Indexed OCR Text
Pages 21-40
الجزء الرابع عشر
١٩
کتاب البيوع
ولا مُقَايَضَةُ أَحَدِ الشَّرِيكَينِ حِصَّةَ دَارِهِ بِصَّةِ الآخَرِ، "صَيرِفَّة"، ولا إِجارَةُ السُّكْنَى
بالسُّكْنَى، "أَشباه"(١). (ويَكونُ بقَولِ أَو فِعْلٍ(٢)، أَمّا القَولُ: فالإِيجابُ والقَبولُ) ....
أَو دِرْهَماً جَيِّداً بدِرْهَمٍ (٣) رَديءٍ جازَّ؛ لأَنَّ لَهُما فِيهِ غَرَضً(٤) صحيحاً، أَمَّا إِذا كانا مُسْتَوِيَينِ
في القَدْرِ والصِّفَةِ اخْتَلَفوا فيهِ: قالَ بَعضُ المشايخِ: لا يَجوزُ، وإِليهِ أَشارَ "محمَّدٌ" في "الكِتابِ"، وبهِ
كانَ يُفتي الحاكِمُ الإِمامُ "أَبُو أحمدَ"(٥)) اهـ.
[٢٢١٨٣] (قولُهُ: ولا مُقَايَضَةُ أَحَدِ الشَّرِيكَينِ) أَي: المُسَتَوَيَينِ، وَالْتَبَادِرُ مِنَ الَّعبيرِ بِالشَّرِيكَين أَنَّ
الدَّارَ مُشاعَةٌ بَيْنَهُمَا، أَمَّ لَو كانَتْ حِصَّةُ كُلِّ مِنْهُمَا مَفروزَةً عَنِ الْأُخرَى فالظَّاهِرُ جَوَازُ المقايَضَةِ؛ لأَنَّهُ
قَدْ يَكونُ رَغْبَةُ كُلِّ مِنْهُما فيما فِي يَدِ الآخَرِ، فَهُوَ بَيْعٌ مُفيدٌ بخلافِ المشاعَةِ، فافهمْ.
[٢٢١٨٤] (قولُهُ: ولا إِجارَةُ السُّكْنَى بِالسُّكْنَى) لأَنَّ الَنْفَعَةَ مَعدومَةٌ، فَكُونُ بَيْعَ الجِنْسِ بالجِنْسِ
نَسِيئَةً، وهُوَ لا يَجوزُ، "ط)" (٦) عَنْ "حاشيَةِ الأَشباِ"(٧).
[٢٢١٨٥] (قولُهُ: وَيَكونُ) أَي: الْبَيعُ، "مِنَحْ"(٨). والأَظهَرُ إِرجاعُ الضَّميرِ إِلى قَولِهِ: ((عَلى
وَجْهِ مَخصوصٍ)) فَهُوَ بَيَادٌ لَهُ، وإلاَّ كانَ تَكرارًا (٩)، تَأَمَّلْ.
(قولُهُ: لَنَّالَفَعَةَ مَعدومَةٌ إلخ) وَلَيسَ التَّعلِيلُ الْخُلُوَّ عَنِ الفَائِدَةِ كَما يُفِيدُهُ كَلامُ "الشَّارِحِ"، فإِنَّ الإِجارَةَ
هُنَا غَيْرُ جَائِرَةٍ وإِنْ وُجِدَتِ الفَائِدَةُ، وسُكَنَى الدَّارِ والحانوتِ هُنا جِنْسٌ واحِدٌ وَإِنْ كانَ الَمَحلُّ مُخَتَلِفاً حِنْساً.
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد ۔ كتاب البيوع ص٢٤٤ -.
(٢) في "د" و"و": ((وفعل)) بالواو.
(٣) في "ب": ((بدهم))، وهو خطأ.
(٤) في "ك": ((فيه عوضاً)).
(٥) لم نهتد إلى معرفته.
(٦) "ط": كتاب البيوع ٤/٣.
(٧) هي "حاشية أبي السُّعود على الأشباه" كما في "ط".
(٨) "المنح": كتاب البيوع ٢/ق ١/ب.
(٩) في "ك": ((تكرار)) بالرفع.
حاشية ابن عابدين
٢٠
قسم المعاملات
وهُما رُكُنُهُ، وشَرطُهُ: أَهلِيَّةُ المتعاقِدَيْنِ،
[مطلب: ركن البيع]
[٢٢١٨٦] (قولُهُ: وهُما رُكُهُ) ظاهِرُهُ: أَنَّ الضَّميرَ للإِيجابِ والقَبولِ، وَيُحَتَمَلُ إِرجاعُهُ للقَولِ
والفِعِلِ كَما يُفيدُهُ قَولُ "البَحرِ"(١)، وفي "البدائعِ"(٢): ((رُكُنُهُ: المبادَلةُ المذكورَةُ))، وهُوَ مَعَنَى ما في
"الفتحِ"(٣): ((مِنْ أَنَّ رُكَنَهُ الإِيجَابُ والقَبولُ الدَّلاَنِ عَلَى الَّبادُلِ، أَو ما يَقومُ مَقَامَهُما مِنَ النَّعاطي،
فرُكُهُ الفِعِلُ الدَّالُّ عَلَى الرِّضَا بَبَادُلِ الِلْكَينِ مِنْ قَولٍ أَوْ فِعْلٍ)) اهـ.
وأَرادَ بالفِعْلِ أَوَّلاَ ما يَشْمَلُ فِعَلَ اللّسَانِ، وبالفِعْلِ ثانياً غَيْرَهُ، وقولُهُ: ((الدَّلُّ عَلَى الرِّضَا))
أَي: بالنّظَرِ إلى ذاتهِ، وإِنْ كانَ ثَمَّ ما يُنافِي الرِّضا كِكراهٍ، وظاهرُ كَلامِ "المُصنّفِ" أَنَّ الإِيجابَ
والقَبولَ غَيْرُ البَيْعِ مَعَ أَنَّ رُكنَ الشَّيءٍ عَيْنُهُ، وإِذا أَرجعْنا الضَّمِيرَ في قولِهِ: ((وَيَكونُ)) إلى قولهِ:
((عَلَى وَجْهِ مَخصوصٍ)) لا يَرِدُ ذَلكَ(٤)، وكَذا إذا أُرِيدَ بالبَيعِ حُكمُهُ وهُوَ المِلكُ، وهَهُنا [٣/ ق /)
أَبحاثٌ رائِقَةٌ مَذكورَةٌ في "النَّهِ"(٥).
مَطلبٌ: شَرائطُ الْبَيعِ أَنواعٌ أَرَبَعَةٌ
[٢٢١٨٧] (قولُهُ: وشَرطُهُ: أَهلِيَّةُ المتعاقِدَينِ) أَي: بكونهما عَاقَلَينِ، ولا يُشْتَرَطُ الْبُلوغُ والحُرَّةُ،
وذَكَرَ في "البَحرِ"(٦): ((أَنَّ شَرائِطَ البَيعِ أَرَبَعَةُ أَنواعٍ: شَرطُ انعقادٍ، وَتَفَاذٍ، وصِحَّةٍ، ولُزومٍ.
(قولُهُ: وظاهِرُ كَلامِ "المُصنّفِ" أَنَّ الإِيِجَابَ وَالقَبولَ غَيرُ الْبَيعِ إلخ) بَجَعْلِ الباءِ للمُلاَبَسَةِ لا للاستِعانَةِ في
كَلامِ "المُصنّفِ" يَندَفِعُ تَوَهُّمُ أَنَّ الإِجَابَ وَالقَبولَ غَيرُ البَيْعِ؛ فَلَعَنَى أَنَّهُ يَتَحقَّقُ وَيُوجَدُ بهما، كَما في: بَنَبتُ
الْبَيْتَ بِالْحَجَرِ، كَما تَقَدَّمَ نَظيرُ ذَلكَ في النكاحِ مِنْ قَولِهِ: ((ويَنْعَقِدُ بِيجابٍ وَقَبولٍ)).
(١) "البحر": كتاب البيع ٢٧٨/٥.
(٢) "البدائع": كتاب البيوع ١٣٣/٥.
(٣) "الفتح": كتاب البيوع ٤٥٥/٥ بتصرف.
(٤) في "م" ((دلك)) بالدال المهملة، وهو خطأ.
(٥) انظر "النهر": كتاب البيع ق ٧١٤/ب - ٧١٥/أ.
(٦) "البحر": كتاب البيع ٢٧٨/٥ وما بعدها.
الجزء الرابع عشر
٢١
كتاب البيوع
[مطلبٌ: شرط انعقاد البيع]
فالأَوَّلُ أَرَبَعَةُ أَنواعٍ: في العاقِدِ، وفِي نَفْسِ العَقْدِ، وفي مَكانِهِ، وفي المعقودِ عَليهِ، فَشَرائِطُ
العاقِدِ اثنانِ: العَقلُ والعَدَدُ، فلا يَنْعَقِدُ بَيْعُ مَجنونٍ وصَبِيِّ لا يَعقِلُ، ولا وَكِيلٍ مِنَ الجانِبَينِ، إِلَّ
في الأَبِ، ووَصِّهِ، والقاضِي، وشِراءِ العَبدِ نَفسَهُ مِنْ مَولاهُ بأَمرهِ، والرَّسولِ مِنَ الجانِبَينِ،
ولا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْبُلوُ ولا الْحُرِيّةُ - فَيَصِحُّ بَيْعُ الصَّبِيِّ أَو العَبدِ لنَفْسِهِ مَوقوفً، ولغَيرِهِ نافِذً -
ولا الإِسلامُ والنُّطْقُ والصَّحوُ. وشَرطُ العَقْدِ اثنانِ أَيضاً: مُوافَقَةُ الإِيجابِ القَبولِ - فَلَو قَبِلَ
غَيْرَ ما أَوْجَبَهُ أَوْ بَعضَهُ أَو بغَيرِ ما أَوجِبَهُ أَو يَبَعضِهِ لم يَنْعَقِدْ إِلَّ في الشُّفْعَةِ، بِأَنْ (١) باعَ عَبداً
وعَقاراً فطَلَبَ الشَّفِيعُ العَقَارَ وَحْدَهُ - وكَوْنُهُ بِلَفِظِ الماضِي. وشَرطُ مَكانِهِ واحِدٌ: وَهُوَ اتّحادُ
المجلسِ. وشَرطُ الَعقودِ عَليهِ سِتَّةٌ: كُونُهُ مَوجودً، مالاً مُتَقوِّماً، مَملوكاً في نَفْسِهِ، وكَونُ المِلكِ
للبائِعِ فيما يَبيعُهُ لَنَفْسِهِ، وكونُهُ مَقدورَ الَّسليمِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بَيْعُ المَعدومِ، وما لَهُ خَطَرُ العَدَمِ
كالَحَمَلِ وَاللَّبَنِ في الضَّرْعِ، وَالثَّمَرِ قَبَلَ ظُهورِهِ، وهَذا العَبدِ فِإِذا هُوَ جارِيَةٌ، ولا بَيْعُ الحُرِّ والمُدَّرِ
وَأُمِّ الْوَلَدِ والمكاَتَبِ ومُعَتَقِ البَعضِ، وَالَيْنَةِ والدَِّ، ولا بَيعُ الَخَمرِ والخِزِيرِ فِي حَقِّ مُسلمٍ، وكِسْرَةٍ
(قولُهُ: وشِراءِ العَبدِ نَفْسَهُ مِنْ مَولاهُ بِأَمرِهِ) إِلَّ أَنَّهُ يَكونُ مَجازاً عَنِ العِقِ؛ فَلَيسَ مَّ نَحنُ فيهِ.
(قولُهُ: والرَّسولِ مِنَ الجانِبَينِ إلخ) مَعطوفٌ عَلى المُسَثَنَى قَبَلَهُ كَما تُفيدُهُ عِبَارَةُ "البَحِ".
(قولُهُ: فَيَصِحُّ بَيْعُ الصَّبِيِّ أَو العَبدِ لَنَفْسِهِ إلخ) في "البَحرِ" زِيادَةُ: ((وشيراؤُهُ)).
(قولُهُ: لم يَنْعَقِدْ إلاَّ في الشُّفْعَةِ إلخ) فإِنَّ الصَّفْقَةَ تَتَحوَّلُ الشَّمِيعِ، فلمْ يُوجَدْ مِنْهُ إِلَّ قَبُولُ بَعضِ المبيعِ.
(قولُهُ: مُتَقَوِّماً) هُوَ بِالكَسرِ كَما في "القُهِستانيِّ".
(قولُهُ: ولا بَيْعُ الحُرِّ والمدَّرِ وَأُمّالوَلَدِ إلخ) فِإِنَّ كُلَّ مِنَ الُدَّرِ وَأُمِّالوَلَدِ والمكاتَبِ ومُعَتَقِ البَعضِ في
حُكمٍ ما لَيسَ بمالٍ بواسِطَةٍ استحقاقِهِمُ الْحُرِّيَّةَ في الحالِ؛ لانعقادِ سَبِهَا كَما يَأتي في البيعِ الفاسِدِ.
(١) في هامش "م": ((قولُهُ: لم يَنْعَقِدْ إِلَّ في الشُّفْعَةِ بِأَنْ إلخ))، وذلكَ لأَنَّ العَقَدَ بالنسبَةِ للعَقَارِ يَتَحوَّلُ إِلى الشَّفِيعِ، وَلِذَا لَو ظَهَرَ
بالَبِيعِ عَيبٌ يَرجِعُ بِهِ عَلى البائعِ، فِهذا الاعتبارِ كانَ الشَّمِيعُ قابِلاً بَعضَ ما أَوْجَبَهُ البائِعُ. اهـ
حاشية ابن عابدين
٢٢
قسم المعاملات
خُبْزٍ(١)؛ لأَنَّ أَدْنَى القِيمَةِ الَّتِي تُشترطُ لجوازِ البَيعِ فَلْسٌ، ولا يَيعُ الكَلاِ ولَو في أَرضِ مَملوكَةٍ لَهُ،
والماءِ في نَهرِ أَو بِثْرِ، والصَّيدِ والحَطَبِ والحشيشِ قَبَلَ الإِحرازِ، ولا بَيعُ ما لَيسَ مَملوكاً لَهُ وإِنْ
مَلَكَهُ بَعدَهُ إِلَّ السَّلَّمَ، والمغصوبَ لَو باعَهُ الغاصِبُ ثُمَّ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، وَبَيْعَ الفُضوليِّ فَإِنَّهُ مُنْعَقِدٌ
مَوقوفٌ، وَبَيْعَ الوَكيلِ فإِنَّهُ نافِذٌ، ولا بَيْعُ مَعجوزِ الَّسليمِ كالآبِقِ، والطَّرِ في الهواءِ، وَالسَّمَكِ في
٥/٤
البَحرِ بَعدَ أَنْ كانَ في ◌َدِهِ، فصارَتْ شَرائِطُ الانعِقادِ أَحَدَ عَشَرَ.
قلتُ: صَوابهُ: تِسعَةٌ(٢).
[مطلب: شرط نفاذ البيع]
وأَمَّا الثّاني - وهُوَ شَرائطُ النَّفاذِ - فاثنانِ: المِلكُ أَو الوِلاَيَةُ، وَأَنْ لا يَكُونَ فِي الْبَيعِ حَقٌّ لِغَيْرِ
البائعِ، فلم يَنْعَقِدْ(٣) بيعُ الغُضوليِّ عندنا، أَمَّا شِراؤُهُ فنافِذٌ.
قلتُ: أَي: لم يَنْعَقِدْ إِذا باعَهُ لأَجلِ نَفْسِهِ لا لِأَجْلٍ مالِكهِ، لكنَّهُ على الرِّوَايَةِ الضَّعِيفَةِ،
(قولُهُ: قُلتُ: صَوَابُهُ: تسعَةٌ) لِدُخولِ قَدِ الوُجودٍ في المالِ والاستغناءِ عَنِ الشَّرطِ الرَّابِعِ؛ فَإِنَّ كَونَهُ مَملوكاً
للبائِعِ يَسْتَلِمُ كَونَهُ مَملوكاً فِي نَفْسِهِ، وقَدْ يُقالُ: هِيَ ثَمَانِيَّةٌ فَقَطْ؛ للاستِغناءِ عَنْ كَونِهِ مالاً بكَونِهِ مُتَقَوِّماً.
(قولُهُ: فَلَمْ يَنْعَقِدْ بَيْعُ المُضوليِّ إلخ) عِبارةُ "البَحرِ": ((فَلَمْ يَنْفُذْ))، وهُوَ الُناسِبُ للتّفريعِ عَلى
شَرائِطِ النَّفاذٍ.
(١) في "ب": ((خبر)) بالرَّاء، وهو خطأ.
(٢) في هامش "م": ((قولُهُ: قلتُ: صَواْبُه تسعةٌ)) أي: للاستغناءِ بذكرِ المالِ عن قيدِ الوجودِ، فإنَّ المالَ اسمٌ لما تَمِيْلُ إليهِ النَّفْسُ،
ويُدَّخَرُ للحاجةِ، وهو لا يَكُونُ إلا موجوداً، ولإِغناء كون الملّكِ للبائع عن كونِهِ مملوكاً في نفسِهِ اهـ.
(٣) نقول: عبارة مطبوعة "البحر" التي بين أيدينا: ((فلم ينعقد))، كما نقله عنه ابن عابدين رحمه الله، وهو المناسب لتتمة الكلام
بعدها، خلافاً لما ذكره "الرافعي" ومصحِّحُ "م" من أن عبارة "البحر": ((فلم يَنْفُذُ))، لکن ذَكَرَ ابن عابدين رحمه الله في
"منحة الخالق" ٢٨٠/٥: ((أن صوابه: فلم يَنْفُذ، إلا أن يريد بيع الفضولي لنفسه))، نقول: وقد صرَّح ابن عابدين بعد أسطر
أنَّ المراد بيعُه لنفسه، فالعبارة صحيحة، والله أعلم، على أنَّ هذا كلّه على الرواية الضعيفة كما سيذكر ابن عابدين،
والصحيحُ انعقادُهُ موقوفاً، فليتأمل.
الجزء الرابع عشر
٢٣
کتاب البيوع
والصَّحيحُ انعقادُهُ مَوقوفاً كَمَا سَيَأتي في بابِهِ. والوِلاَيَةُ إِمَّا بِإِنابَةِ المالكِ كالوَكالةٍ، أو
الشَّارِعِ كوِلاَيَةِ الأَبِ ثُمَّ وَصِيِّهِ، ثُمَّ الجَدِّ ثُمَّ وَصِيِّهِ، ثُمَّ القَاضِي ثُمَّ وَصِيِّهِ، ولا يَنفُذُ بَيْعُ مَرهونٍ
ومُستَأْجَرٍ، وللمُشتري فَسخُهُ إِلْ(١) لم يَعَلَمْ، لا لُرْتَهِنٍ ومُستأجٍِ.
[مطلب: شروط صحَّةِ البيع]
وأَمَّ الثّالثُ - وهُوَ شَرائِطُ الصِّحَّةِ - فَخَمسَةٌ وعِشرونَ: مِنْها عامَّةٌ، ومِنْها خاصَّةٌ. فالعامَّةُ
الكُلِّ بَيْعٍ: شُروطُ الانعقادِ المارَّةُ؛ لأَنَّ ما لا يَنْعَقِدُ لا يَصِحُّ، وعَدَمُ الَّوقيتِ، ومَعلومِيَّةُ الَبِيعِ
ومَعلومِيَّةُ الثَّمَنِ بما يَرفَعُ الْمُنَازَعَةَ؛ فلا يَصِحُّ بَيْعُ شاةٍ مِنْ هذا القَطيعِ، وَبَيعُ الشَّيءٍ بِقِيمَتِهِ أَو بِحُكمِ
فلان، وخُلُوُّهُ عَنْ شَرطٍ مُفسِدٍ كَما سيأتي(٢) في البَيعِ الفاسِدِ، والرِّضَا، والفائِدَةُ، فَفَسدَ بَيْعُ المُكرِهِ
وشِراؤُهُ، وَبَيْعُ ما لا فائِدَةَ فيهِ وشِراؤُهُ كَمَا مَرَّ(٣)، والخاصَّةُ: مَعلوميّةُ الأَجَلِ فِي البَيعِ المُؤخَّلِ ثَمَنُهُ،
والقَبِضُ فِي بَيْعِ المُشْتَرَى (٤) المنقولِ وَفِي الدَّينِ، فَفَسَدَ بَعُ الدَّيْنِ قَلَ قَبْضِهِ كالمُسلَمِ فيهِ ورَأْسِ المالِ،
وَبَيْعُ شَيءٍ بِدَينٍ عَلَى غَيرِ البائعِ، وكَونُ البَدَلِ مُسمَّى في المبادَلَةِ القَولِيَّةِ، فَإِنْ سَكَتَ عَنْهُ فَسَدَ
ومُلِكَ بالقَبضِ، وَالْمُماثَلَهُ بَيْنَ البَدَلَينِ فِي أَموالِ الرِّبًا، والحُلوُّ عَنْ شُبهَةِ الرِّبًا، ووُجودُ شَرائِطِ السَّلَمِ
فِيهِ، والقَبْضُ فِي الصَّرْفِ قَبَلَ الافتراقِ، وعِلْمُ الَّمَنِ الأَوَّلِ فِي مُرابَحَةٍ وَتَولَيَّةٍ وَإِشْراكٍ ووَضِيعَةٍ.
[مطلب: شروط لزوم البيع]
وأَمَّا الرَّابع - وهُوَ شَرائِطُ اللُّزومِ بَعدَ الانعقادِ والنَّفاذِ - فخُلوُّهُ مِنَ الخياراتِ الأَرْبَعَةِ المشهورَةِ
(قولُهُ: وكَونُ الْبَدَلِ مُسمَّى في المبادَلَةِ القَولِيَّةِ إلخ) بخلافٍ بَيْعِ التَّعاطي.
(١) في "ك": ((بأن لم يعلم)).
(٢) المقولة [٢٣٥٥١] قوله: ((ولا بيعٌ بشرطٍ)).
(٣) المقولة [٢٢١٧٩] قوله: ((على وجهٍ مفيدٍ)).
(٤) في هامش "م": ((قولُهُ: والقبضُ في بَيْعِ المُشْتَرَى إلخ)) أي: يُشترطُ قبضُ منقولِ اشتراه لصحَّةٍ بيعِهِ، فَلَوِ اشتَرَى مَنقولاً ولم
يَقْبِضْهُ فباعَهُ لا يَصِحُّ بَعُهُ اهـ.
حاشية ابن عابدين
٢٤
قسم المعاملات
ومَحَلُّهُ: المَالُ، وحُكمُهُ: تُبُوتُ المِلْكِ،.
وباقي الخياراتِ الآتِيَةِ في أَوَّلِ بابِ خيارِ الشَّرطِ؛ فَقَدْ صارَتْ جُمْلَةُ الشَّرائطِ سنَّةً وَسَبَعِينَ))
اهـ مُلخَّصاً، أَي: لأَنَّ شَرائطَ الانعقادِ أَحَدَ عَشَرَ عَلى ما قالَهُ أَوَّلاً، وشَرائِطَ النَّاذِ اثنانٍ، وشَرائِطَ
الصِّحَّةِ خَمسةٌ وعِشرونَ، صارَتْ ثَمانِيَةً وَثَلاثِينَ، وهي كُلُّهَا شَرائِطُ اللُّزُومِ مَعَ زِيادَةِ [٣/ق٤ /ب]
الخُلوِّ مِنَ الخياراتِ، لكنْ بِذَلكَ تَصيرُ الجُمَلَهُ سَبَعَةً وسَبَعِينَ، نَعَمْ تَنْقُصُ ثَمانيةً عَلى ما قُلْنا مِنْ أَنَّ
الصَّوَابَ أَنَّ شَرائِطَ الانعقادِ تسعَةٌ؛ فَيَسقُطُ مِنْها اثنانٍ، ومِنْ شَرائِطِ الصِّحَّةِ اثنانٍ، ومِنْ شَرائِطٍ
الُّزُومِ أَرْبَعَةٌ؛ فَصِيرُ الْجُمَلَهُ تِسعَةً وسِتْنَ. نَعَمْ يُزادُ فِي شُروطِ الَعقودِ عَليهِ إِذا لم يَرَيَاهُ الإِشارةُ إِليهِ
أَو إِلى مَكانِهِ كَما سيأتي(١) في بابِ خِيارِ الرُّؤْيَةِ، وسيأتي(٢) تَمَامُ الكَلامِ عَليهِ عِندَ قَولِهِ: ((وشُرِطَ
الصِحَِّهِ(٣) مَعرِفَةُ قَدْرٍ مَبِيعٍ وَثَمَنٍ)).
[مطلب في محلِّ البيع]
[٢٢١٨٨] (قولُهُ: ومَحُلُّهُ: المالُ) فِيهِ نَظَرّ؛ لِمَا مَرَّ(٤) مِنْ أَنَّ الْخَمَرَ مالٌ مَعَ أَنَّ بَيْعَهُ باطِلٌ فِي حَقِّ
المُسلِمِ، فكانَ عَليهِ إِبدالُهُ بِالْنَقَوِّمِ، وهُوَ أَخَصُّ مِنَ المالِ كَمَا مَرَّ(٤) بيانُهُ، فَيَخرُجُ ما لَيسَ بحالٍ أَصلاً
كَالَيَةِ والدَِّ، وما كانَ مالاً غَيرَ مُتقوِّمٍ كالخَمِ؛ فإِنَّ ذَلَكَ غَيْرُ مَحَلِّ للبيعِ.
[مطلب في حكم البيع]
[٢٢١٨٩] (قولُهُ: وحُكمُهُ: تُبُوتُ المِلْكِ) أَي: في البَدَّلَينِ، لكُلِّ مِنْهُما فِي بَدَلِ، وهَذا
حُكمُه الأَصليُّ، والتَّابِعُ: وُجوبُ تَسليمِ المَبِيعِ والثَّمَنِ، ووُجوبُ استِبراءِ الجاريَةِ عَلى المشتري،
(قولُهُ: فيهِ نَظَرّ؛ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الَحَمَرَ مالٌ إلخ) قَدْ يُقالُ: إِنَّ المالَ مَحَلُّهُ وإِنْ شُرِطَ شَيءٌ آخَرُ وهُوَ
التّقوُّمُ لَبَعضٍ أَنواعِهِ، ولِذا عَرَّفوا البِيعَ بأَنَّهُ مُبادَلَةُ مالٍ عالٍ، وَمُقْتَضَى تَنظيرِهِ: عَدَمُ صِحَّةٍ هَذا الَّعِيفِ، تَأَمَّلْ.
(١) صـ ٣٤٤ - "در".
(٢) المقولة [٢٢٣١٤].
(٣) في "ب" و"م": ((وشرط الصِّحَّة))، وما أثبتناهُ من بَقِيَّةِ النُّسَخِ هوَ الُوافِقُ العِبارةِ "لَّنِ" هناكَ.
(٤) المقولة [٢٢١٦٩] قوله: ((مالاً أو لا إلخ)).
الجزء الرابع عشر
٢٥
كتاب البيوع
وحِكمَتُهُ: نِظامُ بَقاءِ الَعاشِ والعالَمِ، وصِفَتُهُ: مُباحٌ، مَكروةٌ، حَرامٌ، واجبٌ،
وثُبُوتُهُ: بالكِتابِ والسُّنّةِ والإِجماعِ.
ومِلكُ الاستِمتاعِ بها، وتُبُوتُ الشُّفْعَةِ لَو عَقاراً، وعِتقُ المبيعِ لَو مَحرَماً مِنَ البائعِ، "بحر "(١)،
وصَوابُهُ: مِنَ المُشتَري.
[مطلب: حكمةُ مشروعيةِ البيع]
[٢٢١٩٠] (قولُهُ: وحِكمَتُهُ: نِظامُ بَقاءِ الَعاشِ والعالَمِ) حقُّهُ أَنْ يَقولَ: بَقَاءُ نِظامِ المعاشِ إلخ؛
فإِنَّهُ سُبحانَهُ وَتَعَالى خَلَقَ العالَمَ عَلى أَتَمِّ نِظامٍ وَأَحْكَمَ أَمْرَ مَعَاشِهِ أَحسَنَ إِحكامٍ، ولا يَتِمُّ ذَلكَ
إِلاَّ بالبَيعِ والشّراءِ؛ إِذْ لا يَقدِرُ أَحَدٌ عَلى (٢) أَنْ يَعمَلَ لَنَفْسِهِ كُلَّ ما يَحتاجُهُ؛ لأَنَّهُ إِذا اشْتَغَلَ بَحَرِثِ
الأَرضِ وبَذْرِ القَمْحِ، وخِدمَتِهِ وحِراسَتِهِ، وحَصْدهِ ودِراسَتِهِ(٣)، وتَذْرِيَتِهِ وَتَنظيفهِ، وطَحِهِ وعَجِهِ
لم يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَشْتَغِلَ بَيَدِهِ ما يَحتاجُ ذَلكَ مِنْ آلاتِ الحِراثَةِ والحَصْدِ ونَحوِهِ، فَضْلاً عَنِ
اشْتِغَالِهِ فيما يَحتاجُهُ مِنْ مَلَسٍ ومَسكَنٍ؛ فاضطُرَّ إِلى شِراءٍ ذَلكَ، ولَولا الشِّراءُ لكانَ يَأْخُذُهُ
بالقَهْرِ أَو بالسُّؤَالِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلاَّ قَلَ صاحِبَهُ عَليهِ، ولا يَتِمُّ مَعَ ذَلَكَ بَقَاءُ العالَمِ.
[٢٢١٩١] (قولُهُ: مُبَاحٌ) هُوَ ما خلا عَنْ أَوصافِ ما بَعدَهُ.
[٢٢١٩٢] (قولُهُ: مَكروةٌ) كالبَيعِ بَعدَ النّداءِ فِي الْجُمُعَةِ.
(٢٢١٩٣] (قولُهُ: حَرَامٌ) كَبَيْعِ خَمْرٍ لِمَنْ يَشْرَبُها.
[٢٢١٩٤] (قولُهُ: واجِبٌ) كَبِيعِ شَيءٍ لَنْ يُضطَرُّ إِليهِ.
[٢٢١٩٥] (قولُهُ: والسِِّ) فِنَّهُ عليه الصَّلاة والسَّلام باعَ واشترى، وأَقْرَّ أَصحابَهُ عَلَى ذَلَكَ أَيضاً.
(١) "البحر": كتاب البيع ٢٨٢/٥ بتصرف.
(٢) ((على)) ساقطة من "ب" و"م".
(٣) في "آ": ((دیاسته)).
حاشية ابن عابدين
٢٦
قسم المعاملات
والقِياسِ، (فالإِيجابُ) هُوَ (ما يُذكَرُ أوَّلاً (مِنْ كَلامٍ) أَحَدِ (١) (المتعاقِدَينِ)(٢) والقَبولُ(٣):
[٢٢١٩٦] (قولُهُ: والقِياسِ) عِبارةُ "البَحرِ"(٤): ((والمعقولِ)). اهـ "ح"(٥)؛ لأَنَّهُ أَمْرٌ ضَروريٌّ
يَجْزِمُ العَقْلُ بُتُبُوتِهِ كباقي(٦) الأُمورِ الضَّروريَّةِ المُتوقّفِ عَليها انتظامُ مَعاشِهِ وبَقائِهِ، فافهمْ.
[مطلب في بيان الإيجاب والقبول]
[٢٢١٩٧) (قولُهُ: فالإِجِابُ إلخ) هَذِهِ الفاءُ الفَصيحَةُ، وهيَ المُفصِحَةُ عَنْ شَرطٍ مُعَدَّرٍ، أَي:
إِذَا أَرِدْتَ مَعرِفَةَ الإِيِجَابِ وَالقَبولِ الَّذكورَينِ، وفي "الفتح"(٧): ((الإِيجابُ: الإِثباتُ لُغَةً لأَيِّ شَيءٍ
كانَ، والْمُرادُ هُنا: إِثْباتُ الفِعْلِ الخاصِّ الدَّالِّ عَلَى الرِّضَا الواقِعِ أَوَّلاً؛ سَواءٌ وَقَعَ مِنَ البائعِ أَوْ مِنَ
المُشْتَرِي، كأَنْ يَبْتَدِئَ الْمُشْتَرِي فَقولَ: اشْتَرِيتُ مِنكَ هَذا بأَلْفٍ. والقَبولُ: الفِعلُ الثَّاني، وإِلاَّ
فِكُلٌّ مِنْهُمَا إِيجابٌ، أَي: إِثْباتٌ؛ فسُمِّيَ الثَّانِي بالقَبولِ تَميزاً لَهُ عَنِ الإِثْباتِ الأَوَّلِ، ولَنَّهُ يَقَعُ
قَبولاً ورِضَّى بفِعلِ الأَوَّلِ)) اهـ.
[٢٢١٩٨] (قولُهُ: والقَبولُ) في بَعضِ النُّسَخِ: ((فالقَبولُ)) بالغاءِ، فَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى تَعرِيفِ
الإِيجابِ، ولِذا قالَ "المُصنّفُ))(٨): ((لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الإيجابَ مَا ذُكِرَ أَوَّلاً عُلِمَ أَنَّ القبِ لَ(٩) هُوَ مَا ذُكرِ
ثانياً مِنْ كَلَامٍ أَحَدِهِمَا))، أَفَادَهُ "ط)"(١٠).
٦/٤
(١) في "ب": ((حد))، وهو خطأ.
(٢) في "د" و"و": ((العاقدين)).
(٣) في "و": ((فالقبول)).
(٤) "البحر": كتاب البيع ٢٨٣/٥.
(٥) "ح": كتاب البيوع ق٢٧٩/ب.
(٦) في "آ": ((كما في الأمور)).
(٧) "الفتح": كتاب البيوع ٤٥٦/٥.
(٨) "المنح": كتاب البيوع ٢/ق ١/ب.
(٩) نقول: الذي في النُّسَخِ جَميعِها: ((أَنَّ الإِيجابَ))، وما أثبتناهُ مِنَ "الِنَحِ" و"ط" وهامشِ "الأصلِ" هوَ الصَّوابُ،
وقد أشارَ إلى ذلك مُصحِّحا "ب" و"م".
(١٠) "ط": كتاب البيوع ٤/٣.
الجزء الرابع عشر
٢٧
کتاب البيوع
ما يُذْكَرُ ثانِياً مِنَ الآخَرِ سَواءٌ كانَ: بِعْتُ أَو اشْتَرِيتُ (الدَّالِّ عَلى التَّراضِي) فَيَّدَ بهِ
اقتِداءً بالآيَةِ،.
مَطْلبٌ: القَبولُ قَدْ يَكونُ بالفِعلِ وَلَيْسَ مِنْ صُوَرِ الَّعَاطِي
[٢٢١٩٩] (قولُهُ: ما يُذكَرُ ثانِياً مِنَ الآخَرِ) أَي: مِنَ العاقِدِ الآخَرِ، والتّعبيرُ بـ (يُذْكَرُ))
لا يَشْمَلُ الفِعلَ، وعَرَّفَهُ في "الفتحِ"(١): ((بأَنَّهُ الفِعلُ الثَّاني)) كَمَا مَرَّ(٢)، وقالَ: ((لأَنَّهُ أَعَمُّ
مِنَ اللَّفْظِ، فِإِنَّ مِنَ الفُروعِ ما لَو قالَ: كُلْ هَذا الطَّعامَ بِدِرْهَمٍ فَأَكَلَهُ تَمَّ البَيْعُ وأَكْلُهُ حَلالٌ،
والرُّكوبُ والُّسُ بَعدَ قَولِ البائعِ: ارْكَبْها بمائةٍ، والبَسْهُ بِكَذا رِضاً بالبيعِ، وكَذا إِذا قالَ:
بِعْتُكَهُ(٣) بأَلْفٍ، فَقَبَضهُ ولم يَقُلْ شَيئاً كانَ قَبْضُهُ قَبَولاً، بخلافٍ بَيْعِ النَّعاطي، فإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ
إيجابٌ بَلْ قَبْضٌ بَعدَ مَعرِفَةِ الثَّمَنِ فَقَطْ، فَفي جَعْلِ الأَخيرَةِ مِنْ صُوَرِ النَّعاطي كَمَا فَعَلَ
بَعْضُهُمْ نَظَرٌ)) اهـ. وذَكَرَ في "الخانَّةِ"(٤): ((أَنَّ القَبِضَ يَقومُ مَقَامَ القَبولِ))، وعَلِيهِ فَتَعرِيفُ
القَبولِ بِالقَولِ لكَونِهِ الأَصلَ.
٢٢٢٠٠٦] (قولُهُ: الدَّالِّ عَلَى التَّراضِي) الأَولِى أَنْ يَقولَ: الرِّضَا كَمَا عَبَّرَ بِهِ في "الفتح"(٥)
و "البَحرِ"(٦)؛ لأَنَّ الَّرَاضِيَ مِنَ الجانِبَينِ لا يَدُلُّ عَليهِ الإِيِجَابُ وَحْدَهُ، بَلْ هُوَ مَعَ القَبولِ، أَفَادَهُ "ح"(٧).
[٢٢٢٠١] (قولُهُ: فَيَّدَ بهِ اقتِداءً بالآيَةِ) وهيَ قَولُهُ تَعَالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن
تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] [٣/ق ٥/أ].
(١) "الفتح": كتاب البيوع ٤٥٦/٥.
(٢) المقولة [٢٢١٩٧] قوله: ((فالإيجاب إلخ)).
(٣) في "ك" و"آ": ((بعتك بألف)).
(٤) "الخانية": كتاب البيوع ١٢٧/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الفتح": كتاب البيوع ٤٥٥/٥.
(٦) "البحر": كتاب البيع ٢٨٣/٥.
(٧) "ح": كتاب البيوع ق٢٧٩/ب.
حاشية ابن عابدين
٢٨
قسم المعاملات
وبَياناً للبيعِ الشَّرعيِّ، ولِذا لم يَلزَمْ بَيعُ الْمُكرَهِ وَإِنِ انْعَقَدَ،
[٢٢٢٠٢) (قولُهُ: وَبَياناً للبَيعِ الشَّرعيِّ) اسْتَظهَرَ في "الفَتحِ"(١): ((أَنَّ الَّراضيَ لا بُدَّ مِنْهُ
في البَيعِ اللُّغَويِّ أيضاً؛ فإنَّهُ لا يُفهَمُ مِنْ: باعَ زَيدٌ عَبدَهُ لُغَةً إِلَّ أَنَّهُ اسْتَبَدَلَهُ بالتّراضِي)) اهـ،
ونَقَلَ مِثْلَهُ "القُهِستانيُّ"(٢) عَنْ إكراهِ "الكِفَايَةِ"(٣)، و"الكِرمانيِّ"، وقالَ: ((وعَليهِ يَدُلُّ كَلامُ
٢)).
"الرَّغِبِ"(٤) خِلافًاً لـ "فخرِ الإِسلامِ"
[٢٢٢٠٣) (قولُ: ولِذا لم يَلَمْ بَعُ الْمُكرَهِ) قَدَّمْنا(٦) أَنَّ بَيْعَ الْمُكرَهِ فاسِدٌ مَوقوفٌ عَلى إجازَةِ
البائعِ، وأَنَّ البَيعَ المُعرَّفَ يَشْمَلُ سَائِرَ أَنواعِ البَيعِ الغَاسِدِ، وأَنَّ قَولَ "الكَنزِ": ((البيعُ: مُبادَلَةُ
المالِ بالمالِ بالَراضِي)) غَيرُ مَرَضِيٍّ؛ لأَنَّهُ يُخرِجُ بَيْعَ الُكرَهِ مَعَ أَنَّهُ دَاخِلٌ، وَأُجِيبَ عَنْهُ مَا ذَكَرَهُ
"الشَّارِعُ": (بَنَّهُ قَّدَ بِهِ اقْتِداءً بالآيَةِ))، أي: لا للاحترازِ، لكنَّ قَولَهُ: ((وَبَياناً للبيعِ الشَّرِعِيِّ))
إِنْ أَرَادَ بِهِ الْبِيعَ المُقابِلَ لِلْغَوَيِّ يَرِدُ عَليهِ ما عَلمْتَهُ مِنِ اعتِبارِ الَّراضِي في البيعِ اللُّغْوِيِّ، وَأَنَّهُ لا يُعتَبِرُ
في البيعِ الشَّرعِيِّ؛ إِذْ لَو كانَ جُزْءَ مَفهومِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ يَبْعُ المكرَهِ بَاطِلاً لا(٧) فاسِداً، بَلٍ
الَّرَاضِي شَرطٌ لُبُوتِ حُكمِهِ شَرِعاً، وهُوَ المِلكُ كَمَا قَدَّمناهُ(٨) عَنِ "الفَتحِ"، وإِنْ أَرادَ بالشَّرعيِّ
الخاليَ عَنِ الفَسادِ فَالَّيِيدُ بالَّرَاضِي لا يُخرِجُ بَقِيَّةَ الْبُيُوعِ الفاسِدَةِ، بَلِ التَّعْرِيفُ شَامِلٌ لها.
(قولُهُ: لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الُكرَهِ إلخ) نُسخَةُ الْخَطّ(٩): لَزِمَ أَنْ يَكُونَ بَيعُ المُكرَهِ باطِلاً لا فاسِداً إِلخ.
(١) "الفتح": كتاب البيوع ٤٥٥/٥.
(٢) "جامع الرموز": كتاب البيوع ٢/٢.
(٣) "الكفاية": ١٦٦/٨ (ذيل "فتح القدير").
(٤) "مفردات ألفاظ القرآن": مادة ((بيع)).
(٥) في النسخ جميعها: ((شيخ الإسلام))، وما أثبتناه من "القهستاني" ٢/٢، و"الكفاية" ١٦٧/٨، والمسألة في "أصول فخر
الإسلام البزدوي"، انظر "كشف الأسرار": باب العوارض المكتسبة - فصل في الإكراه ٦٣١/٤ وما بعدها.
(٦) المقولة [٢٢١٧٨] قوله: ((مرغوبٍ فيه)).
(٧) ((لا)) ساقطة من "ب".
(٨) المقولة [٢٢١٧٨] قوله: ((مرغوبٍ فيه)).
(٩) نقول: عبارةُ النسخ التي بين أيدينا موافقةٌ لنسخة الخطّ.
الجزء الرابع عشر
٢٩
كتاب البيوع
ولم يَنْعَقِدْ مَعَ الهَزْلِ؛ لِعَدَمِ الرِّضا بُحُكْمِهِ مَعَهُ ..
ثُمَّ لَا يَخَفَى أَنَّ هَذا كُلَّهُ إِنَّمَا يَتَأَنَّى فِي عِبَارَةِ "الكَنْزِ"؛ حَيثُ جَعَلَ فيها التَّرَاضِيَ قَيْداً في
التَّعريفِ، أَمَّا قَولُ "المُصنّفِ"(١): ((الدَّالِّ عَلَى الَّرَاضِي)) فلا؛ لكَونِهِ ذَكَرَهُ صِفَةً لِلإِيجابِ،
فَهُوَ بَيانٌ للواقِعِ، فإِنَّ الأَصلَ فِيهِ أَنْ يَكونَ دَليلاً عَلى الرِّضَا، ولكنْ لا يَلزَمُ مِنْهُ وُجودُ الرِّضَا
حَقِيقَةً؛ فلا يَخرُجُ بِهِ بَيْعُ المُكرَهِ، تَأَمَّلْ.
مَطْلبٌ فِي حُكمِ البَيْعِ مَعَ الهَزْلِ
[٢٢٢٠٤] (قولُ: ولم يَنْعَقِدْ مَعَ الهَزْلِ إلخ) الهَزْلُ فِي اللُّغَةِ: اللَّعِبُ، وفي الاصطِلاحِ: هُوَ أَنْ
يُرادَ بالشَّيءِ ما لم يُوضَعْ لَهُ ولا ما صَحَّلَهُ اللَّفظُ استِعارَةً، والهازِلُ يَتَكَلَّمُ بِصِيغَةِ العَقْدِ مَثَلاً
باختيارهِ ورِضاهُ، لكنْ لا يَختارُ تُبُوتَ الحُكمِ ولا يَرضاهُ، والاختيارُ هُوَ القَصدُ إِلى الشَّيءٍ وإِرادَتُهُ،
والرِّضَا هُوَ إِيثارُهُ وَاسْتِحسانُهُ، فالمكرَهُ عَلى الشَّيءٍ يَختارُهُ ولا يَرضاهُ، ومِنْ هُنَا قَالُوا: إِنَّ الَعَاصِيَ
والقَبائحَ بِرَادَةِ اللهِ تَعَالى لا بِرِضَاهُ ﴿ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾(١٢) [الزمر: ٧]، كَذا في "التّلويحِ"(٣).
(قولُهُ: ثُمَّ لا يَخْفَى أنَّ هَذا كُلَّهُ إِنَّمَا يَتَأَنَّى إلخ) قَدْ يُقالُ: إِنَّ قَصْدَ "الشَّارِحِ" - بزِيادَةِ تَعرِيفِ القَبولِ -
دَفْعُ الاعتِرَاضِ عَنِ "المُصنّفِ" الوارِدِ عَلَى الَّعبيرِ بالتَرَاضِي كَما سَبَقَ، فَيَكونُ كَأَنَّهُ نَّهَ عَلى أَنَّ مُرادَهُ أَنَّ الدَّالَّ
عَلَى الَّرَاضِي هُوَ تَعرِيفُ الإِجَابِ والقَبولِ لا الإيجابِ فَقَطْ كمَا يَظهَرُ مِن كَلامِ "المُصنّفِ"، ثُمَّنَبَّهَ عَلى
أَنَّ التَّعبيرَ بِهِ اقتِداءٌ بالآيَةِ وَبَيانٌ إلخ، تَأْمَّلْ.
(قولُهُ: فَهُوَ بَيَانٌ للواقعِ إلخ) فيهِ: أَنَّ الأَصلَ في القُيودِ أَنْ تَكونَ للاحِرارِ لا لبيانِ الواقعِ؛ فَكَلامُهُ
يُوهِمُ أَنَّ تَحقُّقَ الإيجابِ مَشروطٌ فِيهِ أَنْ يَكونَ دَالاً عَلى الرِّضا، حتّى لَو وُجِدَ معَهُ ما يَدُلُّ عَلى عَدِمِهِ
كإكراهٍ لا يُسمَّى إيجابً؛ فلا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ رُكْنِ البَيعِ، فَرِدُ عَليهِ نَظيرُ مَا وَرَدَ عَلى "الكنزِ".
(١) صـ ٢٧ - "در".
(٢) في النسخ جميعها و"التلويح": ((إنَّ اللهَ لا يَرْضَى ... ))، والآية على ما أثبتنا.
(٣) "التلويح": فصل في الأمور المعترضة على الأهلية - منها: الهزل ١٨٧/٢.
حاشية ابن عابدين
٣٠
،
قسم المعاملات
وشَرِطُهُ - أَي: شَرْطُ تَحقُّقِ الهَزْلِ واعتِبارِهِ فِي النَّصِرُّفَاتِ - أَنْ يَكُونَ صَريحاً باللّسان، مِثْلَ أَنْ
يَقولَ: إِنِّي أَبيعُ هازِلاً، ولا يُكَتَفَى (١) بدَلَالَةِ الحالِ، إِلَّ أَنَّهُ لا يُشتَرَطُ ذِكرُهُ فِي العَقْدِ، فَيَكْفِي أَنْ
تَكونَ المواضَعَةُ سابقَةً على العَقْدِ، فإِنْ تَوَاضَعًا عَلى الهزلِ بأَصلِ البيعِ، أَي: تَوَافَقًا عَلَى أَنَّهُما
يَتْكَلَّمانِ بَفظِ البَيعِ عِندَ النَّاسِ ولا يُريدانِهِ، وَاتَّفَقًا عَلى البناءِ- أَي: عَلَى أَنَّهُما لم يَرِفَعا الهزلَ - ولم
يَرجِعا عَنْهُ فالبيعُ مُنْعَقِدٌ؛ لصُدورِهِ مِنْ أَهلِهِ فِي مَحلِّهِ، لكنْ يَفْسُدُ البَيْعُ لَعَدَمِ الرِّضَا بُحُكمِهِ، فصارَ
كالبيعِ بِشَرْطِ الخيارِ أَبَداً، لكنَّهُ لا يُملَكُ بالقَبَضِ لعَدَمِ الرِّضَا بالحُكمِ، حَتَّى لَو أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي
لا يَنْفُذُ عِتْقُهُ، هَكَذَا ذَكَروا، وَيَنبَغِي أَنْ يَكُونَ الْبَيعُ باطِلاَّ لوجودِ حُكمِهِ، وهُوَ أَنَّهُ لا يُمَلَكُ
بالقبضِ، وأَمَّا الفاسِدُ فحُكمُهُ أَنْ يُملَكَ بالقَبضِ حَيثُ كانَ مُختاراً راضِياً بحكمهِ، أَمَّا عندَ عَدَمِ
الرِّضَا بِهِ فلا. اهـ "مَنارٌ" و"شَرِحُهُ(٢) لصاحبِ "البَحرِ"، فَقَولُ "الشَّارِحِ": ((ولم يَنْعَقِدْ مَعَ
الهَزْلِ)) الَّذِي هُوَ مِنْ مَدخولِ العِلَّةِ غَيرُ صَحيحٍ؛ لُنافِهِ ما تَقَدَّمَ(٣) مِنْ أَنَّهُ مُنْعَقِدٌ لصُدورِهِ مِنْ أَهِلِهِ
في مَحَلِّهِ، لكنَّهُ يَفْسُدُ البَيْعُ لِعَدَمِ(٤) الرِّضَا بالْحُكَمِ، إِلَّ أَنْ يُحمَلَ عَلى نَفيِ الانعقادِ الصَّحِيحِ أَو
يَتَمِشَّى عَلَى البَحثِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَولِهِ: ((وَيَنْبَغِي إلخ)) اهـ "ط (٥).
قلتُ: قَدْ صَرَّحَ في "الخانيَّةِ"(٦) و "القُنِ "(٧): (بأنّهُ بَيْعٌ باطِلٌ))، وبهِ يَتَأَيَّدُ ما بحثَهُ في "شَرح
المنارِ"، وكَثِيرً ما يُطلِقونَ الفاسِدَ عَلى الباطِلِ كَمَا سَتَعرِفُهُ(٨) في بابِهِ، لكنْ يَرِدُ على بُطلاِهِ أَنَّهُما
(١) في "ك": ((لا يكتفي)) بالياء.
(٢) "فتح الغفار": فصل: الأمور المعترضة على الأهلية - الهزل ١١٠/٣.
(٣) أي في هذه المقولة.
(٤) في "الأصل": ((بعدم)) بالباء.
(٥) "ط": كتاب البيوع ٥/٣.
(٦) "الخانية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد - فصل في أحكام البيع الفاسد ١٧٢/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "القنية": كتاب البيوع - باب أحكام البيوع الفاسدة ق ١٠٤/أ.
(٨) المقولة [٢٣٢٥٣] قوله: ((المرادُ بالفاسدِ الممنوعُ إلخ)).
الجزء الرابع عشر
٣١
كتاب البيوع
هذا، ويَرِدُ عَلَى التَّعريفَينِ ما في "النََّار خائَّةً": ((لَو خَرَجَا مَعاً صَحَّ البَيعُ))،
لَو أَجازاهُ جازَ، والباطِلُ لا تَلحقُهُ الإِجازَةُ، وأَنَّ الباطِلَ ما لَيسَ مُنْعَقِدً أَصلاً، والفاسِدَ ما كانَ مُنْعَقِداً
بأَصلِهِ لا بوَصفِهِ، وهَذا مُنعقِدٌ بأَصِهِ؛ لأَنَّهُ مُبادَلَةُ مالِ مالِ دُونَ وَصفِهِ، ولِذَلَكَ أَجابَ بَعضُ العُلَماءِ
بَحَمْلِ ما في "الخانيَّة" عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بالْبُطلانِ الفَسادُ كُّما في "حاشَةِ الحَمَويّ)(١)، وتَمامُه فيها.
قلتُ: وهَذا أَولى؛ لموافَقَتِهِ لِما في كُتُبِ الأُصولِ مِنْ أَنَّهُ فَاسِدٌ، وأَمَّا عَدَمُ إِفَادَتِهِ المِلكَ
بالقبضِ فَلكَونِهِ أَشبَهَ البَيعَ بالخيارِ لهما، ولَيسَ كُلُّ فاسِدٍ يُمَلَكُ بالقَبِضِ؛ ولذا قالَ في
"الأَشباه" (٢): ((إِذا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الَبِيعَ فاسِداً مَلَكُهُ إِلاَّ في مَسائلَ: [٣/ ق٥ /ب]
٧/٤
الأُولى: لا يَمِلِكُهُ فِي بَيعِ الهازِلِ كَمَا في الأُصولِ.
الثّانيةُ: لَو اشْتَراهُ الأَبُ مِنْ مالِهِ لاينِهِ الصَّغِيرِ، أَو باعهُ لَهُ كَذلكَ فاسِداً لا يَملِكهُ
بالقَبضِ حَتَّى يَستَعمِلَهُ، كَذا في "المحيط".
الثّالثَةُ: لَو كانَ مَقبوضاً في يَدِ الْمُشْتَرِي أَمانَةٌ لا يَمِلِكُهُ بِهِ)) اهـ. وذَكَرَ(٣) "الشَّارِحُ"(
مَسأَلَةَ بَيْعِ الهَزْلِ قُبَيَلَ الكَفَالَةِ، وَذَكَرِها(٥) "المُصنّفُ" مَتناً في الإِكراهِ.
[٢٢٢٠٥) (قولُهُ: ويَرِدُ عَلَى التَّعريفَينِ) أَي: تَعريفَي الإِجَابِ والقَبولِ، حَيثُ قَّدَ الإيجابَ
(قولُهُ: وهَذا أَولى؛ لُوافَقَتِهِ لِمَا فِي كُبِ الأُصولِ إلخ) لكنْ مُقْتَضَى مَا يَأتي في بابِ البَيعِ الفاسِدِ - أَنَّ كُلَّ
ما أَوَرَثَ خَلَلاَ فِي رُكنِ البَيْعِ أَو في مَحَلِّهِ وهُوَ الَبِيعُ مُبطِلٌ لَهُ - أَنْ يَكُونَ باطِلاً لا فاسِدً؛ إِذِ الخَلَلُ هُنا في رُكنهِ
حَيْثُ لم يُرَدْ بِهِ ما وُضِعَ لَهُ.
(قولُ "الشَّارِحِ": وَيَرِدُ عَلَى النَّعْرِيفَينِ ما في "الَّارِخائَّةٍ": لَو خَرَجَا مَعاً صَحَّالبَيْعُ إلخ) وكَذا نَقَلَ
في "الهنديَّةِ" عَنِ "الظَّهيريَّةِ": ((أَنَّ والدَهُ كانَ يَقولُ بِذَلكَ))، "سِنديّ"، وما ذَكرَهُ عَنِ "القُهِسنانِّ" إِنَّمَا ذَكرَهُ
(١) انظر "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب البيوع ٢٧٤/٢.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد ۔ كتاب البيوع ص٢٤٤ -.
(٣) انظر الدر عند المقولة [٢٥٢٦٤] قوله: ((بل كالهَزْلِ))، وما بعدها.
(٤) في "ك": ((قلت: وذكر الشَّارح)).
(٥) انظر الدر عند المقولة [٣٠٧٣٩] قوله: ((يَصِحُّ مع الإكراهِ)).
حاشية ابن عابدين
٣٢
قسم المعاملات
لكنْ في "القُهستانيِ)(١): ((لَو كانا مَعاً لم يَنْعَقِدْ كَما قالوا في السَّلامِ))، وعلى الأَوَّلِ ما
في "الأَشباِ"(٢): ((تكرارُ الإِيجابِ مُبطِلٌ للأَوَّلِ إِلاَّ فِي عِنْقِ وطَلاقٍ على مَالٍ)).
بكونه أوَّلاً والقبولَ بكونه ثانياً، "ط"(٣).
[٢٢٢٠٦) (قولُهُ: لكنْ في "القُهِستانيِّ" إلخ) ومِثْلُهُ في "التَّجنيسِ" لصاحبِ "الهدايةِ".
[٢٢٢٠٧] (قولُهُ: كَما قالوا في السَّلامِ) أَي: لَو رَدَّ عَلَى الْمُسلِّمِ مَعَ السَّلامِ فلا بُدَّ مِنَ الإِعادَةِ(٤).
[٢٢٢٠٨) (قولُهُ: وعلى الأَوَّلِ) أَي: ويَرِدُ عَلى النَّعريفِ الأَوَّلِ، حَيثُ قُيِّدَ بِكَوْنِهِ أَوَّلاً،
والْمُعتَبرُ فِي النَّكرارِ هُوَ الثَّاني. والجوابُ: أَنَّ الإِجَابَ الأَوَّلَ لَمّا بَطلَ صَارَ الثَّانِي أَوَّلاً فِي الَّحقيقِ،
عَلى أَنَّ كُلاَّ مِنَ الإِيجَابَينِ أَوَّلٌ بالنّسَبَةِ إِلَى القَبولِ، أَفَادَهُ "ط)" (٥).
[٢٢٢٠٩] (قولُّهُ: تَكَرَارُ الإِيجابِ) أَي: قَبَلَ القَبولِ.
[٢٢٢١٠) (قولُهُ: مُبطِلٌ للأَوَّلِ) وَيَنصَرِفُ القَبولُ إلى الإِيجابِ الثَّانِي، وَيَكونُ بَيْعاً بالثَّمَنِ
الأَوَّلِ، "بحر"(٦)، وصَواْبُهُ: بِالثَّمَنِ الثَّانِي كَمَا هُوَ ظاهرٌ، ويُعَلَّمُ ثَّا يَأْتِي(٧).
(٢٢٢١١] (قولُهُ: إِلَّ فِي عِنْقِ وطَلاقٍ عَلى مالٍ) لم يَذكُرْ في "الأَشْباهِ"(٨) الطَّلاقَ، بَلْ ذَكرَهُ
عَلَى سَبيلِ البحثِ حَيثُ قالَ: (وَيَنَبَغِي أَنْ يَكُونَ الواوُ فِي قَولِهِ: وَيَنْعَقدُ بِيجابٍ وقَبولٍ بِمَعَنَى الفَاءِ، فَإِنَّهُما
لَو كانا مَعاً لم يَنْعقِدْ كَما قالوا فيِ السَّلامِ)).
(قولُهُ: أَي: لَو رَدَّ عَلى المُسلِّمِ مَعَ السَّلامِ فلا بُدَّ مِنَ الإِعادَةِ) وَلَو سَلَّمَا مَعاً وَجبَ عَلَى كُلِّ الرَّدُّ، "سِنديّ".
(١) "جامع الرموز": كتاب البيوع ٣/٢.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب البيوع صـ ٢٤٤ -..
(٣) "ط": كتاب البيوع ٥/٣.
(٤) في هامش "(": ((قولُهُ: فلا بُدَّ مِنَ الإِعادَةِ)) أَي: إِعادةِ الرَّدِّ، وكَأَنَّهُ مَأخوذٌ مِنَ الفاءِ في قَولِهِ تَعالى: ﴿فَحَيُّواْ
بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ إلخ. اهـ.
(٥) "ط": كتاب البيوع ٥/٣.
(٦) "البحر": کتاب البيع ٢٨٦/٥.
(٧) المقولة [٢٢٢١٣] قوله: ((وكلُّ عقدٍ بعدَ عقدٍ جُدِّدًا إلخ)).
(٨) ذَكَرَ المسألة في "الأشباه" دون ذكر الطلاق كما بيَّنَ ابن عابدين رحمه الله تعالى، انظر "الأشباه": الفنُّ الثاني:
الفوائد - كتاب البيوع صـ ٢٤٤ -.
الجزء الرابع عشر
٣٣
کتاب البيوع
وسَيَجِيءُ في الصُّلْحِ.
وفي "المنظومةِ المحبّة"(١): [رجز]
ي ـ !! (١).
وكُلُّ عَقدٍ بَعدَ عَقدٍ جُدِّدا
في "البَحرِ"(٢)، وقد اعتَرضَ "البيري" عَلى "الأَشباهِ" حَيثُ اقْتَصرَ عَلى العِقِ، مَعَ أَنَّ "الولوالجِيَّ) (٣) ذَكَرَ
الطَّلاقَ أَيضاً، وذَكَرَ: ((أَنَّهُ رُوِيَ عن "أبي يوسف" أَنَّهما كالبَيعِ، وأَنَّ ما رُوِيَ عن "محمَّدٍ"
أَصَحُ)) اهـ. وفي "البيري" أيضاً عن "الذَّخيرة": ((قَالَ لِغيرِهِ: بِعُنُكَ هذا بأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّقالَ: بِعْتُكَهُ(٤)
بِمِائَةِ دِينارِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَبْتُ انصَرَفَ قَبَولُهُ إِلَى الإِيجَابِ النَّانِي، ويكَوْنُ بَيْعاً بِمِائَةِ دِينارِ، بِخِلافٍ ما
لَو قالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفِ دِرِهَمٍ، أَنْتَ حُرٌّ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ، فَقَالَ العَبْدُ: قَبَلْتُ؛ لُزِّمَهُ المالانِ.
والفَرْقُ أَنَّ الإِيِجَابَ النَّانِيَ رُجُوعٌ عَنِ الإِيجابِ الأوَّلِ، ورُجُوعُ البائِعِ قَبْلَ قَبَولِ المُشْتَرَي عامِلٌ، أَلا تَرى
أَنَّهُ لَو قالَ: رَجَعْتُ عن ذلكَ قَبْلَ قَبولِ المشتري يَعْمَلُ رُجُوعُهُ؟ وإِذا عَمِلَ رُجوعُهُ بَطَلَ الإيجابُ
الأَوَّلُ، وانصَرَفَ القَبولُ إلى الإِيجابِ الَّانِي؟ أمَّا رُجوعُ المَولِى عَنْ إِيجَابِ العِثْقِ لَيْسَ بعامِلٍ، أَلَا تَرَى
أَنَّهُ لَو قالَ: رَجَعتُ عَن ذلك لا يَعمَلُ رُجوعُهُ؛ لأَنَّ إيجابَ العِثْقِ بِالمالِ تَعَلِيقٌ بِالقَبولِ، والرُّجوعُ في
الَّعليقاتِ لا يَعْمَلُ؟ فَبَقِيَ كُلٌّ مِنَ الإيجابِ الأَوَّلِ وَالَّانِي، فانصَرَفَ القَبولُ إِلَيهِمَا)) اهـ.
[٢٢٢١٢] (قولُهُ: وسَيَجِيءُ فِي الصُّلْحِ) قالَ "الشَّارِحُ" هُناكَ(٥): ((وَالأَصْلُ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ أُعِيْدَ
فالثَّانِي باطِلٌ إِلَّ في الكَفَالَةِ والشِّراءِ والإِجارةِ)) اهـ. وفيهِ أَنَّ هَذا وما في النِّظْمِ مِنْ تَكرارِ العَقْدِ،
والكلامُ في تكرارِ الإِيجَابِ كَمَا لاَ يَخْفَى. اهـ "ح"(٦)، أي: لأَنَّ العَقدَ اسمٌ لمجموعِ الإِيِجَابِ
والقَبولِ، وتَكرارُهُ غَيرُ تَكرارِ الإِيِجَابِ الَّذِي كَلامُهُ فِيهِ.
[٢٢٢١٣] (قولُهُ: وكُلُّ عَقْدٍ بَعدَ عَقَدٍ جُدِّدًا إلخ) في "الَّار خانيّة": ((قالَ: بِعتُكَ عَبدي هذا
(١) "المنظومة المحبية": كتاب البيع صـ ٥٢ -.
(٢) "البحر": كتاب البيع ٢٨٦/٥.
(٣) "الولوالجية": كتاب البيوع - الفصل الأول في الألفاظ التي ينعقد بها البيع وما لا ينعقد ق ١٦٠/أ بتصرف.
(٤) في "ك" و"آ": ((بعتك بمائة)).
(٥) انظر الدر عند المقولة: [٢٨٥١٩] قوله: ((إلاّ في ثلاثٍ)).
(٦) "ح": كتاب البيوع ق ٢٨٠/أ.
حاشية ابن عابدين
٣٤
قسم المعاملات
فَأَبِطِلِ الثَّانِي لأَنَّهُ سُدَى
فالصُّحُ بَعدَ الصُّلحِ أَضحَى باطِلا
بأَلْفِ دِرهمٍ، بِعُنُكُهُ بمائة دينارِ، فقالَ المشتري: قَبلتُ يَنصرِفُ إلى الإِيجابِ الثَّانِي، وَيَكونُ بَيْعاً
بمائةٍ دينارِ، ولَو قالَ: بِعتُكَ هَذا العَبدَ بأَلفِ دِرهمٍ وَقَبِلَ الْمُشتَرِي، ثُمَّ قال: بِعُنُهُ مِنكَ بمائة دينار
في المجلسِ أَو في مجلسٍ آخَرَ، وقالَ المشتري: اشتريتُ يَنعقِدُ الثَّانِي وَيَنفَسِخُ الأَوَّلُ، وَكَذَا لَو
باعَهُ بجنسِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ بأَقلَّ أَو بأكثرَ، نَحوَ: أَن يَبِيعَهُ منهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ باعهُ بِتسعَةٍ أَو بأَحدَ عَشرَ،
فإِنْ باعَ بِعَشَرَةٍ لا يَنْعَقِدُ الثَّاني، ويَبْقَى الأَوَّلُ بحالهِ)) اهـ. فهذا مثالٌ لتكرارِ الإِيجَابِ فَقَطْ، ومثالٌ
لَكرارِ العَقْدِ.
[٢٢٢١٤) (قولُهُ: فأَبطِلِ الثَّاني) أَي: إِذا كانَ بِمِثْلِ الثَّمنِ الأَوَّلِ كَمَا عَلمتَ؛ ((لأَنَّهُ
سُدَّى))، أَي: لا فائِدَةَ فيهِ.
[٢٢٢١٥] (قولُهُ: فالصُّلْحُ بَعدَ الصُّلْحِ أَضحَى باطِلا) هَذَا إِذا كانَ الصُّلْحُ عَلَى سَبِيلٍ
الإِسقاطِ، أمّا إِذا كانَ الصُّلْحُ عَلى ◌ِوَضٍ، ثُمَّ اصطَلَحا على ◌ِوَضٍ آخَرَ فَالّاني هُوَ الجائِرُ،
ويُفْسَخُ الأَوَّلُ كالبَيْعٍ، "بيري" عَنِ "الخُلاصةِ"(١) عنِ "المنتقَى ".
قلتُ: الظَّاهرُ: أَنَّ الصُّلْحَ على سَبِيلِ الإِسقاطِ بِمَعَنَى الإِبِراءِ، وَبُطلانُ الثَّاني ظاهِرٌ، ولكنَّهُ
(قولُهُ: هَذا إِذا كانَ الصُّلْحُ عَلَى سَبيلِ الإِسقاطِ) وكانَ الثَّانِي بِأَزِيدَ مِنَ الأَوَّلِ.
(قولُهُ: قُلتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى سَبِيلِ الإِسقاطِ بَمَعَنَى الإِبراءِ إلخ) لكنْ عِبَارَةُ "البِيري" - عَلى
ما نَقْلَهُ "السِّندِيُّ" عَنْهُ - تُفيدُ أنَّ حملَ الصُّلْحِ عَلى ما إِذا كانَ بِمَعنَى الإِسِقَاطِ هُوَ مِنَ "الخلاصَةِ"، فيَتَعَّنُ حَمَلُهُ
عَليهِ، وعِبارةُ "السِّديّ": ((هَذا إِذا كانَ الصُّلْحُ على سَبيلِ الإِسقاطِ؛ لِما في "الخُلاصَةِ" قُبِيلَ الثَّاني(٢) مِنَ
الْبُيُوعِ: أنَّ المُرادَ الصُّلْحُ الَّذِي هُوَ إسقاطٌ، أمَّا إذا كانَ الصُّلْحُ عَلَى عِوَضٍ ثُمَّ، إلى آخِرِ ما ذَكرَهُ "المحشِّي")).
(١) "الخلاصة": كتاب البيوع - الفصل الثاني فيما يكون بيعاً وفيما لا يكون ق١٤٣/أ، وانظر "تقريرات الرافعي".
(٢) نقول: بل هو قبيل الفصل الثالث.
الجزء الرابع عشر
٣٥
کتاب البيوع
كَذا النِّكَاحُ.
بَعِيدُ الإِراءَةِ هُنا؛ فالمُناسِبُ حَمْلُ الصُّلحِ عَلى المُتبادِرِ منهُ، وَيَكونُ الْمُرادُ بهِ ما إِذا كانَ مِثْلِ
العِوَضِ الأَوَّلِ بِقَرينةِ قولهِ: ((كالبيعِ))، وعليهِ فالظَّاهرُ أَنَّ حُكْمَهُ كالبيعٍ فِي النَّفصيلِ المارِّ فيهِ.
(٢٢٢١٦) (قولهُ: كَذَا النّكاحُ) أي: فالثَّاني باطِلٌ، فلا يلزمُهُ المَهرُ المُسمَّى فيهِ إِلَّ إِذا جَدَّدَهُ
(٣/ ق ٦/ ١] للزِّيَادَةِ فِي الْمَهرِ كَمَا في "القُنَةِ"(١)، "بحر"(٢).
قلتُ: لكنْ قَدَّمنا (٣) فِي أَوائلٍ بابِ الَهرِ عَنِ "البزَّازِيَّةِ": ((أَنَّ عَدمَ اللُّومِ إِذا جُدِّدَ العَقْدُ
للاحتياطِ))، وقدَّمنا (٣) أَيضاً عَنِ "الكافي": ((لَو تَزوَّجَها فِي السِرِّ بأَلْفٍ ثُمَّ فِي العَلانِيَةِ بِأَلْفَينِ
ظاهِرُ المنصوصِ في "الأَصلِ"(٤) أَنَّهُ يَلزمُهُ عندَهُ الأَلفانِ، وَيَكونُ زِيادةً في المهرِ، وعِنْدَ "أَبي يوسف":
الَهِرُ هُوَ الأَوَّلُ؛ إِذِ العَقدُ الثَّانِي لَغوٌ فَيَلغو ما فيهِ، وعندَ "الإِمامِ": أَنَّ الثَّانِي وإِنْ لَغا لا يَلغو ما
فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ)) اهـ. وذَكرَ في "الفَتحِ"(٥) هناكَ: ((أَنَّ هَذا إِذا لم يُشهِد(٦) على أَنَّ النَّانِيَ
هَزِلٌ، وإِلاَّ فلا خِلافَ في اعتِبارِ الأَوَّلِ))، ثُمَّ ذَكرَ: ((أَنَّ بَعضَهُمْ اعْتَبَرَ ما في العَقْدِ النَّاني
فَقَطْ، وبَعضَهم أَوْجَبَ كِلَا الَهرَينِ، وأَنَّ "قاضي خان)(٧) أَفَتَى بَأَنّهُ لا يَجِبُ بالعَقْدِ الَّانِي شَيءٌ
(قولُهُ: وَبَعضَهم أَوْ جَبَ كِلا الَّهِرَينِ إلخ) قالَ "الحمَوِيُّ" نَقلاً عَنِ "الْنَّةِ": ((تَزوَّجَ عَلى مَهرٍ مَعلومٍ،
ثُمَّ تَزوَّجَ عَلى أَلَفٍ أُخْرَى تَتَتِ التَّسْمَيَتَانِ عَلى الأَصَحِّ)).
(١) "القنية": كتاب النكاح - باب الزيادة في المهر ق ٣٥/أ.
(٢) "البحر": كتاب البيع ٢٨٧/٥.
(٣) المقولة [١١٩٦٠] قوله: ((وفي الكافي إلخ)).
(٤) لم نعثر عليها في القسم المطبوع من كتاب "الأصل" الذي بين أيدينا.
(٥) "الفتح": كتاب النكاح - باب المهر ٢١٥/٣ بتصرف.
(٦) في "ب" و"م": ((لم يشهد)) بالإفراد.
(٧) "الخانية": كتاب النكاح - باب في ذكر مسائل المهر ٣٧٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
حاشية ابن عابدين
٣٦
قسم المعاملات
..
ما عَدا مَسائِلا
مِنْها الشِّرا بَعدَ الشِّراءِ صَحَّحوا
ما لم يَقصِدْ بهِ الزِّيادةَ في الَهرِ))، ثُمَّ وفَّقَ(١) بَينَهُ وبَينَ إِطلاقِ الْجُمهورِ اللُّومَ: ((يَحَمَلِ كَلامِهِ
عَلى أَنَّهُ لا يَلزمُهُ دِيانةً في نَفسِ الأَمرِ إِلاَّ بقَصدِ الزِّيَادَةِ، بَلْ يَلْزَمَهُ قَضاءً؛ لأَنَّهُ يُؤَاخَذُ بظاهِرٍ لَفَظِهِ،
إِلاَّ أَنْ يُشهِدَ على الهزْلِ)) اهـ.
٨/٤
والحاصلُ: اعتمادُ قَولِ "الإِمامِ" الَّذي هُوَ ظاهِرُ المنصوصِ مِنْ لُزومِ الزِّيَادَةِ، وحينَئِذٍ فَمَعَنَى
كَونِ النَّانِي لَغواً أَنَّهُ لا يَنفَسِخُ الأَوَّلُ بِهِ.
[٢٢٢١٧] (قولهُ: ما عَدَا مَسائلاً) استثناءٌ مِنْ قولهِ: ((فَأَبِطِلِ الثَّانِي)).
[٢٢٢١٨] (قولهُ: مِنْها الشِّرا بَعدَ الشِّراءِ) بقَصْرِ ((الشِّرا)) الأَوَّلِ لنَّظمِ، قالَ في "الأشباهِ"(٢).
((أَطَلَقَهُ في "جامعِ الفُصولَينِ (٣)، وقَيَّدُهُ فِي "القُنيةِ"(٤) بأَنْ يَكونَ الثَّانِي أَكثرَ ثَمناً مِنَ الأَوَّلِ، أَو
أَقلَّ، أو بجنسٍ آخرَ، وإِلاَّ فلا يَصِحُّ)) اهـ.
قلتُ: فَعَلَى ما في "القُنيةِ" لا فَرِقَ بَيْنَ الشِّراءِ والْبَيعِ، ولِذا أَطَقَ العَقْدَ في "البحرِ" حيثُ
قالَ(٥): ((وإِذا تَعَدَّدَ الإِيِجَابُ والقَبولُ انعقَدَ الَّانِي وانْفَسَخَ الأَوَّلُ إِنْ كانَ الثَّانِي بِأَزِيدَ مِنَ الأَوَّلِ أو
أَنقصَ، وإنْ كانَ مثلَهُ لم يَنفَسِخِ الأَوَّلُ، واختلفوا فيما إذا كانَ الثَّاني فاسِداً، هَلْ يَتضمَّنُ فَسخَ
(قولُهُ: ولِذا أَطَلَقَ العَقْدَ فِي "البحرِ" حَيثُ قالَ: وإذا تَعدَّدَ الإِيجابُ والقَبولُ انعقَدَ الثَّاني وانفَسخَ
الأَوَّلُ إلخ) وحُكمُ ما إذا اختلَفَ العَقدُ الأوَّلُ والثَّانِي كالهَبَةِ بَعدَ البَيعِ مَذكورٌ في "الأشباهِ" و"البَحرِ".
(١) أي: صاحب "الفتح"، انظر "الفتح": كتاب النكاح - باب المهر ٢١٦/٣.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب البيوع صـ٢٤٥ -.
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الثلاثون في التصرُّفات الفاسدة وأحكامها إلخ ٣٧/٢.
(٤) "القنية": كتاب البيوع - باب فيما يتعلَّق بالشِّراء ثانياً بعد الشراء ق ١١٢/ب.
(٥) "البحر": كتاب البيع ٢٨٦/٥ - ٢٨٧.
الجزء الرابع عشر
٣٧
كتاب البيوع
كَذا كفالةٌ عَلى ما صَرَّحوا
٠٠
...
الأَوَّلِ؟)) اهـ. قالَ في "النّهرِ"(١): ((ومُقْتَضَى النَّظَرِ أنَّ الأَوَّلَ لا يَنفَسخُ)) اهـ. لكنْ جَزْمَ في
"جامعِ الفُصولَينِ"(٢) و"البزَّازَّةِ(٣): ((بأَنَّهُ يَنْفَسخُ))، وكَذا قالَ في "الذَّخيرةِ": ((إِنَّ الّانِيَ وإِنْ
كانَ فاسِداً فإنّهُ يَتضمَّنُ فَسَخَ الأَوَّلِ، كَمَا لَو اشتَرِى قُلْبَ فِضَّةٍ وزنهُ عَشَرَةٌ بِعَشرةٍ وتقابَضا، ثُمَّ
اشْتَراهُ منهُ بتسعةٍ))، وعلَّلهُ "البزَّازِيُّ"(٣): ((بأَنَّ الفاسِدَ مُلحقٌ بالصَّحيحِ(٤) فِي كَثِيرٍ مِنَ
الأَحكامِ)) اهـ "رمليّ" مُلخَّصاً.
[٢٢٢١٩] (قولُهُ: كَذا كَفَالٌ) قالَ في "الخانِيَّةِ"(٥): ((الكَفيلُ بالنَّفْسِ إِذا أَعطَى الطَّالبَ
كَفيلاً بنفسهِ فماتَ الأَصيلُ بَرِئَ الكَفيلانِ، وكَذا لَو ماتَ الكفيلُ الأوَّلُ برئَ الكفيلُ
الثَّاني))، كَذا ذَكرَهُ بَعضُ الأَفاضلِ، قالَ: وأَشارَ بجوازٍ تَعدُّدِها إِلى أَنَّ المكفولَ لهُ لو أَخذَ مِنَ
الأصيلِ كَفِيلاً آخَرَ بَعدَ الأَوَّلِ لم يبرأ الأَوَّلُ، كَذا في "الخانَّةِ"(٢)، "حاشيَةُ السَِّدِ أبي السُّعودِ"
على "الأشباهِ".
(قولُهُ: وأَشارَ بجوازٍ تَعدُّدِها إِلى أَنَّ المكفولَ إلخ) والحوالةُ بَعدَ الحوالةِ باطِلَةٌ، "بحر" عَنْ فُروقِ
الكَرابيسيّ".
(١) "النهر": كتاب البيع ق ٣٥٩/أ.
(٢) "جامع الفصولين": الفصل الثلاثون في النَّصرُّفات الفاسدة وأحكامها إلخ ٣٧/٢.
(٣) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الرابع في الفاسد - نوع آخر في بيع الشيء في الشيء ٤٠٤/٤ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٤) في هامش "م": ((قولُهُ: مُلْحَقٌ بالصَّحيحِ إلخ)) أي: فَيَعمَلُ عملَهُ، فكما أنَّ الصَّحيحَ يُطِلُ العقدَ الأوَّلَ كذلك ما أُلحِقَ به
وهو الفاسدُ. اهـ
(٥) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة ٥٨/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) ((الخانية)) ساقطة من "م"، والمسألة في "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة ٥٨/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
حاشية ابن عابدين
٣٨
قسم المعاملات
مِنْها إذا زيادَةُ التّوثّقِ
إذِ الْمُرادُ صاحِ في المُحقّقِ
(وهُما عبارَةٌ عَنْ كُلِّ لَفِظَيْنِ يُنبئان(١) عَنْ مَعَنَى التَّمَلَّكِ والتّمليكِ، ماضِيَينِ) ...
(تنبيةٌ)
زادَ في "الأشباهِ"(٢): ((أَنَّ الإِجارةَ بعدَ الإِجارةِ مِنَ المستأجرِ الأوَّلِ فَسخٌ للأُولى كَما في
"البزَّازِيَّةِ"(٣)))، وقالَ في (٤) "البحر"(٥): ((وَيَنبَغي أنَّ المُدَّةَ إذا ◌َّحدَتْ فِيهِمَا وأَّحدَ الأجران
لا تَصِحُّ النَّانِيَةُ كالبِعٍ)).
(٢٢٢٢٠] (قولُهُ: إِذِ المرادُ إلخ) تَعَلِيلٌ لِعَدَمِ بُطلانِ الكَفالةِ الثّانيةِ بأَنَّ الْمُرادَ منها في الحقيقَةِ إِذَنْ
- أَي: حينَ كُرِّرَتْ - إِنَّمَا هُوَ زِيادَةُ التَّوتُقِ بأَخذِ كَفِيلٍ آخرَ حَتَّى يَتَمكَّنَ مِنْ مُطالبةٍ أَيِّهما أَرادَ.
[٢٢٢٢١) (قَولُهُ: وهُما عبارَةٌ إلخ) أي: الإِجَابُ والقَبُولُ مُعَبَّرٌ بِهِما عن كُلِّ لَفَظَينِ إلخ،
قَالَ "الزَّيَعِيُّ" (٦): ((وَيَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُنْبِئُ عَنِ التَّحْقِيقِ(٢) كـ: بِعْتُ، وَاشْتَيْتُ، وَرَضِيْتُ، أَوْ
أَعْطَيُكَ، أَوْ خُذْهُ بِكَذَا)) اهـ. أَوْ كُلْ هَذا الطِّعَامَ بِدِرْهَمٍ لِي عَلَيْكَ فَأَكَلَهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأَفْعَالِ
(١) في هامش "م": ((قولُ المُصنّفِ: عَنْ كُلِّ لَفِظَينِ يُنِثانِ إلخ)) قالَ في "البحرِ": لَو قالَ: بِعْني هذا بكذا، فقالَ:
طابَتْ نَفسيٍ لا يَنْعَقِدُ، اهـ. ولَعلَّهُ لم يُوجَدْ فيهِ الإِنباءُ. اهـ.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب البيوع صـ٢٤٥ -.
(٣) "البزازية": كتاب الإجارات - مسائل الشُّيوع ٣٣/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) ((في)) ساقطة من "م".
(٥) "البحر": كتاب البيع ٢٨٧/٥.
(٦) "تبين الحقائق": كتاب البيوع ٤/٤ وفيها: ((كبعت أو اشتريت أو رضيت)) بـ ((أو)) بين الأفعال.
(٧) في هامش "(": ((قولُهُ: ويَنعقِدُ بِكُلِّ لَفظٍ يُنِئُ عَنِ التِّحقيقِ)) أي: فالبيعُ لا يَختصُّ بلفظٍ، وإِنَّمَا يَتْبُتُ الحُكمُ إِذا
وُجِدَ مَعنَى النَّمليكِ والتَّمُكِ، بخلافِ الطَّلاقِ والعِتاقِ، فَإِنُّ لا يُعتبر المَعَنَى فيهما، وإِنَّمَا تُعتبَرُ الأَلْفاظُ الموضوعةُ
لهما صَريحاً أو كِنايةً، ولا يُشْتَرِطُ - أَي: في البيعِ - أَنْ يَشْتَمِلَ القَبولُ على الخِطابِ بَعدَمَا صَدرَ الإِيجَابُ بالخِطابِ،
فلو قالَ - بَعدَ قَولِهِ: بعتُكَ بِكَذا - : اشتريتُ، ولم يَقُلْ: مِنكَ صَحَّ، "بحر" عَن "الفتح". اهـ. أَي: يَكفي وُجودُ
· الخِطابِ في الإِيجابِ.