي عاصمٍ ومعاذُ بنُ المثنّى عن وَهْبٍ: ((مَن مشَى إلى سُلطانِ الله في الأرضِ لْيُذِلْه، أذَلَّ
الله رَقَبْتَه قبلَ يومِ القيامة مع ما ذَخَرَ له مِن العذاب، وسُلطانُ الله: كتابُ الله، وسُنّهُ نبِّهِ﴿)).
وحسين بنُ قيسِ الرَّحْبِيُّ، ويلقُّه التيميُّ بحنَش: واهٍ متِّفَقٌ على ضَعْفه، قال أحمدُ: متروكُ الحديث، ضعيفُ
الحديث، لا أروي عنه شيئاً، وقال النَّسائيُّ في روايةٍ، والدّار قطنيُّ: متروكٌ. وضعَّفَه أبو زُرعةَ وابنُ مَعينٍ، وقال
البخاريُّ: لا يُكتَبُ حديثُه، وقال الجوز جانيُّ: أحاديثُه مُنكَرَةٌ جدًّاً، وقال مسلمٌ: مُنكَرُ الحديث.
وروى سليمانُ التيميُّ عن حَنَش عن عِكرمةَ عن ابن عبّاسٍ عن النّبِّلَ ◌ّ قال: ((مَن أعانَ باطلاً لَيَدحَضَ
بباطلِهِ حَقّاً، فقد بَرِئَت مِنه ذمَّةُ الله وذمَّةُ، رسولِهِ ﴿)).
أخرجه الطَّبرانيُّ في "الكبير" (١١٥٣٩)، والحاكمُ في "المستدرك" ١٠٠/٤، وقال: صحيحُ الإسناد، وتعقّبُه
الذّهبيُّ بضَعْف حسین بن قيسِ.
=
حاشية ابن عابدين
٢٩٢
قسم المعاملات
ورواه خالدٌ وعليُّ بنُ عاصمٍ عن أبي عليٍّ حسين الرَّحْبِيِّ عن عِكرمةَ عن ابن عبّاسٍ عن النَّبِيِّ ◌َ *: ((مَن
=
مشَى إلى سُلطانِ الله في الأرضِ لِيَّذِّلَّهِ، أَذَلَّ الله رَقَبْتَه يومَ القيامة مع ما يَدَّخِرُ له في الآخرةِ)). أخرجه الطَّرانيُّ في
"الكبير" (١١٥٣٤). وقال: وزادَ مسلمٌ: ((وسُلطانُ الله: كتابُ الله، وسُنَةُ نبِّهِ ﴿)).
ورواه ابنُ لَهيعةً عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن عِكرمةَ عن ابن عبّاسٍ عن النَّبيِّنَ﴿ يقول: ((مَنِ استعمَلَ عاملاً مِن
مسلمينَ وهو يعلَمُ أنَّ فيهم أَوْلى بذلك مِنه وأعلَمَ بكتابِ الله وسُنَّةٍ نبِّهِ ﴿ فقد خانَ الله ورسولَه وجميعَ المسلمينَ)).
أخرجه البيهقيُّ في "الكبرى" ١١٨/١٠.
وروى محمَّدُ بن بكّارٍ حدَّثنا إبراهيمُ بنُ زيادِ القُرَشِيُّ - وفي حديثه نكرةٌ، أحدُ المجهولين - عن خُصَيف عن عِكرمةَ
عن ابن عبّاسٍ عن النّبِّل: ﴿ أَنَّه قال: ((مَن أعانَ على باطلٍ لَيَدحَضَ بباطلِهِ حَقّاً فقد بَرِئَّ مِن ذمَّةِ الله وذمَّةِ رسولِهِ، ومَن
مشَى إلى سُلطانِ الله في الأرضِ ليُذِلَّهُ أذَلَّ الله رَقَبْتَهُ يومَ القيامةِ - أو قال: إلى يومِ القيامةِ، مع ما يُدَّخَرُ له مِن خِزِيٍ يومَ القيامة،
وسُلطانُ الله في الأرضِ كتابُ الله وسَّةُ نبِّه، ومَنِ استعمَلَ رِجُلاً وهو يَجِدُ غيرَه خيراً مِنه وأعلَمَ مِنه بكتابِ الله وَسَّةِ نِّه فقد
خانَ الله والمؤمنين، ومَن ولِيَ مِن أمرِ المسلمينَ شيئاً لم ينظُرِ اللهُ له في حاجةٍ حَتّى ينظُرَ في حاجاتِهم ويؤدِّيَ إليهم
حُقوقَهم، ومَن أَكَلَ درهمَ رِبَّا كان عليه مثلُ إِثْمٍ سِتُّ وثلاثين زَنْيَةً في الإسلام، ومَن نَبَتَ لحمُهُ مِن سُحْتٍ فَالَّارُ أَوْلى به)).
أخرجه الخطيبُ في "تاريخ بغداد" ٧٦/٦. قال البخاريُّ: لا يَصِحُّ إسنادُه، وإبراهيمُ بنُ زيادٍ: لا يُعرَفُ مَن ذا؟
ورواه سعيدُ بنُ رحمةَ المِصِّصيُّ عن محمَّد بنِ حِمْيُر عن إبراهيمَ بنِ أبي عَبْلَةَ عنِ عِكرمةَ عن ابنِ عبّاسٍ عن النَّبِيِّ ◌َِّ:
((مَن أعانَ ظالماً لَيَدحَضَ به حَقّاً فقد بَرِئٍ مِن ذمَّةِ الله وذمَّةِ رسولِهِ، ومَن أَكَلَ درهماً مِن رِبًّا فهو مثلُ ثلاثٍ وثلاثين زَنْيَةً،
ومَنْ نَبَتَ لحمُهُ مِن السُّحْتِ فالّارُ أَوْلى به)). أخرجه الطَّرانِيُّ في "الأوسط" (٢٩٦٨)، وابنُ حبّانَ في "المجروحين" ٣٢٤/١.
قال ابنُ حبّانَ: سعيدُ بنُ رحمةَ المِصِّيصيُّ يروي عن محمَّدٍ بن حِمْيَر ما لا يُتابَعُ عليه، لا يَجُوزُ الاحتجاجُ به؛
لُخالفتِهِ الأثباتَ فِي الرِّوايات.
ورواه أبو محمَّدٍ الْجَزَريُّ وهو حمزةُ النّصِيبيُّ عن عمرو بن دينارٍ عن ابن عبّاسٍ قال رسولُ اللـهِلَ ◌ّ: ((مَن أعانَ
باطلٍ لَيَدحَضَ بباطلِهِ حَقّاً فقد بَرِئَّ مِن ذمَّةِ الله وذمَّةِ رسولِهِ، ومَن مشَى إلى سُلطانِ الله في الأرضِ ليُذِلَّهُ أذَلَّه الله، مع
ما يُذَّخَرُ له مِن خِزِيٍ يومَ القيامة، وسُلطانُ الله: كتابُ الله وسِّنَّهُ نبِّه، ومَن تولَّى مِن أمرِ المسلمينَ شيئاً فاستعمَلَ عليهم
رجُلاً وهو يعلَمُ أنَّ فيُهم مَن هو أَوْلِى بذلك وأعلَمُ مِنه بكتابِ الله وسُنّةِ رسولِه فقد خانَ اللهَ ورسولَه وجميعَ المؤمنينَ،
ومَنْ تِرَكَ حوائجَ الّاسِ لم ينظُرِ اللهُ في حاجتِه حتّى يقضيَ حوائجهم ويؤدِّيَ إليهم بحَقّهم، ومَن أَكَلَ درهمَ رِبًّا فهو
ثلاثٌ وثلاثون زَنْيَةً، وَمَن نَبَتَ لحمُهُ مِن سُحْتٍ فَالّارُ أَوْلى به)).
أخرجه الطَّرانيُّ في "الكبير" (١١٢١٦).
وحمزةُ بنُ أبي حمزة النَّصِيبِيّ الْجَزَريّ: قال أحمدُ: مطروحُ الحديث، قال ابنُ مَعينٍ: لا يساوي فَلْساً، وقال
البخاريُّ: مُنكَرُ الحديث، وقال الدّار قطنيُّ: متروكٌ، وقال ابنُ عَدِيٌّ: وكلُّ ما يرويه أوّ عامَّتُه مَناكيرُ موضوعةٌ،
والبلاءُ مِنه ليس مِمّن يروي عنه، ولا مِمّن يروي هو عنهم، وقال: يضَعُ الحديث.
وله شاهد من حديثُ حذيفةَ: فقال الزَّلعيُّ في "نصب الرَّاية" ٦٢/٤: رواه أبو يَعْلى الموصليُّ في "مسنده"،
حدَّثنا أبو وائلٍ خالدُ بنُ محمَّدٍ البصريُّ ثنا عبدُ الله بن بكرِ السَّهميُّ ثنا خَلفُ بن خَلفٍ عن إبراهيمَ بنِ سالمٍ عن
عمرو بن ضرارٍ عن حذيفةً عن الّبِيِّل:﴿ قال: (( أَيُما رجُلٍ استعمَلَ رجُلاً على عشرةٍ أَنْفُسٍ وعَلِمَ أنَّ في العشرةِ مَن
هو أفضلُ مِنه فقد غشَّ اللهَ ورسوله وجماعةَ المسلمينَ)).
الجزء السادس عشر
٢٩٣
كتابُ القضاء
موثوقاً به في عَفافِهِ، وعقلِهِ، وصلاحِهِ، وفَهمِهِ، وعِلمِهِ بالسُّنَّةِ والآثارِ ووُجوهِ الفقهِ،
"بحر"(١). ومثلُهُ في "الزَّيلعيّ))(٢)، فقولُهُ: ((وينبغي)) بمعنى: يُطلَبُ، أي: المطلوبُ مِنه أنْ تكونَ
صفْتُهُ هكذا. وقولُهُ: ((كان أَولى))، أي: أحَقَّ، وهذا لا يدُلُّ على أنَّ ذلك مُستحَبٌّ، فإنَّ
الحديثَ يدُلُّ على إثمِ السُّلطانِ بتوليةِ(٣) غيرِ الأَولى، فافهمْ.
[٢٦٠٠٨] (قولُهُ: مَونوقاً به) أي: مُؤْتَمَناً، مِن وَيِّقْتُ به أَثْقُ - بكسرهما - ثِقَةً ووُتُوقاً: ائتمَنْتُهُ.
والعفافُ: الكَفُّ عن المحارمِ وخَوارمِ المروءةِ. والمرادُ بالوُثُوقِ بعقلِهِ كونُهُ كامِلَهُ، فلا
يُولَّى الأَخَفُّ، وهو ناقصُ العقلِ .
مطلبٌ في تفسيرِ الصَّلاحِ والصّالحِ(٤)
والصَّلاحُ: خلافُ الفسادِ، وفسَّرَ "الخصّافُ" (٥) الصّالِحَ: ((يَمَن كان مستوراً غيرَ مهتوكٍ
ولا صاحبِ رِئْبةٍ، مُستقيمَ الطَّريقةِ، سليمَ النّاحيةِ، كامِنَ الأذى، قليلَ السُّوءِ، ليس بِمُعاقٍ للَبِيدِ
ولا يُنادُ عليه الرِّجالَ، وليس بقذّافٍ للمُحصَناتِ، ولا معروفاً بالكذبِ، فهذا عندَنا مِن أهلِ
الصَّلاحِ)) اهـ. والمرادُ بعِلمِ السَُّّةِ: ما تَبَتَ عن رسولِ اللهِ ﴿ل قولاً وفعلاً وتقريراً عندَ أمرٍ
يُعاينُهُ. وبوُجوهِ الفقْهِ: طرُقُهُ، "بحر "(٦) مُلخَّصاً. والأثرُ - كما قال "السَّخَاوِيُّ)(٧) : ((لغةً: البقيَّةُ،
واصطلاحاً: الأحاديثُ مرفوعةً أو موقوفةً على المعتمَدِ وإنْ قصَرَهُ بعضُ الفقهاءِ على الثّاني)).
(قولُ "المصنّف": والآثارِ) الأثرُ ما يُروى عن غيرِهِ عليه السَّلامُ مِن الصَّحابةِ والتّابعينَ قولاً أو فعلاً
أو تقريراً. اهـ "سندي".
(١) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٧/٦.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء ١٧٦/٤.
(٣) في "ب" و"م": ((بتوليته)).
(٤) في هامش "الأصل": ((والأصلح)) بدل ((والصالح)).
(٥) "أحكام الأوقاف": باب الرجل يقف الأرض على الصُّلحاء من فقراء قرابته إلخ صـ ٣٢٢ -.
(٦) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٧/٦ - ٢٨٨.
(٧) "فتح المغيث": المقدمة ٣/١.
حاشية ابن عابدين
٢٩٤
قسم المعاملات
والاجتهادُ شرطُ الأَولَويَّةِ)؛ لتَعذُّرِهِ، على أنّه يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمنِ عنه عندَ الأكثرِ،
"نهر"(١)، فصحَّ(٢) توليةُ العامِّيِّ، "ابن كمالٍ" ويَحكُمُ بفتوى غيرِهِ، ..
مطلبٌ في الاجتهادِ وشروطِهِ
[٢٦٠٠٩] (قولُهُ: والاجتهادُ شرطُ الأَولَويَّةِ) هو لغةً: بَذْلُ المجهودِ في تحصيلٍ ذي كُلفةٍ.
وعُرْفً: ذلك مِن الفقيهِ في تحصيلٍ حُكمٍ شرعيِّ. قال في "التَّلويح)"(٣): ((ومعنى بَذْلِ الطّاقةِ: أنْ
يُحِسَّ مِن نفسِهِ العَجْزَ عن المزيدِ عليه، وشرطُهُ: الإِسلامُ، والعقلُ، والبلوغُ، وكونُهُ فقيهَ النّفسِ،
أي: شديدَ الفهمِ بالطَّعِ، وعلمُهُ بِاللّغةِ العربيّةِ، وكونُهُ حاوياً لكتابِ اللهِ تعالى فيما يتعلَّقُ
بالأحكامِ، وعالِماً بالحديثِ مَتناً وسنداً، وناسخاً ومنسوخاً، وبالقياس، وهذه الشَّرائطُ في
المجتهدِ المطلَقِ الذي يُفتي في جميعِ الأحكامِ. وأمّا المجتهدُ في حُكمٍ دونَ حُكمٍ فعليه معرفةُ ما
يتعلَّقُ بذلك الحُكمِ مثلاً كالاجتهادِ في حُكمٍ مُتُعلّقٍ بِالصَّلاةِ لا يتوقّفُ على معرفةِ جميعِ ما يتعلَّقُ
بالنّكاحِ)) اهـ. ومرادُ "المصنّف" هنا الاجتهادُ بالمعنى الأوَّلِ، "نهر " (٤).
[٢٢٠١٠] (قولُهُ: لَتَعَذُّرِهِ) أي: لأَنّه مُتعذّرُ الوجودِ في كلِّ زمنٍ وفي كل بلدٍ فكان
شرطَ الأَولَويَّةِ، بمعنى أَنَّه إِنْ(٥) وُجِدَ فهو الأَولِى بالتَّوليةِ، فافهمْ.
[٢٦٠١١) (قولُهُ: على أنَّه) مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ، أي: قُلنا بالتّعدُّرِ في كلِّ زمنٍ بناءً على أنَّه إلخ.
[٢٦٠١٢) (قولُهُ: عندَ الأكثرِ) خلافاً لِما قيل: إنَّه لا يَخُلُو عنه زمنٌ، وتمامُ ذلك في كتبِ الأصولِ.
[٢٦٠١٣) (قولُهُ: فصحَّ توليةُ العامِّيِّ) الأولى في التَّفريعِ أنْ يُقالَ: فصحَّ توليةُ المقلّدِ؛
(قولُهُ: الأَولى في التَّفريعِ أنْ يُقالَ: فصحَّ توليةُ المقلّدِ إلخ) لَمّا كان العاميُّ مَحلَّ الاشتباهِ في صحَّةٍ
(١) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٢٨/أ.
(٢) في "د" ((فتصح))، وفي "و": ((فيصح)).
(٣) انظر "شرح التلويح على التوضيح": باب الاجتهاد ١١٧/٢ - ١١٨ باختصار.
(٤) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٢٨/أ.
(٥) في "آ": ((إذا)).
الجزء السادس عشر
٢٩٥
کتابُ القضاء
. ..
لأَنّه مُقابِلُ المجتهدِ. ثُمَّ إِنَّ المقلِّدَ يشمَلُ العامِّيَّ ومَن له تأهُّلٌ في العِلمِ [١٩٩٥/٣/أ) والفهمِ، وعَيَّنَ
"ابنُ الغَرْسِ" الّانِيَ، قال: ((وأَقُلُّهُ أنْ يُحسِنَ بعضَ الحوادثِ والمسائلِ الدَّقيقةِ، وأنْ يعرِفَ طريقَ
تحصيلِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ مِن كتبِ المذهبِ وصُدورِ المشايخِ، وكيفيَّةَ الإيرادِ والإصدارِ في الوقائعِ
والدَّعاوى والحُحَجِ))، ونازَعَهُ في "النّهر "(١)، ورجَّحَ أنَّ المرادَ الجاهلُ؛ لتعليلِهم بقولهم: لأنَّ إيصالَ
الحَقِّ إلى مُستحِقْهِ يحصُلُ بالعملِ بفتوى غيرِهِ، قال في "الحواشي اليعقوبيَّة": ((إِذِ لُحتاجُ إلى فتوى
غيرِهِ هو مَن لا يَقدِرُ على أَخْذِ المسائلِ مِن كتبِ الفقهِ، وضَبْطِ أقوالِ الفقهاءِ)) اهـ. ونحوُهُ في
"البحر"(٢) عن "العناية"(٣)، وكذا رجَّحَهُ "ابنُ الكمالِ".
قلتُ: وفيه للبحثِ مجالٌ، فإِنَّ المفتيَ عندَ الأصولِيِّين هو المجتهدُ كما يأتي(٤)، فيصيرُ المعنى:
أَنَّه لا يُشترَطُ في القاضي أنْ يكونَ مُجتهدً؛ لأَنَّه يَكفيهِ العملُ باجتهادِ غيرِهِ، ولا يلزَمُ مِن هذا أنْ
يكونَ عامّاً، لكنْ قد يُقالُ: إنَّ الاجتهادَ كما تَعذَّرَ في القاضي تَعدَّرَ في المفتي الآنَ، فإذا احتاجَ إلى
السُّؤالِ عمَّن يَنقُلُ الحُكمَ مِن الكتبِ يلزَمُ أنْ يكونَ غيرَ قادرٍ على ذلك، تأمَّلْ.
٣٠٥/٤
توليتِهِ، ولذا قال "ابنُ الغَرْسِ"(٥) بعَدَمِها، وكان مُقَابِلاً للمُحتهدِ في الجملةِ، فَرَّعَهُ على ما قبلَهُ مع فَهْمِ المقلّدِ
الغيرِ العامِّيِّ بالأَولى، ولو ذكَرَ المقلّدَ بدَلَّهُ لربَّما يَنصرِفُ إلى المتأهِّلِ، تأمَّلْ.
(قولُهُ: ولا يلزَمُ مِن هذا أنْ يكونَ عامِيّاً إلخ) نَعَمْ، لا يلزَمُ مِنه ذلك بُخُصوصِهِ، لكنَّه يشمَلُهُ
والمتأهِّلَ في العِلمٍ، وهو المطلوبُ، فَيَتِمُّ حينئذٍ ما قالَهُ غيرُ "ابنِ الغَرْسِ"(٥) أيضاً.
(١) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٢٨/أ.
(٢) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٨/٦.
(٣) "العناية": كتاب أدب القاضي ٣٥٩/٦ (هامش "فتح القدير").
(٤) صـ٢٩٥ - "در".
(٥) في مطبوعة "التقريرات": ((الفرس)) بالفاء، وهو خطأ.
حاشية ابن عابدين
٢٩٦
قسم المعاملات
لكنْ في أيمان "البزّازِيَّة"(١): ((المفتي يُفتي بالدِّيانةِ، والقاضي يَقضي بالظّاهرِ، دَلَّ على
أنَّ الجاهلَ لا يُمكنُهُ القضاءُ بالفتوى أيضاً، فلا بدَّ مِن كونِ الحاكمِ في الدِّماءِ والفُروجِ
عالِماً دَيِّناً كالكبريتِ الأحمرِ، وأين الكبريتُ الأحمرُ؟ وأين العِلمُ؟))، (ومثلُهُ) فيما ذُكِرَ
(المفتي) وهو عندَ الأصوليّين: المجتهدُ، أمّا مَن يَحفَظُ أقوالَ المجتهدِ فليس مُفْتٍ،
وفتواهُ ليس بفتوى، بل هو تَقْلُ كلامٍ كما بسَطَهُ "ابنُ الهمام"(٢).
[٢٦٠١٤) (قولُهُ: المفتي يُفتي بالدِّيانةِ) مثلاً إذا قال رجلٌ: قلتُ لزوجتي: أنت طالقٌ،
قاصداً بذلك الإخبارَ كاذباً فإِنَّ المفتيَ يُفتيهِ بِعَدَمِ الوقوعِ، والقاضيَ يَحكُمُ عليه بالوقوعِ؛
لأَنَّه يَحكُمُ بالظّاهرِ، فإذا كان القاضي يَحكُمُ بالفتوى يلزَمُ بطلانُ حُكمِهِ في مثلٍ ذلك،
فدلَّ على أنَّه لا يُمكنُهُ القضاءُ بالفتوى في كلِّ حادثةٍ. وفيه نظرٌ، فإنَّ القاضيَ إذا سألَ المفتيَ
عن هذه الحادثةِ لا يُفتيهِ بِعَدَمِ الوقوعِ؛ لأَنَّه إنَّما سألَهُ عمّا يَحكُمُ به، فلا بدَّ أنْ يُبِّنَ له
حُكمَ القضاءِ، فَعُلِمَ أنَّ ما في "البزّازِيَّة" لا يُنافي قولَهم: ((يَحكُمُ بفتوى غيرِهِ)).
[٢٦٠١٥] (قولُهُ: في الدِّماءِ والفُروجِ) أي: وفي الأموالِ، لكنْ خصَّهُما بالذّكرِ لأَنّه
لا يمكنُ فيهما الاستباحةُ بوجهٍ، بخلافِ المالِ؛ ولِقَصْدِ التَّهويلِ، فإنَّ الحاكمَ الذي مَجَرَى
أحكامِهِ في ذلك لا بدَّ أنْ يكونَ عالِماً دَيِّناً.
[٢٦٠١٦] (قولُهُ: كالكبريتِ الأحمرِ) مَعدِنٌ عزيزُ الوجودِ، والجارُّ والمجرورُ مُتعلّقٌ
بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ، أو خبرٌ لمبتدٍ محذوفٍ.
[٢٦٠١٧] (قولُهُ: وأين العِلمُ) عبارةُ "البزّازيَّة": ((وأين الدِّينُ والعِلمُ؟ !! ))(٣).
مطلبٌ: طريقُ النّقلِ عن المجتهدِ
[٢٦٠١٨] (قولُهُ: بل هو نَقْلُ كلامٍ) وطريقُ تَقْلِهِ لذلك عن المجتهدِ أحدُ أمرينٍ: إمّا
أنْ يكونَ له سندٌ فيه، أو يأخُذَهُ مِن كتابٍ معروفٍ تداوَلَتُهُ الأيدي، نحو كتبِ "محمَّدٍ بِنِ الحسنِ"
(١) "البزازية": كتاب الأيمان - الفصل الثاني والعشرون في الحرف والأفعال المتفرقة ٣٤٢/٤ باختصار (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) انظر "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٦٠/٦.
(٣) عبارة مطبوعة "البزازية" التي بين أيدينا: ((وأين العلم؟ !! ))، ولعل ابن عابدين رحمه الله تابع "ط" في ذلك؛ إذ هي عبارته.
الجزء السادس عشر
٢٩٧
کتابُ القضاء
ونحوِها مِن التّصانيفِ المشهورةِ للمُجتهدينَ؛ لأَنَّه بمنزلةِ الخبرِ المتواترِ المشهورِ(١)، هكذا ذكَرَ
"الرّزيُ"(٢). فعلى هذا لو وجَدَ بعضَ نُسَخِ "النَّوادِ" في زمانِنا لا يَحِلُّ عَزْوُ ما فيها إلى "محمَّدٍ"
ولا إلى "أبي يوسفَ"؛ لأنَّها لم تشتَهِرْ في عصرِنا في ديارِنا ولم تداولْ. نَعَمْ إذا وجَدَ النَّقلَ عن
"النَّوادِ" مثلاً في كتابٍ مشهورٍ معروفٍ كـ "الهداية" و"المبسوط" كان ذلك تعويلاً على ذلك
الكتابِ، "فتح"(٣)، وأقرَّهُ في "البحر"(٤) و"النّهر"(٥) و"المنح"(٦).
[مطلبٌ: لا يَلْزَمُ الَّواتُرُ بكونِ ذلك الكتابِ هو الُسمَّى بذلك الاسمِ، بل يكفي غَلَبةُ الظَّنِّ]
قلتُ: يلزَمُ على هذا أنْ لا يَجُوزَ الآنَ النَقلُ مِن أكثرِ الكتبِ المطوَّةِ مِن الشُّروحِ أو الفتاوى
المشهورةِ أسماؤها لكنّها لم تَتَداولها الأيدي حتّى صارت بمنزلةِ الخبرِ المتواترِ المشهورِ؛ لكونها
لا تُوجَدُ إلّ في بعضِ المدارسِ، أو عندَ بعضِ النّاسِ كـ "المبسوط" و"المحيط" و"البدائع"، وفيه نظرٌ،
بل الظّاهرُ أنّه لا يلزَمُ الَّواترُ، بل يكفي غَلَةُ الظَّنِّ بكونِ ذلك الكتابِ هو المسمَّى بذلك الاسمِ،
بأنْ وجَّدَ العلماءَ ينقُون عنه، ورأَى ما نقَلُوه عنه موجوداً فيه، أو وجَدَ مِنه أكثرَ مِن نُسخةٍ، فإِنَّه
يَغْلِبُ على الظَّنِّ أَنَّه هو، ويدُلُّ على ذلك قولُهُ: ((إِمّا أنْ يكونَ له سندٌ فيه))، أي: فيما ينقُلُهُ،
والسَّندُ لا يلزَمُ تواترُهُ ولا شُهرتُهُ. وأيضاً قدَّمنا(٧) أنَّ القاضيَ إذا أشكَلَ عليه أمرٌ يَكُتُبُ فيه إلى
فقهاءٍ مِصْرٍ آخَرَ، وأنَّ المشاورةَ بالكتابِ سنَّةٌ قديمةٌ في الحوادثِ الشَّرعيَّةِ، ولا شكَّ أنَّ احتمالَ
الّزويرِ في هذا الكتابِ اليسيرِ أكثرُ مِن احتمالِهِ في شرحٍ كبيرٍ بَخَطِّ قديمٍ، ولا سيّما إذا رأَى عليه
خَطّ بعضِ [١٩٩٥/٢/ب] العلماءِ، فيتعَّنُ الاكتفاءُ بِغَلَبةِ الظَّنِّ؛ لئلاّ يلزَمَ هَجْرُ مُعظَمٍ كتبِ الشَّريعةِ
مِن فقهٍ وغيرِهِ، لا سيَّما في مثلٍ زمانِنا، واللهُ سبحانَهُ أعلَمُ.
(١) عبارة "النهر" و"المنح" ومخطوطة "البحر": ((أو المشهور)).
(٢) لعله أبو بكر الرازي الجصاص (ت ٣٧٠هـ).
(٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٦٠/٦.
(٤) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٩/٦.
(٥) "النهر": كتاب القضاء ق٤٢٨/أ - ب.
(٦) "المنح": كتاب القضاء ٢/ق ٥٣/أ.
(٧) المقولة [٢٥٩٨٧] قوله: ((وإذا أُشكّلَ إلخ)).
حاشية ابن عابدين
٢٩٨
قسم المعاملات
(ولا يَطلُبُ القضاءَ)
[٢٦٠١٩] (قولُهُ: ولا يَطلُبُ القضاءَ) لِما أخرجَهُ "أبو داودَ" و"التّرمذيُّ" و"ابنُ ماجَه" مِن
حديثِ أنسٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَ﴿ّ: (مَن سأَلَ القضاءَ وُكِلَ إلى نفسِهِ، ومَنْ أُجِبِرَ عليه يَنْزِلُ إليه
مَلَكٌ يُسدِّدُهُ)(١)، وأخرَجَ "البخاريُّ": قالِ﴿هَ: ((يا عبدَ الرَّحمنِ بنَ سَمُرَةً لا تسألِ الإمارةَ،
(١) روى وكيعٌ ومحمَّدُ بنُ كثيرٍ وأسودُ بنُ عامٍ وأبو غسّانَ المِسْمَعِيُّ والحارثُ بنُ منصورٍ عن إسرائيلَ عن عبدِ الأعلى
التّعلبيِّ عن بلال بن أبي موسى عن أنس بن مالكٍ قال رسول الله ﴿: ((مَن سأل القضاءَ وُكِلَ إلى نفسِهِ، ومَن
أُجِبِرَ عليه يُنزِلُ اللهُ عليه مَلَكاً فُسدِّدُهُ)).
أخرجه أبو داودَ (٣٥٧٨) في الأقضية - باب في طلَب القضاء والتَّسرُّعِ إليه، والترمذيُّ (١٣٢٣) في الأحكام -
باب ما جاء في القاضي، وابنُ ماجَه (٢٣٠٩) في الأحكام - باب ذِكُر القضاة، وأحمدُ ١١٨/٣ و٢٢٠، وابنُ أبي
شَيبةَ ٣٥٧/٥ - وعنه محمَّدُ بن خَلف المُلقِّبُ بوكيع في "أخبار القضاة" ٦٢/١ و٦٣، والحاكمُ في "المستدرك"
٩٢/٤، والبيهقي ١٠٠/١٠، والضِّيَاءُ الْمَقدِسيُّ في "المختارة" (١٥٨١). وإسحاقُ بن راهْوَيْهْ والبَزّار في "مسنديهما"
كما في "نصب الراية" ٦٩/٤.
وقال الطَّرانيُّ: لا يروى عن أنسٍ إلّ بهذا الإسناد، تفَرَّدَ به عبدُ الأعلى التَّعلبِيُّ.
وزادَ محمَّدُ بن كثيرٍ وأسودُ بن عامرٍ: أنَّ الحَجّاجَ أراد أنْ يجعَلَه [أي: يجعل أنساً، وقال أسودُ: ابنَه] على
قضاء البصرة فقال أنسٌ ... الحديث. قال الحاكمُ: صحيحُ الإسناد، ولم يُخرِّجاه.
رواه أبو داودَ عن محمَّدٍ بن كثيرٍ فقال: بلالٌ عن أنسٍ، ورواه أبو المتّى عنه فقال: بلالُ بن أبي موسى،
وأغرَبَ محمَّدُ بنُ محمَّدِ التّمّارُ فرواه عن محمَّدِ بن كثيرٍ فقال: بلالُ بن أبي بُردةَ بنِ أبي سفيانَ.
ورواه أحمدُ وهَنّادٌ وعليُّ بِنُ محمَّدٍ ومحمَّدُ بنُ إسماعيلَ عن وكيعٍ فقال: بلالُ بنُ أبي موسى عن أنسٍ. وقال
ابنُ أبي شَيبةً عن وكيعٍ: بلالُ بنُ أبي بُردةَ بنِ أبي موسى. وكذلك نقل البيهقيُّ عن وكيعٍ وزادَ: الأشعريُّ.
وكذلك رواه أسودُ بنُ عامرٍ فقال: بلالُ بنُ أبي موسى. رواه عنه أحمدُ.
وكذلك رواه أبو غسّانَ المِسْمَعِيُّ فقال: بلالُ بنُ أبي موسى، رواه إسحاقُ الحَرْبِيُّ عنه، ورواه ابنُ السَّمّاكِ
عن أحمدَ بنِ مُلاعبٍ عن أبي غسّانَ فقال: بلالُ بنُ أبي بُردةً.
أمّا محمَّدُ بن خَلفٍ فرواه عن ابنِ مُلاعبٍ قال: بلالُ بنُ أبي موسى، وتصحَّفَ فيه إلى: بلالٌ رأى موسى.
فبلالٌ هذا: أكثرُ الرُّواة على أنَّه ابنُ أبي موسى، ولكنْ هل هو ابنُ أبي بُردةَ بنِ أبي موسى كما رواه ابنُ
أبي شيبةَ عن وكيعٍ، مِمّا دَعَا البيهقيَّ للقول بأنّه الأشعريُّ؟ وقد عُرِفَ بسوء ولايته، وذكَرَه ابنُ حبّانَ في
"الّقات"، وضعَّفَه أبو العرب الصَّقْلّي. أم أنّه بلالُ بنُ مِرداسِ الفَزاريُّ النَّصِيبيُّ، ويقال له: ابنُ أبي موسى، كما
ذكَرَه في "التّهذيب".