Indexed OCR Text
Pages 201-220
الجزء السادس عشر
١٩٩
باب كفالة الرجلین
بكلِّهِ) بحُكمٍ (١) كفالِتِهِ. (ولو افترَقَ المفاوضانِ) وعليهما دَيْنٌ (أخَذَ الغريمُ أَيّاً) شاءَ
(مِنهما بكلِّ الدَّينِ)؛ لتضَمُّنِها الكفالةَ كما مرَّ، (ولا رُجوعَ) على صاحبِهِ (حتّى
يُؤدِّيَ أكثرَ مِن النِّصفِ)؛ لِما مرَّ.
[٢٥٧٩١] (قولُهُ: بكلِّهِ) لأنَّ إبراءَ الكفيلِ لا يُوجِبُ إبراءَ الأصيلِ، والثّاني كفيلٌ عنه
بكلِّهِ فيأخُذُهُ بكلِّهِ، "نهر"(٢).
[٢٥٧٩٢) (قولُهُ: ولو افترَقَ المفاوِضانِ) قَّدَ بالمفاوِضَينِ لأَنَّ شَرِيكَيِ العِنانِ لو افْتَرَقا
وثَمَّةَ دَيْنٌ لم يأخُذِ الغريمُ أحدَهما إلّ بما يَخُصُّهُ، "نهر))(٣).
[٢٥٧٩٣] (قولُهُ: أَخَذَ الغريمُ) يُطلقُ الغريمُ على مَن له الدَّينُ ومَن عليه، كما في "ط" (٤)
عن "الدُّستور" (٥).
[٢٥٧٩٤] (قولُهُ: لتضَمُّنِها الكفالةَ) ولا تبطُلُ بالافتراقِ، "ط)"(٦) عن "الإتقانيِّ".
[٢٥٧٩٥) (قولُهُ: كما مرَّ) أي: في كتابِ الشِّرْكةِ(٧).
[٢٥٧٩٦] (قولُهُ: لِما مرَّ(٨) أي: في المسألةِ الأُولى مِن أَنَّه أصيلٌ في النّصفِ وكفيلٌ في
الآخَرِ، فما أدَّى يُصرَفُ إلى ما عليه بحَقِّ الأصالةِ، فإنْ زادَ على النّصفِ كان الزّائِدُ عن
الكفالةِ فيرجِعُ، "نهر" (٩).
(١) في " ط": ((يحكم)) بالياء المثناة، وهو خطأ.
(٢) "النهر": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين والعبدين ق ٤٢٣/أ بتصرف.
(٣) "النهر": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين والعبدين ق ٤٢٣/أ.
(٤) "ط": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين ١٦٥/٣.
(٥) لعلَّه "دستور اللغة" لأبي عبد الله حسين بن إبراهيم، بديع الزمان النّطَنْزيّ الأصبهانيّ (ت٤٩٩هـ). ("كشف
الظنون" ٧٥٤/١، "بغية الوعاة" ٥٢٨/١، "الأعلام" ٢٢٩/٢).
(٦) "ط": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين ١٦٥/٣.
(٧) ٢٧٨/١٣ - ٢٧٩ "در".
(٨) صـ١٩٥- وما بعدها "در".
(٩) "النهر": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين والعبدين ق ٤٢٣/أ.
حاشية ابن عابدين
٢٠٠
قسم المعاملات
(كاتَبَ عبدَيهِ كتابةً واحدةً وكفَلَ كلٌّ مِن العبدَينِ (عن صاحبهِ صحَّ) استحساناً،
(و) حينئذٍ فـ (ما أدَّى أحدُهُما رجَعَ) على صاحبِهِ (بنصفِهِ)؛ لاستوائهما، (ولو أعتَقَ)
المولَى (أحدَهما) والمسألةُ بحالِها (صحَّ، وأخَذَ(١) أيَّ شاءَ مِنهما بحصَّةٍ مَن لم يُعِقْهُ)،
المُعَقَ بالكفالةِ والآخَرَ بالأصالةِ».
[٢٥٧٩٧] (قولُهُ: كتابةً واحدةً) بأنْ قال: كاتبتُكما على ألفٍ إلى سنةٍ. قَّدَ بالواحدةِ
لأَنَّه لو كاتَبَ كلَّ على حِدَةٍ فكفَلَ كلٌّ مِنهما عن صاحبِهِ ببدَلِ الكتابةِ للمولَى لا يَصِحُّ
قياساً واستحساناً. اهـ "كفاية"(٢).
[٢٥٧٩٨] (قولُهُ: صحَّ استحساناً) والقياسُ: أنْ لا يَصِحَّ؛ لأَنَّه شرَطَ فيه كفالةَ الْمُكاتَبِ
والكفالةَ ببدَلِ الكتابةِ، وكلُّ ذلك باطلٌ، فيكونُ شرطُها في الكتابةِ مُفسِداً. وجهُ الاستحسان:
أنَّ هذا عَقْدٌ يحتمِلُ الصِّحَّةَ بأنْ يُحعَلَ كلُّ واحدٍ فِي حَقِّ المولَى كأنَّ المالَ كُلَّهُ عليه وعِتْنُ
الآخَرِ مُعلَّقاً بأدائِهِ، فيُطالَبُ كلٌّ مِنهما بجميعِ المالِ بُحُكمِ الأصالةِ لا يُحُكمِ الكفالةِ، وفي الحقيقةِ
المالُ مُقَابَلٌ بهما حتّى يكونُ مُنقِسماً عليهما، ولكنّا قدَّرْنا المالَ على كلِّ واحدٍ مِنهما
تصحيحاً للكتابةِ، وفيما وراءَ ذلك العبرةُ للحقيقةِ، "كفاية"(٢).
[٢٥٧٩٩] (قولُهُ: المعَتَقَ) مبنيٌّ للمجهولِ، و((الآخَرَ)) معطوفٌ عليه منصوبانٍ على
البدَلِيَّةِ مِن ((آَيّاً شاءَ))، أو مرفوعانِ بفعلٍ محذوفٍ دَلَّ عليه المذكورُ، أو على الابتداءِ والخبرُ
محذوفٌ، أي: مُؤاخذٌ.
(قولُهُ: والقياسُ أنْ لا يَصِحَّ؛ لأَنَّ شرَطَ فيه كفالةَ المكاَتَبِ إلخ) الأولى ما قالَهُ "الزَّيلعيُّ": ((لأنَّ
فيه كفالةَ المكاتَبِ والكفالةَ ببدَلِ الكتابةِ، وكلٌّ مِنهما بانفرادِهِ باطلٌ، وعندَ الانفرادِ أَولى)) اهـ.
(قولُ "الشّارحِ": الاستوائهما) لكنْ مُقتضى ما قدَّمَهُ "الشّارعُ" مِن رُجحانِ جهةِ الأصالةِ على
جهةِ النّيابةِ أَنَّه لا يرجِعُ إلّ بما زادَ على نصيبِهِ.
(١) في "ب": ((آخذ)) بالمدّ.
(٢) "الكفاية": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين ٣٤٠/٦ بتصرف (ذيل "فتح القدير").
-
الجزء السادس عشر
٢٠١
باب كفالة الرجلين
(فإِنْ آخَذَ(١) المُعْتَقَ رجَعَ على صاحبِهِ)؛ لكفالتِهِ، (وإنْ آخَذَ(١) الآخَرَ لا)؛
" لأصالتِهِ. (وإذا كفَلَ) شخصٌ (عن عبدٍ مالاً) موصوفاً بكونِهِ (لم يظهَرْ فِي حَقِّ
مولاهُ) بل في حَقِّهِ بعدَ عِتقِهِ (كـ: مالٍ لَزِمَهُ بإقرارِهِ، أو استقراضٍ، أو استهلاكِ
وديعةٍ فهو) أي: المالُ المذكورُ (حالٌّ وإنْ لم يُسمِّهِ) أي: الحُلولَ؛ ◌ُحُلولِهِ على
العبدِ وعَدَمُ مُطالبتِهِ لعُسرَتِهِ، والكفيلُ غيرُ مُعسِرٍ، .
[٢٥٨٠٠] (قولُهُ: لكفالتِهِ) أي: يرجعُ بما أدّهُ عنه مِن بدَلِ الكتابةِ؛ لكفالِهِ بأمرِهِ، وجازَتِ
الكفالةُ ببدَلِ الكتابةِ هنا؛ لأَنّها في حالةِ البقاءِ، وفي الابتداءِ كان كلُّ المالِ عليه، "نهر"(٢).
[٢٥٨٠١] (قولُهُ: لم يظهَرْ فِي حَقِّ مولاهُ إلخ) أفادَ أنَّ حُكمَ ما يظهَرُ - وهو ما يؤاخَذُ
به للحالِ - كذلك بالأولى [١٨٦٥/٣/أ) كدَيْنِ الاستهلاكِ عِياناً، وما لَزِمَهُ بالتّجارةِ بإذنِ المولَى،
وجعَلَهُ "الزَّلعيُّ" (٣) قيداً احترازيّاً، وهو سَهْوٌ، "بحر "(٤).
[٢٥٨٠٢) (قولُهُ: لَزِمَهُ بإِقِرارِهِ) أي: وكذَّبَهُ المولَى، "بحر "(٤).
[٢٥٨٠٣) (قولُهُ: أو استقراضٍ) أي: أو بَيْعٍ، وهو مَحجورٌ عليه، "بحر "(٤).
[٢٥٨٠٤] (قولُهُ: لُحُلولِهِ على العبدِ) لوُجودِ السَّبِ وَقَبُولِ الذِّمَّةِ، "بحر "(٤).
[٢٥٨٠٥] (قولُهُ: وعَدَمُ مُطالبِهِ لِعُسرِهِ) إذ جميعُ ما في يدِهِ مِلكُ المولَى ولم يَرْضَ بتعلُّقٍ
الدَّينِ به، "فتح"(٥).
[٢٥٨٠٦] (قولُهُ: والكفيلُ غيرُ مُعسِرٍ) فالمانعُ الذي تحقّقَ في الأصيلِ مُنْتَفٍ عن الكفيلِ
(١) في "ط": ((أخذ)).
(٢) "النهر": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين والعبدين ق٤٢٣/ب.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين والعبدين ١٧٠/٤.
(٤) "البحر": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين والعبدين ٢٦٤/٦.
(٥) "الفتح": كتاب الكفالة - باب كفالة العبد وعنه ٣٤٢/٦.
حاشية ابن عابدين
٢٠٢
قسم المعاملات
ويرجِعُ بعدَ عِتقِهِ لو بأمرِهِ، ولو كفَلَ مؤخَّلاً تأجَّلَ كما مرَّ.
مع وُجودِ المقتضي، وهو الكفالةُ المطلقةُ بمالٍ غيرِ مُؤْجَّلٍ، فيُطالَبُ به في الحالِ كما لو كفلَ
عن مُفلسٍ أو غائبٍ يلزَمُهُ في الحالِ مع أنَّ الأصيلَ لا يلزَمُهُ، وتمامُّهُ في "الفتح"(١).
[٢٥٨٠٧) (قولُهُ: ويرجِعُ بعدَ عِتْقِهِ) لأنَّ الطّالبَ لا يرجِعُ عليه إلّ بعدَ العِتقِ، فكذا
الكفيلُ؛ لقيامِهِ مَقامَهُ، "بحر "(٢). وقولُهُ: ((لو بأمرِهِ)) أي: لو كانتِ الكفالةُ بأمرِ العبدِ.
ويَقِيَ ما لو كَفَلَ بِدَيْنِ الاستهلاكِ الْمُعاَيَنِ، قال في "الفتح"(٣): ((ينبغي أنْ يُرجِعَ قبلَ العِتقِ
إذا أدَّى؛ لأَنَّه دَيْنٌ غيرُ مُؤخَّرٍ إلى العِقِ، فَيُطالَبُ السَّدُ بتسليمِهِ رَقَبتَهُ أو القضاءِ عنه، وبِحَثَ أهلُ
الدّرسِ: هَلِ المُعتبرُ في هذا الرُّجوعِ الأمرُ بالكفالةِ مِن العبدِ أو السَّيِّدِ؟ وَقَوِيَ عندي الّاني؛ لأنَّ
الرُّجوعَ في الحقيقةِ على السَّيِّدِ)) اهـ. قال في "النَّهر "(٤): ((ورأيتُ مُقَيَّداً عندي أنَّ ما قَوِيَ عندَهُ
هو المذكورُ في "البدائع"(٥)))، قال "ط "(٦): ((فلو كانت بأمرِ العبدِ لا يرجِعُ عليه إلاّ بعدَ العِقِ،
فالحاصلُ: أنَّ ضمانَ العبدِ فيما لا يُؤاخَذُ به حالاً صحيحٌ، والرُّجوعُ عليه بعدَ العِتقِ إنْ كان
بأمرِهِ وضمانِهِ فيما يُؤَاخَذُ(٧) به حالاً: إنْ كان بأمرِ السَّيِّدِ صحَّ ورجَعَ به حالاً عليه، وإنْ كان
بأمرِ العبدِ صحَّ ورجَعَ به عليه بعدَ العِقِ، كذا يُؤخَذُ مِن كلامِهِم)) اهـ.
[٢٥٨٠٨] (قولُهُ: كما مرَّ) أي: عندَ قولِ "المتنِ"(٨): ((ولا ينعكِسُ)) مِن قولِهِ: ((نَعَمْ
لو تكفَّلَ بالحالِّ مُؤخَّلاً تأخَّلَ عنهما إلخ)).
(١) انظر "الفتح": كتاب الكفالة - باب كفالة العبد وعنه ٣٤٢/٦.
(٢) "البحر": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين والعبدين ٢٦٤/٦.
(٣) "الفتح": كتاب الكفالة - باب كفالة العبد وعنه ٣٤٢/٦.
(٤) "النهر": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين والعبدين ق٤٢٣/ب.
(٥) "البدائع": كتاب الكفالة - فصل: وأما رجوع الكفيل ١٣/٦.
(٦) "ط": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين ١٦٦/٣.
(٧) في "الأصل": ((لا يؤاخذ)) بزيادة ((لا))، وهو خطأ.
(٨) ص ١٣٤ - "در".
الجزء السادس عشر
٢٠٣
باب كفالة الرجلين
(ادَّعَى) شخصٌ (رَقَبَةَ عبدٍ فَكَفَلَ به رجلٌ، فماتَ) العبدُ (المكفُولُ) قبلَ تسليمِهِ، (فَبَرَهَنَ
الْمُدَّعِي أَنَّه) كان (له ضَمِنَ) الكفيلُ (قيمتَهُ)؛ لجوازِها بالأعيانِ المضمونةِ كما مرَّ(١).
(ولو ادَّعَى على عبدٍ مالاً فكفَلَ بنفسِهِ) أي: بنفسِ العبدِ (رجلٌ، فماتَ العبدُ بَرِئَّ
الكفيلُ كما في الحُرِّ.
[٢٥٨٠٩] (قولُهُ: فماتَ العبدُ) بأنْ ثبَتَ موتُهُ بُرهانِ ذي اليَدِ أو بتصديقِ الْمُدَّعي، فلو
لم يكنْ ثَمَّةَ بُرهانٌ ولا تصديقٌ لم يُقبَلْ قولُ ذي اليَدِ أَنَّ ماتَ، بل يُحبَسُ هو والكفيلُ، فإنْ
طالَ الحبسُ ضَمِنَ القيمةَ، وكذا الوديعةُ المححودةُ، "نهر "(٢) عن "النّهاية".
[٢٥٨١٠] (قولُهُ: فبَرهَنَ الْمُدَّعي) قَّدَ بالبرهانِ لأَنَّه لو ثبَتَ مِلكُهُ بإقرارِ ذِي الیَدِ
أو بُكولِهِ لم يضمَنْ شيئاً، "نهر "(٢).
(٢٥٨١١] (قولُهُ: لجوازِها بالأعيانِ المضمونةِ) أي: بنفسِها، وفيها يَجِبُ على ذي الیَدِ
رَدُّ العَينِ، فإِنْ هَلَكَتْ وَجَبَ رَدُّ القيمةِ.
[٢٥٨١٢] (قولُهُ: ولو ادَّعَى على عبدٍ مالاً) أي: معلومَ القَدْرِ بأنْ قال: أخَذَ مِنِّي كذا
بالغصبِ، أو استهلَكَهُ، "ط"(٣).
(٢٥٨١٣] (قولُهُ: بَرِئَّ الكفيلُ) أي: كما لو كان المكفُولُ بنفسِهِ حُرَّاً، قال في "النّهر"(٤):
((واعلم أنَّ هاتينِ المسألتينِ مُكرَّرتانٍ، أمّا الأُولى فلاستفادَتِها مِن قولِهِ فيما مرَّ: ومغصوب. وأمّا
الّانيةُ فِلِما قدَّمَهُ مِن أنَّ الكفالةَ بالنَّفْسِ تبطُلُ بموتِ المطلوبِ)) اهـ.
قال في "البحر"(٥): ((لكنْ ذَكَرَ الثّانيةَ هنا ليُبِّنَ الفرقَ بينَها (٦) وبينَ الأُولى، وهو ظاهرٌ؛
لأنَّ المكفُولَ به في الأُولِى رَقَبَةُ العبدِ، وهي مالٌ، وهي لا تبطُلُ بهلاكِ المالِ بخلافِ الّانِيةِ)).
٢٨٧/٤
(١) صـ ١١٠ - "در".
(٢) "النهر": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين والعبدين ق ٤٢٣/ب.
(٣) "ط": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين ١٦٦/٣.
(٤) "النهر": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين والعبدين ق٤٢٣/ب.
(٥) "البحر": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين والعبدين ٢٦٥/٦ باختصار.
(٦) في "الأصل": ((بينهما)).
حاشية ابن عابدين
٢٠٤
قسم المعاملات
(ولو كفَلَ عبدٌ غيرُ مديونٍ) مُستغرِقِ (عن سيِّدِهِ بأمرِهِ) جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ له، (هـ) إذا
(عتَقَ فأدّاهُ، أو كَفَلَ سيِّدُهُ عنه)
[٢٥٨١٤] (قولُهُ: ولو كفَلَ عبدٌ غيرُ مديونٍ مُستغرِقٍ إلخ) يحرِّ ((مُستغرِقٍ)) بكسرٍ
الرَّاءِ على أنَّه صفةٌ لـ ((مديونٍ))، ونسبةُ الاستغراقِ إليه مَجازٌ؛ لأنَّ الدَّينَ استغرَقَهُ، أي:
استغرَقَ رَقَبتَهُ وما في يدِهِ، أو بفتحِ الرّاءِ. وَقَّدَ به لأَنَّه لو كان عليه دَيْنٌ مُستغرِقٌ لم تلزَمْهُ
الكفالةُ فِي رِقِّهِ، فإذا عَتَقَ لَزِمَتَهُ، كذا في "كافي الحاكم"، أي: لأنَّ حَقَّ الغُرَمَاءِ مُقَدٌَّ،
وحَقُّهم في قيمةِ رَقَبْتِهِ يَبيعونَهُ بدَيْنِهم إنْ لم يَفْدِهِ سيِّدُهُ، وبعدَ العِتقِ صار الحَقُّ في ذمَّتِهِ،
وأمّا إذا كان دَيْنُهُ غيرَ مُستغرِقٍ فالظّاهرُ أَنَّه يُقدَّمُ دَيْنُ الغُرَماءِ والباقي للكفالةِ كما لو كفَلَ
عن غيرِ سِّدِهِ، قال في "الكافي": ((وكفالةُ العبدِ، والمديَّرِ، وأُمِّ الولَدِ عن غيرِ السَّيِّدِ بنفسٍ
أو مالٍ بلا إذنِ السَّيِّدِ باطلةٌ حَتّى يَعْتِقَ، فإذا عَتَقَ تلزَمُهُ، وإنْ أَذِنَ سيِّدُهُ جازَت إذْ لم يكنْ
عليه [٣/ق ١٨٦ /ب] دَيْنٌ، ويُباعُ فِي دَيْنِ الكفالةِ، وإنْ كان عليه دَيْنٌ بُدِئَ بدَيْنِهِ قبلَ دَيْنِ
الكفالةِ، ويسعَى المدبَّرُ وأُمُّ الولَدِ في الدَّيْنِ)) اهـ.
[٢٥٨١٥] (قولُهُ: لأنَّ الحَقَّ له) أي: إذا لم يكنْ على العبدِ دَيْنٌ يكونُ الحَقُّ في مالَيَّتِهِ
لمولاهُ، فصحَّ إذْنُهُ له في كفالِتِهِ.
[٢٥٨١٦] (قولُهُ: فإذا عتَقَ فأدّاهُ) نَصٌّ على المُنَوَهَّمِ، فإنَّه إذا أدّهُ حالَ رِقِّهِ لا يرجِعُ
بالأَولى، "ط"(١).
(قولُ "المصنّف": ولو كفَلَ عبدٌ غيرُ مديونٍ إلخ) عَدَمُ رُجوعِ العبدِ بما أدّاهُ بعدَ عِتقِهِ لا فرقَ فيه بينَ
ما إذا كان مديوناً أوْ لا. نَعَمْ، لُزومُ الكفالةِ حالَ الرِّقِّ يُشترَطُ له عَدَمُ استغراقِهِ بالدَّينِ، ولذا في "الكنز "
لم يُقِيِّدِ العبدَ بشيءٍ، و"الشّارحُ" أشارَ بقولِهِ: ((جازَ)) لفائدةِ تقييدِهِ بغيرِ المديونِ وإنْ كان لا فائدةً له
بالنّسبةِ للحُكمِ بِعَدَمِ الرُّجوعِ.
(١) "ط": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين ١٦٦/٣.
الجزء السادس عشر
٢٠٥
باب كفالة الرجلين
بأمرِهِ (فأدّاهُ) ولو (بعدَ عِتْقِهِ لم يرجعْ واحدٌ مِنهما على الآخَرِ)؛ لانعقادِها غيرَ
مُوجِبةٍ للرُّجوعِ؛ لأنَّ كلاَّ مِنهما لا يستوجبُ دَيْناً على الآخَرِ، فلا تنقلِبُ مُوجبةً له
بعدَ ذلك، (كما لو كفَلَ رجلٌ عن رجلٍ بغيرِ أمرِهِ فبلَغَهُ فأجازَ) الكفالةَ (لم تكنِ
الكفالةُ مُوجبةً للرُّجوعِ)، لِما قُلناهُ. (و) قالوا: (فائدةُ كفالةِ المولَى عن (١) عبدِهِ
١
وُجوبُ مُطالبِهِ بإيفاءِ الدَّينِ مِن سائرِ أموالِهِ، وفائدةُ كفالةِ العبدِ عن مولاهُ تعلُّقُهُ)
[٢٥٨١٧] (قولُهُ: بأمرِهِ) أي: بأمرِ العبدِ، وهذا زادَهُ في "النّهر"(٢)، وقال: ((هذا القيدُ
لا بدَّ مِنه)) اهـ. ثُمَّ رأيتُهُ مذكوراً في "شرح الجامع"(٣) لـ "قاضي خان"، ولا يخفى أنَّه إذا
لم يرجِعْ مع الأمرِ فَعَدَمُ الرُّجوعِ بدونِهِ بالأَولى، ولعلَّ فائدتَهُ أَنَّه مَحلُّ الخلافِ الآتي(٤).
[٢٥٨١٨] (قولُهُ: لانعقادِها غيرَ مُوجِبةٍ للرُّجوعِ إلخ) جوابٌ عن قولِ "زُفَرَ " بالرُّجوعِ
لتحقُّقِ الموجِبِ له، وهو الكفالةُ بالأمرِ، والمانعُ هو الرِّقُّ وقد زالَ كما في "الهداية"(٥).
[٢٥٨١٩) (قولُهُ: بعدَ ذلك) أي: بعدَ انعقادِها غيرَ مُوجِبةٍ للرُّجوعِ.
[٢٥٨٢٠] (قولُهُ: كما لو كفَلَ إلخ) مِن تتمَّةِ الجوابِ، وهذه المسألةُ تقدَّمَت(٦) عندَ
قولِ "المصنّف" في بابِ الكفالةِ: ((ولو كَفَلَ بأمرِهِ رجَعَ عليه بما أدَّى إلخ)).
[٢٥٨٢١) (قولُهُ: لِمَا قُلناهُ) أي: مِن قولِهِ: ((لانعقادِها غيرَ مُوجِبٍ إلخ)).
[٢٥٨٢٢] (قولُهُ: مِن سائرٍ أموالِهِ) بخلافِ ما إذا لم يكفُلْ، فإنّه لا يلزَمُهُ عَيناً إلّ أنْ يُسلِّمَهُ
ليُباعَ، وقد لا يفي ثَمنُهُ بالدَّينِ، فلا يَصِلُ الغُرَماءُ إلى تمامِ الدَّينِ، وبالكفالةِ يَصِلُونَ، "فتح"(٧).
(١) ((عن)) ليست في "د".
(٢) "النهر": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين والعبدين ق٤٢٣/ب.
(٣) "شرح الجامع الصغير": كتاب الكفالة - باب كفالة العبد ٢/ق ٨٧/ب.
(٤) في المقولة التالية.
(٥) "الهداية": كتاب الكفالة - باب كفالة العبد وعنه ٩٨/٣.
(٦) صـ ١٢١ - وما بعدها "در".
(٧) "الفتح": كتاب الكفالة - باب كفالة العبد وعنه ٣٤٤/٦.
حاشية ابن عابدين
٢٠٦
قسم المعاملات
أي: الدَّينِ (بِرَقَبِهِ). وهذا لم يُثبّتْهُ "المصنّف" متناً في "شرحِهِ"، واللهُ سبحانَهُ وتعالى
أعلَمُ بِالصَّوابِ.
(٢٥٨٢٣] (قولُهُ: بِرَقَبْتِهِ) أي: فيثُبُتُ لهم بَيْعُهُ إنْ لم يَفْدِهِ الموَلَى، ولذا اشتُرِطَ أنْ
لا يكونَ مديوناً كما مرَّ(١)، وبدونِ الكفالةِ ليس لهم ذلك.
[٢٥٨٢٤] (قولُهُ: وهذا) أي: قولُهُ: ((فائدةُ كفالةِ المولَى إلخ)).
[٢٥٨٢٥] (قولُهُ: في "شرحِهِ) وأثبتَهُ شرحاً(٢)، وهو موجودٌ فيما رأيتُهُ مِن نُسَخِ "المتنِ"
المجرّدةِ، "ط"(٣)، واللهُ سبحانَهُ أعلَمُ.
(١) المقولة [٢٥٨١٤] قوله: ((ولو كفل عبدٌ غيرُ مديون مستغرقٍ إلخ)).
(٢) هذا الموضع ساقط من مخطوطة "المنح" التي بين أيدينا.
(٣) "ط": كتاب الكفالة - باب كفالة الرجلين ١٦٦/٣.
الجزء السادس عشر
٢٠٧
کتابُ الحوالة
﴿ کتابُ الحوالة﴾
(هي) لغةً: النقلُ، وشرعاً: (نقلُ الدَّينِ مِن ذمَّةِ المُحيلِ إلى ذمَّةِ الْمُحتالِ(١) عليه)،
بسم الله الرَّحمن الرَّحیم
﴿کتابُ الحوالة﴾
كلٌّ مِن الحوالةِ والكفالةِ عَقْدُ التزامِ(٢) ما على الأصيلِ؛ للتَّوثّقِ، إلّ أنَّ الحوالةَ تتضمَّنُ إبراءَ
الأصيلِ إبراءٌ مُقيّداً كما سيجيءُ، فكانت كالمُركَّبِ مع المفردِ، والّانِي مُقدَّمٌ، فَلَزِمَ تأخيرُ
الحوالةِ، "نهر"(٣).
[٢٥٨٢٦] (قولُهُ: هي لغةً: النَّقلُ) أي: مُطلقاً، لدَيْنٍ أو عَيْنٍ، وهي اسمٌ مِن الإحالةِ، ومِنه
يُقال: أحَلتُ زيداً على عمرٍو فاحتالَ، أي: قَبِلَ، وفي "المغرب"(٤): ((تركيبُ الحوالةِ يدُلُّ على
الزَّالِ والنّقلِ، ومِنه التَّحويلُ، وهو نقلُ الشَّيءٍ مِن مَحلِّ إلى مَحلٍّ))، وتمامُهُ في "الفتح"(٥).
[٢٥٨٢٧] (قولُهُ: وشرعاً: نقلُ الدِّينِ إلخ) أي: مع المطالبةِ، وقيل: نقلُ المطالبةِ فقط، ونسَبَ
"الرَّيلِعِيُّ" (٦) الأوَّلَ إلى "أبي يوسف" والّانِيَ إلى "محمَّدٍ". وجهُ الأوَّلِ دِلالةُ الإجماع على أنَّ
المُحتَالَ لو أَبْرَأَ المُحالَ عليه مِن الدَّينِ أو وهَبَهُ مِنه صحَّ، ولو أَبْرَأَ لُحيلَ أو وهَبَهُ لم يَصِحَّ، وحكى
في "المجمع" خلافَ "محمَّدٍ" في الثّانيةِ. ووجهُ الثّاني دِلالةُ الإجماعِ أيضاً على أنَّ المُحيلَ إذا قضَى
﴿كتابُ الحوالة﴾
(قولُهُ: ونسَبَ "الزَّيلعيُّ" الأوَّلَ إلى "أبي يوسفَ") وعليه الفتوى، "سنديّ" عن "النّار خانيَّة".
(١) في "د": ((المحال)).
(٢) في "م": ((التزم)).
(٣) "النهر": كتاب الحوالة ق ٤٢٤/أ.
(٤) "المغرب": مادة ((حول)) بتصرف.
(٥) انظر"الفتح": كتاب الحوالة ٣٤٥/٦.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الحوالة ١٧٢/٤.
حاشية ابن عابدين
٢٠٨
قسم المعاملات
دَيْنَ الطّالبِ قبلَ أنْ يُؤدِّيَ المحتالُ عليه لا يكونُ مُتطوِّعً، ويُجَبَرُ على القَبُولِ، وكذا المحتالُ لو أَبَرَأَ
المُحالَ عليه عن دَيْنِ الحوالةِ لا يَرتدُّ بالرَّدِّ، ولو وهَبَهُ مِنه ارتدَّ كما لو أَبْرَأَ الطّالبُ الكفيلَ أو وهَبَهُ،
ولو انتقَلَ الدَّينُ إلى ذمَّتِهِ لَمَا اخْتَلَفَ حُكُمُ الإِبراءِ والهبةِ، وكذا المحالُ لو أَبْرَأَ الْمُحالَ عليه لم يُرجِعْ
على المُحيلِ وإنْ كانت بأمرِهِ كالكفالةِ، ولو وهَبَهُ رجَعَ وإنْ لم يكنْ للمُحيلِ عليه دَيْنٌ، وتمامُهُ في
البحر (١). وظاهرُهُ اتّفاقُ القولَينِ على هذه المسائلِ، ثُمَّ ذكَرَ(٢) ما يُفيدُ اتّفاقَ القولَينِ أيضاً على عَودٍ
الدَّينِ بِالتَّوَى، وعلى جَبْرِ المُحالِ على قَبُولِ الدَّينِ مِن الُحيلِ، وعلى قِسمِ الدَّينِ بينَ غُرَمَاءِ المُحيلِ
بعدَ موتِهِ قبلَ قَبْضِ الْمُحتالِ، وعلى أنَّ إبراءَ المُحالِ الْمُحالَ عليه لا يَرتدُّ بالرَّدِّ، وعلى أنَّ توكيلَ
الُحالِ الْمُحِيلَ بالقَبْضِ مِن الْمُحالِ عليه غيرُ صحيحٍ، وعلى أنَّ المُحتالَ لو وهَبَ الدَّينَ للمُحالِ
عليه كان للمُحالِ عليه أنْ يرجِعَ على المُحيلِ، وعلى أنَّها تُفُسَخُ بالفَسْخِ، وعلى عَدَمِ سُقوطٍ
حَقِّ حَبْسِ المبيعِ فيما إذا أحالَهُ المشتري، وكذلك لو كان عندَ الْمُحتالِ رَهنٌ للمُحيلِ لا يسقُطُ
حَقُّ حَبْسِهِ، بخلافِ ما إذا كان المُحيلُ هو البائعَ على المشتري أو المرتِهِنَ على الرّاهِنِ فإنَّه يبطُلُ
حَبْسُ المبيعِ والرَّهنِ؛ لسُقوطِ المطالبةِ، مع أنَّ هذه المسائلَ تُباينُ كونَها نقلاً للدَّينِ، ولكنِ
اعتُبرَتِ الحوالةُ تأجيلاً [٣/ق١٨٧/أ) إلى التَّوَى في بعضِ الأحكامِ، وجُعِلَ(٣) النَّقْلُ للمُطالبةِ،
(قولُهُ: لا يكونُ مُتطوّعاً إلخ) فيكونُ له الرُّجوُ بِدَيْنِهِ الذي له على المحال عليه إنْ كان له دَيْنٌ.
(قولُهُ: ولو انتقَلَ الدَّينُ إلى ذمَتِهِ لَما اختَلَفَ حُكُمُ الإبراءِ والهبةِ) فإنَّ الإِبراءَ حينئذٍ يكونُ تمليكَ الدَّينِ
لِمَن الدَّينُ عليه، وهو يَرتدُّ بالرَّدِّ.
(قولُهُ: ولو وهَبَهُ رجَعَ إلخ) ولو كان الدَّينُ يتحوَّلُ لكان الإبراءُ والهبةُ سواءً في عَدَمِ الرُّجوعِ، قال في
"الفتح" في هذه الصُّورةِ: ((ولو كان الدَّينُ يتحوَّلُ إلى ذمَّتِهِ كان الإِبراءُ والهبةُ سواءً في حَقِّهِ فلا يرجِعُ)) اهـ.
إِذْ لوِ انتَقَلَ الدَّينُ على المُحال عليه لكانتِ الهبةُ إبراءً، فلا رُجوعَ كما ذكَرَهُ "السِّنديُّ".
(١) انظر "البحر": كتاب الحوالة ٢٦٦/٦.
(٢) "البحر": كتاب الحوالة ٢٦٧/٦.
(٣) في "آ": ((حصل)).
الجزء السادس عشر
٢٠٩
كتابُ الحوالة
وهل تُوجِبُ البراءةَ مِن الدَّينِ المُصحَّحِ؟ نَعَمْ، "فتح"(١). (المديونُ مُحيلٌ، والدّائِنُ
مُحتالٌ، ومُحتالٌ له، ومُحالٌ، ومُحالٌ له)،
وفي بعضِها اعْتِرَت إبراءً، وجُعِلَ النَّقْلُ الدَّينِ أيضاً، وتمامُ الَّوجيهِ في "البحر"(٢). وفي "الحامديَّةَ"(٢)
٢٨٨/٤
عن "فتاوى قارئ الهداية"(٤): ((إذا أحالَ الطّالبُ إنساناً على مديونِهِ وبالدَّينِ كفيلٌ بَرِئَّ المديونُ مِن
دَيْنِ الْمُحِيلِ وَبَرِئَّ كفيلُهُ، ويُطالِبُ المُحتالُ الأصيلَ لا الكفيلَ؛ لأَنَّه لم يضمَنْ له شيئاً، لكنّها براءةٌ
موقوفةٌ، وكذا إذا(٥) أحالَ المرتِهِنُ بِدَيْنِهِ على الرّاهِنِ بِطَلَ حَقُّهُ فِي حَبْسِ الرَّهنِ، ولا يكونُ رهناً عندَ
المُحتالِ)) اهـ. وفي هذه المسألةِ المُرّتِهِنُ هو المُحيلُ، وفيما مرَّ(٦) هو المحتالُ، وعَلِمتَ وجهَ الفرق
بينهما، ويأتي أيضاً(٧). ومسألةُ الكفالةِ في "البزّازيَّةُ(٨)، وفيها(٨): ((لو أحالَ الكفيلُ الطّالبَ بالمالِ
على رجلٍ بَرِئَ الأصيلُ والكفيلُ، إلاّ أنْ يَشْترِطَ الطّالبُ براءةَ الكفيلِ فقط فلا يبرأُ الأصيلُ)).
[٢٥٨٢٨) (قولُهُ: والدّائِنُ مُحتالٌ، ومُحتالٌ له إلخ) يعني: يُطلَقُ عليه هذه الألفاظُ الأربعةُ في
الاصطلاحِ، "درر"(٩). وظاهرُهُ أَنَّ اللُّغَةَ بخلافِهِ، ولذا قال في "المعراج": ((قولُهم للمُحتالِ: المحتالُ
له لَغْوٌ؛ لأَنَّه لا حاجةَ إلى هذه الصِّةِ)). زادَ في "الفتح"(١٠): ((بل الصَِّةُ مع المُحالِ عليه لفظةُ:
عليه، فهما مُحتالٌ ومُحتالٌ عليه، فالفرقُ بينَهما بعَدَمِ الصِّلةِ وبصِلةٍ: عليه)) اهـ.
(١) "الفتح": كتاب الحوالة ٣٤٧/٦ بتصرف.
(٢) انظر "البحر": كتاب الحوالة ٢٦٧/٦.
(٣) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الحوالة ٢٩٥/١.
(٤) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في "الحوالة صـ٧٢ - ٧٣ -.
(٥) في "ك" : ((إن)).
(٦) في هذه المقولة.
(٧) في المقولة الآتية.
(٨) "البزازية": كتاب الحوالة ٢٩/٦ - ٣٠ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) "الدرر": كتاب الحوالة ٣٠٨/٢.
(١٠) "الفتح": كتاب الحوالة ٣٤٥/٦.
٢١٠
حاشية ابن عابدين
قسم المعاملات
ويُزادُ خامسٌ وهو: حَوِيلٌ، "فتح"، (ومَن يَقبَلُها مُحتالٌ عليه، ومُحالٌ عليهِ) فالفرقُ بالصِّلةٍ،
قلتُ: ويمكنُ تصحيحُ كلامِهِم، وذلك أنَّ الحوالةَ لغةً بمعنى النَّقلِ مُطلقاً كما مرَّ(١)،
فالمديونُ يدفَعُ الطّالبَ عن نفسِهِ ويُسلّطُهُ على غريِهِ. وفي الاصطلاحِ: نقلُ الدَّينِ، وهو مِن أفرادِ
المعنى اللُّغويِّ أيضاً. فعلى الأوَّلِ يُقالُ: مُحتالٌ لا غَيْرُ، وعلى الثّاني: مُحتالٌ له لا غَيْرُ؛ لأنَّ
الُحيلَ بمعنى النّاقلِ، والمُحالَ عليه بمعنى المنقولِ عليه الدَّينُ، والدَّينُ منقولٌ، والطّالبُ مُحالٌ له،
أي: منقولٌ لأجلِهِ، ولو قيل: مُحالٌ(٢) بمعنى منقولٍ لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المنقولَ هو الدَّينُ على هذا
الوجهِ، بخلافِهِ على الأوَّلِ، فإنَّ المنقولَ هو ذاتُ الطَّالبِ.
وبهذا ظهَرَ أنَّ قولَّهم: مُحتالٌ ومُحتالٌ له مبنيٌّ على اختلافِ المرادِ في المنقولِ، هل هو
ذاتُ الطّالِبِ أو دَيْنُهُ؟ فافِهِمْ. نَعَمْ يَصِحُّ على الثّاني أنْ يُقالَ فيه: مُحتالٌ بطريقِ المجازِ، أي:
مُحتالٌ دَيْنُهُ، وبه ظهَرَ أَنَّه لا لَغْوَ (٣) في كلامِهِم، فاغتنمْ هذا النَّقْرِيرَ.
[٢٥٨٢٩] (قولُهُ: ويُزادُ خامسٌ وهو: حَويلٌ) عبارةُ "الفتح"(٤): ((ويُقالُ للمُحتالِ: حَوِيلٌ
أيضاً))، فما ذكَرَهُ "الشّارحُ" نقلٌ لعبارةِ "الفتح" بالمعنى، فافهمْ. ونقَلَ في "البحر"(٥) عبارةً عن
"تلخيص الجامع" فيها إطلاقُ الَحَوِيلِ على المحالِ عليه، قال "الرَّملِيُّ": ((فلعلَّه يُطلقُ عليهما)).
[٢٥٨٣٠] (قولُهُ: فالفرقُ بالصَِّةِ) أي: باختلافِها، وهي ((اللّمُ)) في الأوَّلِ و((على)) في
الّاني، وهذا على وُجودِها في الأوَّلِ، وقد عَلِمتَ وجهَ صحَّتِهِ. وأمّا على حذفِها المُفادِ بقولِهِ:
((وقد تُحذَفُ)) فالمرادُ أنَّ الفرقَ بالصِّةِ وُجودً وعَدَماً كما مرَّ(٦) عن "الفتح"، فافهمْ.
(قولُّهُ: فعلى الأوَّلِ يُقالُ: مُحتالٌ إلخ) المرادُ بالأوَّلِ المعنى اللُّغويُّ كما أنَّ المرادَ بالثّاني المعنى الشَّرعيُّ.
(١) المقولة [٢٥٨٢٦] قوله: ((هي لغةً: النَّقلُ)).
(٢) في "م": ((مجال)) بالجيم المعجمة، وهو خطأ.
(٣) في "آ": ((لا فرق)).
(٤) "الفتح": كتاب الحوالة ٣٤٦/٦.
(٥) "البحر": كتاب الحوالة ٢٦٧/٦.
(٦) المقولة [٢٥٨٢٨] قوله: ((والدَّائنُ مُحتالٌ ومُحتالٌ له إلخ)).
الجزء السادس عشر
٢١١
كتابُ الحوالة
وقد تُحذَفُ مِن الأوَّل، (والمالُ مُحالٌ به. و) الحوالةُ (شُرطَ لصحَّتِها رضا الكلِّ
بلا خلافٍ إلّ في الأوَّلِ)
[مطلب: شروط صحة الحوالة]
[٢٥٨٣١] (قولُهُ: والحوالةُ شُرِطَ لصحَّتِها إلخ) قال في النَّهر (١): ((وشرطُ صحَّتِها في
المُحيلِ: العقلُ، فلا تَصِحُّ حوالةُ مجنونٍ وصبيِّ لا يَعقِلُ، والرِّضا، فلا تَصِحُّ حوالةُ المُكرَهِ، وأمّا
البلوغُ فشرطٌ للنّاذِ، فصحَّةُ حوالةِ الصَّبِيِّ العاقلِ موقوفةٌ على إجازةٍ ولِّهِ. وليس مِنها الحرِّيَّةُ،
فَتَصِحُّ حوالةُ العبدِ مُطلقً، غيرَ أنَّ المأذونَ يُطالَبُ للحالِ والمحجورَ بعدَ العِتْقِ، ولا الصِّحَّةُ،
فَتَصِحُّ مِن المريضِ. وفي المحتالِ: العقلُ، والرِّضا. وأمّا البلوغُ فشرطُ النَّاذِ أيضاً، فانعقَدَ احتيالُ
الصَّبِيِّ موقوفاً على إجازةٍ وليِّ إنْ كان الثّاني أَمْلَى(٢) مِن الأوَّلِ كاحتيالِ الوصيِّ(٣) بمالِ اليتيمِ.
ومِن شرطٍ صحَّتِها: المجلسُ، قال في "الخانيَّةُ "(٤): والشَّرطُ حضْرةُ المحتالِ فقط، حتّى لا تَصِحُّ
فِي غَيِهِ إلّ أنْ يَقبَلَ عنه آخَرُ، وأمّا غَيَبةُ المُحتالِ عليه فلا تُمنَعُ، حَتّى لو أحالَ عليه فبلَغَهُ فأجازَ
صحَّ، وهكذا في "البزّازيّة"(*). ولا بدَّ في قَبُولِها مِن الرِّضا، فلو أُكرِهَ على قَبُولِها لم تَصِحَّ. وفي
المُحالِ به أنْ يكونَ دَيْناً لازماً، فلا تَصِحُّ يبدَلِ الكتابةِ كالكفالةِ)) اهـ.
[٢٥٨٣٢] (قولُهُ: رضا الكلِّ أمّا رضا الأوَّلِ فلأنَّ ذوي المروءاتِ قد [٣/ق١٨٧ / ب]
يَأَنَفُونَ تحمُّلَ غيرِهم ما عليهم مِن الدَّينِ فلا بدَّ مِن رضاهُ، وأمّا رضا المُحتالِ؛ فلأنَّ فيها
(قولُهُ: غيرَ أنَّ المأذونَ يُطالَبُ للحالِ والمحجورَ بعدَ العِقِ) معنى هذا: أنَّ العبدَ إذا أحالَ وَتَوَى المالُ
تتوجَّهُ المطالبةُ عليه للحالِ إنْ كان مأذوناً، وبعدَ العِقِ إنْ كان محجوراً، وإلّ فالكلامُ في شرطٍ صحَِّها بالنّسبةِ
للمُحيلِ. اهـ "حَمَويّ". وفي "المنبع": ((غيرَ أَنَّه إنْ كان مأذوناً يرجِعُ عليه المُحالُ عليه إذا أدَّى، وتتعلَّقُ بِرَقَيْتِهِ
إنْ لم يكنْ في يدِهِ ما يُوفِي، وإِنْ محجوراً يرجِعُ عليه بعدَ العِقِ)) اهـ. وهذا أصوبُ.
(١) "النهر": كتاب الحوالة ق ٤٢٤/أ - ب.
(٢) في "م": ((أملأ)).
(٣) في "٢": ((الصبي))، وهو خطأ.
(٤) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - مسائل الحوالة ٧٢/٣ - ٧٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "البزازية": كتاب الحوالة ٢٤/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
حاشية ابن عابدين
٢١٢
قسم المعاملات
وهو المُحيلُ، فلا يُشترَطُ على المختارِ، "شُرِنِبُلاليَّة"(١) عن "المواهب"، بل قال
"ابنُ الكمالِ": ((إنَّما شرَطَهُ "القُدُورِيُّ"(٢) للرُّجوع عليه، فلا اختلافَ في الرِّوايةِ))
لکن استظهَرَ "الأ کملُ"
انتقالَ حَقِّهِ إلى ذمَّةٍ أُخرى والذّمَمُ مُتفاوتةٌ، وأمّا رضا الثّالثِ - وهو المُحتالُ عليه - فلأَنَّها إلزامُ
الدَّينِ، ولا لزومَ بلا التزامٍ، "درر)"(٣).
قلتُ: نقَلَ "السّائِحَانِيُّ" عن لُقَطَةِ "البحر "(٤): ((إذا استدانَتِ الزَّوجةُ النَّفقةَ بأمرِ القاضي
لها أنْ تُحيلَ على الزَّوجِ بلا رضاهُ)).
(٢٥٨٣٣] (قولُهُ: فلا يُشترَطُ على المختارِ) هو روايةُ "الزِّيادات"، قال فيها: ((لأنَّ التزامَ الدَّينِ
مِن المُحتالِ عليه تصرُّفٌ فِي حَقِّ نفسِهِ، والمُحيلُ لا يتضرَّرُ بل فيه منفعةٌ؛ لأنَّ الْمُحالَ عليه لا يرجِعُ
إذا لم يكنْ بأمرِهِ))، "درر"(٥).
[٢٥٨٣٤] (قولُهُ: للرُّجوعِ عليه) أي: رُجوعِ المُحالِ عليه على المُحيلِ، أو ليسقُطَ الدَّينُ
الذي للمُحيلِ على المُحالِ عليه كما في "الزَّيلعيِّ"(٦)، أمّا بدونِ الرِّضا فلا رُجوعَ ولا سقُوطَ،
وهو مَحْمَلُ روايةٍ "الزِّيادات".
[٢٥٨٣٥] (قولُهُ: لكن استظهَرَ "الأكملُ" إلخ) أي: في "العناية"(٧)، وهو توفيقٌ آخَرُ بينَ
روايَتَي "الزِّيادات" و "القُدُوريّ"، لكنْ لابدَّ فيه مِن ضَميمةِ التّوفيقِ الأوَّلِ كما تعرِفُهُ.
(قولُهُ: وأمّا رضا الثّالثِ - وهو المحتالُ عليه - فلأَنّها التزامُ الدَّينِ إلخ) في "السِّديّ": ((والمذهبُ أَنَّه
لا بدَّ مِن رضا المحالِ عليه، سواءٌ كان عليه دَيْنٌ أوْ لا، وسواءٌ كان المُحالُ به مثلَ الدِّينِ أوْ لا، "بحر")) اهـ.
(١) "الشرنبلالية": كتاب الحوالة ٣٠٨/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الحوالة ١٦٠/٢.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب الحوالة ٣٠٨/٢.
(٤) "البحر": كتاب اللقطة ١٦٩/٥ بتصرف.
(٥) "الدرر والغرر": كتاب الحوالة ٣٠٨/٢.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الحوالة ١٧٤/٤.
(٧) "العناية": كتاب الحوالة ٣٤٧/٦ (هامش "فتح القدير").
الجزء السادس عشر
٢١٣
کتابُ الحوالة
أنَّ ابتداءَها إنْ مِن المُحيلِ شُرِطَ ضرورةً وإلاّ لا، وأرادَ بالرِّضا القَبُولَ فإنَّ قَبُولَها في
مجلسِ الإيجابِ شرطُ الانعقادِ، "بحر" عن "البدائع"،
[٢٥٨٣٦] (قولُهُ: شُرِطَ ضرورةً) لأَنّها إحالةٌ، وهي فعلٌ اختياريٌّ ولا يُتصوَّرُ بدونِ الإرادةِ
والرِّضا، وهو مَحمِلُ روايةِ "القُدُرويِّ". وقولُهُ: ((وإلّ لا)) أي: إنْ لم يكنِ ابتداؤها مِن الْمُحيلِ
بل مِن الْمُحالِ عليه تكونُ احتيالاً يَتِمُّ بدونِ إرادةِ الْمُحيلِ بإرادةِ المُحالِ عليه ورضاهُ، وهو وجهُ
روايةٍ "الزِّيادات"، "عناية"(١). لكنْ لا يخفى أَنَّه على الثّاني لا يثبُتُ للمُحالِ عليه الرُّجوعُ بما
أدَّى، ولو كان عليه للمُحيلِ دَيْنٌ لا يسقُطُ إلّ برضا المُحيلِ، فرجَعَ إلى الَّوفيقِ الأَوَّلِ.
[٢٥٨٣٧] (قولُهُ: وأرادَ بالرِّضا القُبُولَ) أي: الذي هو أحدُ رُكنَي العَقدِ، فُيُشترَطُ له المجلسُ؛
٢٨٩/٤ لأنَّ شطرَ العَقدِ لا يتوقَّفُ على قَبُولِ غائبٍ، بل يلغُو، بخلافِ الرِّضا الذي ليس ركنَ عَقْدٍ.
[٢٥٨٣٨) (قولُهُ: فإنَّ قَبُولَها إلخ) ذكَرَ في "البحر "(٢) أوَّلاً أنَّ مِن الشُّروطِ مجلسَ الحوالةِ،
وقال: ((وهو شرطُ الانعقادِ في قولِهما خلافاً لـ "أبي يوسف"، فإنَّه شرطُ النَّاذِ عندَهُ، فلو كان
المُحتالُ غائباً عن المجلسِ فِبَلَغَهُ الخبرُ فأجازَ لم يَنعقِدْ عندَهما خلافاً له، والصَّحيحُ قولُهما)) اهـ.
(قولُهُ: لكنْ لا يخفى أَنَّ على الثّاني لا يثبتُ إلخ) القصدُ الَّفِيقُ بِينَ روايَتَيِ اشتراطِ رضا المُحالِ عليه
وعَدَمِهِ، ولا شكَّ في حُصولِهِ بما قالَهُ "الأكملُ"، والرُّجوعُ وعَدَمُهُ شيءٌ آخَرُ لا تعرُّضَ له في الكلامِ وإِنْ ثَبْتَ
إذا تحقّقَتِ الحوالةُ مِن الْمُحيلِ، ولا يثبتُ إذا لم تتحقَّقْ مِنه، تأمَّلْ، ثُمَّ إِنَّ ما ذَكَرَهُ "الشّارحُ" مِن التَّوْفِيقَينِ
لا يتأَتَّى مع ما ذكَرَهُ في "الدُّرر" مِن عَلَّةِ اشتراطِ رضا الُحيلِ، فإنَّ مُقتضاها عَلَمُ صحَّةِ الحوالةِ بلا رضاهُ ولو
كانت غيرَ مُوجِةٍ للرُّجوعِ أو كان ابتداؤها مِن غيرِهِ.
(قولُ "الشّارحِ": فإنَّ قَبُولَها إلخ) الذي في نُسَخِ الخَطّ: ((قَبُولَهما (٣)))، وهو أوجهُ في الاستدراكِ
بما في "الدُّرر".
(١) "العناية": كتاب الحوالة ٣٤٧/٦ بتصرف (هامش "فتح القدير").
(٢) "البحر": كتاب الحوالة ٢٦٨/٦.
(٣) الذي في نسختنا "د": ((قبولها)) بالإِفراد، قال "ط" ١٦٨/٣: ((قوله: فإنَّ قبولهما، أي: المحتال والمحتال عليه، وفي نسخة:
قبولها، أي: الحوالةِ)) اهـ.
١
قسم المعاملات
حاشية ابن عابدين
٤-٢١
لكنْ في "الدُّرر"(١) وغيرِها: ((الشَّرطُ قَبُولُ المُحتال
ثُمَّ قال هنا (٢): ((وأرادَ مِن الرِّضا القُبُولَ في مجلسِ الإيجابِ؛ لِما قدَّمناهُ أنَّ قَبُولَهما في مجلسِ
الإيجابِ شرطُ الانعقادِ، وهو مُصرَّحٌ به في "البدائع"(٣))) اهـ. وما ذكَرَهُ في "البحر" أوَّلا هو
عبارةُ "البدائع"، فقولُهُ: ((لِما قدَّمناهُ أَنَّ قَبُولَهما)) الظّاهرُ أنَّ المِيمَ فيه زائدةٌ، وأنَّ الضَّمِيرَ
فيه مُفرَدٌ عائدٌ للحوالةِ؛ لأنَّ المتبادرَ مِن كلامِ "البدائع" أنَّ اشتراطَ المجلسِ عندَهما إنَّما هو
في المُحتالِ فقط بقرينةِ النَّفريع، ويأتي قريباً ما يُؤيِّدُهُ اهـ.
[٢٥٨٣٩] (قولُهُ: لكنْ في "الدُّرر" وغيرِها) أي: ك: "الخانيّة" و"البزّازيَّةُ"(٤) و"الخلاصة"(٥)،
وعبارةُ "الخالنَّة"(٦): ((الحوالةُ تَعْتمِدُ قَبُولَ الْمُحتالِ له والمحالِ عليه، ولا تَصِحُّ في غَبةِ المُحتالِ له
في قولِ "أبي حنيفةً" و"محمَّدِ" كما قُلنا في "الكفالة"(٧) إلّ أنْ يَقْبَلَ رجلٌ الحوالةَ للغائبِ، ولا تُشترَطُ
حضرةُ الْمُحتالِ عليه لصحَّةِ الحوالةِ، حتّى لو أحالَهُ على رجلٍ غائبٍ ثمَّ عَلِمَ الغائبُ فَقَبِلَ صحَّتِ
الحوالةُ)) اهـ. ومرادُهُ بالقَبُولِ في قولِهِ: ((تَعتمِدُ قُبُولَ إلخ)) الرِّضا الأعَمُّ مِن القُبُولِ
المشروطِ له المَجْلِسُ بقرينةٍ آخِرِ العبارةِ، ولم يذكُرْ رضا الْمُحيلِ بناءً على روايةِ "الزِّيادات" أَنَّه
غيرُ شرطٍ، فتلخّصَ مِن كلامِهِ أنَّ الشَّرْطَ قَبُولُ الْمُحتالِ في المجلسِ ورضا المُحالِ عليه ولو غائباً،
(قولُهُ: فقولُهُ: لِما قدَّمناهُ أَنَّ قَبُولَهما الظّاهِرُ أنَّ الميمَ فيه زائدةٌ إلخ) قد يُقالُ: لا حاجةَ لدعوى
الزِّيادةِ، والعبارةُ فيها تغليبٌ، والمرادُ بقَبُولِهما الإِيجابُ والقَبُولُ، والقصدُ بيانُ اشتراطِ اتّحادِ المجلسِ
لهذا العقدِ، وهذا مُستفادٌ مِمّا ذكَرَهُ في "البحر" أوَّلاً.
(١) "الدرر والغرر": كتاب الحوالة ٣٠٨/٢.
(٢) "البحر": كتاب الحوالة ٢٦٩/٦.
(٣) "البدائع": كتاب الحوالة - فصل: وأما الشرائط فأنواع ١٦/٦.
(٤) "البزازية": كتاب الحوالة ٢٤/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) " الخلاصة": كتاب الحوالة ق ٢٥٥/أ.
(٦) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - مسائل الحوالة ٧٢/٣ - ٧٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - فصل في الكفالة بالمال ٦٣/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
الجزء السادس عشر
٢١٥
كتابُ الحوالة
أو نائبهِ ورضا الباقِبَيْنِ،
وهو ما لَخَّصَهُ في "النَّهر" كما مرَّ(١). وظاهرُهُ أنَّ خلافَ "أبي يوسف" في المحتالِ فقط، فعندَهُ
لا تُشترَطُ حضرتُهُ، بل يكفي رضاهُ كالمُحالِ عليه، وأَنَّه لا خلافَ في الْمُحالِ عليه في أنَّ حضرتَهُ
غيرُ شرطٍ، وبه ظهَرَ أَنَّه لا يَصِحُّ الَّفِيقُ بحملٍ ما في "الدُّرر" وغيرِها على قولِ "أبي يوسفَ" الذي
هو خلافُ الصَّحيحِ، بل هو محمولٌ على قولهما المصحَّحِ، فافهمْ.
وبما قرَّرناهُ ظهَرَ أَنَّه لا خلافَ في اشتراطِ الرِّضا [٣/ق ١٨٨/أ] الأَعَمِّ، وأنَّ الخلافَ في
قَبُولِ المُحتالِ في المجلسِ لا في رضاهُ، فلا يُنافي ذلك قولَ "المصنّف": ((شُرِطَ رضا الكلِّ
بلا خلافٍ إلخ)) خلافاً لِما ظنّهُ في "العزمِيَّة".
[٢٥٨٤٠] (قولُهُ: أو نائبِهِ) أي: ولو فُضُوليّاً، وبه عبَّرَ في "الدُّرر"(٢)، قال في "الفتح"(٣):
((فيتوقَّفُ - أي: قَبُولُ الفُضُوليِّ - على إجازةِ المُحتالِ إذا بلَغَهُ)).
[٢٥٨٤١] (قولُهُ: ورضا الباقِبْنِ) كذا في بعضِ النِّسَخِ بياءينِ ثَانِيتُهما ياءُ الَّثنيةِ، وفي عامَّةٍ
النّسَخِ(٤) بياءٍ واحدةٍ على أَنَّه جمعٌ(٥) أُريدَ به ما فوقَ الواحدِ. ثُمَّ لا يخفى أنَّ اشتراطَ رضا لُحيلِ
مبنيٌّ على روايةِ "القُدُوريّ"، وهي (٦) خلافُ المختارِ كما قدَّمَهُ(٧)، فالأحسنُ عبارةُ "الغرر (٨) متنِ
"الدُّرر"، وهي: ((وشُرِطَ حُضورُ الثّاني إلّ أنْ يَقِبَلَ فُضُولِيٌّ له، لا خُضورُ الباقِيْنِ (٩)) اهـ.
(١) المقولة [٢٥٨٣١] قوله: ((والحوالةُ شُرِطَ لصحَّتِها إلخ)).
(٢) "الدرر والغرر": كتاب الحوالة ٣٠٨/٢.
(٣) "الفتح": كتاب الحوالة ٣٤٧/٦.
(٤) كما في "و" و"ط".
(٥) في "ب": ((جميع))، وهو خطأ.
(٦) في "آ": ((وهو)).
(٧) صـ ٢١٢ - "در".
(٨) "الدرر والغرر": كتاب الحوالة ٣٠٨/٢.
(٩) في "آ": ((الباقين)).
حاشية ابن عابدين
٢١٦
قسم المعاملات
لا حُضورُهما))، وأقرَّهُ "المصنّف"(١).
فلم يذكُرِ اشتراطَ رضاهما فَيَصْدُقُ بكلٍّ مِن الرِّوايتَينِ، وقال في "الدُّرر"(٢): ((أمّا عَدَمُ
اشتراطِ حُضورِ الأَوَّلِ وهو المُحيلُ فبأنْ يقولَ رجلٌ للدّائنِ: لك على فُلانِ بنِ فُلانٍ ألفُ
درهمٍ فاحتَلْ بها عليَّ، فَرَضِيَ الدّائنُ فإنَّ الحوالةَ تَصِحُّ، حَتّى لا يكونُ له أنْ يُرجِعَ. وأمّا
عَدَمُ اشتراطِ حُضورِ الثّالثِ وهو المحتالُ عليه فبأنْ يُحيلَ الدّائنَ على رجلٍ غائبٍ، ثُمَّ عَلِمَ
الغائبُ فَقَبِلَ صحَّتِ الحوالةُ، كذا في "الخانَيَّةُ"(٣)) اهـ.
قلتُ: فلم يَذكُرْ في هذا التَّصويرِ رضا الُحيلِ الغائبِ، وذكَرَ في الثّاني رضا المحتالِ
عليه الغائبِ، وذلك مبنيٌّ على رواية "الزِّيادات" المختارةِ كما مرَّ(٤).
(قولُ "الشّارحِ": لا حُضورُ هما) أي: معاً، وإلّ فلا بدَّ مِن حُضورِ أحدِهما ورضاه(٥) حتّى
يتحقَّقَ عَقْدُ الحوالةِ بالإِيجابِ والقَبُولِ؛ إذ رُكُها الإيجابُ والقَبُولُ كما نقَلَهُ "ط" عن "البدائع" وإنْ كان
ظاهرُ عبارتِهِ أَنَّه لا يُشترَطُ حُضورُهما أصلاً، ولذا استدرَكَ به على ما قبلَهُ المفيدِ اشتراطَ القبولِ في مجلسٍ
الإيجابِ، ويدُلُّ على ذلك تصويرُ "الدُّرر" الآتي. وكأنَّ وجهَ الاستدراكِ أنَّ الكلامَ السّابقَ إنَّما يُفيدُ
انعقادَها بالإِيجابِ والقَبُولِ، ولا يُفيدُ اشتراطَ حُضورِ الْمُحتالِ حَتّى يكونَ قابلاً لها، وقد أفادَ هذا
الاستدراكُ أنَّه شرطٌ.
(قولُهُ: حَتّى لا يكونُ له أنْ يرجِعَ) بخلاف ما لو قيل للمديونِ: عليك ألفٌ لِفُلانٍ فأحِلْهُ بها عليَّ،
فقال المديونُ: أحَلتُ، ثمَّ بَلَغَ الطّالبَ فأجازَ لا يَجُوزُ عندَ "الإمامِ و"محمَّدٍ"، كذا في "البزّازيَّة"، "سنديّ".
(١) هذا الموضع ساقط من مخطوطة "المنح" التي بين أيدينا.
(٢) "الدرر والغرر": كتاب الحوالة ٣٠٨/٢.
(٣) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - مسائل الحوالة ٧٣/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) المقولة [٢٥٨٣٩] قوله: ((لكنْ في "الدُّرر" وغيرِها)).
(٥) في مطبوعة "التقريرات" التي بين أيدينا: ((ورضا)) دون هاء، وصوابه ما أثبتناه.
الجزء السادس عشر
٢١٧
كتابُ الحوالة
(وَتَصِحُّ فِي الدَّينِ) المعلومِ
[٢٥٨٤٢) (قولُهُ: وَتَصِحُّ في الدَّينِ) الشَّرطُ كونُ الدَّينِ للمُحتالِ على المُحيلِ، وإلّ فهي وكالةٌ
الا حوالةٌ، وأمّا الدَّينُ على المحالِ عليه فليس بشرطٍ، أفادَهُ في "البحر"(١)، وفيه(٢) عن "المحيط":
((ولو أحالَ المحالُ عليه المحتالَ على آخَرَ جازَ وبَرِئَ الأوَّلُ، والمالُ على الآخَرِ كالكفالةِ مِن
الكفيلِ)) اهـ. فدخَلَ فِي الدَّينِ دَيْنُ الحوالةِ كما دخَلَ دَيْنُ الكفالةِ، فإِنَّ الكفيلَ لو أحالَ الطّالبَ
جازَ كما يأتي(٣). وفي "البزّزِيَّةُ"(٤): ((كلُّ دَيْنٍ جازَت به الكفالةُ جازَت به الحوالةُ))، وفي
"الهنديَّةِ"(٥): ((ما لا تَجُوزُ به الكفالةُ لا تَجُوزُ به الحوالةُ)).
[٢٥٨٤٣] (قولُهُ: المعلومِ) فلو احتالَ بمالٍ مجهولِ على نفسِهِ بأنْ قالَ: احتَلتُ بما يذوبُ
لك على فُلانِ لا تَصِحُّ الحوالةُ مع جهالةِ المالِ، ولا تَصِحُّ الحوالةُ أيضاً بهذا اللَّفْظِ، "بحر " (٦)
عن "البرّازِيَّة"(٧).
(قولُهُ: فلو احتالَ بمالٍ مجهولٍ على نفسِهِ إلخ) أي: مجهولٍ ثبوتُهُ على المُحيلِ، وليس المرادُ مجهولَ
القَدْرِ، فإنَّ عبارةَ "البزّازِيَّة" لا تُفيدُ اشتراطَ عَدَمِهِ، بل ما يأتي عن "الذَّخيرة" يُفيدُ ذلك كما نقَلَهُ
المحشِّي عنها وعن "البحر"، وكذا ما قدَّمَهُ المحشِّي في الكفالةِ قبيلَ قولِ "المصنّف": ((وكفالتُهُ بالدَّرَكِ
إلخ)) عن "شرح التّحرير"، تأمَّلْ. والظّاهرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ((نفسِهِ)) راجعٌ للمُحيلِ، أي: أنَّه مجهولٌ عليه
بسببِ عَدَمِ معرِفَتِهِ أَنَّه يثبتُ أوْ لا، أو راجعٌ للمُحتالِ عليه، والجارُّ مُتَعلّقٌ بـ ((احتالَ)).
(١) "البحر": كتاب الحوالة ٢٦٩/٦.
(٢) "البحر": كتاب الحوالة ٢٧٦/٦.
(٣) المقولة: [٢٥٨٥٣] قوله: ((وَبَرِئَّ الُحيلُ مِن الدَّينِ إلخ)).
(٤) "البزازية": كتاب الحوالة ٢٤/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الفتاوى الهندية": كتاب الحوالة - الباب الأول في تعريفها وركنها وشرائطها وأحكامها ٢٩٦/٣ بتصرف، نقلاً عن "البدائع".
(٦) "البحر": كتاب الحوالة ٢٧٠/٦.
(٧) "البزازية": كتاب الحوالة ٢٩/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
٢١٨
حاشية ابن عابدين
قسم المعاملات
(لا في العَينِ) زادَ في "الجوهرة"(١): ((ولا في الحُقوقِ)) انتهى، وبه عُرِفَ أنَّ حوالةً
الغازي بحَقِّهِ مِن غنيمةٍ مُحرَزةٍ
[٢٥٨٤٤] (قولُهُ: لا في العَينِ) لأنَّ النَّقْلَ الذي تضمَّنَتَهُ نقلٌ شرعيٌّ، وهو لا يُتصوَّرُ في
الأعيان، بل المتصوَّرُ فيها النَّقلُ الحسِّيُّ، فكانت نقلاً للوصفِ الشَّرعيِّ وهو الدَّينُ، "فتح"(٢).
قال في "الشُّرِ نِبُلاليَّة"(٣): ((يَرِدُ عليه ما سيذكرُهُ مِن أَنَّها تَصِحُّ بالدَّراهمِ الوديعةِ؛ إذ ليس فيها
نقلُ الدَّينِ، وكذا الغصبُ على القولِ بأنَّ الواجبَ فيه رَدُّ العَين، والقيمةُ مَخلَصٌ. ودَفْعُ
الإيرادِ بأنَّ الحوالةَ بالوديعةِ وكالةٌ حقيقةً)) اهـ.
قلتُ: فيه نظرً؛ لِما سيأتي(٤) في الحوالةِ المقَّدَةِ بوديعةٍ ونحوِها أَنَّه لا يَمِلِكُ الْمُحيلُ مُطالبةَ
الْمُحتالِ عليه، ولا المحتالُ عليه دَفْعَها للمُحيلِ، ولا يخفى أنَّ الوكالةَ حَقِيقةً تُنافي ذلك، فالصَّابُ
في دَفْعِ الإيرادِ أنَّالنَّقلَ موجودٌ؛ لأنَّ المديونَ إذا أحالَ الدّائنَ على المُؤْدَعِ فقد انتقَلَ الدَّينُ عن
المديونِ إلى المُؤْدَعِ، وصار المُؤْدَعُ مُطالباً بالدَّينِ كأنّ في ذمَّتِهِ، فكانت(٥) حوالةً بالدَّينِ لا بالعَينِ.
نَعَمْ لو أحالَ الْمُؤْدَعُ رَبَّ الوديعةِ بها على آخَرَ كانت حوالةً بالعَينِ فلا تَصِحٌّ.
مطلبٌ في حوالةِ الغازي وحوالةِ المسْتَحِقِّ مِن الوقفِ
[٢٥٨٤٥] (قولُهُ: وبه عُرِفَ أنَّ حوالةَ الغازي) مصدرٌ مضافٌ لفاعِلِهِ، أي: إحالتهُ غيرَهُ على الإِمامِ،
(قولُ "الشّارحِ": زادَ في "الجوهرة ": ولا في الحُقوقِ) أشارَ في "شرح نظم الكنز" إلى تمثيلهِ بأنْ
يُحيلَهُ بَحَقِّ الشُّفْعةِ الثّابتِ له على المشتري. انتهى "سنديّ".
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الحوالة ٣٨٠/١.
(٢) "الفتح": كتاب الحوالة ٣٤٦/٦.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الحوالة ٣٠٨/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) المقولة [٢٥٨٨٩] قوله: ((وحُكمُها: إلخ)).
(٥) في "الأصل" و"آ": ((وكانت)) بالواو.