Indexed OCR Text
Pages 141-160
الجزء الخامس عشر
١٣٧
باب المرابحة والتَّولية
(ويُفْتَى بِالرَّدِّ) رِفْقاً بالّاسِ، وعليه أكثرُ رواياتِ الْمُضارَبَةِ، وبه يُفْتَى، ثمَّ رَقَمَ وقال(١): (إِنْ
غَرَّهُ) أي: غَرَّ المشتري البائعَ، أو بالعكسِ، أو غَرَّهُ الدَّلاّلُ فله الرَّدُّ (وإلّ لا) وبه أَفَتَى "صدرُ
الإِسلام" وغيرُهُ، ثُمَّ قال(٢): (وتصرُّفُهُ في بعضِ المبيعِ) قبلَ علمِهِ بالغَبْنِ (غيرُ مانعٍ مِنه) ....
في "تحفة الفقهاء"(٣): أنَّ أصحابَنا يقولون في المغبون: إنّه لا يَرُدُّ، لكنْ هذا في مَغْبُونٍ لم يُغَرَّ، أمّا في
مَغْبُونٍ غُرَّ يكونُ له حَقُّ الرَّدِّ استدلالاً بمسألةِ المرابحةِ)) اهـ، أي: بمسألةِ ما إذا خانَ في المرابحةٍ، فإِنَّ
ذلك تغريٌّ يَتْبُتُ به الرَّدُّ.
[٢٤٠٩٧] (قولُهُ: ويُقْتَى بِالرَّدِّ) ظاهرُهُ الإطلاقُ، أي: سواءٌ غَرَّهُ أَوْ لا بقرينةِ القول الثّالث.
[٢٤٠٩٨] (قولُهُ: أو غَرَّهُ الدَّلآلُ) قال "الرَّملِيُّ": ((مفهومُهُ أَنَّه لو غَرَّهُ رجلٌ أجنبيٌّ غيرُ الدَّلآلِ
لا يَتْبُتُ له الرَّدُّ. وبقيَ ما لو غَرَّ(٤) المشتري البائعَ في العَقَارِ فأخَذَهُ الشَّفِيعُ: هل للبائعِ أنْ يَسترِذَّ
منه؟ ينبغي عدمُهُ؛ لأَنَّه لم يَغُرَّهُ وإنما غَرَّهُ المشتري))، [٣/ ق١٠٠/ب] وتمامُهُ في "حاشيتِهِ" على "البحر".
[٢٤٠٩٩) (قولُهُ: وبه أَفَتَى "صدرُ الإِسلامِ" وغيرُهُ) وهو الصَّحيحُ(٥) كما يأتي(٦)، وظاهرُ كلامِهم
(قولُهُ: قال "الرَّمليُّ": مفهومُهُ أَنَّه لو غَرَّهُ رجلٌ أجنبيٌّ إلخ) عبارتُهُ - على ما نقلَهُ "السِّديُّ" -: ((ولو غَرَّ
المشتري البائعَ في عَقارٍ فأخذَهُ الشَّفيعُ هل للبائعِ أنْ يَسْترِذَّهُ مِنه؟ لم أر فيه نقلاً على روايةِ الرَّدِّ بالَّعرير، وهي
واقعةُ الفتوى، وينبغي عدمُهُ؛ لأَنَّه لم يَغُرَّهُ، وإنما غَرَّهُ غيرُهُ وهو المشتري، وقد قالوا: إنَّ الأَخْذَ بالشُّمُعةِ شراءٌ مِن
المشتري إنْ كان الأَخْذُ بعدَ القَبْض، وإنْ كان قبلَهُ فشراءٌ مِن البائعِ، وعلى كلٌّ فلم يوجد التَّغريرُ مِن الشَّفِيعِ،
وهذا على الرِّوايةِ المفصّلةِ، وأمّا على ظاهرِ الرِّوايةِ فهو ظاهرٌ؛ لأَنَّه لا خِيارَ بالغَبْنِ مطلقاً، وأمّا على الرِّوايةِ القائلةِ
بالرَّدِّ مُطلقً فيكونُ للبائع الاستردادُ؛ لأَنَّه بمنزلةِ الشِّراءِ مِنه قبلَ القَبْضِ، وله الاستردادُ بالغَبْنِ فيما باعَهُ، ولو أخذَهُ
(١) "القنية": كتاب البيوع - باب في خيار المغبون إلخ ق ١٠٩/ب.
(٢) "القنية": كتاب البيوع - باب في خيار المغبون إلخ ق ١٠٩/آ، نقلاً عن رمزٍ لم يتبين لنا المراد منه.
(٣) "تحفة الفقهاء": كتاب البيوع - باب الإقالة والمرابحة وغير ذلك ١٠٨/٢.
(٤) في "ك": ((غبن)).
(٥) قوله: ((وبه أفتى صدرُ الإسلامِ أبو اليسرِ وهو الصَّحيحُ)) نقلها "ط" عن "المنح".
(٦) في هذه المقولة.
حاشية ابن عابدين
١٣٨
قسم المعاملات
فَيَرُدُّ مثلَ ما أَتْلَفَهُ، وَيَرجِعُ بكلِّ الثّمنِ على الصَّابِ. اهـ ملخَّصاً.
أنَّ الخلاف حقيقيٌّ، ولو قيل: إنَّه لفظِيٌّ ويُحمَلُ القولان المطلقان على القولِ المُفصَّلِ لكان حَسَناً،
ويدلُّ عليه حَمْلُ "صاحبِ التّحفةِ" المتقدِّمُ(١)، "ط)" (٢).
قلت: ويُؤيِّدُهُ أيضاً عدمُ الَّصريحِ بالإِطلاقِ في القولين الأَوَّلين، وحيث كان ظاهرُ الرِّوايةِ
محمولاً على هذا القولِ المفصَّلِ يكونُ هو ظاهرَ الرِّواية؛ إذ لم يَذكروا أنَّ ظاهرَ الرِّوايةِ عدمُ الرَّدِّ
مُطلقاً حَتّى يُنافِيَ النَّفصيلَ، فلذا حزَمَ في "النُّحفةِ"(٣) بِحَمْلِهِ على النَّفصيلِ، وحينئذٍ لم يَبْقَ لنا إلّ
قولٌ واحدٌ هو المصرِّحُ بِأَنَّه ظاهرُ الرّواية، وبأنّه المذهبُ، وبأنّه الْمُفْتَى به، وبأَنَّ الصَّحِيحُ، فمَن أفتى
في زماننا بالرّدِّ مُطلقاً فقد أخطأَ خطأً فاحشاً؛ لِما علمتَ مِن أنَّ النَّفصيلَ هو المصحَّحُ المفتى به،
ولا سيَّما بعدَ الَّّوفيقِ المذكورِ، وقد أَوضَحتُ ذلك بما لا مَزِيدَ عليه في رسالةٍ سَمَّتُها "تحبير
الَّحرير في إيطالِ القضاءِ بِالفَسْخِ بِالغَبْنِ الفاحشِ بلا تَغْرِير"(٤).
[٢٤١٠٠] (قولُهُ: فَيَرُدُّ مثلَ ما أَتَفَهُ) أي: مع رَدِّ الباقي كما في "القنية"، ونصُّها (٥):
((قال لغَزّالِ: لا معرفةَ لي بالغَزْلِ فَأْتِنِي بِغَزْلٍ أَشْتَرِيه، فأتى رجلٌ بِغَزْلٍ لهذا الغَزّال* ولم يَعَلَمْ به
مِن المشتري ليس له الاستردادُ؛ لأنّه بمنزلةِ الشِّراءِ مِن المشتري، وقد مُنِعَ خيارُهُ بخروجِهِ عن مِلْكِ المشتري
المذكور، ولم أر تحريرَ هذا المحلِّ لأحدٍ غيري، فتأمَّلْ)) اهـ.
(قولُهُ: ولو قيل: إنَّه لفظيٌّ ويُحمَلُ القولان المطلقان على القولِ المُفصَّلِ لكان حَسَناً) لكنَّ مقتضى ذِكْرِهم
التَّصحيحَ أنَّ الخلافَ حقيقيٌّ.
(١) المقولة: [٢٤٠٩٦] قوله: ((وبه أفتَى بعضُهم مُطلقاً)).
(٢) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية ٩٨/٣.
(٣) "تحفة الفقهاء": كتاب البيوع - باب الإقالة والمرابحة وغير ذلك ١٠٨/٢.
(٤) انظر الرسالة المذكورةَ ضمنَ "مجموعِ رسائل ابن عابدين" ٧١/٢ - ٧٢.
(٥) "القنية": كتاب البيوع - باب في خيار المغبون إلخ ق ١٠٩/ أ- ب نقلاً عن "الواقعات الكبرى" وبرهان الدين صاحب "المحيط".
؟ قوله: ((فأتى رجلٌ بِغَزْلِ لهذا الغَزّال)) أي: بغزلِ مملوكٍ لهذا الغزّل، وحاصله: أنَّ الغزَّال دَفَعَ غزلَهُ لرجلٍ ثُمَّ جعل نفسَهُ
دلَّلاً بين الطالب والرجل واشترى للطالب الغَزْلَ من الرجلِ بزيادةٍ، ثُمَّ تَصرَّف المشتري - أي: مَنْ له الشراءُ حقيقةً - في
بعضِ الغَزْل، ثمَّ عَلِمَ بالغبن وبأنَّ الغزَّال هو صاحب الغَزْل وَأَنَّه فَعَلَ ذلك تغريراً للطالب اه منه.
الجزء الخامس عشر
١٣٩
باب المُرابحة والتّولية
بقيَ ما لو كان قِيْمَيّاً، لم أَرَهُ.
المشتري، فجعَلَ نفسَهُ دَلاّلاً بينهما، واشتَرَى ذلك الغَزْلَ له بأزيدَ مِن ثمنِ المثل، وصرَفَ المشتري
بعضَهُ إلى حاجتِهِ ثُمَّ عَلِمَ بالغَبْنِ وبما صنَعَ فله أنْ يَرُدَّ الباقِيَ بحصَّتِهِ مِن الَّمن. قال رضي الله عنه:
والصّوابُ أنْ يَرُدَّ الباقِيَ ومثلَ ما صرَفَ في حاجتِهِ وَيَسْتَرِدَّ جميعَ النَّمنِ، كمَن اشتَرَى بيناً مملوءاً مِن
بُرِّ فإذا فيه دُكّانٌ عظيمٌ فله الرَّدُّ وأَخْذُ جميعِ الثَّمنِ قبلَ إتفاقِ شيءٍ منه، وبعدَهُ يَرُدُّ الباقيَ ومثلَ ما
أَنفَقَ ويَسْتَرِدُ الثَّمنَ، كذا ذكرَهُ "أبو يوسف" و"محمَّدٌ" رحمهما الله تعالى)) اهـ.
١٥٩/٤
(٢٤١٠١] (قولُهُ: بقيَ ما لو كان قِيْمَيّاً) أي: وتصرَّفَ ببعضِهِ فهل يَرجِعُ بِقَدْرِ ما غُبِنَ فيه أوْ
لا يَرجِعُ؟ أو يَرُدُّ الباقيَ ويَضمَنُ قيمةَ ما تصرَّفَ به؟ ووَجْهُ النَّوَقُّفِ أنَّ ما ذكرَهُ في "القنيةُ"
مفروضٌ فِي الِثْلِيِّ؛ لأنَّ الغَزْلَ مِثْلِيٌّ كما هو صريحُ كلامِ "القنية" المذكورِ آنفً(١)، وكذا صرَّحَ في
الفصلِ الثّالثِ والثَّلاثين مِن "جامع الفصولين"(٢): ((بأنّه مِثْلِيٌّ))، وفي "الَّار خانيّةً"(٣) عن "المنتقى":
((ولا يصحُّ بَيْعُ غَزْلِ قُطْنٍ لِّنٍ بِغَزْلٍ قُطْنٍ خَشِنٍ إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ؛ لأنَّ القُطْنَ سواءٌ)) اهـ.
فحيث كان المنقولُ هنا في الِثْلِيِّ لَم يُعلَمْ حكمُ القِيْميِّ، فافهم.
ثُمَّ اعلمْ أنَّ ما قدَّمناه(٤) عن "المنح" عن "تحفة الفقهاء": ((من أنَّ المغبونَ إذا غُرَّ له الرَّدُّ
استدلالاً بمسألةِ المرابحةِ)) يفيدُ أنَّ خِيارَ التَّغريرِ في حكمٍ خِيارِ الخيانةِ في المرابحةِ، وقد مَرَّ(٥) في
"المتن" و"الشَّرح": ((أَنَّه لو هَلَكَ المبيعُ أو استهَلَكَهُ في المرابحةِ قبلَ رَدِّهِ، أو حدَثَ به ما يَمْنَعُ
مِن الرَّدِّ لَزِمَهُ جميعُ الثَّمنِ المسمَّى وسقَطَ خيارُهُ))، وذكرنا هناك (٦): أنَّ مقتضى قولِهِ: ((أو
حدَثَ به إلخ)) أَنَّه لو هَلَّكَ البعضُ أو استهلَكَهُ له رَدُّ الباقي إلّ في نحوِ الَّوبِ الواحدِ إلخ،
والظّاهرُ أنَّ هنا كذلك، فتأمَّلْ.
(١) في المقولة السابقة.
(٢) "جامع الفصولين": الفصل الثالث والثلاثون في أنواع الضَّمانات الواجبة وكيفياتها إلخ ٩٨/٢.
(٣) "التاتر خانية": كتاب البيع - فصلٌ في الشراءِ مالِ حرام ٤/ق١٥ /ب.
(٤) المقولة [٢٤٠٩٦] قوله: ((وبه أفْتَى بعضُهم مطلقاً)).
(٥) صـ ١١٧ - ١١٨ - "در".
(٦) المقولة [٢٤٠٤١] قوله: ((ولو هَلكَ المبيعُ إلخ))
حاشية ابن عابدين
١٤٠
قسم المعاملات
قلتُ: وبالأخيرِ جزَمَ الإِمامُ "علاءُ الدِّينِ السَّمر قنديُّ" في "تحفةِ الفقهاءِ "(١)،
وصحَّحَهُ "الزَّيلعيُّ"(٢) وغيرُهُ، وفي كفالةِ "الأشباه" عن بيوعِ "الخانَّة"(٣) مِن فصلِ
الغُرُور: ((الغُرُورُ (٤) لا يُوجِبُ الرُّجوعَ.
[٢٤١٠٢] (قولُهُ: قلتُ: وبالأخيرِ إلى قولِهِ: وغيرُهُ) الأَولى ذِكْرُ هذا عند قولهِ: ((وبه أفتى
"صدرُ الإِسلام" وغيرُهُ)) اه "ح" (٥).
مطلبٌ: الغُرُورُ لا يُوجِبُ الرُّجُوعَ إلاّ في ثلاثٍ(٦) مسائلَ
(٢٤١٠٣] (قولُهُ: وفي كفالةِ "الأشباه"(٧) إلخ) حيث قال: ((الغُرُورُ لا يُوجِبُ الرُّجُوعَ، فلو
قال: اسلُكْ هذا الطَّريقَ فإنّه آمِنٌ (٨)، فسَلَكَهُ فأخَذَهُ اللُّصوصُ، أو قال: كُلْ هذا الطَّعامَ فإِنَّه ليس
بمسمُومٍ فأكَلَهُ ومات لم يَضْمَنْ، وكذا لو أخبَرَهُ رجلٌ أَنَّها حُرَّةٌ فَتَزَوَّجَها، ثمَّ ظهَرَ أَنَّها مملوكةٌ
فلا رُجُوعَ بقيمةِ الولدِ على المُخبِرِ إلّ في ثلاثِ مسائلَ:
الأُولى: إذا كان الغُرُورُ بِالشَّرْطِ كما لو زَوَّجَهُ امرأةً على أنَّها حُرَّةٌ ثمَّ اسْتُحِقَّتْ، فَإِنَّه يَرجِعُ
على الْمُخبِرِ بما غَرِمَهُ للمُستحِقِّ مِن قِيْمَةِ الولدِ.
الّانيةُ: أنْ يكونَ في ضِمْنٍ عَقْدٍ مُعاوَضَةٍ، فَيَرجِعُ المشتري على البائعِ بِقِيْمةِ الولدِ إذا
اسْتُحِقَّتْ بعدَ الاستيلاد، ويَرجِعُ بقيمةِ البناءِ لو بَنَى المشتري ثمَّ اسْتُحِقَّت الدّارُ بعدَ أنْ يُسلِّمَ البناءَ،
وإذا قال الأبُ لأهلِ السُّوقِ: بايعُوا ابني فقد أَذِنْتُ له في التّجارةِ، فَظَهَر أَنَّه ابنُ غيرِهِ رَجَعُوا عليه
(١) "تحفة الفقهاء": كتاب البيوع - باب الإقالة والمرابحة وغير ذلك ١٠٨/٢.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب التولية ٧٩/٤.
(٣) "الخانية": كتاب البيوع - باب الخيار - فصلٌ في مسائلِ الغرور ٢٣٠/٢ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) ((الغرور)) ساقطة من "ط".
(٥) "ح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية ق٢٩٥/ب.
(٦) ((ثلاث)) زيادة من "م"
(٧) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الكفالة صـ ٢٥٢ - وما بعدها.
(٨) في "ب": ((أمن)).
الجزء الخامس عشر
١٤١
باب المرابحة والتَّولية
إلّ في ثلاثٍ مِنها هذه، وضابطُها:
للغُرُورِ، وكذا لو قال: بايعُوا عبدي فقد أَذِنْتُ له، فبايعُوه ولَحِقَهُ دَيْنٌ ثُمَّ ظهَرَ أَنَّه عبدٌ لغيرِهِ رَحَعُوا
عليه إنْ كان الأبُ حُرََّ، وإلّ فبعدَ العِثْقِ، وكذا لو ظهَرَ حُرَّاً أو مُدبَّراً أو مُكاتباً، ولا بدَّ
في الرُّجُوعِ مِن إضافِهِ إليه والأَمْرِ بمبايعتِهِ، كذا في "السِّراج الوهّاج".
الثّالثةُ: أنْ يكونَ في عَقْدٍ يَرجِعُ نَفْعُهُ إلى الدّافعِ كوديعةٍ وإحارةٍ، فلو هَلَكَت الوديعةُ والعَيْنُ
[٣ ق ١٠١/أ) المستأجَرةُ ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ وَضَمِنَ الْمُودَعُ والمستأجِرُ فإنَّهما يَرجِعان على الدّافع بما ضَمِناهُ،
وكذا مَن كان بمعناهما، وفي عاريةٍ وهِبَةٍ لا رُجُوعَ؛ إذ القَبْضُ كان لنفسِهِ، وتمامُهُ في "الخانَّةُ"(١)
مِن فصل الغُرُورِ من البيوع)) اهـ.
قلت: وعبّرَ في "الخانَّةِ"(١) في الثّالثةِ بِالقَبْضِ بدلَ العَقْدِ، وهو الصَّوَابُ، فتدَبَّرْ.
[٢٤١٠٤] (قولُهُ: إلّ في ثلاثٍ) زاد في "نور العين"(٢) مسألةً رابعةً، وهي: ((ما إذا ضَمِنَ الغارُّ
صفةَ السَّلامةِ كما إذا قال: اسلُكْ هذا الطَّريقَ فإِنَّه آمِنٌ (٣)، وإنْ أُخِذَ مالُكَ فأنا ضامِنٌ فإنَّه
يَضْمَنُ)) كما سيذكرُهُ "المصنّف"(٤) آخرَ الكفالة عن "الدُّرر".
[٢٤١٠٥] (قولُهُ: مِنها هذه) أي: مسألةُ "المعن"، وهي داخلةٌ تحتَ الثّانيةِ الآتية.
[٢٤١٠٦] (قولُهُ: وضابطُها) أي: الثَّلاثِ المستثناةِ.
(قولُهُ: أي: مسألةُ "المتن" إلخ) لم يَذكُر في "الأشباه" هذه مِن الثَّلاثِ، وإنما ذكَرَها عن "القنية" بعدَما
اسْتَوْفَى الثَّلاثَ، و "الشّارعُ" نقَلَ بالمعنى، فَقَدَّمَ وأَخِّرَ في العبارةِ، فَتَّهُ. اهـ "سنديّ". فإِنَّه قال في "الأشباه": ((إلاّ
في ثلاثٍ: الأُولى: إذا كان الغُرُورُ بالشَّرط. والّانيةُ: أنْ يكونَ فِي ضِمْنٍ عَقْدِ مُعاوَضَةٍ. وَالّالثةُ: أنْ يكونَ فِي عَقْدٍ
يرجعُ نَفْعُهُ إلى الدّفع)) اهـ.
(قولُهُ: أي: الثَّلاثِ المستثناةِ) لم يَسْتَوْفِ الضَّابِطَ للمسائلِ الثَّلاثِ، وما ذَكَرَ إنما هو ضابطٌ للثّالثةِ،
لكنْ حيث ذَكَرَ الضّابِطَ لباقي المسائلِ المستثناةِ صَحَّ كونُهُ ذَكَرَ ضابطَ الثَّلاث.
(١) "الخانية": كتاب البيوع - باب الخيار - فصل في مسائل الغرور ٢٣٠/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "نور العين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلّق بهما إلخ ق ٦٠/ب بتصرف.
(٣) في "ب": ((أمن)).
(٤) انظر "الدر" عند المقولة [٢٥٧٣٩] قوله: ((فإنّه أَمْنٌ)).
حاشية ابن عابدين
١٤٢
قسم المعاملات
أنْ يكونَ في عَقْدٍ يَرجِعُ نَفْعُهُ إلى الدّافعِ كوديعةٍ وإجارةٍ، فلو هَلَكَا ثُمَّ استُحِقًا رجَعَ
على الدّافعِ بما ضَمِنَهُ، ولا رُجُوعَ في عاريةٍ وهِبَةٍ؛ لكونِ القَبْضِ لنفسِهِ.
الثّانيةُ: أنْ يكونَ في ضِمْنٍ عَقْدِ مُعاوَضَةٍ كـ: بايِعُوا عبدي أو ابني فقد أَذِنْتُ له،
[٢٤١٠٧] (قولُهُ: أنْ يكونَ في عَقْدٍ) صوابُهُ: في قَبْضِ كما قدَّمناه(١) عن "الخانَيَّة"؛ لأنَّ مسألةَ
العَقْدِ تأتي بعدُ(٢)، تأمَّلْ.
[٢٤١٠٨] (قولُهُ: رجَعَ) أي: الشَّخصُ الذي هو الُودَعُ أو المستأجرُ على الدّافع؛ لأَنَّ غَرَّهُ بأَنَّه
أودَعَهُ أو أَجَّرَهُ مِلْكَهُ.
[٢٤١٠٩] (قولُهُ: لكونِ القَبْضِ لنفسِهِ) أي: نفسِ المستعيرِ أو الموهوبِ له، فكان هو المنتفعَ
بالقَبْضِ دون المُغِيْرِ أو الواهبِ.
[٢٤١١٠] (قولُهُ: أنْ يكونَ فِي ضِمْنِ عَقْدِ مُعاوَضَةٍ) مِن بَيْعٍ صحيحٍ أو فاسدٍ، وأخرَجَ به
عُقُودَ النَّبُّعاتِ كَالِهِبَةِ والصَّقَةِ، فإنَّ الغُرُورَ لا يُثْبِتُ الرُّجوعَ فيها، "ط)(٣) عن "البيري". وكذا
أخرَجَ الرَّهنَ لأَنّه عَقَّدُ وثيقةٍ لا مُعاوَضَةٍ كما يأتي. وفي "البيري" عن "المبسوط "(٤): ((أنَّ الْغُرُورَ
في عَقْدِ المعاوضاتِ يُثبِتُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ العَقْدَ يَسْتَحِقُّ صفةَ السَّلامةِ مِن العَيْبِ ولا عَيْبَ فوقَ
الاستحقاقِ، فأمّا بِعَقْدِ الَّرُّعِ فلأنَّ الموهوبَ له لا يَسْتَحِقُّ الموهوبَ بصفةِ السَّلامة)).
[٢٤١١١] (قولُهُ: كـ: بايِعُوا عبدي إلخ) أي: فيكونُ ضامِناً للدَّرَكِ فيما يَتْبُتُ لهم على العبدِ
(قولُهُ: أي: فيكونُ ضامِنً للدَّرَكِ فيما يَتْبُتُ لهم على العبدِ إلخ) لكنْ في مسألةِ العبدِ يرجعون بقيمتِهِ فقط
وبجميعِ الدُُّونِ في مسألةِ الابنِ بالغةً ما بَلَغَتْ، "سنديّ" عن "السِّراج". وفيه أيضاً عنه: ((وكذا إنْ ظهَرَ المأذونُ له
حُرَّ أو مُدَبَّاً أو أُمَّ ولدٍ فعلى الذي أمَرَهم بمبايعتِ الأَقلُّ مِن قيمةِ العبدِ ومِن الدّيْنِ، وما بقيَ مِن ذلك أُخِذَ به مَن
ذُكِرَ بعدَ الحرّة، يعني: أنّهم بالخيارِ: إِنْ شاؤوا رَجَعُوا بِدَيْنِهم على الذي وَلِيَ مُبايعتَهم إنْ كان حُرّاً، وإنْ كان عبداً
أو مُدَبَّراً أو نحوَهُ لم يرجعوا عليه بشيءٍ حَتّى يَعِقَ، فَيَتْبُعُونه ببقيّةِ دُيُونِهم)) اهـ من "السِّديّ" عن "السِّراج".
(١) المقولة [٢٤١٠٣] قوله: ((وفي كفالةِ "الأشباه" إلخ)).
(٢) المقولة [٢٤١١٠] قوله: ((أن يكونَ في ضِمِن عَقْدِ مُعَاوضَةٍ)).
(٣) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية ٩٨/٣، ونقله عن "البيري" بواسطة "أبي السعود".
(٤) "المبسوط": كتاب الدعوى - باب الغرور ١٧٨/١٧.
الجزء الخامس عشر
١٤٣
باب المُرابحة والتَّولية
ثمَّ ظهَرَ حُرّاً أو ابنَ الغيرِ رَجَعُوا عليه للغُرُورِ إِنْ كان الأبُ حُرََّ، وإلاّ فبعدَ العتقِ، وهذا إنْ
أضافَهُ إليه وأمَرَ بِمُبايعِتِهِ، ومِنه لو بَنَى المشتري أو استولَدَ ثمَّ اسْتُحِقّا رجَعَ على البائعِ بقيمةٍ
البناءِ والولدِ، ومِنه ما يأتي (١) في بابِ الاستحقاقِ: اشتَرِنِي فأنا عبدٌ، بخلافٍ (٢): ارتَهِنِي .....
في عَقْدِ المبايعةِ لحصولِ النَّغريرِ في هذا العَقْدِ كما يأتي(٣) تقريرُهُ. وبه اندفَعَ ما قيل: إنَّ النَّغريرَ
لم يُوجَدْ فِي ضِمْنِ عَقْدِ المعاوضة.
[٢٤١١٢] (قولُهُ: ثُمَّ ظهَرَ حُرًَّ أو ابنَ الغيرِ) لغٍّ ونشرٌ مُرتَّبٌ.
[٢٤١١٣] (قولُهُ: إنْ كان الأبُ حُرَّ) الأَولى ما في بعضِ نُسَخِ "الأشباه"(٤): ((إنْ كان الآذنُ
حُرّ)) لشُمُولِهِ للمولى والأب، أي: الأبِ صورةً لا حقيقةً، وهذا القَيْدُ لشيءٍ مُقدَّرٍ في قولهِ:
((رَجَعُوا عليه))، أي: في الحالِ بقرينةِ قولِهِ: ((وإلّ فبعدَ العتقِ)).
[٢٤١١٤] (قولُهُ: وهذا) أي: الرُّجُوعُ شرطُهُ شيئان: أنْ يُضِيفَ العبدَ أو الابنَ إلى نفسِهِ
وأَمْرُهم بمبايعِهِ، فَيَضْمَنُ الأقلَّ مِن قيمتِهِ ومِن الدَّيْنِ كما في "البيري" عن "مختصر المحيط"(٥).
[٢٤١١٥] (قولُهُ: ومنه) أي: مِن النَّغريرِ فِي ضِمْنِ عَقْدِ المعاوضةِ.
[٢٤١١٦] (قولُهُ: اشتَرِنِي فأنا عبدٌ، ارتَهِنِّي) صوابُهُ(٦): ((بخلافِ: ارتَهِنِّي))، أي: لو(٧) قال
العبدُ: اشتَرِنِي فأنا عبدٌ، فاشتَرَاهُ فإذا هو حُرٌّ فإِنْ كان البائعُ حاضراً أو غائباً غَيِيةً معروفةً - أي:
يُدرَى مكانُهُ - لا يرجعُ على العبدِ بما قَبَضَهُ البائعُ للَّمكِّنِ مِن الرُّجُوعِ على القابضِ، وإنْ كان
١٦٠/٤ لا يُدرَى أين هو رجَعَ المشتري على العبدِ ورجَعَ العبدُ على بائعِهِ بما رجَعَ به عليه، وإنما يَرجِعُ
(١) صـ٣٢٥- وما بعدها "در".
(٢) ((بخلاف)) ساقطة من "د" و"و" و"ب".
(٣) المقولة [٢٤١١٦] قوله: ((اشترني فأنا عبدٌ، ارتَهِنّي)).
(٤) الذي في نسختنا من "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الكفالة صـ٢٥٣ -: ((إن كان الأبُ حرَّاً)).
(٥) المسمى بـ "الوجيز" لمحمد بن أحمد الخّازيّ (ت ٦٩١هـ) وهو مختصر "المحيط" لرضي الدين السرخسيّ (ت٥٧١هـ)
وانظر ما تقدم ٤٥٨/١، ٤٦٧/١٠.
(٦) نقول: الذي يظهر: أنّ قوله: ((بخلاف)) ساقطٌ من نسخ "الدر" التي بين يدي ابن عابدين رحمه الله.
(٧) ((لو)) ليست في "الأصل".
حاشية ابن عابدين
١٤٤
قسم المعاملات
الثّالثةُ: إذا كان الغُرُورُ بِالشَّرطِ - كما لو زَوَّجَهُ امرأةً على أَنَّها حُرَّةٌ ثُمَّ اسْتُحِقْتْ - رجَعَ
على الْمُخبر (١) بقيمةِ الولدِ الْمُسْتَحَقِّ))، وسَيَجِيءُ(٢) آخرَ الدَّعوى.
(فرعٌ) هل يَنْتَقِلُ الرَُّّ بالتغريرِ إلى الوارثِ؟.
مع أنَّ البائعَ لم يأمُرْهُ بالضَّمانِ عنه لأَنّه أَدَّى دَيْنَهُ وهو مُضطرٌّ في أدائه، بخلافٍ مَن أَدَّى عن آخَرَ دَيْناً
بلا أَمْرِهِ. وَالنَّبِيدُ بقولِهِ: ((اشَرِنِي فأنا عبدٌ)) لأَنَّه لو قال: أنا عبدٌ ولم يَأْمُرُهُ بالشِّراءِ، أو قال: اشتَرِنِي
ولم يَقُلْ: فأنا عبدٌ لا يَرجِعُ عليه بشيءٍ، ولو قال: ارتَهِي فأنا عبدُ الرّاهنِ لم يَرجِعْ على العبدِ ولو
الرّهنُ غائباً في ظاهرِ الرِّوايةِ عنهم، وعن "أبي يوسف" لا يَرجِعُ في البيعِ والرَّهْنِ؛ لأنَّ الرُّجُوعَ
بالمعاوَضةِ - وهي المبايعةُ هنا - أو بالكفالةِ ولم يُوجَدا هنا، بل وُجِدَ مجرَّدُ الإخبارِ كاذباً، فصار كما
لو قال أجنبيٌّ لشخصِ ذلك. ولهما: أنَّ المشتريَ شرَعَ في الشّراءِ مُعتمِداً على أَمْرِهِ وإِقرارِهِ فكان
مغروراً مِن جهتِهِ، والتّغريرُ في المعاوضات التي تَقْتَضِي سلامةَ العِوَضِ يحصلُ سباً للضَّمانِ دَفْعاً للغَرَرِ
بقَدْرِ الإِمكان، فكان بتغريرِهِ ضامناً لدَرَكِ الثَّمَنِ له عند تعذُّرِ رُجُوعِهِ على البائعِ كالمولى إذا قال لأهل
السُّوقِ: بايِعُوا عبدي فإِنِّي أَذِنْتُ له، ثمَّ ظهَرَ استحقاقُ العبدِ، فإِنَّهم يرجعون على المولى بقيمةِ العبد،
ويُحِعَلُ المولى بذلك ضامِناً لدَرَكِ ما ذابَ عليه دَفْعاً للغُرُورِ عن النّاس بخلافِ الرَّهنِ، فإنّه ليس عَقْدَ
مُعاوَضَةٍ، بل عَقْدُ وثيقةٍ لاستيفاءٍ عَيْنِ (٣/ق١٠١/ب] حَقِّهِ، حتّى جازَ الرَّهْنُ بدلِ الصَّرْفِ وَالُسْلَمِ فيه،
ولو كان عَقْدَ مُعاوَضةٍ كان استبدالاً به قبل قَبْضِهِ وهو حرامٌ، وبخلافِ الأجنبيِّ فإِنَّه لايُعبَأُ بقولِهِ،
فالرَّجلُ هو الذي اغتَرَّ. اهـ ملخّصاً من "الفتح"(٣) في أوَّلِ بابِ الاستحقاق.
[٢٤١١٧] (قولُهُ: كما لو زَوَّجَهُ امرأةً على أنَّها حُرَّةٌ) أي: بأنْ كان ولّاً أو وكيلاً عنها،
وهذا بخلاف ما إذا أخبَرَهُ بأَنَّها حُرَّةٌ فَتَزَوَّجَها كما مَرَّ(٤) في عبارةِ "الأشباه".
(١) نقول: قال "ط" نقلاً عن الحموي ٩٩/٣: ((الظاهر أن يقول على المزوِّج)). اهـ، وقد نّه العلامة ابن عابدين رحمه الله
على ذلك في "مسوّدته".
(٢) انظر "الدر" عند المقولة [٢٨٠٥٢] قوله: ((غُرِّمَ قيمةَ ولَدِهِ)).
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٨٤/٦ - ١٨٥.
(٤) المقولة [٢٤١٠٣] قوله: ((وفي كفالة "الأشباه" إلخ)).
الجزء الخامس عشر
١٤٥
باب المرابحة والتَّولية
استظهَرَ "المصنِّفُ" لا؛ لِتَصْرِيحِهم بأنَّ الحقوقَ المحرَّدَةَ لا تُورَثُ. قلت: وفي "حاشية
الأشباه" لـ "ابنِ المصنّف": ((وبه أَفَتَى شيخُنا العلاّمةُ "عليٌّ المقدسيُّ)(١) مُفتي مصرَ)).
قلتُ: و(٢) قدَّمناه في خِيارِ الشَّرطِ مَعزِّيّاً لـ "الدُّررِ"، لكنْ ذَكَرَ "المصنْفُ" في "شرحِ
منظوميتِهِ الفقهيّةِ" ما يُخالِفُهُ».
[٢٤١١٨] (قولُهُ: استظهَرَ "المصنّفُ" لا) حيث قال(٣): ((ولم أَطَّلِعْ في كلامِهم على ما لو
مات مَن تَبَتَ في حَقِّهِ الَّغرِيرُ هل يَنتَقِلُ الحقُّ فيه إلى وارثِهِ حَتّى يَمِلِكُ الرَّدَّ كما في خِيارِ العَيْبِ،
أو لا كما في خِيارِ الرُّؤيةِ والشَّرطِ؟ لكنَّ الظّاهرَ عندي الثّاني، وقواعدُهم شاهدةٌ به، فقد صرَّحُوا
بأنَّ الحقوقَ المجرَّدَةَ لا تُورَثُ، وأمّا خِيَارُ العَيْبِ فإنما يَتْبُتُ فيه حَقُّ الرَّدِّ للوارثِ باعتبارِ أنَّ الوارثَ
ملَكَهُ سليماً، فإذا ظهَرَ فيه على عَيْبٍ رَدَّهُ، وليس ذلك بطريقِ الإرثِ كما يُفيدُهُ كلامُهم،
وتعليلُهم عدمَ ثُبُوتِ الخِيارِ للوارِثِ في خِيارِ الرُّؤْيةِ والشَّرطِ بأَنَّه ليس إلّ مشيئةً وإرادةً، فلا يُتصوَّرُ
انتقالُهُ إلى الوارثِ وهكذا عَرَضتُهُ على بعضِ الأعيانِ مِن أصحابنا فارتَضاهُ وأفتى بِمُوجَبِهِ)) اهـ.
قلت: ويُؤْيِّدُهُ مَا بَحَثَّهُ في "البحر"(٤): ((مِن أَنَّ خِيارَ ظُهُورِ الخيانةِ لا يُورَثُ)) مُستِداً لذلك
بما مَرَّ(٥) من أَنَّه لو هلَكَ المبيعُ لَزِمَهُ جميعُ الثَّمنِ، وعَلُّوه بأنَّه مجرَّدُ خِيارٍ لا يقابِلُهُ شيءٌ مِن الثَّمنِ
كخيارِ الرُّؤَيةِ والشَّرطِ، إلخ ما قدَّمناه هناك. وفي "مجموعةِ السّائِحانيِ)(٦) بخطّهِ: ((وأجادَ "المصنّفَُّ
بالاستشهادِ بخيارِ الشَّرطِ؛ لأنَّ الكلَّ لدَفْعِ الخداعِ، فإذا كان خِيارُ الشَّرطِ الملفوظُ به لا يُورَثُ
فكيف غيرُ الملفوظِ مع كونِهِ مُختَلَفاً فيه؟!)) اهـ.
[٢٤١١٩] (قولُهُ: قلتُ: وقدَّمناه إلخ) قدَّمنا هناك(٧): أنَّ ذلك لم يَذكُرْهُ في "الدُّرر"، بل ذكرَهُ
(١) هو الشيخ علي بن محمد، نور الدين المعروف بابن غانم المقدسيّ المصريّ (ت١٠٠٤هـ) ("خلاصة الأثر" ١٨٠/٣، "الأعلام" ١٢/٥).
(٢) الواو ليست في "و".
(٣) "المنح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية ٢/ق٢٧/ب.
(٤) "البحر": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية ١٢٠/٦.
(٥) المقولة [٢٤٠٤٢] قوله: ((لَزِمَهُ جميعُ الثّمنِ)).
(٦) هي تعليقاتٌ لـ "السَّائحانيّ" على "الدُّر المختار"، وانظر تعليقَنا المتقدِّمَ ٦٢١/٢.
(٧) المقولة [٢٢٧٢٢] قوله: ((وتَغْرِيرٍ ونَقْدٍ)).
حاشية ابن عابدين
١٤٦
قسم المعاملات
ومالَ إلى أَنَّه يُورَثُ كخيارِ العيبِ، ونقَلَهُ عنه ابُهُ في كتابهِ "مَعُونة المفتي"(١) في كتابٍ
الفرائضِ، وأَيَدَهُ بما في بحثِ القول في الْكِ من "الأشباه" قُبِيلَ التّاسعةِ: ((أنَّ الوارثَ يَرُدُّ
بالعيبِ، ويصيرُ مَغرُوراً بخلافِ الوصيّ))، فتأمَّل.
"المصنّفُ" هناك أيضاً. وقدَّمنا (٢) أيضاً: أنَّ "الخيرَ الرَّمليّ" نقَلَ عن العلاّمةِ "المقدسيِّ" أَنَّه قال:
((والذي أَمِيلُ إليه أَنَّه مثلُ خِيارِ العَيْبِ، يعني: فُورَثُ)) اهـ. وهذا خلافُ ما عَزَاهُ "الشّارحُ" إلى
"حاشيةِ ابنِ المصنّفِ" عن "المقدسيِّ". وقدَّمنا (٢) أيضاً: أنَّ "الخيرَ الرَّمليّ" وافَقَ "المقدسيّ" في أَنَّه
يُورَثُ قياساً على خِيارِ فَواتِ الوَصْفِ المرغوبِ فيه كشراءٍ عبدٍ على أَنَّه خَبّارٌ، وقال: ((إنّه به
أَشبَهُ؛ لأَنَّه اشتَرَاهُ على قولِ البائع، فكان شارطاً له اقتضاءً وصفاً مرغوباً فيه فبانَ بخلافِهِ)) اهـ.
وقدَّمنا(٢) هناك ترجيحَ ما بَحَثَهُ "المصنّفُ": ((من أَنَّه لا يُورَتُ كخِيارِ ظُهُورِ الخيانةِ في المرابحة،
وأَنَّه به أَشبَهُ))، فراجعْهُ، فافهمْ.
[٢٤١٢٠] (قولُهُ: ومالَ إِلى أَنَّه يُورَثُ) المرادُ بالإرثِ انتقالُهُ إلى الوارِثِ بطريقِ الْخَلَفِيَّةِ(٣)
لا بطريقِ الإِرثِ حقيقةً كما عُلِمَ مما نقلناه(٤) مِن عبارةِ "المصنّف" في "المنح"، وحقَّقناه في بابِ
خِيارِ الشَّرْطِ(٥)، وعلمتَ ترجيحَ مَا بَحَثَّهُ "المصنّفُ" أوَّلاً.
[٢٤١٢١] (قولُهُ: قُبيلَ النّاسعةِ) صوابُهُ: قُبِيلَ العاشرة.
[٢٤١٢٢] (قولُهُ: ويصيرُ مَغرُوراً) عبارةُ "الأشباه"(٦): ((ثُمَّ اعلمْ أنَّ مِلْكَ الوارِثِ بطريقِ الخلافةِ
(١) لم يذكر أحدٌ ثمّن ترجم لصالح بن محمد التمرتاشيّ ابن المصنّف أنّ له "معونة المفتي". انظر "خلاصة الأثر"
٢٣٩/٢، و"الأعلام" ١٩٥/٣. وتقدم ٤٧٦/٧ أنّ للمصنّف كتاب "معين المفتي على جواب المستفتي".
(٢) المقولة [٢٢٧٢٢] قوله: ((وتَغريرٍ ونَقْدٍ)).
(٣) في "ب" و"م": ((الخليفة))، وهو خطأ، وفي "آ": ((الخليفيَّة)).
(٤) المقولة [٢٤١١٨] قوله: ((استظهرَ المُصنّفُ لا)).
(٥) المقولة [٢٢٧٢٢] قوله: ((وتَغْرِيرٍ ونَقْدٍ)).
(٦) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثالث: الجمعُ والفرقُ - القول في الملك صـ٤١٥ -.
الجزء الخامس عشر
١٤٧
باب المرابحة والتَّولية
وقدَّمنا عن "الخانَيَّة": ((أَنَّ متى عاَنَ ما يُعرَفُ بالعِيانِ انْتَفَى الغَرَرُ))، فتدَّرْ (١).
عن الميت، فهو قائمٌ مَقَامَهُ كأَنَّ حِيٌّ، فيَرُدُّ المبيعَ بعيبٍ ويُرَدُّ عليه، ويصيرُ مَغرُوراً بالجاريةِ التي
اشتَرَاها الميتُ إلخ)).
قلت: ومعناه أنَّ الوارثَ لو استولَدَ الجاريةَ ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ فالولدُ حُرٌّ بالقيمةِ؛ لكونِهِ وَطِتَها بناءً
على أنَّها مِلْكُهُ، فَيَرِعُ بما ضَمِنَ على بائعٍ مُورِّهِ كما لو استولَدَها المُورِّثُ، وأنت خبيرٌ بأنَّ هذا لا
يدلُّ على أَنَّه يَثْبُتُ له خِيَارُ الرَّدِّ بالتّغريرِ فيما إذا اشتَرَى مُورَُّهُ شيئاً بَغَبْنٍ فاحشٍ بِتَغْرِيرِ البائعِ؛ لأَنّه مجرَّدُ
خِيارٍ لا يُقابِلُهُ شيءٌ مِن الَّمنِ بخلافٍ ثُبُوتِ حُرِّةٍ ولِهِ، فإنَّه ليس بخيارٍ، فهذا تأيدٌ بما لا يفيدُ، فافهمْ.
(٢٤١٢٣] (قولُهُ: وقدَّمنا) أي: قُبِيلَ بابِ خِيارِ الرُّؤية(٢).
[٢٤١٢٤] (قولُهُ: انتَفَى الغَرَرُ) كما لو اشتَرَى سَوِيقاً على أنَّ البائعَ لَّهُ بِمَنِّ مِن السَّمْنِ
وتقابَضا والمشتري يَنظُرُ إليه، فظهَرَ أَنَّه لَنَّهُ بنصفِ مَنِّ جازَ البيعُ ولا خِيارَ للمشتري، وهو نظيرُ ما
لو اشتَرَى صابوناً على أنَّه مُتَّخَذٌ مِن كذا جرَّةً مِن الدُّهنِ، ثمَّ ظهَرَ أَنَّه ◌ُتَّخِذَ بأقلَّ مِن ذلك
١٦١/٤ والمشتري كان يَنظُرُ إلى الصّابونِ وقتَ الشِّراءِ جازَ البيعُ مِن غيرِ خِيارِ، "طهيريَّة"(٣).
قلت: وكونُ ذلك مما يُعرَفُ بالعِيانِ غيرُ ظاهرٍ، فليُتأمَّلْ. وقدَّمنا(٤) تمامَهُ هناك، والله
سبحانه أعلم.
(قولُهُ: ويصيرُ مَغرُوراً بالجاريةِ التي اشتَرَاها الميتُ إلخ) بقيَّةُ عبارةِ "الأشباه" بعدما نقلَهُ "المحشِّي":
((ويصحُّ إثباتُ دَيْنِ الميتِ عليه، وأمّا مِلْكُ الموصَى له فليس خلافةً عنه بل بعَقْدٍ تَمَلُّكِ ابتداءً، فانعَكَسَت
الأحكامُ في حَقِّه، كذا ذكَرَ "الصَّدرُ الشَّهيد" في "شرح أدب القضاء" لـ "الخصّاف")) اهـ. ونصُّهُ - على ما
نقَلَهُ عنه "السِّنديُّ" في الباب الثّالثِ والسَّبعين -: ((وأمّا الموصَى له فلأَنَّه ليس بخليفةٍ للميتِ فيما يَتَمَلَّكُهُ،
بل يَتَمَلَّكُ ابتداءً بِعَقْدِ الوصيّة، ألا ترى أنّه لا يَرُدُّ بالعَيْبِ، ولا يصيرُ مغروراً فيما اشتَرَاهُ الْمُوصَى له))، فلم
يكن في عبارة "الأشباه" ذِكْرٌ للوصيِّ، بل هو المُوصَى إليه.
(١) في "و"زيادة: ((والله تعالى أعلم بالصواب)).
(٢) ١٤/ ٣٤٠ "در".
(٣) "الظهيرية": كتاب البيوع - القسم الثاني - الفصل الرابع في البيع بالشرط وفيما يدخل تحت البيع تبعاً ق ٢٦٣/ب.
(٤) المقولة [٢٢٨١٦] قوله: ((انْتَفَى الغَرَرُ)).
حاشية ابن عابدين
١٤٨
قسم المعاملات
﴿فصلٌ﴾ في التَّصرُّف في المبيع والثَّمن قبلَ القَبْض والزِّيادة والحَطِّ فيهما
وتأجيل الدُُّون
(صَحَّ بَيْعُ عَقارٍ لا يُخشَى هلاكُهُ قبلَ قَبْضِهِ)
﴿فصلٌ فِي النَّصرُّف في المبيع والثَّمن إلخ﴾
أورَدَها في فصلٍ على حِدَةٍ لأَنَّها ليست مِن المرابحةِ، غيرَ أنَّ صحَّتَها لَمّا توقّفَتْ على القَبْضِ
كان لها ارتباطٌ بالَّصرُّفِ بالمبيعِ قبل القَبْضِ، والباقي استطرادٌ، "نهر"(١).
[٢٤١٢٥] (قولُهُ: صَحَّ بَيْعُ عَقارِ إلخ) [١٠٢٥/٣/أ) أي: عندهما، وقال "محمَّدٌ": لا يجوزُ،
وعَبَّرَ بالصِّحَّة دون النَّاذِ واللُّومِ؛ لأَنْهما موقوفان على نَقْدِ الثَّمنِ أو رِضا البائع، وإلّ فللبائعِ
إبطالُهُ، أي: إبطالُ بَيْعِ المشتري، وكذا كلُّ تصرُّفٍ يَقبَلُ النَّقْضَ إذا فعَلَهُ المشتري قبلَ القَبْضِ
أو بعدَهُ بغيرِ إذنِ البائعِ فللبائعِ إبطالُهُ، بخلافِ ما لا يَقبَلُ النَّقْضَ كالعِثْقِ والتَّدبيرِ والاستيلاد،
"بحر"(٢). وقولُهُ: ((أو بعدَهُ بغيرِ إذنِ البائع)) الجارُّ والمجرورُ متعلّقٌ بالضَّميرِ العائدِ على
((القَبْضِ))، أي: بعدَ القَبْضِ الواقعِ بلا إذنِهِ؛ لأنَّ قَبْضَ المبيعِ قبلَ تَقْدِ الثَّمنِ بلا إذنِ البائع غيرُ
مُعتبرِ؛ لأنَّ له استردادَهُ وحَبْسَهُ إلى قَبْضِ الثَّمن. وقَّدَ بالبيع لأَنَّه لو اشتَرَى عقاراً فَوَهَبَهُ(٣) قبلَ
القَبْضِ مِن غيرِ البائع يجوزُ عندَ الكلِّ كما في "البحر"(٤) عن "الخانَّةُ(*)، أي: لحصولِ القَبْضِ
بِقَبْضِ الموهوبِ له كما يأتي(٦). واحترَزَ به عن الإجارةِ، فإنّها لا تصحُّ كما يأتي(٧).
(١) "النهر": كتاب البيع - باب التولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ق ٣٩٢/أ.
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب المرابحة والتولية - فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٢٦/٦ بتصرف.
(٣) عبارة "الخانية": ((لو اشترى داراً أو عقاراً فَرَهَنَها إلخ)).
(٤) "البحر": كتاب البيع - باب المرابحة والتولية - فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٢٦/٦.
(٥) "الخانية": كتاب البيوع - بابٌ في قبض المبيع وما يجوز من التصرف إلخ ٢٦٣/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) المقولة [٢٤١٣٩] قوله: ((والأصلُ إلخ)).
(٧) المقولة [٢٤١٣٢] قوله: ((وإجارةٍ)).
الجزء الخامس عشر
في التَّصرُّف في المبيع والثّمن إلخ
١٤٩
مِن بائعِهِ لعدمِ الغَرَرِ؛ لِنُدْرةِ هلاكِ العَقارِ، حتّى لو كان عُلْواً أو على شَطِّ نهرٍ
ونحوِهِ كان كمنقولٍ، فـ(لا) يصحُّ اتفاقاً ككتابةٍ ..
[٢٤١٢٦] (قولُهُ: مِن بائعِهِ) متعلّقٌ بـ ((قَبْضٍ)) لا بـ ((بَيْعُ))؛ لأنَّ بَيْعَهُ مِن بائعِهِ قبلَ قَبْضِهِ
فاسدٌ كما في المنقول، ويُراجَعُ، "ط)) (١).
[٢٤١٢٧] (قولُهُ: لعدمِ الغَرَرِ) أي: غَرَرِ انفساخِ العَقْدِ على تقديرِ الهلاك، وعلَّلَهُ بقولِهِ:
(ُنُدْرةِ هلاكِ العَقَارِ))، "ط"(١).
[٢٤١٢٨] (قولُهُ: حَتّى لو كان إلخ) تفريعٌ على مفهومٍ قولِهِ: ((لا يُخشَى هلاكُهُ)).
[٢٤١٢٩] (قولُهُ: ونحوِهِ) بأنْ كان في موضعٍ لا يَأْمَنُ أنْ تَغْلِبَ عليه الرِّمالُ، "ح(٢) عن
"النّهر"(٣)، ومثلُهُ في "الفتح" (٤).
[٢٤١٣٠] (قولُهُ: كان كمنقولٍ) أي: بمنزلتِهِ مِن حيث لُحُوقُ الغَرَرِ بهلاكِهِ.
[٢٤١٣١] (قولُهُ: ككتابةٍ) قال في "الجوهرة"(٥): ((وفي الكتابةِ يُحتمَلُ أنْ يقال: لا تجوزُ؛
﴿فصلٌ في التَّصرُّف في المبيع والثّمن إلخ﴾
(قولُهُ: لأنَّ بَيْعَهُ مِن بائِعِهِ قبلَ قَبْضِهِ فَاسٌ إلخ) لا يظهرُ وجهُ فسادٍ بَيْعِ العَقارِ للبائع قبلَ قَبْضِهِ،
والعلَّهُ المذكورةُ للفسادِ في المنقولِ - وهي الغَرَرُ - غيرُ مُتحقّقَةٍ في هذه المسألة.
(قولُهُ: أي: غَرَرِ انفساخِ العَقْدِ إلخ) في "الصَّحاح": ((أَنَّه عليه السَّلام ((نَهَى عن بَيْعِ الغَرَرَ))،
والغَرَرُ مَا طُوِيّ عنكْ عِلْمُهُ)) اهـ "فتح".
(١) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠٠/٣.
(٢) "ح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ق ٢٩٥/ب.
(٣) "النهر": كتاب البيع - باب التولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ق ٣٩٢/أ.
(٤) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما يُنقل ويحوَّل إلخ ١٣٨/٦.
(٥) "الجوهرة النيرة": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية ٢٥٥/١.
حاشية ابن عابدين
١٥٠
قسم المعاملات
وإجارةٍ و (بَيْعِ منقولٍ) قبلَ قَبْضِهِ.
لأَنّها عَقْدُ مبادلةٍ كالبيعٍ، وَيُحتمَلُ أنْ يقال: تجوزُ؛ لأَنّها أوسعُ مِن البيعِ جوازاً)) اهـ. لكنْ قال
"الرَّيلِعِيُّ)(١): ((ولو كاَتَبَ العبدَ المبيعَ قبلَ القَبْضِ توقّفَتْ كتابتُهُ، وكان للبائعِ حَبْسُهُ بِالثَّمنِ؛ لأنَّ
الكتابةَ مُحتمِلةٌ للفَسْخِ، فلم تَنفُذْ في حقِّ البائعِ نظراً له، وإِنْ نَقَدَ الَّمِنَ نَفَذَتْ لزوالِ المانع)) اهـ. قال
في "البحر"(٢): ((ولا خُصُوصِيَّةً لها، بل كلُّ عَقْدٍ يَقبَلُ النَّقْضَ فهو موقوفٌ كما قدَّمناه)) اهـ.
وبه عُلِمَ أنَّ الكتابةَ تصحُّ لكنّها تتوقّفُ، فلا يناسبُ قولُهُ: ((فلا يصحُّ اتفاقاً)) كما أفادَهُ "ح"(٣)،
فكان المناسبُ إسقاطَها.
[٢٤١٣٢] (قولُهُ: وإجارةٍ) أي: إجارةِ العَقارِ، فإِنَّها لا تصحُّ اتفاقاً، وقيل: على الخلافِ،
والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ المعقودَ عليه في الإجارةِ المنافعُ، وهلاكُها غيرُ نادٍ، وهو الصَّحِيحُ، كذا في
أ "الفوائد الظَّهيريَّة"، وعليه الفتوى، كذا في "الكافي"، "فتح"(٤) وغيره.
(٢٤١٣٣] (قولُهُ: وبَيْعِ منقولٍ) مجرورٌ بالعطفِ على ((كتابةٍ))، وهو في عبارة "المصنّف"
مرفوعٌ، والأَولى في التّعبيرِ أنْ يقول: حَتّى لو كان عُلْواً أو على شَطِّ نهرٍ أو نحوهٍ، أو آجَرَهُ كان
( كمنقولٍ، ولا يصحُّ بَيْعُ منقولٍ إلخ. وفي "البحر"(٥): ((ودخَلَ في البيع الإجارةُ - لِأَنَّهَا بَيْعُ المنافعِ،
أي: وهي في حُكْمِ المنقولِ - والصُّلْحُ؛ لأنّه بَيْعٌ)) اهـ، أي: الصُّلْحُ عن الدَّيْنِ كما في "الفتح"(٦).
(قولُهُ: أي: الصُّلْحُ عن الدَّيْنِ إلخ) لا يصحُّ أنْ يكونَ هذا قَيْداً، بل كذلك لو جَعَلَ المشتري قبل
قَبْضِهِ بدلَ صُلْحٍ عن عَيْنٍ لا يصحُّ؛ لأَنَّه ◌َيْعٌ، وما ذكرَهُ في "الفتح" مجرَّدُ مثالٍ، وهو لا يُخصِّصُ.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب التولية - فصل: صحَّ بيع العقار قبل قبضه ٨٠/٤.
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب المرابحة والتولية - فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٢٧/٦.
(٣) "ح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ق٢٩٥/ب.
(٤) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما يُنقل ويحوّل إلخ ١٣٨/٦ بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب البيع - باب المرابحة والتولية - فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٢٧/٦ بتصرف.
(٦) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما يُنقل ويحوَّل إلخ ١٣٧/٦.
الجزء الخامس عشر
في النَّصرُّف في المبيع والثّمن إلخ
١٥١
ولو مِن بائعِهِ كما سيجيءُ (بخلافٍ) عِتْقِهِ وتدبيرِهِ و(هِيَتِهِ والتّصدُّق به وإقراضِهِ)
ورَهْنِهِ وإعارتِهِ.
وتعبيرُ "النّهر"(١) بـ ((الخُلْعِ)) سَبْقُ قَلَمٍ، ثمَّ قال في "البحر "(٢): ((وأرادَ بالمنقولِ المبيعَ المنقولَ، فجاز
بَيْعُ غيرِهِ كالمهرِ، وَبَدَلِ الخَلْعِ، والعِثْقِ على مالٍ، وبدلِ الصُّلْحِ عن دمِ العَمْد)).
[٢٤١٣٤] (قولُهُ: ولو مِن بائعِهِ) مرتبطٌ بقولِهِ: (وَبَيْعِ منقولٍ))، "ط) (٣).
[٢٤١٣٥) (قولُهُ: كما سيجيءُ) أي: قريباً في قول "المصنّف"(٤): ((ولو باعَهُ مِنه قبلَهُ
لم يصحَّ))، "ط " (٥).
[٢٤١٣٦] (قولُهُ: بخلافٍ عِتْقِهِ وتدبيرِهِ) يُوهِمُ أنَّ فيه خلافَ "محمَّدٍ" الآتي (٦) وليس كذلك، ففي
"الجوهرة(٧): ((وأمّا الوصيَّةُ والعِثْقُ والَّدبيرُ وإِقرارُهُ بَأَنَّها أُّ ولدِ يجوزُ قبلَ القَبْضِ بالاتّفاق)) اهـ.
(قولُهُ: وتعبيرُ "النّهر" بـ: الْخُلْعِ سَبْقُ قَلَمٍ) عبارةُ "النّهر": ((وفي "الإيضاح": كلُّ ◌ِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ
يَنفَسِخُ العَقْدُ فِيه بهلاكِهِ قبلَ القَبْضِ لم يَحُزُ الَّصرُّفُ فيه كالمبيعِ والأُجرةِ إذا كانَتْ عَيْناً، وبدلِ الْخُلْعِ
إذا كان مُعيّنَاً، وما لا يَنفَسِخُ بهلاكِهِ فَالَّصرُّفُ فيه جائزٌ قبلَ القَبْضِ كالمهرِ، وبدلِ الصُّلْحِ، والعِثْقِ على
مالٍ، وبدلِ الصُّلْحِ عن دمٍ عمدٍ)) اهـ. وأنت خبيرٌ بأنَّ بَيْعَ بدلِ الْخُلْعِ قبلَ قَبْضِهِ صحيحٌ، ولا يظهرُ فَرْقٌ
بِينَ بدلِ المهرِ وبدلِ الخُلْعِ، وقد وقَعَ التَّحريفُ في عبارتِهِ بِذِكْرِهِ في القسمِ الأوَّلِ بدلَ الخُلْعِ وحَقُّهُ أنْ
يقولَ: وبدلِ الصُّلْح، وذكرِهِ في القسم الثّاني بدلَ الصُّلْحِ وحَقُّهُ أنْ يقول: بدلِ الخُلْعِ.
(١) "النهر": كتاب البيع - باب التولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ق ٣٩٢/أ.
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب المرابحة والتولية - فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٢٧/٦.
(٣) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠٠/٣.
(٤) صـ ١٥٣ - "در".
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠٠/٣.
(٦) المقولة [٢٤١٣٩] قوله: ((والأصلُ إلخ)).
(٧) "الجوهرة النيرة": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية ٢٥٥/١.
حاشية ابن عابدين
١٥٢
قسم المعاملات
(مِن غيرِ بائعِهِ) فإنّه صحيحٌ (على) قولِ "محمَّدٍ"، وهو (الأصحُّ) والأصلُ أنَّ كلَّ
عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَنفَسِخُ بهلاكِهِ قبلَ قَبْضِهِ فالتّصرُّفُ فيه غيرُ جائزٍ، وما لا فجائزٌ،
س!(١)
" عيني
وفي "البحر"(٢): ((وأمّا تزويجُ الجاريةِ المبيعةِ قبل قَبْضِها فجائزٌ؛ لأنَّ الغَرَرَ لا يَمنَعُ جوازَهُ بدليلٍ
صحَّةِ تزويجِ الآبِقِ، ولو زَوَّجَها قبلَ القَبْضِ ثُمَّ فسَخَ البيعَ انفسَخَ النكاحُ على قول "أبي يوسف"،
◌َةٍ"(٣)
وهو المختارُ كما في "الولوالجيّة"
[٢٤١٣٧) (قولُهُ: مِن غيرِ بائعِهِ) قَّدَ به ليُفهَمَ أَنَّه لو كان مِن بائعِهِ فهو كذلك بالأَولى.
[٢٤١٣٨) (قولُهُ: وهو الأصحُّ) صرَّحَ به "الزَّيلميُّ)(٤) وغيرُهُ خلافاً لـ "أبي يوسف".
[٢٤١٣٩) (قولُهُ: والأصلُ إلخ) قال في "الفتح"(٥): ((الأصلُ أنَّ كلَّ عَقْدٍ يَنفَسِخُ بهلاكِ العِوَضِ
قبلَ القَبْضِ لم يَحُزُ النّصرُّفُ في ذلك العِوَضِ قبلَ قَبْضِهِ كالمبيعِ في البيعِ، والأُجرةِ إذا كانَتْ عَيْناً في
الإجارةِ، وَبَدَلِ الصُّحِ عن الدَّينِ إذا كان عَيْناً، لا يجوزُ بَيْعُ شيءٍ مِن ذلك، ولا أنْ يُشرِكَ فيه غيرَهُ،
وما لا يَنفَسِخُ بهلاكِ العِوَضِ فَالنَّصرُّفُ فيه قبلَ القَبْضِ جائزٌ كالمهرِ إذا كان عَيْناً، وَبَدَلِ الْخُلْعِ،
والعِثْقِ على مالٍ، وَبَدَلِ الصُّلْحِ عن دمِ العَمْدِ، كلُّ ذلك إذا كان عَيْناً يجوزُ بَيْعُهُ وهِبَتُهُ وإجارتُهُ قبَل
(قولُهُ: قَّدَ به ليُفْهَمَ أَنَّه لو كان مِن بائعِهِ فهو كذلك بالأولى) كذا قال "الحلبيُّ"، لكنْ سيأتي أنَّ
الهِّةَ مِن البائعِ قبلَ القَبْضِ لا تصحُّ، بل تكونُ نَقْضاً للبيع، "سنديّ". وفيه عن "السِّراج": ((وهكذا
لو رَهَنَهُ، أو أعارَهُ، أو تصدَّقَ به، أو أقرَضَهُ مِن البائع قبلَ قَبْضِهِ، حيث يَبطُلُ جميعُ ذلك)).
(١) "رمز الحقائق": كتاب البيوع - باب التولية - فصل في بيان أحكام البيع قبل قبض المبيع إلخ ٣٩/٢ بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب المرابحة والتولية - فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٢٧/٦ بتصرف.
(٣) "الولوالجية": كتاب النكاح - الفصل الأول في إذن المولى وإجازته النكاح ٣٠٧/١.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب التولية - فصل: صحَّ بيع العقار قبل قبضه ٨١/٤.
(٥) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما يُنقل ويحوَّل إلخ ١٣٦/٦ - ١٣٧.
الجزء الخامس عشر
في النَّصرُّف في المبيع والثَّمن إلخ
١٥٣
(و) المنقولُ (لو وَهَبَهُ مِن البائعِ قبلَ قَبْضِهِ فَقَبِلَهُ) البائعُ (انتقَضَ البيعُ، ولو باعَهُ مِنه قبلَهُ
لم يصحَّ) هذا البيعُ، ولم يَنْتَقِض البيعُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الهِبَةَ مجازٌ عن الإقالةِ،.
قَبْضِهِ وسائرُ الَّصرُّفَاتِ في قولِ "أبي يوسف"، ثمَّ قال [٣/ق١٠٢٥/ ب] "محمَّدٌ": كلُّ تصرُّفٍ لا يَتِمُّ إلّ
بالقَبْضِ كالهِبَةِ والصَّقِةِ والرَّهْنِ والقَرْضِ فهو جائزٌ؛ لأَنّه يكونُ نائباً عنه ثمَّ يصيرُ قابضاً لنفسِهِ، كما
لو قال: أَطعِمْ عن كفّارتي جازَ، ويكونُ الفقيرُ نائباً عنه في القَبِّضِ ثُمَّ قابضاً لنفسِهِ)) اهـ ملخّصاً.
١٦٢/٤
قلت: وحيث مشى "المصنّفُ" على قولِ "محمَّدٍ" كان ينبغي لـ "الشّارح" ذِكْرُ الأصلِ الثّاني
أيضاً؛ لأَنَّه يَظهَرُ مما ذكرنا: أنَّ الأصلَ الأوَّلَ غيرُ خاصٌ بقولِ "أبي يوسف"، إلّ أنَّ الشِّقَّ الأوَّلَ
منه - وهو ما يَنفَسِخُ بهلاكِ العِوَضِ قبلَ القَبْضِ كالبيعِ والإِجارةِ- لا يجوزُ الَّصرُّفُ قبلَ القَبْضِ فِي
عِوَضِهِ المعَّنِ عند "أبي يوسف" مُطلقاً، وأجاز "محمَّدٌ" فيه كلَّ تصرُّفٍ لا يَتِمُّإلّ بالقَبْضِ كالهِبَةِ
ونحوِها؛ لأنَّ الهِبَةَ لَمّا كانَتْ لا تَتِمُّ إلّ بالقَبْضِ صار الموهوبُ له نائباً عن الواهبِ، وهو المشتري
الذي وَهَبَهُ المبيعَ قبلَ قَبْضِهِ، ثمَّ يصيرُ قابضاً لنفسِهِ، فَيُّ الهِيَّةُ بعدَ القَبْضِ، بخلافِ الَّصرُّفِ الذي
يَتُّ قبلَ القَبْضِ كالبيعِ مثلاً، فإنَّه لا يجوزُ؛ لأَنَّه إذا قَضَهُ المشتري الثّاني لا يكونُ قابضاً عن الأوَّلِ
لعدمِ توقُّفِ البيعِ على القَبْضِ، فَيَلزَمُ منه تمليكُ المبيعِ قبل قَبْضِهِ وهو لا يصحُّ، لكنْ يَرِدُ على الأصلِ
المذكورِ العِثْقُ والَنَّدبيرُ، بأنْ أعْتَقَ أو دَبَّرَ المبيعَ قبل قَبْضِهِ، فقد علمتَ جوازَهُ اتفاقاً مع أنّه يَتِمُّ قبلَ
القَبْضِ، وهو تصرُّفٌ فِي عَقْدٍ يَنفَسِخُ بهلاكِ العِوَضِ قبلَ القَبْضِ، فليُتْمَّلْ.
[٢٤١٤٠) (قولُهُ: فَقَبِلَهُ) أي: قَبِلَ هِبَتَهُ، فإنْ لم يَقبَلْها بطَلَتْ، والبيعُ صحيحٌ على حالِهِ،
"جوهرة"(١).
[٢٤١٤١] (قولُهُ: لأنَّ الهِبَةَ مجازٌ عن الإقالةِ) يقالُ: هَبْ لي دَيْنِي، وأَقِلْنِي عَثْرتي، وإنما كان
(قولُهُ: في قولِ "أبي يوسف"، ثمَّ قال "محمَّدٌ" إلخ) عبارةُ "الفتح": ((ثُمَّ قولُ (٢) "محمَّدٍ" إلخ)).
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية ٢٥٦/١.
(٢) نقول: الذي في نسختنا من مطبوعة "الفتح": ((ثم قال))، وهو موافقٌ لما نقله عنه ابن عابدين رحمه الله تعالى.
حاشية ابن عابدين
١٥٤
قسم المعاملات
بخلافٍ بَيْعِهِ قبلَهُ فإنّه باطلٌ مُطلقاً، "جوهرة)"(١).
قلتُ: وفي "المواهب": ((وفسَدَ بَيْعُ المنقولِ قبلَ قَبْضِهِ)) انتهى. ونَفْيُ الصِّحَّةِ يَحْتَمِلُهما، فتدبّرْ
كذلك؛ لأنَّ قَبْضَ البائعِ لا يُنُوبُ عن قَبْضِ المشتري كما في "شرح المجمع".
[٢٤١٤٢] (قولُهُ: بخلافٍ بَيْعِهِ) فإنَّه لا يَحتمِلُ المجازَ عن الإقالةِ؛ لأَنّه ضِدُّها، "ط)"(٢) عن
ي"(٣)
"الشلبي
[٢٤١٤٣] (قولُهُ: مُطلقاً) أي: سواءٌ باعَهُ مِن بائعِهِ أو مِن غيرِهِ، "ح"(٤).
[٢٤١٤٤) (قولُهُ: قلتُ إلخ) استدراكٌ على قولِ "الجوهرة": ((فإنّه باطلٌ)).
[مطلب: كثيراً ما يطلقُ الباطلُ على الفاسد]
[٢٤١٤٥) (قولُهُ: ونَفْيُ الصِّحَّةِ) أي: الواقعُ في "المعن" ((يَحْتَمِلُهما)) أي: يَحَتَمِلُ الْبُطْلانَ
والفسادَ، والظّاهرُ الثّاني؛ لأنَّ عَلَّةَ الفسادِ الغَرَرُ كما مَرَّ(٥) مع وُجُودِ رُكْني البيعِ، وكثيراً ما يُطلَقُ
الباطلُ على الفاسدِ، أفادَهُ "ط)"(٦).
مطلبٌ في تصرُّفِ البائعِ في المبيعِ قبلَ القَبْض
(تتمَّةٌ)
جميعُ ما مَرَّ إنما هو في تصرُّفِ المشتري في المبيعِ قبلَ قَبْضِهِ، فلو تصرَّفَ فيه البائعُ قبلَ قَبْضِهِ
(قولُهُ: لأنَّ قَبْضَ البائعِ لا يُنُوبُ عن قَبْضِ المشتري إلخ) عبارةُ "السِّراج" - على ما في "السِّنديّ" -:
((والفَرْقَ بينهما: أنَّ قَبْضَ البائعِ لا يقومُ مَقَامَ قَبْضِ المشتري، فلا تصحُّ الهِيَةِ قبلَ القَبْضِ، إلّ أنَّ البيعَ يَطُلُ؛
لأنَّ الهِبَةَ تَصلُحُ لإسقاطِ الحقوقِ، ولهذا يَبرَّأُ بها مِن الدِّيُونِ، فصارَتْ إسقاطً لقَّبْضِ المبيعِ، فإذا تراضَيا بذلك
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية ٢٥٦/١ بتصرف.
(٢) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠٠/٣.
(٣) "حاشية الشِّلْبِي" على "التبين": كتاب البيوع - باب التولية - فصلٌ: صحَّ بيع العقار قبل قبضه ٨١/٤ (هامش "تبين الحقائق"):
(٤) "ح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ق ٢٩٥/ب.
(٥) المقولة [٢٤١٣٠] قوله: ((كان كمنقولٍ)).
(٦) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠٠/٣.
الجزء الخامس عشر
١٥٥
في التَّصرُّف في المبيع والثّمن إلخ
فإمّا بأَمْرِ المشتري أوْ لا، فلو بأَمْرِهِ - كأنْ أمَرَهُ أنْ يَهَبَهُ مِن فلانٍ أو يُؤْجِّرَهُ ففعَلَ وسَلَّمَ - صَحَّ
وصار المشتري قابضاً، وكذا لو أعارَ البائعُ أو وهَبَ أو رهَنَ فأجاز المشتري، ولو قال: ادفَع
الثَّوبَ إلى فلانٍ يُمسِكُهُ إلى أنْ أدفَعَ لك ثمنَهُ، فهلَكَ عند فلانٍ لَزِمَ البائعَ؛ لأنَّ إمساكَ فلانٍ
لأجلِ البائع، ولو أمَرَهُ بالبيعِ فإِنْ قال: بِعْهُ لنفسِكَ أو بِعْهُ ففعَلَ كان فَسْحاً، وإِنْ قال: بِعْهُ لي
ء
لا يجوزُ. وأمّا تصرُّفُه بلا أَمْرِ المشتري كما لو رهَنَ المبيعَ قبلَ قَبْضِهِ أو آجَرَهُ أو أودَعَهُ فمات
المبيعُ انفسَخَ بَيْعُهُ ولا تضمينَ؛ لأَنَّه لو ضَمَّنَهم رَجَعُوا على البائع، ولو أعارَهُ أو وهَبَهُ فمات،
أو أودَعَهُ فاستعمَلَهُ الْمُودَعُ فمات فإِنْ شاء المشتري أَمْضَى البيعَ وضَمَّنَ هؤلاء، وإنْ شاء
فسَحَهُ؛ لأَنّ لو ضَمَّنَهم لم يَرجِعُوا على البائع، ولو باعَهُ البائعُ فمات عند المشتري الثّاني
فللأوَّلِ فَسْخُ البيعِ، وله تضمينُ المشتري الّانِي، فَيَرجِعُ بالثَّمنِ على البائع إنْ كان نقَدَهُ. اهـ
ملخّصاً من "البحر"(١) عن "الخانّة"(٢). وفي "جامع الفصولين(٣): ((شَرَاهُ ولم يَقِضْهُ حتّى
باعَهُ البائعُ مِن آخرَ بأكثرَ فأجازَهُ المشتري لم يَحُزْ؛ لأَنَّه بَيْعُ ما لم يَقْبِضْ)) اهـ.
ويظهرُ منه ومما قبلَهُ أَنَّه يبقى على مِلْكِ المشتري الأوَّلِ، فله أَخْذُهُ مِن الّاني لو قائماً، وتضمينُهُ
لو هالكً، والظاهرُ أنَّ له أَخْذَ القائِ لو كان نقَدَ الثَّمنَ لبائعِهِ، وإلّ فلا إلّ بإذن بائعِهِ، تأمَّلْ.
بِطَلَ البيعُ، وأمّا البيعُ فلا يصحُّ قبلَ القَبْضِ، ولم يُوضَعْ لإسقاطِ الحقوقِ، وإنما وُضِعَ للَّمليكِ، فإذا لم يَقَعْ به
الِلْكُ لم يتعلَّقْ به حكمٌ)) اهـ، وبهذا يَتِمُّ تعليلُ المسألة.
(قولُهُ: أو يُؤْجِّرَهُ إلخ) لا يظهرُ إلاّ على مقابلِ المعتمَدِ مِن جوازِ الإجارةِ قبلَ القَبْضِ، ولا يَظهَرُ
فَرْقٌ بينها وبين أَمْرِهِ بسبعِهِ له حيث قال فيه: ((لا يجوزُ))، تأمَّلْ.
(قولُهُ: لأنَّ إمساكَ فلانٍ لأجلِ البائع) لأَنَّه يُمسِكُهُ إليه لأجلِ الثَّمنِ، "بحر ".
(قولُهُ: والظّاهرُ أنَّ له أَخْذَ القائمِ لو كان نقَدَ الثَّمنَ إلخ) يظهرُ أنَّ الِيْمَةَ كذلك، حتّى لا يأخذُها
مِن المشتري الثّاني قبلَ نَقْدِ الثَّمنِ لقيامِها مَقامَ المبيع.
(١) "البحر": كتاب البيع - باب المرابحة والتولية - فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٢٧/٦ - ١٢٨.
(٢) "الخانية": كتاب البيوع - بابٌ في قبض المبيع وما يجوز من التصرف إلخ ٢٥٧/٢ - ٢٥٨ و٢٦٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والعشرون في تصرفات الفضوليِّ وأحكامها ٢٣١/١.
حاشية ابن عابدين
١٥٦
قسم المعاملات
(اشتَرَى مَكِيلاً بشرطِ الكَيْلِ حَرُمَ) أي: كُرِهَ تحريماً (بَيْعُهُ وأَكْلُهُ حتّى يَكِيلَهُ).
[٢٤١٤٦] (قولُهُ: اشتَرَى مَكِيلاً إلخ) قَّدَ بالشِّراءِ لأَنَّه لو ملَكَهُ بهِبَةٍ أو إرثٍ أو وصِيَّةٍ جاز
النّصرُّفُ فِيه قبلَ الكَيْلِ، والمطلقُ مِن البيعِ يَنصرِفُ إلى الكامل، وهو الصَّحيحُ منه، حتّى لو باع ما
اشتَرَاهُ فاسداً بعدَ قَبْضِهِ مُكايَلَةً لم يَخْتَج المشتري الثّاني إلى إعادةِ الكَيْلِ، قال "أبو يوسف": لأنَّ
البيعَ الفاسدَ يُملَكُ بالقَبْضِ كالقَرْض.
[مطلب: خبرُ الآحاد لا تثبتُ به الحرمةُ القطعيّةُ]
[٢٤١٤٧] (قولُهُ: أي: كُرِهَ تحريماً) فسَّرَ الحُرْمَةَ بذلك لأنَّ النَّهيَ خبرُ آحادٍ لا يَتْبُتُ به الحرمةُ
القطعيَّةُ، وهو ما أسندَهُ "ابنُ ماجه" عن "جابر" رضي الله تعالى عنه أَنَّه ◌َطّ: ((نَهَى عن بَيْعِ الطَّعامِ
(قولُهُ: والمطلقُ مِن البيع يَنصرِفُ إلى الكامل إلخ) عبارةُ "الزَّيلعيِّ": ((ولو شَرَى المكيلَ أو الموزونَ
شراءً فاسداً، فقبَضَهُ ثُمَّ باعَهُ بغيرِ كَيْلٍ أو وَزْنٍ فالبيعُ الثّاني جائزٌ؛ لأنَّ المِلْكَ في البيعِ الفاسدِ يَتْبُتُ
بالقَبْضِ، فصار المملوكُ قَدْرَ المقبوضِ لاَ قَدْرَ المذكورِ فيه، فصار نظيرَ مَن استقرَضَ طعاماً بكَيْلٍ ثُمَّ باعَهُ
مُكايَلَةً لا يحتاجُ إلى إعادةِ الكَيْلٍ))، كذا في "الإيضاح".
(قولُهُ: فسَّرَ الحُرْمَةَ بذلك لأنَّالَّهيَ خبرُ آحادٍ إلخ) أو لأنَّ الحُرْمَةَ إنما تَتْبُتُ عند تِيقُّنِ الزّيادةِ وهي مَوْهومةٌ.
(قولُهُ: وهو ما أسندَهُ "ابنُ ماجه" إلخ) وعند "أحمد" عن "عثمانَ" ◌َُ عن النّبِيِّ: ﴿ أَنَّه قال: (يا
عثمانُ، إذا ابتَعْتَ فاكتَلْ، وإذا بِعْتَ فَكِلْ))(١)، وهذا يُبِّنُ أنَّ المرادَ بالصّاعين في حديثِ " جابرٍ" صاعُ البائعِ
لنفسِهِ حين يَشتريه، وبصاعٍ المشتري صاعُهُ حينَ يبيعُهُ؛ لإجماعِهِم أنَّ البيعَ الواحدَ لا يحتاجُ إلى الكَيْلِ
مرَّتين، كذا في "العناية"، "سنديّ".
(١) روى أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الّيث عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن المغيرة عن مُنقذ مولى سُراقة
عن عثمان أنَّ رسول اللـه مِ ﴿ه قال لعثمان: ((إذا ابتَعْتَ فاكتَلْ، وإذا بِعْتَ فكِلْ)).
أخرجه الدار قطني ٨/٣، والبيهقي ٣١٥/٥ - ٣١٦، وابن حجر في "تغليق التعليق" ٢٣٨/٣ - ٢٣٩ من طريق تمام
والبغوي وأبي نُعيم.
قال ابن حجر: ومُنقذ مجهول الحال. وقد ذكره ابن حبان في "الثقات". وقد تَوبعَ، فرويَ عن سعيد بن المسيب عن عثمان.
فروى الليث وعبد الله بن يزيد وعبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك وسعيد بن أبي مريم ويحيى بن إسحاق
وأبو سعيد مولى بني هاشم والحسن بن موسى وأبو الأسود عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن سعيد بن المسيب
عن عثمان بن عفان قال: كنت أبيع التمر في السوق فأقول: كِلتُ في وَسْقي هذا كذا، فأدفع أَوْساقَ التّمر بكيله
وآخذ شِفّي، فدخلني من ذلك شيء، فسألت رسول الله ◌َ﴿ّ فقال: ((إذا سَمَّيْتَ الكيلَ فكِلْهُ)).
=