Indexed OCR Text
Pages 621-640
الجزء الرابع عشر
٦١٩
باب البیع الفاسد
((ونُجِيزُ بَيْعَ الدُّهْنِ المتنخِّسِ والانتفاعَ به في غيرِ الأَكْلِ بخلافِ الوَدَكِ(١))). (كما
يُنتَفَعُ بما لا تَحُلُّهُ حياةٌ مِنها)
[٢٣٤٥٩] (قولُهُ: وَنُجِيزُ بَيْعَ الدُّهنِ الْمُنِّسِ) عبارةُ "المجمعِ": ((النَّحِسِ))، لكنَّ مرادَهُ
المُتنجِّسُ، أي: ما عَرَضَتْ له النّحاسةُ. وأشارَ بالفعلِ المضارعِ المسنّدِ لضميرِ الجماعةِ إلى
خلافِ "الشّافعيِّ" كما هو اصطلاحُهُ.
[٢٣٤٦٠) (قولُهُ: في غيرِ الأَكْلِ) كالاستصباحِ والدِّباغةِ وغيرِ هِما، "ابن ملكٍ". وقَيَّدوا
الاستِصباحَ بغيرِ المسجدِ.
[٢٣٤٦١) (قولُهُ: بخلافِ الوَدَكِ) أي: دُهْنِ الَيْنَةِ؛ لأَنَّه جُرُؤُها؛ فلا يكونُ مالاً،
"ابن ملكٍ"، أي: فلا يجوزُ بَيْعُهُ اتَّفاقاً، وكذا الانتفاعُ به؛ لحديثِ "البخاريِّ": ((إنَّ الله حَرَّمَ
بَيْعَ الَخَمْرِ وَالَيْتِةِ والخِنزيرِ والأصنامِ. قيل: يا رسولَ الله، أرأيتَ شُحُومَ الَيْنِةِ؟ فإنَّه يُطلَى بها
السُّفُنُ ويُدهَنُ بها الجُلُودُ وَيَسْتَصِبِحُ بها النّاسُ. قال: لا، هو حرامٌ))(٢) الحديثَ.
(١) في "و": ((بخلافِ وَدَكٍ)).
(٢) رواه اللَيث بنُ سعْد عن يزيد بن أبي حَبيب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله
* يقول وهو بمكة عام الفتح ... فذكره، وزاد: ثم قال رسول الله :﴿ عند ذلك: ((قاتلَ اللهُ اليهودَ! إنَّ اللهَ لَّ حرّمِ شحومَها
جَملوهُ ثم باعوه فأكلوا ثَمَّنَه))، ورواه أبو عاصم ثنا عبد الحميد بنُ جعفر حدثنا يزيدُ كَتَب إليّ عطاء سمعت جابراً عن النبي
*. لم يقل: ((هو حرام))، ورواه أبو أسامة عن عبد الحميد ولم يقل: (كتب إلي عطاء) بل (عن عطاء) كما قال الليث.
أخرجه البخاري (٢٢٣٦) في البيوع باب بيع الميتة والأصنام، و(٤٦٣٣) في التفسير باب قوله ﴿على الذين هادوا حرمنا
كل ذي ظفر﴾، مقتصراً على الزيادة المذكورة بدون (فأكلوا ثمنها)، و(٤٢٩٦) في المغازي بعد باب منزل النبي ﴿ يوم الفتح
[مختصراً على تحريم الخمر فقط]، ومسلم (١٥٨١) في البيوع باب تحريم بيع الخمر والميتة .. ، وأبو داود (٣٤٨٦) و(٣٤٨٧)
في البيوع باب في ثمن الخمر والميتة، والترمذي (١٢٩٧) في البيوع باب في بيع جلود الميتة والأصنام، قال: حسن صحيح،
والنسائي في "المجتبى" ١٧٧/٧، و"الكبرى" (٤٥٨٢) في الفرع - النهي عن الانتفاع بشحوم الميتة، وفي "المجتبى" ٣٠٩/٧،
و "الكبرى" (٦٢٦٥) في البيوع - بيع الخنزير، وابنُ ماجه (٢١٦٧) في التجارات باب ما لا يحلُّ بيعه، وأحمد ٣٢٤/٣ و٣٢٦،
وابنُ الجارود في "المنتقى" (٥٧٨)، وابنُ أبي شيبة ٤٧/٥ ١٨٩ مختصراً، ٥٤١/٨، وأبو يعلى (١٨٦٨)، وابنُ حبان
(٤٩٣٧)، والبيهقي ١٢/٦ و٣٥٤/٩ - ٣٥٥، والبغوي (٢٠٤٠).
ورواه محمد بن إسحاق عن عطاء عن جابر ... فذكره بمعناه، وزاد: (فنهاهم عن ذلك)، أخرجه أبو يعلى (٢٢٠٩).
ورواه ابن لهيعة عن جعفر بن لهيعة عن عطاء عن جابر مختصراً على تحريم بيع الميتة والأصنام، أخرجه أحمد ٣٤٠/٣.
ورواه إبراهيمُ بن طَهْمان وحمادُ بن سلمة، كلاهما عن أبي الزُبير عن جابر قال رسول الـهلِ﴿: ((قاتل الله اليهود ... ))
فذكره مختصراً. أخرجه أحمد ٣٧/٣، والبغوي في "الجعديات" (٣٣١٩)، ابن عبد البر في "التمهيد" ٤٠٣/١٧.
=
حاشية ابن عابدين
٦٢٠
قسم المعاملات
ورواه سفيانُ بن عُينة ورَوْحُ بن القاسم ووَرْقَاءُ بن عمرَ عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: بلغَ عمرَ مَلُه
=
أنَّ سمُرة [وفي رواية أن رجلاً] باع خمراً، فقال: قاتلَ اللهُ سَمُرةً! ألم يعلمُ أنَّ رسول الله : ﴿ قال: ((قَتَلَ اللهُ [وفي رواية لُعِنَ]
اليهودُ! حُرِّمتْ عليهم الشُّحومُ فجَمَلُوها فباعُوها))، وزاد بعضهم عن سفيانَ: (وأكلوا أثمانها) قال سفيان: يعني أذابوها.
أخرجه البخاري (٢٢٢٣) في البيوع - باب لا يُذابُ شحمُ الميتَة، و(٣٤٦٠) في الأنبياء - باب ما ذُكر عن بني
إسرائيل، ومسلم (١٥٨٢) واللفظ له، والنسائي في "المجتبى" ١٧٧/٧، دون (فباعوها)، و"الكبرى" (١١١٧٢) في
"التفسير" [الأنعام/١٤٦]، وابن ماجه (٣٣٨٣)، وأحمد ٢٥/١، والحميدي (١٣)، والشَّافعي ١٤١/٢، وعبد الرزاق
(١٤٨٥٤) وابن أبي شيبة ١٨٧/٥، وابن الجارود في "المنتقى" (٥٧٧)، يعقوب بن شيبة في "مسند عمر" (٤٥)،
والدارميُّ (٢١٠٤)، وزاد (فأكلوا ثمنها)، وأبو يعلى (٢٠٠)، والبزار في "البحر الزخار" (٢٠٧)، وابن حبان
(٦٢٥٣) والبيهقي ١٢/٦ و٢٨٦/٨، وابن عبد البر في "التمهيد" ٤٠١/١٧، وذكره الدار قطنيُّ في "العلل" ٨١/٢.
وأخرجه الحميدي (١٤) وعبد الرزاق (١٤٨٥٥) عن ابن عُبينةَ حدثنا مِسْعَرٌ حدثنا عبد الملك بن عُمير أخبرني فلان
عن ابن عباس قال: رأيت عمرَ بنَ الخطاب ◌َّه على المنبر يقول بيده هكذا؛ يحركها يميناً وشمالاً: عُوَيَمَلٌ لنا بالعراق خَلطَ في
فيءِ المسلمين أثمانَ الخمرِ والخنازِيرِ، فهي حرامٌ وثمنُها حرامٌ، وقد قال رسول الله ◌َ﴿و ((لعن الله اليهودَ ... ))
قال الدار قطنيُّ: وخالفَهم حمادُ بنُ زيد ومحمدُ بن مسلم الطائفيّ عن عمرو بن دينار عن طاوس - مرسلاً - عن
عمر، ورواه حنظلةُ بنُ أبي سفيانَ عن طاوسٍ مرسلاً، وقولُ روح وابن عيينة هو الصواب لأنهما حافظان. اهـ
أخرجه يعقوب بن شيبة في "مسند عمر" (٣٦) من طريق حماد.
ورواه الثوري وإسرائيلُ عن إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفي عن سُويد بن غَفَلة قال: ((بلغَ عمرَ ◌َهُ أَنَّ عُمَّالَه يأخُذون
الخمرَ في الجزية فنشدهم ثلاثاً، فقيل: إنهم ليفعلونَ ذلكَ، فقال: فلا تَفَعَلوا ولكن ولُوهُم بيعَها؛ فإنَّ اليهودَ حُرِّمَت عليهم
الشُّحومُ فباعُوها وأكُلُوا أثمانَها)) أخرجه عبد الرزاق (١٤٨٥٣) وأبو عبيد في "الأموال" (١٢٨) و(١٢٩) مختصراً.
ورواه جَرير عن حَبيب بن أبي عَمرةً عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً نحوه. ورواه خالد الحذاءُ عن أبي الوليد بَرَكةً
ابنِ الْعُريان المجاشِعِي عن ابن عباس رفعه نحو ما تقدم، وزاد ((إنَّ اللهَ إذا حَرَّم عليهم أَكْلَ شيءٍ حرَّم عليهم ثمنه)).
أخرجه أحمد ٢٤٧/١ و٢٩٣ و٣٢٢، وابن أبي شيبة ٤٦/٥، وأبو داود (٣٤٨٨)، وابن حبان (٤٩٣٨)، والطبراني في
"الكبير" (١٢٨٨٧)، والبيهقي ١٣/٦، وابن عبد البر ٤٠٢/١٧ و٤٠٣، وذكره البخاري في "التاريخ الكبير" ١٤٧/٢.
قال البخاري: تابعه جابر وأبو هريرة رضي الله عنهما.
روى يونسُ وابنُ جريج عن ابن شهاب سمعت سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ◌َّهِ أَنَّ رسولَ اللهُ﴿ قال:
((قاتلَ اللهُ اليهودُ ... )) به مختصراً، أخرجه البخاري (٢٢٢٤)، ومسلم (١٥٨٣).
وخالفهما معمر فرواه عن ابن شهاب عن سعيد عن النبي # مرسلاً. أخرجه عبد الرزاق (١٦٩٧١) وأخرجه
أحمد ٥١٢/٢ عن ابن جريج أخبرنا ابن شهاب عن سعيد أنه حدثه عن أبي هريرة لم يرفعه.
ورواه إسرائيلُ عن أبي حَصين عن أبي صالح عن أبي هريرة فذكره. أخرجه أحمد ٣٦٢/٢.
وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" ٣٠٦/٨ من طريق مسلم بن سلام حدثنا أبو بكر بن عيَّش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي
هريرة نحوه. وقال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش، لم يروه عنه إلا أبو بكر. ورواه أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده قال: سمعت النبي ﴿ّ عامَ الفتحِ وهو بمكةَ ... فذكر نحوَه. أخرجه أحمد ٢١٣/٢، والبيهقي ٣٥٥/٩.
الجزء الرابع عشر
٦٢١
باب البيع الفاسد
كَعَصَبها وصُوفِها كما مَرَّ(١) في الطَّهارةِ. (و) فسَدَ (شراءُ ما باعَ بنفسِهِ
أو بوكيلِهِ) مِن الذي اشتَرَاهُ.
[٢٣٤٦٢] (قولُهُ: كعَصَبها وصُوفِها) أدخَلَتِ الكافُ عَظْمَها وشَعرَها ورِيشَها ومِنقارَها
وظِلْفَها وحافِرَها، فإنَّ هذه الأشياءَ طاهرةٌ لا تَحُلُّها الحياةُ فلا يَحُلُّها الموتُ، ويجوزُ بَيْعٌ عَظْمِ
الفِيلِ والانتفاعُ به في الحَمْلِ والرُّكوبِ والْمُقَاتَلَةِ، "منح"(٢) مُلخَّصاً، "ط)" (٣).
[٢٣٤٦٣) (قولُهُ: وفسَدَ شراءُ ما باعَ إلخ) أي: لو باعَ شيئاً وقبَضَهُ المشتري ولم يَقْبِضِ
البائعُ الَّمَنَ فَاشْتَرَاهُ بأقلَّ مِن الثَّمَنِ الأوَّلِ لا يجوزُ، "زيلعيُّ"(٤)، أي: سواءٌ كان الثَّمَنُ الأَوَّلُ
حالاً أو مُؤخَّلاً، "هداية "(٥). وقَيَّدَ بقولِهِ: ((وقَبَضَهُ)) لأنَّ بَيْعَ المنقولِ قبلَ قَبْضِهِ لا يجوزُ ولو
مِن بائعِهِ كما سيأتي(٦) في بابِهِ، والمقصودُ بيانُ الفسادِ بالشِّراءِ بالأقلِّ مِن الثَّمَنِ الأَوَّلِ، قال في
"البحرِ"(٧): ((وشَمِلَ شراءً الكلِّ أو البعضِ)).
[٢٣٤٦٤) (قولُهُ: بنفسِهِ أو بوكيلِهِ) تنازَعَ فيه كلٌّ مِن ((شراءُ)) و ((باعَ)). قال في "البحرِ "(٨):
((وأطلَقَ فيما باعَ فشَمِلَ ما باعَهُ بنفسِهِ أو وكيلِهِ، وما باعَهُ أصالةً أو وكالةً، كما شَمِلَ الشِّراءِ لنفسِهِ
أو لغيرِهِ إذا كان هو البائعَ)) اهـ. فأفادَ أَنَّه لو باعَ شيئاً أصالةً بنفسِهِ أو وكيلِهِ، أو وكالةً عن غيرِهِ
ليس له شراؤُهُ بالأقلِّ لا لنفسِهِ ولا لغيرِهِ؛ لأنَّ ◌َيْعَ وكيِهِ بإذنِهِ كَبِيْعِهِ بنفسِهِ، والوكيلُ بالبيعِ أصيلٌ في
حقِّ الحقوقِ؛ فلا يصحُّ شراؤُهُ لنفسِهِ - لأَنَّه شراءُ البائعِ مِن وجهٍ - ولا لغيرِهِ؛ لأنَّ [٣/ ق٧٣/) الشِّراءَ
واقعٌ له مِن حيث الحقوقُ، فكان هذا شراءَ ما باعَ لنفسِهِ مِن وَجهٍ، كذا يُفادُ مِن "الزَّلعيّ) (٩) أيضاً.
[٢٣٤٦٥] (قولُهُ: مِن الذي اشتَرَاهُ) مُتعلِّقٌ بـ ((شراءُ))، وخرَجَ به ما لو باعَهُ المشتري
(١) ٦٨٦/١ "در".
(٢) "المنح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢/ق١٥/ب.
(٣) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٧٢/٣.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٥٣/٤.
(٥) "الهداية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٧/٣ بتصرف.
(٦) المقولة [٢٤١٤٥] قوله: ((ونَفَيُ الصِّحّةِ)).
(٧) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٩٠/٦، نقلاً عن "القنية".
(٨) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٩٠/٦.
(٩) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٥٤/٤.
حاشية ابن عابدين
٦٢٢
قسم المعاملات
ولو حُكْماً كوارثِهِ (بالأقلّ) مِن قَدْرِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ (قبلَ نَقْدٍ) كلِّ (الثَّمَنِ) الأوَّلِ.
صورتُهُ: باعَ شيئاً بعشرةٍ ولم يَقْبِض الثَّمَنَ، ثُمَّ شَراهُ بخمسةٍ لم يَحُزْ.
لِرَجُلٍ أو وهَبَهُ له أو أوصى له به، ثمَّ اشْتَرَاهُ البائعُ الأوَّلُ مِن ذلك الرَّجُلِ فإِنَّه يجوزُ؛ لأنَّ
اختلافَ سببِ المِلكِ كاختلافِ العَيْنِ، "زيلعيّ"(١). ولو خرَجَ عن مِلكِ المشتري ثمَّ عادَ إليه
بُحُكمٍ مِلكٍ جديدٍ كإقالةٍ أو شراءٍ أو هِبَةٍ أو إرثٍ، فشراءُ البائعِ مِنه بالأقلِّ جائزٌ، لا إنْ عادَ
إليه بما هو فَسخٌ بخيارِ رُؤيةٍ أو شَرطٍ قبلَ القَبْضِ أو بعدَهُ، "بحر"(٢) عن "السِّراج".
[٢٣٤٦٦] (قولُهُ: ولو حُكْماً) تعميمٌ لقولِهِ: ((مِن الذي اشتَرَاهُ)).
١١٤/٤
[٢٣٤٦٧] (قولُهُ: كوارثِهِ) أي: وارِثِ المشتري، أي: فلو اشتَرَى مِن وارِثٍ
مُشتريهِ بأقلَّ مِمّا اشتَرَى به المُورِّثُ لم يَجُزْ؛ لقيامِ الوارِثِ مَقامَ الْمُورِّثِ بخلافِ ما إذا
اشتَرَى وارِثُ البائعِ بأقلَّ مِمَّ بَاعَ به مُورِّتُهُ، فإِنَّه يجوزُ إنْ كان مِمَّن(٣) تجوزُ شهادتُهُ
له. والفَرْقُ: أنَّ وارثَ البائعِ إنَّما يَقومُ مَقامَهُ فيما يُورَثُ، وهذا مِمّا لا يُورَثُ،
ووارِثُ المشتري قامَ (٤) مَقامَهُ فِي مِلكِ العَيْنِ، أفادَهُ في "البحر " (٥).
[٢٣٤٦٨) (قولُهُ: بالأقلِّ مِن قَدْرِ الثَّمَنِ الأوَّلِ) وكالقَدْرِ الوصفُ كما لو باعَ
بألفٍ إلى سَنَةٍ فاشتَرَاهُ به إلى سَنَتَيْنِ، "بحر"(٦).
[٢٣٤٦٩) (قولُهُ: قبلَ نَقْدِ كلِّ الثَّمَنِ الأوَّلِ) قَّدَ به لأنَّ بعدَهُ لا فسادَ، ولا يجوزُ
قبلَ النَّقْدِ وإنْ بقيَ درهمٌ، وفي "القنيةِ"(٧): ((لو قَبَضَ نصفَ الثَّمَنِ ثُمَّ اشتَرَى النّصِفَ
(١) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٥٤/٤.
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٩٠/٦ - ٩١ بتصرف.
(٣) في "الأصل" و"آ": ((مما)).
(٤) في "الأصل": ((قائم)).
(٥) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٩٠/٦.
(٦) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٩٠/٦ بتصرف.
(٧) "القنية": كتاب البيع - باب البيع الفاسد وأحكامه ق١٠٣/ب.
الجزء الرابع عشر
٦٢٣
باب البیع الفاسد
وإِنْ رَخُصَ السِّعرُ للرِّبا خلافاً لـ "الشّافعيِّ" (وشراءُ مَن لا تجوزُ شهادتُهُ له) كابنِهِ
وأبيه (كشرائِهِ بنفسِهِ) فلا يجوزُ أيضاً خلافاً لهما.
بأقلَّ مِن نصفِ الثَّمَنِ لم يَجُزْ(١)))، "بحر "(٢).
قلتُ: وبه يظهرُ أنَّ إدخالَ "الشّارحِ" لفظَةَ ((كلِّ)) لا مَحَلَّ له؛ لأَنَّه يُفْهَمُ أنَّه
قبلَ نَقْدِ البعضِ لا يَفسُدُ، وهو خِلافُ الواقعِ.
والحاصلُ: أنَّ تَقْدَ كلِّ الثَّمَنِ شَرطٌ لصحَّةِ الشِّراءِ لا لفسادِهِ؛ لأَنَّه يَفسُدُ قبلَ نَقْدِ الكلِّ
أو البعضِ، فتأمَّل.
[٢٣٤٧٠) (قولُهُ: وإنْ رَخُصَ السِّعرُ) لأنَّ تَغُّرَ السِّعْرِ غيرُ مُعتَبَرٍ فِي حَقِّ الأحكامِ كما في
حَقِّ الغاصِبِ وغيرِهِ، فعادَ إليه المبيعُ كما خرَجَ عن مِلكِهِ فَيَظهَرُ الرِّبحُ، "زيلعيّ)" (٣).
[٢٣٤٧١] (قولُهُ: للرِّبا) علَّةٌ لقولِهِ: ((لم يَجُزُ))، أي: لأنَّ الَّمَنَ لم يَدخُل في ضمانِ البائعِ
قبلَ قَبْضِهِ، فإذا عادَ إليه عَيْنُ مالِهِ بالصِّفَةِ التي خرَجَ عن مِلكِهِ، وصارَ بعضُ الثَّمَنِ قِصاصاً بَبَعضٍ
بقيَ له عليه فَضْلٌ بلا عِوَضٍ، فكان ذلك رِبْحَ ما لم يَضمَن، وهو حرامٌ بالنّصِّ، "زيلعيّ)(٣).
[٢٣٤٧٢) (قولُهُ: كاينِهِ وأبيه) وكعَبْدِهِ ومُكاتَبِهِ؛ لأنَّ شِراءَ هؤلاءِ كشِراءِ البائعِ
بنفسِهِ؛ الاتّصالِ مَنافِعِ المالِ بينَهُم، وهو نظيرُ الوكيلِ في البَيعِ إذا عقَدَ مع هؤلاء،
"زيلعيّ"(٤)، أي: نظيرُ ما لو باعَ الوكيلُ مِن ابْنِهِ ونحوهِ. ثُمَّ لا يخفى أنَّ المرادَ شِراءُ هؤلاء
بالأقلِّ لأَنفُسِهِم، أمّا لو اشتَرَوا بالوكالةِ عن البائعِ لا يجوزُ ولو كانوا أَجانِبَ عنه كما
(قولُهُ: وبه يظهرُ أنَّ إدخالَ "الشّارِحِ" لفظَةَ ((كلِّ)) لا مَحَلَّ له) الشَّرطُ في الفسادِ تقدُّمُ الشِّراءِ على
نَقْضِ كلِّ الثَّمنِ، فإذا نقَضَ البعضَ ثُمَّ اشتَرَى بِالأَقَلِّ يتحقَّقُ الفسادُ، وفي "السنديّ" عن "السراج": ((لا يَجُوزُ أنْ
يشتريَّهُ بأقلَّ مِن الّمنِ، ولو بَقِيَ درهمٌ، ولا بدَّ مِن تَقْدِ جميعِ اللَّمنِ)) اهـ. وما فهِمَهُ المحشِّي وقَلَهُ مُندِفِعٌ، تأمَّلْ.
(١) نقول: علَّهُ صاحب "القنية" بقوله: ((لأَنَّهُ شَرَى ما باع بأقلَّ مما باع)).
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٩٠/٦.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٥٥/٤.
(٤) "تبیین الحقائق": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٥٤/٤ باختصار.
حاشية ابن عابدين
٦٢٤
قسم المعاملات
في غيرِ عبدِهِ ومُكتَبِهِ (ولابُدَّ) لعدمِ الجوازِ (مِن اتّحادِ جِنْسِ الثَّمَنِ) وكونِ المبيعِ
بحالِهِ (فإن اختلَفَ) جِنْسُ الثَّمَنِ أو تعَيَّبَ المبيعُ (جازَ مُطلقاً) كما لو شَراهُ بأَزْيدَ
أو بعدَ النَّقْدِ ..
مَرَّ(١) في قولِ "المصنّفِ": ((أو بوكيلِهِ)).
(٢٣٤٧٣) (قولُهُ: في غيرِ عبدِهِ ومُكاتَبِهِ) فشِراؤُهما مُتَّفَقٌ على عدمِ جوازِهِ، قال
"الزَّيلعيُّ))(٢): ((لأنَّ كَسْبَ العبدِ لسيِّدِهِ، وله في كَسْبِ مُكتَبِهِ حقُّ المِلكِ، فكان تَصرُّفُهُ
كَتَصرُّفِهِ)).
[٢٣٤٧٤)] (قولُهُ: جازَ مُطلقاً) أي: سواءٌ كان الثَّمَنُ الثّاني أقلَّ مِن الأَوَّلِ أو لا؛ لأنَّ
الرِّبحَ لا يظهرُ عندَ اختلافِ الْجِنْسِ. اهـ "منح"(٣). ولأنَّ المبيعَ لو انتَقَصَ يكونُ النُّقصائُ مِن
الثَّمَنِ فِي مُقَابَلةِ ما نقَصَ مِن العَيْنِ سواءٌ كان النَّقْصانُ مِن الَّمَنِ بِقَدْرِ ما نقَصَ مِنها أو
بأكثرَ مِنه، "بحر "(٤) عن "الفتحِ" (٥).
[٧٥ ٢٣٤) (قولُهُ: كما لو شَراهُ إلخ) تشبيهٌ في الجوازِ مع قَطْعِ النَّظَرِ عن قولِهِ: ((مُطلقاً)).
[٢٣٤٧٦] (قولُهُ: بأَزْيدَ أو بعدَ النَّقْدِ) ومِثلُ الأَزْيدِ المُساوي كما في "الزَّيلعيِّ"(٦)،
وهذا قولُ "المصنّفِ"(٧): ((بالأقلِّ قبلَ نَقْدِ الثَّمَنِ)).
(قولُهُ: وهذا قَولُ "المُصنّفِ " إلخ) لَعَلَّهُ مُحَتَرَزُ قَولِ "المُصنّفِ" إلخ.
(١) صـ ٦٢١ - "در".
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٥٤/٤.
(٣) "المنح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢/ق١٧/ب.
(٤) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٩٠/٦ بتصرف.
(٥) "الفتح": كتاب البيوع - باب في البيع الفاسد ٧٢/٦ - ٧٣ باختصار.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٥٣/٤.
(٧) صـ ٦٢٢ - "در".
الجزء الرابع عشر
٦٢٥
باب البیع الفاسد
(والدَّراهمُ والدَّنانيرُ جنْسٌ واحدٌ) في ثماني مسائلَ: مِنها (هُنا)، وفي قضاءِ دَيْنٍ، ..
مطلبٌ: الدَّراهمُ والدَّنانيرُ جِنْسٌ واحدٌ في مسائلَ
[٢٣٤٧٧] (قولُهُ: والدَّراهمُ والدَّنانيرُ جِنْسٌ واحدٌ) حَتّى لو كان العَقْدُ الأوَّلُ بالدَّراهمِ،
فاشتَرَاهُ بالدَّنانيرِ وقِيْمَتُها أقلُّ مِن الَّمَنِ الأوَّلِ لم يَجُز استحساناً؛ لأَنَّهما جِنْسانِ صُورةً،
وجِنْسٌ واحدٌ مَعنى؛ لأنَّ المقصودَ بهما واحدٌ، وهو النَّمنَيَّةُ، فبالنَّظَرِ إلى الأوَّلِ يصحُّ،
وبالنّظَرِ إلى الثّاني لا يصحُّ، فَغَلَّْنا المحرِّمَ على المبيحِ، "زيلعيّ"(١) مُلخَّصاً.
[٢٣٤٧٨) (قولُهُ: في ثماني مسائلَ) الذي في "المنحِ"(٢) عن "العِماديَّة": ((أنَّ
المسائلَ سبعٌ غيرُ الأربعةِ الَزِيدةِ)) اهـ "ح"(٣). وزادَ "الشّارحُ" مسألةَ الْمُضارَبةِ ابتداءً.
[٢٣٤٧٩) (قولُهُ: مِنها هُنا) ((مِن)) اسمٌ بمعنى ((بعضٍ))، مبتدأُ مضافٌ إلى الضَّميرِ،
و((هُنا)) اسمُ مكانِ مجازيٌّ مبنيٌّ على السُّكونِ؛ لِتَضْمُّنِهِ معنى الإشارةِ في محلِّ نصبٍ
بمحذوفٍ خبراً لمبتدأَ، ولا يصحُّ جَعْلُ ((مِنها)) خبراً [٣/ ق٧٣ /ب] عن ((هُنا))؛ لأَنَّه لتَضْمُّنِهِ
معَنَّى غيرَ مُستَقِلِّ لا يصحُّ الابتداءُ به، ولو قال: مِنْها ما هُنا لكان أَولى. اهـ "ح"(٤).
قلتُ: ما ذكَرَهُ مِن عدمٍ صحَّةِ الابتداءِ بـ ((هُنا)) صحيحٌ، ولكنَّ عِلَّتَهُ أَنَّه مِن الظُّروفِ
التي لا تتصرَّفُ - كما في "المغني"(٥) - لا ما ذكَرَهُ، وإلّ لَزِمَ أنْ لا يصحّ الابتداءُ بأسماءِ الإشارةِ
كلِّها، فافهم.
[٢٣٤٨٠) (قولُهُ: وفي قضاءٍ دَيْنٍ) صُورتُهُ: عليه دَيْنٌ دراهمُ وقد امتنَعَ مِن القضاءِ،
فوقَعَ مِن مالِهِ في يدِ القاضي دنانيرُ كان له أنْ يَصرِفَها بالدَّراهمِ حتّى يقضيَ غَرِيمَهُ،
ولا يُفعَلُ ذلك في غيرِ الدَّنانيرِ عندَ "الإمامِ"، وعندَهُما غيرُ الدَّنانيرِ كذلك، "ط " (٦).
(١) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٥٣/٤.
(٢) "المنح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢/ق١٧/ب.
(٣) "ح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ق ٢٨٩/أ - ب.
(٤) "ح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ق ٢٨٩/أ.
(٥) لم نعثر على النقل في "مغني اللبيب" لابن هشام.
(٦) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٧٣/٣.
حاشية ابن عابدين
٦٢٦
قسم المعاملات
وشُفعةٍ، وإكراهٍ، ومُضارَبةٍ ابتداءً وانتهاءً وبقاءً،
[٢٣٤٨١] (قولُهُ: وشُفعةٍ) صورتُهُ: أُخبِرَ الشَّفيعُ أنَّ المشتريَ اشْتَرَى الدّارَ بألفِ
درهمٍ فسَلَّمَ الشُّفعةَ، ثُمَّ تبيَّنَ أَنَّه قد اشتَرَاها بدنانيرَ قِيْمَتُها ألفُ درهمٍ أو أكثرُ ليس له
طَلَبُها، وسقطَتْ بالتَّسليمِ الأوَّلِ، "ط)"(١).
[٢٣٤٨٢] (قولُهُ: وإكراهٍ) كما لو أُكرِهَ على بَيْعِ عبدِهِ بألفِ درهمٍ، فباعَهُ بخمسينَ
ديناراً قِيْمَتُها ألفُ درهمٍ كان البَيعُ على حُكمِ الإكراهِ، لا لو باعَهُ بِكَيْلِيٍّ أو وَزْنِيِّ
أو عَرْضٍ، والقِيْمةُ كذلك.
(٢٣٤٨٣) (قولُهُ: ومُضارَبةٍ ابتداءً وانتهاءً وبقاءً) لم يَذكُرْ ذلك النَّقْسيمَ في "العماديَّةِ"،
وإنَّما ذكَرَ صُورَتَينِ فِي الْمُضارَبةِ إحداهما: ((ما إذا كانت المضارَبَةُ دراهمَ فماتَ رَبُّ المالِ
أو عُزِلَ الْمُضارِبُ عن المضارَبةِ وفي يدِهِ دنانيرُ لم يكنْ للمُضارِبِ أنْ يشتريَ بها شيئاً، ولكنْ
يَصرِفُ الدَّنانيرَ بالدَّراهمِ، ولو كان ما في يدِهِ عُرُوضاً أو مَكِيلاً أو مَوزوناً(٢) له أنْ يُحوَّلَهُ
إلى رأسِ المالِ، ولو باعَ المتاعَ بالدَّنانيرِ لم يكنْ له أنْ يشتريَ بها إلّ الدَّراهمَ)). ثانيتُهما:
((لو كانتِ المُضارَبَةُ دراهمَ في يدِ المضارِبِ، فاشتَرَى متاعاً بكَيْلِيٍّ أو وَزْنِيٌّ لَزِمَهُ،
ولو اشْتَرَى بالدَّنانيرِ فهو على المُضارَبةِ استحساناً عندَهُما)) اهـ مُلخَّصاً. فالصُّورةُ الأُولى
تَصلُحُ مثالاً للانتهاءِ والثّانيةُ للبقاءِ، لكنْ لم يظهرْ لي كوثُ الأُولِى مِمّا نحن فيه؛ إذ لو كانتِ
١١٥/٤
(قولُهُ: لكنْ لم يَظهَرْ لِي كَونُ الأُولى ثَّا نَحنُ فيهِ؛ إذ لو كانَت إلخ) ما أَوردَهُ على هذهِ الصُّورَةِ
واردٌ بَعَينِهِ على صُورَةٍ قَضاءِ الدَّينِ، والمرادُ أَنَّه بالمصارَفَةِ المذكورَةِ كَأَنَّهُ لم يُبدِّلْ أَحَدَ النَّقَدَيْنِ بِغَیرهِ، بل باقٍ
على حالهِ حُكماً، والتَّصويرُ على الوَجِهِ المَسطورِ تَقَلهُ في "المنح" و"البحر" أَوَّلَ الْبُيوعِ عَنِ "العِماديّ"،
وعِبارةُ "البحرِ": ((الدَّراهمُ أُجريَتْ مُجَرَى الدَّنانيرِ فِي سَبعَةٍ مَواضِعَ: الأُولى: بَيْعُ القاضي دَنانيرَهُ لقَضاءِ
دَينِهِ الدَّرَاهِمِ وعَكْسُهُ، الثّانيةُ: يَصِفُها المُضارِبُ إذا ماتَ رَبُّ المالِ أو عُزِلَ لَتَصِيرَ كرَّأْسِ المالِ إلخ)).
(١) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٧٣/٣.
(٢) في النسخ جميعها: ((عروضٌ أو مكيلٌ أو موزونٌ)) بالرفع، وما أثبتناه هو الصواب؛ حيث إنَّ هذه الثلاثة خبرُ
((كان))، وقد نَبَّه على ذلك مصحِّحا "ب" و"م".
٠
الجزء الرابع عشر
٦٢٧
باب البيع الفاسد
وامتناعٍ مُرابحةٍ.
الدَّراهمُ والدَّنانيرُ فيها جِنْساً واحدً ما كان يَلزَمُهُ أنْ يَصرِفَ الدَّنانيرَ بالدَّراهمِ، تأمَّل.
ثمَّ رأيتُ "الشّارحَ" في بابِ الْمُضارَبةِ جَعَلَهُما جِنْسَينِ في هذه المسألةِ، وهذا عَيْنُ ما
فَهِمتُهُ وللهِ تعالى الحمدُ، وأمّا مسألةُ المضارَبةِ ابتداءً فقد زادَها "الشّارحُ"، وقال "ط)" (١):
((صورتُهُ: عَقَدَ معَهُ الْمُضارَبَةَ على ألفِ دينارٍ وبَيَّنَ الرِّبحَ، فَدَفَعَ له دراهمَ قِيْمَتُها مِن
الذَّهبِ تلك الدَّنانيرُ صَحَّت المضاربَةُ والرِّيحُ على ما شَرَطا أوَّلاً، كذا ظهَرَ لي(٢)).
(٢٣٤٨٤) (قولُهُ: وامتناعٍ مُرابَحةٍ) صورتُهُ: اشتَرَى ثوباً بعشرةٍ دراهمَ وباعَهُ مُرابحةً
باثني عشرَ درهماً، ثمَّ اشتَرَاهُ أيضاً بدنانيرَ لا يَبِيعُهُ مُرابَحةً؛ لأنّه يَحتاجُ إلى أنْ يَحُطَّ مِن
الدَّنانيرِ رِبْحَهُ، وهو درهمانِ في قولِ "الإِمامِ"، ولا يُدرَكُ ذلك إلّ بالَحَزْرِ والظَّنِّ، ولو
اشْتَرَاهُ بغيرِ ذلك مِن الكَيْلِيِّ أو الوَزْنِيِّ أو العُرُوضِ باعَهُ مُرابَحةً على الثَّمَنِ الثّاني اهـ.
وقولُهُ: ((ولا يُدرَكُ إلخ)) أي: لأَنَّه يَحتاجُ إلى تقويمِ الدَّنانيرِ بالدَّراهمِ وهو مجرَّدُ ظَرٍّ،
ومَبنى الْمُرابَحةِ كالنَّوليةِ والوَضِيْعةِ على اليقينِ بما قامَ عليه لتَنتَفِيَ شُبْهُ الخيانةِ. اهـ "ح"(٣).
(قولُهُ: وقالَ "ط": صُورَتُهُ: عَقَدَ مَعَهُ المضاربَةَ إلخ) ويُمكنُ أنْ يُصوَّرَ بما هو في تقريرِ "عَبدِ البَرِّ" أنّه إذا
كان رأسُ المالِ دنانيرَ فاشْتَرَى بها المضاربُ دراهمَ يملكُ ربُّ المالِ نَهَيَهُ عن شراءِ الأَعيانِ، وذلكَ لأنَّ لهُ فَسَخَ
الْمُضارَبَةِ بِغَيرِ رِضا المُضارِبِ إذا لم يَتضمَّنْ إِبِطالَ حقِّ الْمُضاربِ فَكَأَنَّ الدَّنانيرَ باقيةٌ بَعَيِها، بخلافٍ ما لو اشتَرَى
بها ◌ُروضاً فإنّه لا يَملِكُ نَهَيَهُ، كَذَا يُوجَدُ في بَعضٍ نُسَخِ "ط " مُلحقَةً بِالأَصلِ.
(١) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٧٣/٣.
(٢) في هامش "م": ((قولُهُ: كذا ظَهَر لي)) قال "ط ": ((ويُمكنُ تَصويرُها بما رأيتُ في بَعضِ التّقاريرِ عَنِ العلاَّمةِ "عبد البَرّ"
أنَّهُ إذا كان رأسُ المالِ في المضاربةِ دنانيرَ، فاشترى المضاربُ بها دَراهمَ يملكُ ربُّ المالِ نَهَيَهُ عن شِراءِ الأَعيانِ، وذلكَ
لأنَّ رَبَّ المالِ له فَسخُ المضاربةِ بِغَيرِ رِضا المضارِبِ إذا لم يتضمَّنْ إِبطالَ حقِّ الْمُضارِبِ، أي: فكأنَّ الدَّنانيرَ باقيةٌ بِعَينِها،
بخلاف ما لو اشترى بها ◌ُروضاً، فإنَّ حَقَّ المضاربِ يَتبتُ فيها، فلا يملكُ نهَيَهُ إِلا إِنْ صارَ المالُ نَضّاً، أي: نُقوداً)) اهـ.
(٣) "ح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ق ٢٨٩/ب - ٢٩٠/أ.
حاشية ابن عابدين
٦٢٨
قسم المعاملات
ويُزادُ زكاةٌ، وشَرِكاتٌ، وقِيَمُ الْمُتْلَفاتِ، وأُرُوشُ جناياتٍ كما بسَطَهُ "المصنّفُ" (١)
مَعزّاً لـ "العماديّة". وفي "الخلاصةِ"(٢).
١
[٢٣٤٨٥) (قولُهُ: ويُزادُ زكاةٌ) فإِنَّه يَضُمُّ أحدَ الجِنْسَينِ إلى الآخَرِ ويُكمِّلُ به
النّصابَ، ويُخرِجُ زكاةً أحدِ الجِنْسَينِ مِن الآخَرِ، "ط)"(٣).
[٢٣٤٨٦) (قولُهُ: وشَرِكاتٌ) أي: إذا كان مالُ أحدِهما دراهمَ ومالُ الآخَرِ دنانيرَ
فإِنَّها تَنعقِدُ شِرْكَةُ العِنَانِ بِينَهُمَا، "ط)" (٣).
[٢٣٤٨٧] (قولُهُ: وقِيَمُ الْمُتْلَفاتِ) يعني: أنَّ المُقوِّمَ إنْ شاءَ قوَّمَ بدراهمَ، وإنْ شاءَ
قوَّمَ بدنانيرَ، ولا يَتَعَّنُ أحدُ الجِنْسَينِ، "ط)"(٣).
[٢٣٤٨٨)] (قولُهُ: وَأُرُوشُ حِناياتٍ) كالموضِحَةِ يجبُ فيها نصفُ عُشرِ الدِّيَةِ، وفي
الهاشِمَةِ العُشرُ، وفِي الْنَقْلَةِ عُشرٌ ونصفُ عُشرٍ، وفي الجائفةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، والدِّيَةُ إمّا ألفُ دينارٍ
أو عشرةُ آلافِ درهمٍ مِن الوَرِقِ؛ فيجوزُ الَّقديرُ في هذه الأشياءِ مِن أيِّ الْجِنْسَينِ، "ط) (٣).
[٢٣٤٨٩) (قولُهُ: وفي "الخلاصةِ" إلخ) لا محلَّ لهذه الجملةِ هنا، وستأتي (٤) بعَيْنِها
في محلّها، وهو فصلُ النَّصرُّفِ في المبيعِ والثَّمَنِ عَقِبَ بابِ الْمُرَابَحِةِ، "ح"(٥).
(قولُهُ: لا مَحلَّ لهذهِ الجُملِ هنا إلخ) قد يُقالُ: ذَكرَها لَيُبَيِّنَ أنَّ الفَسادَ في كَلامِ "المصنّفِ" إِنَّما
هو للشّراءِ بِالأَقَلِّ كما قَّدهُ "الزَّيلعِيُّ" بقَولِهِ: ((وقَبَضُهُ إلخ))، ولبيانِ أنَّ قَولَهُ: ((جازَ مُطلَقاً)) مَحمولٌ
على ما بَعدَ القَبضِ، تَأَمَّل.
(١) "المنح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢/ق١٨/أ.
(٢) "الخلاصة": كتاب البيوع - الفصل الرابع في البيع الفاسد وأحكامه ق ١٤٧/أ، نقلاً عن "التجريد".
(٣) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد٧٤/٣.
(٤) انظر "الدر" عند المقولة [٢٤١٣٩] قوله: ((والأصلُ إلخ)).
(٥) "ح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ق ٢٩٠/أ.
الجزء الرابع عشر
٦٢٩
باب البيع الفاسد
((كُلُّ عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَنفَسِخُ بهلاكِهِ قبلَ قَبْضِهِ لم يَجُزِ التَّصرُّفُ فيه قبلَ
قَبْضِهِ)). (وصَحَّ) البَيعُ (فيما ضُمَّ إليه) كأنْ باع بعشرةٍ ولم يَقبِضْها(١)، ثمَّ
اشْتَرَاهُ(٢) مع شيءٍ آخَرَ بعشرةٍ فَسَدَ في الأوَّلِ وجاز فِي الآخَرِ، فَيُقْسَمُ الثّمنُ
على قِيْمِتِهما(٣)، ولا يَشِيعُ الفسادُ؛.
[٢٣٤٩٠) (قولُهُ: كُلُّ عِوَضٍ إلخ) كالمنقولِ إذا اشتَرَاهُ لا يجوزُ له التَّصرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِهِ
بالبيعِ، بخلاف ما إذا أعتَقَهُ أو دَبَّرَهُ أو وهَبَهُ أو تصدَّقَ به أو أقرَضَهُ مِن غيرِ بائعِهِ فإِنَّه يصحُّ
على ما سيأتي(٤). وقولُهُ: (يَنَفسِخُ)) أي: العَقْدُ ((بهلاكهِ)) أي: هلاكِ العِوَضِ، والجملةُ صفةُ
((عَقْدٍ))، قال "ط " (٥): ((أخرَجَ به الثَّمَنَ، فَإِنَّه يجوزُ النَّصرُّفُ فيه بهِبَةٍ أو بَيْعٍ أو غيرِهِما قبلَ
قَبْضِهِ سواءٌ تَعَّنَ بِالنَّعيينِ كمَكيلٍ أوْ لا كُقُودٍ؛ لأنَّ العَقْدَ لا يَنفسِخُ بهلاكِهِ؛ لأنَّ الأصلَ - وهو
الَبيعُ - موجودٌ، [٣/ ق١/٧٤) ويأتي إيضاحُهُ إنْ شاء الله تعالى في مَحَلِّهِ(٦)).
(٢٣٤٩١] (قولُهُ: وصَحَّ البَيعُ فيما ضُمَّ إليه) أي: إلى شِراءٍ ما باعَهُ بأقلَّ قبلَ نَقْدٍ
الثَّمَنِ، "منح"(٧).
[٢٣٤٩٢) (قولُهُ: ثُمَّ اشتَرَاهُ مع شيءٍ آخَرَ بعشرةٍ) وكذا لوِ اشْتَرَاهُما بخمسةً عشرَ
كما في "النَّهِ"(٨) و "الفتحِ"(٩).
(١) في "ب": ((يقيضها))، وهو خطأ.
(٢) في "د" و"و": ((شراه)).
(٣) في "ط": ((قيمتها)).
(٤) انظر "الدر" عند المقولة [٢٤١٣٣] قوله: ((وَيْعٍ منقُولٍ)).
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٧٤/٣.
(٦) انظر "الدر" عند المقولة [٢٤١٦٦] قوله: ((وجازَ الَتَّصرُّفُ في الثمن إلخ)) وما بعدها.
(٧) "المنح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢/ق١٨/أ.
(٨) "النهر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ق ٣٨٤/أ.
(٩) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٧١/٦ - ٧٢.
حاشية ابن عابدين
٦٣٠
قسم المعاملات
لأَنَّه طارئٌ(١)،
ويظهرُ مِنه أَنَّه لو اشتَرَاهُما بخمسةٍ مثلاً - أي: بأقلَّ مِن الثَّمَنِ الأوَّلِ - فهو كذلك
بالأَولى، فافهم.
[٢٣٤٩٣] (قولُهُ: لأَنَّه طارِئٌ) لأَنَّه يظهرُ بانقسامِ الثَّمَنِ أو المُقاصَّةِ فلا يَسرِي، "زيلعيّ)(٢).
(قولُهُ: وَيَظهَرُ مِنه أنَّ لو اشتَرَاهُمَا بَخَمسةٍ مَثَلاً، أي: بأَقلَّ مِنَ الثَّمَنِ الأَوَّلِ فَهُوَ كذلكَ بالأَولى) تَوقُّفُ
"ط " إِنَّما هو في فَسادِ المَضمومِ لا في صِحَّةِ الَبِيعِ الأَوَّلِ، ومَسأَلَةُ "الفتحِ" فيها طُروُّ الفَسادِ لا فِي مَسأَلِةِ "ط"
لُقارنِهِ، فلا يُفْهَمُ مِنْها، بل هيَ نَظيرُ مَسأَةِ "الشَّارِحِ"، فهيَ مَفهومُهُ مِنْها لا بالأولى، تأمَّل. وعِبارةُ "ط" في
وَجِهِ الظُّروِّ: ((لأَنَّهُ قابلَ الثَّمَنَ بالَبِيعَينِ، وهي مُقَابَةٌ صَحيحةٌ إذا لم يُشتَرط فيها أنْ يَكُونَ بِإِزاءٍ ما باعَهُ أَقلُّ
مِنَ الثَّمَنِ الأَوَّلِ، لكنْ بَعدَ ذلك انقَسمَ الثَّمنُ على قِيمِتِهما فَظَهرَ البَعضُ بِزاءٍ ما باعَ والبَعضُ بِإِزاءِ ما
لم يَبْعْ؛ فَفَسدَ بِإِزاءِ ما باعَ، ولا شكَّ فِي كَونِهِ طارئً فلا يَتعدَّى إلى الآخَرِ)) اهـ. وأنتَ تَرى أنَّ طروّ
الفَسادِ لا يَشْمِلُ ما إذا باعَهُمَا بِأَقلَّ مِنَ الثَّمَنِ الأَوَّلِ؛ إذ لا شَكَّ أَنَّهُ اشْتَرطَ بِإِزاءٍ ما باعَهُ أَقلَّ مِنَ الثَّمَنِ
الأَوَّلِ ابِداءًّ، وَلَّا كان هذا التَّعليلُ لا يَشْمَلُ جَمِيعَ صُوَرِ المَسأَلَةِ الثَّلاثِ علَّهُ بِقَولِهِ: ((ولمكانٍ إلخ))
تأمَّلْ. ثُمَّ رأَيتُ في "الرُّبدَةِ" ما يُوضِحُ المَسأَلَةَ حَيثُ قال: ((لأَنَّ الفَسادَ ليس بمقارِنٍ؛ لأَنّه ليس في صُلبِ
العَقدِ لأَنَّهُما لم يَذْكُرا في البَيعِ ما يُوجِبُ فَسادهُ، وإِنَّما هو باعتبارِ شُبهةِ الرِّبًا، وهي أمرٌ خفيٌّ ظَهرَ بَعدَ
(١) في هامش "م": ((قولُ "الشَّارِحِ": لأَنّه طارِئٌ)) أي: لأنَّ الفَسادَ طارِئٌ، وذلكَ لأَنَّهُ قابَلَ الثَّمَنَ بالَبِيعَينِ، وهي
مقابلَةٌ صَحيحةٌ؛ إذ لم يَشْتَرِط فيها أنْ يَكونَ بِإِزاءٍ ما باعَهُ أقلُّ مِنَ الثّمَنِ الأَوَّلِ، لكِنْ بَعدَ ذلك انقَسَمَ الثَّمَنُ على
قيمتِهما فصارَ البَعضُ بِإِزاءِ ما باعَ والْبَعضُ بِإِزاءِ ما لم يَبِعْ، فَفَسدَ البَيعُ بِإِزاءِ ما باعَ، ولا شكَّ في كَونِهِ طارِئاً،
فلا يَتَعدَّى إلى الْبَعضِ الآخَرِ. اهـ "ح" عَنِ "العِنايةِ". اهـ "ط". قال شيخُنا: ((هذا لا يَظهَرُ إلاَّ فِي صُورةِ شِراءٍ
الثّوبَيْنِ بِزِيادةٍ عَنِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ؛ إذ هيَ التي يُمكِنُ أنْ يُقالَ فيها: المُقَابَةُ صَحيحَةٌ فِي أَوَّلِ الأمرِ، والفَسادُ إِنَّمَا جاءَ
من النّقسيمِ، وأَمَّا إذا اشتَرَى الَبِيعَ والَمضمومَ بمثلِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ يَكونُ الثَّمَنُ فِي مُقَابَتِهما جَزِماً، فَيَكونُ الَبِيعُ
مُقَابَلاً بأَقلَّ مِن ثَمنِهِ مِن أَوَّل الأَمر، فلا يَكونُ الفَسادُ طارئاً، ولَعلَّ "الشَّارحَ" لَّا رَأَى التَّعليلَ بالطَّروِّ غَيرَ مُجز؛
لَعَدَمِ شُمولِهِ جَميعَ المسائل أردَفَهُ بِقَولِهِ: ولمكان الاجتهادِ)) اهـ.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٥٦/٤.
الجزء الرابع عشر
٦٣١
باب البیع الفاسد
ولِمَكان الاجتهادِ. (و) بَيْعُ (زَيتٍ على أنْ يَزِنَهُ بِظَرْفِهِ ويطرَحَ عنه بكلِّ ظَرْفٍ كذا
رِطلاً) لأنَّ مُقْتَضَى العَقْدِ طَرْحُ مقدارٍ وَزْنِهِ كما أفادَهُ بقولِهِ: (بخلافِ شَرطِ طَرْحِ
وَزْنِ الظَّرْفِ) فإنَّه يجوزُ .
[٢٣٤٩٤) (قولُهُ: ولِمَكانِ الاجتهادِ) أي: فكان الفسادُ فيما بِيْعَ أوَّلاً ضعيفاً لاختلافِ
العُلماءِ فيه، فلا يَسرِي، كما إذا اشتَرَى عبدَينِ فإذا أحدُهما مُدَبَّرٌ لا يَفسُدُ فِي الآخَرِ لذلك،
بخلافِ الجمعِ بينَ خُرِّ وعبدٍ، وتمامُهُ في "الفتحِ"(١)، ولأَنَّه إنَّما مُنِعَ في الأوَّلِ باعتبارِ شُبْهةِ
الرِّبًا، فلو اعْتُبِرَتْ في الَمَضْمُومِ لكان اعتباراً لشُبْهَةِ الشُّبْهِ وهي غيرُ مُعتَبَرةٍ، "درر"(٢).
[٢٣٤٩٥) (قولُهُ: لأنَّ مُقتضَى العَقْدِ إلخ) أي: وهذا الشَّرطُ ليس مُقْتَضَى العَقْدِ
فَيَفْسُدُ به؛ لأنَّ فيه نفعاً لأحدِ العاقِدَينِ؛ لأَنَّه قد يكونُ أكثرَ مِمّا شَرَطَ أو أقلَّ. قال
"ط"(٣) : ((والحِيْلةُ في جوازِهِ: أنْ لا يَعقِدَ العَقْدَ إلاّ بعدَ وَزْنِهِ تَحَرِّياً للصِّحَّةِ، فيقولُ
بعدَ الوَزنِ: بِعتُكَ ما في هذا الظَّرْفِ بكذا، ويقولُ الآخرُ: قَبِلْتُ، فيكونُ هذا مِن بَيْعِ
الجُزافِ، وهو صحيحٌ، "حمويّ" عن "شرحِ ابنِ الشِّلْبِيِّ")).
[٢٣٤٩٦] (قولُهُ: فإنَّه يجوزُ) فلو باعَ المشتري السِّلْعَةَ قبلَ أنْ يَزِنَ الظَّرْفَ عن
"أبي حنيفة": لا يجوزُ بَيْعُ المشتري، وقال "أبو يوسف": يجوزُ، "خانيَّة"(٤).
العَقدِ إما بانقِسامِ الثَّمنِ على قِيمتِهما أو المقاصَّةِ، أَعني: مُقَاصَّةَ الثَّمنِ فِي الْبَيعِ الثَّاني ◌ِقدارِ ذلك مِنَ
الَّمنِ فِي الْبَيعِ الأَوَّلِ، فَبَقِيَ مِنَ الثَّمنِ الأَوَّلِ فَضْلٌ مِن غَيرِ أنْ يُقابِلَهُ عِوَضٌ فَكَيفما كان يَظْهَرُ الفَضلُ
للبائعِ الأَوَّلِ)) اهـ. وبهذا يَصِحُّ جَعلُ تَعليلِ الفَسادِ بالطُّرِّ شاملاً لجميعِ المسائلِ.
(١) انظر "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٧٢/٦.
(٢) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٧٢/٢.
(٣) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٧٤/٣.
(٤) "الخانية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد - الفصل الأول ١٤٤/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
حاشية ابن عابدين
٦٣٢
قسم المعاملات
كما لو عُرِفَ قَدْرُ وَزْنِهِ (ولو اختَلَفا في نَفسِ الظَّرْفِ وقَدْرِهِ فالقولُ للمُشتري)
بیمینهِ؛ لأنّه قابضٌ أو مُنكِرٌ.
[٢٣٤٩٧] (قولُهُ: كما لو عُرِفَ قَدْرُ وَزْنِهِ ) ببناءِ ((عُرِفَ)) للمجهولِ، أي: لو
عَرَفَاهُ وشَرَطَا طَرْحَ قَدْرِهِ، فإنَّه مُقْتَضَى العَقْدِ فيجوزُ.
[٢٣٤٩٨) (قولُهُ: وَقَدْرِهِ) الواو معنى أو، "ط" (١).
[٢٣٤٩٩) (قولُهُ: لأَنَّ قابضٌ أو مُنكِرٌ) لفٍّ ونَشْرٌ مُرتَّبٌ. قال في "البحرِ"(٢): ((لأَنَّه إن
اعتُبرَ اختلافاً في تعيينِ الرِّقِّ المقبوضِ فالقولُ للقابِضِ ضَمِيناً كان أو أَمِيناً، وإن اعتُبرَ اختلافاً
في الزَّيتِ فهو في الحقيقةِ اختلافٌ في الثَّمَنِ، فيكونُ القولُ للمشتري؛ لأَنَّه يُنكِرُ الزِّيادةَ، وإذا
برهَنَ البائعُ قُبِلَتْ بَيِّتُهُ. وأُورِدَ عليه مسألتانِ:
إحداهما: لو باعَ عبدَينِ وماتَ أحدُهُما عندَ المشتري، وجاءَ بالآخَرِ يَرُدُّهُ بَعَيبٍ
واختَلَفا في قِيْمةِ المَيْتِ فالقولُ للبائعِ. والثّانيةُ: أنَّ الاختلافَ في الثَّمنِ يُوجِبُ النَّحالُفَ.
وأُجِيبَ عن الأوَّلِ: بأنَّ القولَ فيه للبائعِ؛ لإنكارِهِ الزِّيادةَ أيضاً. وعن الثّاني: بأنَّ
التَّحالُفَ على خلافِ القياسِ عندَ الاختلافِ في الثَّمَنِ قَصْداً، وهنا الاختلافُ فيه تَبَعٌ
لاختلافهما في الزِّقِّ المقبوضِ أهُوَ هذا أم لا؟ فلا يُوجِبُ التَّحالُفَ، كذافي "الفتح"(٣).
والرِّقُّ بالكسرِ: الظَّرْفُ)).
(قولُهُ: لَفُّ ونَشرٌّ مُرتَّبٌ) الأَنسَبُ جَعلُ أو للتَّخييرِ بِمَعَنَى أَنَّكَ إذا نَظَرتَ لجِهَةِ كَونِهِ قابِضاً
فالقَولُ قَولُ الْمُشتَرِي فِي نَفْسِ الظَّرفِ أو قَدْرِهِ إذا كان غائباً، وكذلك إذا نَظَرتَ لكَونِهِ مُنكِراً، كما
يُفيدُ ذلك عِبارةُ "البحر".
(١) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٧٤/٣.
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٩١/٦ بتصرف.
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٧٤/٦.
الجزء الرابع عشر
٦٣٣
باب البيع الفاسد
(وصَحَّ بَيْعُ الطَّريقِ)
مطلبٌ فِي بَيْعِ الطَّريق
[٢٣٥٠٠] (قولُهُ: وصَحَّ بَيْعُ الطَّريقِ) ذكَرَ في "الهدايةِ"(١): ((أَنَّه يَحتمِلُ بَيْعَ رَقِبةِ الطَّريقِ
١١٦/٤ وبَيْعَ حَقِّ المرورِ، وفي الثّاني روايتانٍ)) اهـ. ولَمّا ذكَرَ "المصنّفُ" الثّانيَ فيما يأتي(٢) عُلِمَ أنَّ
مُرَادَهُ هنا الأوَّلُ. ثمَّ في "الدُّررِ"(٣) عَنِ "التّار خائَيَّة": ((الطُّرُقُ ثلاثةٌ: طريقٌ إلى الطَّريقِ
الأعظمِ، وطريقٌ إلى سِكَّةٍ غيرِ نافذةٍ، وطريقٌ خاصٌّ في مِلكِ إنسانٍ، فالأخيرُ لا يدخلُ في
البيعِ بلا ذكرِهِ أو ذكرِ الحُقُوقِ أو المرافِ، والأوَّلانِ يدخلانِ بلا ذكرٍ)) اهـ مُلخّصً.
وحاصلُهُ: لو باعَ داراً مثلاً دخَلَ فيها الأوَّلانِ تبعاً بلا ذكرٍ بخلافِ الثّالثِ.
والظّاهرُ: أنَّ المرادَ هنا هو الثّالثُ، وقد علمتَ أيضاً أنَّ المرادَ بَيْعُ رَقَبَةِ الطَّرِيقِ
لا حقِّ المرورِ؛ لأنَّ الَّانِيَ يأتي(٤) في كلامِ "المصنّفِ"، فإذا كانَتْ دارُهُ داخلَ دارٍ رَجُلٍ،
وكان له طريقٌ في دارِ ذلك الرَّجُلِ إلى دارِهِ فإمّا أنْ يكونَ له فيها حَقُّ المرورِ فقط، وإمّا
أنْ يكونَ له رَقبةُ الطَّريقِ، فإذا باعَ رَقِبَةَ الطَّريقِ صَحَّ، فإنْ حُدَّ فظاهرٌ، وإلّ فَلَهُ بِقَدْرِ عَرْضِ
بابِ الدّارِ العُظمَى كما يأتي(٥). والفَرْقُ بينَ هذا الطَّريقِ والطَّرِيقِ الثّاني - وهو ما يكونُ في
(قولُهُ: والأَوَّلَانِ يَدخُلانِ بلا ذِكرِ) فيه نَظَرّ؛ لأَنَّه يُدافِعُ ما قدَّمُهُ مِن أنَّ الطَّرِيقَ لا يَدخُلُ إلاّ بذِكرِ
نَحوٍ: كُلِّ حَقِّ، ولا يَكُونُ إلَّ فِي طَريقِ خاصٍّ، فليُتَأَمَّل. اهـ شر نبلاليَّة. ونَقَلَ "المحشِّيِّ" عَنِ "الفَتح"
فيما يَأتي ما يُوافِقُ "التّار خانيَّةً" حَيثُ قال: ((وفي "الفَتَحِ" عَنِ "المحيطِ": المرادُ الطّرِيقُ الخاصُّ فِي مِلكِ
إِنسانٍ، فَأَمَّا طَرِيقُها إلى سِكَّةٍ غَيرِ نافِذَةٍ أو إلى الطَريقِ العامِّ فَدخلُ، وكذا ما كان له مِن حَقِّ تَسبيلِ الماءِ
وإِلقاءِ النَّلجِ في مِلكِ إِنسانٍ خاصَّةً)) اهـ مِن فَصلِ الحقوقِ.
(١) "الهداية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٦/٣.
(٢) صـ ٦٤٠ - "در".
(٣) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٧٢/٢ - ١٧٣.
(٤) صـ ٦٤٠ - "در".
(٥) صـ ٦٣٨ - "در".
حاشية ابن عابدين
٦٣٤
قسم المعاملات
وفي "الشُّرُ نبلالَّةِ" عن "الخانَّةِ": ((لا يصحُّ))،.
سِكّةٍ غيرِ نافذةٍ - أنَّ هذا مِلكٌ للبائعِ وحدَهُ، ولذا سُمِّيَ خاصًّاً بخلافِ الثّاني، فإِنَّه مُشترَكٌ
بينَ جميعِ أهلِ السِّكَّةٍ، وفيه أيضاً حَقٌّ للعامَّةِ كما يأتي(١) بيانُهُ قريباً، وقد اشتبَهَ ذلك على
"الشُّرُ نبلاليّ"(٢)، فراجِعْهُ يَظهَرْ لك ما فيه بعدَ فَهْمِكَ ما قرَّرْناهُ، والحمدُ للهِ.
[٢٣٥٠١] (قولُهُ: وفي "الشُّرُ نبلاليَّةِ" عن "الخانيّةِ": لا يصحُّ) نقَلَ في "الشُّرُ نبلاليَّةِ" عن
"الخانيّةِ" الصِّحَّةَ عن مشايخٍ بَلْخٍ، فما هنا بناءٌ عليه. اهـ "ح"(٣).
قلتُ: عبارةُ "الشُّرُ نِبِلالَةِ"(٤) هكذا: ((قولُهُ: وصَحَّ بَيْعُ الطَّرِيقِ يُخالِفُهُ ما قال في
"الخانَّةِ"(٥): ولا يجوزُ بَيْعُ مَسِيلِ الماءِ وهِبْتُهُ، ولا بَيْعُ الطَّريقِ بِدُونِ الأرضِ، و كذلك بَيْعُ
الشِّرْبِ. وقال مشايخُ بَلْخٍ: جائزٌ، ويُخالِفُهُ أيضاً قولُهُ [٣/ ق٤ ٧/ب) الآتي [و](٦) في روايةٍ
"الزِّياداتِ")) اهـ كلامُ "الشُّرُ بلالَيَّةِ". والمتبادرُ مِن قولِ "الخالنَّةِ": ((وقالَ مشايخُ بَلْخٍ جائزٌ))
أَنَّ خلافَهم في بَيْعِ الشِّربِ - أي: بدونِ أرضٍ - لا في جميعِ المسائلِ المذكورةٍ، بدليلٍ فَصْلِهِ
بقولِهِ: ((وكذلك إلخ))، وقد ذكَرَ في "الدُّررِ"(٧) خلافَهُم في مسألةِ الشِّرْبِ فقط، ولم
أَرَ مَن ذَكَرَ خلافَهم في بَيْعِ المَسِيلِ والطّريقِ، فافهم.
(قولُهُ: قولُهُ الآتي في رِوايَةِ "الزِّياداتِ" إلخ) عِبارةُ "الشُّرْ تُلاليّ": ((وفي إلخ)) بِإِثْباتِ الواوِ.
(١) المقولة [٢٣٥٠٣] قوله: ((وليس لهم إلخ)).
(٢) "الشرنبلالية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٧٣/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "ح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ق ٢٩٠/أ.
(٤) "الشرنبلالية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٧٣/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "الخانية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد - الفصل الأول ١٥٤/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) ما بين منكسرين من عبارة "الشرنبلالية"، وانظر "تقريرات الرافعي".
(٧) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٧٣/٢.
الجزء الرابع عشر
٦٣٥
باب البيع الفاسد
ومِن قِسْمةِ "الوهبانيَّةِ"(١): [طويل].
ثُمَّ اعلمْ أنَّ ما ادَّعاهُ في "الشُّرُ نبلالَيَّةِ" مِن المُخالَفةِ غيرُ مُسلَّمٍ؛ لأنَّ قولَ "المصنّفِ":
((وصَحَّ بَيْعُ الطَّريقِ)) مُرادُهُ به رَقَبَةُ الطَّريقِ بدليلٍ تعليلِ "الدُّررِ": ((بأنَّهُ عَيْنٌ مَعلومٌ))،
وبدليلِ ذكرِهِ بَيْعَ حَقِّ المرورِ بعدَهُ، وإلّ كان تكراراً، وقد تابَعَهُ "المصنِّفُ" هنا. ومرادُ
"الخَانَّةِ" بَيْعِ الطَريقِ بَيْعُ حَقِّ المرورِ بدليلٍ قولِهِ: ((بدونِ الأرضِ))، وقولُهُ: ((ويُخالِفُهُ
أيضاً إلخ)) غيرُ مُسلَّمٍ أيضاً؛ لأنَّ روايةَ "الزِّياداتِ" إنَّما ذَكَرَها في " الدُّررِ" فِي بَيْعِ حَقِّ
المرورِ لا في بَيْعِ الطَّريقِ، فمِنْ أينَ المُخالَفةُ؟! وما ذكَرَهُ "المصنّفُ" مِن جوازِ بَيْعِ الطَّريقِ
وهِيتِهِ مَشَى عليه في "الملتقى"(٢) أيضاً بلا ذكرٍ خلافٍ، وكذا في "الهدايةِ"(٣) وغيرِها،
وإنّما ذكَرُوا اختلافَ الرِّوايةِ فِي بَيْعِ حَقِّ المرورِ كما يأتي (٤).
(تنبيةٌ)
باعَ رَقَبَةَ الطَّريقِ على أنَّ لَهُ - أي: للبائعِ - حَقَّ المرورِ، أو السُّفْلَ على أنَّ له قَرارَ (٥)
العُلْوِ جازَ، "فتح"(٦) قُبِيلَ قولِهِ: ((والبَيعُ إلى النَّيْروزِ)).
[٢٣٥٠٢] (قولُهُ: ومِن قِسْمةِ "الوهبانَّةِ") خبرٌ مُقدَّمٌ، والبيتُ مبتدأُ مُؤخَّرٌ، أي:
هذا البيتُ منقولٌ مِنها، "ط"(٧).
(قولُهُ: بَيْعُ جَقِّ المرورِ بدليلٍ قَولِهِ: بِدُونِ الأَرضِ إلخ) لا يَتِمُّ الدَّليلُ إلَّ إذا أُرِيدَ بالأَرضِ أَرضُ
الطّريقِ لا الأَرضُ الَّتِي يُتوصَّلُ مِنَ الطَّريقِ لها.
(١) هذا البيت ساقط من مطبوعة "الوهبانية" التي بين أيدينا، وهو في شرحها "تفصيل عقد الفرائد"، فصل من كتاب
القسمة والحيطان ١١٦/٢.
(٢) "ملتقى الأبحر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢١/٢.
(٣) "الهداية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٦/٣.
(٤) صـ ٦٤٠ - "در".
(٥) في "م": ((إقرار))، وهو خطأ.
(٦) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٨٦/٦.
(٧) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٧٥/٣.
٦٣٦
حاشية ابن عابدين
قسم المعاملات
بدَرْبٍ ولم يَنفُذْ كذا البَيعُ يُذكَرُ
وليس لهم - قال "الإِمامُ" - تَقَاسُمٌ
[٢٣٥٠٣) (قولُهُ: وليس لهم إلخ) جملةُ ((قال "الإِمامُ")) مُعترِضةٌ بينَ بعضِ المقولِ - وهو
خبرُ ((ليس)) المقدَّمُ - واسمُها المؤخَّرُ، والواو في ((ولم يَنْفُذْ)) للحالِ، أي: والحالُ أنَّ الدَّرْبَ
ليس بنافذٍ. قال "ابنُ الشِّحنةِ"(١): ((والمسألةُ مِن "النَّمَّةِ" عن "نوادرِ ابنِ رُسْتُم)١ *: قال
"أبو حنيفةً" في سِكَّةٍ غيرِ نافذةٍ: ليس لأصحابِها أنْ يَبْعُوها ولو اجتَمَعوا على ذلك، ولا
أنْ يَقْسِمُوها فيما بينَهُم؛ لأنَّ الطَّريقَ الأعظمَ إذا كَثُرَ النّاسُ فيه كان لهم أنْ يَدخُلوا هذه
السِّكَّةَ حتّى يَخِفَّ هذا الزِّحامُ. قال "الّاطِفِيُّ": وقال "شدّادٌ" في دُورٍ بينَ خمسةٍ: باعَ أحدُهم
نَصِيبَهُ مِن الطَّريقِ فالبَيعُ جائزٌ، وليس للمشتري المرورُ فيه إلاّ أنْ يَشترِيَ دارَ البائعِ، وإذا أرادوا
أنْ يَنصِبُوا على رأسِ سِكَّتِهِم دَرْباً وَيَسُدُّوا رأسَ السِّكَّةِ ليس لهم ذلك؛ لأَنّها وإنْ كانَتْ مِلْكاً
لهم ظاهراً لكنْ للعامَّةِ فيها نوعُ حَقٍّ)) اهـ مُلخَّصاً. ثمَّ أفادَ أنَّ ما تَوَهَّمَهُ "النّاظِمُ" في "شرحِهِ"
مِن اختلافِ الرِّوَايَتَينِ مدفوعٌ، فإنَّ ما ذكَرَهُ "ابنُ رُسْتُمَ" في بَيْعِ الكُلِّ، وما ذَكَرَهُ "شدّادٌ" في
بَيْعِ البعضِ. والفَرْقُ: أنَّ الثّانِيَ(٢) لا يُفضِي إلى إبطالِ حَقِّ العامَّةِ بخلافِ الأوَّلِ.
هذا، وقد علمتَ مِمّا قَرَّرنا سابقاً(٣) أنَّ ما في "الوهبائَيَّةِ" غيرُ ما ذكَرَهُ "المصنّفُ"؛
لأنَّ مرادَ "المصنّفِ" الطَّريقُ الخاصُّ المملوكُ لواحدٍ، وهذا طريقٌ مُشترَكٌ فِي سِكَّةٍ مُشترَكةٍ.
(قولُهُ: فإنَّ ما ذَكرَهُ "ابنُ رُسْتُمْ" فِي بَيْعِ الكُلِّ إلخ) الظَّاهرُ مَا قَلَهُ النَّاظِمُ؛ فإنَّ قَولَ "ابنِ رُسْتُمْ" -:
ليس لأصحابها أنْ يَبيعوها ولو اجْتَمَعوا على ذلك - يُفيدُ مَنْعَ البَيعِ مِنَ الْبَعضِ كمَنْعِهِ مِنَ الكُلِّ.
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب القسمة والحيطان ١١٦/٢.
ابن رستُم هو أبو بَكرِ الَروَزِيُّ أحَدُ الأعلامِ، تَفقََّ على محمَّدَ بنِ الحسَنِ، وروَى عنهُ "النِّوادر"، وشدَّدٌ هوَ ابنُ
حَكِيمٍ، مِن أصحابِ زُفَرَ، ماتَ سنةَ عَشرٍ ومائَتَيْنِ، "تراجمُ العلاّمةِ قاسِم")). اهـ منه.
نقول: وتقدّمت ترجمة "نوادر ابن رستم" ٢٧٨/١٢، وشداد بن حكيم ٥٢٣/٩.
(٢) ((الثاني)) ساقطة من "الأصل".
(٣) أي: في هذه المقولة.
الجزء الرابع عشر
٦٣٧
باب البیع الفاسد
وفي مُعاياتِها(١) - وارتضاهُ في ألغازِ "الأشباهِ" - : [الطويل]
لغيرِ شَرِيكٍ ثُمَّ لو مِنه يُنظَرُ
ومالِكُ أرضٍ لیس یَملِكُ بَيْعَها
[٢٣٥٠٤] (قولُهُ: وفي مُعاياتِها) خبرٌ مُقدٌَّ، والبَيتُ مُبتدأٌ مُؤخَّرٌ، وجملةُ ((وارتَضاهُ
إلخ)) مُعترِضٌ، والضَّمِيرُ لـ (("الوهبانيَّةِ")). وهي مُفَاعَلَةٌ مِن: عاياهُ إذا سأَلَهُ عن شيءٍ يَظُنُّ
عَجْزَهُ عن جوابِهِ، مِن قولِهِم: عَيَّ عن جوابِهِ إذا عَجَزَ، وتمامُهُ(٢) في "ط)"(٣) عن
"ابنِ الشِّحنةِ"(٤). قال "السّائحانيُّ)" (٥): ((والمعاياةُ عندَ الفَرَضِيِّينَ كالألغازِ عندَ الفقهاءِ
والأَحاجي عندَ أهلِ اللُّغةِ؛ لأنَّ ما يُستخرَجُ بالحَزْرِ يُقوِّي الحِجا(٦)، أي: العقلَ. والألغازُ:
جمعُ لُغَزٍ بِضَمِّ اللّمِ - وقيل: بفتحِها - وبفتح الغَينِ المعجمةِ)).
[٢٣٥٠٥) (قولُهُ: وارتَضاهُ في ألغازِ "الأشباِ"(٧)) حقُّهُ أنْ يُذكَرَ عندَ البيتِ الأَوَّلِ،
فإنَّ الذي في ألغازِ "الأشباهِ"(٧) هكذا: ((أَيُّ شُركاءً فيما يُمكِنُ قِسْمَتُهُ إذا طَلَبوها لم يُقْسَمْ؟
فَقُل: السِّكَّةُ الغيرُ النّافذةِ، ليس لهم أنْ يَقتسِموها (٨) وإِنْ أَجَمَعُوا على ذلك)) اهـ.
[٢٣٥٠٦] (قولُهُ: ومالِكُ أرضٍ إلخ) هي الأرضُ المملوكةُ مِن السِّكَّةِ الغيرِ النّافذةِ،
فإِنَّه لا يَملِكُ بَيْعَها مِن غيرِ شريكِهِ، قال: ((ولو باعَها لبعضِ الشُّرَكاءِ هل يجوزُ؟ فيه
نظرٌ، ولم أَقِف على الجوابِ فيه)) اهـ.
١١٧/٤
(١) "الوهبانية": فصل في المعاياة صـ ١١٧ -.
(٢) في هامش "م": ((قولُهُ: وَتَمامُهُ في "ط")) حيثُ قال: ((وهو مُباحٌ إذا كان القَصدُ منهُ تَشحيذَ الأَذهانِ واستِعمالَ
القَرائحِ، وَالأَصلُ فيه: سُؤالُِ ﴿ الصَّحابةَ رَضِيَ الله تَعالى عَنهم عَنِ الشَّجَرَةِ الَّتي لا يَسْقُطُ وَرَقُها، ذَكرَهُ العلاَّمةُ
"عَبْدُ الْبَرِّ")) اهـ.
(٣) انظر "ط": كتاب البيوع - باب البيعِ الفاسد ٧٥/٣.
(٤) "تفصيل عقد الفرائد": فصل في المعاياة ٢٣٤/٢.
(٥) في "ب": (("السائحاتي")) بالمثناة الفوقية، وهو خطأ.
(٦) في "ب": ((الحجاء)).
(٧) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الرابع: الألغاز - كتاب القسمة صـ ٤٧٥ -.
(٨) في "ك": ((أن يقسموها)).
٦٣٨
حاشية ابن عابدين
قسم المعاملات
(حُدَّ) أي: بَيِّنَ له طُولٌ وعَرْضٌ (أوْ لا، وهِبَتُهُ) وإذا لم يُبيّنْ يُقدَّرُ بِعَرْضِ بَابِ
الدّارِ العُظمى.
قلتُ: ظاهرُ قولهم: ((إِنَّه لا يجوزُ بَيْعُ الطَّريقِ)) يقتضي المنعَ مُطلقاً حالةً
الانفرادِ، وإنَّما يجوزُ بالتَّعَيَّةِ فيما إذا باعَ الدّارَ وطريقَها، قالَهُ "عبدُ البرِّ بنُ
الشِّحنةِ"(١).
قلتُ: الذي تقدَّمَ (٢) عن "شدّادٍ" جوازُ البَيعِ، ثمَّ عدمُ الجوازِ إِنَّما هو على ما
في "الخانيَّةِ"، وقال مشايخُ بَلْخِ بالجوازِ، "ط" (٣).
قلتُ: قدَّمنا(٤) الكلامَ على ما في "الخانَيَّةِ"، فافهم.
[٢٣٥٠٧] (قولُهُ: وإِنْ(٥) لم يُبَيَّنْ إلخ) بيانٌ لقولِهِ: ((أَوْ لا))، وكان الأَولى تقديمَهُ
على قولِهِ: ((وهِبِّتُهُ)) كما فعَلَ في "الدُّررِ"(٦).
[٢٣٥٠٨) (قولُهُ: يُقدَّرُ بَعَرْضِ بابِ الدّارِ العُظمى) عَزاهُ في "الدُّررِ"(٦) إلى "النّهايةِ"،
ومثلُهُ في "الفتحِ"(٧) بزيادةِ قولِهِ: ((وطُولِهِ إلى السِّكَّةِ النّافذةِ))، ثمَّ قال في "الدُّررِ"(٨):
((وعلى الَّقديرَينِ يكونُ عَيْناً معلوماً فيصحُّ بَيْعُهُ وهِبْتُهُ)) اهـ.
قلتُ: والظّاهرُ [٣/ ق ٢/٧٥) أنَّ ((العُظمى)) صفةٌ لـ ((بابٍ))، وأَنّتَها لاكتسابِ البابِ
النَّأنيثَ بإضافتِهِ إلى ((الدّارِ)) المؤنَّئةِ، ومعناهُ: أنَّه لو كان له دارٌ في داخلٍ دارٍ جارِهِ مثلاً
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل في المعاياة ٢٤٦/٢.
(٢) المقولة [٢٣٥٠٣] قوله: ((وليس لهم إلخ)).
(٣) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٧٥/٣.
(٤) المقولة [٢٣٥٠١] قوله: ((وفي "الشُّرُ نِبلالَيَّةِ" عن "الخانَّة" لا يصحُّ)).
(٥) كذا في النسخ جميعها، وعبارة "الدُّر": ((وإذا)).
(٦) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٧٢/٢.
(٧) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٦/٦.
(٨) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٧٢/٢.