Indexed OCR Text
Pages 21-40
الجزء السادس عشر
١٩
كتاب الكفالة
إلاّ إذا استدانَ له ولِيُّهُ وأمَرَهُ أنْ يكفُلَ المالَ عنه فَتَصِحُّ،
٢٥١/٤ كان تاجراً، وأمّا الكفالةُ عنه فهي لازمةٌ للكفيلِ يؤخَذُ بها، ولا يُحَبَرُ الصَّبيُّ على الحضُورِ معه
إلّ إذا كانت بطلبهِ وهو تاجرٌ، أو بطلبٍ أبيهِ مُطلقاً، فإنْ تغَّبَ فله أَخْذُ الأبِ بإحضارِهِ أو
تخليصِهِ، والوصيُّ كالأبِ. ولو كفَلَ بنفسِ الصَّبِيِّ على أنَّه إنْ لم يوافٍ به فعليه ما ذابَ(١)
عليه جازَت كفالةُ النَّفْسِ، وما قضَى به على أبيهِ أو وصيِّهِ لَزِمَ الكفيلَ، ولا يَرجِعُ على الصَّبِيِّ
إلّ إذا أمَرَهُ الأبُ أو الوصيُّ بالضَّمانِ. اهـ مُلخَّصاً مِن "كافي الحاكم".
[٢٥٣٤٤) (قولُهُ: إلّ إذا استدانَ له ولِيُّهُ) أي: مَن له ولايةٌ عليه مِن أبٍ أو وصيّ لنفقةٍ
أو غيرِها مِمّا لا بدَّ له مِنه.
[٢٥٣٤٥) (قولُهُ: وأمَرَهُ أنْ يكفُلَ المالَ عنه) فَيَّدَ بالمالِ احترازاً عن النَّفْسِ؛ لأنَّ ضمانَ
الدَّينِ قد لَزِمَهُ، أي: لَزِمَ الصَّبيَّ مِن غيرِ شرطٍ، فالشَّرِطُ لا يَزِيدُهُ إلّ تأكيداً فلم يكنْ مُتْبِرِّعً.
فأمّا ضمانُ النَّفْسِ وهو تسليمُ نفسِ الأبِ أو الوصيِّ فلم يكنُ عليه، فكان مُتُبرِّعاً به فلم
يَجُزْ، "بحر"(٢) عن "البدائع"(٣).
(قولُهُ: مِمّا لا بدَّ له مِنه) الظّاهِرُ أَنَّه غيرُ قِيدٍ، بل لو اشتَرَى له شيئاً ليس مِمّا لا بدَّ له مِنه يكونُ
كذلك، تأمَّلْ.
ثُمَّ رأيتُ في "جامع أحكام الصِّغار" على ما نقلَهُ "الحمَويّ": ((فإنْ كان الدَّينُ دَيْنَ الصَّبِيِّ بأنِ
اشتَرَى الأبُ أو الوصيُّ شيئاً للصَّغيرِ بالنَّسيئةِ وأمَرَهُ حتّى ضَمِنَ المالَ أو ضَمِنَ بنفسِ الأَبِ والوصيِّ
فضمانُهُ بالمالِ جائزٌ وضمانُهُ بِالنَّفْسِ باطلٌ، أمّا ضمانُهُ بالمالِ فَلأَنَّه التَزَمَ شيئاً كان عليه قبلَ الضَّمانِ فإِنَّه
قَبْلَهُ كان يَرجِعُ رَبُّ المالِ عليه فلم يكنْ هذا الضَّمانُ تبرُّعاً إلخ)) اهـ.
(١) أي: ما ثَبَتَ ووَجَبَ عليه بالقضاء، كما سيبيّنه ابنُ عابدين رحمه الله في المقولة [٢٥٥١٣]، والمقولة [٢٥٦٩٦].
(٢) "البحر": كتاب الكفالة ٢٢٣/٦ - ٢٢٤.
(٣) "البدائع": كتاب الكفالة - فصلٌ وأما شرائط الكفالة ٥/٦ - ٦.
حاشية ابن عابدين
٢٠
قسم المعاملات
ويكونُ إذناً في الأداء، "محيط". ومُفادُهُ: أَنَّ الصَّبِيَّ يُطالَبُ بهذا المالِ بموجَبِ
الكفالةِ، ولولاها لَطُوْلِبَ الوليُّ، "نهر "(١). ولا مِن مريضٍ(٢) إلّ مِن الثّلثِ، ولا مِن
عبدٍ ولو مأذُوناً في التجارة، ويُطالَبُ بعدَ العِتقِ إلّ إنْ أَذِنَ(٣) له المولى،
[٢٥٣٤٦] (قولُهُ: ويكونُ إذناً في الأداءِ) لأنَّ الوصيَّ ينوبُ عنه في الأداءِ، فإذا أمَرَهُ
بالضَّمان فقد أَذِنَ له في الأداءِ، فَيَجِبُ عليه الأداءُ، "نهر "(٤) عن "المحيط".
[٢٥٣٤٧] (قولُهُ: ولولاها لطُولِبَ الوليُّ) أي: فقط.
[٢٥٣٤٨] (قولُهُ: ولا مِن مريضٍ إلّ مِن النِّلثِ) لكنْ إذا كَفَلَ لوارثٍ أو عن وارثٍ لا تَصِحُّ
أصلاً، ولو كان عليه دَينٌ محيطٌ بِمالِهِ بِطَلَت. ولو كَفَلَ ولا دَيْنَ عليه، ثمَّ أَفرَّ بدَينٍ محيطٍ لأجنبيٌّ ثمَّ
ماتَ فالمقَرُّله أَولى بَتْرِكِتِهِ مِن المكفُولِ له. وإنْ لم يُحِطْ: فإنْ كانت الكفالةُ تَخْرُجُ مِن ثُلثِ ما بقيَ
بعدَ الدَّينِ صحَّت كُلُّها، وإلّ فِقَدْرِ الّلثِ. وإنْ أقرَّ المريضُ أنَّ الكفالةَ كانت في صحَّتِهِ لَزِمَهُ الكلُّ
في مالِهِ إنْ لم تكنْ لوارثٍ أو عن وارثٍ، وتمامُهُ في الفصلِ التّاسعَ عشرَ مِن "الّاتر خانيَّةٌ"(٥).
[ ٢٥٣٤٩] (قولُهُ: ولا مِن عبدٍ) أي: لا تَصِحُّ الكفالةُ مِنه بنفسٍ أو مالٍ كما في "الكافي"،
وسواءٌ كَفَلَ عن مولاهُ أو أجنبيِّ كما في "الَّار خانِيَّةٍ"(٦).
[٢٥٣٥٠] (قولُهُ: إلّ إنْ أَذِنَ له المولى) أي: بالكفالةِ عن مولاهُ أو عن أجنبيٍّ، فَتَصِحُّ
كفالتُهُ إذا لم يكنْ مديُوناً. وكذا الأمةُ، والمدبَّرةُ، وأُّ الولدِ. وإنْ كان مديُوناً لا يلزمُهُ شيءٌ
ما لم يَعْتِقْ، "تتار خانَّة"(٧)، وسيأتي(٨) تمامُ الكلامِ عليه قُبَلَ الحوالةِ.
(١) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٣/أ.
(٢) أي: ((ولا تنفذُ الكفالةُ من مريض إلخ)).
(٣) في "د" و"و": ((إلا إذا أذن)).
(٤) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٣/أ.
(٥) انظر "التاترخانية": كتاب الكفالة - الفصل التاسع عشر في كفالة المريض وموت الكفيل ٤/ق ٢٢١/أ.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الكفالة - الفصل الثالث في بيان من تصح الكفالة منه ومن لا تصح ٤/ ق ٢٠٠/أ.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الكفالة - الفصل الثالث في بيان من تصح الكفالة منه ومن لا تصح ٤/ق ٢٠٠/أ بتصرف.
(٨) المقولة [٢٥٨١٤] قوله: ((ولو كفَلَ عبدٌ غيرُ مديونٍ مُستغرِقٍ إلخ)).
الجزء السادس عشر
٢١
کتاب الكفالة
ولا مِن مُكَتَبٍ ولو بإذن المولى. (والمُدَّعِي) وهو الدّائنُ (مكفُولٌ له، والمُدَّعَى عليه)
وهو المديُونُ (مكفُولٌ عنه) ويُسمَّى الأصيلَ أيضاً (والنَّفسُ أو المالُ مكفُولٌ به،
ومَن لَزِمَتَهُ المطالَبةُ .
[٢٥٣٥١] (قولُهُ: ولا مِن مُكاتَبٍ إلخ) أي: ويُطالَبُ بها بعدَ عِتْقِهِ، وهذا لو كانت عن
أجنبيٌّ كما في "البحر"(١). وقال أيضً(١): ((وتَصِحُّ كفالةُ [٣/ق١٦١ /ب] المكاَتَبِ والمأذُونِ عن
مولاهُما)). قال في "النّهر"(٢): ((وينبغي أنْ يُقَّدَ ذلك بما إذا كانت بأمرِهِ، ثمَّ رأيتُهُ كذلك
في "عقد الفرائد"(٣) معزّاً إلى "المبسوط"(٤))).
قلتُ: وسيأتي(٥) أيضاً متناً قبيلَ الحوالةِ في العبدِ مع التَّقييدِ بكونِهِ غيرَ مديُونٍ مُستغرَقٍ.
[٢٥٣٥٢] (قولُهُ: والمُدَّعي) أي: مَن يكونُ له حَقُّ الدَّعوى على غريِهِ؛ إذ لا يلزَمُ في
إعطاءِ الكفيلِ الدَّعوى بالفعلِ.
[٢٥٣٥٣] (قولُهُ: مكفُولٌ له) ويسمَّى الطّالبَ أيضاً.
[٢٥٣٥٤] (قولُهُ: مكفُولٌ عنه) هذا في كفالةِ المالِ دونَ كفالةِ النَّفْسِ، ففي "البحر" (٦) عن
"الَّارِ خائيَّة"(٧): ((ويقالُ للمكفُولِ بنفسِهِ: مكفُولٌ به، ولا يقالُ: مكفُولٌ عنه)) اهـ. لكنْ قال
"الخيرُ الرَّمليّ": ((وجَدنا بعضَهم يقولُهُ، ووُجِدَ في "الَّار خافَّةً"(٨) عن "الذَّخيرة")).
(١) "البحر": كتاب الكفالة ٢٢٤/٦.
(٢) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٣/أ.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الكفالة والحوالة ٢٨٥/١.
(٤) "المبسوط": كتاب الكفالة - باب الكفالة عن الصبيان والمماليك ١٢/٢٠.
(٥) ص ٢٠٤ - "در".
(٦) "البحر": كتاب الكفالة ٢٢٥/٦.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الكفالة - الفصل الأول في بيان ركن الكفالة وشرائط جوازها وحكمها ٤/ق١٩٩/أ، نقلاً
عن "شرح الطحاوي".
(٨) لم نقف عليه في مخطوطة "التاتر خانية" التي بين أيدينا.
قسم المعاملات
٢٢
حاشية ابن عابدين
كفيلٌ)، ودليلُها: الإِجماعُ، وسندُهُ: قولُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((الزَّعيمُ غارٌِ))،
[٢٥٣٥٥] (قولُهُ: كفيلٌ) ويسمَّى: ضامناً، وضَمِيناً، وحَمِيلاً، وزَعِيماً، وصَبِيراً، وقَبِيلاً،
وتمامُهُ في "حاشية البحر" لـ "الرَّمليّ".
[٢٥٣٥٦] (قولُهُ: وسندُهُ) أي: سندُ الإجماعِ؛ إذ لا إجماعَ إلّ عن مُستَنَدٍ وإنْ لم يلزَمْ عِلمُنا به.
[٢٥٣٥٧] (قولُهُ: قولُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلام: ((الزَّعيمُ غارِمٌ)) أي: يلزمُهُ الأداءُ عندَ المطالبةِ
به، فهو بيانٌ لُحُكمِ الكفالةِ. والحديثُ - كما في "الفتح"(١) - رواهُ "أبو داود" و"التّر مذيُّ"
وقال: حديث حسن
(١) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٨٣/٦.
(٢) روى إسماعيلُ بنُ عَّاشِ حدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بنُ مسلمٍ الخَولائِيُّ عن أبي أُمامةَ الباهليِّ رضي الله عنه قال: سَمِعتُ رسولَ الله ◌ِصَّ
يقول في خُطبته عامَ حَجَّة الوداع: (( إنَّ اللهَ قد أَعْطَى كلَّ ذي حَقِّ حَقِّهُ، ولا وصيّةَ لوارثٍ، الولدُ للفراشِ وللعاهرِ
الحَجَرُ، وحسابُهُم على الله، مَنِ ادَّعَى إلى غيرِ أبيه أوِ انْتَمَى إلى غير مَواليه فعليه لعنةُ الله التّابعةُ إلى يومِ القيامةِ،
ولا تُنْفِقِ المرأةُ شيئاً مِن بيتها إلّ بإذْنِ زوجِها))، فقيل: يارسولَ الله ولا الطَّعامَ؟! قال: ((ذلك أَفْضَلُ أموالِنا))! ثمَّ
قال: ((إنَّ العاريَةَ مُؤدّةٌ، والِنْحَةَ مَرَدُودَةٌ، والدَّينَ مَقضِيِّ، والزَّعِيمَ غارٌِ)). رواه أصحابُ إسماعيلَ عنه مُختصَراً
ومُطوَّلاً، والحديثُ واحدٌ، قطّعَه بعضُ الرُّواِ والمصنّفِينَ اختصاراً، وبعضُهم لا يذكُرُ لفظَ ((الزَّعيمَ غارٌِ)).
فقد رواه يحيى بنُ مَعِينٍ، وعبدُ الرَّزاق، وسعيدُ بنُ منصورٍ، وهارونُ بنُ مَعروفٍ، وأبو المغيرةِ، وهَنَادٌ، وعليُّ
ابنُ حُجْرِ، وعبدُ الوهّابِ بِنُ نَجْدةَ الْحَوْطِيُّ، وأبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، وأبو داودَ وأبو الوليدِ الطَّيالِسِيّانِ والحسَنُ بنُ
عَرَفةَ ويحيى بنُ حسّانَ، كلُّهم ذكَرُوا لفظَ ((الزَّعيمَ غارٌِ)). واختصَرَه الألحمشُ وابنُ إسحاقَ وهشامُ بنُ عمّارٍ
وأَسَدُ بنُ موسى عن إسماعيلَ فَرَوَوَهُ دونَ هذا اللَّفظِ.
أخرجه أبو داودَ (٢٨٧٠) في الوصايا - باب في الوصيّة للوارث، و(٣٥٦٥) في البيوع - باب في تضمين
العارية، والتّر مذيُّ (٦٧٠) في الزَّكاة - باب نفقة المرأةِ مِن بيتِ زوجِها، وقال: حسَنٌّ، و(١٢٦٥) في البيوعِ - باب
العارية مُؤدَّة، وقال: حسَنٌ غريبٌ، و(٢١٢٠) في الوصايا - باب لا وصيَّةً لوارث، وابنُ ماجَه (٢٠٠٧) في النكاح
- باب الولد للفراش، و(٢٤٠٥) في الصَّدَقات - باب الكفالة، و(٢٣٩٨) باب العارية، و(٢٧١٣) في الوصايا - باب
لا وصيَّةَ لوارث، وعبدُ الرَّزاق (٧٢٧٧) و(١٤٧٦٧) و(١٤٧٩٦) و(١٦٣٠٨) و(١٦٦٢١)، وأحمدُ ٢٦٧/٥،
وأبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ ٤١٥/٤ و١٤٥/٦ و٥٨٥ و٧/ ٢٠٠ و٧٢٧/٨ و١١/ ١٤٩، وأبو داودَ الطَّالِسيُّ
(١٢٢٧) و(١٢٢٨)، وسعيدُ بنُ منصورٍ (٤٢٧)، وعبدُ الله بنُ أحمدَ في "زوائد المسند" ٢٦٧/٥، =
الجزء السادس عشر
٢٣
كتاب الكفالة
- و "العِلَل" (٣٩٥٢)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (٧٦١٥) و(٧٦٢١)، و"مسند الشّامِّين" (٥٤١)، وابنُ الجارودِ في "المنتقَى"
(١٠٢٣)، وأبو جعفرِ الطَّحاويُّ في "شرح المعاني" ١٠٤/٣، وفي "بيان المُشكِل" (٣٦٣٣)، والدّار قطنيُّ ٣/ ١٦٦،
وابنُ عَدِيٌّ في "الكامل" ٢٩٢/١ - ٢٩٣، وتمّامٌ في "الفوائد" كما في "الرَّوض البسّام" (٦٩٨)، وأبو نُعَيمٍ في "أخبار
أصبهان" ٢/ ٢٢٨، وأبو بكرِ البيهقيُّ في "الكبرى" ١٩٣/٤ - ١٩٤ و٧٢/٦ و٨٨ و ٢١٢ و٢٦٤، وابنُ عبدِ البَرِّ
١٢ /٣٩، والقُضاعيُّ في "مسند الشِّهاب" (٥٠)، وابنُ عساكرَ في "تاريخ دمشق" ٤٨/٩.
وزاد أبو المغيرةِ عبدُ الْقُدُّوسِ بنُ الحَجَاجِ عند ابنِ عَديٍّ: شُرَحْبِيلُ بنُ مسلمِ الخَولانيُّ، وصفوانُ الأصمُّ
الطّائيُّ عن أبي ◌ُمامةَ به.
قال الترمذيُّ: حسَنٌ صحيحٌ، وقد رُوِيَ عن أبي أُمامةَ عن النّبيِّ مِن غيرِ هذا الوجهِ، وروايةُ إسماعيلَ بنِ
عَّاشٍ عن أهلِ العراق وأهلِ الحجازِ ليس بذلك فيما تفَرَّدَ به؛ لأَنَّه رَوى عنهم مَناكيرُ، وروايته عن أهلِ الشّام
أصحُّ . هكذا قال محمّدُ بنُ إسماعيلَ.
قال الطَّحاويُّ: وإنْ كان ذلك لم يُرْوَ إِلَّ مِن جهةٍ واحدةٍ غيرَ أنَّ أهلَ العِلمٍ قد قَبِلوا ذلك واحتَحُوا به فَغَنِيَ
بذلك عن طلَبِ الأسانيدِ فِیه.
قال ابنُ حجرٍ في "التّلخيص" ٩٢/٣: وهو حسَنُ الإسناد. ثمَّ قال: قال الشّافعيُّ: روى بعضُ الشَّامِينَ
حديثاً ليس مِمّا يُثبتَّهُ أهلُ الحديثِ، فإنَّ بعضَ رُواتِهِ مجهولونَ ... وكأَنَّه أشار إلى حديث أبي أُمامةَ المتقدِّمِ اهـ.
وشُرَحْبِيلُ بنُ مُسلمٍ الْخَولائِىُّ الشّاميُّ: قال أحمدُ: مِن ثقاتِ الشَّامِّينَ، ووثَّقَه ابنُ نُمَبرِ والعِجليُّ وابنُ حبّانَ،
وقال ابنُ مَعِينِ: ضعيفٌ.
ورواه المسَّبُ بنُ واضحٍ عن إسماعيلَ بنِ عَّاشٍ عن محمّدٍ بنِ زيادٍ عن أبي أُمامةَ مُختصَراً. أخرجه الطَّرانِيُّ
في "الكبير" (٧٥٣١). والمسيَّبُ بنُ واضحٍ: كان النَّسائِيُّ حسَنَ الرّأيِ فيه، قال أبو حاتمٍ: صَدوقٌ يُخطِئُ كثيراً،
فإذا قيل له لم يَقبَلْ. ولعلَّ هذا مِن أخطائه، فقد خالَفَ عامَّةَ أصحابِ إسماعيلَ مِن الأَئِمَّةِ الثّقَاتِ الأثباتِ.
ورواه محمّدُ بنُ إسماعيلَ بنِ عَّاشٍ عن أبيه عن ضَمْضَمٍ بنِ عمرٍو عن شُرَيحِ بنِ عُبيدٍ، قال: قال خِداشٌ عن
أبي أمامة الباهليِّ: أَنَّ شَهِدَ مع رسولِ الله حَجَّةَ الوداع، وفيه : ((ألا إنَّ العارِيَةَ مُؤدّةٌ، وإِنَّ الِمِنْحَةَ مُؤدّةٌ، والوَلَدُ
للفِراشِ وللعاهرِ الحَجَرُ)).
أخرجه الطَّرانيُّ في "الكبير" (٧٦٤٧). ومحمّدُ بنُ إسماعيلَ بنِ عَيّاشٍ: قال أبو داودَ: لم يكنْ بذلك، قد
رأيْتُهُ، ودخَلتُ حِمْصَ غيرَ مَرَّةٍ وهو حَيٌّ، وسألتُ عمرو بنَ عثمانَ عنه فَذَمَّهُ، وقال أبو حاتمٍ: لم يَسمَعْ من أبيه
شيئاً، حَملُوهُ على أنْ يُحدِّثَ فحدَّثَ. وخطؤهُ ومُخالَفَتُهُ للثّقاتِ واضحٌ.
وروى الْمُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ عن الحَجّاجِ بنِ فُرافِصةَ عن محمّدِ بنِ الوليدِ عن أبي عامرِ الهَوْزَنِيِّ عن أبي أُمامةً
مُختصَراً. أخرجه النَّسائيُّ في "الكبرى" (٥٧٨١) في العارية - الَنِيحَة، والطَّرانيُّ في "الكبير" (٧٦٤٨)، والرُّؤْيانِيُّ
في "مسنده" (١٢٥٧). وأبو عامرِ الهَوْزَنِيُّ عبدُ الله بنُ لُحَيِّ: ثقةٌ، والحَجَاجُ بنُ فُرافِصَةَ: شيخٌ صالحٌ مُتعبّدٌ، قال
أبو زُرْعةَ: ليس بالقويِّ، وقال ابنُ مَعِينٍ: لا بأسَ به. ومحمّدُ بنُ الوليدِ: هو الزُّبِيدِيُّ الشَّامِيُّ، النّقةُ.
=
حاشية ابن عابدين
٢٤
قسم المعاملات
وروى الهيثمُ بنُ خَارِجةَ عنِ الْجَرَّاحِ بِنِ مَلِيحٍ البَهْرانيِّ عن حاتمٍ بِنِ حُرَيثِ الطَّائِيِّ عن أبي أُمامةَ عن النّبِيِّ ◌ِ *
قال: ((العاريَّةُ مُؤْدَّةٌ، والِنْحَةُ مَرُدُودَةٌ، ومَن وجَدَ لِفْحَةً مُصَرّةً فلا يَحِلُّ له صِرارُها حتّى يُرِيَها)). دونَ ذِكْرٍ
((الزَّعيمُ غارِمٌ)).
أخرجه النَّسائيُّ في "الكبرى" (٥٧٨٢)، وأبو حاتمٍ بنُ حبّانَ كما في "الإحسان" (٥٠٩٤)، والطَّرانيُّ (٧٦٣٧).
وروى الوليدُ بنُ مسلمٍ عن عبدِ الرَّحمن بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ عن سُلَيمِ بنِ عامٍ وغيرِه عن أبي أمامةَ وغيرِهِ عن النّبِيِّ ◌َ *
قال: ((ألا إنَّ اللهَ قد أَعْطِى كلَّ ذي حَقِّ حَقَّهُ، ألا لا وصيّةً لوارثٍ)). أخرجه ابنُ الجارودِ فِي "المنتقى" (٩٤٩).
ورواه ابنُ المبارك عن عبدِ الرَّحمن بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ عمَّن سَمِعَ النَّبيَّ { /*، (ح)
ورواه العبّاسُ بنُ الوليدِ بنِ مَزْيَد عن أبيه عنِ ابنِ جابرٍ عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ شيخٍ بالسّاحلِ، حدَّثني رجلٌ مِن
أهلِ المدينةِ، قال: إنّي لَتَحْتَ ناقةٍ رسولِ الله، فذكَرَ نحوَه. أخرجه أحمدُ ٢٩٣/٥، والدّار قطنيُّ ٧٠/٤، والخطيبُ
في "المَنَّفِقِ والمُفتَرِق" ١٠٤٥/٢ - ١٠٤٦.
ورواه الحسَنُ بِنُ سفيانَ الفَسَويُّ وأحمدُ بنُ أنسِ بنِ مالكٍ وأبو بكرٍ الباغَنْدِيُّ عن هشامٍ بِنِ عمّارٍ عن محمّدٍ بِنِ
شعيبٍ بِنِ شأبُوْرٍ عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: إنِّي لَتَحْتَ ناقةِ رسولِ اللهِ يَسِيلُ عَلَيَّ لُعَابُها قال:
((العَارِيَةُ مُؤَدَّةٌ وَالِنْحَةُ مَرْدُوْدَةٌ ... )) بطُولِهِ. ورواه ابنُ ماجَه عن هِشامٍ بنِ عَمّار وعبدِ الرحمنِ بن إبراهيمَ
الدِّمَشْفِيَّانِ. وبعضُهم ◌َروِيهِ مُقَطَّعاً ومختَصَراً.
أخرجه ابنُ ماجَه (٢٣٩٩) في الصَّدَقات - باب العاريَةِ، و(٢٧١٤) في الوصايا - باب لا وصيَّةً لوارثٍ، والطّبرانيُّ
في "الشّامِّينَ" (٦٢١)، والضِّياءُ في "المختارة" (٢١٤٤ - ٢١٤٦) وابنُ عساكرَ في "تاريخ دمشقَ"٢٧٩/٢١
و ٢٨٠. زاد الباغَنْديُّ في سعيدٍ: المَقْبُرِيّ.
ورواه سليمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن الدِّمشقيُّ ومحمودُ بنُ خالدٍ وداودُ بنُ رُشَيدٍ وسليمانُ بنُ أحمدَ الواسِطِيُّ عن
عمرَ بنِ عبدِ الواحد حدَّثْني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ عن أنسِ بنِ مالكٍ نحوَه.
أخرجه أبو داودَ (٥١١٥) في الأدب - باب الرَّجل ينتمي إلى غير مَواليه، والطَّبرانيُّ في "الشَّامِّينَ" (٦٢٠)،
والدّار قطنيُّ ٧٠/٤ - وعنه البيهقيُّ ٢٦٤/٦ - ٢٦٥، والضِّياءُ في "المختارة" (٢١٤٧)، وابنُ عساكرَ في "تاريخ
دمشقَ"٢٧٨/٢١. زاد سليمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن في سعيدٍ: ونحن ببيروتَ. وزاد سليمانُ الواسِطيُّ عند ابنِ عساكرَ:
ابنَ أبي سعيدِ المَقْبُرِيّ ونحن ببيروتَ. ووقَعَ عند الزَّيلعيِّ في "نصب الرّاية" ٥٨/٤ نقلاً عن "مسند الشّامِّينَ" في سعيدٍ
(المَقْبُريّ)، ولم أَجِدْها في "مسند الشّامِينَ" مِن رواية أحمدَ بنِ أنسٍ، إلاّ أنَّ هذا يوافِقُ ما ذكَرَه ابنُ عساكرَ مِن روايةٍ
سليمانَ بنِ أحمدَ الواسِطيِّ، وروايةِ أبي بكرِ الباغَنْدِيِّ.
قال ابنُ عساكرَ: فرَّقَ الخطيبُ في "المتّفِقِ والمفترِق" بين المَقْبُرِيِّ وبين سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ الذي حَدّثَ
ببيروتَ، ووَهِمَ في ذلك اهـ. ومشَى على ذلك في "أطرافه"، وتَبِعَه المِّيُّ في "تحفة الأشراف" ٢٢٥/١، و"تهذيب
الكمال" ٤٧١/١٠، والبُوصِيريُّ في "مصباح الزُّجاجة" ٦٢/٢ (٨٤٨).
=
الجزء السادس عشر
٢٥
کتاب الكفالة
قال الزَّيلعيُّ في "نصب الرّاية" ٤٠٤/٤: قال ابنُ عبدِ الهادي صاحبُ "التَّنقيح": حديثُ أنسٍ ذَكَرَه ابنُ
=
عساكرَ وشيخُنا المِرِّيُّ في "الأطراف"، وهو خطأٌّ، وإنَّما هو السَّاحِليُّ، ولا يُحتجُّ به ... وقال في تعليقٍ له على
"تحفة الأشراف" ٢٢٥/١: وليس هو المَقْبُرِيَّ، أحدَ الثّقَاتِ، والظّاهرُ: أَنَّه سعيدُ بنُ خالدٍ، أي: ابنُ أبي طَويلٍ
الصَّيداويُّ، فقد روى عنه محمّدُ بنُ شُعیبٍ.
وتَبِعَه على ذلك ابنُ حجرٍ في "الّهذيب" ٢٢/٢ فقال: وذَكَرَ الحافظُ سعدُ الدّينِ الحَارِثِيُّ أنَّ ابنَ عساكرَ
لم يُصِبْ في توهيمِ الخطيبِ، وصدَقَ الحارثَيُّ، وقد جاء في كثيرٍ مِن الرِّواياتِ عن ابنِ جابرٍ عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ
السّاحِلِيِّ عن أنسٍ، وَالرِّوايةُ التي وقعَتْ لابنِ عساكرَ وفيها (الَقْبُرِيّ) كأنّها وَهْمٌ مِن أحدِ الرُّواةِ، وهو سليمانُ بنُ
أحمدَ الواسِطيُّ - ضعيفٌ جدًّاً - [وكذلك رواه الباغَنْدِيُّ، وهو وإنْ كان حافظاً إلاّ أنّه غيرُ مَرْضيٍّ، قال الدّار قطنيُّ:
مُدَلِّسٌ مُخَلّطٌ، قال الإسماعيليُّ: لا أَتَّهِمُهُ فِي قَصْدِ الكَذِبِ]. وروى ابنُ ماجَه في الجهادِ عن عيسى بنِ يُونُسَ الرَّمليِّ
عن محمَّدٍ بنِ شُعِيبِ بنِ شأبُوْرٍ عن سعيدِ بنِ خالدِ بنِ أبي الطّويلِ الصَّيداويِّ - ويقال: البيروتَيِّ - عن أنسٍ حديثاً.
فَيَحتمِلُ أنْ يكونَ سعيدُ بنُ أبي سعيدِ السّاحليُّ هو سعيدَ بنَ خالدٍ هذا، فقد أخرج له ابنُ ماجَه حديثين مِن روايةٍ
ابنِ شُعيبٍ عنِ ابنِ جابرٍ عنه، فَيَحتمِلُ أنْ يكونَ ابنُ جابرِ سقَطَ في حديث سعيدِ بنِ خالدٍ . والله أعلمُ.
وأخرجه عبدُ الرزّاق في "المصنَّف" (١٤٧٩٧) عن مَعْمَرٍ عن ابنِ طاوسٍ عن أبيه في قضيّةِ معاذٍ: ((كلُّ
عاريَةٍ مَرَدُودَةٌ، والزَّعيمُ غارِمٌ)).
ورواه إسماعيلُ بنُ عبدِ الله بنِ زُرارةَ السُّكَّرِيُّ الرَّفِيُّ عن شيخٍ يقالُ له: عبدُ العزيز بنُ عبدِ الرَّحمن القُرَشِيُّ
البالِسيُّ عن خُصَيفٍ عن أبي صالحٍ عن أسماء بنتِ يزيدَ الأنصاريَّةِ عن خُزَيمةَ بنِ ثابتِ الأَنصاريِّ: إنّي لِقَائِمٌ
تحتَ جِرانِ ناقةِ رسولِ الله ◌ِ﴿ل ◌َقَصَعُ عليَّ بِجِرَّتِها، ويذوبُ عليَّ لُعابُها ... فذكَرَ الحديثَ، وفيه: ((لا وصيّةً
لوارثٍ، والوَلَدُ للفِراشِ، والعاريَةُ مَرُدُودَةٌ، والدَّينُ مَقَضِيٌّ، والزَّعيمُ غارٌِ، وهو الكفيلُ)). قال عبدُ الله بنُ أحمدَ
في "العِلَل" (٥٤١٩): سألتُ أبي عن أحاديثِ عبدِ العزيز، فقال أبي: اضرِبْ على حديثه، هي كَذِبٌ، أو قال:
موضوعةٌ، أو كما قال أبي، فضرَبْتُ على أحاديثِ عبدِ العزيز بنِ عبدِ الرَّحمن.
ورواه إسماعيلُ الشَّعيريُّ عن إسماعيلَ بنِ أبي زيادٍ عنِ النَّوريِّ عن سالمِ الأفطسِ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ عن
ابنِ عباسٍ مرفوعاً: ((الزَّعيمُ غارِمٌ، والدَّينُ مَقضىٌّ، والعاريَةُ مُؤدّةٌ، والِنْحَةُ مَردُودٌ)). أخرجه ابنُ عَدِيٌّ في
"الكامل" ١/ ٣١٤. وإسماعيلُ بنُ أبي زيادٍ: كوفيٌّ مُنكَرُ الحديثِ، وإسماعيلُ هذا عامَّةُ ما يَرويه لا يُتابعُه أحدٌ
عليه، إمّا إسنادًاً وإمّا متناً.
ورواه عبدُ الله بنُ شَبيبٍ عن إسحاقَ بنِ محمّدٍ الفَرْويِّ عن عبدِ الله بن عمرَ العُمَرَيِّ عن زيدِ بنِ أسلمَ عنِ
ابنِ عمرَ مرفوعاً: ((العارِيَةُ مُؤدّاةٌ)).
أخرجه البزّارُ كما في "كشف الأستار" (١٢٩٧). قال البزّارُ: لا نعلمُه عنِ ابنِ عمرَ إلاّ بهذا الإسناد، وعبدُ الله بنُ
شَبِيبٍ: قال الذَّهبِيُّ: أخباريٌّ واهٍ، وقال أبو أحمدَ الحاكمُ: ذاهبُ الحديث، وقال ابنُ حبّانَ: يَقْلِبُ الأخبارَ وَيَسْرِقُها.
حاشية ابن عابدين
٢٦
قسم المعاملات
وتركُها أحوطُ.
وقد استدَلَّ في "الفتح"(١) لشرعيَّتِها بقولِهِ تعالى: ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ، حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْبِهِ، زَعِيمٌ﴾
[ يوسف: ٧٢]. وعادتُهم تقديمُ ما ورَدَ في الكتابِ على ما في السُّنَّةِ، و "الشّارحُ" لم يذكُرْهُ
أصلاً، ولعلَّهُ لشُهرتِهِ، أو لِما قيلَ: إِنَّه لا كفالةَ هنا؛ لأَنَّه مستأجِرٌ لِمَن جاءَ بالصُّواعِ بحِمْلٍ
بعيرٍ، والمستأجِرُ يلزمُهُ ضمانُ الأجرةِ. ولكنَّ جوابَهُ أنَّ الكفيلَ كان رسولاً مِن الَلِكِ لا وكيلاً
بالاستئجارِ، والرَّسولُ سفيرٌ، فكأنَّه قال: إنَّ الَلِكَ يقولُ: لِمَن جاءَ به حِمْلُ بعيرٍ، ثُمَّ قال
الرَّسولُ: وأنا بذلك الحِمْلِ زعيمٌ، أي: كفيلٌ، وبِحَثَ فيه في "النّهر)"(٢).
[٢٥٣٥٨] (قولُهُ: وتركُها أحوطُ) أي: إذا كان يخافُ أنْ لا يَملِكَ نفسَهُ مِن النَّدمِ على ما(٣)
فعلَهُ مِن هذا المعروفِ، أو المرادُ أحوطُ في سلامةِ المالِ لا في الدِّيانةِ؛ إذ هي بالَّّةِ الحسنةِ تكونُ
طاعةً يُتابُ عليها، فقد قال في "الفتح"(٤): ((ومحاسنُ الكفالةِ جليلةٌ، وهي تفريجُ كَرْبٍ
الطّالبِ الخائفِ على مالِهِ، والمطُلُوبِ الخائفِ على نفسِهِ حيث كُفِيا مَؤُونَةَ ما أَهمَّهما، وذلك
نِعمةٌ كبيرةٌ عليهما، ولذا كانت مِن الأفعالِ العاليةِ))، وتمامُهُ فيه.
(قولُهُ: وبحَثَ فيه في "النّهر") بقولِهِ: ((وفي كونِهِ مُستأجِراً نظَرٌ؛ إذِ المُستَاجَرُ مجهُولٌ، فأنّى
تَصِحُّ الإجارةُ؟ وأيضاً فيه عدُولٌ عن الظّاهرِ بما لا داعيَ إليه؛ إذ على ما ادَّعَى يكونُ قولُهُ: ((وأنا به
زعيمٌ)) تصريحاً بما عُلِمَ مِن قولِهِ: ﴿وَلِمَنْ جَآءَبِ حِمِلُ بَعِيرٍ﴾. وقال "الرّازيّ": هذه كفالةٌ لردِّ مالٍ
السَّرقةِ، وهو كفالةٌ لِما لم يَجِبْ؛ لأَنَّه لا يَحِلُّ للسّارِقِ أنْ يأخُذَ شيئاً على ردِّ السَّرقةِ، ولعلَّ مثلَ هذه
الكفالةِ كانت تَصِحُّ عندَهم)) اهـ. لكنْ فيما قالَهُ "الرّازيّ" تأمُّلٌ؛ إذ لا يَرِدُ ما قالَهُ إلاّ لو كان حِمْلُ
البعيرِ لخصُوصِ السّارقِ، تأمَّلْ.
(١) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٨٣/٦.
(٢) انظر "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٣ /ب.
(٣) ((ما)) ليست في "ب".
(٤) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٨٣/٦.
الجزء السادس عشر
٢٧
كتاب الكفالة
مكُتُوبٌ في التّوراةِ: الزَّعامةُ أوَّلُها مَلامةٌ، وأوسَطُها نَدامةٌ، وآخِرُها غرامةٌ، "محتبَى".
(وكفالةُ النَّفْسِ تنعقِدُ بـ: كَفَلتُ بنفسِهِ ونحوِها
[٢٥٣٥٩) (قولُهُ: مكُنُوبٌ فِي النَّوراةِ إلخ) رأيتُ في "الملتقط "(١): ((قيل: مكْتُوبٌ على
بابٍ مِن أبوابِ الرُّومٍ))، وفيه(١) زيادةً على ما هنا: ((ومَن لم يُصدِّقْ فليُحرِّبْ حَتّى يعرِفَ
البلاءَ مِنِ السَّلامةِ)).
[٢٥٣٦٠] (قولُ: أوَّلُها مَلامةٌ) سقَطَ ((أوَّلُها)) مِن بعضِ النُّسخِ، وهو موجُودٌ في "البحر)"(٢)
عن "المجتبى". والمرادُ - واللهُ أعلمُ - أَنَّه يعقُبُها في أوَّلِ الأمرِ الَلامةُ لنفسِهِ مِنه، أو مِن النّاسِ، ثمَّ
عندَ المطالبةِ بالمالِ يندَمُ على إتلافِهِ لمالِهِ، ثمَّ بعدَ ذلك يَغرَمُ المالَ، أو يُنْعِبُ نفسَهُ بإحضارِ المكفُولِ
به؛ لأنَّ الغُرْمَ لُزومُ الضَّررِ، ومِنه قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ [الفرقان: ٦٥].
مطلبٌ: تَصِحُّ كفالةُ الكفيلِ
(٢٥٣٦١) (قولُهُ: وكفالةُ النَّسِ تنعقِدُ إلخ) عبارةُ "الكنز"(٣): ((وَتَصِحُّ بالنَّسِ وإِنْ
تعدَّدَت)). قال في "النَّهر "(٤): ((أي: بأنْ أَخَذَ مِنه كفيلاً ثمَّ كفيلاً، أو كان للكفيلِ كفيلٌ،
وَيَجُوزُ عَوْدُ الضَّميرِ إلى النَّفسِ بأنْ يَكْفُلَ واحدٌ نفُوساً، والأوَّلُ هو الظّاهرُ)) اهـ. وقدَّمنا(٥)
عن "كافي الحاكم" صحَّةَ كفالةِ الكفيلِ بالمالِ أيضاً.
[٢٥٣٦٢] (قولُهُ: بـ: كَفَلتُ بنفسِهِ) بفتحِ الفاءِ(٦) أفصحُ مِن كسرِها، ويكونُ بمعنى: عالَ،
فيتعدَّى بنفسِهِ، ومِنه: ﴿وَكَفَلَهَا زَكَريَّاءُ﴾(٧) [آل عمران: ٣٧]، ومعنى: ضَمِنَ والتزَمَ، فيتعدَّى
٢٥٢/٤
(١) "الملتقط": كتاب الكفالة - مطلب: كفل بنفس رجل على أنَّه إن لم يسلم إليه إلخ صـ٤٠٩- باختصار.
(٢) "البحر": كتاب الكفالة ٢٢٤/٦.
(٣) "انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الكفالة ٦٨/٢.
(٤) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٣/ب.
(٥) المقولة [٢٥٣٢٧] قوله: ((ومن عرَّفَها بالضَّمِّ في الدَّينِ إلخ)).
(٦) في "م": ((الباء))، وهو خطأ.
(٧) هي قراءةُ أبي جعفرٍ ونافعٍ وابنِ كثيرٍ وابنٍ عامرٍ وأبي عمرو ويعقوبَ. انظر "المبسوط في القراءات العشر": صـ١٤٢ -.
حاشية ابن عابدين
٢٨
قسم المعاملات
مِمّا يُعَبَّرُ به عن بدنِهِ) كالطَّلاق. وقدَّمنا (١) ثَمَّةَ أَنَّهم لو تعارفُوا إطلاقَ اليدِ على
الجملةِ وقَعَ بهِ الطَّلاقُ، فكذا في الكفالةِ، "فتح"(٢). (و) يُجُزءٍ شائعٍ كـ: كَفَلتُ
(بنِصْفِهِ، أو رُبُعِهِ، و) تنعقِدُ (بـ: ضَمِنْتُهُ، أو: عليَّ، أو: إليَّ)
بالحرفِ، واستعمالُ كثيرٍ مِن الفقهاءِ له متعدِّياً بنفسِهِ مُؤَوَّلٌ(٣)، "رمليّ" عن "شرح الرَّوض"(٤).
(٢٥٣٦٣] (قولُهُ: مِمّا يُعَبَّرُ به عن بدِنِهِ) أي: مِمّا يُعَبَّرُ به مِن أعضائِهِ عن جُملةِ البَدنِ
كرأسِهِ، ووجهِهِ، ورَقَتِهِ، وعُنقِهِ، وبدَنِهِ، ورُوحِهِ، وذكَرُوا في الطَّلاقِ الفَرْجَ ولم يذكُرُوهُ هنا،
قالوا: وينبغي صحَّةُ الكفالةِ إذا كانتِ امرأةً، كذا في "الَّار خانَيَّةِ " (٥)،" نهر "(٦)، وتمامُهُ فيه.
(٢٥٣٦٤) (قولُهُ: ويُحُزْءٍ شائعٍ إلخ) لأنَّ النَّفْسَ (٣/ ق١٦٢ /أ) الواحدةَ في حَقِّ الكفالةِ
لا تتجزّأُ(٧)، فذِكْرُ بعضِها شائِعاً كذِكْرٍ كلِّها، ولو أضافَ الكفيلُ الجُزْءَ إلى نفسِهِ كـ: كَفَلَ
لك نصفي أوتُلني فإنَّه لا يَجُوزُ، كذا في "السِّراج"، لكنْ لو قيل: إنَّ ذِكْرَ بعضِ ما لا يتجزّأُ
كَذِكْرِ كلِّهِ لم يَفْتِقِ الحالُ، "نهر "(٨).
[٢٥٣٦٥] (قولُهُ: وتنعقِدُ بـ: ضَمِنْتُهُ إلخ) أمّا ((ضَمِنْتُهُ)) فلأَنَّه تصريحٌ بمقتضى الكفالةِ؛
لأَنَّه يصيرُ ضامناً للتَّسليمِ، والعقدُ ينعقِدُ بالتَّصريحِ بِمُوجَبِهِ كالبيعِ ينعقِدُ بِالنَّمليكِ.
(١) ١٨٧/٩ و١٨٩ "در".
(٢) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٨٦/٦ بتصرف.
(٣) نقول: لا داعي للتأويل فقد ورد استعماله عن العرب متعدياً بنفسه بمعنى ضمن والتزم، كما في "اللسان"
و"المصباح": مادة ((كفل)).
(٤) هو شرح القاضي زكريا الأنصاريّ (ت ٩٢٥هـ) على "الروض" لابن المقرئ (ت ٨٣٧هـ)، وتقدمت ترجمته ٣٩٠/٨.
(٥) "التاترخانية": كتاب الكفالة والضمان - الفصل الثاني في الألفاظ التي تقع في الكفالة ٤/ق ٢٠٠/أ.
(٦) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٣/ب.
(٧) في "م": ((لا تتجرأ)) بالراء المهملة، وهو خطأ.
(٨) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٣/ب.
الجزء السادس عشر
٢٩
كتاب الكفالة
وأمّا ((عليَّ)) فلأَنَّه صيغةُ التزامِ، ومِن هنا أفتى "قارئ الهداية"(١): ((بأنّه لو قال:
التزمتُ بما على فُلانٍ كان كفالةً))، و((إليَّ)) بمعناهُ هنا، وتمامُهُ في "النَّهر"(٢).
ثُمَّ اعلم أنَّ ألفاظَ الكفالةِ كلُّ ما يُنبئُ عن العُهدةِ في العُرْفِ والعادةِ، وفي "جامع الفتاوى"(٣):
((هذا إليَّ، أو عليَّ وأنا كفيلٌ به، أو قَبِيلٌ، أو زَعيمٌ كان كلُّه كفالةً بالنَّمْسِ لا كفالةً بالمالِ)) اهـ
"تار خانيَّةً "(٤). وفي "كافي الحاكم": ((وقولُهُ: ضَمِنتُ، وكَفَلتُ، وهو إليَّ، وهو عليَّ سواءٌ
كلُّه، وهو كفيلٌ بنفسِهِ)) اهـ. ثُمَّ ذكَرَ في بابِ الكفالةِ بِالمالِ: ((إذا قال: إنْ ماتَ فُلانٌ قبلَ أنْ
يُوفِيَّك مَلَك فهو عليَّ فهو جائزٌ)) اهـ. فقد عُلِمَ أنَّ قولَهُ أوَّلاً: ((هو إليَّ، هو عليَّ، كفيلٌ
بنفسِهِ)) إنَّما هو حيث كان الضَّميرُ للرَّجلِ المكفُولِ به، أمّا لو كان الضَّمِيرُ للمالِ فهو كفالةُ مال،
وكذا بقيّةُ الألفاظِ، ففي "الَّار خانَّةُ"(٥) أيضاً عن "الخلاصة" (٦): ((لو قال لرَبِّ المالِ: أنا ضامنٌ ما
عليه مِن المالِ فهذا ضمانٌ صحيحٌ))، ثمَّ قال(٧): ((ولوِ ادَّعَى أَنَّه غصَبَهُ عبداً وماتَ في يدِهِ فقال:
خَلِّهِ فأنا ضامنٌ بقيمةِ العبدِ فهو ضامنٌ يأخذُهُ مِنه مِن ساعتِهِ، ولا يحتاجُ إلى إثباتٍ بالبِّنَةِ)) اهـ.
فقد ظهَرَ لك أنَّ ما مرَّ(٨) أوَّلاً عن "الّار خانَّةٌ": ((مِن أنَّ هذه الألفاظَ كفالةُ نفسِ لا كفالةُ مالٍ))
(١) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في أنَّ الالتزام كالكفالة صـ٨٦ -.
(٢) انظر "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٣/ب.
(٣) لأبي القاسم السمرقنديّ (ت٥٥٦هـ) كما في "التاتر خانية"، وليس بين أيدينا. وانظر "كشف الظنون" ٥٦٥/١،
٥٧٠ - ٥٧١.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الكفالة والضمان - الفصل الثاني في الألفاظ التي تقع في الكفالة ٤/ق١٩٩/ب.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الكفالة والضمان - الفصل الثاني في الألفاظ التي تقع في الكفالة ٤/ق١٩٩ /ب - ق ٢٠٠/أ.
(٦) "الخلاصة": كتاب الكفالة - الفصل الأول في المقدمة وألفاظ الكفالة ق ٢٥٢/أ بتصرف.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الكفالة والضمان - الفصل الثاني في الألفاظ التي تقع في الكفالة ٤/ق ٢٠٠/أ، نقلا عن
"الخلاصة" أيضاً.
(٨) في هذه المقولة.
حاشية ابن عابدين
٣٠
قسم المعاملات
ليس المرادُ به(١) أَنَّها لا تكونُ كفالةَ مال أصلاً، بل المرادُ أَنَّه إذا قال: أنا به كفيلٌ، أو زعيمٌ إلخ،
أي: بالرَّجلِ كان كفالةَ نفسٍ؛ لأنَّها أدَنَى مِن كفالةِ المالِ، ولم يصرِّحْ بالمالِ، بخلافٍ ما إذا
توجَّهَت هذه الألفاظُ على المَالِ، فإنّها تكونُ كفالةَ مالٍ؛ لأَنَّها صريحةٌ به، فلا يُرادُ بها الأَدَنَى
وهو كفالةُ النّفسِ مع النَّصريحِ بالمالِ أو بضميرِهِ، وهذا معنى ما نقلَهُ "الشِّلْبِيّ"(٢) عن "شرح
القُدُوريّ" للشَّخِ "أبي نصرِ الأقطع"(٣) مِن قولِهِ: ((فإذا تَبَتَ أنَّ هذه الألفاظَ يَصِحُّ الضَّمادُ بها
فلا فرقَ بينَ ضمانِ النّفسِ وضمانِ المالِ)) اهـ. أي: إذا قال ضَمِنتُ زيدً أو أنا كفيلٌ به، أو هو
عليَّ، أو إليَّ يكونُ كفالةَ نفسٍ كما أفتى به في "الخيريَّة"(٤). وإذا قال: ضَمِنتُ لك ما عليه مِن
المالِ أوأنا كفيلٌ به إلخ فهو كفالةُ مالٍ قطعاً، وأمّا إذا لم يعلَمِ المكفُولُ به أنَّه كفالةُ نفسٍ أو مالٍ
فلا تَصِحُّ الكفالةُ أصلاً كما يأتي(٥) بيانُهُ قريباً. وبه عُلِمَ أَنَّه لا تحريرَ فيما قالَهُ "الشَّلْبِيّ" (َ) بعدَ مَا
مرَّ(٧) عن "شرح الأقطع": ((مِن أَنَّه ينبغي أنْ يقالَ: هذه الألفاظُ إذا أُطلِقَت تُحمَلُ على الكفالةِ
بالنَّفْسِ، وإذا كان هناك قرينةٌ على الكفالةِ بالمالِ تتمخَّضُ حينئذٍ للكفالةِ به)) اهـ. فإِنَّه إذا لم
يعلَمِ المكفُولُ به بأنْ قالَ: أنا ضامنٌ ولم يصرِّحْ بنفسِ ولا مالٍ لا تَصِحُّ أصلاً كما يأتي(٨)،
فقولُهُ: ((تُحمَلُ على الكفالةِ بالنفسِ)) مخالِفٌ للمنقُولِ كما تعرِفُهُ.
نَعَمْ، لو قامت قرينةٌ على أحدِهما يمكنُ أنْ يقالَ: يُعمَلُ بها، كما إذا قال قائلٌ: اضمَنْ لي
هذا الرَّجلَ، فقال الآخَرُ: أنا ضامنٌ فهو قرينةٌ على كفالةِ النَّسِ، وإِنْ قال: اضمَنْ لي ما عليه مِن
المال، فقال: أنا ضامنٌ فهو قرينةٌ على المالِ؛ لأنَّ الجوابَ مُعادٌ في السُّؤَالِ، فافهمْ واغنمْ تحريرَ هذه
المسألةِ، فإنَّك لا تجدُهُ في غيرِ هذا الكتابِ، وللهِ الحمدُ.
(١) ((به)) ليست في "ب" و"م".
(٢) "حاشية الشلبي" على "التبيين": كتاب الكفالة ١٤٨/٤ (هامش "تبيين الحقائق").
(٣) شرح أبي نصر الأقطع البغدادي (ت٤٧٤ هـ) على "مختصر القدوري"، وتقدمت ترجمته ٣٧١/١.
(٤) "الفتاوى الخيرية": كتاب الكفالة ٢٤٩/١.
(٥) المقولة [٢٥٣٦٨] قوله: ((وتنعقِدُ بقولِهِ: أنا ضامنٌ حتى تجتمِعا إلخ)).
(٦) "حاشية الشلبي" على "التبيين": كتاب الكفالة ١٤٨/٤ (هامش "تبيين الحقائق").
(٧) في هذه المقولة.
(٨) المقولة [٢٥٣٦٨] قوله: ((وتنعقِدُ بقولِهِ: أنا ضامنٌ حتى تجتمِعا إلخ)).
الجزء السادس عشر
٣١
كتاب الكفالة
أو: عندي، (أو: أنا به زعيمٌ) أي: كفيلٌ، (أو: قَبِيلٌ به) أي: بفُلانٍ، أو: غريمٌ، ......
مطلبٌ: لفظُ ((عندي)) يكونُ كفالةً بالنّفسِ ويكونُ كفالةً بالمالِ
[٢٥٣٦٦] (قولُهُ: أو عندي) في "البحر"(١) عن "الَّتَار خانَّة"(٢): ((لك عندي هذا الرَّجلُ،
أو قال: دَعْهُ إليَّ كانت كفالةٌ)) اهـ. يعني بالنّفسِ. وقال في "البحر"(٣) أيضاً - عندَ (٢ ق١٦٢/ ب]
قولهِ: ((ولو قال: إنْ لم أُوافِكَ به غداً إلخ)) - عن "الخانّة"(٤): ((إنْ لم أُوافِكَ به فعندي لك
هذا المالُ لَزِمَهُ؛ لأنَّ ((عندي)) إذا استُعمِلَ في الدَّينِ يُرادُ به الوُجوبُ، وكذا لو قال: إليَّ هذا
المالُ)) اهـ. فهذا صريحٌ أيضاً بأنَّ عندي يكونُ كفالةَ نفسٍ وكفالةَ مالِ بحسَبِ ما توجَّهَ إليه
اللَّفظُ، وبه أفتى في "الخيريَّةِ"(٥) و"الحامديَّةِ"(٦). وأمّا ما قالَهُ في "البحر"(٧) - عندَ قولِ "الكنز":
((وبما لك عليه)) -: ((مِن أنَّ ((عندي)) كـ ((عليَّ)) في التَّعليقِ فقط، ولا تفيدُ كفالةً بالمالِ بل
بالنَّفْسِ))، وما أفتى به: ((مِن أَنَّه لو قال: لا تُطالِبْ فُلاناً مَالُكَ عندي لا يكونُ كفيلاً)) فقد
ردّهُ فِي "النَّهر "(٨) بأنَّ ما مرَّ عن "الخانيَّة" مِن العلَّةِ المذكورةِ: ((غيرُ مقيّدٍ بالتَّعليقِ))، وردَّهُ
"المصنّف"(٩) أيضاً، وكذا "الخيرُ الرَّمليّ"(١٠) بقولِهم: ((إنَّ مُطلقَ لفظِ ((عندي)) للوديعةِ،
(١) "البحر": كتاب الكفالة ٢٢٦/٦.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الكفالة والضمان - الفصل الثاني في الألفاظ التي تقع في الكفالة ٤/ق١٩٩/ب، نقلاً عن
"أجناس الناطفي".
(٣) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٢/٦.
(٤) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - مسائل في تسليم نفس المكفول به ٥٨/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الفتاوى الخيرية": كتاب الكفالة ٢٤٦/١.
(٦) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الكفالة ٢٨٣/١ - ٢٨٤.
(٧) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٧/٦ بتصرف.
(٨) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٦/ب.
(٩) "المنح": کتاب الكفالة ٢/ق ٤٤ /ب.
(١٠) "الفتاوى الخيرية": كتاب الكفالة ٢٤٦/١، نقلاً عن "التاتر خانية".
حاشية ابن عابدين
٣٢
قسم المعاملات
أو: حميلٌ بمعنى ((محمُولٍ))، "بدائع"(١). (و) تنعقِدُ بقولِهِ: (أنا ضامنٌ حتى تجتمِعا،
أو): حتّى (تلتقِيا(٢)) ويكونُ كفيلاً إلى الغايةِ،
لكِنَّه بقرينةِ الدَّينِ يكونُ كفالةً))، وفي "الزَّيلعيّ (٣) مِن الإقرارِ: ((أَنَّه العُرْفُ)). قال
٢٥٣/٤ "الرَّمليّ"(٤): ((ومقتضى ذلك أنَّ القاضيَ لو سألَ الْمُدَّعَى عليه عن جوابِ الدَّعوى فقال:
عندي كان إقراراً)) اهـ.
[٢٥٣٦٧] (قولُهُ: بمعنى محمُولٍ) كذا عزاهُ "المصنّف"(٥) إلى "البدائع" أيضاً، قال "ط)" (٦):
((الأظهَرُ أنْ يكونَ بمعنى فاعلٍ؛ لأَنَّه حاملٌ لكفالِهِ)).
[٢٥٣٦٨] (قولُهُ: وتنعقِدُ بقولِهِ: أنا ضامنٌ حتّى تجتمِعا إلخ) أقولُ: اشتبَهَ هنا على
"المصنّف" مسألةٌ بمسألةٍ بسببِ سَقْطٍ وقَعَ في نسخةِ "الخانَيَّة" التي نقَلَ عنها في "شرحِهِ"(٧)،
فإنّه قال فيه: ((قال في "الخانّة،": وعن "أبي يوسف": لو قال: هو عليَّ حتّى تحتمِعا، أو حتّى
تلتقِيا لا يكونُ كفالةً؛ لأَنَّه لم يُبَّنِ المضمُونُ أنَّه نفسٌ أو مالٌ)) اهـ. مع أنَّ عبارةَ "الخانَيَّة"
هكذا(٨): ((وعن "أبي يوسفَ": لو قال: هو عليَّ حتّى تحتمِعا، أو قال: عليَّ أنْ أوافيَك به
(قولُهُ: الأَظهَرُ أنْ يكونَ بمعنى فاعلٍ إلخ) وعلى كونِهِ بمعنى مفعُولٍ يكونُ معناهُ أنَّ المديُونَ حَمَّلَهُ
هذه الكفالةَ بأنْ كانت بأمرِهِ، تأمَّلْ.
(١) "البدائع": كتاب الكفالة ٢/٦ - ٣.
(٢) في "د" و"و": ((حتى يجتمعا أو حتى يلتقيا)).
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الإقرار ٧/٥.
(٤) لم نعثر على المسألة في مطبوعة "الفتاوى الخيرية" التي بين أيدينا، والرمليّ كتاباتٌ على "الزيلعيّ" كما أشار إلى
ذلك ابنه في "نزهة النواظر على الأشباه والنظائر" ٣٤٨/٤ (ذيل "غمز عيون البصائر").
(٥) "المنح": كتاب الكفالة ٢/ق ٤٤/ب.
(٦) "ط": كتاب الكفالة ١٤٧/٣.
(٧) "المنح": كتاب الكفالة ٢/ق ٤٤ /ب.
(٨) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة ٥٢/٣ (هامش "الفتاوى الهندية")، والعبارة فيها كما ذكر ابنُ عابدين رحمه الله.
الجزء السادس عشر
٣٣
كتاب الكفالة
أو ألقاك به كانت كفالةً بالنَّفْسِ. ولو قال: أنا ضامنٌ حتّى تحتمِعا، أو حتّى تلتقِيا لا يكونُ
كفالةً؛ لأَنَّه لم يُبَّنِ المضمُونُ أَنَّه نفسٌ أو مالٌ)) اهـ كلامُ "الخانَيَّة". وفي "السِّراج": ((لو
قال: هو عليَّ حتّى تحتمِعا أو تلتقِيا فهو جائزٌ؛ لأنَّ قولَهُ: هو عليَّ ضمادٌ مضافٌ إلى العينِ،
وجعَلَ الالتقاءَ غايةً له)) اهـ. يعني أنَّ الضَّميرَ في: ((هو عليَّ)) عائدٌ إلى عينِ الشَّخصِ
المكفُولِ به، فيكونُ كفالةَ نفسٍ إلى التقائِهِ مع غريِهِ، بخلافِ قولِهِ: ((أنا ضامنٌ حتّى تجتمِعا
أو حَتّى تلتقِيا)) فلا يَصِحُّ أصلاً؛ لأنَّ قولَهُ: ((أنا ضامنٌ)) لم يُذكَرْ فيه المضمُونُ به هل هو
النَّسُ أو المالُ؟ فقد ظهَرَ (١) وجهُ الفرقِ بينَ المسألتينِ، فكان الصَّوابُ في التَّعبيرِ أنْ يقَالَ:
وتنعقِدُ بقولِهِ: هو عليَّ حتّى تحتمِعا أو تلتقِيا، لا بـ: أنا ضامنٌ حَتّى تَجتمِعا أو تلتقِيا؛ لعَدَمِ
بيانِ المضمُونِ به، فتنبَّهُ لذلك.
[مطلب: "كافي الحاكم" هو العُمدةُ في نقلِ نصِّ المذهبِ]
ثُمَّ إِنَّ المسألةَ مذكُورةٌ في "كافي الحاكم" الذي جمعَ فيه كتبَ "ظاهر الرِّواية"، وهو
العمدةُ في نقلِ نصِّ المذهبِ، وذلك أنَّه قال: ((ولو قال: أنا به قبيلٌ، أو زعيمٌ، أو قال: ضميرٌ
فهو كفيلٌ. وقال "أبو يوسف" و"محمَّدٌ": وكذلك لو قال: عليَّ أنْ أوافَيَك به، أو عليَّ أنْ
ألقاك به، أو قال: هو عليَّ حتّى تحتمِعا، أو حَتّى تَوافيًا، أو حتّى تلتقِيا، وإنْ لم يقلْ: هو عليَّ
وقال: أنا ضامنٌ لك حتّى تَجْتمِعا أو تلتقِيا فهو باطلٌ)) اهـ. ولم يذكُرْ قولَ "أبي حنيفةً" في
المسألةِ فَعُلِمَ أَنَّه لا قولَ له فيها في "ظاهرِ الرِّوايةِ"، وإنَّما المسألةُ منقُولَةٌ عن الصّاحبينِ فقط في
ظاهرِ الرِّوايةِ عنهما، وبه عُلِمَ أنَّ قولَ "الخانيّة": ((وعن "أبي يوسف")) ليس لحكايةِ الخلافِ
ولا للتَّمريضِ، بل هو بيانٌ لكونِ ذلك منقُولاً عنه، وكذا عن "محمَّدٍ" كما عَلِمتَ، وحيث
لم يوجَدْ نصٌّ لـ "الإِمامِ" فالعملُ على ما نقلَهُ التّقاتُ عن أصحابِهِ كما عُلِمَ في محلِهِ.
(١) في "آ": ((فقد ظهر لك)).
حاشية ابن عابدين
٣٤
قسم المعاملات
"تتار خانَّةً" (وقيل: لا) تنعقِدُ (لَعَدَمِ بيانِ المضمُونِ به) أهو نفسٌ أو مالٌ؟ كما نقلَهُ
في "الخانيّة" عن "الثّاني"، قال "المصنّف" (١): ((والظّاهرُ أَنَّه ليس المذهبَ))، لكنَّه
استنبَطَ مِنه في "فتاويه"(٢): ((أَنَّه لو قال الطّالبُ: ضَمِنتَ بالمال، وقال الضّامنُ: إنَّما
ضَمِنتُ بنفسِهِ لا يَصِحُ))،
[٢٥٣٦٩] (قولُهُ: "تتار خانيَّةً") عبارتُها(٣): ((هو عليَّ حتّى تحتمِعا، فهو كفيلٌ إلى الغايةِ
التي ذكَرَها)) اهـ. هكذا ذكَرَهُ "المصنّف" في "المنح"(٤)، وأنت خبيرٌ بأنَّ هذه المسألة ليست
التي ذكَرَها في متِهِ، فإنَّ التي ذكَرَها في متِهِ لا تنعقِدُ فيها الكفالةُ أصلاً كما عَلِمَتَهُ
[٣/ق١/١٦٣] آنفاً (٥).
[٢٥٣٧٠] (قولُهُ: كما نقلَهُ في "الخانَيَّة") قد أسمعناك(٦) عبارةَ "الخانّة".
[٢٥٣٧١] (قولُهُ: قال "المصنّف": والظّاهرُ أَنَّه ليس المذهبَ) الضَّميرُ في ((أَنَّه)) عائدٌ إلى
ما نقلَهُ عن "الثّاني"، وهو الذي عبَّرَ عنه في المتنِ بقولِهِ: ((وقيل: لا))، وقد عَلِمتَ أَنَّه ليس
في المذهبِ قولٌ آخَرُ، بل هما مسألتانٍ، إحداهما تَصِحُّ فيها الكفالةُ، والأُخرى لا تَصِحُّ بلا
ذكرٍ خلافٍ فيهما كما حرَّرناهُ آنفاً(٦).
(٢٥٣٧٢] (قولُهُ: لكِنَّه استنبَطَ إلخ) يعني أنَّ "المصنّف" قال في "شرحِهِ": ((إنَّه ليس
المذهبَ)) مع أَنَّه في فتاويه استبَطَ مِنه ما ذُكِرَ، ووجهُ الاستنباطِ: أنَّ الطّالبَ والضّامنَ لم يَتَّفْقا
على أمرٍ واحدٍ، فلم يُعلَمِ المضمُونُ به هل هو نفسٌ أو مالٌ، فلا تَصِحُّ الكفالةُ.
(١) "المنح": كتاب الكفالة ٢/ق ٤٤/ب.
(٢) "فتاوى المصنف": فصل من كتاب الكفالة والحوالة ق ٥٤/ب بتصرف.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الكفالة - الفصل الثاني في الألفاظ التي تقع في الكفالة ٤ /ق١٩٩/أ.
(٤) "المنح": كتاب الكفالة ٢/ق ٤٤ /ب.
(٥) في المقولة السابقة.
(٦) المقولة [٢٥٣٦٨] قوله: ((وتنعقِدُ بقولِهِ: أنا ضامنٌ حتّى تحتمِعا إلخ)).
الجزء السادس عشر
٣٥
كتاب الكفالة
ثُمَّ قال(١): ((وينبغي أنَّه إذا اعترَفَ أَنَّ ضَمِنَ بالنّفسِ أنْ يُؤَاخَذَ بإقرارِهِ))، فراجعْهُ.
(كما) لا تنعقِدُ (في) قولِهِ: (أنا ضامنٌ) أو كفيلٌ (لمعرفتِهِ) على المذهبِ خلافاً لـ
"الثّاني"؛ لأَنَّه لم يلتَزِمِ المطالبةَ، بل المعرفةَ، واختُلِفَ في: أنا ضامنٌ لتعريفِهِ أو على تعريفِهِ،
والوجهُ الُّزومُ، "فتح"(٢)، كـ: أنا ضامنٌ لوجههِ؛ لأَنَّه يُعَبَّرُ به عن الجملةِ، "سراج". وفي:
معرفةُ فُلانٍ عليَّ يلزمُهُ أنْ يدُلَّ عليه، "خانَّة"(٣)، ولا يلزَمُ أنْ يكونَ كفيلاً، "نهر "(٤).
[٢٥٣٧٣] (قولُهُ: ثُمَّ قال: وينبغي إلخ) أقولُ: هذا مسلَّمٌ إذا كان الطّالبُ يدَّعي كفالةً
النّفسِ أيضاً، أمّا لو ادَّعَى عليه كفالةَ المالِ فقط فلا؛ إذِ الإقرارُ يرتدُّ بالرَّدِّ، ولا يؤاخَذُ المُقِرُّ
بلا دعوى، أفادَهُ "الرَّحمتيّ".
[٢٥٣٧٤] (قولُهُ: على المذهبِ) لأَنَّهم قالوا: إنَّه ظاهرُ الرِّوايةِ. زادَ في "الفتح"(٥) عن
"الواقعات": ((وبه يفتى))، وفي "البحر"(٦) عن "الخلاصة"(٧): ((وعليه الفتوى)).
مطلبٌ: لو قال: أنا أعرِفُهُ لا يكونُ كفيلاً
[٢٥٣٧٥] (قولُهُ: لأَنَّه لم يلتَزِمِ المطالبةَ، بل المعرفةَ) فصار كقولِهِ: أنا ضامنٌ لك على أنْ
أُوقِفَك عليه، أو: على أنْ أدُلَّك عليه أو على منزلِهِ، "فتح "(٨)، قال في "البحر"(٩): ((وأشار إلى
أَنَّه لو قال: أنا أعرِفُهُ لا يكونُ كفيلاً كما في "السِّراج")).
[٢٥٣٧٦) (قولُهُ: والوجهُ اللُّومُ) لأَنَّه مصدرٌ متعدٍّ إلى اثنينِ فقد التزَمَ أنْ يُعرِّفَهُ الغريمَ بخلافٍ
(١) "فتاوى المصنف": فصل من كتاب الكفالة والحوالة ق ٥٤/ب.
(٢) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٨٧/٦.
(٣) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة ٥٢/٣ (هامش الفتاوى الهندية").
(٤) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٤/أ.
(٥) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٨٧/٦.
(٦) "البحر": كتاب الكفالة ٢٢٦/٦.
(٧) "الخلاصة": كتاب الكفالة - الفصل الأول في المقدمة وفي ألفاظ الكفالة ق ٢٥٢/ب.
(٨) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٨٧/٦.
(٩) "البحر": كتاب الكفالة ٢٢٦/٦.
حاشية ابن عابدين
٣٦
قسم المعاملات
معرفتِهِ، فإنَّه لا يقتضي إلاّ معرفةَ الكفيلِ للمطُلُوبِ، "فتح"(١). فصار معنى الأوَّلِ: أنا ضامنٌ
لأنْ أُعرِّفَكَ غريَمَكَ، وتعريفُهُ بإحضارِهِ للطّالبِ وإلاّ فهو معرُوفٌ له. ومعنى الثّاني: أنا
ضامنٌ لأَنْ أُعرِّفَهُ، ولا يلزَمُ مِنه إحضارُهُ له، لكنْ ما يأتي (٢) عن "الخانَيَّة" يفيدُ لُزومَ دِلالِتِهِ
عليه وإنْ لم يَصِرْ كفيلاً، قال في "النَّهر"(٣): ((وما مرَّ مِن أَنَّه صار كالتزامِهِ الدِّلالةَ يؤيِّدُهُ
قولُهُ: ولا يلزَمُ إلخ، أي: لا يلزَمُ مِن لُزومٍ دِلالِهِ عليه أنْ يكونَ كفيلاً بنفسِهِ ليترتَّبَ عليه
أحكامُها))، "نهر"(٣). أي: لأَنَّه يخرُجُ عن ذلك بقولِهِ: هو في المحلِّ الفُلانيِّ فاذهبٌ إليه،
فلا يلزَمُهُ إحضارُهُ أو السَّفْرُ إليه إذا غابَ، وغيرُ ذلك مِن أحكامِ كفالةِ النّفسِ.
(تتمَّةٌ)
قدَّمنا(٤) أنَّ ألفاظَ الكفالةِ كلُّ ما يُنبئُ عن العُهدةِ في العُرْفِ والعادةِ، ومِن ذلك كما
في "الفتح"(٥): ((عليَّ أنْ أُوافَيَكَ به، أو عليَّ أنْ ألقاكَ به، أو دَعْهُ إليَّ))، ثمَّ قال(٦): ((وفي
"فتاوى النَّسفيّ"(٧): لو قال: الدَّينُ الذي لك على فُلانِ أنا أدفعُهُ إليك، أو أسلِّمُهُ إليك،
أو أقبِضُهُ لا يكونُ كفالةً ما لم يتكلّمْ بما يدُلُّ على الالتزامِ، وقَّدهُ في "الخلاصة"(٨) بما إذا
قالَهُ مُنجَّزاً، فلو مُعلَّقاً يكونُ كفالةً نحوُ أنْ يقولَ: إنْ لم يؤدِّ فأنا أؤدِّي، نظيرُهُ فِي النَّذْرِ لو
قال: أنا أحجُّ لا يلزمُهُ شيءٌ، ولو قال: إنْ دخلتُ الدّارَ فأنا أحجُّ يلزمُهُ الحجُّ)) اهـ.
٢٥٤/٤
(١) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٨٧/٦.
(٢) صـ ٣٥ - "در".
(٣) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٤/أ.
(٤) المقولة [٢٥٣٦٥] قوله: ((وتنعقِدُ بـ: ضَمِنْتُهُ إلخ)).
(٥) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٨٦/٦.
(٦) "الفتح": كتاب الكفالة ٢٨٧/٦.
(٧) "فتاوى" أبي حفص، نجم الدين النسفيّ (ت٥٣٧هـ)، وتقدمت ترجمته ١١٦/٣.
(٨) "الخلاصة": كتاب الكفالة - الفصل الأول في المقدمة وفي ألفاظ الكفالة ق٢٥٢/أ، نقلاً عن خاله الإمام، وهي في
"متفرِّقاته" كما صرَّح به في "الفتح".
الجزء السادس عشر
٣٧
كتاب الكفالة
(وإذا كفَلَ إلى ثلاثةِ أَيّامٍ) مثلاً (كان كفيلاً بعدَ الثّلاثةِ) أيضاً أبداً حتّى يسلِّمَهُ؛
قلتُ: لكنْ لو قال: ضَمِنتُ لك ما عليه أنا أقبضُهُ وأدفعُهُ إليك يصيرُ كفالةً بالقَبْضِ
والتَّسليمِ كما سنذكرُهُ(١) في بحثِ كفالةِ المالِ.
مطلبٌ في الكفالةِ المؤقّتةِ
[٢٥٣٧٧) (قولُهُ: وإذا كفَلَ إلى ثلاثةِ أَيّامٍ إلخ) حاصلُهُ: أَنَّه إذا قال: كَفَلتُ لك زيداً أو ما
على زيدٍ مِن الدَّينِ إلى شهرٍ، مثلاً صار كفيلاً في الحالِ أبداً، أي: في الشّهرِ وبعدَهُ، ويكونُ ذِكرُ
الُدَّةِ لتأخيرِ المطالبةِ إلى شهرٍ لا لتأخيرِ الكفالةِ، كما لو باعَ عبداً بألفٍ إلى ثلاثةِ أَيّامٍ يصيرُ مُطالَباً
بالثّمنِ بعدَ الثّلاثةِ، وقيل: لا يصيرُ كفيلاً في الحالِ، بل بعدَ المدَّةِ فقط، وهو ظاهرُ عبارةٍ
"الأصل"(٢). وعلى كلِّ فلا يُطالَبُ في الحالِ، وهو ظاهرُ الرِّوايةِ كما في "الَّتَار خانَّةَ"(٣)، وفي
"السِّرَاجِيَّةِ"(٤): ((وهو الأصحّ))، وفي "الصُّغْرى": ((وبه يفتى)) كما في "البحر "(٥).
قلتُ: ومقابلُهُ ما قالَهُ "أبو يوسف" و"الحسنُ": أَنَّه يُطالَبُ به في المدَّةِ فقط، وبعدَها يبرَأُ
الكفيلُ كما لو ظاهَرَ أو آلَى مِن امرأتِهِ مدَّةً فإِنَّهما يقَعانِ فيها ويبطُلان ◌ِمُضيِّها كما في "الظَّهِيرِيَّةِ"(٦)
(١٦٣٥/٣/ب] وغيرِها، وفيها (٧) أيضاً: ((ولو قال: كَفَلتُ فُلاناً مِن هذه السّاعةِ إلى شهرٍ تنتهي
الكفالةُ بُضيِّ الشَّهرِ بلا خلافٍ، ولو قال: شهراً لم يذكُرْهُ "محمَّدٌ"، واخْتُلِفَ فيه، فقيل: هو كفيلٌ
أبداً كما لو قال: إلى شهرِ، وقيل: في المدَّةِ فقط، أي: كما لو قال: مِن هذه السّاعةِ إلى شهرٍ)).
(١) المقولة [٢٥٤٧٩] قوله: ((وأمّا كفالةُ المالِ إلخ)).
(٢) كتاب الكفالة ليس في القسم المطبوع من "الأصل".
(٣) "التاتر خانية": كتاب الكفالة - الفصل السادس في الأجل والخيار في الكفالة ٤ /ق ٢٠٥/ب.
(٤) "الفتاوى السراجية": كتاب الكفالة - باب الكفالة بالنفس ٣٢١/٢ (هامش "فتاوى قاضي خان").
(٥) "البحر": كتاب الكفالة ٢٢٧/٦، وقوله: ((وهو الأصحّ)) نقله في مطبوعة "البحر" عن "السراج" لا عن "السراجية"، وفي
مخطوطته ٣/ق١٩٢/أ عن "السراجية" كما نقل ابن عابدين رحمه الله.
(٦) "الظهيرية": كتاب الكفالة والحوالة - الفصل الثالث في الدعوى والخصومة في الكفالة وفي مسائل الحوالة ق ٣٧٥/ب - ٣٧٦/أ.
(٧) "الظهيرية": كتاب الكفالة والحوالة - الفصل الثالث في الدعوى والخصومة في الكفالة وفي مسائل الحوالة ق٣٧٦/أ.
حاشية ابن عابدين
٣٨
قسم المعاملات
والحاصلُ: أَنَّه إمّا أنْ يذكُرَ ((إلى)) بدونِ ((مِن)) فيقولَ: كَفَتُهُ إلى شهرٍ، وهي مسألةُ "المتن"،
فيكونَ كفيلاً بعدَ الشَّهِ، ولا يُطالَبُ في الحالِ، وعندَ "أبي يوسف" و"الحسنِ": هو كفيلٌ في المدَِّ فقط.
وإمّا أنْ يذكُرَ ((مِن)) و((إلى)) فيقولَ: كَفَلْتُهُ مِن اليومِ إلى شهرٍ فهو كفيلٌ في المدَّةِ
فقط بلا خلافٍ.
وإمّا أنْ لا يذكُرَ ((مِن)) ولا ((إلى)) فيقولَ: كَفَتُهُ شهراً أو ثلاثةَ أَيّامٍ، فقيل: كالأوَّلِ، وقيل:
كالّانِيِ. وفي "الَّارِ خانَّةً"(١) عن "جمع التَّهارِيقِ"(٢) قال: ((واعتمادُ أهلِ زمانِنا على أنّه كالّاني)).
قلتُ: وينبغي عَدَمُ الفرقِ بينَ الصُّورِ الثَّلاثِ في زمانِنا كما هو قولُ "أبي يوسف"
و"الحسنِ"؛ لأنَّ النّاسَ اليومَ لا يقصِدُونَ بذلك إلّ توقيتَ الكفالةِ بالمدَّةِ، وأَنَّه لا كفالةَ بعدَها
وقد تقدَّمَ(٣) أنَّ مَبنى ألفاظِ الكفالةِ على العُرْفِ والعادةِ، وأنَّ لفظَ ((عندي)) للأمانةِ وصار في
العُرْفِ للكفالةِ بقرينةِ الدَّينِ، وقالوا: إنَّ كلامَ كلِّ عاقدٍ وناذرٍ وحالفٍ وواقفٍ يُحمَلُ على
عُرْفِهِ، سواءٍ وافَقَ عُرْفَ اللُّغِ أَوْ لا. ثمَّ رأيتُ في "الذَّخيرة" قال: ((وكان القاضي الإمامُ الأجلُّ
"أبو عليِّ النَّسفيُّ"(٤) يقولُ: قولُ "أبي يوسفَ" أشبَهُ بِعُرْفِ الَّاسِ إذا كَفَلُوا إلى مدَّةٍ يَفْهَمُونَ
بِضَرْبِ الْمُدَّةِ أَنّهم يُطالَبُونَ فِي المُدَّةِ لا بعدَها، إلّ أَنَّه يَجِبُ على المفتي أنْ يكُنُبَ في الفتوى أَنَّه
إِذا مضَتِ المُدَّةُ المذكورةُ فالقاضي يُخرِجُهُ عن الكفالةِ احترازاً عن خلافِ جوابِ "الكتابِ"،
وإِنْ وُجِدَ هناك قرينةٌ تدُلُّ على إرادتِهِ جوابَ "الكتابِ" فهو عليه)) اهـ
(قولُهُ: احترازاً عن خلافِ جوابِ "الكتابِ" إلخ) لم يظهَرِ المرادُ بهذه العبارةِ، فإنَّ إخراجَ
القاضي عن الكفالةِ حُكمٌ بغيرِ جوابِ "الكتابِ"، فهو مُخالِفٌ له لا احترازٌ عنه وإنْ كان بعدَ الحُكمِ
صار مُحمَعاً عليه؛ لارتفاعِ الخلافِ به، كما أنَّ قولَ "المحشِّي": ((زيادةُ احتياطٍ إلخ)) غيرُ ظاهرٍ أيضاً،
فإنَّ المتعاقدَينِ لو قصَدا ذلك المعنى وأخرَجَ القاضي الكفيلَ عن الكفالةِ لا يَصِحُّ إخراجُهُ عنها في الواقعِ؛
(١) "التاتر خانية": كتاب الكفالة والضمان - الفصل السادس في الأجل والخيار في الكفالة ٤/ق ٢٠٥/ب.
(٢) لأبي الفضل محمد بن أبي القاسم (ت٦٢ ٥هـ) وقيل غير ذلك، وتقدمت ترجمته ٦٥٣/١.
(٣) المقولة [٢٥٣٦٥] قوله: ((وتنعقِدُ بـ: ضَمِنْتُهُ إلخ)).
(٤) تقدمت ترجمته ٤٥١/٢.