Indexed OCR Text

Pages 341-360

الجزء الخامس عشر
٣٣٧
باب الاستحقاق
وفيها فُروعٌ أُخَرُ، فلمتُنظَرْ. وفي "المنظومة الْمُحبِّيَّةَ"(١) مهمَّةٌ مِنها:
له على بائعِهِ الرُّجوعُ
لو مُستَحَقّاً ظهَرَ المبيعُ
إلاّ إذا البائعُ ها هنا ادَّعَى
بالثِّمَنِ الذي له قد دَفَعا
ذلك مِن ذا المشتري بلا مِرا
بأنّه كان قديماً اشتَرَى
شيئاً على تَعميرها .......
لو اشتَرَى حَرابةً وأنفَقا
[٢٤٦٣٨] (قولُهُ: وفيها فُروعٌ أُخَرُ، فَلْتُنظَرْ مِنها: استحقاقُ بعضِ المبيعِ وسيأتي(٢)، ومِنها
مسائلٌ أُخَرُ تقدَّمَت(٣) في فصلِ الفُضُوليِّ.
[٢٤٦٣٩) (قولُهُ: إلّ إذا البائعُ ها هنا ادَّعَى إلخ) أي: فلا يَرجِعُ بالثَّمَنِ؛ لأنَّه لو رجَعَ على
بائعِهِ فهو أيضاً يَرجِعُ عليه، "بزّازِيَّة "(٤). لكنْ هذا ظاهرٌ إذا أَتَّحدَ الثَّمَنُ، فلو زادَ فله الرُّجوعُ
(قولُهُ: فلو زادَ فله الرُّجوعُ إلخ) وكذا إذا نقَصَ، إلاّ أنّه في النُّقصانِ: الرّاجعُ هو البائعُ على المشتري
بمقدارِهِ، وفي الزِّيادةِ: الرّاجعُ هو المشتري على البائعِ بمقدارِها.
(قولُ "الشّارِحِ": لو اشتَرَى حَرَابَةً وَأَنفَقًا إلخ) هذه المسألةُ يُحتمَلُ أنْ يكونَ معناها أنَّ رجلاً اشتَرَى حَرَابَةٌ
فعمَّرَها، وصرَفَ في بنائها مبلغاً عظيماً، فجاءً إنسانٌ واستَحَقَّ الخَرابةَ وما يُنِيَّت به مِن الأحجارِ والأخشابِ وقال في
دعواهُ: اشْتَريْتَها وهي مِلكي، وعمَّرَتَها بحقّي مِن الأخشابِ والأحجارِ، ففي هذه الصُّورةِ يَرجِعُ على البائعِ بِالّمَنِ، ولا
رُجُوعَ له بما صرَفَهُ في البناءِ على بائِهِ ولا على المسْتَحِقِّ، وهذا ما يُشيرُ إليه كلامُ "ط" و "المحشِّي". ويُحتمَلُ أنْ يكونَ
معناها أنَّ رجلاً اشتَرَى خَرَابَةً فِبنَى فيها بأحجارِ وأخشابٍ اشتراها، وصرَفَ في عِمارتِها مبلغاً عظيماً، فلمّا كمَّلَت
عِمارتُها جاءَ رجلٌ يدَّعي أنَّ تلك الدّارَ له، وأنّكِّرَ بُنيانَ المشتري لها، وأَى بِّةٍ شَهِدَت عندَ الحاكمِ أنَّ هذه الدّارَ له
بهذه الصُّورةِ، فقضَى القاضي بها للمستَحِقِّ، فليس للمشتري على البائعِ رُجوعٌ بالَثَّمَنِ ولا بقيمةِ البناءِ وما صرَفَهُ في
التعميرِ؛ لأنَّ الاستحقاقَ ما وَرَدَ على مِلكِ البائعِ، كما لو اشتَرَى ثوباً فقطَعَهُ قميصاً وخاطَهُ، ثُمَّ جاءَ مستَحِقٌّ وَأَثْبَتَ
استحقاقَ القميصِ فالمشتري لا يَرجِعُ بالّمَنِ على البائعِ. اهـ مِن "السِّنديّ". وبهذا يَتَّضِحُ ما قيل هنا، فتأمَّلْ.
(١) "المنظومة المحبية": فصل من كتاب البيع صـ٤٩ - ٥٠ - وترتيب الأبيات فيها مختلف عمَّا ذكره الشارح.
(٢) المقولة [٢٤٦٧١] قوله: ((لم يَرجع بما أنفَقَ)).
(٣) المقولة [٢٣٧٨٧] قوله: (("بزَّازيَّة" وغيرها)).
(٤) "البزازية": كتاب الدعوى - الفصل السادس عشر في الاستحقاق ٤٣٣/٥ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").

٣٣٨
حاشية ابن عابدين
قسم المعاملات
. وطَفِقا
ثُمَّ استَحَقَّ رجلٌ تمامَها
ذاك يُسَوِّي بعدَها(١) آكامَها
على الذي غَدا لتلك بائعا
فالمشتري في ذاك ليس راجعا
بذا الذي كان عليها(٢) أنفَقا
ولا على ذا المُستَحِقِّ مُطلَقا
بالزِّيادةِ كما قالَهُ "ط(٣)، وكذا لو ادَّعَى عليه إقرارَهُ بأنّه اشتراهُ مِنِّي، وهي حيلةٌ لأَمنِ البائعِ غائلةَ
الرَّدِّ بالاستحقاق، وبيانُها: أنْ يُقِرَّ المشتري بأنَّ بائعي قَبْلَ أنْ يَبِيعَهُ مِنِّي اشتراهُ مِنِّي، فحينئذٍ
لا يَرجِعُ بعدَ الاستحقاقِ لِما قُلنا، أمّا لو قال: لا أرجعُ بالثَّمَنِ إِنْ ظَهَرَ الاستحقاقُ فظهَرَ كان له
الرُّجوعُ، ولا يَعمَلُ ما قالَهُ؛ لأنَّ الإِبراءَ لا يَصِحُّ تعليقُهُ بالشَّرطِ كما في "الفتح"(٤).
[٢٤٦٤٠] (قولُهُ: وطَفِقا ذاك) أي: شرَعَ، واسمُ الإشارةِ للمشتري.
[٤١ ٢٤٦] (قولُهُ: آكامَها) بعدِّ الهمزةِ، جمعُ أَكَمَةٍ - مُحرِّكَةٌ -: النَّلُّ.
[٢٤٦٤٢] (قولُهُ: تمامَها) أي: الخَرابةَ وما بَنَاهُ فيها.
(٢٤٦٤٣] (قولُهُ: مُطلَقًا) لم يَظهَر لي المرادُ به، تأمَّلْ.
[٢٤٦٤٤] (قولُهُ: بذا الذي كان عليها (٥) أنفَقا) مُتعلِّقٌ بقولِهِ: ((راجعا)) المقدَّرِ في المعطُوفِ
أو المذكُورِ في المعطُوفِ عليه، ولو قدَّمَ هذا الشَّطَرَ على الذي قبلَهُ لكان أظهَرَ، ويكونُ المرادُ بقولِهِ:
(مُطَقًا)) أَنَّه لا يَرجِعُ على المستَحِقِّ بما أَنفَقَ ولا بِالَّمَنِ، أمّا على البائعِ فلا رُجوعَ بما أنفَقَ فقط،
وَيَرجِعُ بِالَّمَنِ كما صرَّحَ به في "جامع الفصولين" (٦).
ثُمَّ المرادُ بـ((ما أنفَقَ)) قيمةُ البناءِ إنْ كان بنَى فيها، أو أُجرةُ الَّسويةِ ونحوِها كما يَظهَرُ مِمّا
(١) في "المنظومة المحبية": ((بعد ذا)).
(٢) في "ب" و"المحبية": ((عليه))، وما أثبتناه من "د" و"و" و"ط" هو الصواب؛ لعود الضمير على ((خرابة)).
(٣) "ط": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١١٨/٣.
(٤) "الفتح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٨٨/٦.
(٥) في "الأصل": ((عليه)).
(٦) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٧/١.

الجزء الخامس عشر
٣٣٩
باب الاستحقاق
ثمَّ قضَى القاضي على مَن اشتَرَى
وإنْ مبيعٌ مُستَحَقّاً ظهَرا
صُلحاً على شيءٍ له أدّاه
به فصالَحَ الذي ادَّعاه
على الذي قد باعَهُ فاستَبِنِ
يَرجِعُ في ذاك بكلِّ الثَّمَنِ
وفي "المنية": شرَى داراً ..
يأتي(١). ثُمَّ اعَلَمْ أَنّا قدَّمنا(٢) أَنَّه لا يَرجِعُ المشتري على البائعِ بِالثَّمَنِ إذا صار المبيعُ بحالٍ لو كان
غَصْباً لَلَكَهُ كما لو قطَعَ الَّوبَ وخاطَهُ قميصاً فاسْتُحِقَّ القميصُ، أو طحَنَ البُرَّ فاستُحِقَّ الدَّقِيقُ.
وقد اختلَفُوا فيما لو غصَبَ أرضاً وبَنَى فيها أو غرَسَ ما قيمتُهُ أكثرُ مِن قيمةِ الأرضِ: هل يَمِلِكُ
الأرضَ بقيمتِها أم يؤمرُ بالقلعِ والرَّدِّ إلى المالِكِ؟ أَفَتَى المفتي "أبو السُّعودِ" بالّاني، وعليه يَظهَرُ
إطلاقُهم هنا، أمّا على القولِ الأَوَّلِ فُقِيَّدُ المسألةُ بما إذا كان قيمةُ البناءِ أقلَّ، وإلّ كان الاستحقاقُ
وارداً على مِلكِ المشتري، وهو الأرضُ والبناءُ، فلا(٣) رُجوعَ له على البائعِ أصلاً، فتنبّه لذلك.
[٢٤٦٤٥) (قولُهُ: به) أي: بالمبيعِ أو بالاستحقاقِ، وهو متعلّقٌ بقولِهِ: ((قضَى))، والضَّمِيرُ في
قولِهِ: ((فصالَحَ)) عائدٌ على مَن اشتَرَى، و((الذي ادَّعاه)) - وهو المستَحِقُّ - مفعُولُ ((صالَحَ))،
و ((صُلحاً)) مفعولٌ مطلَقٌ، وضميرُ ((له)) عائدٌ على ((الذي)).
[٢٤٦٤٦) (قولُهُ: يَرجِعُ إلخ) أي: لأَنَّه صارَ شارياً للمبيعِ مِن المستَحِقِّ، ومرَّ تمامُ الكلامِ على
ذلك أوائلَ البابِ (٤).
[٢٤٦٤٧] (قولُهُ: شرَى داراً) أي: ولو كان الشِّراءُ فاسداً [٣/ق١٢٥/ب] كما في "جامع
الفصولين (٥) معلّلاً بتحقُّقِ الغُرورِ فيه.
(١) المقولة [٢٤٦٧١] قوله: ((لم يَرجع بما أنفقَ)).
(٢) المقولة [٢٤٥٥٤] قوله: ((ويَثُبُتُ رُجوعُ المشتري على بائعِهِ بالثَّمَنِ إلخ)).
(٣) في "م": ((بلا)).
(٤) المقولة [٢٤٥٥٤] قوله: ((ويَثْبُتُ رُجوعُ المشتري على بائعِهِ بالثَمَنِ إلخ)).
(٥) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٧/١.

٣٤٠
حاشية ابن عابدين
قسم المعاملات
وَبَنَى فيها فاسْتُحِقَّت رجَعَ بالثَّمَنِ وقيمةِ البناءِ مبنيًّ على البائعِ إذا سلَّمَ النّقضَ إليه
یومَ تسلیمِهِ،.
١
[٢٤٦٤٨] (قولُهُ: وَبَنَى فيها) أي: مِن مالِهِ، فلو بَنَى ينقضِها لم يَرجِع بقيمتِهِ كما هو ظاهرٌ،
ولا بما أنفَقَ كما يُعلَمُ مِمّا يأتي(١).
[٢٤٦٤٩] (قولُهُ: فاسْتُحِقَّت) أي: الدّارُ وحدَها دونَ ما بَنَاهُ فيها.
[٢٤٦٥٠] (قولُهُ: وقيمةِ البناءِ مبنيًّاً) أي: يُقَوَّمُ مبنيًّاً فيَرجِعُ بقيمتِهِ، لا مقُلُوعاً، والمرادُ
بالبناءِ ما يمكنُ نقضُهُ وتسليمُهُ كما يأتي(٢)، فلا يَرجِعُ بما أنفَقَ مِن طينٍ ونحوِهِ، ولا بأُجرةِ
الباني ونحوِهِ.
[٢٤٦٥١) (قولُهُ: على البائعِ) ثمَّ هذا البائعُ يَرجِعُ على بائعِهِ بالثَّمَنِ فقط لا بقيمةِ البناءِ عندَه،
وعندَهما يَرجِعُ بقيمةِ البناءِ، "ذخيرة".
[٢٤٦٥٢) (قولُهُ: إذا سلَّمَ النّقضَ إليه) ظاهرُهُ أَنَّه يَرجِعُ بعدَما كلَّفَهُ المسْتَحِقُّ الهدمَ فهدَمَهُ
والبائعُ غائبٌ، ثمَّ سلَّمَ نِقْضَهُ إلى البائعِ، وذكَرَ في "الخانَيَّة"(٣) عن "ظاهر الرِّواية": ((أَنَّه لا
يَرجِعُ عليه إلاّ إذا سلَّمَهُ البناءَ قائماً فهدَمَهُ البائعُ))، ثمَّ قال(٣): ((والأوَّلُ أقربُ إلى النّظرِ)).
٢٠٠/١
قلتُ: وعزاهُ في "الذَّخيرة" إلى عامَّةِ الكتبِ.
[٢٤٦٥٣] (قولُهُ: يومَ تسليمِهِ) مُتعلِّقٌ بـ ((قيمةٍ))، فلو سكَنَ فيه وانهدَمَ بعضُهُ أو زادَت
قيمتُهُ يَرجِعُ عليه بقيمةِ البناءِ يومَ التَّسليمِ كما بسَطَهُ في "جامع الفصولين"(٤)، ونقلناهُ في آخِرٍ
المرابحةِ(٥) عن "الخانَيَّة".
(١) المقولة [٢٤٦٥٧] قوله: ((لأنَّ الحكمَ إلخ)).
(٢) المقولة [٢٤٦٦٦] قوله: ((بقيمة ما يمكنُ نقضُهُ وتسليمُهُ)).
(٣) "الخانية": كتاب البيوع - باب الخيار - فصل في مسائل الغرور ٢٣٠/٢ - ٢٣١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) انظر "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٧/١.
(٥) المقولة [٢٤١٠٣] قوله: ((وفي كفالةِ "الأشباه" إلخ)).

الجزء الخامس عشر
٣٤١
باب الاستحقاق
وإنْ لم يُسلِّم فبالثّمَنِ لا غيرَ كما لو استُحِقّت بجميعِ بِنائها؛ لِما تقرَّرَ أنَّ
الاستحقاقَ متى ورَدَ على مِلكِ المشتري لا يُوجِبُ الرُّجوعَ على البائعِ بقيمةِ البناءِ
مثلاً. ولو حفَرَ بئراً، أو نقّى البالُوعةَ، أو رَمَّ مِن الدّارِ شيئاً ثمَّ اسْتُحِقّت لم يُرجِع بشيءٍ
على البائع؛ لأنَّ الحكمَ يُوجِبُ الرُّجوعَ بالقيمةِ لا بالنّفَقةِ.
[٢٤٦٥٤) (قولُهُ: فبالنَّمَنِ لا غيرَ) وعندَ البعضِ له إمساكُ النّقضِ والرُّجوعُ بنُقصائِهِ أيضاً
كما في "الذَّخيرة".
[٢٤٦٥٥) (قولُهُ: كما لو استُحِقَّت بجميعٍ بِنائها) أي: فإنّه يَرجِعُ بالثَّمَنِ لا غيرَ، وهذه مسألةُ
الخَرابةِ السّابقةُ(١).
[٢٤٦٥٦] (قولُهُ: لِما تقرَّرَ إلخ) قال في "جامع الفصولين"(٢): ((لأنَّ الاستحقاقَ إذا ورَدَ
على مِلكِ المشتري لا يُوجِبُ الرُّجوعَ على البائعِ، والبناءُ مِلكُ المشتري فلا يَرجِعُ به؛ ولأَنَّه لَمّا
اسْتُحِقَّ الكلُّ لا يَقدِرُ المشتري أنْ يُسلِّمَ البناءَ إلى البائعِ، وقد مرَّ أنَّه لا يَرجِعُ بقيمةِ بنائِهِ ما لم
يُسلِّمْهُ إلى البائعِ)) اهـ.
[٢٤٦٥٧) (قولُهُ: لأنَّ الحكمَ إلخ) أي: حكمَ القاضي بالاستحقاقِ يُوجِبُ الرُّجوعَ بالقيمةِ،
أي: بقيمةِ ما يمكنُ نَقْضُهُ وتسليمُهُ كما يأتي(٣)، لا بالنَّفَعَةِ، أي: لا بما أَنفَقَهُ، وهو هنا أُجِرَةُ الحفرِ
والّرميمِ بطينٍ ونحوِهِ مِمّا لا يمكنُ نَقْضُهُ وتسليمُهُ، وأفادَ أَنَّه لا فرقَ بينَ أنْ يُستَحَقَّ لجهةِ وقفٍ
أو مِلكٍ، وعبارةُ "الشّارحِ" آخِرَ كتابِ الوقفِ تُوهِمُ خلاقَهُ، وقدَّمنا الكلامَ عليها هناك (٤).
(قولُ "الشّارحِ": أو رَمَّ مِن الدّارِ شيئاً) أي: بأحجارِها.
(قولُ "الشّارحِ": لم يَرجِع بشيءٍ على البائعِ) أي: مِن نَفقةِ ما عَمِلَ فيها.
(١) صـ٣٣٧ - وما بعدها "در".
(٢) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٧/١.
(٣) المقولة [٢٤٦٦٦] قوله: ((بقيمةِ ما يمكنُ نقضُهُ وتسليمُهُ)).
(٤) انظر ٨٤٣/١٣ وما بعدها "در".

حاشية ابن عابدين
٣٤٢
قسم المعاملات
كما في مسألةِ الخَرابةِ، حتّى لو كَتَبَ في الصَّكِّ: فما أنفَقَ المشتري فيها مِن نفقةٍ،
أو رَّ فيها مِن مَرَمَّةٍ فعَلَى البائعِ يفسُدُ البيعُ، ولو حفَرَ بثراً وطَواها يَرجِعُ بقيمةِ الطَيِّ
لا بقيمةِ الحفر، فلو(١) شَرَطاهُ فسَدَ، وكذا لو حفَرَ ساقيةً، إنْ قنطَرَ عليها رجَعَ بقيمةٍ
بناءِ القَنطَرةِ لا بنفَقةِ حَفرِ السّاقيةِ، وبالجملةِ فإنّما يَرجِعُ إذا بَنَى فيها أو غرَسَ بقيمةِ ما
يمكنُ نقضُهُ وتسليمُهُ إلى البائعِ،
[٢٤٦٥٨] (قولُهُ: كما في مسألةِ الخَرابةِ) أي: المتقدِّمةِ(٢) في النّظم، وهذا تشبةٌ لقولِهِ: ((لا بالنَّفَقَةِ))
إنْ كان لم يَيْنِ في الَخَرابةِ، وإنْ كان بَنَى فيها فهو تمثيلٌ لقولِهِ: ((كما لو استُحِقَّت إلخ)).
[٢٤٦٥٩] (قولُهُ: حَتّى لو كَتَبَ في الصَّكِّ) أي: صَكِّ عقدِ البيعِ، وهو تفريعٌ على قولِهِ:
((لا بالنَّفَقةِ)).
[٢٤٦٦٠) (قولُهُ: فعلَى البائعِ) أي: إذا ظهَرَت مستَحَقَّةً، "ط)"(٣).
[٢٤٦٦١) (قولُهُ: يفسُدُ البيعُ) لأَنَّه شرطٌ فاسدٌ لا يَقتضيهِ العقدُ ولا يلائمُهُ، "ط"(٣).
[٢٤٦٦٢) (قولُهُ: وطَواها) أي: بَناها بحجرٍ أو آجُرِّ.
[٢٤٦٦٣] (قولُهُ: لا بقيمةِ الحفرِ) كذا في "جامع الفصولين (٤)، والأَظهَرُ التّعبيرُ بنفقَةِ الحفر؛
لأنَّ الحفرَ غيرُ مُتْقَوِّمٍ.
[٢٤٦٦٤) (قولُهُ: فلو شَرَطاهُ) أي: الرُّجوعَ بنفقَةِ الحفرِ.
[٢٤٦٦٥] (قولُهُ: وبالجملةِ) أي: وأقولُ قولاً مُلتبساً بالجملةِ، أي: مُشتمِلاً على جملةِ ما تقرَّرَ.
[٢٤٦٦٦] (قولُهُ: بقيمةِ ما يمكنُ نقضُهُ وتسليمُهُ) أي: بعدَ أنْ يُسلِّمَهُ للبائعِ كما مرَّ(٥)، وهذا
(قولُ "الشّارحِ": وكذا لو حفَرَ ساقيةٌ) هي المُسَّةُ كما هو عُرْفُ الشّامِ، لا السّاقيةُ المشهُورةُ مصرَ.
(١) في "د" و"و": ((فإذا)).
(٢) صـ٣٣٧ - وما بعدها "در".
(٣) "ط": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١١٨/٣.
(٤) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٧/١.
(٥) المقولة [٢٤٦٥٦] قوله: ((لما تقرَّرَ إلخ)).

الجزء الخامس عشر
٣٤٣
باب الاستحقاق
إنْ لم يكنْ عالِماً بأنَّ البائعَ غاصبٌ، فلو عَلِمَ لم يَرجِع؛ لأنَّه مُغتَرٌّ لا مَغرُورٌ، "بزّازِيَّة"(١). ولو قال
البائعُ: بعتُها مبنيّةً، وقال المشتري: أنا بنيتُها فأرجِعُ عليك فالقولُ للبائعِ؛ لأَنَّه منكِرٌ حَقَّ الرُّجوعِ.
ولو أخَذَ داراً بشُفْعِةٍ فَبَنَى ثُمَّ اسْتُحِقَّ مِنه رجَعَ على المشتري بِثَمَنِهِ لا بقيمةِ بنائِهِ؛ لأَنَّه أخَذَها برأيهِ،
"جامع الفصولين"(٢)، وفيه (٣): ((لو أضرَّ الزَّرعُ بالأرضِ فللمستَحِقِّ أنْ يُضمِّنَهُ؛ للنُّقْصانِ، ولا
يَرجِعُ المشتري على بائعِهِ إلّ بالثَّمَنِ)).
(تنبيةٌ)
نَظَمَ في "المحبّة"(٤) مسألةً أُخرَى، وعزاها شارحُها سيِّدي "عبدُ الغنيِّ النأبُسيُّ" (٥) إلى
"جامع الفتاوى"(٦)، وهي: رجلٌ اشتَرَى كَرْماً فقَبَضَهُ وَتَصرَّفَ فيه ثلاثَ سنين، ثمَّ اسْتَحَقَّهُ رجلٌ
وبَرِهَنَ وأَخَذَهُ بقضاءِ القاضي، ثمَّ طَلَبَ الغَلَّةَ التِي أَتَفَها المشتري، هل يَجُوزُ رَدُّهُ أم لا؟ الجوابُ
فيه: يُوضَعُ مِن الغَلَّةِ مقدارُ ما أنفَقَ فِي عِمارةِ الكَرْمِ، مِن قَطْعِ الكَرْمِ، وإصلاحِ السَّواقي، وبُنيانِ
الحيطان، ومَرَمَّتِهِ، وما فضَلَ مِن ذلك يأخُذُهُ المسْتَحِقُّ مِن المشتري اهـ. وبه أفْتَى في "الحامديَّةَ"(٧).
أيضاً، وعزاهُ إلى "جامع الفتاوى"، وقال: ((ويمثلِهِ أفْتَى الشَّيخُ " خيرُ الدِّين" في فتاواهُ(٨)، وأيضاً
"أبو السُّعودِ" أفندي مفتي السَّلطنَةِ نقلاً عن "التّوفيق"(٩) كما في صُوَرِ المسائلِ [٣/ق١/١٢٦) مِنْ
الاستحقاق، ونقلَهُ "الأَنْقِرَويُّ" في فتاواهُ(١٠))) اهـ.
(١) "البزازية": كتاب الدعوى - الفصل السادس عشر في الاستحقاق ٤٣٦/٥ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٣/١ بتصرف.
(٣) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٨/١.
(٤) "المنظومة المحبية": فصل من كتاب البيع صـ ٥٠ -.
(٥) لم يُذْكَر في ترجمة سيدي عبد الغني النابلسي أن له شرحاً على "المحبية".
(٦) لم نعثر على المسألة في مظانها من مخطوطة "جامع الفتاوى" للحميدي التي بين أيدينا.
(٧) انظر العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ٢٧٤/١.
(٨) "الفتاوى الخيرية": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ٢٤٢/١، نقلاً عن "مجمع الفتاوى" عن "جامع الفتاوى".
(٩) لعله "توفيق العناية في شرح الوقاية"، وهو لجُنَيد بن سَنْدَل، زين الدين البغدادي. ("كشف الظنون" ٥٠٨/١،
٢٠٢٠/٢ - ٢٠٢١، "هدية العارفين" ٢٥٨/١).
(١٠) "الفتاوى الأنقِرَوية": كتاب البيوع - فصل في الاستحقاق ٣٢٤/١.

حاشية ابن عابدين
٣٤٤
قسم المعاملات
فلا يَرجِعُ بقيمةِ حِصَّ وطينٍ(١)، وتمامُهُ في الفصلِ الخامسَ عَشَر مِن "الفصولين"،
وفيه (٢): ((شَرَى كَرْماً فاستُحِقَّ نصفُهُ له رَدُّ الباقي
قلتُ: وهذا مُشكِلٌ؛ لأنّه مثلُ قيمةِ الحِصِّ والطِّينِ، فلا يَرجِعُ به على البائعِ ولا على
المسْتَحِقِّ؛ لأنَّ زوائدَ المغصُوبِ مَتَّصلةً أو منفصلةً تُضمَنُ بالاستهلاكِ والغَلَّةُ مِنهما، ولعلَّ وجهَهُ أَنَّه
إذا اقْتَطَعَ مِن الغَلَّةِ ما أنفقَهُ لم يكنْ رُجوعاً مِن كلِّ وجهٍ؛ لأنَّ الغَلَّةَ إِنَّمَا نَمَت وصلَحَت بإنفاقِهِ
كما في الإنفاق على الدّابَّةِ كما يأتي(٣)، لكنْ كان الأوفَقُ الرُّجوعَ على البائعِ؛ لأَنّهَ غَرَّ المشتريَ في
ضِمِنٍ عقدِ البيعِ، ولا صُنْعَ للمستَحِقِّ في ذلك، فليُتْأمَّلْ.
[٢٤٦٦٧) (قولُهُ: في الفصلِ الخامسَ عَشَر) صوابُهُ السّادسَ عَشَرَ(٤).
[٢٤٦٦٨] (قولُهُ: له رَدُّ الباقي) لعيبِ الشِّرْكةِ.
(قولُ "الشّارحِ": فلا يَرجِعُ بقيمةِ حِصِّ وطينٍ) هذا إنَّما يَظهَرُ إذا نقَضَ وسلَّمَ، لا فيما إذا سلَّمَ إلى البائع
مبنّاً؛ لأَنَّه يَرجِعُ بقيمتِهِ مبنياًبما فيه مِن حِصِّ وطينٍ، بل لا يَظهَرُ أيضاً فيما إذا دفَعَ النّقضَ؛ لأَنَّه بعدَ دفعِهِ يُرجِعُ
بقيمتِهِ مبنياً. اهـ "ط". وقد يقال: المرادُ أَنَّه حصَّصَ الدّارَ أو طَّها بدونِ بناءٍ.
(قولُهُ: وهذا مُشكِلٌ) تُوجَّهُ المسألةُ بما يَندفِعُ به الإشكالُ بأنَّ الغَلَّةَ حصَّلَت بشيئينِ وهما: الكَرْمُ
وما أنفَقَهُ في العِمارة إلخ، فُتُوزَّعُ عليهما، فَيَسقُطُ عن المشتري ما قابَلَ نفقَتَهُ، وَيَجِبُ عليه ما قابَلَ الكَرْمَ
مِن الزِّيادةِ الحاصلةِ بسبِهِ توزيعاً على كلٍّ مِن السَّبينِ ما له مِن الزِّيادةِ.
(قولُهُ: لأنَّ زوائدَ المغصُوبِ إلخ) لا دَخْلَ لهذا النَّعليلِ فيما قبلَهُ كما هو ظاهرٌ.
(قولُهُ: لكنْ كان الأوفَقُ الرُّجوعَ على البائعِ إلخ) لا يَظهَرُ وجهٌ للرُّجوعِ على البائعِ بِالنَّفْقَةِ وإِنْ
حصَلَ مِنه تَغْرِيرٌ، نَعَمْ لو أحدَثَ بناءً يَرجِعُ بقيمتِهِ مبنّاً إنْ كان بأنقاضٍ مِنه.
(١) في "و": ((أو طين)).
(٢) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٩/١.
(٣) المقولة [٢٤٦٧١] قوله: ((لم يَرجِع بما أَنفَقَ)).
(٤) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٧/١.

الجزء الخامس عشر
٣٤٥
باب الاستحقاق
إِنْ لم يَتَغَيَّرْ في يدِهِ ولم يأكُلْ مِن ثَمَرِهِ)). ولو شرَى أرضَينِ فاستُحِقَّت إحداهما: إنْ
قَبْلَ الْقَبْضِ خُيِّرَ المشتري، وإن بعدَهُ لَزِمَهُ غيرُ المسْتَحَقِّ بحصَّتِهِ مِن الْثّمَنِ بلا خِيارٍ . ...
[٢٤٦٦٩] (قولُهُ: إنْ لم يَتَغَيَّرْ إلخ) لأنَّ ذلك مانعٌ مِن الرَّدِّ بالعيبِ.
[٢٤٦٧٠] (قولُهُ: ولو شرَى أرضَينِ إلخ) قال في "جامع الفصولين"(١): ((استُحِقَّ بعضُ
المبيعِ، فلو لم يُمَّز إلّ بضررٍ كدارٍ، وكَرْمٍ، وأرضٍ، وزَوجَي خُفِّ، ومِصراعَي بابٍ، وقِنِّ يَتخيّرُ
المشتري وإلّ فلا كثوبَينِ(٢)؛ لأنَّ منفعةَ الدّارِ يَتَعلَّقُ بعضُها ببعضٍ، ومنفعةُ الَّوبِ لا تَتَعلَّقُ بمنفعةٍ
ثوبٍ آخَرَ)) اهـ. وهذا إذا كان بعدَ القَبْضِ، ولذا قال بعدَه (٣): ((ولو استُحِقَّ بعضُ المبيعِ قبلَ
قبضِهِ بِطَلَ البيعُ فِي قَدْرِ المسْتَحَقِّ، وَيُخَيَّرُ المشتري في الباقي كما مرَّ سواءٌ أَورَثَ الاستحقاقُ عَيْباً
في الباقي أو لا؛ لتَفَرُّقِ الصَّفْقةِ قبلَ التَّمامِ، وكذا لو استُحِقَّ بعدَ قَبْضِ [بعضِهِ](٤) سواءٌ استُحِقَّ
المقبُوضُ أو غيرُهُ يُخيَُّ كما مرَّلِما مرَّ مِن الَّفُرُّقِ، ولو قُبِضَ كلُّهُ فاستُحِقَّ بعضُهُ بِطَلَ البيعُ
بِقَدْرِهِ، ثُمَّ لو أَورَثَ الاستحقاقُ عَيباً فيما بقيَ يُخَّرُ المشتري كما مرَّ، ولولم يُورِث عَيباً فيه
كثوبَينِ أو قِّينِ استُحِقَّ أحدُهما، أو كيليٍّ أو وزنيِّ استُحِقَّ بعضُهُ، أو لا (٥) يَضُرُّ تبعيضُهُ
فالمشتري يأخُذُ الباقي بلا خِيارٍ)) اهـ. وتقدَّمَ (٦) تمامُ الكلامِ على ذلك في خِيارِ العيبِ.
(قولُهُ: لو استُحِقَّ بعدَ قبضِهِ إلخ) عبارةُ "الفصولين": ((بعدَ قبضِ بعضِهِ إلخ)).
(قولُهُ: أو لا يَضُرُّ تبعيضُهُ إلخ) عبارةُ "الأصل": ((إذ لا يَضُرُّ إلخ)).
(١) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٩/١.
(٢) عبارة "الفصولين": ((وإلّ فلا، فليس كثوبين)).
(٣) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٩/١.
(٤) ما بين منكسرين من عبارة "الفصولين" ١٥٩/١، وقد نبّه عليه الرافعي رحمه الله.
(٥) عبارة "الفصولين": ((إذْ لا يضرُّ تبعيضُهُ))، كما أشار إليه الرافعيُّ رحمه الله.
(٦) ٤٨٠/١٤ "در" وما بعدها.

حاشية ابن عابدين
٣٤٦
قسم المعاملات
ولو اسْتُحِقَّ العبدُ أو البقرةُ لم يَرجِع بما أنفَقَ، ولو استُحِقَّ ثيابُ القِنِّ أو بَرِذَعَةُ(١)
الحمارِ لم يَرجِع بشيءٍ، وكلُّ شيءٍ يَدخُلُ في البيعِ تَبَعاً لا حصَّةً له مِن الثَّمَنِ، ولكنْ
يُخيّرُ المشتري فيه، "قنية" (٢)
٢٠١/٤
[٢٤٦٧١] (قولُهُ: لم يَرجِع بما أنفَقَ) أي: لم يَرجِع المشتري على البائعِ، "قُنية (٣)، وفيها (٤) أيضاً:
((اشتَرَى إِيلاً مَهازيلَ فعلَفَها حتّى سَمِنَت ثمَّ استُحِقَّت لا يَرجِع على البائعِ بما أنفقَهُ وبالعَلفِ))،
ونقَلَ في "الحامديَّة"(٥) بعدَه عن "القاعديّة"(٦): ((اشتَرَى بقرةً وسمَّنَها ثمَّ اسْتُحِقَّت، فإِنَّه يَرجِعُ على
بائعِهِ بما زادَ، كما لوِ اشْتَرَى داراً وَنَى فيها ثُمَّ اسْتُحِقَّت)) اهـ. وهذا يناسبُ مسألةَ الكَرْمِ المارَّةَ
آنفً(٧)، لكنْ يفيدُ أنْ يكونَ الرُّجوعُ على البائعِ كما قُلنا، وما ذكرَهُ في "القنية" مِن عَدَمِ الرُّجوعِ
هنا أظهَرُ، والفَرْقُ بينَ التَّسْمِينِ والبناءِ ظاهرٌ مِمّا مَرَّ(٨)، فلذا مَشَى عليه "الشّارحُ".
(٢٤٦٧٢] (قولُهُ: ولو استُحِقَّ ثيابُ القِنِّ إلخ) في "جامع الفصولين"(٩): ((شرَى أرضاً فيها
أشجارٌ حَتّى دخَلَت بلا ذكرٍ فاسْتُحِقَّتِ الأشجارُ، قيل: لا حصَّةَ لها مِن الثَّمَنِ كنوبِ قِنِّ وبَرِدَعَةِ
حمار، فإنَّ ما يَدخُلُ تَبَعاً لا حصَّةَ له مِن الثَّمَنِ، وقيل: الرِّوايةُ أَنّه يَرجِعُ بحصَّةِ الأشجارِ، والفرقُ
(قولُهُ: ونقَلَ في "الحامديَّة" بعدَه عن "القاعدَّة": اشتَرَى بقرةً إلخ) ما في "الحامديَّة" لا يُخالِفُ ما في
"القنية"، فإنَّ الأوَّلَ في نفيِ الرُّجوعِ بِالنَّفَقَةِ، وَالثّانِيَ في الرُّجوعِ بالِّيادةِ على البائعِ كالرُّجوعِ بقيمةِ البناءِ، ولا
فرق حينئذٍ بينهما.
(١) في "ط": ((برزعة)) بالزاي، وهو خطأ، وفي "د" و"و": ((بردعة)) بالدال المهملة، وهي بالدال والذال: الحلْسُ
الذي يُلْقَى تحت الرَّحْل. انظر "اللسان" مادة ((بردع))، ((برذع)).
(٢) "القنية": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ق ١١٠/ب، نقلاً عن مجد الدِّين الترجمانيّ، وبرهان الدّين صاحب "المحيط"،
ورمزٍ آخرَ لم يتبين لنا المراد منه.
(٣) "القنية": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ق ١١٠/ب، نقلاً عن محد الأئمة الترجماني.
(٤) "القنية": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ق١١٠/ب، نقلاً عن (س) وهو رمزٌ لـ بهاء الدين الإسبيجابي وإسماعيل المتكلم.
(٥) لم نعثر على النقل في "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية".
(٦) هي "الفتاوى القاعدية" للقاعِدِيِّ الحُجَندي، وتقدمت ترجمتها ٢٩٣/٨.
(٧) المقولة [٢٤٦٦٦] قوله: ((بقيمةِ ما يمكنُ نقضُهُ وتسليمُهُ)).
(٨) في هذه المقولة.
(٩) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٨/١ بتصرف.
١

الجزء الخامس عشر
٣٤٧
باب الاستحقاق
أَنَّها مُركَّةٌ في الأرضِ، فكأنّه اسْتُحِقَّ بعضُ الأرضِ، بخلافِ الّيابِ فالنَّبَعيَّةُ هنا أقلُّ، ولذا كان للبائعِ
أنْ يُعطيَ غيرَها لو كانت ثيابَ مِثِهِ))، ثُمَّ قال(١): ((أَقولُ: في الشَّجَرِ وكلِّ ما يَدخُلُ تَبَعاً إذا
اسْتُحِقَّ بعدَ القبضِ ينبغي أنْ يكونَ له حصَّةٌ مِن الثَّمَنِ)) اهـ.
قلتُ: ويدُلُّ له ما نُقِلَ عن "شرح الإِسْيجابيّ)(٢): ((الأوصافُ لا قِسْطَ لها مِن الَّمَنِ إلّ إذا
ورَدَ عليها القبضُ، والأوصافُ: ما يَدخُلُ في البيعِ بلا ذكرٍ كبناءٍ، وشجرٍ في أرضٍ، وأطرافٍ في
حَيَوانِ، وجَودةٍ في الكيليِّ والوزنيِّ. وعن "فتاوى رشيدِ الدَّين)"(٣): البناءُ وإِنْ كَان تَبَعاً إذا لم يُذكَر في
الشّراءِ لكنْ إذا قُبِضَ يصيرُ مقصُوداً ويصيرُ له حصَّةٌ مِن الثَّمَنِ)) اهـ. وفي "الخالَّةُ"(٤): ((وضَعَ "محمَّدٌ"
رحِمَهُ اللهُ تعالى أصلاً: كلُّ شيءٍ إذا بعَنَهُ وحدَهُ لا يَجُوزُ بيعُهُ وإذا بعَنَهُ مع غيرِهِ جازَ، فإذا استُحِقَّ
ذلك الشَّيءُ قبلَ القبضِ كان المشتري بالخيار: إنْ شاءَ أخَذَ الباقيَ بجميعِ الثَّمَنِ، وإِنْ شاءَ ترَكَ. وكلُّ
شيءٍ إذا بعنَهُ وحدَهُ يَجُوزُ بِيعُهُ، فإذا بعَنَهُ مع غيرِهِ فاستُحِقَّ كان له حصَّةٌ مِن الَّمَنِ)) اهـ.
قلتُ: فصار الحاصلُ أنَّ ما يَدخُلُ في البيع تَبَعاً إذا استُحِقَّ بعدَ القبضِ كان له حصَّةٌ مِن
الَّمَنِ، فَيَرجِعُ على البائعِ بحصَّتِهِ، وإن استُحِقَّ قبلَ القبضِ: فإنْ كان لا يَجُوزُ بيعُهُ وحدَهُ [٣/ ق ١٢٦ /ب]
كالشِّربِ فلا حصَّةً له مِن الثَّمَنِ، فلا يَرجِعُ بشيءٍ، بل يُخَّرُ بينَ الأخذِ بكلِّ الَّمَنِ والتَّرِكِ، وإِنْ
جازَ بيعُهُ وحدَهُ كالشَّجَرِ وثوبِ القِنِّ كان له حصَّةٌ مِن الثَّمَنِ، فَيَرجِعُ بها على البائعِ، وهذا إِذا لم
يُذكَرْ في البيعِ؛ لِما في "جامع الفصولين" (٥): ((إذا ذُكِرَ البناءُ والشَّجَرُ كانا مبيعَينِ قصداً لا تَبَعاً،
(قولُهُ: لِما في "جامع الفصولين": إذا ذُكِرَ البناءُ والشَّجَرُ إلخ) عبارتُهُ مِن الفصلِ السّادسَ عَشَر: ((وهذا
لو لم يُذْكَرِ الّيابُ والشَّجَرُ في البيعِ حَتّى دَخَلا تَبَعاً، أمّا لو ذُكِرا كانا مبيعَينِ قصداً لا تَبَعاً، حَتّى لو فاتا قبلَ
القبضِ بآفةٍ سماويَّةٍ تَسقُطُ حصُّهِمَا مِن الثَّمَنِ، كذا في "فصط ) (٦).
(١) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٨/١.
(٢) هو شرح القاضي أبي النصر الإسبيجابي (ت حدود ٤٨٠ هـ) على "الجامع الصغير"، وانظر تعليقنا المتقدم ٤٨٧/١.
(٣) تقدمت ترجمتها ٥٠٣/١٣.
(٤) "الخانية": كتاب البيوع - باب الخيار - فصل في الاستحقاق ودعوى الحرية ٢٢٧/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٨/١، وذَكَرَ تمامَ العبارة الرافعيُّ رحمه الله.
(٦) أي: "فتاوى صاحب المحيط" كما في شرح رموز "جامع الفصولين".

حاشية ابن عابدين
٣٤٨
قسم المعاملات
ولو اسْتُحِقَّ مِن يدِ المشتري الأخيرِ كان قضاءً على جميعِ الباعةِ، ولكلِّ أنْ يَرجِعَ على
بائِهِ بِالثَّمَنِ بلا إعادةِ بَيِّنةٍ، لكنْ لا يَرجِعُ قبلَ أنْ يَرجِعَ عليه المشتري عندَ "أبي حنيفةً"،
وقال "أبو يوسف": له أنْ يَرجِعَ، قال: ألا ترَى أنَّ المشتريَ الثّانيَ لو أَبرأَ الأوَّلَ مِن الثَّمَنِ
كان للأوَّلِ الرُّجوعُ، كما لو وُجِدَ العبدُ حُرّاً فلكلِّ الرُّجوعُ قبَلَهُ، "خانيَّةً"(١)،.
حتّى لو فاتا قبلَ القبضِ يأخُذُ الأرضَ بحصَّتِها ولا خِيارَ له، ولو احتَرَقًا أو فَلَعَهما ظالمٌ قبلَ القبضَ يأخُذُها
بجميعِ الثَّمَنِ أو ترَكَ، ولا يأخُذُ بالحصَّةِ، بخلافِ الاستحقاقِ والهلاكِ بعدَ القبضِ، وهو على المشتري)).
(٢٤٦٧٣] (قولُهُ: بلا إعادةِ بِّةٍ) أي: على الاستحقاقِ، وهذا إذا كان الرُّجوعُ عندَ القاضي
الذي حكَمَ بالاستحقاقِ وهو ذاكرٌ لذلك، فلو نَسِيَ أو كان عندَ غيرِهِ لا بُدَّ مِن الإعادةِ كما أفادَهُ
في "جامع الفصولين"(٢).
[٢٤٦٧٤) (قولُهُ: لو أَبرأَ الأَوَّلَ مِن الثَّمَنِ) أي: بأنْ حكَمَ القاضي بالاستحقاقِ، وحكَمَ
للمشتري الأخيرِ بالرُّجوعِ على الأوَّلِ بالَّمَنِ، ثمَّ أَبرأَهُ عنه فللمشتري الأوَّلِ الرُّجوعُ على بائِعِهِ
كما قدَّمهُ "الشّارعُ" أوائلَ البابِ(٣) عن "جامع الفصولين"، ونَقلنا(٤) قبلَهُ عن "الذَّخيرة"
و "جامع الفصولين" أنَّه لو أَبرأَهُ البائعُ عن الثَّمَنِ قبلَ الاستحقاقِ فلا رُجوعَ له بعدَ الاستحقاق؛
لأَنّه لا ثَمَنَ له على بائعِهِ، وكذا لا رُجوعَ لبقيَّةِ الباعةِ.
وفي "خ"(٥): شرَى داراً مع بنائِهِ فاسْتُحِقَّ البناءُ قبلَ قبضِهِ يَأْخُذُ الأرضَ بحصَّتِهِ أو يتِرُكُ، ولوِ اسْتُحِقَّ بعدَ قبضِهِ
يأخُذُ الأرضَ بحصَّتِهِ ولا خِيارَ له، والشَّجَرُ كالبناءِ، ولو احتَرَقا أو قلَعَهما ظالمٌ قبلَ القبضِ يأخُذُهما بجميعِ الثَّمَنِ
أو يتْرُكُ، ولا يأخُذُ بالحصَّةِ، بخلافِ الاستحقاقِ والهلاكِ بعدَ القبضِ هو على المشتري، كذا في "خ"، وهذا
بخلافِ ما في "قصط")).
(١) "الخانية": كتاب البيوع - باب الخيار - فصل في الاستحقاق ودعوى الحرية ٢٣٠/٢ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٢/١.
(٣) صـ ٣٠١ - وما بعدها "در".
(٤) المقولة [٢٤٥٣٤] قوله: ((ما لم يَرجِعْ عليه)).
(٥) أي: "قاضي خان" كما في شرح رموز "جامع الفصولين".

الجزء الخامس عشر
٣٤٩
باب الاستحقاق
لكنْ في "الفصولين" ما يُخالِفُهُ، فتنبّهْ. ولو اشتَرَى عبدً فأعتقَهُ بمال أخَذَهُ مِنه ثمَّ استُحِقَّ
العبدُ لم يَرجِعِ المستَحِقُّ بالمالِ على المعتِقِ. ولو شرَى داراً بعبدٍ وأُخِذَت بالشُّفْعةِ ثُمَّ
اسْتُحِقَّ العبدُ بِطَلَتِ الشُّفْعَةُ، ويأخُذُ البائعُ الدّارَ مِن الشَّمْيعِ لْبُطلانِ البيعِ، واللهُ أَعَلَمُ (١).
[٢٤٦٧٥) (قولُهُ: لكنْ في "الفصولين" ما يُخالِفُهُ) الذي في "جامع الفصولين" (٢) التَّفْرِقَةُ بينَ
الاستحقاقِ المبطِلِ والنّاقلِ كما تقدَّمَ في "المتنِ" أوَّلَ البابِ(٣)، وهذا لا يُخالِفُ المنْقُولَ هنا عن
"أبي حنيفةً"، وإنْ كان مرادُهُ المخالفةَ في مسألةِ الإِبراءِ فلم أرَ فيه مُخالفةً لِما هنا أيضاً، بل فيه النَّفرِقَةُ
بينَ إبراءِ المشتري البائعَ، وبينَ إبراءِ البائعِ المشتريَ كما ذكرناهُ آنفاً(٤) وقدَّمناهُ أوَّلَ البابِ (٥).
(٢٤٦٧٦) (قولُهُ: لم يَرجِعِ المستحِقُّ بالمالِ على المعتِقِ) كذا في "القنية"(٦)، والظّاهرُ أنَّ المرادَ
بالمالِ ما كان مِن كَسْبِ العبدِ؛ لأنَّ غايتَهُ أَنَّ ظهَرَ بالاستحقاقِ أنَّ المعتِقَ غاصبٌ للعبدِ، والغاصبُ
يَمِلِكُ كَسْبَ العبدِ المغصُوبِ، أمّا لو كان المالُ للمولَى مع العبدِ فأعتقَهُ عليه ينبغي أنْ يَتْبُتَ
للمستَحِقِّ الرُّجوعُ به على المعتِقِ، تأمَّلْ.
[٢٤٦٧٧] (قولُهُ: وَأُخِذَت بالشُّفْعِةِ) أي: بقيمةِ العبدِ، أو بعَينِهِ إِنْ وصَلَ إلى الشَّفَيعِ بجهةٍ، "ط )(٧).
[٢٤٦٧٨] (قولُهُ: ويأخُذُ البائعُ الدّارَ مِن الشَّفْعِ) أي: ويَرجِعُ الشَّفيعُ بما دفَعَ مِن قيمةِ العبدِ
على البائعِ.
[٢٤٦٧٩) (قولُ: لبطلانِ البيع) علّةٌ لقولِهِ: ((بطَلَتِ الشُّفْعَةُ)) "ط)(٧)، والتَّعَليلُ بذلك مذكُورٌ في
"القنية"(٨)، وهو صريحٌ في أنَّ الاستحقاقَ في بيعِ المقايضةِ يُطِلُ البيعَ. وفي "جامع الفصولين" (٩):
(١) ((والله أعلم)) ليست في "د" و"و"، وفي " و"زيادة: ((انتهى)).
(٢) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٠/١.
(٣) ص ٢٩٤ - "در".
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) المقولة [٢٤٥٣٩] قوله: ((ولو صالَحَ بشيءٍ إلخ)).
(٦) "القنية": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ق ١١١/أ، نقلاً عن عين الأئمة الكرابيسي.
(٧) "ط": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١١٩/٣.
(٨) "القنية": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ق ١١١/أ.
(٩) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٦٣/١.

حاشية ابن عابدين
٣٥٠
قسم المعاملات
((استحقاقُ بدَلِ المبيعِ يُوجِبُ الرُّجوعَ بعَينِ المبيعِ قائماً وبقيمتِهِ هالِكاً))، وفيه(١) أيضاً: ((إذا
اسْتُحِقَّ أحدُ البدَلَينِ في المقايضةِ وهَلَكَ البدَلُ الآخَرُ تَجِبُ قيمةُ الهالِكِ لا قيمةُ المسْتَحَقِّ؛
لانتقاضِ البيعِ)) اهـ. وفي "حاشيته" لـ "الخير الرَّمليّ (٢): ((هذا يدُلُّ بإطلاقِهِ على ما لو باعَهُ
المقايضُ لغيرِهِ وسلَّمَهُ له، ثمَّ اسْتُحِقَّ بدَلُهُ مِن يدِ المقايضِ، للثّاني أنْ يَرجِعَ بعَينِ المبيعِ على
المشتري مِنه؛ لانتقاضِ البيعِ، ومِن لوازمِهِ رُجوعُهُ إلى مِلكِهِ، فإذا رجَعَ عليه وأخذَهُ مِنْه يَرجِعُ
هو بما دفَعَ لبائعِهِ مِن الثَّمَنِ، وتُسمَعُ دعوى مالِكِ المبيعِ على المشتري بغَيةِ بائعِهِ؛ لدعواهُ المِلكَ
لنفسِهِ، فَيَنتصِبُ خصماً للمدَّعي، وهي واقعةُ الحالِ في مقايضةِ بهِيمٍ بيهِيمٍ وتَقَابَضا، وباعَ
أحدُهما ما في يدِهِ وسلَّمَ فاسْتُحِقَّ مِن مُشتريهٍ، ولم أرَ فيها صريحَ النَّقْلِ غيرَ ما هنا، لكنَّ محرَّدَ
الاستحقاقِ لا يُوجِبُ نقضَ البيعِ وفَسْخَهُ كما مرَّ بيانُهُ)) اهـ ملخَّصاً، وتمامُهُ فيها.
٢٠٢/٤
(خاتمةٌ)
لم أرَ مَن ذَكَرَ ما إذا ورَدَ الاستحقاقُ بعدَ هلاكِ المبيعِ كموتِ الدّابَّةِ مثلاً، وهي واقعةُ
الفتوى، وقد أَجبتُ بأنَّ المستَحِقَّ لا بدَّ له مِن إقامةِ البِّنةِ على قيمتِها يومَ الشِّرَاءِ، فَيَضمَنُ
المشتري القيمةَ، ويَرجِعُ على بائعِهِ بالثَّمَنِ لا بما ضَمِنَ؛ لأنَّ المشتريَ غاصبُ الغاصبِ، وقد
صرَّحُوا في الغصبِ بأنَّ المشتريَ مِن الغاصبِ إذا ضَمِنَ القيمةَ يَرجِعُ على بائعِهِ بالثَّمَنِ؛ لأنَّ رَدَّ
القيمةِ كَرَدِّ العَينِ، واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ.
(١) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٦٣/١.
(٢) "اللآلئ الدرية في الفوائد الخيرية": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٦٣/١ بتصرف
(هامش "جامع الفصولين").

الجزء الخامس عشر
٣٥١
باب السَّم
﴿بَابُ السَّلَمْ﴾
(هو) لغةً: كالسَّلَفِ وزناً ومعَنَّى. وشرعاً: (بَيْعُ آجلٍ) وهو المُسْلَمُ فيه
(بعاجلٍ) وهو رأسُ المالِ.
﴿بَابُ السَّلَمْ﴾
[٣/ ق١/١٢٧] شُروٌ فيما يُشترَطُ فيه قَبْضُ أحدِ العِوَضِينِ أو قَبْضُهما كالصَّرْفِ، وَقُدِّمَ السَّلَمُ
عليه لأَنَّه بمنزلةِ المفردِ مِن المركَّبِ، وخُصَّ باسمِ السَّلَمِ لَتَحقَّقِ إيجابِ الَسليمِ شرعاً فيما صدَقَ
عليه، أعني: تسليمَ رأسِ المالِ، وتمامُّهُ في "النّهر"(١).
[٢٤٦٨٠] (قولُهُ: وَشرعاً) معطُوفٌ على قولهِ: (لغةً)).
[٢٤٦٨١] (قولُهُ: بَيْعُ آجِلٍ بعاجلٍ) كذا عرَّفَهُ في "الفتح"(٢)، واعتَرَضَ على ما في "السِّراج"
و "العناية"(٢): ((مِن أَنَّه أَخْذُ عاجلٍ بآحِلٍ)): ((بأنّه غيرُ صحيحٍ؛ لصِدقِهِ على البيعِ بِثَمنٍ مُؤخَّلٍ)).
وفي "غاية البيان": ((أَنَّه تحريفٌ مِن النِّسّاخِ))، وأجابَ في "البحر"(٤): ((بأَنَّه مِن بابِ القَلْبِ،
والأصلُ: أَخْذُ آجِلٍ بِعاجلٍ)).
قلتُ: وفيه: أنَّ القَلْبَ لا يَسُوغُ لغيرِ الْبَغَاءِ لأجلِ نُكثّةٍ بينَّةٍ كما صرَّحُوا به ولا سيّما فِي النَّارِيفِ.
ويَظهَرُ ليَ الجوابُ: بأَنَّه ناظرٌ إلى ابتدائِهِ مِن جانبِ الْمُسْلَمِ إليه، أي: أَخْذُ ثَمَنٍ عاجلٍ، وَيُؤِّدُهُ
﴿بَابُ السَّلَمْ﴾
(قولُ "الشّارح": كالسَّلَفِ) في "الّهر" عن "المغرب": (سَلَّفَ في كذا وأَسْلَفَ وَأَسْلَمَ: إذا قدَّمَ الَّمِنَ فِيه)) اهـ.
(قولُهُ: وَيَظهَرُ ليَ الجوابُ: بأنَّه ناظرٌ إلى ابتدائِهِ مِن جانبِ المسْلَمِ إليه إلخ) لا يَخْفَى أَنَّ كلاَّ مِن
هذا الجوابِ وجوابِ "الحواشي السَّعديَّة" لا يَدْفَعُ إيرادَ دُخولِ البيعِ بِثَمنٍ مُؤخَّلٍ في نفسِ التَّعريف بالنّظرِ
إليه في ذاتِهِ، ومعلومٌ أنَّ المرادَ لا يَدِفَعُ الإيرادَ.
(١) انظر "النھر": کتاب البيع - باب السلم ق ٤٠٠ /ب.
(٢) "الفتح": كتاب البيوع - باب السلم ٢٠٤/٦.
(٣) "العناية": كتاب البيع - باب السلم ٢٠٥/٦ (هامش "فتح القدير").
(٤) "البحر": كتاب البيع - باب السلم ١٦٨/٦.

حاشية ابن عابدين
٣٥٢
قسم المعاملات
(ورُكُنُهُ: رُكنُ البيعِ) حتّى يَنعقِدُ بلفظِ بَيْعٍ(١) في الأصحِّ (ويُسمَّى صاحبُ الدَّراهمِ
رَبَّ السَّلَمِ والْمُسْلِمَ) بكسرِ اللّمِ (ويُسمَّى الآخَرُ الْمُسْلَمَ إليه، والحنطةُ مثلاً الْمُسْلَمَ
فيه) والثّمنُ رأسَ المالِ.
(وحكمُهُ: ثُبُوتُ المِلكِ للمُسْلَمِ إليه ولربِّ السَّلَمِ في الَّمنِ وَالمُسْلَمِ فيه) فيه لغٍّ ونشرٌ مرَتَّبٌ
كونُ السَّلَمِ كالسَّلَفِ مُشعِراً بالتّقدُّمِ أوَّلاً، فالمناسبُ الابتداءُ بالعاجلِ وهو الثَّمنُ. ثمَّ رأيتُ
في "النّهر"(٢) عن "الحواشي السَّعَدَّة"(٣) ما يُوافِقُ ما قُلنا، حيث قال: ((يَجُوزُ أنْ يقالَ: المرادُ أَخْذُ
ثَّمنٍ عاجلٍ بآجِلٍ بقرينةِ المعنى اللُّغويِّ؛ إذ الأصلُ هو عَدَمُ الَّغِيرِ إلّ أنْ يَنْبُتَ بدليلٍ)) اهـ.
ويَظْهَرُ لي أيضاً: أنَّ الأَولى في تعريفِهِ أنْ يقالَ: شراءُ آجِلٍ بعاجلٍ؛ لأنَّ السَّلَمَ اسمٌ مِن
الإسلامِ كما في "القُهِسَانِيّ(٤). ولا يَخْفَى أنَّ الإِسلامَ صفةُ المسْلِمِ، فهو المنظُورُ إليه أصالةً، ولذا
سَمَّهُ: رَبَّ السَّلَمِ، أي: صاحبَهُ، فالمناسبُ بناءُ التَّعريفِ على ما يُشعِرُ به اللَّفْظُ والمعنى، وهو
الشِّرَاءُ الذي هو المرادُ بالإسلامِ الصّادرِ مِن رَبِّ السَّلَمِ بخلافِ البيعِ الصّادِرِ مِن المسْلَمِ إليه، ومثلُهُ
الأَخْذُ؛ لِعَدَمٍ إشعارِ اشتقاقِ اللَّغْظِ بهما.
[٢٤٦٨٧] (قولُهُ: ورُكُنُهُ: رُكنُ البيعِ) مِن الإيجابِ والقَبُولِ.
[٢٤٦٨٣] (قولُهُ: حتّى يَنعقِدُ إلخ) وكذا يَنعقِدُ البيعُ والشّراءُ بلفظِ السَّلَمِ، ولم يَحْكِ
(قولُهُ: الأَولى في تعريفِهِ أنْ يقالَ: شراءُ آجِلِ بعاجلٍ) فيه: أنَّ المرادَ بتعريفِهِ: ((بأَنَّه ◌َيْعُ آحِلٍ إلخ))، أو
(بشراءٍ آخِلٍ بعاجلٍ)) أنَّه عبارةُ الإيجابِ والقَبُولِ الصّادِرَينِ فِي تَملُّكِ الآجِلِ بالعاجلِ، لا خُصوصُ البيعِ وحدَهُ
ولا الشِّراءِ وحدَهُ، فحينئذٍ تَساوَى التَّعبيرُ بالبيعِ والشّراءِ. قال "الزَّيلعِيُّ": ((وسُمِّيَ هذا العقدُ سَلَماً لكونِهِ مُعجَّلاً
عن وقتِّهِ، فإنَّ أوانَ البيعِ بعدَ وُجودِ المعقُودِ عليه في مِلكِ البائعِ، والسَّلَمُ يكونُ عادةً بما ليس بموجُودٍ فِي مِلكِهِ،
فيكونُ العقدُ مُعجَّلاً) اهـ. ففيه بيانُ أَنَّه عبارةٌ عن العقدِ المذكُورِ مع بيانِ المناسبةِ للمعنى اللُّغويِّ.
(١) في "و": ((البيع)).
(٢) "النهر": كتاب البيع - باب السلم ق ٤٠٠ /ب.
(٣) "الحواشي السعدية": كتاب البيوع - باب السلم ٢٠٥/٦ (ذيل "فتح القدير").
(٤) "جامع الرموز": كتاب البيع - فصل السلم ٣٩/٢.

الجزء الخامس عشر
٣٥٣
باب السَّم
(وَيَصِحُّ فيما أمكَنَ ضبطُ صفتِهِ) كجَودِتِهِ ورَدَاءتِهِ (ومعرفةُ قَدْرِهِ كمكيلٍ وموزونٍ، و)
خَرَجَ بقولِهِ: (مُثَمَّنٍ) الدَّراهمُ والدَّنانيرُ؛ لأنَّها أثمانٌ، فلم يَحُزْ فيها السَّلَمُ خلافاً لـ "مالكٍ"(١)
في "القنية"(٢) فيه خلافاً، "نهر"(٣).
[٢٤٦٨٤] (قولُهُ: وَيَصِحُّ فيما أمكن ضبطُ صفتِهِ) لأَنّه دَينٌ، وهو لا يُعرَفُ إلاّ بالوصفِ، فإذا
لم يمكنْ ضبطُهُ به يكونُ مجهُولاً جهالةً تُفضِي إلى المنازعةِ، فلا يَجُوزُ كسائرِ الدُّونِ، "نهر)"(٣).
[٢٤٦٨٥] (قولُهُ: كمكيلٍ وموزوٍ) فلو أسلَمَ في المكيلِ وزناً - كما إذا أسلَمَ في البُرِّ
والشَّعِيرِ بالميزانِ - فيه روايتانِ، والمعتمَدُ الجوازُ لوُجودِ الضَّبطِ، وعلى هذا الخلافِ لو أسلَمَ
في الموزون کیلاً، "بحر"(٤).
[٢٤٦٨٦] (قولُهُ: فلم يَجُرْ فيها السَّلَمُ) لكنْ إذا كان رأسُ المالِ دراهمَ أو دنانيرَ أيضاً كان
العَقْدُ باطلاً اتفاقً، وإنْ كان غيرَها كثوبٍ فِي عَشَرَةِ دراهمَ لا يَصِحُّ سَلَماً اتّفاقً، وهل يَنْعقِدُ بَيْعاً
في الثّوبِ بِثَمَنٍ مُؤخَّلٍ؟ قال "أبو بكرِ الأعمشُ"(٥): يَنعقِدُ، و"عيسى بنُ أبانِ": لا، وهو الأصحُّ،
"نهر"(٦). وهذا صحَّحهُ في "الهداية"(٧)، ورجَّحَ في "الفتح"(٨) الأوَّلَ، وأَقْرَّهُ في "البحر"(٩)،
واعترَضَهُ في "النّهر "(١٠) بما هو ساقطٌ جدًّا(١١) كما أوضحتُهُ فيما علَّقْتُهُ على "البحر"(١٢).
(١) انظر "حاشية الدسوقي": باب السلم ٢٠٠/٣، و"الخَرَشي على مختصر الشيخ خليل": باب السلم ٢٠٦/٥.
(٢) "القنية": كتاب البيوع - باب فيما ينعقد به البيع وما يمنع انعقاده ق ٩٧/أ.
(٣) "النهر": كتاب البيع - باب السلم ق ٤٠٠/ب.
(٤) "البحر": كتاب البيع - باب السلم ١٦٩/٦.
(٥) تقدمت ترجمته ٤٣٩/٣.
(٦) "النهر": كتاب البيع - باب السلم ق ٤٠٠/ب.
(٧) "الهداية": كتاب البيوع - باب السلم ٧١/٢.
(٨) "الفتح": كتاب البيوع - باب السلم ٢٠٦/٦.
(٩) "البحر": كتاب البيع - باب السلم ١٦٩/٦.
(١٠) "النهر": كتاب البيع - باب السلم ق ٤٠٠ /ب - ٤٠١/أ.
(١١) أي: بما هو ضعيفٌ جداً لا يؤخذ به.
(١٢) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب البيوع - باب السلم ١٦٩/٦.

حاشية ابن عابدين
٣٥٤
قسم المعاملات
(وعدديٌّ مُتْقَارِبٍ كحَوزٍ وبَيْضٍ وفَلسٍ) وكُمَّثَرَى ومِشْمِشٍ وتِيْنٍ.
[٢٤٦٨٧] (قولُهُ: وعدديٌّ مُتقارِبٍ) الفاصلُ بينَ المتفاوتِ والمتقارِبِ: أنَّ ما ضُمِنَ مُستهلَكُهُ
بالمثلِ فهو مُتقارِبٌ، وبالقِيْمة يكونُ مُتفاوتاً، "بحر"(١) عن "المعراج)".
[٢٤٦٨٨) (قولُهُ: كحَوزٍ) أي: جَوزِ الشّامِ بخلافِ جَوزِ الهندِ كما في "البحر"(١).
[٢٤٦٨٩] (قولُهُ: وَبَيْضٍ) ظاهرُ الرّوايةِ: أنَّ بَيضَ النَّعامِ مِن المتقاربِ، وفي روايةٍ "الحسنِ" عن
"الإِمامِ": لا يَجُوزُ لتفاوتِ آحادِهِ، والوجهُ أنْ يُنظَرَ إلى الغَرَضِ فِي الْعُرْفِ، فإِنْ كان الغَرَضُ مِنْه الأكلَ
فقط كعُرْفِ أهلِ البوادي وجَبَ العملُ بالأَوَّلِ، أو القِشْرَ لَّخِذَ في سلاسلِ القناديلِ كما في مصرَ
وغيرِها وجَبَ العملُ بالرِّوايةِ الأُخرى، ووجَبَ مع ذكرِ العددِ تعيينُ المقدارِ والّونِ مِن نقاءِ البياضِ
أو إهدارُهُ(٢)، أفادَهُ في "الفتح"(٣). وأجازُوهُ في الباذنجانِ والكاغَدِ عددً، وحَمَلَهُ في "الفتح" على باذنجانِ
ديارِهم، وفي ديارِنا ليس كذلك، وعلى كاغَدٍ بقالَبٍ خاصٍّ، وإلّ لا يَجُوزُ. اهـ. وفي "الجوهرة(٤).
((لا يَجُوزُ السَّلَمُ في الوَرَقِ إلّ أَنْ يُشترَطَ مِنه ضربٌ معُلُومُ الطُّولِ والعَرْضِ وَالْجَودةِ)).
[٢٤٦٩٠] (قولُهُ: وفَلسٍ) الأولى: وَقُلُوسٍ؛ لأَنَّ مفردٌ لا اسمُ جنسٍ، قيل: وفيه خلافُ "محمَّدٍ"؛
لمنعِهِ بَيْعَ الفَلسِ بالفَلسينِ، إلّ أنَّ ظاهرَ الرِّوايةِ عنه كقولِهِما، وبيانُ الفَرْقِ في "النّهر "(٥) وغيرِهِ.
(قولُهُ: وجَبَ العملُ بالرِّوايةِ الأُخرى) عبارةُ "الفتح": ((يَجِبُ أنْ يُعمَلَ بهذه الرِّوايةِ، فلا يَجُوزُ السَّلَمُ
فيها بعدَ ذكرِ العددِ إلّ مع تعيينِ المقدارِ واللّونِ أو إهدارِهِ)) اهـ.
(قولُ: وبيانُ الفَرْقِ فِي "الَّهر") عبارتُهُ: (والفَرْقُ له بينَ البيعِ والسَّلَمِ: أنَّ مِن ضرورةِ السَّلَمِ كونَ المسْلَمِ فيه
مُثُمَّناً، فإذا قَلِما على السَّلَمِ فقد تَضمَّنَ إبطالَهما اصطلاحَهما على الثَّمِنَّةِ بخلافِ البِيعِ، فَإِنَّه يَجُوزُ وُرُودُهُ على الَّمْنِ،
فلا مُوجِبَ لخروجِهما عنه، وإذا بطَلَت الثَّمِنَّةُ بِقِيَتْ على الوجهِ الذي تُعُورِفَ الَّعاملُ به فيها، وهو العدُّ إلخ)).
(١) "البحر": كتاب البيع - باب السلم ١٧٠/٦.
(٢) في النسخ جميعها: ((وإهدارُه)) بالواو، وما أثبتناه من "الفتح"، والسياق: ((ووَجَبَ تعيينُ المقدارِ ... أو إهدارُه))، والله أعلم.
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب السلم ٢٠٨/٦.
(٤) "الجوهرة النيرة": كتاب البيوع - باب السلم ٢٦٥/١.
(٥) انظر "النهر": كتاب البيع - باب السلم ق ٤٠١ /أ.

الجزء الخامس عشر
٣٥٥
باب السّكم
(وَلَبِنٍ) بكسرِ الباءِ (وَآخُرِّ ◌ِلْبَنِ مُعَيَّنٍ) بُيِّنَ صِفْتُهُ ومكانُ ضرِبِهِ، "خلاصة".
[٢٤٦٩١] (قولُهُ: بكسرِ الباءِ) أي: الموحّدةِ، وقد تُخفِّفُ فَيَصيرُ كـ ((حِمْلٍ)) كما في
"المصباح"(١)، وهو الطُّوبُ الَّيْءُ،َ "نهر"(٢).
[٢٤٦٩٢] (قولُهُ: وآجُرِّ) بضَمِّ الجيمِ (٣/ق١٢٧/ب] وتشديدِ الرّاءِ مع المدِّ أشهَرُ مِن
٢٠٣/٤ التّخفيفِ، وهو اللَِّنُ إذا طُبِخَ، "مصباح"(٣).
(٢٤٦٩٣] (قولُهُ: بِلْبَنِ) كـ: مِنْرٍ: قَالَبُ الَِّن(٤)، "قاموس"(٥)، فهو بفتحِ الباءِ. وما في
"البحرِ"(٦) عن "الصَّحاح": ((مِن أَنَّه بكسرِ الباءِ)) فهو سبقُ قلمٍ، فإنَّه لم يوجَدْ في
"الصَّحاح"، بل الذي فيه (٧): ((الِلْبَنُ: قَالَبُ اللَِّنِ، وَالِْبَنُ: الِحْلَبُ)).
[٢٤٦٩٤) (قولُهُ: بَيِّنَ صفتُهُ ومكانُ ضرِبِهِ، "خلاصة") فيه نظَرٌ، فإنَّ عبارةَ "الخلاصة(٨):
((ولا بأسَ في السَّلَمِ فِي الَِّنِ والآجُرِّ إذا بَّنَ الِلْبَنَ والمكانَ وذكَرَ عدداً معلُوماً، والمكانُ قال
بعضُهم: مكانُ الإيفاءِ، وهذا قولُ "أبي حنيفةً"، وقال بعضُهم: المكانُ الذي يُضرَبُ فيه
اللِّنُ)) اهـ. أي: لاختلافِ الأرضِ رَخاوةً وصَلَابَةً، وقُرباً ويُعدً، ولا يَخْفَى أنَّ الِلْبَنَ إذا كان مُعَّناً
(قولُهُ: ولا يَخْفَى أَنَّ الِلْبَنَ إذا كان مُعَّناً إلخ) لا يَخَفَى أَنَّ قولَهَ: ((مُعَيَّنٍ)) مُفسَّرٌ ببيانِ الصِّفةِ، أي:
الطُولِ والعَرْضِ والسَّمْكِ كما يأتي عن "الجوهرة"، فيكونُ المرادُ بيانَ المرادِ بالمعيّنِ، وأَنّه ليس المرادُ به خُصوصَ
المشارِ إليه، ولذا عبَّرَ في "الكنز" بـ ((معلومٍ)) بدَلَ قولِ "المصنّف": ((مُعَّنٍ))، فيكونُ المرادُ بهما واحدً، تأمَّلْ.
(١) "المصباح": مادة ((لبن)).
(٢) "النهر": كتاب البيع - باب السلم ق ٤٠١/أ، وفيه: ((الطين)) بدل ((الطوب)).
(٣) "المصباح": مادة ((أجر)).
(٤) في "ك" و"آ" و"ب" و"م": ((قَالَب الطين))، وما أثبتناه من "الأصل" هو الموافق لعبارة "القاموس".
(٥) "القاموس": مادة ((لبن)).
(٦) "البحر": كتاب البيع - باب السلم ١٧٠/٦.
(٧) "الصحاح": مادة ((لبن)).
(٨) "الخلاصة": كتاب البيوع - الفصل الأول في السلم ق١٣٩ /ب.

حاشية ابن عابدين
٣٥٦
قسم المعاملات
(وذَرْعِيٌّ كَثوبٍ بَيِّنَ قَدْرُهُ) طولاً وعَرْضاً (وصفتُهُ) كقُطْنِ، وكَّانِ، ومركّبٍ مِنهما
ء
(وصَنْعْتُهُ) كعملِ الشّامِ أو مصرَ، أو زيدٍ أو عمرو (ورِقْهُ) أو غِلَظُهُ (ووزنُهُ إِنْ بِيْعَ به)
لا يَحتاجُ إلى بيانِ صفتِهِ بخلافِ ما إذا كان غيرَ مُعَّنٍ، فلا بدَّ مِن كونِهِ معلُوماً، ويُعلَمُ - كما في
"الجوهرة"(١) - بذكرِ طولِهِ وعَرْضِهِ وسَمْكِهِ.
[٢٤٦٩٥] (قولُهُ: وذَرْعِيِّ كثوبٍ إلخ) وكالبُسُطِ والحُصُرِ والبَواري كما في "الفتح"(٢)، وأرادَ
بالَّبِ غيرَ الَخيطِ، قال في "الفتح"(٣): ((ولا في الجُلودِ عددً، وكذا الأخشابُ، والجُوالِقَاتُ
والفِراءُ، والّابُ الَخيطُ، والخِفافُ، والقَلانِسُ، إلّ أنْ يَذكُرَ العددَ لقَصْدِ النَّعدُّدِ في المسْلَمِ فيه
ضبطاً للكمّيّةِ، ثمَّ يَذْكُرَ ما يقَعُ به الضَّطُ، كأنْ يَذكُرَ في الْجُلودِ مقداراً مِن الطُّولِ والعَرْضِ بعدَ
النّوعِ كجُلودِ البقرِ والغنمِ إلخ)).
[٢٤٦٩٦) (قولُهُ: بَيِّنَ قَدْرُهُ) أي: كونُهُ كذا كذا ذراعاً، "فتح"(٤). وظاهرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ
للّوبِ لا للذّراعِ. وفي "البرّازيَّةَ (*): ((إِنْ أُطلِقَ الذّراعُ فله الوسَطُ))، وفي "الذَّخيرة": ((اخْتَلَفُوا
في قولِ "محمَّدٍ": له ذراعٌ وسَطٌ، فقيل: المرادُ به المصدرُ، أي: فعلُ الذَّرْعِ، فلا يُمَدُّ كلَّ المدِّ،
ولا يُرخَى كلَّ الإِرخاءِ، وقيل: الآلةُ، والصَّحيحُ أَنَّه يُحمَلُ عليهما)).
[٢٤٦٩٧] (قولُهُ: كَقُطْنِ) فيه: أنَّ هذا جنسٌ، والصَِّةُ كأصفرَ. و((مركَّبٍ مِنهما)) كالْحَمِ،
(قولُ "الشّارحِ": أو زيدٍ أو عمرو) فيه: أنَّ هذا عاملٌ مُعيّنٌ، وقد يَتعذَّرُ عملُهُ لموتِهِ أو غيرِهِ، فلماذا لم يُجعَلْ
كَثَمَرِ نخلةٍ مُعَّةٍ؟! اهـ "ط". وقد يقال: إنَّ القصدَ بهذه الإضافةِ بيانُ الصِّفَةِ، لا أنّه مِن عملٍ زيدٍ مثلاً خاصَّةً.
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب البيوع - باب السلم ٢٦٧/١.
(٢) "الفتح": كتاب البيوع - باب السلم ٢٠٧/٦.
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب السلم ٢١٢/٦.
(٤) "الفتح": كتاب البيوع - باب السلم ٢٠٧/٦ بتصرف.
(٥) "عبارة البزازية": ((وإن أُطلِقَ ذكرُ الذراع في الثَّوبِ فله ذراعٌ)). انظر "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الأول في السلم
٣٥٦/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").