Indexed OCR Text
Pages 61-80
الجزء الرابع عشر
٥٩
کتاب البيوع
وتَعَقِّبُهُ فِي "النَّهِ"،
أَبِي السُّعودِ "(١).
[٢٢٢٦٧] (قولُهُ: وَتَعقَبُهُ في "النّهرِ") أَي: تَعَقَّبَ ما ذُكِرَ مِنْ مَسألةٍ بَيعِ الاستِجرارِ وما
بَعدَها(٢) حَيثُ قالَ(٣): ((أَقولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ ما في "القُنِيةِ" ضَعِيفٌ؛ لاتّفَاقِ كَلمِتِهِم عَلَى أَنَّ بَيعَ
المعدومِ لا يَصِحُّ، وكَذَا غَيرُ الَملوكِ، وما المانعُ مِنْ أَنْ يَكونَ المأخوذُ مِنَ العَدَسِ وَنَحوِهِ بَيْعاً
بالّعاطي، ولا يُحتاجُ في مثلهِ إِلى بَيانِ الثَّمنِ؛ لأَنَّهُ مَعلومٌ كَما سيأتي؟ وحَظُّ الإِمامِ لا يُملكُ
قَبلَ القَبضِ، فَأَنَّى يَصِحُّ بَيْعُهُ؟! وكُنْ على ذُكرٍ ثَمَّا قَالَهُ "ابنُ وَهبان" في كتابِ الشِّربِ: ما في
"القُنيةِ" إِذا كانَ مُخالفاً للقواعدِ لا الِفاتَ إِليهِ ما لم يَعضُدْهُ نَقِلٌ مِنْ غَيرِهِ)) اهـ. وقَدَّمنا(٤)
الكَلامَ عَلى بَيعِ الاسْتِحرارِ، وأَمَّا بَبيعُ حَظّ الإِمامِ فالوجهُ ما ذَكرَهُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةٍ بَيْعِهِ، ولا يُنافي
ذَلكَ أَنَّهُ لَو ماتَ يُورَثُ عَنْهُ؛ لأَنَّهُ أُجِرةٌ اسْتَحَقَّها، ولا يَلزَمُ مِنَ الاستحقاقِ الملكُ، كَما قالوا
في الغَنِيمَةِ بَعدَ إِحرازِها بِدَارِ الإسلامِ، فَإِنَّها حَقٌّ تأَكَّدَ بالإِحرازِ، ولا يَحصُلُ المِلكُ فيها
للغانِمِينَ إِلَّ بَعدَ القِسمَةِ، والحقُّ الْمُتَأَكِّدُ يُورَثُ كحَقِّ الرَّهنِ والرَّدِّ بالعَيبِ، بخلافِ الضَّعِيفِ
كالشُّفْعَةِ وخيارِ الشَّرِطِ كَما في "الفتح"(٥)، وعَنْ هذا بَحَثَ في "البَحرِ"(٦) هُناكَ: ((بأَنَّهُ يَنْبَغِي
النَّفصيلُ في مَعلومِ المُسْتَحِقِّ بأَنَّهُ إِنْ ماتَ بَعدَ خُرُوجِ الغَلَّةِ وإِحرازِ النَّاظِ لها قَبَلَ القِسمَةِ يُورَثُ
نَصِيُّهُ؛ لِتَأَكُّدِ الحقِّ فِيهِ كالغَنِيمَةِ بَعدَ الإِحرازِ، وإِنْ ماتَ قَبَلَ ذَلكَ لا يُورَثُ))، لكنْ قدَّمنا(٧)
هُناكَ أَنَّ مَعلومَ الإِمامِ لَهُ شَبَهُ الْصِّلَةِ وَشَبَهُ الأُجرةِ، والأَرجَحُ الثَّانِي، وعَليهِ يَتَحقَّقُ الإِرِثُ ولَو
(١) "فتح المعين": كتاب البيوع - فروع ٥٢١/٢.
(٢) في "م": ((بعده)).
(٣) "النهر": كتاب البيع ق٣٥٨/ب بتصرف.
(٤) المقولة [٢٢٢٦١] قوله: ((ما يستجرُّهُ الإنسانُ إلخ)).
(٥) "الفتح": كتاب السِّير - باب الغنائم وقسمتها ٢٢٣/٥.
(٦) "البحر": كتاب السِّير - باب الغنائم وقسمتها ٩٢/٥ بتصرف.
(٧) المقولة [٢١٦٧٩] قوله: ((قلتُ: قد جَزَم في "الْبُغْية" إلخ)).
حاشية ابن عابدين
٦٠
قسم المعاملات
وَأَفَتَى "المصنِّفُ" بُطلانِ بَيعِ الجامِكِيَّةِ؛ لِما في "الأَشباهِ"(١): ((بَيعُ الدَّينِ إِنَّما يَجوزُ
مِنَ الَديونِ))، وفيها وفي "الأَشباِ"(٢) :..
قَبلَ إِحرازِ النَّاظِرِ، ثُمَّ لا يَخْفَى أَنَّها لا تُملَكُ قَبَلَ قَبَضِها، فلا يَصِحُّ بَيْعُها.
مَطلبٌ فِي بَيعِ الجَامِكِيَّةِ(٣)
١٣/٤
[٢٢٢٦٨] (قولُهُ: وَأَفَتَى "المصنّفُ " إلخ) تأييدٌ لكَلامِ "النَّهرِ"، وعِبارةُ "المُصنّفِ" في "قَتاواهُ":
((سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الجامِكَّةِ، وهُوَ: أَنْ يَكونَ لرجلٍ جامِكَيَّةٌ فِي بَيتِ المالِ، وَيَحتاجَ إِلى دَراهمَ
مُعْجَّةٍ قَبَلَ أَنْ تَخرِجَ الجامِكِيَّةُ، فَيَقولَ لهُ رَجُلٌ: بِعَنِي جَامِكَيَّكَ الَّتِي قَدرُها كَذَا بِكَذا؟ أَنْقَصَ
مِنْ حَقِّهِ في الجامِكِيَّةِ، فَيَقولَ لَهُ: بِعُكَ، فَهَلِ البَيعُ الَذكورُ صَحِيحٌ أَمْ لا لكونِهِ بَيعَ الدَّينِ بَنَقْدٍ؟
أَجابَ: إِذا باعَ الدَّينَ مِنْ غَيرٍ مَنْ هُوَ عليهِ كَمَا ذُكِرَ لا يَصِحُّ، قال "مولانا" في "فَوائدهِ"(٤):
وبَيْعُ الدِّينِ لا يَجوزُ، وَلَو باعَهُ مِنَ المديونِ أَو وَهبهُ(٥) جازَ)) اهـ.
[٢٢٢٦٩] (قولُهُ: وفيها) الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ لـ"القُنيةِ"(٦)، ويُحَتَمَلُ عَودُهُ لـ"فَتَاوَى الْمُصنّفِ"
المفهومَةِ مِنْ ((أَفْتَى))، وأَمَّا ضَمِيرُ (وفيها)) الآتيةِ(٧) فِ"الأَشباهِ". اهـ "ح"(٨).
(قولُهُ: تَأَبِيدٌ لكَلامِ "النّهرِ " إلخ) لا تَأيِيدَ، فإِنَّ بَيعَ الجامِكَّةِ بَيعُ الدَّينِ، بخلافِ بَيعِ الحظّ، تأمَّلْ.
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثالثُ: الجمع والفرق - القول في الدَّيْن صـ٤٢٥- بتصرف.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب البيوع صـ٢٤٩ - بتصرف.
(٣) الجامِكيَّةُ: هي ما يُرتَّبُ في الأوقاف لأصحاب الوظائف، وتقدَّم التعريفُ بها ٦٥٤/١٣.
(٤) أي: شيخُهُ زينُ الدين بنُ نجيم. ولم نعثر على النقل في "الفوائد الزينية"، وهو في "فوائد الأشباه والنظائر": الفنُّ الثالث:
الجمع والفرق - القول في الدَّين - الفائدة الخامسة صـ٤٢٥ -.
(٥) في هامش "م": ((قولهُ: وَلَو باعُهُ مِنَ الَديونِ أَو وَهبهُ إلخ))، قالَ "ط ": ((بَقِيَ ما إِذا باعَها مِنْ مُلَزِمٍ عليهِ مِبريٌّ
للدِّيوان، وقَدْ وُجِّهَ عَليهِ، والظَّاهرُ: أَنَّ هَذا بمَنْزِلَةِ الحوالَةِ، فَإِنَّ حاصِلَهُ أَنَّ الإِمامَ أَو نائبَهُ وجَّههُ بماَلَهُ على هَذا
الشَّخص فإذا أَخذَ منهُ بقدرهٍ لا يُقالُ: إنّهُ بَيْعٌ)) اهـ.
(٦) لم نعثر عليها في "القُنية"، ولعلَّها في "فَتَاوَى المُصنّفِ" كما أَشارَ إلى ذلكَ ابنُ عابدينَ نَقلاً عَنْ "ح".
(٧) ص ٦٢ - "در".
(٨) "ح": كتاب البيوع ق ٢٨٠/أ.
الجزء الرابع عشر
٦١
کتاب البيوع
((لا يَجوزُ الاعتِياضُ عَنِ الْحُقوقِ المجرَّدَةِ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ، ..
مَطلبٌ: لا يَجوزُ الاعتِياضُ عَنِ الْحُقوقِ المُجرَّدَةِ
[٢٢٢٧٠) (قولُهُ: لا يجوزُ الاعتِياضُ عَنِ الْحُقوقِ المحرَّدَةِ) عَنِ المِلكِ، قالَ في
"البدائعِ"(١): ((الحقوقُ المُفردَةُ لا تَحتَمِلُ النَّمليكَ، ولا يَجوزُ الصُّلحُ عَنْها)).
أَقولُ: وكَذا لا تُضمَنُ بالإِتلافِ، قالَ في "شَرحِ الزِّياداتِ" لـ "السَّرخسيِّ" (٢): ((وإتلافُ
مجرَّدِ الحقِّ لا يُوجِبُ الضَّمَانَ؛ لأَنَّ الاعتِياضَ عَنْ مُجرَّدِ الحقِّ باطِلٌ، إِلَّ إِذا فَوَّتَ حقّاً مُؤكّداً فإِنَّهُ
يُلحَقُ بَتَفويتِ حَقِيقَةِ المِلكِ فِي حَقِّ الضَّمانِ كحقٌّ المرتهنِ، ولذا لا يَضْمَنُ بِتَلافِ شيءٍ مِنَ الغَنِيمَةِ
أَو وطءٍ [٣/ق٩/ب] جاريَةٍ مِنها قَبلَ الإِحرازِ؛ لأَنَّ الفائتَ مُجرَّدُ الحقِّ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَضمونٍ، وَبَعدَ
الإِحرازِ بدارِ الإِسلامِ - وَلَو قَبَلَ القِسمَةِ - يَضْمَنُ؛ لتَفويتِ حَقِيقَةِ المِلكِ، ويجبُ عليهِ القِيمةُ فِي قتِهِ
عَبَداً مِنَ الغَنيمةِ بَعدَ الإِحرازِ فِي ثَلاثِ سِنِينَ))، "بيري(٣). وأَرادَ بقولهِ: ((لَقويتِ حَقِيقَةِ المِلْكِ))
الحقَّ الْمُؤكَّدَ؛ إِذْ لا تَحصُلُ حَقِيقَةُ المِلْكِ إِلَّ بَعدَ القِسمَةِ كَمَا مَرَّ(٤).
[٢٢٢٧١] (قولُهُ: كحَقِّ الشُّفْعَةِ) قالَ في "الأَشْباهِ"(٥): ((فَلَو صالَحَ عَنْها بمالِ بِطَلَتْ
ورَجَعَ، ولَو صالَحَ المخَّرَةَ بِمالِ لتَختارَهُ بَطَلَ ولا شَيءَ لها، ولَو صالَحَ إِحدَى زَوجَتَيْهِ بِمَالٍ
1
لَركَ نَوَبَتَها لم يَلزَمْ، ولا شَيءَ لها، وعلى هذا لا يَجوزُ الاعتِياضُ عَنِ الوظائفِ في الأوقافِ،
(قولُهُ: فَلَو صالحَ عَنها بمالِ بَطَلَتْ إلخ) بخلافِ ما إِذا صالحَ عَنْ دَعواها يَصِحُّ، وَيَكونُ فِداءً للّيَمِينِ،
وكَذَا لَو ادَّعَى عليهِ تَعزِيراً فافتَدَى يَمِينَهُ بِمالٍ صَحَّ على الأَصَحِّ، اهـ "سِنديّ" عَنِ "البَحرِ".
(١) "البدائع": كتاب الشرب ١٩٠/٦.
(٢) شرح أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل، شمس الأئمة السرخسي (ت٤٨٣ هـ) على "الزيادات" للإمام محمد.
("كشف الظنون" ٩٦٣/٢، "الجواهر المضية" ٨٧/٣)، وعزا إليه في كتابه "المبسوط" في عدة مواضع، انظر مثلاً
٢٥٢/١، ٤٢/٢، ٨٦/٤، ١٢٢/٨، ٠٧٩/١٠
(٣) أي: في "حاشيته على الأشباه"، وتقدمت ترجمتها ١٤٦/١.
(٤) المقولة [٢٢٢٦٧] قوله: ((وتعقّبه في "النّهر")).
(٥) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب البيوع صـ٢٤٩ - بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٦٢
قسم المعاملات
وعلى هَذا لا يَجوزُ الاعتِياضُ عَنِ الوَظائِفِ بالأَوقافِ))، وفيها (١) في آخِرِ بَحثٍ
تعارُضِ العُرْفِ مَعَ اللُّغَةِ: ((المذهَبُ عَدَمُ اعتِبارِ العُرفِ الخَاصِّ.
وخَرَجَ عَنْها حَقُّ القِصاصِ(٢) ومِلكُ النكاحِ وحقُّ الرِّقِّ، فَإِنّهُ يَجوزُ الاعتِياضُ عَنِها(٣) كَما
ذَكرَهُ "الزَّلِعِيُّ" (٤) في الشُّفْعَةِ، والكفيلُ بِالنّفْسِ إِذا صالَحَ المكفولَ لَهُ بمالٍ لا يَصِحُّ ولا يَجبُ،
وفي بُطلاِها رِوايَتانِ، وفي بَيْعِ حَقِّ الْمُرورِ في الطَّريقِ رِوايَتانِ، وِكَذَا بَيْعُ الشِّربِ إِلاَّ تَبَعاً)) اهـ.
مَطلبٌ في الاعتِياضِ عَنِ الوَظائفِ والنّزولِ عَنْها
[٢٢٢٧٢) (قولُهُ: وعلى هَذا لا يَجوزُ الاعتِياضُ عَنِ الوَظائفِ بالأَوقافِ) مِنْ إِمامَةٍ، وخَطَابَةٍ،
وأَذانٍ، وفِرَاشَةٍ، وبِوابَةٍ، ولا على وَجِهِ البَيعِ أَيضاً؛ لأَنَّ بَيعَ الحقِّ لا يَجوزُ كُمَا في "شَرِحِ
الأَدَبِّ"(٥) وغَيرِهِ، وَفي "الذَّخيرةِ": ((أَنَّ أَخذَ الدَّارِ بالشُّفْعَةِ أَمرٌ عُرِفَ بخلافِ القِياسِ؛ فَلا يَظهَرُ
تُبُوتُهُ فِي حَقِّ جَوازِ الاعتِياضِ عَنْهُ)) اهـ. أَقولُ: والحقُّ في الوَظيفةِ مِثْلُهُ، والحُكمُ واحِدٌ، "بيري".
مَطْلَبٌ في العُرْفِ الخَاصِّ والعامِّ
(٢٢٢٧٣] (قَولُهُ: المذهَبُ عَدَمُ اعتِبارِ العُرفِ الخَاصِّ قالَ في "المُسْتَصفَى": ((الَّعامُلُ(٦) العام
(قولُهُ: وخرَجَ عَنْها حَقُّ الْقِصاصِ إلخ) خُروجُ ما ذُكِرَ بِقَيدِ المحرَّدَةِ عَنِ المِلكِ.
(قَولُهُ: قَالَ في "المُسْتَصفى": التَّعامُلُ العَامُّ إِلَخْ) عِبَارَتُهُ - عَلَى مَا في "ط" - : ((أَنَّ الِعِيْرَةَ للَّعَامُلِ العَامِّ،
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكّمة - فصل في تعارض العرف مع اللغة صـ١١٣ - ١١٤.
(٢) في هامش "م": ((قولُهُ: وخرجَ عَنها حَقُّ القِصاصِ إلخ))، أي: خَرجَ عَنِ القاعدَةِ الَذكورةِ الَّتِي هِيَ قُولُهُ: ((لا يَجوزُ
الاعتِياضُ عَنِ الحقوقِ المحرَّدَةِ))، وَلَيسَ المرادُ أَنَّهُ خرجَ عَن الحقوق المجرَّدَةِ للقصاصِ إلخ، بمعنى: أنّه خَرَجَ عَنْ أَحكامِها؛
لأَنَّ القِصاصَ وما ذُكرَ حُقوقٌ لا تُضمَنُ بالإتلافِ، أَلا تَرَى أَنَّهُ لَو قتلَ القاتلَ شَخصٌ لا يَضْمَنُ لورَثَةٍ مَقتولِهِ شَيئاً. اهـ.
(٣) أي: ((بالدِّيَةِ والخُلْعِ والكِتابة)) كما في "جَدُّ الْمُمْتار" ٤/ق ١٧٦، للإمام أحمد رضا خان ابن المفتي نقي علي
خان البَرِيْلْوي الحنفي القادري (ت١٣٤٠هـ)، وهي تعليقات على "رد المحتار"، وقد أفدنا منها في هوامشنا.
("نزهة الخواطر" ٤٢/٨، "الإمام الأكبر المجدد" للأستاذ حازم محمد المحفوظ).
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الشفعة - باب ما تبطل به الشفعة ٢٥٧/٥.
(٥) انظر "شرح الصدر الشهيد على أدب القاضي" للخصاف: الباب الخامس والسبعون في الشفعة - الصلح على المال إلخ ٤٦/٤ - ٤٧.
(٦) في هامش "٢": ((قولهُ: قالَ في "المستصفى": التّعاملُ إلخ))، عبارةُ "ط": ((ونَقَلَ العلاَّمةُ "البيري" عن
"المستصفى" أَنَّ العِبرةَ للتَّعاملِ العامِّ، أي: الشَّائعِ الْمُستفيضِ، قال: والعُرفُ المُشتركُ لا يَصِحُ الرُّجوعُ إليهِ)) اهـ.
الجزء الرابع عشر
٦٣
کتاب البيوع
أَي: الشَّائِعُ الْمُسْتَفِيضُ، والعُرفُ الْمُشْتَرَكُ لا يَصِحُّ الرُّجوعُ إِليهِ مَعَ التِّرَدُّدِ)) اهـ. وَفِي مَحَلٌّ آخَرَ
مِنْهُ: ((وَلاَ يَصِلُحُ مُقَيِّدً؛ لأَنَّهُ لَمَّا كانَ مُشْتَرَكاً كَانَ مُتعارِضاً)) اهـ "بيري".
وَفِي "الأشباهِ"(١) عَنِ "البَزَّازِيَّةِ"(٢): ((وَكَذَا - أَي: تَفْسُدُ الإِجارةُ - لَو دَفَعَ إِلَى خَائِكٍ
غَزْلاً عَلَى أَنْ يَنْسُجَهُ بِالْثّلُثِ، وَمَشَابِخُ بَلْتٍ وَخُوارِزْمَ أَقْتَوا بِجَوَازِ إِجارَةِ الْحَائِكِ لِلْعُرْفِ، وَبِهِ
أَقْتَى "أَبو عَلَيِّ النَّسَفِيُّ" أَيضاً، وَالفَتوى عَلَى جَوابِ الكِتابِ؛ لأَنَّهُ مَنصوصٌ عَلَيهِ، فَيَلزَمُ(٣)
إبطالُ النَّصِّ)) اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ عَدَمَ اعتِبارِهِ بِمَعنى أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ النَّصُّ بِخِلافِهِ لا يَصِلُحُ نَاسِخاً
لِلنَّصِّ وَلا مُقِيِّدً لَهُ، وَإِلَّ فَقَدَ اعْتَبَروهُ فِي مَواضِحَ كَثِيرَةٍ مِنها مَسَائِلُ الأيمانِ، وَكُلُّ عَاقِدٍ
وَوَاقِفٍ وَحَالِفٍ يُحمَلُ كَلامُهُ عَلَى عُرفِهِ كَمَا ذَكَرَهُ "ابنُ الهُمامِ"(٤). وَأَفَادَ مَا مَرَّ(٥) أيضاً أَنَّ
العُرفَ العَامَّ يَصِلُحُ مُقَيِّدً؛ وَلِذا نَقَلَ "البيري" فِي مَسأَلَةِ الْحَائِكِ المذكورَةِ: ((قَالَ "السَّيِّدُ
الشَّهِيدُ"(٦): لاَ نَأخُذُ باستِحسانٍ مَشَائِخٍ بَلْخٍ، بَل نَأخُذُ بِقَولِ أَصحابِنَا الْمَقَدِّمِينَ؛ لأَنَّ التَّعامُلَ
فِي بَلَدٍ لا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الاستمرارِ مِن الصَّدْرِ الأَوَّلِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَليلاً
عَلَى تَقريرِ النّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ إِيَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَيَكونُ شَرعاً مِنْهُ، فإِذا لم يكنْ كَذَلكَ
أَي: الشَّائِعِ الْمُسَفِيضِ، وَالعُرفُ الْمُشْتَرَكُ لاَ يَصِحُّ إِلَخْ)).
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكّمةٌ - فصل في تعارض العرف مع اللغة صـ١١٣ -.
(٢) "البزازية": كتاب الإجارات - الفصل الثاني - النوع الثالث في الدَّوابّ ٣٥/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) في "م": ((فيلرم)) بالراء، وهو خطأ.
(٤) لم نعثرْ على هذهِ العِبارةِ بَلَفَظِها في كُبِ المُحقّقِ ابنِ الهُمامِ التي بَيْنَ أيدينا، وقَدْ نَقَلَ العلاّمةُ ابنُ عابدينَ رحمه الله في
رِسالتِهِ المُسمَّةِ "نَشرِ العَرِفِ" هذهِ العِبارةَ بَتَصرُّفٍ عَنِ العَلَّمَةِ قاسِمٍ فِي مَوَضعَينٍ، وَنَقَلَ عَنِ ابنِ الهُمامِ فِي وَقفِ
"الفتحِ" ما يُفيدُ مَعناها، انظر "رسائل ابن عابدين" ١٣١/٢، ١٣٦، ١٤٤، و"الفتح" ٤٥٢/٥.
(٥) أي: في هذه المقولة.
(٦) لم نعثر على ترجمة لصاحب هذا اللقب في كتب الحنفية و كتب التراجم التي بين أيدينا.
حاشية ابن عابدين
٦٤
قسم المعاملات
لكنْ أَفْتَى كَثِيرٌ باعتبارِهِ، وَعَلَيهِ فَيُفتَى بِجَوازِ النُّزُولِ عَنِ الوَظَائِفِ بِمَالٍ.
لا يَكونُ فِعلُهُم حُجَّةً، إِلاَّ إِذا كانَ كذلكَ مِنَ النَّاسِ كَافَّةً فِي الْبُلدانِ كُلِّها، فَيَكُونُ إجماعاً،
والإِجماعُ حُجَّةٌ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُم لَو تَعَامَلوا عَلَى بَيعِ الْخَمرِ وَالرِّبًا لاَ يُفْتَى بالحِلِّ)) اهـ.
قُلتُ: وَبِهِ ظَهَرَ الفَرقُ بَيْنَ العُرفِ الخَاصِّ وَالعَامِّ، وَتَمَامُ الكَلامِ عَلَى هَذِهِ المسألةِ
مَبسوطٌ فِي رِسالَتِنَا الْمُسَمَّاةِ بـ "نَشرِ العَرفِ فِي بِنَاءِ بَعضِ الأحكَامِ عَلَى العُرْفِ "(١).
مَطْلَبٌ فِي النّزولِ عَنِ الوَظَائِفِ بِمالٍ
(٢٢٢٧٤) (قَولُهُ: وَعَلَيْهِ فَيُفْتَى بِجَوَازِ النّزولِ عَنِ الوَظَائِفِ بِمَالٍ) قَالَ العَلَّمَةُ "العَينِيُّ" في
"فَاوَاهُ"(٢): ((لَيسَ لِلّزُولِ شَيْءٌ يُعْتَمَدُ عَلَيهِ، وَلَكِنَّ الْعُلَمَاءَ وَالْحُكَّامَ مَشَّوا ذَلِكَ لِلضَّرورَةِ،
وَاشْتَرَطوا إمضَاءَ النَّاظِرِ لِفَلاَّ يَقَعَ فِيهِ نِزَاٌ)) اهـ مُلَخَّصاً مِنْ "حَاشِيَةِ الأشباهِ" لِ"السَّيّدِ أَبي
السُّعُودِ". وَذَكَرَ "الحَمويُّ(٣): ((أَنَّ "العَينِيَّ" ذَكَرَ في "شَرِحِ نَظْمٍ دُرَرِ البحارِ"(٤) في بَابِ القَسْمِ
بَينَ الزَّوجاتِ: أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ بَعضِ شُيوخِهِ الكِبارِ أَنَّهُ يُمكِنُ أَنْ يُحكَمَ بِصِحَّةِ النُّزولِ عَنِ
الوَظَائِفِ الدِّينَّةِ قِيَاساً عَلَى تَرْكِ الَرَأَةِ قَسمَهَا لِصَاحِبَتِها؛ لأَنَّ كُلَّ مِنْهُما مُحَرَّدُ إسقَاطٍ)) اهـ.
قُلتُ: وَقَدَّمْنَا(٥) فِي الوَقْفِ عَنِ "البَحرِ": ((أَنَّ لِلمُتَوّي عَزْلَ نَفْسِهِ عِندَ القَاضِي، وَأَنَّ مِنَ
العَزَلِ الفَرَاغَ لِغَيْرِهِ عَنْ وَظِيفَةِ الَّظَرِ أَو غَيرِهِ، وَأَنَّهُ لا يَنْعَزِلُ بِمُحَرَّدٍ عَزْلِ نَفْسِهِ خِلافً لِلْعَلَّمَةِ
(١) انظر الرِّسالةَ المذكورةَ ضِمنَ "مجموع رسائل ابن عابدين": ١١٧/٢.
(٢) لم تَذكُرْ كُبُ التِّراجمِ للعَينِيِّ مُؤْلَّفاً في الفَتَاوَى غَيرَ مُختصَرِهِ لـ"الفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ"، ولَعلَّ المسألةَ فِيهِ، انظُر
"الضَّوءِ اللَّمع" ١٣٤/١٠.
(٣) غمز عيون البصائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكّمةٌ ٣٢٣/١.
(٤) المسمَّى "الدُّرر الفاخرة" لأبي محمد محمود بن أحمد، بدر الدين الحلبي العيني ثم القاهري (ت٨٥٥هـ)، شرح "البحار الزاخرة" لأبي
المحاسن حسام الدِّين الرَّهاوي، وهو نظم لـ"درر البحار" لأبي عبد الله محمد بن يوسف بن إلياس القُونوي الدِّمشقي (ت٧٨٨هـ).
("كشف الظنون" ٢٢٠/١، ٤٧٦، "الضوء اللامع" ١٣١/١٠، "الفوائد البهية" ص ٢٠٧ - "هدية العارفين" ٤٢٠/٢).
(٥) المقولة [٢١٥٠٥] قوله: ((فلو مأموناً لم تصحَّ توليةُ غيرِه)).
الجزء الرابع عشر
٦٥
كتاب البيوع
١٤/٤
"قَاسِمِ"، بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ تَقْرِيرِ القَاضِي المفروغَ لَهُ [٣ ق،٨١) لَو أَهْلاً، وَأَنَّهُ لاَ يَلَمُ القَاضِيَ تَقْرِيرُهُ وَلَوْ أَهْلاً،
وَأَنَّهُ جَرَى العُرفُ بالفَراغِ بِالدَّرَاهِمِ، ولا يَخَفَى مَا فِيهِ، فَينبَغِي الإِبراءُ العامُّ بَعْدَهُ)) اهـ، أَي: لِمَا فِيهِ مِنْ
شبهةِ الاعتِياضِ عَنْ مُحرَّدٍ الحقِّ، وقَدْ مَّ(١) أَنَّهُ لا يَجوزُ، وَلَيسَ فيما ذُكِرَ عَنِ "العَبِيِّ" جَوَازُهُ، لكنْ قالَ
"الحمَويُّ(٢): ((وَقَدِ اسْتَخَرَجَ شَيْخُ مَشائخنا "نُورُ الدِّينِ عليٌّ المقدسيُّ صِحَّةَ الاعتِياضِ عَنْ ذَلكَ في
"شَرحِهِ" على "نَظمِ الكَثِ"(٣) مِنْ فَرِعٍ في "مبسوطِ السَّرِّخسيِّ)(٤)، وهو: أَنَّ العَبدَ الْمُوصَى بِرَقَّتِهِ لشَخْصٍ
وبخدمتِهِ لَآخَرَ لَوْ قُطِعَ طَرَقُهُ أَو شُجَّ مُوضِحَةً، فَدَّى الأَرشَ فِإِنْ كانتِ الجنايةُ تُنقِصُ الخدمةَ يُشتَرِى بِهِ
عَبْدٌ آخَرُ يَخدِمُهُ، أَوْ يُضَمُّ إِليهِ ثمنُ العَبدِ بَعدَ بَيْعِهِ فُيُشْتَرَى بِهِ عَبدٌ يقومُ مَقَامَ الأَوَّلِ، فِإِنْ اختلَغَا فِي بَعِهِ لم
يُيَعْ، وإِن اصطَلَحا على قِسمَةِ الأَرشِ بَيْنَهُمَا نِصِفَيْنِ فَلَهُمَا ذَلِكَ، ولا يَكونُ ما يَستوفِيهِ المُوصَى لهُ بِالخدمَةِ
مِنَ الأَرشِ بَدَلَ الخدمةِ؛ لأَنَّهُ لا يَمِلِكُ الاعتِياضَ عَنها، ولكنَّهُ إِسقاطٌ لحقّهِ بِهِ، كَمَا لَو صالَحَ
مُوصَّى لهُ بِالرَّقَبَةِ على مالِ دفَعَهُ للمُوصَى لهُ بالخدمةِ لْيُسلِّمَ العَبدَ لهُ اهـ قالَ: فرَّبَّما يَشهدُ هذا
(قولُهُ: وهُوَ: أَنَّ العَبدَ المُوصَى بِرَقَبْتِهِ لشَخصِ وبخدمتهِ لَآخَرَ لَو قُطِعَ إلخ) الظَّاهرُ عَدمُ صِحَّةِ الاسْتِدلالِ
بهذا الفَرعِ على صِحَّةِ الاعتِياضِ عَنِ الحقوقِ المحرَّدَةِ؛ فَإِنَّ المرادَ أَنَّها مجرَّدَةٌ عَنِ المِلكِ، والحقُّ في الفَرعِ الَذكورِ
مَملوٌ، فلم يَكُنْ مُجرَّدًاً عنهُ كَما نَحنُ فيهِ، وقَالَ "الزَّلِعِيُّ": ((حقُّ الشُّفْعِ لَيسَ مُتَقرِّرٍ في المحلِّ، إِنَّمَا هُوَ مُحرَّدُ
حقِّالَّمَلُّكِ، فلا يَجوزُ أَخذُ العِوَضِ عَنْهُ، بخلافِ الاعتِياضِ عَنِ القِصاصِ ومِلكِ النّكَاحِ وإسقاطِ الرِّقِّ؛ لأَنَّ
مِلكَهُ في هذهِ الأَشياءِ مُتُقرِّرٌ في المحلِّ، ولهذا يَستوفيهِ ويَنفردُ بِهِ، أَلا تَرى أَنَّ للوليِّ قَتَلَهُ قِصاصاً بلا رِضاءٍ
ولا قَضاءِ؟ فَعُلِمَ أَنَّ حقَّهُ ثابتٌ فِي الَحلِّ فِي حَقِّ القَتَلِ، ولَولا ذَلَكَ لَمَا تَمَكَّنَ مِنَ القَلِ بِغَيْرِ قَضاءٍ ولا رِضاءٍ)) اهـ.
ولا شكَّ أَنَّ حقَّ الموصى لهُ بالخدمةِ مملوكٌ مُتُقرِّرٌ في المحلِّ كحقِّ القِصاصِ والنّكاحِ والرِّقِّ، بخلافِ ما نحنُ فيهِ.
(١) المقولة [٢٢٢٧٠] قوله: ((لا يجوزُ الاعتياضُ عن الحقوق المجرَّدَةِ)).
(٢) "غمز عيون البصائر": الفن الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكمة ٣٢٣/١.
(٣) المسمى "أوضح رمز على نظم الكنز"، وتقدمت ترجمته ١٠٨/٢.
(٤) "المبسوط": كتاب الوصايا - باب الوصية بالغلّة والخدمة ١٨٥/٢٧ - ١٨٦ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٦٦
قسم المعاملات
اللُّزُولِ عَنِ الوظائفِ بمالٍ)) اهـ. قالَ "الحمَويُّ)(١): ((فليُحفَظْ هذا، فِنَّهُ نَفَيسٌ جداً)) اهـ.
وذَكرَ نَحوَهُ "البِيرَي" عِندَ قَولِ "الأَشباِ"(٢): (وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَو نَزَلَ لهُ وقَبضَ الَبَلِغَ، ثُمَّ أَرادَ
الرُّجوعَ عَليهِ لا يَمِلِكُ ذَلكَ))، فقال: ((أي: على وجهِ إِسقاطِ الحقِّ إِلحاقاً لهُ بالوَصِيَّةِ بالخدمةِ،
والصُّلحِ عَنِ الأَلْفِ على خَمسِمائةٍ، فَإِنَّهم قالوا: يجوزُ أَخذُ العِوَضِ على وَجِهِ الإِسقاطِ للحقِّ،
ولا رَيبَ أنَّ الفارِغَ يَسْتَحِقُّ الَنزولَ بِهِ* استحقاقاً خاصاً بالتَّقْرِيرِ. ويُؤيِّدهُ ما في "خِزَانَةِ الأَكمَلِ":
وإِنْ ماتَ العَبدُ الموصَى بخدمتهِ بَعدَما قَبَضَ الموصى لهُ بَدَلَ الصُّلحِ فَهُوَ جائزٌ اهـ. ففيهِ دِلالةٌ على
أَنَّهُ لا رُجوعَ على النَّازلِ، وهذا الوَجْهُ هُوَ الذي يَطمئِنُّ بِهِ القَلبُ لقُربِهِ)) اهـ كلامُ "البيري". ثُمَّ
استشكلَ ذلكَ بما مرَّ(٢) مِنْ عَدَمِ جَواز الصُّلحِ عَنْ حقِّ الشُّفْعَةِ والقَسْمِ، فَإِنَّهُ يَمنعُ جوازَ أَخذِ
العِوَضِ هُنا، ثُمَّ قالَ: ((ولقائلٍ أَنْ يَقولَ: هذا حقٌّ جَعَلَهُ الشَّرعُ لدَفْعِ الضَّررِ، وذلكَ حقٌّ فيهِ صِلَةٌ،
ولا جامعَ بَيْنَهُما فافترقا، وهوَ الذي يَظهَرُ)) اهـ.
وحاصلُهُ: أَنَّ تُبُوتَ حقِّ الشُّفْعَةِ للشَّفِيعِ وحقِّ القَسْمِ للزَّوجَةِ - وكَذا حقُّ الخيارِ فِي النّكاحِ
للمُخَّرَةِ - إِنَّما هو لدفعِ الضَّرَرِ عَنِ الشَّفيعِ والمرأةِ، وما تَبْتَ لذلكَ(٤) لا يَصِحُّ الصُّلِحُ عَنَهُ؛ لأَنَّ
(قولُهُ بالهامِشِ: قولُهُ: يَسْتَحِقُّ الَنزولَ بِهِ، كذا رَأْيُهُ، والظَّاهِرُ أَن يُقَالَ: المنزولَ عَنهُ) فيهٍ أَنَّ الْمُرادَ
مِنَ المنزولِ بهِ البدَلُ كَما يَدُلُّ عَليهِ تَمامُ عِبَارَةِ "البيري" المذكورةِ، وما ذَكرَهُ عَنِ "البِيري" هُوَ مَعَنَى ما
سَذكرُهُ بِقَولِهِ: ((ُثُمَّ إِذا فَرغَ عَنْهُ لغَيْرِهِ ولم يُوجِّهْهُ السُلطانُ إلخ)).
(١) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكّمةٌ ٣٢٣/١.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكّمةٌ - فصل في تعارض العرف مع اللغة صـ١١٤ -.
؟ ((قولهُ: يَستحقُّ الَنزولَ بهِ)) كذا رأيتُهُ، والظَّاهرُ أنْ يُقالَ: المنزولَ عَنهُ. اهـ مِنْ خطِّ المؤلّفِ. كذا في هامش
"الأصل" و"ب" و"م". وانظُرْ كلامَ "الرَّافعيِّ" رحمه الله تعالى.
(٣) المقولة [٢٢٢٧١] قوله: ((كحقِّ الشُّفعة)).
(٤) في "ك": ((ثبت كذلك)).
الجزء الرابع عشر
٦٧
کتاب البيوع
صاحبَ الحقِّ لَمّا رَضيَ عُلمَ أَنَّهُ لا يَتضرَّرُ بِذَلكَ فلا يَسْتَحقُّ شَيئاً، أمّا حقُّ الموصَى لَهُ بالخِدمَةِ فَلَيسَ
كَذلكَ، بل تَّبْتَ لَهُ على وَجِهِ البِّ والصِّلَةِ، فَيَكونُ ثابتاً لَهُ أَصالَةً، فَيَصِحُّ الصُّلِحُ عَنْهُ إِذا نَزَلَ عَنْهُ
الغَيْرِهِ، ومِثْلُهُ مَا مَرّ(١) عَنِ "الأشباهِ" مِنْ حَقِّ القِصاصِ والنّكاحِ والرِّفِّ حَيثُ صَحَّ الاعتِياضُ عَنْهُ؛ لأَنَّهُ
ثابتٌ لصاحبهِ أَصالةً لا على وَجِهِ رَفَعِ الضَّرَرِ عَنْ صاحبهِ، ولا يَخْفَى أَنَّ صاحبَ الوَظيفةِ ثَبَتَ لَهُ
الحقُّ فِيهِ بتقريرِ القاضي عَلَى وَجِهِ الأَصالَةِ لا على وَجِهِ رَفعِ الضَّرَرِ، فِإِلحاقُها بحقِّ الموصَى لهُ
بالخدمَةِ وحقِّ القصاصِ وما بَعدَهُ أَولِى مِنْ إِلحاقِها بحقِّ الشُّفْعَةِ والقَسْمِ، وهذا كَلامٌ وَجِيةٌ لا يَخْفَى
على نَبيهٍ. وبِهِ اندَفَعَ ما ذَكرَهُ بَعضُ مُحْشِّي "الأَشباءِ"(٢): مِنْ أَنَّ المالَ الذي يَأخذهُ النَّازلُ عَنِ
الوظيفةِ رِشوةٌ وهيَ حَراٌ بالنَّصِّ، والعُرفُ لا يُعارضُ النَّصَّ. وجهُ الدَّعِ ما عَلمتَ مِنْ أَنَّهُ صُلِحٌ
عَنْ حَقِّ كَمَا فِي نَظائرهِ، والرِّشوةُ لا تَكونُ بحقِّ، واستدلَّ بَعضُهمْ للجوازِ بُزولِ سَيِّدِنا "الحَسَنِ" بنِ
سَيِّدِنا "عليِّ" رضي الله تعالى عَنهُما عَنِ الخلافةِ لـ"مُعاويَةَ" على ◌ِوَضٍ(٣)، وهوَ ظاهرٌ أَيضاً، وهَذا
(١) المقولة [٢٢٢٧١] قوله: ((كَحَقِّ الشُّفْعة)).
(٢) ونقله الحموي في "غمز عيون البصائر": الفن الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكمة ٣٢٢/١ - ٣٢٣.
(٣) أخرَجَ محمَّد بن سعدٍ في "الطبقات" كما في "تهذيب الكمال" ٢٤٥/٦، والذهبيُّ في "السِّير" ٢٦٣/٣ - ٢٦٤
قال: أخبرَنا محمَّد بن عُبيد عن مُجالدٍ عن الشَّعبيِّ، وعن يونس عن أبي إسحاقَ عن أبيه، وعن أبي السَّفَرِ وغيرِهم
قالوا: بايَعَ أهلُ العراق الحسن بن عليّ .... فذكَرَ خيانةً أصحابه له وطعنَهم الحسنَ رضي اللّه عنه وانتهابَهم
سُرادِقَهُ، مما أدّاه إلى مُصالحةٍ معاويةَ رضي اللّه عنه وفيه: وكَتَبَ إلى معاويةَ بنِ أبي سفيان يسألُهُ الصُّلِحَ ويُسلِّمُ له
الأمرَ على أن يُسلِّمَ له ثلاثَ خصال، فقال: يُسلِّمُ له بيتَ المال فيقضي منه دَيْنَه ومواعيدَه التي عليه، ويتحمَّلُ منه
هو ومن معه من مالٍ أبيه وأهل بيته، ولا يُسَبُّ عليٌّ وهو يَسمعُ، وأن يُحمَلَ إليه خَراجُ فسا ودَرَابِجرْدَ من أهلِ
أرضٍ فارسَ كلَّ عام إلى المدينة ما بَقِيَ، فأجابَه معاويةُ إلى ذلك وأعطاهُ ما سألَ.
وفي روايةٍ: وكان فيه يومئذٍ سبعةُ ألافِ ألفِ درهمٍ فاحتمَلَها الحسنُ .... ثمّ قال: فأجرَى معاويةُ على الحسنِ
كلَّ سنة ألفَ ألفِ درهمٍ، وعاشَ الحسنُ بعدَ ذلك عشر سنين.
وأخرَجَ الطبريُّ في "التاريخ": ٧٤/٦ - ٧٥ والطبرانيُّ في "الكبير" (١٦٩) قال: عن موسى بنِ عبد الرحمن المسروقيِّ =
حاشية ابن عابدين
٦٨
قسم المعاملات
أَولى ◌َّ قَدَّمناهُ(١) في الوَقْفِ عَنِ "الخيريَّةِ" مِنْ عَدَمِ الجوازِ، ومِنْ أَنَّ للمَفروغِ لَهُ الرَّجوعَ بالْبَدَلِ بناءً
على أَنَّ الَذهَبَ عَدَمُ اعتبارِ العُرفِ الخاصِّ، وَأَنَّهُ لا يَجوزُ الاعتِياضُ عَنْ مُجرَّدِ الحقِّ؛ لِمَا عَلمتَ
مِنْ أَنَّ الجوازَ لَيسَ مَبنيّاً على اعتبارِ العُرفِ الخاصِّ، بَلْ على ما ذَكَرِنا مِنْ نَظائرِهِ الدََّلَّةِ عَلِيهِ، وَأَنَّ
عدَمَ جَوَازِ الاعتِياضِ عَنِ الحقِّلَيسَ على إِطلاقهِ، ورَأَيتُ بخطّ بعضِ العُلماءِ عَنِ المُفتي "أَبي
السُّعودِ ": أَنَّهُ أَقْنَى بجوازٍ أَخذِ العِوَضِ في حقِّ القَرارِ والنَّصرُّفِ وعَدَمِ / ١٣ ١٠/ ٧/ صِحَّةِ الرُّجوعِ.
وبالجملةِ فَالمَسْلَةُ ظِنّةٌ، وَالنَّظائرُ مُتشابهَةٌ، وللبحثِ فيها مَجالٌ وإِنْ كانَ الأَظْهرُ فيها ما قُلنا،
فالأَولى ما قالَهُ في "البحرِ "(٢): ((مِنْ أَنَّهُ يَنَبَغِي الإِبراءُ العاُمُّ بَعدَهُ))، والله سُبحانَهُ وَتَعَالِى أَعَلَمُ ..
= حدّثْنا عثمانُ بن عبد الحَميد، أو أنّ عبد الرحمن الحَرَانيَّ الخزاعيَّ أبو عبد الرحمن قال: حدَّثنا إسماعيل بنُ راشدٍ فذكَرَ
نحوَ ما سَبَقَ وفيه: ((فَأَعْطياهُ ما أرادَ وصالَحاهُ على أنْ يأخُذَ مِن بيتِ مالِ الكوفةِ خمسةَ آلافِ ألفٍ في أشياءَ
اشترطها، ثمَّ قال الحسنُ: يا أهل العراق إنَّ سَحَّى بنفسى عنكم ثلاثٌ، قتلُكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابُكم
مَناعي ... )).
قال الهيثميُّ في "المجمع": مرسَلٌ، وإسنادُهُ حسنٌّ. مع أنَّ إسماعيل بنَ راشد السُّلَميَّ مجهولٌ.
ذكّرَ السيوطيُّ في "تاريخ الخلفاء": صـ ٢٢٦ -: ((أنَّ الحسنَ رضي اللَّه عنه أرسَلَ إلى معاويةَ رضي الله عنه يبذُلُ
له تسليمَ الأمر إليه على أنْ تكونَ الخلافةُ له مِن بعدِهِ، وعلى أنْ لا يُطالِبَ أحداً مِن أهلِ المدينةِ والحجازِ
والعراق بشيءٍ مِمّا كان أيّامَ أبيه، وعلى أنْ يقضيَ عنه ديونَه، فأجابَهُ معاويةُ إلى ما طلَبَ ونزَلَ الحسنُ له عن
الخلاف، وقد استدلَّ البَلقينيُّ بذلك على جوازِ النُّزولِ عن الوظائفِ)). انتهى بتصرُّفٍ، ومثلُهُ في
"تهذيب النَّوويّ" ١٥٩/١.
نقولُ: وليس في هذا الخبرِ ما يدلُّ على أنَّ نزولَ سيِّدِنا الحسنِ رضي الله عنه عن الخلافة لمعاويةَ كان على
عِوَضٍ فحسب، وإنَّما نزَلَ عنها بشروطٍ عِدَّة، مِنها: قضاءُ دَيْنِهِ، فبيانُ ذلك مفصَّلاً أَوْلِى مِن ذِكرِهِ على نحوِ ما
نقلَهُ ابنُ عابدين رحمه اللّه هنا، فليُتأمَّلْ.
(١) المقولة [٢١٥٠٥] قوله: ((فلو مأموناً لم تَصِحَّ توليةُ غيرِهٍ)).
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٥٤/٥.
الجزء الرابع عشر
٦٩
كتاب البيوع
وبُزومٍ خُلُوِّ الْحَوانيتِ،.
(تَنْبِيةٌ)
ما قُلنا في الفَراغِ عَنِ الوَظِيفَةِ يُقالُ مِثْلَهُ في الفَراغِ عَنْ حَقِّ التَّصرُّفِ في مَشَدِّ مُسكةٍ
الأَراضي، ويَأْتِي(١) بيانُها قَرِيباً، وكَذا في فَراغِ الزَّعِيمِ عَنْ(٢) تِيمارِهِ، ثُمَّ إِذا فَرغَ عَنْهُ لغَيْرِهِ
ولم يُوجِّهْهُ السُّلطانُ للمَفروغِ لهُ، بَلْ أَبْقَاهُ على الفارغِ أَو وَجَّهَهُ لغَيْرِهِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْبُتَ الرُّجوعُ
للمَفروغِ لهُ على الفارِعِ بَبَدَلِ الفَرَاغِ؛ لأَنُّ لم يَرضَ بدَفْعِهِ إِلَّ بمقابلةٍ ثُبُوتِ ذَلكَ الحقِّ لهُ، لا يُمُجرَّدٍ
الفَرَاغِ وإِنْ حَصلَ لَغَيْرِهِ، وبهذا أَفَتَى في "الإِسماعيلَِّ"(٣) و "الحامِدِيَّةِ "(٤) وغَيِهِما، خلافاً لِمَا أَفَتَى
بِهِ بَعضُهم مِنْ عَدَمِ الرُّجوعِ؛ لأَنَّ الفارِغَ فَعَلَ ما في وُسعِهِ وَقُدرَتِهِ؛ إِذْ لا يَخْفَى أَنَّهُ غَيرُ المقصودِ
مِنَ الطَّرَفَنِ، ولا سيّما إِذا أَبقَى السُّلطانُ أَو القاضي النّيمارَ أَو الوظيفةَ على الفارِغِ، فإِنَّهُ يَلزمُ
اجتِماعُ العِوَضَينِ في تَصرُّفِهِ، وهُوَ خِلافُ قَواعدِ الشَّرعِ، فافهمْ، وَاللَّهُ سُبحانَهُ أَعلمُ.
مَطْلَبٌ في خُلُوِّ الحوانيت
[٢٢٢٧٥] (قولُهُ: وبُزومٍ خُلُوِّ الْحَوانيتِ) عِبَارَةُ "الأَشباهِ" (٥): ((أَقولُ: على اعتبارهِ - أَي: اعتِبارِ
العُرفِ الخاصِّ - يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِأَنَّ ما يَقعُ فِي بَعضِ أَسواقِ القَاهِرَةِ مِنْ خُلُوِّ الحوانيتِ لازمٌ، وَيَصيرُ
الخُلُوُّ في الحانوتِ حقّاً لهُ، فلا يَمِلِكُ صاحبُ الحانوتِ إِخراجَهُ مِنها، ولا إِجارَتَها لَغَيرِهِ وَلَو كانَتْ
وَقْفاً، وقَدْ وقَعَ فِي حَوانيتِ الجملونِ بالغُورِيَّةِ(٦) أَنَّ السُّلطانَ الغُورِيَّ لَمّا بَناها أَسكَنَها للتّحّارِ بِالْخُلُوِّ،
١٥/٤
(١) في آخر المقولة الآتية.
(٢) في هامش "م": ((قولَهُ: وكذا في فراغ الزَّعيم عن إلخ)) المراد به كبيرُ القرية، والتيمارُ: هو الاستحقاقُ في الأراضي الِيْرِيَّةِ. اهـ.
(٣) أي: "الفتاوى الإسماعيلية"، للشيخ إسماعيل الحائك، وتقدمت ترجمتها ٤٥٩/١٣.
(٤) انظر "العقود الدريّة في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الوقف - الباب الثالث في أحكام النُّظار وأصحاب
الوظائف ... إلخ ٢١٤/١ - ٢١٥.
(٥) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكمة - فصل في تعارض العرف مع اللغة ص ١١٤ -.
(٦) في "ب" و"م": ((في الغورية))، وما أثبتناه من بقية النسخ موافق لما في "الأشباه".
قال علي باشا مبارك في "الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة" ١٧٠/٣: ((الجملون: سوق يقع في شارع الغورية، =
حاشية ابن عابدين
٧٠
قسم المعاملات
فَلَيْسَ لَرَبِّ الحانوتِ إِخراجُهُ، ولا إِجارتُها لِغَيرِهِ وَلَو وَقْفاً)). انتهى مُلخَّصاً ..
وجَعَلَ لكُلِّ حانوتٍ قَدْراً أَخذَهُ مِنْهم، وكَتَبَ ذَلِكَ بَكتوبِ الوَقْفِ)) اهـ. وقَدْ أَعادَ "الشَّارِحُ" ذِكرَ
هذهِ المسألةِ قُبَيْلَ كِتابِ الكَفَالَةِ(١)، ثُمَّ قالَ: ((قلتُ: وَأَيَّدُهُ في "زَواهرِ الجواهِرِ" بما في "واقِعاتِ
الضَّريريّ(٢): رجُلٌ في يدهِ دُكَّنٌ، فغابَ فَرفَعَ الُتولِّي أَمْرَهُ للقاضي، فَأَمرَهُ القاضي بفتحِهِ وإِجارَتِهِ،
فَفَعَلَ الْمُتَولِّيِ ذلكَ وحضَرَ الغائبُ فُهُوَ أَولِى بِدُكَّانِهِ، وإِنْ كانَ لهُ خُلُوٌّ فَهُوَ أَولِى بُخُلُوَّهِ أَيضاً، ولهُ الخيارُ
في ذَلكَ، فإِنْ شاءَ فَسِخَ الإِجارَةَ وسَكَنَ في دُكَّانِهِ، وإِنْ شاءَ أَجَازَها وَرَجَعَ بُخُلُوِّهِ على المستأجرِ،
ويُؤمَرُ المستأجرُ بِأَداءِ ذلكَ إِنْ رَضِيَ بِهِ، وَإِلَّ يُؤْمَرْ بِالْخُروجِ مِنَ الدُّكَّانِ. اهـ بلَفْظِهِ)) اهـ. لكنْ قالَ
السِّدُ "الحمَويُ) (٣): ((أَقولُ: ما نُقِلَ عَنْ "واقعاتِ الضَّريريِّ" - مِنْ ذِكرٍ لَفِظَةِ الْخُلُوِّ فَضْلاً عَنْ أَنْ
يَكُونَ المرادُ بها ما هُوَ المتعارَفُ - كَذِبٌ؛ فإِنَّ الَتْبَاتَ مِنَ النَّقَلَةِ كصاحبِ "جامعِ الفُصولَينِ)(٤)
نَقَلَ عِبارةً "الضَّريريّ" ولم يَذكُرْ فيها لَفِظَ الخُلُوِّ. هذا، وقَدِ اشْتُهِرَ نِسبةُ مَسأَلَةِ الْخُلوِّ إِلى مَذْهَبٍ
الإِمامِ "مالكٍ"، والحالُ أَنَّهُ لَيسَ فيهِ نَصٌّ عنهُ ولا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصحابهِ، حَتَّى قَالَ "البَدرُ القَرائِيُ)) (٥)
(قولُهُ: فَهُوَ أَولِى بِدُكَّانِهِ إلخ) حَيثُ كانَتْ مُدَّةُ إِجارتِهِ لهُ باقيَةً، "سِنديّ" قُبَلَ الكَفالةِ.
(قولُهُ: وإِنْ شاءَ أَجازَها وَرَجَعَ بُخُلُوِّهِ عَلى المستأجرِ إلخ) هَذا وما بَعدَهُ غَيرُ مُوافِقٍ للقَواعدِ والنَّظائرِ.
= عبَّر عنه "المقريزي" بسوق الجمالون الكبير، وقال: أنشئ فيه حوانيتُ سكنها البزَّزون، وقفه السلطان الناصر
محمد بن قلاوون على تربةِ مملو کهِ يلبغا التر كماني اهـ.
وقال ابنُ أبي السُّرور البكري: هذا السُّوق الآن جارٍ في وقف السلطان الملك الأشرف قانصوه الغوري اهـ. قلت:
وإلى الآن أغلب حوانيت الشرم والجمالون تابعة لوقف السلطان الغوري)). انتهى بتصرف.
(١) انظر الدر آخر باب الصرف عند المقولة: [٢٥٣١٥] قوله: ((وكذا أقولُ إلخ)).
(٢) لم نَهتَدِ إلى مَعرفتهِ.
(٣) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكّمةٌ ٣٢٠/١.
(٤) لم نعثُرْ عَليها في مَظانّها من "جامع الفصولين".
(٥) هو مُحمّد بن يحيى بن عمر، بدر الدين القَرافي المصري المالكي (ت ١٠٠٨ هـ)، ولعلَّ النقلَ في رسالته "الدرر المنيفة
في الفراغ عن الوظيفة"، وانظر "إيضاح المكنون" ٤٧٠/١، و"خلاصة الأثر" ٢٥٨/٤، و"الأعلام" ١٤١/٧.
الجزء الرابع عشر
٧١
كتاب البيوع
مِنَ الْمَالِكَيَّةِ: إِنَّهُ لم يَقَعْ فِي كَلامِ الفُقَهَاءِ الَّعرُّضُ لهذهِ الَمسألةِ، وإِنَّما فيها قُتْيا للعَلَّمَةِ "ناصرِ الدِّينِ
اللََّانِيِّ" المالكيّ(١) بناها على العُرفِ وخَرَّحَها عَليهِ، وهوَ مِنْ أَهلِ التخريج(٢)، فُيُعْتَبَرُ تَخريجهُ وإِنْ
نُوزِعَ فِيهِ، وقَدِ انتَشَرَتْ قُتِياهُ فِي المشارقِ وَالَغَارِبِ، وتَلَّاها عُلماءُ عَصرِهِ بِالقَبولِ)) اهـ.
قلتُ: وَرَأَيتُ في "فَتَاوى الكَازَرونِيّ(٣) عَنِ العَلَّمَةِ "اللَّقَانِيِّ": ((أَنّهُ لَو ماتَ صاحبُ الخلوِّ
يُوقّى منهُ دُيونُهُ ويُورَثُ عَنْهُ، وَيَنْتَقِلُ لَبَيْتِ المَالِ عِنْدَ فَقْدِ الوارِثِ)) اهـ.
هذا، وقد استدَلَّ بَعضُهم عَلى لُزومِهِ وصِحَّةِ بَيْعِهِ عِندنا بما في "الخانَّةِ "(٤): ((رجلٌ باعَ
سُكنى لهُ في حانوتٍ لِغَيرِهِ، فَأَخَبَرَ المشتريَ أَنَّ أُجرةَ الحانوتِ كَذا، فظهَرَ أَنَّها أكثرُ مِنْ ذَلِكَ،
قالوا: لَيسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ السُّكنى بهذا العَيْبِ)) اهـ. وللعلَّمَةِ "الشُّرْتُبُلاليِّ" رسالةٌ(٥) رَدَّ فيها على هذا
المُستدِلِّ: ((بأَنَّه لم يَفْهَمْ مَعَنَى السُّكنى؛ لأَنَّ المرادَ بها عَينٌ مركّبةٌ في الحانوتِ، وهيَ غَيرُ الْحُلوِّ،
فَفي "الخُلاصةِ"(١): اشتَرَى سُكَنَّى حانوتٍ في حانوتِ رجلٍ مُركَباً، وأخبرهُ البائعُ أَنَّ أُجرةَ
الحانوتِ كَذَا فِإِذَا هِيَ أَكثرُ لَيسَ لهُ أَنْ يَرُدَّ. وفي "جامع الفُصولَين)"(٧) عَنِ "الذَّخيرةِ": شَرَى
سُكَنَى فِي دُكَّانِ وَقفٍ، فقالَ المُتولّي: ما أَذِنتُ لهُ - أَي: للبائعِ - بوَضِعِها(٨)، فَأَمَرَهُ - أي:
(١) تقدمت ترجمته ١٠٧/١٠.
(٢) نقول: الذي في النسخ جميعها: ((الترجيح))، والصَّواب ما أثبتناه من "غمز عيون البصائر"، وقد نَبَّه عليه العلامة
البَرِيْوي في "جَدّ المُمْتَار" ٤/ق ١٧٨.
(٣) لعلها فتاوى عبد الله بن حسن العفيف الكازَرُوْنيّ المكيّ (ت بعد ١١٠٢هـ)، وتقدمت ترجمتها ٥٣٦/٣.
(٤) "الخانية": كتاب البيوع - باب الخيار - فصل في العيوب ٢٠٣/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) سماها "مفيدة الحُسنى لدفعِ ظَنِّ الْخُلُوِّ بالسُّكَنَى"، انظر "إيضاح المكنون" ٥٣١/٢، و"هدية العارفين" ٢٩٣/١.
وقد طبعت الرسالة تحت رعاية وزارة الأوقاف في الكويت سنة ١٩٨٩م، وانظر الرسالة المذكورة صـ٨٠- وما
بعدها ضمن كتاب "رسالتان في الخلوات".
(٦) "الخلاصة": كتاب البيوع - الفصل السادس في العيوب ق ١٥٤/ب.
(٧) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٦٠/١ بتصرف.
(٨) في "جامع الفصولين" ورسالة الشرنبلالي: ((بالسُّكْنى)) بدل ((بوَضْعها)).
حاشية ابن عابدين
٧٢
قسم المعاملات
أَمَرَ المشتريَ - بالرَّفْعِ فَلَو شَراهُ بِشَرطِ القَرارِ يَرجِعُ على بائعهٌِّ، وَإِلَّ فلا يَرجِعُ عَلِيهِ بِثَمَنِهِ
ولا بنقصانِهِ)) اهـ. [٣ ق١/١١) ثُمَّ نَقَلَ عن عِدَّةٍ كُنُبٍ ما يَدُلُّ على أَنَّ السُّكنى عَيْرٌ قائمةٌ في
الحانوتِ، وَرَدَّ فيها(١) أَيضاً على "الأشباهِ": ((بأَنَّ الخُلوَّ لم يَقُلْ بِهِ إِلَّ مُتأخّرٌ مِنَ المالكِيَّةِ، حَتَّى أَفَى
بِصِحَّةٍ وَقَفِهِ، وَلَزِمَ منهُ أَنَّ أَوقافَ المُسلمينَ صارتْ للكافرينَ بِسَبَبِ وَقَفِ خُلوِّها على كَنَائِهِمْ،
وبأَنَّ عَدَمَ إِخراجِ صاحبِ الحانوتِ لصاحبِ الخُلُوِّ يَلزمُ منهُ حَجْرُ الْحُرِّ الْكَلَّفِ عَنْ مِلْكِهِ وإِتلافُ
مالِهِ، مَعَ أَنَّ صاحِبَ الخُلُوّ(٢) لا يُعطِي أَجرَ المثلِ وَيَأخذُ هو في نَظِيرِ خُلُوِّهِ قَدْراً كَثِيرً، بَلْ لا يَجوزُ
هذا في الوقفِ، وقَدْ نَصُّوا على أَنَّ مَنْ سَكِنَ الوَقفَ يَلزمهُ أَجرُ المِثْلِ، وفي مَنعِ النّاظِ مِنْ إِخراجهِ
تَفويتُ نَفَعِ الوَقْفِ وتَعطيلُ ما شَرَطَهُ الواقفُ مِنْ إِقامةِ شعائرٍ مَسجدٍ ونَحوِها)) اهـ مُلخَّصاً.
مَطلبٌ فِي الحَدِكِ
قلتُ: وما ذَكرَهُ حقٌّ خصوصاً في زَمانِنا هذا، وأَمَّ ما يَتَمسَّكُ بِهِ صاحبُ الْخُلوِّ - مِنْ أَنَّهُ
اشْتَرَى خُلوَّهُ بمالِ كثيرٍ، وأَنَّهُ بهذا الاعتبارِ تَصيرُ أُجرةُ الوقفِ شَيئاً قَليلاً - فهو تَمسُّكْ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ
ما أَخذَهُ منهُ صاحبُ الخُلُوِّ الأَوَّلِ لم يحصلْ منهُ نَفِعٌ للوَقِفِ، فَيَكونُ الدَّافِعُ هُوَ الْمُضيِّعَ مَالَهُ،
فكيفَ يَحِلُّ لهُ ظُلمُ الوَقَفِ؟! بَلْ يَحِبُ عَليهِ دَفْعُ أُجِرَةِ مِثْلِهِ وإِنْ كانَ لهُ فيهِ شيءٌ زائدٌ على الخُلوِّ
مِنْ بناءِ ونَحوِهِ ثَمَا يُسمَّى في عُرفنا بالكَدِكِ، وهُوَ المرادُ مِنْ لَفَظِ السُّكَنَى المارّ(٣)، فإِذا لم يَدِفَعْ أُجرةَ
مِهِ يُؤْمَرُ بَرَفِعِهِ وإِنْ كانَ مَوضوعاً بِذِنِ الواقِفِ أَو أَحَدِ النَّظَّارِ، وَيَرجِعُ هذا إِلى مَسأَلَةِ الأَرضِ
الْمُحَتَكَرَةِ الَقولَةِ فِي أَوقافِ "الخصَّافِ"(٤) حَيثُ قالَ: ((حانوتٌ أَصلُهُ وَقَفٌ، وعِمارتُهُ لرَجُلٍ وهُوَ
لا يَرِضَى أَنْ يَستَأجِرَ أَرضَهُ بأَجرِ المِثْلِ قالوا: إِنْ كانَتِ العِمارةُ بحيثُ لَو رُفِعَتْ يُستأجَرُ الأَصلُ
** قوله: ((يَرجِع على بائعه))، أي: لأنَّ البيع إذا وَقَع بهذا الشَّرط يقعُ فاسداً، وإلا فهو صحيح، فلا رُجُوعَ له على البائع بشيء. اه منه.
(١) أي: وردَّ الشرنبلاليُّ في رسالته المارة آنفاً: صـ ٨٩ - وما بعدها.
(٢) في "م": ((الحلو)) بالحاء المهملة، وهو خطأ .!
(٣) في هذه المقولة.
(٤) لم نعثر عليها في مظانها من كتب "الخصاف" التي بين أيدينا.
الجزء الرابع عشر
٧٣
کتاب البيوع
بأكثرَ ثَمَا يَستَأَجِرُ صاحبُ البِناءِ كُلْفَ رَفَعَهُ، وَيُؤْخَّرُ مِنْ غَيرِهِ، وإِلاَّ يُتركْ فِي يَدِهِ بِذَلكَ الأَجرِ))
اهـ. وقولُهُ: ((وإِلاَّ يُتْرِكْ فِي يَدِهِ)) يُفيدُ أَنَّهُ أَحقُّ مِنْ غَيرِهِ حَيثُ كانَ ما يَدفعُهُ أَجرَ المِثْلِ، فَهُنَا يُقالُ:
لَيسَ للمُؤِّرِ أَنْ يُخرِجَهُ ولا أَنْ يَأْمُرُهُ بِرَفعِهِ؛ إِذْ لَيسَ في استِقائِهِ ضَرَرٌ على الوَقْفِ مَعَ الرِّفْقِ بِهِ
بدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ كَما أَوضحناهُ(١) فِي الوَقفِ، وعَنْ هذا قالَ في "جامعِ الفُصولَينِ"(٢) وَغَيرِهِ: (بَنَى
المُسْتأجِرُ أَو غَرَسَ في أَرضِ الوَقْفِ صارَ لَهُ فيها حَقُّ القَرارِ، وهُوَ الُسمَّى بالكِرْدَارِ، لَهُ الاستِبِقَاءُ
بأَجرِ المِثْلِ)) اهـ. وفي "الخيريَّةِ(٣): ((وَقَدْ صَرَّحَ عُلَمَاؤُنا بأَنَّ لصاحِبِ الكِرْدارِ حقَّ القَرارِ، وهُوَ أَنْ
يُحدِثَ المزارِعُ والمستأجرُ فِي الأَرضِ بِناءً أَوْ غَرساً(٤) أَو كَبساً بالتّرابِ بِإِذْنِ الواقفِ أَو النّاظِ
فَتَبْقَى فِي يَدِهِ)) اهـ. وقَدْ يُقالُ: إِنَّ الدَّرَاهِمَ الَّتِي دَفَعها صاحبُ الخُلوِّ للواقِفِ واستَعَانَ بها على بناءِ
الوَقْفِ شَبيهةٌ بِكَبسِ الأَرضِ بالْتُرابِ، فَيَصيرُ لهُ حَقُّ القَرارِ، فلا يُخرَجُ مِنْ يَدِهِ إِذا كانَ يَدِفَعُ أَجرَ
المِثْلِ، ومِثْلُهُ ما لَو كانَ يَرِمُّ دُكَّنَ الوَقْفِ وَيَقومُ بَوازِمِها مِنْ مالِهِ بِذَنِ النَّاظِرِ، أَمَّا مُجرَّدُ وَضْعِ اليَدِ
على الدُّكَّانِ وَنَحوِها، وكَوْنُهُ يَستَأجرُها عِدَّةَ سِنِينَ بِدُونِ شَيءٍ ثَمَا ذُكِرَ فُهُوَ غَيْرُ مُعَتَبَرٍ،
فلمُؤجِِّ(٥) إِخراجُها مِنْ يَدِهِ إِذا مَضَتْ مُدَّةُ إِجارتِهِ وإِيجَارُها لِغَيْرِهِ كَما أَوضَحناهُ في رسالتنا
"َتَحْرِيرِ العِبَارَةِ فِي بَيَانٍ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالإِجارَةِ"(٦)، وذَكَرنا حاصِلَها في الوَقْفِ(٧)، وعلى ما ذكرناهُ : -
(مِنْ أَنَّ صاحبَ الخُلُوِّ المُغَرِ أَحقُّ مِنْ غَيْرِهِ لَو استَأَجَرَ بأَجرِ المِثْلِ)) - يُحمَلُ مَا ذَكَرَهُ في "الخيريَّةِ )(٨)
١٦/٤
(١) المقولة [٢١٥٣٩] قوله: ((وأمَّ الزِّيادةُ في الأرض المُحتَكَرة إلخ)) وما بعدها.
(٢) لم نعثر عليها في مظانها من "جامع الفصولين".
(٣) "الفتاوى الخيرية": كتاب الوقف ١٧٩/١.
(٤) في "ك": ((غراساً)) بالجمع.
(٥) في "م": ((فللمؤاجر)).
(٦) انظر الرسالة المذكورة ضمن "مجموع رسائل ابن عابدين": ١٥٦/٢ وما بعدها.
(٧) المقولة [٢١٥٤٢] قوله: ((وإلا تتركْ في يده بذلك الأجرٍ)).
(٨) "الفتاوى الخيرية": كتاب الوقف ١٧٩/١.
حاشية ابن عابدين
٧٤
قسم المعاملات
٠٠٠٠
مِنَ الوَقفِ، حَيثُ سُئِلَ فِي الْخُلوِّ الواقعِ في غالِبِ الأَوقافِ المِصرِيَّةِ والأَوقافِ الرُّومَّةِ في
الحوانيتِ وغَيِها: هَل يَصِيرُ حقّاً لازِماً لصاحِبِ الْحُلوِّ وَيَجوزُ بَيْعُ سكناه وشِراؤُهُ؟ وإِذا حَكَمَ
بِهِ حاكمٌ شَرعيّ يَمْتَنِعُ على غَيرِهِ مِنْ حُكَّامِ الشَّرعِ الشَّرِيفِ نَقْضُهُ؟ ثُمَّ ذَكرَ (١) في الجَوابِ عِبارةً
"الأَشباِ"، و "واقِعاتِ الضَّريريّ"، وما ذَكرِنَاهُ مِنْ مَسأَلَةِ الأرض المحتكَرَةِ، ومَسأَلَةٍ حَقِّ القَرارِ،
ومَسأَلَةٍ بَيْعِ السُّكَنَى، ثُمَّ قالَ: ((أَقولُ: لَيسَ الغَرضُ بِيرادِ هذهِ الْجُمَلِ القَطعَ بالْحُكمِ، بَلْ لِيَقَعَ
اليقينُ بارتفاعِ الخِلافِ بالْحُكمِ حَيثُ اسْتَوَفَى شَرائِطَهُ مِنْ مالكيِّ يَراهُ أَو غَيْرهِ صَحَّ وَزِمَ وارتَفَعَ
الخلافُ، خصوصاً فيما للنَّاسِ إِليهِ ضَرورٌ، لا سيَّما في الُدنِ المشهورَةِ كمِصرَ ومَدِينَةِ الَلِكِ،
فِإِنَّهُم يَتعاطَونَهُ ولهم فيهِ نَفْعٌ كُلِّيٌّ، وَيَضُرُّ بهم نَقْضُهُ (٢) وإِعِدامُهُ، فَرَّبَّما بفِعِلِهِ تَكثرُ الأَوقافُ،
أَلا تَرى إلى ما فَعَلَهُ الغُورِيُّ كَمَا مَرَّ(٣)، وتَّا بَلَغَنِي أَنَّ بَعضَ [٣/ ١١ /ب] المُلوكِ عَمَّرَ مِثْلَ ذلكَ
بَأَموالِ الْتُّجَّارِ ولم يَصرِفْ عَليهِ مِنْ مالِهِ الدِّرِهَمَ والدِّينارَ، وكانَ﴿ يُحِبُّ مَا خَفَّفَ عَنْ أُمَّتِهِ(٤)،
(١) أي صاحب "الفتاوى الخيرية": ١٧٩/١.
(٢) في "الأصل" و"ك" و"آ": ((ويضرهم نقضه)).
(٣) في هذه المقولة.
(٤) هو بهذا اللفظ جُزْءٌ من حديث عن عائشةَ رضي الله عنها: ((والذي ذهَبَ به - تعني رسول اللهلمُ ل ـ ما تَرَكَهما حتى
لَقِيَ اللهَ، وما لقِيَ الله تعالى حتى ثَقُلَ عن الصَّلاةِ، وكان يُصَلِّي كثيراً من صَلاتِهِ قَاعِداً، وكان النبيُّ ◌َّ يُصَلِّهِما
- تعني الركعتينِ بعدَ العصر - ولا يُصَلِيهِما في المسجدِ مَخَافَةً أن يُثْقِلَ على أمَّتِه، وكان يحبُّ ما يخفّفُ عنهم)).
أخرجه البخاري (٥٩٠) في الصلاة - باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها، والطَّبراني في "الأوسط"
(٣٧٦٢)، والبيهقي ٤٥٨/٢.
وروى عروةُ عن عائشةَ رضي الله عنها أنها كانت تقول: ((ما كان رسول اللـه ◌ُ لَهِ يُسَبِّحُ سُبحَةً
الضُّحى))، قال: وكانت عائشةُ تُسبِّحُها، وتقول: ((إنَّ رسولَ الله ◌ُ لَّ كان يَترُكُ العملَ وهو يحبُّ أنْ يَعمَلَهُ
خشيةَ أنْ يَسْتَنَّ به النَّاسُ فِيُفرَضَ عليهِم، وكان يُحِبُّ ما خَفَّ على النَّاسِ)).
أخرجه عبد الرزاق (٤٨٦٧) - وعنه أحمد ٢٤/٦ و ١٦٨، وعبد بن حُميد (١٤٧٨)، والبيهقي ٤٩/٣.
وروى عروةُ عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت: ((ما خُيِّرَ رسُولُ اللهِ﴿ُ بين أمرينٍ قَطُّ إلا أَخَذَ
أيسَرَهُما ما لم يَكُنْ إثماً؛ فإنْ كانَ إثماً كان أبعدَ النَّاسِ منه)).
أخرجه البخاري (٣٥٦٠) في المناقب - باب صفة النّبِي ◌ُّ و(٦١٢٦) في الأدب - باب قول النبي ◌ُّ يسِّروا ولا تعسروا، =
الجزء الرابع عشر
٧٥
کتاب البيوع
والدِّينُ يُسرّ(١)، ولا مَفْسَدَةَ فِي ذَلكَ في الدِّينِ، ولا عارَ بهِ على الموحِّدِينَ، واللَّهُ تَعالى أَعَلَمُ)) اهـ
مُلخّصً. وثمّنْ أَقَتَى بُزُومِ الخُلوِّ - الذي يَكونُ بُمُقَابَةِ دَراهمَ يَدَفَعُها للمُتولِّي أَو المالِكِ - العَلَّمَةُ المُحقّقُ
"عَبْدُ الرَّحمنِ أَقَندي العِماديُّ(٢) صاحِبُ "هديَّةِ ابنِ العِمادِ"، وقال: ((فلا يَمِلِكُ صاحبُ الحانوتِ
إِخراجَهُ ولا إِجارتَها لَغَيْرِهِ ما لم يَدِفَعْ لهُ المبلغَ الَرَقومَ، فَيُفَتَى بجوازٍ ذَلكَ الضَّرورَةِ قياساً على بَيْعِ
الوَفَاءِ الذي تَعَارَفَهُ المتأخِرُونَ احتِيالاً عَلَى الرِّبًا إلخ)).
قلتُ: وهوَ مُقَّدٌ أَيضاً بما قُلنا: بما إِذا كانَ يَدفعُ أَجرَ المِثْلِ، وإِلاَّ كانَتْ سُكناهُ بُقَابَلَةِ ما دَفعَهُ
مِنَ الدَّرَاهِمِ عَيْنَ الرِّبًا، كَما قالوا فيمَنْ دَفَعَ للمُقْرِضِ داراً لَيَسكُهَا أَو حِماراً لَيَرَكَبَهُ إِلَى أَنْ يَسْتَوفِيَ
قَرْضَهُ: إِنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجرَةُ مِثلٍ(٢) الدَّارِ أَو الحمارِ، على أَنَّ ما يَأخذُهُ الُولِّي مِنَ الدَّراهمِ يَنْتَفِعُ بِهِ
لَنَفْسِهِ، فَلَو لم يَلزَمْ صاحبَ الخُلوِّ أُجِرَةُ المِلِ لَلمُستَحَقِينَ يَلِزَمُ ضَيَاعُ حَقِّهم، اللَّهِمَّ إِلَّ أَنْ يَكونَ ما
قَبَضَهُ الُتَوَلِّي صَرَفَهُ فِي عِمارَةِ الوَقْفِ، حَيْثُ تَعَّنَ ذَلكَ طَريقً إلى عِمارتِهِ ولم يُوجَدْ مَنْ يَستَأجِرِهُ
بُأُجرةِ المِثْلِ مَعَ دَفعٍ ذَلَكَ المبلغِ اللَّزْمِ للعِمارَةِ، فحينئذٍ قَدْ يُقالُ بجوازٍ سُكناهُ بِدُونِ أُجْرَةِ المِثْلِ
الضَّرورَةِ، ومِثِلُ ذَلِكَ يُسمَّى في زَمانِنا مُرصَداً كَما قدَّمناهُ(٤) في الوَقفِ، والله سُبحانهُ أَعلَمُ. بَقِيَ
طَرِيقُ مَعرِفَةٍ أَجرِ المِثْلِ، ويَنبَغِي أَنْ يُقالَ فيهِ: إِنَّا نَنظُرُ إلى ما دَفعَهُ صاحبُ الْخُلوِّ للواقِفِ أَو
(قولُهُ: وَيَنَبَغِي أَنْ يُقالَ فيهِ: إِنَّا نَنظُرُ إِلى ما دَفَعُهُ صاحبُ الْخُلوِّ للواقفِ إلخ) لكنْ أَفَتَى في "الخيرِيَّةِ"
= وكان يحب التخفيف واليسر على الناس، ومسلم (٦٠٤٥) في الفضائل - باب مباعدتهم﴿ للآثام، واختياره من المباح
أسهَلَهُ، وانتقامه لله تعالى عند انتهاك حرماته، وأبو داود (٤٧٨٥) في الأدب - باب في التجاوز في الأمر، وغيرُهم.
(١) روى سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ المقبُريُّ عن أبي هريرة عن النّبيّ ◌َ﴿ قال: ((إنَّ الدِّينَ يُسرٌ، ولن يُشاذَّ الدِّينَ أحدٌ إلاَّ
غَلَبَه؛ فسدِّدوا وقاربُوا وأبشِروا واستَعِينُوا بالغَدوَةِ والرَّوحَةِ وشيءٍ منَ الدُّلَجَة)).
أخرجه البخاري (٣٩) في الإيمان - باب الدِّين يسر، وقول النبي ◌ُ﴿: (أحَبُّ الدِّينِ إلى الله الحنيفيَّةُ السَّمْحةُ)،
والنسائي ١٢١/٨ و ١٢٢ في الإيمان - باب الدِّين يسر، وابن حِبَّن (٣٥١)، والبيهقي ١٨/٣.
(٢) تقدمت ترجمته ٦١٣/١٣.
(٣) ((مثل)) ليست في "م".
(٤) المقولة [٢١٦٠٣] قوله: ((فلا يجوزُ بالأقلِّ)).
حاشية ابن عابدين
٧٦
قسم المعاملات
. . . . . ..
الْمُتَوِّي(١) على الوَجِهِ الَّذي ذَكَرناهُ، وإلى ما يُنفِقُهُ في مَرَمَّةِ الدُّكَّانِ ونَحوِها، فإِذا كانَ النَّاسُ
يَرْغَبُونَ فِي دَفعِ جَمِيعِ ذَلكَ لصاحبِ الْخُلوِّ وَمَعَ ذَلِكَ يَسْتَأجرونَ الدُّكَّانَ بِمائَةٍ مَثَلاً فَالمائةُ هِيَ أُجِرَةُ
المثلِ، ولا يُنظَرُّ إِلى ما دَفعهُ هُوَ إِلى صاحِبِ الْخُلِّ السَّابقِ مِنْ مالِ كَثِيرٍ طَمَعاً فِي أَنَّ أُحِرَةَ هذِهِ
الدُّكَّانِ عَشَرَةٌ مَثَلاً كَما هُوَ الواقِعُ فِي زَمانِنا؛ لأَنَّ ما دَفعَهُ مِنْ المالِ الكثيرِ لم يَرجِعْ منهُ تَفَعٌ للوَقِفِ
أَصلاً، بَلْ هُوَ مَحضُ ضَرَرٍ بِالوَقْفِ، حيثُ لَزِمَ منهُ استئجارُ الدُّكَّانِ بِدُونِ أُجْرَتِها بِغَبنِ فاحشٍ،
وإِنَّما يُنظَرُ إِلى ما يَعودُ نَفْعُهُ إِلى الوَقْفِ فَقَطْ كَمَا ذَكرنا. نَعَمْ جَرَتِ العادَةُ أَنَّ صاحبَ الْخُلوِّ حيَّنَ
يَسْتَأجِرُ الدُّكَّانَ بالأُجِرَةِ اليَسِيرَةِ يَدفعُ للَّظرِ دَراهمَ تُسمَّى خدمةً هيَ في الحقيقَةِ تَكمِلةُ أُجْرَةِ المِثْلِ
أَو دُونَها، وكَذا إذا ماتَ صاحبُ الْخُلِّ أَو نَزَلَ عَنْ خُلُوِّهِ لِغَيْرِهِ يَأخذُ النَّاظِرُ مِنَ الوارِثِ أَو الْمَنزولِ
لَهُ دَراهمَ تُسمَّى تَصديقاً، فهَذهِ تُحسَبُ مِنَ الأُجرَةِ أَيضاً، وَيَجِبُ على النّاظِرِ صَرِفُها إِلَى جِهَةٍ
الوَقْفِ كَما قدَّمناه(٢) في كتابِ الوَقفِ في مَسأَلِةِ العَوائدِ العُرفَّةِ، والله سُبحانهُ وتَعَلَى أَعلَمُ.
(تنبيةٌ)
ذَكرَ السِّدُ "مُحمَّدٌ أَبو السُّعودِ" في "حاشِيَتِهِ على الأَشباءِ": ((أَنَّ الخُلوَّ يَصدُقُ بالعَينِ المَّصِلِ
اتّصالَ قَرَارٍ وبِغَيرِهِ، وَكَذَا الْجَدَكُ(٣) المتعارفُ في الحَوانِيتِ المملوكَةِ وَنَحوِها كالقَهاوي، تَارَةٌ يَتَعلَّقُ
بما لَهُ حقُّ القَرارِ كالبِناءِ بالحانوتِ، وتارةً يَتَعلَّقُ بمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلَكَ. والذي يَظْهَرُ أَنَّهُ كالخُلُوِّ في
الحُكمِ بجامعٍ وُجودِ العُرفِ فِي كُلِّ مِنْهُما، والمرادُ بالمَّصِلِ اتّصالَ قَرَارٍ ما وُضِعَ لا لُيُفصَلَ كَالِبِناءِ،
بُزومِ الأُجرَةِ الرَّائِدَةِ، وَلَعَلَّهُ مَحمولٌ على ما إذا كانَ في الوَقفِ مالٌ وَأَرادَ النَّاظرُ دَفعَ الْمُرْصَدِ، فحبَئِذٍ
لا شكَّ فِي لُزومِ الزِّيَادَةِ كَمَا نَقْلَهُ "المحشِّي" في الوَقفِ عَنْها.
(١) في "ك": ((أو للمتولي)).
(٢) المقولة [٢١٨٢٦] قوله: ((ويَجِبُ صَرْفُ إلخ)).
(٣) لم نجد له ذكراً في كتب اللغة، وفي "العقود الدرية" ١٩٩/٢: ((وهذا الكِرْدارُ، يوجدُ في زماننا أيضاً في
الحوانيت، ويُسمَّى جَدَكاً، وهو ما يبنيه المستأجرُ في الحانوتِ من مالِهِ لنفسه، وما يضعُهُ فيها من آلاتِ الصناعة
ونحو ذلك من الأعيان القائمةِ بإذن المتولّين له بذلك)) اهـ.
الجزء الرابع عشر
٧٧
کتاب البيوع
ولا فَرِقَ في صِدقِ كُلِّ مِنَ الْخُلِّ والجَدَكِ بِهِ، وبالَّصِلِ لا على وَجِهِ القَرارِ كالْخَشَبِ الذي يُركَّبُ
بالحانوتِ لوَضعِ عِدَّةِ الحلَّقِ مَثَلاً، فإِنَّ الاتّصالَ وُجِدَ لكِنْ لا على وَجِهِ القَرارِ، وكَذا يَصدُقان(١)
بُحَرَّدِ الَنفَعَةِ الْمُقابلِ للدَّراهمِ، لكنْ يَنْفَرِدُ الْجَدَكُ بِالعَينِ الغَيرِ الَّصلةِ أَصلاً، كالبَكارجِ(٢) والفَناجينِ
بالنّسبةِ للقَهوةِ، والقِشَّةِ(٣) والغُوَطِ بالنّسبَةِ للحمَّامِ، وَالشَّوْنَةِ(٤) بالنّسبَةِ للقُرنِ، وبهذا الاعتبارِ يَكونُ
الجَدَكُ أَعمَّ، بَقِيَ لَو كانَ الْحُلوُّ بِناءً أَو غِراساً بالأَرضِ المُحتَكَرَةِ أَو المملوكَةِ يَجري فِيهِ حَقُّ الشُّفْعَةِ؛
١٧/٤ لأَنَّهُ لَمَّ أَّصلَ بِالأَرضِ اتّصالَ قَرَارِ الْتَحَقَ بِالعَقَارِ)) اهـ.
مَطلبٌ فِي بَيَانِ مَشدّ الْمُسْكَة
قلتُ: ما ذَكرَهُ مِنْ جَرَيانِ الشُّفْعَةِ فِيهِ سَهوٌ ظاهرٌ؛ لُخَالَفَتِهِ المنصوصَ عَليهِ فِي كُنُبِ
المَذهَبِ كَمَا سَيَأتِي(٥) في بابِها إِنْ شاءَ اللهُ تَعالى، فافهمْ. هذا غايةُ ما تَحرَّرَ لِي فِي مَسأَلَةِ الْخُلوِّ،
فَاغْتَيِمْهُ فِنَّهُ مُفرَّدٌّ، وَقَدْ أَوْضَحنا الفَرقَ في بابِ مَشِدِّ المُسْكَةِ مِنْ تَقِيحِ الفَتَاوَى الحامديَّةِ"(٦) بَينَ
المَشِدِ، والخُلوِّ، وَالْجَدَكِ) [٢/ق٧/١٢) والقِيمَةِ، والمرصَدِ المُتْعارَفَةِ فِي زَمَانِنا إيضاحاً لا يُوجَدُ فِي غَيْرِ
ذَلَكَ الكِتَابِ، والحمدُ للهِ الَلِكِ الوهَّابِ.
(١) في "ك": ((يصرفان)).
(٢) مفرده: ((بكرج)) وهو الإبريقُ الذي يُنقع فيه الشَّي، انظر "تجديد الصحاح": مادة ((بكرج))، ولم نعثر على
مادة ((بكرج)) في غيره من الكتب والمعجمات التي بين أيدينا.
(٣) القِشَّةُ: صوفَةُ الهِنَاء إذا عَلِقَ بها الهِنَاءِ ودُلِكَ بها البعير وألقيت، والهِنَاء: ضرب من القَطِران، انظر "اللسان": مادة
((قشش)) و((هنا))، نقول: ولعل المراد بالقِشَّةِ هنا ما يعرف اليوم باللّيف الذي يستعمل في الحمام.
(٤) الشَّوْنَةُ: مخزن الغَلَّة. انظر "القاموس": مادة ((شون)).
(٥) المقولة [٣١٥٦٩] قوله: ((تَبَعاً لـ "البزّازِيَّة" وغيرِها)).
(٦) "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب المساقاة ١٩٩/٢ - ٢٠٠. وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى في بيان
المُسْكةِ: ((هي عبارة عن استحقاق الحراثة في أرض الغير، من السّكّهِ وهي: ما تتمسك به، فكان المسلم للأرض المأذون
له من صاحبها في الحرث صار له مُسْكَةً يتمسك بها في الحرث فيها إلخ)) اهـ "تنقيح الفتاوى الحامدية".
حاشية ابن عابدين
٧٨
قسم المعاملات
وفي "مُعينِ الْمُفتي" لـ "المُصنّفِ"(١) مَعزِيّاً لـ "الوَلوالجِيَّةِ"(٢): ((عِمارةٌ فِي أَرضِ بِيعَتْ(٣)
فإِنْ بِناءً أَو أَشجاراً جازَ، وإِنْ كِراباً أَو كَرْيَ أَنهارٍ وَنَحوَهُ(٤) مِمَّا لم يَكُنْ ذَلِكَ عمالِ
ولا بمَعنَى مالٍ لم يَحُزْ)) اهـ ..
[٢٢٢٧٦) (قولُهُ: وفي "مُعينِ المُفتي" إلخ) أَفَادَ بهِ أَنَّ الخُلوَّ إِذا لم يَكنْ عَيناً قائمةً لا يَصِحُّ بَعُهُ.
[٢٢٢٧٧] (قولُهُ: جازَ) تَرَكَ قَيْدًا ذَكَرَهُ في "مُعِينِ المُفتي"، وهُوَ قولهُ: ((إذا لم يَشتَرِطْ
تَركَها))(٥) اهـ. ومثلُهُ في "الخانَةِ"(٦)، أَي: لأَنَّهُ شَرطٌ مُفسِدٌ للبيعِ.
[٢٢٢٧٨] (قولُهُ: وإِن كِراباً أَو كَرْيَ أَنهارٍ) في "المُغربِ"(٧): ((كَرَبَ الأَرضَ كِراباً: قَلْبَها
للحَرْثِ، مِنْ بَابِ طَلَبَ، وكَرَيتُ النَّهرَ كَرْياً: حَفَرَتُهُ)).
[٢٢٢٧٩) (قولُهُ: ولا بِمَعَنَى مالٍ) لعلَّ المرادَ بِهِ التّرابُ الْمُسمَّى كَبساً، وهُوَ ما تُكَبَسُ بِهِ الأَرضُ،
(قولُهُ: أَفَادَ بِهِ أَنَّ الْحُلوَّ إذا لم يَكُنْ عَيناً قائمةً لا يَصِحُّ بَيْعُهُ) قِياساً على عَدَمِ صِحَّةٍ بَيْعِ الكِرابِ ونَحوِهِ
المنصوصِ عَليها في "مُعِينِ الْمُفْتِيّ".
(قَولُهُ: تَرَكَ قَيداً ذَكرَهُ فِي "مُعينِ الْمُفْتِي"، وهُوَ قَولِهُ: إِذا لم يَشتَرِطْ تَركَها) الظَّاهِرُ أَنَّهُ على اعتِبارِ
لُزومِ الخُلِّ وعَدَمِ صِحَّةٍ إِلزامِ رَبِّهِ بِرَفْعِهِ مِنَ الأَرضِ لا يَكونُ شَرطُ تَركِهِ فِي الأَرضِ مُفسِدًاً للبيعِ؛ إِذْ هُوَ
مُسْتَحِقٌّ لَهُ بِمجرَّدٍ البَيعِ، فَيَكُونُ مِنْ مُقْتَضِيَاتِهِ.
(١) "معين المفتي على جواب المستفتي" للمصنف التمرتاشي، وانظر ٤٧٦/٧.
(٢) لم نعثر عليها في مظانها من نسخة "الولوالجية" التي بين أيدينا.
(٣) في "د": ((عمارةٌ في أرض رجل بيعَتْ)).
(٤) في "ب" و"ط": ((أو نحوَهُ)) بـ((أو)).
(٥) في هامش "(": ((قولهُ: إِذا لم يَشتَرِطْ تَركَها))، أَي: تَركَ العِمارةِ المباعةِ فِي الأَرضِ، وهُوَ استِحقاقُ البَقاءِ في
الأَرضِ، وقولُهُ: ((لأَنْهُ شَرطٌ مُفسِدٌ)) أَي: لأَنّهُ أَمرٌ زائدٌ لَيسَ مِنْ مُقْتَضياتِ العَقدِ، وفيهِ نَفعٌ للمُشتري اهـ.
(٦) "الخانية": كتاب البيوع - باب ما يدخل في البيع من غير ذكره إلخ - فصل في بيع الزروع والثمار ٢٥١/٢
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "المغرب": مادة ((كرب))، و((كري)).