Indexed OCR Text

Pages 581-600

الجزء الخامس عشر
٥٧٧
باب الصَّرف
ولو تبايَعا في العَلانيةِ إن اعتَرَفا ببنائِهِ على التَّلجئةِ فالبيعُ باطلٌ؛ لاتّفاقِهما أَنَّهما
هَزَلا به، وإلّ فلازمٌ، ولو لم تَحضُرْهما نيّةٌ فباطلٌ على الظّاهرِ، "منية").
[٢٥٢٧١) (قولُهُ: فالبيعُ باطلٌ) أي: فاسدٌ كما عَلِمتَ، فإنْ نقَضَهُ أحدُهما انتَقَضَ لا إِنْ
أجازَهُ، أي: بل يَتَوقَّفُ على إجازتِهما جميعاً؛ لأَنّه كخِيارِ الشَّرطِ لهما، وإِنْ أجازاهُ جازَ بقیدِ
كونِها في ثلاثةِ أَيّامٍ عندَهُ، ومُطلقاً عندَهما، كذا في "الَّحرير)"(١).
(٢٥٢٧٢) (قولُهُ: وإلّ) بأن اتَّفَقًا بعدَ البيعِ على أَنَّهما أعرَضَا وقَتَهُ عن المواضَعةِ.
(٢٥٢٧٣] (قولُهُ: ولو لم تَحضُرْهما نَّةٌ فباطلٌ إلخ) مثلُهُ في "المؤيّديَّةِ"(٢) عن "الغُنِيةِ"(٣) حيث
قال: ((وإِنْ تصادَقا على أنّهما لم تَحضُرْهما نيّةٌ عندَ [١٥٧٥/٣ / ) العَقْدِ ففي ظاهرِ الجوابِ البيعُ باطلٌ.
ورَوَى "المعَلَّى(٤) عن "أبي يوسف" عن "أبي حنيفةً": أنَّ البيعَ صحيحٌ)) اهـ. والأوَّلُ قولُهما كما
مرَّ(٥) عن "المنار"، ورجَّحهُ أيضاً المحقّقُ "ابنُ الهمامِ" في "الّحرير "(٦)، وأقرَّهُ تلميذُهُ "ابنُ أمير حاجّ"
في "شرحِهِ"(٧). وجعَلَ "المحقّقُ" مثلَهُ(٨): ((ما إذا اختَلَفا في الإعراضِ والبناءِ، أي: بأنْ قال أحدُهما:
(قولُهُ: بأن اتَّفَقا بعدَ البيعِ على أنَّهما أعرَضَا وقَتَهُ عن المواضَعةِ) هذه صورةٌ مِمّا دخَلَ تحتَ قولِهِ:
((وإلّ))، أي: وإنْ لم يَتَّفِقا على المواضَعةِ، فيدخُلُ فيه باقي الصُّورِ بعدَهُ، لكنْ لَمّا كان اللُّزُومُ إنَّما هو
في هذه الصُّورةِ فقط حَمَلَ كلامَهُ عليها، وفيما عداها الاختلافُ الذي ذكرَهُ "المحشِّي".
(١) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأول - فصل في بيان أحكام عوارض الأهلية - النوع الثاني: المكتسبة من نفسه وغيره
صـ ٢٨٥ - ٢٨٦ -.
(٢) هي "فتاوى مؤيَّد زاده" الأَّماسيِّ الروميِّ (ت ٩٢٢هـ)، وتقدمت ترجمتها ٤٤١/١٣.
(٣) هو "غنية الفقهاء" للسِّحِسْتانيّ (ت بعد ٦٣٨هـ)، وتقدمت ترجمتها ١٩٥/١.
(٤) هو أبو يَعْلى - وقيل: أبو يحيى - مُعَلَّى بن منصور الرازي (ت ٢١١هـ)، انظر: "الجواهر المضية" ٤٩٢/٣،
"الفوائد البهية" صـ٢١٥ -.
(٥) المقولة [٢٥٢٦٤] قوله: ((بل كالهَزْلِ)).
(٦) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأول - فصل في بيان أحكام عوارض الأهلية - النوع الثاني: المكتسبة من نفسه وغيره صـ٢٨٦ -.
(٧) "التقرير والتحبير": الباب الأول - فصل في بيان أحكام عوارض الأهلية ١٩٥/٢.
(٨) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأول - فصل في بيان أحكام عوارض الأهلية - النوع الثاني: المكتسبة من نفسه
وغیرہ صـ٢٨٦- بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٥٧٨
قسم المعاملات
قلتُ: و(١) مُفادُهُ أَنَّهما لو تواضَعا على الوفاءِ قبلَ العَقْدِ، ثُمَّ عَقَدا خالياً عن شرطٍ
الوفاء فالعَقْدُ(٢) جائزٌ، ولا عبرةَ للمواضعةِ، وبيعُ الوفاءِ ذكرتُهُ هنا تَبَعاً لـ "الدُّرر"(٣).
بنينا العَقْدَ على المواضَعةِ، وقال الآخَرُ: على الجِدِّ، فلا يَصِحُّ أيضاً عندَهما)). ثمَّ قال(٤): ((ولو قال
أحدُهما: أَعرَضتُ، والآخَرُ: لم يَحضُرْنِي شيءٌ، أو بنَى أحدُهما وقال الآخَرُ: لم يَحضُرْني شيءٌ:
فعلى أصلِهِ: عَدَمُ الحضُورِ كالإِعراضِ، أي: فَيَصِحُّ، وعلى أصلِهما: كالبناءٍ، أي: فلا يَصِحُّ)).
[٢٥٢٧٤) (قولُهُ: ومُفادُهُ إلخ) أي: مُفادُ قولِهِ: ((وإلّ فلازمٌ))، لكنْ إِنَّمَا يَتِمُّ هذا المفادُ إذا قَصَدا
إخلاءَ العَقْدِ عن شرطِ الوفاءِ، أمّا لو لم تَحضُرْهما نيّةٌ فقد عَلِمتَ أَنَّه باطلٌ، وهذا المفادُ صرَّحَ به في
"جامع الفصولين)"(٥) حيث قال: ((لو شَرَطا الَّجِئَةَ في البيعِ فِسَدَ البيعُ، ولو تَوَاضَعًا قبلَ البيعِ ثُمَّ تبايَعا
بلا ذِكرِ شرطٍ فيه جازَ البيعُ عندَ "أبي حنيفةً"، إلاّ إذا تصادَقا أَنَّهما تبايَعا على تلك المواضَعةِ، وكذا
لو تَوَاضَعا الوفاءَ قبلَ البيعِ ثُمَّ عَقَدا بلا شرطِ الوفاءِ فالعَقْدُ جائزٌ، ولا عِبرةَ للمُواضَعةِ السّابقةِ)) اهـ.
وفي "البزّازِيَّة"(٦): ((وإِنْ شَرَطا الوفاءَ ثُمَّ عَقَدًا مُطلقً إنْ لم يُقِرّ بالبناءِ على الأوَّلِ فالعَقْدُ جائزٌ، ولا
عِيرةَ بالسّابقِ كما في الَّجِئَةِ عندَ "الإمامِ)). وقولُهُ: ((فالعَقْدُ جائزٌ) أي: بناءً على قولِ "أبي حنيفةً"
المذكُورِ، ولا يخفَى أنَّ "الشّارِحَ" مشَى على خلافِهِ، وعليه فالمناسبُ أنْ يقولَ: ((فالعقدُ غيرُ جائزٍ)).
مطلبٌ في بيعِ الوفاءِ
[٢٥٢٧٥) (قولُهُ: ذكرتُهُ هنا تَبَعَ لـ "الدُّرر") وذكرَهُ في "البحر"(٧) في بابِ خِيارِ الشَّرطِ،
وذكَرَ فيه ثمانيةً أقوالٍ، وعقَدَ له في "جامع الفصولين"(٨) فصلاً مُستقلاً هو الفصلُ الثّامنَ عشرَ،
(١) الواو ليست في "و".
(٢) ((فالعقد)) ساقطة من "ط".
(٣) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الصَّرف ٢٠٧/٢.
(٤) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأول - فصل في بيان أحكام عوارض الأهلية - النوع الثاني: المكتسبة من نفسه وغيره
صـ٦ ٢٨- بتوضیح من ابن عابدين رحمه الله.
(٥) "جامع الفصولين": الفصل الثامن عشر في بيع الوفاء وأحكامه وشرائطه وأقسامه ١٧١/١.
(٦) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الرابع في الفاسد وبيع المبيع قبل قبضه - نوع فيما يتصل بالبيع الفاسد ٤٠٧/٤
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "البحر": كتاب البيع ٨/٦.
(٨) "جامع الفصولين": الفصل الثامن عشر في بيع الوفاء وأحكامه وشرائطه وأقسامه ١٦٩/١.

الجزء الخامس عشر
٥٧٩
باب الصَّرف
صورتُهُ: أنْ يبيعَهُ العَيْنَ بألفٍ على أَنَّه إذا رَدَّ عليه الثَّمنَ رَدَّ عليه العَيْنَ، وَسَمّاهُ
الشّافِعَّةُ بالرَّهنِ المعادِ، ويسمَّى بمصرَ بيعَ الأمانةِ، وبالشَّامِ بيعَ الإِطاعةِ،
وذكرَهُ في "البزّازِيَّةِ"(١) في البابِ الرّابعِ في البيعِ الفاسدِ، وذكَرَ فيه تسعةً أقوالٍ، وكَتَبَ عليه أكثرَ
مِن نصفٍ كُرّاسٍ. ووجهُ تسميتِهِ بيعَ الوفاءِ: أنَّ فيه عَهْداً بالوفاءِ مِن المشتري بأنْ يَرُدَّ المبيعَ على
البائعِ حينَ رَدِّ الثَّمنِ، وبعضُ الفقهاءِ يُسمِيهِ البيعَ الجائزَ، ولعلَّهُ مبنىٌّ على أَنَّه بيعٌ صحيحٌ لحاجةٍ
التَّخلّصِ مِن الرِّبًا حتّى يَسُوعَ للمُشتري أكلُ رَيْعِهِ. وبعضُهم يُسمِّيْهِ بيعَ المعاملةِ، ووجهُهُ: أنَّ
المعاملةَ رِيحُ الدَّينِ، وهذا يَشتريهِ الدّائِنُ لَيَنتَفِعَ به بمقابَلِ دَينِهِ.
[٢٥٢٧٦) (قولُهُ: صورتُهُ إلخ) كذا في "العناية(٢). وفي "الكفاية"(٢) عن "المحيط": ((هو أنْ
يقولَ البائعُ للمشتري: بِعْتُ مِنك هذا العينَ بما لك عليَّ مِن الدَّينِ على أَنِّي متى قَضَيْتُهُ فهو
لي)) اهـ. وفي "حاشية الفصولين"(٤) عن "جواهر الفتاوى": ((هو أنْ يقولَ: بِعْتُ مِنك على أنْ
تبيعَهُ مِنِّي متى جئتُ بالثَّمنِ، فهذا البيعُ باطلٌ، وهو رهنٌ، وحُكمُهُ حُكُمُ الرَّهنِ، وهو
الصَّحِيحُ)) اهـ. فعُلِمَ أَنَّه لا فَرْقَ بينَ قولِهِ: ((على أنْ تَرُدَّهُ عليَّ)) أو ((على أنْ تَبِيعَهُ مِنِّي)).
[٢٥٢٧٧) (قولُهُ: بيعَ الأمانةِ) وجهُهُ: أَنَّه أمانةٌ عندَ المشتري بناءً على أَنَّه رهنٌ، أي: كالأمانةِ.
[٢٥٢٧٨) (قولُهُ: بيعَ الإِطاعةِ) كذا في عامَّةِ النَّسخِ، وفي بعضِها(٥): ((بيعَ الطّاعةِ))، وهو
المشهُورُ الآنَ في بلادِنا. وفي "المصباح"(٦): ((أطاعَهُ إطاعةً، أي: انقادَ له. وطاعَهُ(٧) طَوْعاً مِن
بابِ قال: لغةٌ. وانطاعَ له: انقادَ، قالوا: ولا تكونُ الطّاعةُ إلّ عن أمرٍ، كما أنَّ الجوابَ لا يكونُ
(١) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الرابع في الفاسد - نوع فيما يتّصل بالبيع الفاسد ٤٠٥/٤ وما بعدها (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "العناية": كتاب الإكراه ١٦٩/٨ (هامش "فتح القدير").
(٣) "الكفاية": كتاب الإكراه ١٧٠/٨ (ذيل "فتح القدير") دونَ عزوٍ إلى "المحيط".
(٤) "اللآلئ الدرية في الفوائد الخيرية": الفصل الثامن عشر في بيع الوفاء وأحكامه وشرائطه وأقسامه ١٦٩/١ (هامش
"جامع الفصولين").
(٥) كما في نسخة "د".
(٦) "المصباح": مادة ((طوع)) باختصار.
(٧) في "م": ((وأطاعه))، وهو خطأ.

حاشية ابن عابدين
٥٨٠
قسم المعاملات
قيل: هو رَهنٌ فُتُضمَنُ زوائدُهُ،.
إلّ عن قولٍ، يقالُ: أمَرَهُ فأطاعَ)) اهـ. ووجهُهُ حينئذٍ: أنَّ الدّائنَ يأمُرُ الَدينَ ببيعِ دارِهِ مثلاً بالدَّينِ
فُيُطِيعُهُ، فصار معناهُ بيعَ الانقيادِ.
[٢٥٢٧٩) (قولُهُ: قيل: هو رَهنٌ) قدَّمنا آنفاً(١) عن "جواهر الفتاوى": ((أَنَّه الصَّحيحُ)). قال
في "الخيريَّة"(٢): ((والذي عليه الأكثرُ أَنَّه رَهنٌ لا يَغْترِقُ عن الرَّهنِ في حُكْمٍ مِن الأحكامِ، قال
"السَّدُ الإِمامُ(٢): قلتُ للإمامِ "الحسنِ الماتريديّ(٤): قد فَشا هذا البيعُ بينَ الَّاسِ، وفيه مَفسَدةٌ
عظيمةٌ، وفَتْواك أنَّه رهنٌ، [٢/ ق١٥٧ /ب] وأنا أيضاً على ذلك. فالصَّابُ أنْ نجمَعَ الأئمّةَ ونَّفِقَ على
هذا ونُظهِرَهُ بينَ النّاسِ، فقال: المعتبرُ اليومَ فَتْوانا، وقد ظهَرَ ذلك بينَ الّاسِ، فمَن خالَفَنَا فُلْيُبْرِزْ
نفسَهُ ولُيُقِمْ دليلَهُ)) اهـ.
قلتُ: وبه صَدَّرَ في "جامع الفصولين"(٥) فقال رامزاً لـ "فتاوى النَّسفيِّ": ((البيعُ الذي تعارَفَهُ
أهلُ زمانِنا احتيالاً للرِّبًا وسَمَّوهُ بِيعَ الوفاءِ هو رهنٌ في الحقيقةِ، لا يَمِلِكُهُ ولا يَنتَفِعُ به إلّ بإذنٍ
مالكِهِ، وهو ضامنٌ لِما أكَلَ مِن ثَمرِهِ وأثَلَفَ مِن شجرِهِ، وَيَسقُطُ الدَّينُ بهلاكِهِ لو بقيَ (٦)،
ولا يَضْمَنُ الزِّيادةَ، وللبائعِ استردادُهُ إذا قضَى دَينَهُ، لا فَرْقَ عندَنا بينهُ وبينَ الرَّهنِ في حُكْمٍ مِن
الأحكامٍ)) اهـ. ثُمَّ نقَلَ ما مرّ(٧) عن "السَّدِ الإِمامِ". وفي "جامع الفصولين "(٨): ((ولو بِيْعَ كَرْمٌ
(١) المقولة [٢٥٢٧٦] قوله: ((صورتُهُ إلخ)).
(٢) "الفتاوى الخيرية": كتاب البيوع ٢٢٦/١.
(٣) هو السيد الإمام أبو شجاع، ذكره في "الملتقط" صـ٢٢٦ -، وتقدمت ترجمته ٦٧/٢.
(٤) هو القاضي الإمام الحسن الماتريدي، كان رفيقاً لأبي شجاع، وعليّ السغدي، وكان المعتَبَرُ في زمنهم اتفاقَهم على
الفتوى، لا يُنظَرُ إلى من خالفهم، وإليهم انتهت رئاسة أصحاب الإمام، وهم من رجال القرن الخامس. انظر:
"الجواهر المضية" ٣٠٧/٤، و"الفوائد البهية" صـ ٦٥ -.
(٥) "جامع الفصولين": الفصل الثامن عشر في بيع الوفاء وأحكامه وشرائطه وأقسامه ١٦٩/١.
(٦) في "ب": ((يفي)).
(٧) في هذه المقولة.
(٨) "جامع الفصولين": الفصل الثامن عشر في بيع الوفاء وأحكامه وشرائطه وأقسامه ١٧٣/١.

الجزء الخامس عشر
٥٨١
باب الصَّرف
وقيل: بيعٌ يُفيدُ الانتفاعَ به.
وفي إقالةِ "شرح المجمع" عن "النهاية": ((وعليه الفتوى)). وقيل: إنْ بلفظِ
البيعِ لم يكنْ رَهناً،.
بجنبِ هذا الكَرْمِ فالشُّفْعةُ للبائعِ لا للمُشتري؛ لأنَّ بيعَ المعاملةِ وبيعَ التَّلجثةِ حُكمُهما حُكمُ
الرَّهنِ، وللرّاهِنِ حَقُّ الشُّفْعةِ وإنْ كان في يدِ المرتهِنِ)) اهـ.
٢٤٦/٤
[٢٥٢٨٠) (قولُهُ: وقيل: بيعٌ يُفيدُ الانتفاعَ به) هذا مُحتمِلٌ لأحدٍ قولينِ: الأوَّل: أَنَّه بيعٌ
صحيحٌ مُفيدٌ لبعضِ أحكامِهِ مِن حِلِّ الانتفاعِ به إلّ أَنَّه لا يَمْلِكُ بيعَهُ(١). قال "الزَّلعيُّ) (٢) في
الإكراهِ: ((وعليه الفتوى)). الثّاني: القولُ الجامعُ لبعضِ المحقّقينَ: إِنَّه فاسدٌ فِي حَقِّ بعضٍ
الأحكامِ حتّى مَلَكَ كلٌّ مِنهما الفَسْخَ، صحيحٌ فِي حَقِّ بعضِ الأحكامِ كحِلِّ الأنزالِ ومَنافعِ
المبيعِ. ورهنٌ في حَقِّ البعضِ حَتّى لم يَمِلِكِ المشتري بيعَهُ مِن آخَرَ ولا رَهْنَهُ، وسقَطَ الدَّينُ
بهلاكِهِ، فهو مُركَّبٌ مِن العُقُودِ الثَّلاثةِ كالزَّرافةِ، فيها صفةُ البعيرِ والبقرِ والنَّمِرِ. ◌ُوِّزَ لحاجةٍ
الَّاسِ إليه بشرطِ سلامةِ البدلينِ لصاحبِهما، قال في "البحر"(٣): ((وينبغي أنْ لا يُعدَلَ في الإفتاءِ
عن القولِ الجامعِ)). وفي "النَّهر"(٤): ((والعملُ في ديارِنا على ما رجَّحَهُ "الزَّلعِيُّ)).
(٢٥٢٨١) (قولُهُ: لم يكنْ رَهناً) لأنَّ كلاَّ مِنهما عَقْدٌ مُستَقِلٌّ شرعاً، لكلِّ مِنهما أحكامٌ
مُستقِلّةٌ. اهـ "درر"(٥)، "ط" (٦).
(١) في "الأصل": ((بعضه))، وهو تحريف.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الإكراه ١٨٤/٥، نقلاً عن "النهاية".
(٣) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الشَّرط ٩/٦.
(٤) "النهر": كتاب البيع - باب خيار الشَّرط ق ٣٦٧/ب.
(٥) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الصَّرف ٢٠٧/٢.
(٦) "ط": كتاب البيوع - باب الصَّرف ١٤٣/٣.

حاشية ابن عابدين
٥٨٢
قسم المعاملات
ثُمَّ إِنْ ذَكَرًا(١) الفَسْخَ فيه، أو قبلَهُ، أو زعَماهُ غيرَ لازمٍ كان بيعاً فاسداً، ولو بعدَهُ
على وجهِ المِيْعادِ جازَ ولَزِمَ الوفاءُ به؛.
[٢٥٢٨٢] (قولُهُ: ثُمَّ إِنْ ذَكَرًا(٢) الفَسْخَ فيه) أي: شَرَطاهُ فيه، وبه عَبَّرَ في "الدُّرر "(٣)، "ط "(٤)
وكذا في "البزّازِيَّة" (٥).
[٢٥٢٨٣) (قولُهُ: أو قبلَهُ) الذي في "الدُّرر"(٦) بدلُ هذا: ((أو تلَفَّظا بلفظِ البيعِ بشرطِ
الوفاءِ)) اهـ "ط"(٧). ومثلُهُ فِي "البّازِيَّة"(٨).
[٢٥٢٨٤] (قولُهُ: جازَ) مُقتضاهُ أنَّه بيعٌ صحيحٌ بقرينةِ مقابَلِتِهِ لقولِهِ: ((كان بيعاً فاسداً)).
والظاهرُ أَنَّه مبنيٌّ على قولِهما بأنَّ ذِكرَ الشَّرطِ الفاسدِ بعد العَقْدِ لا يُفسِدُ العَقْدَ، فلا يُنافي ما
بعدَهُ(٩) عن "الظَّهِيرِيَّة".
[٢٥٢٨٥) (قولُهُ: وَلَزِمَ الوفاءُ به) ظاهرُهُ أَنَّه لا يَزَمُ الورثةَ بعدَ موتِهِ كما أفتى به "ابنُ الشِّلْبِيِّ"
مُعلِّلاً بـ: ((انقطاعِ حُكمِ الشَّرطِ بموتِهِ؛ لأَنَّه بيعٌ فيه إقالةٌ، وشرطُها بقاءُ المتعاقدينِ؛ ولأَنَّه بمنزلةٍ
خِيارِ الشَّرطِ، وهو لا يُورَثُ)) اهـ
(قولُ "الشّارحِ": أو قبلَهُ) هذا أخَذَهُ مِن "شرح المجمع" لـ "ابنِ ملكٍ" لا مِن "الدُّرر"، "سنديّ".
(١) في "و": ((إذا ذكرا))، وفي "د" و"ط": ((إن ذكر)) بالإفراد.
(٢) في "الأصل" و"ك" و"آ": ((ذكر)) بالإفراد.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الصَّرف ٢٠٧/٢.
(٤) "ط": كتاب البيوع - باب الصَّرف ١٤٣/٣.
(٥) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الرابع في الفاسد وبيع المبيع قبل قبضه - نوع فيما يتّصلُ بالبيع الفاسد ٤ /٤٠٦
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الصَّرف ٢٠٧/٢.
(٧) "ط": كتاب البيوع - باب الصَّرف ١٤٣/٣ - ١٤٤.
(٨) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الرابع في الفاسد وبيع المبيع قبل قبضه - نوع فيما يتصلُ بالبيع الفاسد ٤٠٦/٤
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) ص ٥٨٤ - "در".

الجزء الخامس عشر
٥٨٣
باب الصَّرف
قلتُ: وهذا ظاهرٌ على هذا القولِ بأَنَّه بيعٌ صحيحٌ لا يُفسِدُهُ الشَّرطُ اللّحقُ، فلا يُنافي ما
يأتي(١) عن "الشُّرُ بلالَّة".
هذا، وفي "الخيريَّة"(٢) فيما لو أطلَقَ البيعَ ولم يذكُر الوفاءَ إلّ أَنَّه عَهِدَ إلى البائعِ أَنَّ إنْ أوفَى
مثلَ الثّمنِ يَفْسَخُ البيعَ معه أجابَ: ((هذه المسألةُ اختلَفَ فيها مشائخُنا على أقوالٍ، ونصَّ في
"الحاوي الزّاهديِّ": أنَّ الفتوى في ذلك أنَّ البيعَ إذا أُطلِقَ ولم يُذكَر فيه الوفاءُ، إلّ أَنَّ المشتريَ
عَهِدَ إلى البائعِ أَنَّ إِنْ أوفَى مثلَ ثَمِنِهِ فإنَّه يَفسَخُ معه البيعَ يكونُ باًّا، حيث كان الثَّمنُ ثَمنَ
المثلِ أو بغَبنِ يسيرٍ)) اهـ. وبه أفتى في "الحامديَّة"(٣) أيضاً، فلو كان بغَبنِ فاحشٍ مع عِلمِ البائعِ
به فهو رَهنٌ. وكذا لو وضَعَ المشتري على أصلِ المالِ رِبِحاً، أمّا لو كان بمثلِ الثَّمنِ أو بغَبنِ
يسيرٍ بلا وضعٍ ربحٍ فباتٌّ؛ لأَنّا إِنَّما نجعلُهُ رَهناً بظاهرٍ حالِهِ أَنَّه لا يَقصِدُ الباتَّ عالِماً بالغَبنِ أو
مع وضعِ الرّبِّحِ، أفادَهُ في "البزّزِيَّة"(٤)، وذكَرَ(٤): ((أَنّ مختارُ أئمَّةٍ خُوارزم))، وذكَرَ في موضعٍ
آخَرَ(٥): ((أَنَّه لو آجَرَهُ مِن البائعِ: قال "صاحبُ الهداية"(٦): الإقدامُ على الإجارةِ بعدَ البيعِ دَلَّ
على أنَّهما قَصَدا بالبيعِ الرَّهنَ (٣/ق١٥٨/أ) لا البيعَ، فلا يَحِلُّ للمُشتري الانتفاعُ به)) اهـ.
واعترَضَهُ في "نور العين"(٧): ((بأنَّ دِلالةَ ذلك على قَصْدِ حقيقةِ البيعِ أظهَرُ)).
قلتُ: وفيه نظرٌ، فإنَّ العادةَ الفاشيةَ قاضِيةٌ بقَصْدِ الوفاءِ كما في وضعِ الرِّبحِ على الثَّمنِ،
ولا سيَّما إذا كانت الإجارةُ مِن البائعِ مع الرِّيحِ أو نقصِ الثّمنِ.
(١) صـ ٥٨٥ - "در".
(٢) "الفتاوى الخيرية": كتاب البيوع ٢٢٦/١.
(٣) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب البيوع ٢٣٢/١.
(٤) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الرابع في الفاسد وبيع المبيع قبل قبضه - نوع فيما يتصلُ بالبيع الفاسد ٤٠٧/٤
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الرابع في الفاسد وبيع المبيع قبل قبضه - نوع فيما يتصلُ بالبيع الفاسد ٤١٩/٤
باختصار (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) لم نعثر على النقل في "الهداية"، ولعل صاحب "الهداية" ذكَرَهُ في غيرها من مؤلفاتِهِ.
(٧) "نور العين": الفصل الثامن عشر في بيع الوفاء وأقسامه وشرائطه وأحكامه ق ٦٩/ب - ٧٠/أ.

حاشية ابن عابدين
٥٨٤
قسم المعاملات
لأنَّ المواعيدَ قد تكونُ لازِمةً لحاجةِ النّاسِ، وهو الصَّحيحُ كما في "الكافي"
و"الخانَيَّة"(١)، وأقرَّهُ "خُسرو"(٢) هنا، و"المصنّفُ" في بابِ الإكراهِ(٣)، و"ابنُ المَلَكِ"
في بابِ الإقالةِ بزيادةٍ: ((وفي "الظَّهيريَّةِ"(٤): لو ذكَرَ الشَّرطَ بعدَ العَقْدِ يَلتحِقُ بالعَقْدِ
عندَ "أبي حنيفةً"))، ولم يذكُرْ أَنَّ في مجلسِ العَقْدِ أو بعدَهُ.
[٢٥٢٨٦] (قولُهُ: لأنَّ المواعيدَ قد تكونُ لازِمةً) قال في "البزّازِيَّة"(٥) في أوَّلِ كتابِ الكفالةِ:
((إذا كفَلَ مُعلّقاً - بأنْ قالَ: إنْ لم يُؤدِّ فلانٌ فأنا أَدفعُهُ إليك ونحوَهُ - يكونُ كفالةً؛ لِما عُلِمَ
أنَّ المواعيدَ باكتساءِ صورِ النَّعليقِ تكونُ لازمةً، فإنَّ قولَهُ: أنا أحُجُّ لا يَلَمُ به شيءٌ، ولو علَّقَ وقال:
إِنْ دخَلتُ الدّارَ فأنا أحُجُّ يَلزَمُ الحِجُّ)).
[٢٥٢٨٧] (قولُهُ: بزيادةٍ: وفي "الظَّهيريَّة " إلخ) يعني: أنَّ "ابنَ مَلَكٍ" أقرَّهُ أيضاً، وزادَ عليه
قولَهُ: ((وفي "الظَّهِيرِيَّة " إلخ))، أي: مُقترِناً بهذه الزِّيادةِ. فلفظُ ((زيادةٍ)) مصدرٌ، وما بعدَهُ جملةٌ
أُرِيدَ بها لفظُها في محلِّ نصبٍ مفعولُ المصدرِ.
[٢٥٢٨٨) (قولُهُ: يَلتحِقُ بالعَقْدِ عندَ "أبي حنيفةً) أي: فيصيرُ بيعُ الوفاءِ كأَنَّه شُرِطَ في العَقْدِ،
فيأتي فيه الخلافُ أنَّه رهنٌ، أو بيعٌ فاسدٌ، أو بيعٌ صحيحٌ في بعضِ الأحكامِ. وقدَّمنا (٦) في البيعِ
الفاسدِ ترجيحَ قولِهما بعَدَمِ التحاقِ الشَّرطِ المتأخِّرِ عن العَقْدِ به.
[٢٥٢٨٩] (قولُهُ: ولِم يَذْكُرْ أَنَّه في مجلسِ العَقْدِ أو بعدَهُ) أي: فَيُعْهَمُ أَنَّه لا يُشترَطُ له المجلسُ، وفي
(١) "الخانية": كتاب البيوع - فصل في الشُّروط المفسدة ١٦٥/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الصَّرف ٣٠٨/٢.
(٣) "المنح": كتاب الإكراه ٣/ق٢٥/ب.
(٤) "الظهيرية": كتاب البيوع - القسم الثاني - الفصل الرابع في البيع بالشَّرط إلخ ق ٢٦٤/ب بتصرف، ولم يذكر فيها أنَّ
هذا قول "أبي حنيفة".
(٥) "البزازية": الفصل الأول في المقدمة - نوعٌ في ألفاظه ٣/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) المقولة [٢٣٥٥١] قوله: ((ولا بَيْعٌ بِشَرطٍ)).

الجزء الخامس عشر
٥٨٥
باب الصَّرف
وفي "البزّازِيَّة"(١): ((ولو باعَهُ لَآخَرَ باتّاً توقُّفَ على إجازةٍ مُشتريهِ وفاءً، ولو باعَهُ
المشتري فللبائعِ أو وَرَتِهِ حَقُّ الاستردادِ)). وأفادَ في "الشُّرُ نبلالَّة"(٢): ((أَنَّ وَرَثَةَ
كلٌّ مِن البائعِ والمشتري تقومُ مَقامَ مُورِّتِها (٣) نظراً لجانبِ الرَّهنِ))، فليُحفَظْ .....
"جامع الفصولين(٤): ((اختلَفَ فيه المشايخُ، والصَّحيحُ أَنَّه لا يُشترَطُ)) اهـ، ومثلُهُ فِي "البرّازِيَّةِ" (٥).
[٢٥٢٩٠) (قولُهُ: ولو باعَهُ) أي: البائعُ. وقولُهُ: ((توقَّفَ إلخ)) أي: على القولِ بأَنَّه رَهنٌ،
وهل يتوقّفُ على بقيّةِ الأقوالِ المارَّةِ؟ محلُ تردُّدٍ.
(٢٥٢٩١) (قولُهُ: فللبائعِ أو وَرَبِهِ حَقُّ الاستردادِ) أي: على القولِ بأَنَّه رهنٌ، وكذا على
القولينِ القائلينِ بأنّه بيعٌ يُفيدُ الانتفاعَ به، فإنَّه لا يَمِلِكُ بِيعَهُ كما قدَّمناهُ(٦).
[٢٥٢٩٢) (قولُهُ: وأفادَ في "الشُّرُ بلالَّة " إلخ) ذكرَهُ بحثاً. وقولُهُ: ((نظراً لجانبِ الرَّهنِ)) يُفيدُ
أَنَّه لا يُخالِفُ ما قدَّمناهُ(٧) عن "ابنِ الشِّلْبِيِّ"، فافهمْ. وهذا البحثُ مُصرَّحٌ به في "البِرّازِيَّةَ(٨)
حيث قال في القولِ الأوَّلِ أَنَّ رَهنٌ حقيقةً: ((باعَ كرمَهُ وفاءً مِن آخَرَ، وباعَهُ المشتري بعدَ قَبْضِهِ
مِن آخَرَ بأَّ وسلَّمَهُ وغابَ فلبائعِ الأوَّلِ استردادُهُ مِن الَّانِي؛ لأنَّ حَقَّ الحبسِ وإِنْ كان للمُرُتِهِنِ
لكنَّ يدَ الثّاني مُبطِلةٌ، فللمالكِ أَخْذُ مِلكِهِ مِن المبطِلِ، فإذا حضَرَ المرتهِنُ أعادَ يدَهُ فيه حتّى يأخُذَ
(١) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الرابع في الفاسد وبيع المبيع قبل قبضه - نوع فيما يتّصلُ بالبيع الفاسد ٤١٤/٤
بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الشرنبلالية": كتاب البيوع - باب الصَّرف ٢٠٧/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) في "د" و"و": ((مورِّته)).
(٤) "جامع الفصولين": الفصل التاسع والثلاثون في المتفرقات في العتق وحرية الأصل ٢٣٦/٢ بتصرف.
(٥) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الرابع في الفاسد وبيع المبيع قبل قبضه - نوع فيما يتصلُ بالبيع الفاسد ٤٠٦/٤
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) المقولة [٢٥٢٨٠] قوله: ((وقيل: بيعٌ يُفيدُ الانتفاعَ به)).
(٧) المقولة [٢٥٢٨٥] قوله: ((ولَزِمَ الوفاءُ به)).
(٨) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الرابع في الفاسد وبيع المبيع قبل قبضه - نوع فيما يتصلُ بالبيع الفاسد ٤ /٤٠٥ - ٤٠٦
(هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
٥٨٦
قسم المعاملات
ولو استأجَرَهُ بائعُهُ لا يَلزَمُهُ الأَجْرُ (١)؛ لأَنَّه رهنٌ حُكماً، حتّى لا يَحِلُّ الانتفاعُ به.
قلتُ: وفي "فتاوى ابنِ الشِّلْبِيِّ))(٢): ((إِنْ صدَرَت الإجارةُ بعدَ قَبْضِ المشتري المبيعَ وفاءً
دَيْنَهُ. وكذا إذا ماتَ البائعُ والمشتري الأَوَّلُ والَّانِي فلوَرَةِ البائعِ الأَوَّلِ الأَخِذُ مِن وَرَثَةِ المشتري
الثّاني، ولوَرتَّةِ المرتِهِنِ إعادةُ يدِهم إلى قَبْضِ دَيِنِهِ)) اهـ.
مطلبٌ: باعَ دارَهُ وفاءً ثُمَّ استاجَرَها
[٢٥٢٩٣] (قولُهُ: لا يَلْزَمُهُ(٣) الأجرُ إلخ) أفتى به في "الحامديَّة"(٤) تَبَعاً لـ "الخيريَّة"، فإنَّه
٢٤٧/٤ قال في "الخيريَّة "(٥): ((ولا تَصِحُّ الإجارةُ المذكورةُ، ولا تَجِبُ فيها الأجرةُ على المفتى به، سواءٌ
كانَتْ بعدَ قَبْضِ المشتري الدّارَ أم قبلَهُ، قال في "النّهاية": سئلَ القاضي الإِمامُ "الحسنُ الماًتُرِيدِيُّ"
عَمَّن باعَ دارَهُ مِن آخَرَ بِثَمَنٍ معلُومٍ بيعَ الوفاءِ وتقابَضا، ثمَّ استأجَرَها مِن المشتري مع شرائطٍ
صحَّةِ الإِجارةِ وقبَضَها ومَضَت المدَّةُ هل يَلزَمُهُ الأجرُ؟ فقال: لا؛ لأَنَّه عندَنَا رَهزٌ، والرّاهنُ إذا
استأجَرَ الرَّهنَ مِن المرتهنِ لا يَجِبُ الأجرُ اهـ. وفي "البزّازِيَّةِ"(٦)؛ فإنْ آخَرَ المبيعَ وفاءً مِن البائعِ فَمَن
جعَلَهُ فاسداً قال: لا تَصِحُّ الإِجارةُ ولا يَجِبُ شيءٌ، ومَن جعَلَهُ رَهناً كذلك، ومَن أجازَهُ جوَّزَ
الإجارةَ مِن البائعِ وغيرِهِ وأوجَبَ الأجرةَ. وإِنْ آجَرَهُ مِن البائعِ قبلَ القَبْضِ أجابَ "صاحبُ
الهداية(٧): أَنَّه لا يَصِحُّ، واستدَلَّ بما لو آجَرَ عبداً اشتراهُ قبلَ قَبْضِهِ أَنَّه لا تَجِبُ الأجرةُ، وهذا في
الباتِّ، فما ظُنُّكَ بالجائزِ؟ اهـ. فعُلِمَ به أنَّ الإِجارةَ قبلَ التَّقابضِ لا تَصِحُّ على قولٍ مِن الأقوالِ
(١) في "ط": ((أجر)).
(٢) في "د" و"ب" و"م": ((ابن الحلبي)) بحاء مهملة، وهو خطأ، وفي "ط" و"و": ((ابن الجلبي)) بجيم معجمة، وتقدمت ترجمة
"فتاوى ابن الشِّلْبي" ٤٦٨/١، وقال الإمام البريلوي في "جد الممتار": ((الصواب: الشلبي، وهو أحمد بن يونس)) ٤/ق ٢٤٠.
(٣) في "م": ((لا يلزم)).
(٤) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الرهن ٢٣١/٢ - ٢٣٢.
(٥) "الفتاوى الخيرية": كتاب البيوع ٢٢٦/١.
(٦) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الرابع في الفاسد وبيع المبيع قبل قبضه - نوع فيما يتصلُ بالبيع الفاسد ٤١٢/٤ - ٤١٣
بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) لم نعثر على النقل في "الهداية"، ولعلّ صاحب "الهداية" ذكره في غيرها من مؤلفاتِهِ.

الجزء الخامس عشر
٥٨٧
باب الصَّرف
ولو للبناء وحدَهُ فهي صحيحةٌ، والأُجرةُ لازمةٌ للبائع طولَ مدَّةِ التّواجُرِ(١)))
انتهى، فتنبّهْ.
قلتُ: وعليه فلو مَضَت المدَّةُ وبقيَ في يدِهِ فأفتى علماءُ الرُّومِ بِلُزُومٍ أجرِ المثلِ،
ويُسُّونَهُ بِيعَ الاستغلالِ. وفي "الدُّرر"(٢): ((صحَّ بيعُ الوفاءِ في العَقارِ استحساناً، واختُلِفَ
في المنقُولِ)). وفي "الملتقط "(٣) و"المنية": ((اختَلَفا أنَّ البيعَ باتٌّ أو وفاءٌ، جدٌّ أو هَزْلٌ
الثَّلاثةِ)) اهـ ما في "الخيريَّة". وفيها أيضاً(٤): ((وأمّا إذا [١٥٨٥/٣/ ب] آجَرَهُ المشتري وفاءً بإذنِ البائعِ
فهو كإذنِ الرّاهنِ للمُرتِهِنِ بذلك، وحُكمُهُ أنَّ الأجرةَ للرّاهنِ. وإنْ كان بغيرِ إذْنِهِ يَتَصدَّقُ بها،
أو يَرُدُّها على الرّاهِنِ المذكُورِ، وهو أولى، صرَّحَ به علماؤنا)) اهـ.
قلتُ: وإذا آجَرَهُ بإذنِهِ يبطُلُ الرَّهنُ كما ذكرَهُ في "حاشيتِهِ على الفصولين"(٥).
[٢٥٢٩٤) (قولُهُ: ولو للبناءِ وحدَهُ) أي: ولو كان البيعُ وفاءً للبناءِ وحدَهُ كالقائمِ في
الأرضِ المحتكرةِ.
[٢٥٢٩٥) (قولُهُ: فهي صحيحةٌ) أي: بناءً على القولِ بجوازِ البيعِ كما عَلِمتَ، فإِنَّه يَمِلِكُ
الانتفاعَ به. وقد عَلِمتَ ترجيحَ القولِ بأَنَّه رَهنٌ، وأَنَّه لا تَصِحُّ إجارتُهُ مِن البائعِ.
[٢٥٢٩٦) (قولُهُ: لازِمَةٌ للبائعِ) اللّمُ بمعنى ((على))، أي: على البائعِ، أو للتَّقويةِ لكونِ العاملِ
اسمَ فاعلٍ، فهي زائدٌ.
[٢٥٢٩٧) (قولُ: وعليه) أي: على القولِ بصحَّةِ الإجارةِ.
[٢٥٢٩٨] (قولُهُ: بُزُومٍ أجرِ المثلِ) هذا مُشكِلٌ، فإِنَّ مَن آجَرَ مِلكَهُ مِدَّةً ثُمَّ انقَضَتْ وبقيَ
المستأجرُ ساكناً لا يَلزَمُهُ أجرٌ إلّ إذا طالَبَهُ المالكُ بالأجرةِ، فإذا سكَنَ بعدَ المطالبةِ يكونُ قَبُولاً
(١) في "ط": ((التآجر)).
(٢) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الصَّرف ٢٠٨/٢.
(٣) "الملتقط": كتاب البيوع - مطلب: كثرة الملح في الشَّحم عيبٌ صـ٢٢٦ - بتصرف.
(٤) "الفتاوى الخيرية": كتاب البيوع ٢٢٦/١.
(٥) "اللآلئ الدرية في الفوائد الخيرية": الفصل الثامن عشر في بيع الوفاء وأحكامه وشرائطه وأقسامه ١٧٣/١ (هامش
"جامع الفصولين").

حاشية ابن عابدين
٥٨٨
قسم المعاملات
فالقولُ(١) لِمُدَّعي الجَدِّ والبَتَاتِ إلّ بقرينةِ الهَزْلِ والوفاءِ)). قلتُ: لكِنَّه ذكَرَ(٢) في
الشَّهاداتِ: ((أنَّ القولَ لِمُدَّعي الوفاءِ استحساناً)) كما سَيَجِيءُ(٢)، فليُحفَظْ ....
للاستئجارِ كما ذكرُوهُ في محلِّهِ. وهذا في المِلكِ الحقيقيِّ، فما ظُّكَ في المبيعِ وفاءًّ مع كونِ
المستأجرِ هو البائعَ؟ نَعَمْ قالوا بُزُومِ الأجرةِ في الوقفِ ومالِ اليتيمِ والمعَدِّ للاستغلالِ، ولعلَّ ما ذكرَهُ
مبنيٌّ على أَنَّه صار مُعَدّاً للاستغلالِ بذلك الإيجارِ كما يُشيرُ إليه قولُهُ: ((ويُسَمُّونَهُ بيعَ
الاستغلالِ))، وفيه نظرٌ، فليُتأمَّلْ. وعلى كلِّ فهذا مبنيٌّ على خلافِ الرّاجحِ كما عَلِمتَ.
[٢٥٢٩٩] (قولُهُ: وَاخْتُلِفَ في المنْقُولِ) قال في "البزّازيَّةَ"(٣) بعدَ كلامٍ: ((ولهذا لم يَصِحَّ بيعُ
الوفاءِ في المنقُولِ، وصحَّ في العَقَارِ باستحسانِ بعضِ المتأخِرِينَ))، ثمَّقال في موضعٍ آخَرَ (٤): ((وفي
"النّوازلِ" جوَّزَ الوفاءَ في المنقُولِ أيضاً)) اهـ. والظّهرُ أنَّ الخلافَ فيه على القولِ بجوازِ البيعِ كما
يُفيدُهُ قولُهُ: ((وصحَّ في العَقارِ إلخ))، أمّا على القولِ بأَنَّه رَهِنٌ فينبغي عَدَمُ الخلافِ في صحَّتِهِ.
[٢٥٣٠٠] (قولُهُ: القولُ لِمُدَّعي الجِدِّ والبَّاتِ) لأَنَّه الأصلُ في العُقُودِ.
[٢٥٣٠١) (قولُهُ: إلّ بقرينةٍ) هي ما يأتي مِن نُقْصانِ الثَّمنِ كثيراً.
[٢٥٣٠٢) (قولُهُ: أنَّ القولَ لِمُدَّعي الوفاءِ) في "جامع الفصولين"(٥) برمزِ شيخِ الإِسلامِ
(قولُهُ: ولعلَّ ما ذكرَهُ مبنيٌّ على أنّه صار مُعَدّاً للاستغلالِ إلخ) لعلَّ وجهَ ما قالوهُ: أَنَّه صار مُعَدّاً
للإيجارِ بالشّراءِ، فإنَّه لا يُقْصَدُ به في بيعِ الوفاءِ إلاّ إعدادُهُ للاستغلالِ، واستغلالُهُ بعدَ ذلك، وبهذا يصيرُ
مُعَدّاً له كما في الشِّراءِ الباتِّ.
(قولُهُ: وصحَّ فِي العَقَارِ) أي: للتَّعاملِ.
(١) في "ط" و"ب" و"م": ((القولُ)).
(٢) انظر "الدر" عند المقولة [٢٧٠٧٤] قوله: ((وفي "الملتقط")).
(٣) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الرابع في الفاسد وبيع المبيع قبل قبضه - نوع فيما يتّصلُ بالبيع الفاسد ٤٠٩/٤
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الرابع في الفاسد وبيع المبيع قبل قبضه - نوع فيما يتّصلُ بالبيع الفاسد ٤١٦/٤
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "جامع الفصولين": الفصل الثامن عشر في بيع الوفاء وأحكامه وشرائطه وأقسامه ١٧٨/١.

الجزء الخامس عشر
٥٨٩
باب الصَّرف
"برهانِ الدِّين": ((ادَّعَى البائعُ وفاءً والمشتري بأنَّا، أو عكَسَا فالقولُ لِمُدَّعي الباتِّ. وكنتُ أُفتي في
الابتداءِ أنَّ القولَ لِمُدَّعي الوفاءِ، وله وجهٌ حسنٌ، إلّ أنَّ أئمَّةَ بُخارى هكذا أجابُوا فوافقتُهم)) اهـ.
مطلبٌ: "قاضي خان" مِن أهلِ التّصحيحِ والتّرجيحِ
وفي "حاشيته" لـ "الرَّمليِّ" بعدَ كلامٍ نقلَهُ عن "الخانَيَّة" وغيرِها قال(١): ((فَظهَرَ
به وبقولِهِ(٢): كنتُ أُفتي إلخ أنَّ المعتمَدَ في المذهبِ أنَّ القولَ لِمُدَّعي الباتِّ مِنهما، وأنَّ البِّنَةَ بَيِّنةُ
مُدَّعي الوفاءِ مِنهما. وقد ذكَرَ المسألةَ في "جواهر الفتاوى"، وذكَرَ فيها اختلافاً كثيراً واختلافَ
تصحيحٍ، ولكنْ عليك بما في "الخانيَّة"، فإنَّ "قاضي خان" مِن أهلِ النَّصحيحِ والتّرجيحِ)) اهـ،
وبهذا أفتى في "الخيريَّة"(٣) أيضاً.
قلتُ: لكنَّ قولَهُ هنا: ((استحساناً)) يقتضي ترجيحَ (٤) مُدَّعي الوفاءِ، فينبغي تقييدُهُ بقيامِ
القرينةِ. ثُمَّ راجعتُ عبارةً "الملتقط"، فرأيتُهُ ذكَرَ الاستحسانَ في مسألةِ الاختلافِ في البِّئَةِ، فإنّه
قال في الشَّهاداتِ(*): ((وإن ادَّعى أحدُهما بيعاً بأنّا والآخَرُ بيعَ الوفاءِ وأقاما البَِّةَ كانوا يُقْتُونَ أنَّ
الباتَّ أَولى، ثمَّ أَفَتَوا أنَّ بيعَ الوفاءِ أَولى، وهذا استحسانٌ)) اهـ. ولا يخفَى أنَّ كلامَ "الشّارحِ" في
الاختلافِ في القولِ، مع أنّه في "الملتقط" قال في البُوعِ(٢): ((ولو قال المشتري: اشتريتُهُ بَّا، وقال
البائعُ: بِعْتُهُ بِيعَ الوفاءِ فالقولُ قولُ مَنْ يدَّعي البناتَ، وكان يفتى فيما مَضَى أَنَّ القولَ قولُ الآخَرِ،
وهو القياسُ)) اهـ. فتحصَّلَ مِن عبارَتَي "الملتقط" أنَّ الاستحسانَ في الاختلافِ في البَِّةِ ترجيحُ بَيِّنِةِ
(١) "اللآلئ الدرية في الفوائد الخيرية": الفصل الثامن عشر في بيع الوفاء وأحكامه وشرائطه وأقسامه ١٧٨/١ بتصرف
(هامش "جامع الفصولين").
(٢) أي: بقول صاحب "جامع الفصولين".
(٣) "الفتاوى الخيرية": كتاب البيوع ٢٢٦/١ - ٢٢٧.
(٤) في "آ": ((ترجيح قول)).
(٥). "الملتقط": كتاب الشهادات - مطلب: إذا ادَّعى أحدهما بيعاً باتاً والآخرُ بيعَ وفاءٍ صـ٣٨٩ -.
(٦) "الملتقط": كتاب البيوع - مطلب: كثرةُ الملح في الشَّحم عيبٌ صـ٢٢٦ -.

حاشية ابن عابدين
٥٩٠
قسم المعاملات
ولو قال البائعُ: بعتُكَ بيعاً باتاً فالقولُ له، إلّ أنْ يدُلَّ على الوفاء بنقصانِ الثّمنِ
كثيراً، إلّ أنْ يَدَّعيَ صاحبُهُ تغيُّرَ السِّعرِ.
الوفاءِ، وفي الاختلافِ في القولِ [٣/ق١/١٥٩] ترجيحُ قولِ مُدَّعي البتاتِ، وهذا الذي حرَّرَهُ "الرَّمليُّ"
فيما مرَّ(١)، فتدبّرْ. وبه ظهَرَ أنَّ ما ذكَرَهُ "الشّارحُ" سَبْقُ قلمٍ، فافهمْ.
[٢٥٣٠٣] (قولُهُ: ولو قال البائعُ إلخ) هذه العبارةُ بعَيْنِها ذكَرَها في "الملتقط" (٢) عَقِبَ عبارتِهِ
التي ذكر ناها عنه في البُوعِ، وهي تُفيدُ تقييدَ(٣) الاستحسانِ - وهو كونُ القولِ لِمُدَّعي البَناتِ - بما
إذا لم تَقُم القرينةُ على خلافِهِ، وهذا مُؤيِّدٌ لِما بحثناهُ آنفاً(٤)، ولكنْ فِي الَّعبيرِ مُساهلةٌ، فإنّه كان
ينبغي أن يقولَ: ولو قال المشتري: اشتريتُ بَّا إلخ؛ لأَنَّه هو الذي يَدَّعي البَّاتَ عندَ نُقصانِ الثَّمنِ
كثيراً بخلافِ البائعِ .
[٢٥٣٠٤) (قولُهُ: إلّ أنْ يدُلَّ على الوفاءِ بُنُقصانِ الثَّمنِ كثيراً) وهو ما لا يَتَغَابنُ فيه الّاسُ،
"جامع الفصولين" (٥).
٢٤٨/٤
قلتُ: وينبغي أنْ يُزَادَ هنا ما مرَّ(٦) في الوعدِ بالوفاءِ بعدَ البيعِ: مِن أَنَّه لو وضَعَ على المالِ
رِيِحاً يكونُ ظاهراً في أَنَّه رَهنٌ، وما قالَهُ "صاحبُ الهداية": ((مِن أنَّ الإقدامَ على الإجارةِ بعدَ البيعِ
دَلَّ على أنَّهما قَصَدًا بالبيعِ الرَّهنَ لا البيعَ)).
[٢٥٣٠٥] (قولُهُ: إلّ أنْ يدَّعيَ) أي: مع (٧) البرهانِ.
(١) في المقولة نفسها.
(٢) "الملتقط": كتاب البيوع - مطلب كثرة الملح في الشحم عيب صـ٢٢٦ -.
(٣) ((تقييد)) ساقطة من "ك" و"آ".
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) "جامع الفصولين": الفصل الثامن عشر في بيع الوفاء وأحكامه وشرائطه وأقسامه ١٧٨/١.
(٦) المقولة [٢٥٢٨٥] قوله: ((ولَزِمَ الوفاءُ به)).
(٧) في "الأصل": ((من البرهان))، وهو تحريف.

الجزء الخامس عشر
٥٩١
باب الصَّرف
وفي "الأشباه"(١) في أواخرِ قاعدةٍ: العادةُ مُحكَّمَةٌ عن "المنية": ((لو دفَعَ غَزْلاً إلى حائكٍ
لَنسُجَهُ بالنّصفِ جوَّزَهُ مشايخُ بُخارى للعُرْفِ)). ثمَّ نقَلَ في آخِرِها عن إجارةٍ
"البزّازِيَّة"(٢): ((أَنَّ به أفتى مشايخُ بَلْخِ وخُوارزم و "أبو عليٌّ النَّسفيُّ" أيضاً))، قال:
((والفتوى على جوابِ "الكتابِ" للطَّحّان(٣)؛ لأنَّه منصُوصٌ عليه، فيَلزَمُ إبطالُ النَّصِّ)).
[٢٥٣٠٦] (قولُهُ: وفي "الأشباه" إلخ) المقصُودُ مِن هذه العبارةِ بيانُ حُكمِ العُرْفِ العامِّ والخاصِّ،
وأنَّ العامَّ مُعتبرٌ ما لم يُخالِفْ نصّاً. وبه يُعلَمُ حُكمُ بيعِ الوفاءِ وبيعِ الخُلُوِّ لابتنائهما على العُرْفِ.
[٢٥٣٠٧] (قولُهُ: بالنّصفِ) أي: نصفِ ما يَنسُجُهُ أجرةً على النَّسجِ.
[٢٥٣٠٨] (قولُهُ: ثمَّ نقَلَ) أي: "صاحبُ الأشباه"(٤).
[٢٥٣٠٩] (قولُهُ: والفتوى على جوابِ "الكتابِ") أي: "المبسوطِ" للإمامِ "محمَّدٍ"، وهو
المسمَّى بـ "الأصل"؛ لأَنَّ مذكُورٌ في صدرِ عبارةِ "الأشباه" (٤)، أفادَهُ "ط " (٥) ..
[٢٥٣١٠) (قولُهُ: للطَّحّانِ) أي: لمسألةٍ قَفِيزِ الطَّحّانِ، وهي - كما في "البزّزِيَّة"(٦) -: ((أنْ
يَستأجِرَ رجلاً لَيَحمِلَ له طعاماً أو يَطحَنَهُ بقَفِيزِ مِنه فالإجارةُ فاسدةٌ، وَيَحِبُ أجرُ المثلِ
لا يُتجاوَزُ به المسمَّى)).
(٢٥٣١١] (قولُهُ: لأَنَّه منصُوصٌ) أي: عَدَمُ الجوازِ منصُوصٌ عليه بالنّهي عن قَفِيزِ الطَّحّانِ(٧)،
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكمة - جهاز البنات إلخ صـ١١٠- بتصرف.
(٢) "البزازية": كتاب الإجارات - الفصل الثاني في صفتها - نوع آخر في إجارة الوقف ٣٥/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) الذي في "الأشباه" و"الفتاوى البزازية": ((لا الطحان))، والظاهر أنّه خطأٌ طباعيّ؛ إذ المراد من قوله: ((الطحان)) ما
ذكره ابن عابدين رحمه الله، وذكر مثله "ط" ١٤٤/٣ فقال: ((فقوله: للطحان أي: جوابه في مسألة الطحان)).
(٤) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكّمةٌ صـ ١١٣- نقلاً عن "البزازية".
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب الصَّرف ١٤٤/٣.
(٦) "البزازية": كتاب الإجارات - الفصل الثاني في صفتها - نوع آخر في إجارة الوقف ٣٥/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) رَوَى عُبِيدُ اللهِ بنُ موسَى عن سُفيانَ النَّوريِّ عن هِشامٍ أبي كُلَيب عن ابنِ أبي نُعْمٍ عن أبي سَعيدٍ الْخُدريِّ قال:
((نُهي عن عَسِيبِ الفَحْلِ، وعن قَفِيزِ الطّحَّانِ)).
=

٠٠
حاشية ابن عابدين
٥٩٢
قسم المعاملات
ودَفْعُ الغَزْلِ إلى حائكٍ في معناهُ. قال "البيري": ((والحاصلُ: أنَّ المشايخَ أربابَ الاختيارِ اختلَفُوا في
الإفتاءِ في ذلك: قال في "العَّبيَّة": قال "أبو اللَّث": النِّسجُ بالتّلثِ والرُّبعِ لا يَجُوزُ عندَ علمائنا،
لكنَّ مشايخَ بَلْخٍ استحسَنوهُ وأجازُوهُ لتعاملِ الّاسِ، قال: وبه نأخُذُ. قال السَّيّدُ "الإِمامُ الشَّهِيدُ":
لا نأخُذُ باستحسانِ مشايخٍ بَلْخٍ، وإنَّما نأخُذُ بقولِ أصحابِنا المتقدِّمِينَ؛ لأنَّ الَّعاملَ في بلدٍ لا يدُلُّ
على الجوازِ ما لم يكنْ على الاستمرارِ مِن الصَّدرِ الأوَّلِ، فيكونُ ذلك دليلاً على تقريرِ النَّبِيَِّ﴿
إيّاهم على ذلك فيكونُ شرعاً مِنه، فإذا لم يكنْ كذلك لا يكونُ فعلُهم حُجَّةً إلاّ إذا كان كذلك
مِن الّاسِ كافَّةً في البلدانِ كلِّها فيكونُ إجماعاً، والإجماعُ حُجَّةٌ، ألا ترَى أَنّهم لو تعاملُوا على بيعٍ
الخمرِ والرِّبا لا يفتى بالحِلِّ؟)) اهـ.
أخرَجَه الدارَ قُطنيُّ ٤٧/٣، وعنه البَيْهَقيُّ ٣٣٩/٥. ثم قال: وَرَواه ابنُ الْمُبارَك عن سفيان كما رَواه عُبِيدُ اللهِ
=
وقال: نُهي اهـ. هكذا رَواه الحسَنُ بنُ عيسَى عن ابنِ المُبارَك به، وقال: ((عَسْبِ الفَرَسِ وقَفِيزِ الطَّحَّانِ))، أخرَجَه
أبو يَعلى (١٠٢٤).
ورَوَاه حِّانُ عن ابنِ المُبارَك بلفظ ((نُهِيَ عن عَسْبِ الفَحْلٍ)) لم يَذْكُرْ قَفِيزَ الطِّحَّانِ، أخرَجَه النِّسَائِيُّ في
"الكُبْرَى" (٤٦٩٤).
وَرَوَى وَكِيعٌ وَأبو نُعيمٍ والفِرِيَائِيُّ عن سفيانَ به دونَ زيادةِ ((قَفِيزِ الطّحّانِ)). أخرَجَه ابنُ أبي شيبةً ٣١٦/٥،
والنسائيُّ في "المُحَبِى" ٣١١/٧، و"الكُبرَى" (٤٦٩٤) و(٦٢٧٠)، والعِجليُّ في "َارِيخِ الثّاتِ" (١٧٣٩). قال الذَّهَبِيُّ:
هذا منكرٌ وَرَجُلُه لا يُعرَفُ. وقال مُغْلَطاي: ثقةٌ. قال ابنُ حجَر: فُيُنظَرُ فيمن وثّقه، ثم وجَدتُه في ثِقَات ابنِ حِبّان اهـ.
وهشامٌ هو ابنُ عائِذٍ بِنِ نُصَيبِ الأَسَدِيُّ: وثّقه ابنُ مَعِين وأحمدُ وأبو داود والعِجليُّ وابنُ حِبّانَ، وقال أبو حاتِمٍ: شيخٌ.
ورَوَاه عطاءُ بنُ السّائِبِ عن عبدِ الرحمنِ بن أبي نُعْمٍ قال: ((نَهى رسولُ اللهِ ﴿ّ عن تَفِيزِ الطَّحّانِ)).
أخرَجِه مُسدَّدٌ في "مسئَدِهِ" كما في "المَطَالِبِ العَالِيةِ" (١٤٢٠) قال: حدّثنا خالدٌ عن عطاء بنِ السّائِبِ ... به.
قال ابنُ حَجَر: هذا مُرسَلٌ حسَنٌ اهـ. مع أنَّ سَماعَ خالدٍ من عطاءِ بعد الاختلاطِ.
ورَوَاه شُعبة عن المُغِيرَةِ بنِ مِقْسَمٍ سَمِعتُ ابن أبي نُعْمٍ سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: ((نَهَى رَسولُ اللهِلَّ عِنْ
كَسْبِ الحَجَّامِ وَثَمَّنِ الكَلْبِ وَعَسْبِ الفَحْلٍ)). أخرَجَه النّسائيُّ في "المُحْتَبَى" ٣١١/٧ و"الكُبرَى" (٤٦٩٣)
و(٦٢٦٩). وقال: وَخَالَفَه - أي المُغِيرَةَ - هِشامٌ أي: أبو كُلَيبٍ.

٥٩٣
باب الصَّرف
الجزء الخامس عشر
وفيها (١) مِن البيعِ الفاسدِ: القولُ السّادسُ في بيعِ الوفاءِ: ((أنّه صحيحٌ لحاجةِ النّاسِ
فِراراً مِن الرِّبًا. وقالوا: ما ضاقَ على النّاسِ أمرٌ إلّ اتَّسَعَ حُكمُهُ))، ثمَّ قال(١):
((والحاصلُ: أنَّ المذهبَ عَدَمُ اعتبارِ العُرْفِ الخاصِّ، ولكنْ أفتى كثيرٌ باعتبارِهِ.
فأقولُ: على اعتبارِهِ ينبغي أنْ يُفتَى بأنَّ ما يقَعُ في بعضِ الأسواقِ مِن خُلُوِّ
الحوانيتِ لازمٌ، ويصيرُ الْخُلُوُّ في الحانوتِ حَقّاً له، فلا يَملِكُ صاحبُ الحانوتِ
إخراجَهُ مِنها ولا إجارتَها لغيرِهِ ولو كانَتْ وقفاً، وكذا أقولُ على اعتبارِ العُرْفِ
الخاصِّ قد تعارَفَ الفقهاءُ النّزُولَ عن الوظائفِ مالِ يُعطَى لصاحِبها، فينبغي الجوازُ،
وأَنَّه لو نزَلَ له وقبَضَ مِنه المبلغَ ثمَّ أرادَ الرُّجوعَ لا يَملِكُ ذلك، ولا حولَ ولا قوَّةً
إلّ باللهِ العليِّ العظيمِ)).
[٢٥٣١٢) (قولُهُ: وفيها) أي: في "البزّازيَّة"، وهو مِن كلامٍ "الأشباه"(٢).
(٢٥٣١٣] (قولُهُ: فِراراً مِن الرِّبا) لأنَّ صاحبَ المالِ لا يُقْرِضُ إلا بنَفْعِ والمستقرِضَ محتاجٌ،
فأجازُوا ذلك لَيَنتَفِعَ الْمُقْرِضُ بالمبيعِ، وتعارَفَهُ النّاسُ، لكنّه مُخالِفٌ؛ للنّهي عن بيعٍ وشرطٍ، فلذا
رجَّحُوا كونَهُ رَهناً.
[٢٥٣١٤] (قولُهُ: فأقولُ: على اعتبارِهِ إلخ) قدَّمنا(٣) الكلامَ على مسألةِ الخُلُوِّ أوَّلَ الْبُوعِ، فراجِعْهُ.
[٢٥٣١٥] (قولُهُ: وكذا أقولُ إلخ) قدَّمنا(٣) أيضاً هناك الكلامَ على هذه المسألةِ، وذكَرنا أيضاً
عن "الحمَويّ": ((أنَّ ما نقلَهُ عن "واقعات الضَّريريِّ" ليس فيه لفظُ الخُلُوِّ)، وبسَطْنا الكلامَ
هناك(٣)، فراجعْهُ، فإنَّه تكفَّلَ بالمقصُود، والحمدُ للهِ ذي الفَضْلِ والجود.
(١) "البزازية": نوع فيما يتصل بالبيع الفاسد ٤٠٨/٤ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادةُ محكّمةٌ - المعتبر في بناء الأحكام العرف
العامّ لا الخاص صـ١١٣ - ١١٤- باختصار.
(٣) المقولة [٢٢٢٧٥] قوله: ((وبُزومٍ خُلُوِّ الْحَوانيتِ)).

حاشية ابن عابدين
٥٩٤
قسم المعاملات
قلتُ: وَأَيَّدَهُ في "زواهر الجواهر" بما في "واقعات الضَّريريِّ"(١): ((رجلٌ في
يدِهِ دُكّانٌ فغابَ، فرفَعَ المتولِّي أمرَهُ للقاضي، فأمرَهُ القاضي بفتحِهِ وإجارتِهِ، ففعَلَ
المتولِّي ذلك وحضَرَ الغائبُ فهو أَولى بدُكّانِهِ، وإنْ كان له خُلُوٌّ فهو أَولى بُخُلُوِّهِ
أيضاً، وله الخيارُ في ذلك: فإنْ شاءَ فسَخَ الإجارةَ وسكَنَ في دُكّانِهِ، وإنْ شاءَ
أجازَها ورجَعَ بُخُلُوِّهِ على المستأجِرِ، ويُؤمَرُ المستأجِرُ بأداءِ ذلك إنْ رَضِيَ به،
وإلّ(٢) يُؤمَرُ بالخروجِ مِن الدُّكّانِ، والله أعلم)) اهـ بلفظِهِ.
انتهى بفضل الله ومنِّه الجزء الخامس عشر
ويليه الجزء السادس عشر
وأوله كتاب الكفالة
(١) في "و": ((الصرصري))، وهو خطأ.
(٢) ((إلا)) ساقطة من "و".

.