Indexed OCR Text

Pages 61-80

الجزء السادس عشر
٥٩
كتاب الكفالة
ولا يبرَّأُ عن كفالةِ النَّفْسِ لعَدَمِ التّنافي، فلو أبرَأَهُ عنها فلم يُوافِ به لم يَجِبِ المالُ
لفَقْدِ شرطِهِ
لم يلزَمْهُ المالُ؛ لأَنَّه شَرَطَ لُزُومَهُ إِنْ أَحْسَنَ إليهِ، كذا في "منية المفتي"، يعني أنَّه تعليقٌ بشرطٍ
غيرِ مُتعارَفٍ، "نهر"(١). لكنْ في "جامع الفصولين"(٢): ((لو قال: إنْ وافيْتُكَ به غداً وإلّ
فعليَّ المالُ لم تَصِحَّ الكفالةُ، بخلافٍ: إنْ لم أُوافِكَ به غداً)) اهـ. واستشكَلَ في "نور
العين"(٣) الفرقَ بينَ المسألتينِ؛ لأنَّ قولَهُ: ((وإلّ فعليَّ المالُ)) بمعنى: إنْ لم أُوافِكَ به غداً.
قلتُ: الظّاهِرُ أنَّ قولَهُ: ((وإلّ)) زائدٌ، والصَّوابُ إسقاطُهُ بدليلٍ كلامٍ "المنية"، وبه
یزولُ الإِشکالُ، تدبّرْ.
[٢٥٤٣٦] (قولُهُ: لعَدَمِ النََّافِي) إذ كلٌّ مِنهما للّوثّقِ، ولعلَّه يُطالِبُهُ(٤) بِحَقِّ آخَرَ يدَّعي به
غيرَ المالِ الذي كفَلَ به مُعلَّقاً كما في "الفتح"(٥).
[٢٥٤٣٧) (قولُهُ: لفَقْدِ شرطِهِ) وهو بقاءُ الكفالةِ بالنّفسِ؛ لزوالِها بالإِبراءِ، وطُولِبَ
بالفرقِ بينَه وبينَ موتِ المطُلُوبِ، فإنّها بالموتِ زالَتْ أيضاً، وأُجيبَ بأنَّ الإِبراءَ وُضِعَ لِفَسْخِ
الكفالةِ فُتُفْسَخُ مِن كلِّ وجهٍ، والانفساحُ بالموتِ إِنَّما هو لضرورةِ العجزِ عن التّسليمِ المفيدِ
فيقتصِرُ؛ إذ لا ضرورةَ إلى تعدِّيهِ إلى الكفالةِ بالمالِ، كذا في "الفتح"(٦)، "نهر "(٧).
(١) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٥/أ.
(٢) "جامع الفصولين": الفصل الثلاثون في التصرفات الفاسدة وأحكامها إلخ ٥٤/٢.
(٣) "نور العين": الفصل التاسع والعشرون في التصرفات الفاسدة وأحكامها إلخ ق ١٢٧/أ.
(٤) في "الأصل": ((يطالب)).
(٥) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٩٢/٦.
(٦) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٩٣/٦.
(٧) "النهر": كتاب الكفالة ق٤١٥/أ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٦٠
قسم المعاملات
قَيَّدَ بموتِ المطُلُوبِ لأَنَّه لو ماتَ الطّالبُ طَلَبَ وارتُهُ، ولو ماتَ الكفيلُ طُولِبَ وارِثُهُ،
"درر"(١). فإنْ دفعَهُ الوارثُ إلى الطّالبِ(٢) بَرِئَ، وإنْ لم يدفَعْهُ حتّى مضى الوقتُ كان
المالُ على الوارثِ، يعني: مِن تَرِكةِ الميْتِ، "عينيّ"(٣). (ولو اختَلَفا في الموافاةِ) وعَدَمِها
(فالقولُ للطّلبِ) لأَنَّه مُنكِرُها (و) حينئذٍ فـ (ـالمالُ لازمٌ على الكفيلِ) "خانَّةَ"(٤)،
وفيها(٥): ((و(٦) لو اختَفَى الطّالبُ فلم يَجِدْهُ الكفيلُ نَصَبَ القاضي عنه وكيلاً)).
[٢٥٤٣٨] (قولُهُ: طلَبَ وارتُهُ) أي: طَلَبَ وارتُهُ مِن الكفيلِ إحضارَ المكفُولِ به في الوقتِ،
وإنْ مضَى الوقتُ طلَبَ مِنه المالَ.
[٢٥٤٣٩] (قولُهُ: طُولِبَ وارتُهُ) أي: بإحضارِ المكفُولِ به في الوقتِ، وبالمالِ بعدَهُ.
[٢٥٤٤٠] (قولُهُ: فإنْ دفعَهُ) تفريعٌ على قولِهِ: ((ولو ماتَ الكفيلُ إلخ)).
[٢٥٤٤١] (قولُهُ: فالقولُ للطّالبِ) ويكونُ الأمرُ على ما كان في الابتداءِ، ولا يمينَ على
واحدٍ مِنهما؛ لأنَّ كلاَّ مِنهما مُدَّعٍ، الكفيلَ البراءةَ والطّالبَ الوُجوبَ، ولا يمينَ على المُدَّعي
عندَنا، "بحر "(٧) عن "نَظْم الفقه"(٨).
[٢٥٤٤٢] (قولُهُ: ولو اختَفَى الطّالبُ) أي: عندَ مجيءِ الوقتِ.
مطلبٌ في المواضعِ التي يُنصِّبُ فيها القاضي وكيلاً بالقَبْضِ عن الغائبِ المتواري
[٢٥٤٤٣] (قولُهُ: نَصَبَ القاضي عنه وكيلاً) أي: فُيُسلِّمُهُ إليه، وكذا لو اشتَرَى بالخِيارِ
٢٥٩/٤
(١) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٢٩٨/٢ بتصرف.
(٢) في "د" و"و": ((للطالب)) بدل ((إلى الطالب)).
(٣) "رمز الحقائق": كتاب الكفالة ٧٠/٢.
(٤) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - مسائل في تسليم نفس المكفول به ٥٥/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - مسائل في تسليم نفس المكفول به ٥٦/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) الواو ليست في "د" و"و".
(٧) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٢/٦.
(٨) "نَظْم الفقه": للرَّنْدَوِيْسَتِيّ، وتقدمت ترجمته ٥٥٤/١.

الجزء السادس عشر
٦١
كتاب الكفالة
ولا يُصدَّقُ الكفيلُ على الموافاةِ إلاّ بُحُجَّةٍ. (ادَّعَى على آخَرَ) حَقّاً، "عينيّ)"(١)،
أو (مائة دينارٍ ولم يُبيِّنْها) أجيِّدةٌ، أم رديئةٌ، أم أشرفَّةٌ(٢) لَصِحَّ الدَّعوى (فقال)
رجلٌ للمُدَّعِي: دَعْهُ فأنا كفيلٌ بنفسِهِ
فَتَوَارَى البائعُ، أو حَلَفَ لَيقضِينَّ دَيْنَهُ اليومَ فتغَّبَ الدّائِنُ، أو جعَلَ أمرَها بيدِها إنْ لم تَصِلْ
نفقّتُها فتغَيَّتْ فالمتأخّرُونَ على أنَّ القاضيَ يَنْصِبُ وكيلاً عن الغائبِ في الكلِّ، وهو قولُ
"أبي يوسفَ"، كذا في "الخانيَّة"(٣). قال "أبو اللَّيث": ((هذا خلافُ قولِ (٣/ ق٦٧ ١ /أ) أصحابنا،
وإنَّما رويَ في بعضِ الرِّواياتِ عن "أبي يوسفَ"، ولو فعلَهُ القاضي فهو حسنٌ))، "نهر " (٤).
[٢٥٤٤٤] (قولُهُ: ولا يُصدَّقُ الكفيلُ إلخ) الأولى ذِكرُهُ بعدَ قولِهِ: ((لأَنَّ مُنكِرُها)).
[٢٥٤٤٥] (قولُهُ: ادَّعَى على آخَرَ حَقّاً) أفادَ أَنَّه لا فرقَ بينَ أنْ [لا](٥) يُبِّنَ مقداراً
أصلاً، أو يُبِيِّنَ المقدارَ ولم يُبِّنْ صفتَهُ، وقد جَمَعَ بينَ المسألتينِ "الإِمامُ محمَّدٌ" في "الجامع
الصَّغِير "(٦)، واقتصَرَ في "الكنز "(٧) على الثّانية، قال في "النَّهر "(٨): ((ولو تَبِعَهُ " المصنّف" لكان
أَولى))، والخلافُ الآتي(٩) جارٍ فيهما خلافاً لِما يُوهِمُهُ كلامُ "البحر"(١٠).
[٢٥٤٤٦] (قولُهُ: لَتَصِحَّ الدَّعوى) علَّةٌ للمنفيِّ بـ ((لم))، أفادَ أنَّ صحَّةَ الدَّعوى وقتَ
الكفالةِ غیرُ شرطٍ.
(١) "رمز الحقائق": كتاب الكفالة ٧٠/٢.
(٢) في "د": ((شريفية))، ودنانير أشرفية: نسبة إلى السلطان الأشرف.
(٣) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - مسائل في تسليم نفس المكفول به ٥٦/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٥/أ، ونَقَل قول أبي الليث عن "الخلاصة".
(٥) ((لا)) ليست في النسخ جميعها، والسّياق يقتضيها، وقد نَّه على ذلك مصحِّحا "ب" و"م".
(٦) "الجامع الصغير": كتاب الكفالة - باب الكفالة بالنفس صـ٣٧٠ - ٣٧١ -.
(٧) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الكفالة ٧٠/٢.
(٨) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٥/ب.
(٩) المقولة [٢٥٤٤٧] قوله: ((أي: فعليَّ المائةُ)) وما بعدها.
(١٠) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٣/٦.

حاشية ابن عابدين
٦٢
قسم المعاملات
و(إنْ لم أُوافِكَ به غدً فعليه) أي: فعليَّ (المائةُ(١)، فلم يُوافٍ) الرَّجلُ (به غداً فعليه
( المائةُ) التي(٢) بََّها المُدَّعي إمّا بالبيِّنَةِ أو بإقرارِ الْمُدَّعَى عليه، وتَصِحُّ الكفالتان؛ لأَنَّه إذا
بَّنَ التحَقَ البيانُ بأصلِ الدَّعوى، فتبيَّنَ صحَّةُ الكفالةِ بالنّفسِ، فترتَّبَ عليها الثّانيةُ،
[٢٥٤٤٧] (قولُهُ: أي: فعليّ(٣) المائةُ) أي: المائةُ الدِّينارُ المذكورةُ، والأَولى أنْ يَزِيدَ مائةً
دينارِ مُنكَّرَةً لأجلِ قولِهِ: ((حَقّاً))، وقَّدَ بكونِهِ كَفَلَ بِقَدْرٍ معلُومٍ لِما في "كافي الحاكم": ((مِن
أَنَّه لو كفَلَ بنفسِهِ على أنَّه إنْ لم يُوافِ به غدً فعليه ما للطّالبِ عليه مِن شيءٍ، فلم يُوافِ به
في الغَدِ، وقال الكفيلُ: لا شيءَ لك عليه فالقولُ له مع يمينِهِ على عِلمِهِ. وكذلك إذا أقرَّ
الكفيلُ بمائةٍ والمطُلُوبُ بمائتينِ صُدِّقَ المطُلُوبُ على نفسِهِ ولم يُصدَّقْ على الكفيلِ، ولو قال:
فعليه مِن المالِ ما أقرَّ به المطلُوبُ فأقرَّ المطُلُوبُ بألفٍ فالكفيلُ ضامنٌ لها، ولو قال: فعليه ما
ادَّعَى الطّالبُ وادَّعَى ألفاً وأقرَّ له بها المطُلُوبُ فالقولُ للكفيلِ مع يمينِهِ على عِلمِهِ)) اهـ.
[٢٥٤٤٨] (قولُهُ: فعليه المائةُ) هذا قولُ "الإِمامِ" و"الثّاني" آخِراً، وقال "محمَّدٌ": إنْ
لم ◌ُبُِّهَا ثُمَّ ادَّعَى وَبَّنَها لا تلزَمُهُ، وتمامُهُ فِي "النَّهر "(٤).
[٢٥٤٤٩] (قولُهُ: إمّا بالبِّنةِ إلخ) تابَعَ فيه صاحبَ "النّهر"(٤)، وكأنَّه أخذَهُ مِمّا يأتي(٥)
عن "السِّراج": ((مِن اشتراطِ إقرارِ الْمُدَّعَى عليه بالمالِ))، والبِّنةُ مثلُ الإقرارِ، لكنَّ هذا
مُخالفٌ لكلامِ "المصنّف" وغيرِهِ: ((مِن أنَّ القولَ للمدَّعِي)) كما يأتي(٥).
(قولُهُ: لكنَّ هذا مُخالفٌ لكلامِ "المصنّفِ" وغيرِهِ إلخ) فيه: أنَّ كلامَ "المصنّف" فِي قَبُولِ قولِ المُدَّعي أنَّه
أرادَ البيانَ عندَ الدَّعوى لتَصِحَّ الكفالةُ، وما هنا فيما إذا أرادَ الُدَّعي إلزامَ الكفيلِ بما بيَّنَهُ، ومعُلُومٌ أَنَّه لا يكفي
بيأنُهُ إِلزامِهِ، بل لا بدَّ مِن بَيِّنةٍ أو إقرارِ المُدَّعَى عليه أو الكفيلِ، وليس كلامُهُ مَبنيًّ على ما في "السِّرَاجِ".
(١) عبارة "و": ((إنْ لم يوافِكَ بِهِ غداً فعليَّ المائةُ)).
(٢) في "د" و"و": ((أي: التي)).
(٣) في النسخ جميعها ((فعليه))، وما أثبتناه هو الموافق لنسخ "الدر"، وأشار إليه مصحِّحا "ب" و"م".
(٤) انظر "النهر": كتاب الكفالة ق٤١٥/ب.
(٥) صـ ٦٣ - "در".

الجزء السادس عشر
٦٣
کتاب الكفالة
(والقولُ له) أي: للكفيلِ (في البيانِ) لأنَّه يدَّعي صحَّةَ الكفالةِ، وكلامُ "السِّراج"
يُفيدُ اشتراطَ إقرارِ المُدَّعَى عليه بالمالِ،
[٢٥٤٥٠) (قولُهُ: والقولُ له، أي: للكفيلِ (١)) عبارةُ "المصنّف" في "المنح"(٢): ((أي:
للمكفُولِ له))، وهي الصَّوابُ، وقد تَبِعَ "الشّارحُ" "الدُّرر"(٣)، واعترضَهُ في "العزميَّة"(٤) بقولِهِ:
((هذا سهوٌ ظاهرٌ، والصَّوابُ: للمدَّعي، أمّا درايةً فلأنَّ قولَهم: لأَنَّه يدَّعي الصِّحَّةَ يشهَدُ
بذلك، فإنَّ ادِّعاءَ الصِّحَّةَ لا يُوافِقُ مُدَّعَاهُ، وأمّا روايةً فلقولِهِ في "معراج الدِّراية": ويكونُ
القولُ له في هذا البيانِ؛ لأَنَّه يدَّعي الصِّحَّةَ، والكفيلَ يدَّعي الفسادَ، ذكرَهُ(٥) في "الذَّخيرة".
اهـ. وفي "غاية البيان"(٦): ويُقبَلُ قولُ المُدَّعي أنَّه أرادَ ذلك عندَ الدَّعوى؛ لأَنَّه يدَّعي
الصِّحَّةَ)) اهـ ما في "العزميَّة". وفي "النهاية": ((فإذا بَّنَ الْمُدَّعي ذلك عندَ القاضي ينصَرِفُ بيانُهُ
إلى ابتداءِ الدَّعوى والملازمةِ، فتظهَرُ صحَّةُ الكفالةِ بالنّفْسِ والمالِ جميعاً، ويكونُ القولُ قولَهُ في
هذا البيان؛ لأَنَّه يدَّعي صحَّةَ الكفالةِ)) اهـ. ومثلُهُ في "شرح الجامع الصَّغير" لـ "قاضي
خان"(٧)، فهذه العباراتُ صريحةٌ في المرادِ، وهو ظاهرُ عباراتِ الْمُونِ و"الهداية(٨).
[٢٥٤٥١] (قولُ: وكلامُ "السِّراج" يُفيدُ إلخ) وذلك حيثُ قال: ((ولو ادَّعَى على رجلٍ ألفاً
فأنكَرَهُ، فقال له رجلٌ: إنْ لم يُوافِكَ(٩) به غداً فهي عليَّ، فلم يُوافِهِ به غداً لا يلزَمُهُ شيءٌ؟
(١) في "م": ((أي: الكفيل)).
(٢) "المنح": کتاب الكفالة ٢/ق٤٥ /ب.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٢٩٨/٢.
(٤) هي حاشية عزمي زاده (ت ١٠٤٠ هـ) على "الدرر والغرر"، وتقدمت ترجمتها ٢١١/٣.
(٥) في "الأصل": ((وذكره)).
(٦) "غاية البيان ونادرة الأقران": للإتقانيّ (ت٧٥٨هـ) شرح "هداية المرغينانيّ"، وتقدمت ترجمتها ٢٢٨/١.
(٧) "شرح الجامع الصغير": كتاب الكفالة - باب الكفالة بالنفس ٢/ق٨٣/ب.
(٨) "الهداية": كتاب الكفالة ٨٩/٣.
(٩) في "٢" و"ب" و"م": ((أوافك)).

حاشية ابن عابدين
٦٤
قسم المعاملات
فليُحرَّرْ. (لا يُحبَرُ) المُدَّعَى عليه (على إعطاءِ الكفيلِ بالنّفسِ في) دعوى (حَدَّ
وقَوَدٍ) مُطلقاً،.
لأنَّ المكفُولَ عنه لم يعترِفْ بُوُجودِ المالِ، ولا اعترَفَ الكفيلُ بها أيضاً، فصار هذا مالاً
مُعلَّقاً بخطرٍ فلا يَجُوزُ)) اهـ.
، [٢٥٤٥٢] (قولُهُ: فليُحرَّرْ) لا يَخْفَى أنَّ ما في "السِّراج" لا يُعارِضُ ما في مشاهيرِ كتبِ
المذهبِ التي ذكرناها، وقال "السّائحانيُّ": ((الذي تحرَّر لي أنْ يُحمَلَ ما في "السِّراج" على
قولِ "محمَّدٍ" وقولِ "أبي يوسفَ" ثانياً)) اهـ. وهو ظاهرٌ، ولا يُقالُ: إنَّ قولَ "السِّراج":
((فَأَنكَرَهُ)) يُفيدُ التَّوفيقَ بحملٍ كلامِهم على الإقرارِ؛ لأَنَّه خلافُ ما فرَضَ به المسألةَ في
"كافي الحاكم": ((مِن كونِ الكفيلِ والمطُلُوبِ مُنكِرَينِ للمالِ)).
[٢٥٤٥٣] (قولُهُ: في دعوى حَدٍّ وَقَوَدٍ) قَّدَ بالدَّعوى (١٦٧٥/٣ /ب] لأنَّ الكفالةَ بنفسِ
الحَدِّ والقَوَدِ لا تَجُوزُ إجماعاً كما يأتي(١)؛ إذ لا يمكنُ استيفاؤهما مِن الكفيلِ. وقَّدَ
بالقِصاصِ لأَنَّه في القتلِ والجراحةِ خطأً يُحبَّرُ عليه(٢) الكفيلُ إجماعاً؛ لأنَّ الموجَبَ هو
المالُ، "نهر " (٣).
[٢٥٤٥٤] (قولُهُ: مُطلقاً) أي: في حَقِّهِ تعالى، أو حَقِّ عبدٍ، وهذا راجعٌ لقولِهِ: ((حَدٌ))،
والأَولِى ذِكرُهُ عَقِبَهُ.
(قولُهُ: قَّدَ بالدَّعوى إلخ) لا حاجةَ للتَّقييدِ بالدَّعوى، فإنَّ الكفالةَ بنفسِ الحَدِّ والقَوَدِ خارجةٌ
يقولِ "المصنّف": ((بالنّفسِ))، فالأولى إبقاءُ "المتنِ" عامً شاملاً للكفالةِ بِالنّفسِ في دعوى حَدِّ، وللكفالةِ
بالنّفسِ في نفسِ الحَدِّ، تأمَّلْ.
(١) المقولة [٢٥٤٦١] قوله: ((وظاهرُ كلامهم)) والتي بعدها.
(٢) في "الأصل" و"ك" و"آ" و"ب": ((على)).
(٣) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٥/ب.

الجزء السادس عشر
٦٥
کتاب الكفالة
وقالا: يُحبَرُ فِي قَوَدٍ وحَدِّ قذفٍ وسرقةٍ كتعزيرٍ؛
[٢٥٤٥٥] (قولُهُ: وسرقةٍ) هذا ألحقَهُ "التُّمرتاشيُّ" وجعلَهُ مِن حُقوقِ العبادِ لكونِ
الدَّعوى فيه شرطاً، بخلافِ غيرِهِ؛ لعَدَمِ اشتراطِها، "بحر "(١).
قلتُ: قد صرَّحَ به "الحاكمُ" في "الكافي" حيثُ قال: ((ولو ادَّعَى رجلٌ قِبَلَ رجلٍ أَنَّه
سرَقَ مالاً مِنه وقال: بَيِّنتي حاضرةٌ فإِنَّه يؤخَذُ له كفيلٌ بنفسِهِ ثلاثةَ أَيّامٍ، ولو قال: قد قَبَضتُ
مِنه السَّرقةَ ولكنّي أُريدُ أنْ أُقيمَ الَحَدَّ لم يؤخَذْ مِنه كفيلٌ))، ثمَّ قال: ((وإذا أقام شاهدَينِ
على السّارقِ وعلى السَّرقةِ وهي بعينِها في يديهِ لم يؤخَذْ مِنه كفيلٌ، ولكنْ يُحَبَسُ وتوضَعُ
السَّرقةُ على يدَي عَدْلِ حَتّى يُزَكَّى الشُّهُودُ)) اهـ.
قلتُ: والظّاهِرُ أَنَّهُ يُحَبَسُ ولا يُكْفَلُ في الثّانيةِ؛ لأَنَّه صار مِنَّهَما بقيامِ البِّنَةِ قبلَ التّزكيةِ،
والمَّهَمُ يُحَبَسُ كما يأتي(٢). وفي الأُولى لم يُحبَسْ؛ لأنَّ الحبسَ عقوبةٌ فلا يفعلُها قبلَ الشَّهادةِ.
[٢٥٤٥٦] (قولُهُ: كتعزيرٍ) قال في "الكافي": ((لو ادَّعَى رجلٌ قِبَلَ رجلٍ شتيمةً فيها تعزيرٌ
وقال: بَيِّنتي حاضرٌ آخُذُ له مِنه كفيلاً بنفسِهِ ثلاثةَ أيّامٍ؛ لأَنَّه ليس بَحَدٍّ، وهو مِن حُقوقِ
الَّاسِ، ألا تَرَى أَنَّه لو عَفا عنه وتركَهُ جازَ))، ثمَّ قال: ((وإنْ أقامَ عليه شاهدَينِ بالشَّتْمَةِ(٣)
٢٦٠/٤
(قولُهُ: هذا ألحقَهُ "النِّمرتاشيُّ" إلخ) أي: فَيَحُوزُ التَّكفيلُ بنفسِ مَن عليه بالإجماعِ، وفي الإجبارِ
عليه عندَهما. اهـ "زيلعيّ".
(قولُهُ: قد صرَّحَ به "الحاكمُ" في "الكافي" حيثُ قال: ولو ادَّعَى رجلٌ إلخ) ما في "الكافي" إنَّما أفادَ
أَنَّه لا يؤخَذُ مِنه كفيلٌ لإقامةِ الحَدِّ عندَ دعواه وإرادةٍ أنْ يُقَامَ الحَدُّ عليه، ولم يتعرَّضُ أنَّ هذا متَفَقٌ عليه
أو مختلَفٌ، والمنقُولُ عن "الصّاحبينِ": أَنَّه في القَوَدِ وحَدِّ القذفِ يُحبَّرُ على إعطاءِ كفيلٍ بالنّفسِ فيهما،
ولم يُنقَلْ عنهما شيءٌ فِي حَدِّ السَّرَقةِ، فألحَقَها "النُّمرتاشيُّ" بهما عندَهما؛ لتوقُّفِ كلٍّ على الدَّعوى.
(١) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٤/٦.
(٢) المقولة [٢٥٤٦٥] قوله: ((لأنَّ الحبسَ للتّهَمَة مشروعٌ)).
(٣) في "آ" و"م": ((بالشتيمة)).

حاشية ابن عابدين
٦٦
قسم المعاملات
لأَنَّه حَقُّ آدميٌّ، والمرادُ بالجَبْرِ الملازمةُ لا الحَبْسُ، (ولو أعطَى) برضاهُ كفيلاً في
قَوَدٍ، وقَذْفٍ، وسَرِقَةٍ (جازَ) اتفاقاً، "ابنُ كمالٍ".
لم يُحبَسْ، ولكنْ يؤخَذُ مِنه كفيلٌ بنفسِهِ حَتّى يسألَ عن الشُّهودِ، فإِنْ زُكُّوا عزَّرَهُ القاضي
أسواطً، وإنْ رأى أنْ لا يضرِبَهُ وأنْ يُحِبِسَهُ أَيّاماً عقوبةً فعَلَ، وإنْ كان المُدَّعَى عليه رجلاً
له مروءةٌ وخطَرٌ استحسنتُ أنْ لا أحبِسَهُ ولا أُعزِّرَهُ إذا كان ذلك أوَّلَ ما فعَلَ)) اهـ.
[٢٥٤٥٧) (قولُهُ: لِأَنَّه حَقُّ آدميٍّ) ظاهرُهُ أنَّ ما كان - أي: مِن التَّعزيرِ - مِن حُقوقِهِ
تعالى لا يَجُوزُ بِه التَّكفيلُ كالحَدِّ، "بحر"(١).
[٢٥٤٥٨) (قولُهُ: والمرادُ بالجَبْرِ) أي: على قولِهما كما في "البحر "(١).
[٢٥٤٥٩] (قولُهُ: الملازمةُ) أي: بأنْ يدُورَ معه الطّالبُ حيث دارَ كيلا يتغَيَّبَ عنه، وإذا
أرادَ دُخولَ دارِهِ فإنْ شاءَ المطُلُوبُ أدخَلَهُ معه وإلّ منعَهُ الطّالبُ عنه، "نهر " (٢).
[٢٥٤٦٠) (قولُهُ: جازَ) لأَنَّه أمكنَ ترتيبُ مُوجَبِهِ عليه؛ لأنَّ تسليمَ النَّفْسِ فيها واجبٌ،
فُيُطالَبُ به الكفيلُ فيتحقَّقُ الضَّمُّ، "هداية"(٣). قال في "الفتح"(٤): ((ومُقْتضَى هذا التّعليلِ صحَّةُ
الكفالةُ إذا سمَحَ بها في الحُدودِ الخالصةِ؛ لأنَّ تسليمَ النَّفسِ واجبٌ فيها(٥)، لكنْ نصَّ في
"الفوائد الخبّازيَّة"(٦) على أنَّ ذلك في الحُدودِ التي للعبادِ فيها حقٌّ كحَدِّ القذفِ لا غَيْرُ)) اهـ
" نهر "(٧) . وفي "البحر "(٨): ((قدَّمنا أنَّه لا تَجُوزُ بنفسِ مَن عليه في الحُدودِ الخالصةِ)).
(١) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٤/٦.
(٢) "النهر": كتاب الكفالة ق٤١٥/ب.
(٣) "الهداية": كتاب الكفالة ٨٩/٣.
(٤) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٩٦/٦ بتصرف.
(٥) عبارة "النهر": ((فيهما)).
(٦) هي حواشٍ على "هداية المرغينانيّ"، لجلال الدين الخَّازيّ (ت ٦٩١هـ)، وتقدمت ترجمتها ٣٧٤/١.
(٧) "النهر": كتاب الكفالة ق٤١٩/ب.
(٨) "البحر": كتاب الكفالة ٢٥٠/٦.

الجزء السادس عشر
٦٧
كتاب الكفالة
وظاهرُ كلامِهم أنَّها في حُقوقِهِ تعالى لا تَجُوزُ، "نهر"(١). قلتُ: وسيجيءُ(٢) أنّها
لا تَصِحُّ بنفسِ حَدٍّ وَقَوَدٍ فليكنِ التَّوفيقَ.
[٢٥٤٦١] (قولُهُ: وظاهرُ كلامِهم) أي: حيث اقتصرُوا(٣) على هذه الثَّلاثةِ، وقد أسمعناكَ(٤)
التّصريحَ به في "الفتح" عن "الخبّازيَّة"، وذكرَهُ قبلَ ذلك أيضاً حيث قال(٥): ((بخلافِ الحُدودِ
الخالصةِ حَقّاً للهِ تعالى كحَدِّ الزِّنى والشُّربِ لا تَجُوزُ الكفالةُ وإنْ طابَتْ نفسُ المُدَّعَى عليه
بإعطاءِ الكفيلِ بعدَ الشَّهادةِ أو قبلَها))، ثمَّ ذكَرَ وجهَهُ.
[٢٥٤٦٢) (قولُهُ: فليكنِ التَّوفيقَ) أي: فليكن ظاهرُ كلامِهم المذكُورِ توفيقاً بينَ ما ذكَرَهُ
"المصنّف"(٦): ((مِن أَنَّه لو أعطَى كفيلاً برضاهُ جازَ)) وبينَ ما سيجيءُ(٧)، بحملٍ ما هنا على
حُقوقِ العبادِ وما سيجيء(٧) على حُقوقِهِ تعالى، لكنْ فيه: أنَّ الكفالةَ بنفسِ الحَدِّ لا تَصِحُّ مُطلقً؛
لأَنَّ حَدَّ السَّرقةِ وإنْ كان مُلحَقاً بُحُقوقِ العبادِ كما مرَّ(٨) لكنْ إذا قال: قَبَضتُ السَّرقةَ، وقال:
أُريدُ إقامةَ الحَدِّ لم يؤخَذْ له كفيلٌ كما قدَّمناهُ(٨)، فالأظهرُ أنْ يكونَ مرادُهُ أنَّ ما سيجيءُ مِن
قولهم: ((لا تَصِحُّ بنفسِ حَدِّ وَقَوَدٍ)) هو التَّوفِيقَ بينَه وبينَ ما هنا مِن أَنَّه لو أعطَى كفيلاً برضاهُ
(قولُهُ: فالأظهرُ أنْ يكونَ مرادُهُ أنَّ ما سيجيءُ مِن قولهم: لا تَصِحُّ إلخ) نقَلَ هذا التَّوفيقَ "السِّنديُّ"
عن عمِّهِ "محمَّدٍ حسينِ الأنصاريِّ"، وقال: ((لا حاجة للتَّوفيقِ؛ لأنَّ الموضوعَ مُختلفٌ)).
(١) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٥/ب.
(٢) صـ١٠٥- "در".
(٣) في "م": ((قتصروا)) بلا همزة، وهو خطأ.
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٩٥/٦.
(٦) صـ ٦٦ - "در".
(٧) صـ ١٠٥ - "در".
(٨) المقولة [٢٥٤٥٥] قوله: ((وسرقةٍ)).

حاشية ابن عابدين
٦٨
قسم المعاملات
(ولا حَبْسَ فيهما حتّى يشهَدَ شاهدان مستوران أو) واحدٌ (عَدْلٌ) يعرِفُهُ القاضي
بالعدالةِ؛ لأنَّ الْحَبْسَ للتَّهَمَةِ مشرُوعٌ، وكذا تعزيرُ الَّتَّهَمِ، "بحر". (فوائدٌ) لا يلزَمُ أحداً
إحضارُ أحدٍ، فلا يلزَمُ الزَّوجَ إحضارُ زوجتِهِ لسماعٍ دعوَّى عليها.
جازَ، فإنَّ ذاك في أنَّها لا تَصِحُّ بنفسِ الحَدِّ والقَوَدِ، وما هنا مِن الجوازِ في دعوى الحَدِّ والقَوَدِ
كما أشارَ إليه أوَّلاً حيثُ قال: ((في دعوى حَدِّ وَقَوَدٍ)).
[٢٥٤٦٣) (قولُهُ: ولا حَبْسَ فيهما) أي: في الحُدودِ والقِصاصِ.
[٢٥٤٦٤) (قولُهُ: يعرِفُهُ القاضي بالعدالةِ) [٣/ق١٦٨/أ] أي: فلا يحتاجُ إلى تعديلِهِ.
[٢٥٤٦٥] (قولُهُ: لأنَّ الَحَبْسَ لِلْتُّهَمَةِ مشرُوٌ) أي: والتّهَمَةُ تَثْبُتُ بأحدٍ شطرَيِ الشَّهادةِ
العَدَدِ أو العدالةِ، "فتح"(١). وهذا جوابٌ عمّا قد يُقالُ: الحَيْسُ أقوى منَ الكفالةِ، فإذا لم يؤاخَذْ
بالأدَنَى فكيف يؤاخَذُ بالأقوى؟ فأجابَ بأنَّ الَحَبْسَ للّهَمَةِ لا للحَدِّ، أفادَهُ "السّائِحانيُّ".
مطلبٌ في تعزيرِ الَتْهَمِ
[٢٥٤٦٦] (قولُهُ: وكذا تعزيرُ الَّهَمِ) أي: في غيرِ هذه المسألةِ، وإلّ فهي أيضاً مِن تعزيرٍ
المّهَمِ، فإنَّ الحَبْسَ مِن أنواعِ التَّعزيرِ، وعبارةُ "البحر"(٢): ((وكلامُهم هنا يدُلُّ ظاهراً على أنَّ
القاضيَ يعزِّرُ الَّهَمَ وإنْ لم يثبتْ عليه، وقد كتبتُ فيها رسالةً(٣)، وحاصلُها: أنَّ ما كان مِن
النَّعزيرِ مِن حُقوقِهِ تعالى لا يتوقّفُ على الدَّعوى ولا على النُّبوتِ، بل إذا أخبرَ القاضيَ عَدْلٌ بذلك
، عَزَّرَهُ؛ لتصريحِهِم هنا بَحْسِ المتَّهَمِ بشهادةٍ مستورَينٍ أو عَدْلٍ، والَبْسُ تعزيرٌ)) اهـ مُلخَّصاً.
وحاصلُهُ: جوازُ تعزيرِ المَّهَمِ فيما هو مِن حُقوقِهِ تعالى، ويدُلُّ عليه ما قدَّمناهُ(٤) آنفاً عن
"الكافي": ((مِن جوازِ حَبْسِهِ إذا أقيمتِ البَِّةُ على السَّرَقةِ حتّى تُزَكَّى الشُّهودُ، بخلافِ ما إذا
أقيمتْ على شَتْمِهِ فإنّه يُكَفَلُ، ولا يُحبّسُ إلّ بعدَ تزكِيَتِهم، فحينئذٍ يُضرَبُ أو يُحَبَسُ)).
(١) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٩٦/٦.
(٢) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٤/٦.
. (٣) هي الرسالة الثالثة عشرة في إقامة القاضي التعزير على المفسد صـ١٢٦ - (ضمن مجموع "رسائل ابن نجيم").
(٤) المقولة [٢٥٤٥٥] قوله: ((وسرقةٍ)) وما بعدها.

الجزء السادس عشر
٦٩
كتاب الكفالة
إلّ في أربعٍ:
(تنبيةٌ)
أورَدَ في "الَّهرِ "(١): ((أَنَّ تعزيرَ القاضي المَّهَمَ وإنْ لم يثُبُتْ عليه مبنيٌّ على خلافٍ
المفتى به عند المتأخّرِينَ مِن أَنَّه ليس للقاضي أنْ يقضيَ بعِلْمِهِ))، ثمَّ أجابَ(٢): ((بأنَّ الخلافَ
فيما كان مِن حُقوقِ العبادِ، أمّا في حُقوقِهِ تعالى فيقضي فيها بعِلْمِهِ اتّفاقاً))، ثمَّ قال(٢):
((فما يُكتَبُ مِن المحاضرِ فِي حَقِّ إنسانٍ فَإِنَّ للحاكمِ أنْ يعتمِدَهُ مِن العُدولِ ويعمَلَ بُو جَبِهِ
في حُقوقِهِ تعالى)) اهـ مُلخَّصاً.
قلتُ: وهذا خاصٌّ بالنَّعزيرِ؛ لأنَّ قضاءَّهُ بِعِلْمِهِ في الحُدودِ الخالصةِ لا يَصِحُّ اتفاقاً كما صرَّحَ
به في "الفتح"(٣) قبيلَ بابِ التَّحكيمِ، وكذا في "شرح الوهبائَّة" لـ "الشُّر ◌ُلاليِّ"، وحزَمَ به في
"شرح أدب القضاء"(٤) بلا حكاية خلافٍ، فما أجابَ به في "النَّهر"(٥) غيرُ صحيحٍ، وسيأتي(٦)
تمامُ الكلامِ على ذلك إنْ شاءَ اللهُ تعالى في بابِ كتابِ القاضي إلى القاضي.
مطلبٌ: لا يلزَمُ أحداً إحضارُ أحدٍ إلاّ في أربعِ
[٢٥٤٦٧] (قولُهُ: إلّ في أربعٍ) استثناءٌ مِن قولِهِ: ((لا يلزَمُ أحداً)).
(قولُهُ: فما أجابَ به في "النّهر" غيرُ صحيحٍ إلخ) قد يُقالُ: مرادُ "النَّهر" بحقُوقِهِ تعالى وحُقوقِ
عبادِهِ خُصوصُ حُقوقِ التَّعزيرِ بدِلالةِ المقامِ، لا مُطلقُ حُقوقٍ حَتّى يَرِدُ عليه أنَّه لا يقضي بِعِلْمِهِ في
الحُدودِ الخالصةِ. وقد يُدفَعُ إيرادُ "النّهر" مِن أصلِهِ بأَنَّه ليس ما هنا قضاءً بالعِلْمِ، بل بالإخبارِ مِن العَدْلِ
أو المستورَينِ، وقد اكتَفَوا به هنا كما في كثيرٍ مِن المسائلِ.
(١) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٥/ب - ٤١٦/أ.
(٢) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٦/أ.
(٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٤٠٦/٦.
(٤) "شرح أدب القاضي" للصدر الشهيد: الباب التاسع والثلاثون في القاضي يقضي بعلمه ١٠١/٣.
(٥) "النهر": كتاب الكفالة ق٤١٥ /ب وما بعدها.
(٦) المقولة [٢٦٥٧٤] قوله: ((وفيها)).

حاشية ابن عابدين
٧٠
قسم المعاملات
كفيلِ نفسٍ، وسَجّانِ قاضٍ، والأبِ في صورتينِ في "الأشباه"(١).
[٢٥٤٦٨] (قولُهُ: كفيلِ نفسٍ) أي: عندَ القُدْرةِ، "أشباه"(١).
[٢٥٤٦٩] (قولُهُ: وسَجّانِ قاضٍ) أي: إذا خلَّى رجلاً مِن المسجونِينَ حَبَسَهُ القاضي
بدَينٍ عليه فلِرَبِّ الدَّينِ أنْ يطلُبَ السَّحّانَ بإحضارِهِ كما في "القنية "(٢)، "أشباه"(٣). وقَّدَ
بإحضارِهِ إذ لا يلزَمُهُ الدَّينُ لعَدَمِ مُوجِبِهِ.
[٢٥٤٧٠] (قولُهُ: والأبِ في صورتينِ) الأُولى: الأبُ إذا أمَرَ أجنبيّاً بضمان ابنِهِ فطلَبَهُ
الضّامنُ مِنه.
الثّانيةُ: ادَّعَى الأبُ مهرَ ابنِهِ مِن الزَّوجِ، فَادَّعَى الزَّوجُ أَنَّه دخَلَ بها وطَلَبَ مِن الأبِ
٢٦١/٤ إحضارَها، فإنْ كانت (٤) تخرُجُ في حوائجِها أمَرَ القاضي الأبَ بإحضارِها، وكذا لو ادَّعَى
الزَّوجُ عليها شيئاً آخَرَ، وإلّ أرسَلَ إليها أميناً مِن أُمَنَائِهِ، ذكَرَهُ "الولو الجِيُّ)"(٥)، "أشباه"(٦).
(قولُهُ: وإلّ أرسَلَ إليها أميناً إلخ) يسألُها عن دعوى الزَّوجِ، فإنْ أقرَّتْ شَهِدَ الشّاهدانِ بذلك وأجبَرَها
على التَّوُّهِ إلى الزَّوجِ أو بالحَقِّ، قال في "الهنديَّة" مِن الفصلِ الحادي عشرَ في العدوى: ((إنْ كان القاضي
مأذُوناً بالاستخلافِ ببعَثُ خليفتهُ إليهما - يعني المريضَ والمخدَّرَةَ - فيقضي بينهما وبينَ خُصومِهما، وإنْ
لم يكنْ مأذُوناً به يبعَثُ أميناً مِن أُمَنَائِهِ بشاهدينٍ عَدْلِينِ حَتّى يُخِرا القاضِيَ بما جَرَى.
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب الكفالة صـ ٢٥٤ -.
(٢) "القنية": كتاب أدب القاضي - باب الحبس والإفلاس والإشهاد إلخ ق ١٣٢/ب، نقلاً عن القاضي عبد الجبار، وقد ذكر ابن
عابدين رحمه الله في "حاشيته على الأشباه" صـ ٢٥٤ - عن جوي زاده أنَّ هذه المسألةَ غيرُ موجودة في "القنية"، وسكت
عنها، وأشار الحموي في "غمز عيون البصائر" ٢٩٩/٢ إلى أنَّ المسألة موجودة فيها في الكتاب والباب المذكورين.
١
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب الكفالة ص ٢٥٤ -.
(٤) ((كانت)) ليست في "الأصل".
(٥) "الولوالجية": كتاب القضاء - الفصل الرابع فيما تسمع فيه الدعوى وفيما لا تسمع إلخ ٧٣/٤ بتصرف.
(٦) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب الكفالة صـ٢٥٥ -.

الجزء السادس عشر
٧١
کتاب الكفالة
وفي "حاشيتِها لابنِ المصنّف"(١) مَعزّاً لأحكاماتِ "العماديَّة": ((الأَبُ يُطالَبُ بإحضارِ
طفلِهِ إِذا تغيَّب))،
قلتُ: والمقصُودُ مِن طلبِ إحضارِها أنْ يسألَها القاضي عن دعوى الزَّوجِ أنَّه دخَلَ
بها، فإِنْ أقرَّتْ بذلك أجبَرَها القاضي على المصيرِ إلى بيتِ الزَّوجِ، وإنْ أنكَرَتْ فالقولُ
قولُها، كذا في "الولو الحيّة"(٢)، وهكذا فهمتُهُ قبلَ أنْ أراهُ، وللهِ تعالى الحمدُ، فافهمْ. وهذا
مبنيٌّ على القولِ بأنّها بعدَ الدُّخولِ بها برضاها ليس لها منعُ نفسِها لقَبْضِ المهرِ.
[٢٥٤٧١] (قولُهُ: الأَبُ يُطالَبُ بإحضارِ طفلِهِ إذا تغيَّبَ) أي: إذا كان مأذُوناً في
التّجارةِ وطلَبَ مِن رجلٍ أنْ يَضْمَنَهُ، فافهمْ.
وهذه غيرُ الأُولى مِن الصُّورتينِ السّابقتينِ، وقدَّمناهُ(٣) عن "الكافي". وكذا قال في "جامع
الفصولين"(٤) مِن الأحكاماتِ: ((لو تغيَّبَ الغلامُ وأخَذَ(٥) الكفيلُ أبا الغلامِ وقال: أنتَ أمرتَنِي أنْ
أَضْمَنَهُ فخلِّصني، فإنَّ الأبَ يؤخَذُ(٥) به حتّى يُحضِرَ ابنَهُ؛ إذِ الصَّبيُّ في يدِهِ وتدبيرِهِ، وكذا
ثُمَّ إذا ذهبُوا إلى المدَّعى عليه فالأمينُ يُخبِرُهُ بما ادُّعِيَ عليه، فإنْ أقرَّ بذلك أشْهَدَ شاهدينِ بما أقرَّ به
وأمَرَهُ أنْ يوكّلَ وكيلاً يحضُرُ معه مجلسَ القاضي ليشهَدا عليه بما أقرَّ به بحضرةٍ وكيلِهِ فُيُقضَى عليه
بحضرتِهِ، وإنْ أنكَرَ والمُدَّعِي له بِّنّةٌ يأمُرُ المدَّعى عليه أنْ يوكّلَ كذلك، وإنْ لم يكنْ له بِّنةٌ فالأمينُ
يُحَلِّفُ المُدَّعَى عليه، فإنْ حَلَفَ أخبَرَ الشّاهدانِ القاضيَ بذلك حتّى يمنعَهُ مِن الدَّعوى، وإنْ نكَلَ عن
اليمينِ أمَرَهُ أنْ يوكّلَ كذلك، ويشهدانِ بُكولِهِ، ويقضي عليه بالنِّكولِ)) اهـ.
(قولُهُ: وهذا مبنيٌّ على القولِ بأَنَّها بعدَ الدُّخولِ بها برضاها ليس لها منعُ نفسِها إلخ) أو على القولِ
بأنّه لا تُسمَعُ دعوى المهرِ بعدَ الدُّخولِ بها.
(١) المسماة: "زواهر الجواهر" للشيخ صالح التمرتاشي (ت١٠٥٥ هـ)، وتقدمت ترجمتها ٦١٩/٣.
(٢) "الولوالجية": كتاب القضاء - الفصل الرابع فيما تسمع فيه الدعوى وفيما لا تسمع إلخ ٧٣/٤.
(٣) المقولة [٢٥٣٤٣] قوله: ((فلا تنفذ من صبيّ ولا مجنونٍ)).
(٤) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون في الأحكامات - أحكام الصبيان ١٥٠/٢.
(٥) في النسخ جميعها: ((وآخذ)) بالمد ((يؤاخذ))، وما أثبتناه من عبارة "جامع الفصولين".

حاشية ابن عابدين
٧٢
قسم المعاملات
وفيها: ((القاضي يأخُذُ كفيلاً بإحضارِ المُدَّعَى - وكذا المُدَّعَى عليه - إلّ في أربعٍ: مُكَبِهِ،
ومأذُونِهِ، ووصيّ،
قالوا: إنَّ الصَّبِيَّ المأذُونَ لو أعطَى كفيلاً بنفسِهِ ثُمَّ تغيَّبَ الصَّبِيُّ فإنَّ الأبَ يُطالَبُ بإحضارِهِ،
بخلافِ أجنبيٌّ قال: أكفُلُ بنفسِ زيدٍ وكَفَلَ، فغابَ زِيدٌ فالآمرُ بالكفالةِ لا يُطالَبُ بإحضارٍ
[٣/ق١٦٨/ب] زيدٍ؛ لأنّه لم يكنْ بیدِهِ وتدبیرِهِ)) اهـ.
[٢٥٤٧٢] (قولُهُ: وفيها) أي: في "الأشباه"(١).
[٢٥٤٧٣] (قولُهُ: بإحضارِ الْمُدَّعَى) بالفتحِ، أي: المُدَّعَى به إذا كان منقُولاً.
[٢٥٤٧٤] (قولُهُ: وكذا المُدَّعَى عليه) أي: يأخُذُ مِن الْمُدَّعَى عليه كفيلاً بنفسِهِ إذا بَرْهَنَ
المُدَّعي ولم تُزَكَّ شُهودُهُ، أو أقامَ واحداً، أو ادَّعَى وقال: شُهودي حُضورٌ، ولا يُحبَّرُ على
إعطاءِ كفيلٍ بالمالِ، "أشباه"(١).
[٢٥٤٧٥] (قولُهُ: إلّ في أربع إلخ) عبارةُ "الأشباه "(١): ((ويُستَثنَى مِن طَلَبِ كفيلٍ بنفسِهِ:
إذا كان المُدَّعَى عليه وصيّاً أو وكيلاً ولم يُثِبِتِ المُدَّعي الوصايةَ والوكالةَ، وهما في "أدب
القضاء"(٢) لـ "الخَصّاف". وما إذا ادَّعَى بدَلَ الكتابةِ على مُكاتبِهِ أو دَيناً غيرَها. وما إذا ادَّعَى
العبدُ المأذُونُ الغيرُ المديون على مولاهُ دَيناً، بخلاف ما إذا ادَّعَى المكاَتَبُ على مولاهُ أو المأذُونُ
المديونُ فإنَّه يُكَفَلُ، كذا في "كافي الحاكم")) اهـ.
(قولُهُ: وما إذا ادَّعَى بدَلَ الكتابةِ على مُكاتَبِهِ إلخ) يُنظرُ الوجهُ في هذه المسائلِ المذكُورةِ في
"الكافي" ووجهُ الفَرقِ بينَها، فإنَّ ما في "شرح الأشباه" غيرُ محرَّرٍ، ولم يُذكَرْ في "حواشيها" شيءٌ، وليس
في عبارة "الأشباه" هذه ما يُفيدُ أنَّ المأذُونَ مدَّعَى عليه كما يُفهِمُهُ كلامُ "الشّارحِ"، فُيُرادُ به ما إذا كان
مدَّعياً والسَّدُ مدَّعَى عليه على التَّفصيلِ المذكُورِ .
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب الكفالة صـ٢٥٦ -.
(٢) انظر "شرح أدب القاضي" للصدر الشهيد: الباب التاسع والعشرون - طلب الوصيّ أو الوكيل الكفالة إلى حين
إثباته وصيته أو وكالته ٢٩٣/٢ بتصرف.

الجزء السادس عشر
٧٣
كتاب الكفالة
ووكيلٍ إذا لم يُثبِتِ الْمُدَّعي الوصايةَ والوكالةَ)). وفي "شرح المجمع" عن "محمَّدٍ":
((إذا كان المُدَّعَى عليه معروفاً لا يُجبَرُ على الكفيلِ، ولو كان غريباً لا يُحِبَرُ
اتفاقاً، بل حَقُّهُ في اليمينِ فقط)) اهـ.
بإبراءِ الأصيلِ يبرَّأُ الكفيلُ، إلّ كفيلَ النّفسِ، إلّ إذا قال: لا حَقَّ لي قبلَهُ
ولا لموكِّلي، ولا ليتيمٍ أنا وصيُّهُ، ولا لوقفٍ أنا مُتولِيهِ فحينئذٍ يَبَرَّأ الكفيلُ، "أشباه"(١).
[٢٥٤٧٦] (قولُهُ: إذا لم يُثبتِ المُدَّعي الوصايةَ والوكالةَ) لأنَّ المُدَّعَى عليه إذا أنكَرَ كونَهُ
وصيّاً أو وكيلاً لم يكنْ خصماً عن الميْتِ أو الغائبِ، بل هو أجنبيٌّ، فإذا قال المُدَّعي: عندي بيِّنّةٌ
على كونِهِ وصيّاً أو وكيلاً لم يؤخَذْ له كفيلٌ مِن المُدَّعَى عليه بنفسِهِ؛ لأنَّ الوصايةَ أو الوكالةَ
ليست حَقّاً على المُدَّعَى عليه، أما لو أثبتَ ذلك وأرادَ أنْ يُثبِتَ دَيناً له على الميْتِ أو الموكّلِ فقد
صار المُدَّعَى عليه خصماً، فإذا قال للقاضي: لي بيِّنّةٌ حاضرةٌ في المِصْرِ فخُذْ لي كفيلاً بنفسِهِ إلى
ثلاثةِ أَيّامٍ مثلاً فإنَّه يُحيِبُّهُ، هذا ما ظهَرَ لي في تقريرِ هذا المحلِّ.
[٢٥٤٧٧) (قولُهُ: لا يُحَبَرُ على الكفيلِ) وفي ظاهرِ الرِّوايةِ يُحبَرُ كما أنَّه يُحِبَرُ على
إعطاءِ الكفيلِ وإنْ كان المالُ حقيراً، "ط)" (٢) عن "حاشية أبي السُّعود".
[٢٥٤٧٨] (قولُهُ: إلّ كفيلَ النَّسِ) فإنَّ الطّالبَ إذا أقرَّ أَنَّه لا حَقَّ له قبلَ المكفُولِ به
فإنَّ "أبا حنيفةً" قال: له أنْ يأخُذَ الكفيلَ به، ألا تَرَى أَنَّه يكونُ وصيّاً يثبتُ عليه أو وكيلاً
في خُصومةٍ، "کافي".
(قولُهُ: لأنَّ المُدَّعَى عليه إذا أنكَرَ كونَهُ إلخ) يعني: أنَّ المُدَّعَى عليه ادَّعَى عليه الُدَّعي أنَّه وصيٌّ
أو وكيلٌ، ولو ادَّعَى المُدَّعي الوصايةَ لنفسِهِ أو الوكالةَ كان الحُكمُ كذلك كما في "السِنديِّ" عن "شرح
أدب القاضي".
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب الكفالة صـ٢٥٥ -.
(٢) "ط": كتاب الكفالة ١٥٠/٣.

حاشية ابن عابدين
٧٤
قسم المعاملات
(و) أمّا (كفالةُ المالِ)
مطلبٌ فِي(١) كفالةِ المالِ
[٢٥٤٧٩) (قولُهُ: وأمّا كفالةُ المالِ إلخ) معطُوفٌ على قولِهِ: ((وكفالةُ النَّفْسِ))، قال في
" شرح الملتقى"(٢): ((وزادَ بعضُهم الكفالةَ بتسليمِ المالِ، ويمكنُ دُخولُهُ في المالِ فلا يحتاجُ إلى
جعلِهِ قسماً ثالثاً، فتأمَّلْ)) اهـ. وهو ظاهرُ ما في "البحر"(٣) عن "الَّتَار خانَّة"(٤): ((له مالٌ على
رجلٍ، فقال رجلٌ للطّالبِ: ضَمِنتُ لك ما على فُلانِ أنْ أقْبِضَهُ وأدفَعَهُ إليك، قال: ليس هذا
على ضمانِ المالِ أنْ يدفَعَهُ مِن عندِهِ إِنَّما هو على أنْ يتقاضاهُ ويدفَعَهُ إليه، وعلى هذا معاني
كلامِ الَّاسِ. ولو غصَبَ مِن مالِ رجلٍ ألفاً فقاتلَهُ المغصُوبُ مِنه وأرادَ أَخْذَها مِنه، فقال رجلٌ:
لا تُقاتِلُهُ فأنا ضامنٌ لها آخُذُها وأدفَعُها إليك لَزِمَهُ ذلك، ولو كان الغاصبُ استهَلَكَ الألفَ
وصارت ديناً كان هذا الضَّمانُ باطلاً، وكان عليه ضمانُ النَّقاضي)) اهـ. فهذه الألفاظُ لا تكونُ
كفالةً بنفسِ المالِ، بل بتقاضيه، وهذا إذا لم يذكُرْهُ مُعلَّقاً، ففي "جامع الفصولين"(٥): ((قال:
دَيْنُكَ الذي على فُلانِ أنا أدفَعُهُ إليك، أنا أُسلِّمُهُ، أنا أقْبِضُهُ لا يكونُ كفيلاً ما لم يتكلَّمْ بلفظٍ
تدُلُّ على الالتزامٍ))، ثمَّ قال(٤): ((لو أتى بهذه الألفاظِ مُنِّزاً لا يصيرُ كفيلاً، ولو مُعلِّقً كقولِهِ:
لولم يؤدِّ فأنا أؤدي، فأنا أدفَعُ يصيرُ كفيلاً)) اهـ.
(قولُهُ: وهذا إذا لم يذكُرْهُ مُعلّقاً إلخ) لا معنّى لهذا النَّقَيدِ، فإنّه فيما تقدَّمَ لا فرقَ بينَ تنجيزِ وتعليقِ
لوُجودِ ما يدُلُّ على الالتزامِ، وأيضاً عبارةُ "الفصولين" فيها كفالةُ مالٍ، والأنسبُ أنْ يقولَ: ((هذا إذا كان
فيها التزامٌ، بخلاف ما إذا لم يوجَدْ فإنَّه يُفْصَّلُ بينَ المُعلَّقِ وغيرِهِ))، ثمَّ يستدِلَّ بعبارةِ "الفصولين"، تأمَّلْ.
(١) ((في)) ليست في "ب" و"
(٢) "الدر المنتقى": كتاب الكفالة ١٢٤/٢ (هامش "مجمع الأنهر").
(٣) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٦/٦ - ٢٣٧.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الكفالة - الفصل الثاني في الألفاظ التي تقع في الكفالة ٤/ق ٢٠٠/أ، معزياً إلى "نوادر ابن
سماعة" عن محمد.
(٥) "جامع الفصولين": الفصل الثلاثون في التصرفات الفاسدة وأحكامها إلخ - ألفاظ الكفالة ٥٤/٢.

الجزء السادس عشر
٧٥
كتاب الكفالة
فـ (تَصِحُّ به
مطلبٌ: كفالةُ المالِ قسمانِ كفالةٌ بنفسِ المالِ وكفالةٌ بتقاضيهِ
وقد عُلِمَ بما مرَّ(١) أنَّ كفالةَ المالِ قسمانِ: كفالةٌ بنفسِ المالِ وكفالة بتقاضيهِ، ومِن الثّاني
الكفالةُ بتسليمٍ عينِ كأمانةٍ ونحوِها كما يأتي(٢)، ومِنه أيضاً قولُهُ: ((ولو غصَبَ مِن مالِ رجلٍ
إلخ))؛ لأنَّ دراهمَ الغَصْبِ تتعَّنُ فَيَجِبُ رَدُّ عبنِها لو قائمةً، بخلافِ ما إذا هَلَكَتْ؛ لأنَّها تصيرٌ
دَيناً فلا تَصِحُّ الكفالةُ بدفعِها، بل يصيرُ كفيلاً بالنَّقاضي، وبه ظهَرَ الفرقُ بينَ المسألتينِ.
[٢٥٤٨٠) (قولُهُ: فَتَصِحُّ به) أطلَقَهُ فشَمِلَ ما إذا كان الأصيلُ مُطالباً به الآنَ أَوْ لا، فَتَصِحُّ
عن العبدِ المحجُورِ بما يلزَمُهُ بعدَ العِثْقِ باستهلاكٍ أو قَرْضٍ، ويُطالَبُ الكفيلُ الآنَ كما لو فَلَّسَ
القاضي المديُونَ وله كفيلٌ فإنَّ المطالبةَ تتأخَّرُ عن الأصيلِ دونَ الكفيلِ كما في "الََّار خانَّة"(٣)،
"نهر "(٤). وشَمِلَ كفالةَ المالِ عن الأصيلِ وعن الكفيلِ بأنْ كَفَلَ عن الكفيلِ كفيلٌ آخَرُ بما على
الأصيل (٣/ق١/١٦٩] كما قدَّمناهُ(٥) أوَّلَ البابِ عن "الكافي"، وقال في "البحر"(٦): ((أطلَقَ صحَّتَها
فشَمِلَ كلَّ مَن عليه المالُ حُرَّا كان أو عبداً، مأذوناً أو محجُوراً، صبيّاً أو بالغاً، رجلاً أو
٢٦٢/٤ امرأةً، مُسلِماً كان أو ذِمِّاً، وكلَّ مَن له المالُ، لكنْ في "البزّازِيَّةِ"(٧): الكفالةُ للصَّبِيِّ التّاجِرِ
صحيحةٌ؛ لأَنَّه تبرُّعْ عليه، وللصَّبِيِّ العاقلِ غيرِ التّاجرِ روايتانٍ)) اهـ. وذكَّرَ "الحاكم الشَّهِيد"
أنَّ الجوازَ قولُ "أبي يوسف"، وفي "الَّتار خانيّة "(٨): ((إذا كَفَلَ رجلٌ لصبيٍّ إنْ كان الصَّبيُّ
تاجراً صحَّ بخطابِهِ وقَبُولِهِ، وإنْ كان محجُوراً فإنْ قَبِلَ عنه وليُّهُ أو أجنبيٌّ وأجازَ ولِيُّهُ جازَ،
وإنْ لم يُخاطِبْ وليٌّ ولا أجنبيٌّ بل الصَّبِيُّ فقط فعلى الخلافِ )) اهـ.
(١) في هذه المقولة.
(٢) المقولة [٢٥٥٥٢] قوله: ((ورجَّحَهُ "الكمالُ")).
(٣) "التاتر خانية": كتاب الكفالة - الفصل الثالث في بيان من تصح الكفالة منه ومن لا تصح ٤/ق ٢٠٠/ب.
(٤) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٦/أ.
(٥) المقولة [٢٥٣٢٧] قوله: ((ومَن عرَّفَها بالضَّمِّ في الدَّينِ إلخ)).
(٦) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٥/٦.
. (٧) "البزازية": كتاب الكفالة - الفصل الأول في المقدمة ٩/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "التاتر خانية": كتاب الكفالة - الفصل الثالث في بيان من تصح الكفالة منه ومن لا تصح ٤/ق ٢٠١/أ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٧٦
قسم المعاملات
ولو) المالُ (مجهُولاً إذا كان) ذلك المالُ (دَيناً صحيحاً)، إلاّ إذا كان الدَّينُ مُشتركاً
قلتُ: والظّاهرُ أنَّ مبنى الخلافِ على أنَّه: هل يُشترَطُ في الكفالةِ القُبُولُ في المجلسِ
ولو مِن فُضُوليٍّ؟ وعندَ "أبي يوسف" لا يُشترَطُ، وسيأتي(١) اختلافُ التَّصحيحِ، وقد
صرَّحوا بأَنَّه يَصِحُّ ضمانُ الوليِّ مهرَ الصَّغيرةِ، وسيأتي (٢) تمامُ الكلامِ عليه.
[٢٥٤٨١] (قولُهُ: ولو المالُ مجهُولاً) لابتنائها على التَّوسُّعِ، وقد أجمعُوا على صحَّتِها
بالدَّرَكِ(٣) مع أنَّه لا يُعلَمُ كم يُستحَقُّ مِن المبيعِ، "نهر "(٤). ويأتي في "المستنِ"(٥) أربعةُ أمثلةٍ
للمجهُولِ، وفي "الفتح"(٦): ((وما نُوقِضَ به - مِن أَنَّه لو قال: كَفَلتُ لك بعضَ مَا لَكَ على
فُلانٍ فإنّه لا يَصِحُّ - ممنوعٌّ، بل يَصِحُّ عندَنا والخِيارُ للضّامنِ، ويلزَمُهُ أَنْ يُبَيِّنَ أيَّ مقدارٍ
شاءَ)) اهـ. وفي "البحر"(٧) عن "البدائع"(٨): ((لو كفَلَ بنفسِ رجلٍ أو بما عليه وهو ألفٌ جازَ
وعليه أحدُهما أُّهما شاءَ)) اهـ. ومثلُهُ في "الكافي".
[٢٥٤٨٢] (قولُهُ: إذا كان ذلك المالُ دَيناً صحيحاً) يأتي تفسيرُهُ(٩)، ودخَلَ فيه المسلَمُ
فيه فَتَصِحُّ الكفالةُ به كما عزاهُ "الحانوتيُّ" إلى "شرح التَّكملة"(١٠)، ويُشترَطُ أيضاً أنْ يكونَ
الدَّينُ قائماً كما قدَّمَهُ (١١) أوَّلَ البابِ.
(١) صـ ١١١ - وما بعدها "در".
(٢) المقولة [٢٥٥٦٢] قوله: ((ولو فُضوليّاً)).
(٣) يأتي بيانه من ابن عابدين في المقولة [٢٥٥٠١] قوله: ((وهذا يُسَمَّى ضمانَ الدَّرَكِ))، والمقولة [٢٥٧٠٦] قوله: ((كفالتُهُ بالدَّرَكِ)).
(٤) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٦/أ.
(٥) صـ ٨٢ - "در".
(٦) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٩٨/٦.
(٧) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٥/٦.
(٨) "البدائع": كتاب الكفالة - فصلٌ: وأما شرائط الكفالة ٩/٦.
(٩) صـ ٧٨ - "در".
(١٠) "التكملة وشرحها": لحسام الدين المكيّ الرّازيّ (ت٥٩٨هـ)، وتقدمت ترجمتها ٢٢٠/٣.
(١١) صـ ١٦ - "در".

الجزء السادس عشر
٧٧
كتاب الكفالة
كما سيجيءُ؛ لأنَّ قِسْمَةَ الدَّينِ قبلَ قَبْضِهِ لا يَحُوزُ(١)، "ظهيريَّة"(٢)، وإلّ في مسألةٍ
النَّفقةِ المقرَّةِ فَتَصِحُّ مع أَنَّها تسقُطُ بموتٍ وطلاقٍ، "أشباه"(٣). وكأنّهم أخذُوا فيها
بالاستحسان للحاجةِ لا بالقیاسِ،
[٢٥٤٨٣] (قولُهُ: كما سيجيءُ) في قولِهِ(٤): ((ولا لشريكٍ بدَينٍ مُشتركٍ))، فهذا دَينٌ
صحيحٌ لا تَصِحُّ به الكفالةُ.
[٢٥٤٨٤) (قولُهُ: لأنَّ قسمةَ الدَّينِ قبلَ قَبْضِهِ لا يَجُوزُ) لأَنَّه إمّا أنْ يَكْفُلَ نصفاً مُقدَّراً
فيكونُ قسمةَ الدَّينِ قبلَ قَبْضِهِ، أو نصفاً شائعاً فيصيرُ كفيلاً لنفسِهِ؛ لأنَّ له أنْ يأخُذَ مِن
المقبُوضِ نصفَهُ كما في "النَّهر"(٥) عن "المحيط ".
(٢٥٤٨٥) (قولُهُ: وإلّ في مسألةِ النَّفْقَةِ المقرَّرةِ) ما قبلَ هذا الاستثناءِ وما بعدَهُ استثناءٌ مِن
صريحِ قولِهِ: ((إذا كان دَيناً صحيحاً))، وهذا استثناءٌ مِن مفهُومِهِ، فإنّه يُفهَمُ مِنه أَنَّه إذا كان
الدَّينُ غيرَ صحيحٍ لا تَصِحُّ الكفالةُ فقال(٦): ((إلّ في مسألةِ النَّفْقَةِ المقرَّةِ فإِنَّها تَصِحُّ الكفالةُ
بها مع أنّها دَينٌ غيرُ صحيحٍ؛ لسقُوطِها بموتٍ أو طلاقٍ))، وهذا إذا كانت غيرَ مُستدانةٍ بأمرٍ
القاضي، وإلّ فهي دَينٌ صحيحٌ لا يسقُطُ إلّ بالقضاءِ أو الإِبراءِ. والمرادُ بالمقرَّرةِ ما قُرِّرَ مِنها
بالتّراضي أو بقضاءِ القاضي. وتَصِحُّ الكفالةُ أيضاً بالنَّقةِ المستقبلةِ كما يذكرُهُ "الشّارعُ" بعدَ
أسطرٍ(٧) مع أنَّها لم تَصِرْ دَيناً أصلاً.
(١) في "د" و"و": ((لا تجوز)).
(٢) المراد منها "الفوائد الظهيرية" كما في "الفتح" ٣٣٠/٦ وما بعدها.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب الكفالة صـ٢٥٦ - بتصرف.
(٤) صـ ١١٩ - "در".
(٥) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٦/أ.
(٦) انظر "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب الكفالة صـ٢٥٦- بتصرف.
(٧) صـ ٨٣ - "در".

حاشية ابن عابدين
٧٨
قسم المعاملات
وإلّ في بدَل السِّعايةِ عندَهُ، "بزّزيَّةٍ"(١). وكأنّه أُلحِقَ ببدَلِ الكتابةِ وإلّ فهو
لا يسقُطُ؛ لأنّه لا يقبَلُ التَّعجيزَ، فَيُلغَرُ: أيُّ دَينٍ صحيحٌ ولا تَصِحُّ الكفالةُ به؟ وأيُّ
دَينٍ ضعيفٌ وَتَصِحُّ به؟ (و) الدَّينُ الصَّحيحُ (هو ما لا يسقُطُ إلّ بالأداءِ أو الإِبراءِ)
وأمّا ما قدَّمَهُ(٢) أوَّلَ البابِ: ((مِن أَنَّها لا تَصِحُّ بالنَّفْقةِ قبلَ الحُكمِ)) فمحمُولٌ على الماضيةِ؛
لأَنّها تسقُطُ بالمضيِّ إلّ إذا كانت مقرَّرةً بالتّراضي أو بقضاءِ القاضي كما حرَّرناهُ هناك(٣).
[٢٥٤٨٦] (قولُهُ: وإلاّ في بدَلِ السِّعايةِ) أي: كما إذا أعتَقَ بعضَهُ وسعَى في باقيهِ، وفي
"كافي الحاكم": ((والمستسعَى في بعضِ قيمتِهِ بعدَما عتَقَ بمنزلةِ المكاَتَبِ في قولِ "أبي حنيفةً"
لا تَجُوزُ كفالةُ أحدٍ عنه بالسِّعايةِ لمولاهُ ولا بنفسِهِ، وكذلك المعتَقُ عندَ الموتِ إذا لم يَخرُجْ
مِن النُّلثِ فتلزَمُهُ السَّعايةُ، وأمّا المعتَقُ على جُعْلٍ فهو بمنزلةِ الْحُرِّ، والكفالةُ للمولى بالجُعْلِ عنه
وغيرِهِ جائزةٌ)) اهـ.
[٢٥٤٨٧] (قولُهُ: فَيُلغَزُ: أيُّ دَينٍ صحيحٌ إلخ) فيقالُ: هو بدَلُ السِّعايةِ، وكذا الدَّينُ
المشتركُ كما عَلِمَتَهُ. قال في "النَّهر" (٤): ((فإنْ قلتَ: [٢/ ق ١٦٩ /ب] دَينُ الزَّكاةِ كذلك
ولا تَصِحُّ الكفالةُ به قلتُ: إنَّما لم تَصِحَّ لأَنَّه ليس دَيناً حقيقةً مِن كلِّ وجهٍ)) اهـ
قلتُ: وفي قولِهِ كذلك نظرّ؛ لأنَّ الدَّينَ الصَّحيحَ ما لا يسقُطُ إلّ بالأداءِ أو الإبراءِ،
ودَينُ الزَّكَاةِ يسقُطُ بالموتِ وبهلاكِ المالِ، فلا يَرِدُ السُّؤالُ مِن أَصِهِ.
[٢٥٤٨٨] (قولُهُ: وأيُّ دَينٍ ضعيفٌ) هو دَينُ النَّفقةِ.
(قولُهُ: كما إذا أعْتَقَ بعضَهُ وسعَى في باقيهِ إلخ) في "السِّنديِّ" نقلاً عن "الرَّحَمَنِيِّ": ((لا نُسلّمُ أنَّ
بدَلَ السِّعايةِ لا يسقُطُ إلّ بالقضاءِ أو الرِّضا، بل يسقُطُ أيضاً بموتِ الْمُسْتَسعَى، فهو دينٌ ضعيفٌ. انتهى،
وهو عجيبٌ، فتنبَّهْ)) اهـ.
(١) "البزازية": كتاب الكفالة - الفصل الأول في المقدمة - نوع في ألفاظه ١٢/٦ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) صـ ١٦ - "در".
(٣) المقولة [٢٥٣٣٩] قوله: ((ونفقةِ زوجةٍ إلخ)).
(٤) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٦/أ.