Indexed OCR Text

Pages 481-500

الجزء الثالث عشر
٤٨١
كتاب الوقف
فلا عِمارةَ على مَن له الاستغلالُ؛ لأَنَّه لا سُكْنى له، ..
السُّكْنى أصلاً، "بحر"(١).
مطلبٌ: مَن له الاستِغِلالُ لا يَملِكُ السُّكْنى وبالعكسِ
[٢١٤٦٣] (قولُهُ: فلا عِمارةً على مَن له الاستغلالُ إلخ) مفهومُ قولِ "المتنِ": ((فعِمارتُهُ على
مَن له السُّكْنى))، وهذا معلومٌ أيضاً من قولِهِ: ((يُدْأُ من غَلَّةِ الوقفِ بعِمارتِهِ)) وعَطَفَ عليه قولَهُ:
((ولو داراً إلخ)).
[٢١٤٦٤] (قولُهُ: لأَنَّه لا سُكْنى له) قالَ في "البحر "(٢): ((وظاهرُ كلامِ المصنْفِ وغيرِهِ: أنَّ مَن
له الاستغلالُ لا يَملِكُ السُّكْنِى، ومَن له السُّكْنى لا يَمِلِكُ الاستغلالَ كما صرَّحَ به في "البزَّازِيَّةَ"(٣)
و "الفتح "(٤) أيضاً بقولِهِ: ((وليسَ للموقوفِ عليهم الدَّارُ سُكْناها بل الاستغلالُ، كما ليسَ للموقوفِ
عليهم السُّكْنِى الاستغلالُ)) اهـ. وما في "الظَّهِيرِيَّةِ"(٥) - من أنَّ العِمارةَ على مَن يستحقُّ الغَلَّةَ -
محمولٌ على أنَّ العِمارةَ في غَلَّتِها، ولَمّا كانَت غلُّها له صارَ كأنَّ العِمارةَ عليه)) اهـ.
(قولُهُ: ولَمَّا كانَت علُّها له صارَ كأنَّ العِمارةَ عليه) لكنْ تقدَّمَ عندَ قولِهِ: ((ويُبدَأُ من عَلَّيْهِ بعمارتِهِ)) أنَّه
لو كانَ الوقفُ على رجلٍ بعينِهِ وآخرُهُ للفقراءِ فهي في مالِهِ إذا كانَ حيًّا، ولا تُؤخَذُ من الغَلَّةِ؛ لأَنَّهَ مُعَّنٌ يُمكِنُ
مطالبتُهُ، فهذا يَرِدُ على عبارةِ "الشَّارِحِ". اهـ "سنديّ". وفي "شرح المنبع" عندَ قولِهِ: ((ويُبدَّأُ مِن عَلَّتِهِ بعمارتِهِ))
ما نصُّهُ: ((ثُمَّ إنْ كانَ الوقفُ على الفقراءِ يُبدَأُ بالعِمارةِ، وما فَضَلَ منها يُقْسَمُ على الفقراءِ، وإِنِ الوقفُ على
رجلٍ بعينهِ وآخرُهُ للفقراءِ فهو في مالِهِ أيَّ مالٍ شاءَ في حالٍ حياتِهِ ولا يُؤْخَذُ من الغَلَّةِ؛ لأنَّ الْغُرْمَ بالغُنْمِ، ولهذا
تكونُ نفقةُ العبدِ المُوصَى بخدمتِهِ على المُوصَى له، إلاَّ أنَّ الوقفَ إذا كانَ على الفقراءِ لا يُمكِنُ مظالبتُهم بالعِمارةِ
لكثرتهم، وعلَُّ الوقفِ أقربُ أموالهم فَتَجِبُ فيها، بخلافٍ ما إذا كانَ الوقفُ على معيَّنٍ يُمكِنُ مطالبتُهُ
بالعِمارةِ فُيُطالَبُ بها، ولا يُحَبَسُ شيءٌ من الغَلَّةِ لأجلِها)) اهـ. وفي "الهداية": ((ثُمَّ إنْ كانَ الوقفُ على الفقراءِ
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٦/٥.
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٥/٥ بتصرف.
(٣) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الثامن في المتفرِّقات ٢٨٥/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الفتح": كتاب الوقف - الفصل الثاني في الموقوف عليه ٤٥٣/٥.
(٥) "الظهيرية": كتاب الوقف - القسم الثاني - الفصل الرابع في تصرُّفات القوَّام على الأوقاف إلخ ق ٢٢١/ب.

حاشية ابن عابدين
٤٨٢
كتاب الوقف
قلتُ: ويؤيِّدُهُ أنَّ "الخصَّاف"(١) سوَّى بينَ المسألَتَيْنِ، لكنَّه فرَّقَ بينَهما في محلِّ آخرَ، بأنَّ مَن
له الاستغلالُ له السُّكْنِى؛ لأنَّ سُكْنَاهُ كسُكْنى غيرِهِ، بخلافِ العكسِ؛ لأنّه يُوجِبُ فيها حقّاً لغيرِهِ،
ومَن له الاستغلالُ إذا سَكَنَ لا يُوجِبُ حقّاً لغيرِهِ، وادَّعى "الشُّرُ بلاليُّ" في رسالةٍ أنَّ الرَّاجحَ هذا،
كما قدَّمتُهُ(٢) قريباً، وتمامُهُ فيما علَّقْتُهُ على "البحر"(٣).
مطلبٌ: وقفُ الدَّارِ عندَ الإطلاقِ يُحمَلُ على الاستغلال لا على السُّكْنى
(تنبيةٌ)
يُفْهَمُ من كلامِ "الفتح" المذكورِ: أنَّ الواقفَ إذا أطلقَ ولم يُقِيِّدْ بكَونِها للسُّكْنى أو
للاستغلال أنَّها تكونُ للاستغلالِ، وفي "الفتاوى الخيريَّةَ (٤): المصرَّحُ به في كُبنا: أنَّ الواقفَ إذا
أطلقَ الوقفَ فهو على الاستغلالِ لا السُّكْنى، قالَ في "النّظم الوهبانيّ"(٥): [طويل]
لا يُظفَرُ بهم، وأقربُ أموالِهِم هذهِ الغَلّةُ فَيَجِبُ فيها، ولو كانَ الوقفُ على رجلٍ بعينِهِ وآخرُهُ للفقراءِ فهو في
مالِهِ أيَّ مالٍ شاءَ في حالٍ حياتِهِ، ولا يُؤْخَذُ من الغَّةِ؛ لأَنَّه مُعَيَّنٌ يمكنُ مُطالبتُهُ)) اهـ.
(قولُهُ: وَادَّعى "الشُّرُ بلائيُّ" في رسالةٍ أنَّ الرَّاجحَ هذا إلخ) سيذكرُ في بابِ الوصِيَّةِ بالسُّكْنى عن
"الظَّهِيرَيَّة" ما نصُّهُ: ((في الوصيّةِ بِغَلَّةِ دارٍ لرجلٍ تُؤخَّرُ ويُدفَعُ إليهِ غَلُّها، فإنْ أرادَ السُّكْنى بنفسِهِ؛ قالَ
"الإسكاف": له ذلكَ، وقالَ "أبو القاسم" و"بو بكر بنُ سعيد": ليسَ له ذلكَ، وعليه الفتوى، والوصيّةُ أختُ
الوقفِ، فعلى هذا يكونُ الفتوى في الوقفِ على هذا، بل أولى؛ لأَنَّه لم يُنْقَلْ فيه اختلافُ المشايخِ)) اهـ. وأنتَ
خبيرٌ بأنَّ ترجيحَ "الشُّرُ بلاليّ" الجوازَ ليسَ أقوى من ترجيحِ "الظَّهيريَّةُ" عدمَهُ معَ التّعبيرِ عنه بلفظِ الفتوى، معَ أنَّ
"الشُّرُ بِلالِيَّ" ليسَ من أهلِ التَّرِجِيحِ، ولم يَسْتِدْ في ترجيحِهِ للجوازِ بنقلِهِ عمَّن هو أهلُهُ، بل استندَ فيه لبعضِ
استدلالاتٍ دالّةٍ عليه كما يظهرُ ذلكَ للَّظرِ في "رسالته"، تأمَّل. وانظرْ ما يأتي في البابِ المذكورِ.
(١) "أحكام الأوقاف": باب الرَّجل يجعل دارَه موقوفةً ليسكنها قومٌ بأعيانهم إلخ صـ٦٤ -.
(٢) المقولة [٢١٤٥٣] قوله: ((لا من الغُّلةِ)).
(٣) حاشية "منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الوقف ٢٣٥/٥.
(٤) "الفتاوى الخيرية": كتاب الوقف ٢٠١/١.
(٥) "الوهبانية"، كتاب الوقف صـ٤٩- (هامش "المنظومة المحبية").

الجزء الثالث عشر
٤٨٣
كتاب الوقف
فلو سَكَنَ هل تَلزمُهُ الأُحرةُ؟ الظَّاهرُ: لا؛ لعدمِ الفائدةِ إلاّ إذا احتيجَ للعِمارةِ
فيأخُذُها المُتولّي لَيَعمُرَ بها، ولو هو المتولِّيَ ينبغي أنْ يُجبِرَهُ القاضي على عِمارتِها
ثَمّا عليه مِن الأُجرةِ(١)، فإنْ لم يَفعَلْ.
سِوى الأجرِ والسُّكنى بها لا تَقرَّرُ (٢)
ومَن وُقِفَت دارٌ عليه فما لَهُ
ثمَّ ذَكَرَ عبارةَ شرحِهِ "لابنِ الشِّحْنة"(٣)، وأنَّ المسألةَ من "التّجنيس" و"فتاوى الخاصيِّ"،
وذَكَرَ في "الخيريَّة"(٤) في محلِّ آخرَ: ((والحاصلُ: أنَّ الواقفَ إذا أطلقَ أو عَيَّنَ الاستغلالَ كانَ
للاستغلال، وإِنْ قَّدَ بالسُّكْنى تقيّدَ بها، وإِنْ صرَّحَ بهما كانَ لهما حَرْياً على كونِ شرطِ الواقفِ
كنصِّ الشَّارعِ)) وهذا - كما ترى - خلافُ ما رجَّحَهُ "الشُّرُ بِبلاليُّ"، وسيذكرُ(٥) "الشَّارِحُ"
القولَينِ عندَ قولِ "المصنّفِ": ((والموقوفُ عليه الغلَّهُ لا يَمِلِكُ الإجارةَ)).
[٢١٤٦٥] (قولُهُ: فلو سَكَنَ) أي: مَن له الغلَّةُ على القولِ: بأنَّه لا سُكْنى له.
[٢١٤٦٦] (قولُهُ: لعدمِ الفائدةِ) لأَنَّها إذا أُخِذَت منه دُفِعَت إليه؛ حيثُ لم يكنْ له شريكٌ في
الغَلَّةِ كما في "البحر "(٦).
[٢١٤٦٧] (قولُهُ: ولو هو المتولّيَ) أي: لو كانَ السَّاكنُ في دارِ الغَلَّةِ هو المتولّيَ.
[٢١٤٢٨] (قولُهُ: ينبغي إلخ) البحثُ لصاحبِ "النّهرِ"(٧).
(قولُهُ: وهذا - كما ترى - خلافُ ما رجَّحَهُ "الشُّرُ نبلاليُّ" إلخ) أي: حيثُ قالَ: ((كانَ
للاستغلالِ))، وأنتَ خبيرٌ بأنَّه ليسَ في عبارتِهِ ما يُفيدُ منعَ سُكْناهُ، بل ربَّما أفادَ تعبيرُهُ - أوَّلاً بـ: ((كانَ))
وثانياً بـ: ((تقيَّد)) أنَّ له السُّكْنى في الأوَّلِ، تأمَّل.
(١) في "ط": ((من الأجر)).
(٢) في "ب" و"م" و"أ" بتاءين، وفي "الأصل": ((لا تتضرَّر)) بالضاد وهو تحريف، وعبارة "الوهبانية": (( ... والسُّكنى
بما يتقرر))، وهو خطأ أيضاً، وما أثبتناه هو الموافق لوزن البيت، وقد نَّه عليه مصحِّحُ "ب".
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الوقف ق ١٨٩/أ.
(٤) "الفتاوى الخيرية": كتاب الوقف ١٨٦/١.
(٥) صـ ٥٦٨- "در".
(٦) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٥/٥.
(٧) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٥/أ.

حاشية ابن عابدين
٤٨٤
كتاب الوقف
نَصَب مُتُولّاً لَيَعمُرَها، ولو شَرطَ الواقِفُ غَلَّتها له ومَؤُونَتَها (١) عليه صَحًّا، وهل يُحِبَرُ
على عِمارتِها؟ الظَّاهرُ: لا، "نهر". وفي "الفتح"(٢): ((لو لم يَجدِ القاضي مَن يَستأجِرُها
[٢١٤٦٩] (قولُهُ: نصَبَ مُتولّيّاً لَيَعمُرَها) الظَّاهِرُ: أَنَّ لا حاجةَ لَنَصْبِ مُتَولِّ لِما مرَّ(٣) مِن أَنَّه:
((لو أَبِى مَن له السُّكْنى أو عجزَ عمَّرَ الحاكمُ))، إلاَّ أنْ يُرادَ أَنَّه يَنصِبُ مُتولّياً مطلقاً لا لخصوصِ
التَّعميرِ؛ لظهورِ خيانةِ الأُوَّلِ بما فَعَلَ، فليتأمَّل.
[٢١٤٧٠] (قولُهُ: ولو شَرَطَ الواقفُ غَلِّنَها له) أي: للموقوفِ عليه الدَّارُ.
[٢١٤٧١] (قولُهُ: صَحَّا) أي: الوقفُ والشَّرطُ المذكورُ، لكنَّ أصلَ العبارةِ في "النَّتَار خانَّةَ"(٤).
((فالوقفُ جائزٌ معَ هذا الشَّرِطِ)) اهـ. وهذا يَحتمِلُ أنْ يكونَ المرادُ جوازَ الوقفِ مقترناً بهذا
الشَّرطِ، ولا يلزمُ منه صحَّةُ هذا الشَّرطِ، تأمَّل.
[٢١٤٧٢] (قولُهُ: الظَّاهرُ: لا) هذا خلافُ ما استظهرَهُ فِي "البحر"(٥) حيثُ قالَ: ((وظاهرُهُ: أَنَّه
يُحَبَرُ على عِمارتِها، وقياسُهُ: أنَّ الموقوفَ عليه السُّكْنى كذلكَ)) اهـ. واستوضحَ في "الَّهر "(٦) لِما
استظهرَهُ بقولِ "الهداية"(٧) فيما مرَّ: ((ولا يُجَبَرُ الممتنعُ على العِمارةِ لِما فيه من إتلافِ مالِهِ،
٣٨١/٣
(قولُهُ: وهذا يَحتمِلُ أنْ يكونَ المرادُ جوازَ الوقفِ مقترناً بهذا الشَّرِطِ إلخ) لكنْ ما تقدَّمَ - من أَنَّه لو
كانَ الوقفُ على رجلٍ بعينِهِ وآخرُهُ للفقراءِ فهي في مالِهِ ولا تُؤخَذُ من الغَلَّةِ؛ لأنّه مُعَبَّنٌ يُمكِنُ مُطالبتُهُ أهـ ــ
يُفيدُ صحَّةَ هذا الشَّرطِ؛ إذ هو شَرْطٌ اقتضاهُ أصلُ الوقفِ فيكونُ ذِكْرُهُ تأکیداً له.
(١) في "ب" و"د" و"و": ((مؤنتها)).
(٢) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٦/٥ بتصرف.
(٣) صـ ٤٧٨ - "در".
(٤) "التاتر خانية": كتاب الوقف - الفصل السابع - نوعٌ منه يرجعُ إلى عمارة الواقف ٧٤٧/٥.
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٥/٥.
(٦) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٥/أ.
(٧) "الهداية": كتاب الوقف ١٧/٣.

الجزء الثالث عشر
٤٨٥
كتاب الوقف
لم أَرَهُ، وخَطَرَ لي أنَّه يُخيِّرُه بين أنْ يَعْمُرَها أو يَرُدَّها لوَرَثةِ الواقِفِ)).
.....
فأشبهَ امتناعَ صاحبِ البَذْرِ فِي الْمُزَارَعَةِ، ولا يكونُ امتناعُهُ منه رضِّى ببطلان حقّهِ؛ لأَنَّه في حيِّزٍ
الّردُّدِ)) اهـ. قالَ في "النّهر "(١): ((وأنتَ خبيرٌ بأنَّ هذا بإطلاقِهِ يشمَلُ ما لو شُرَطَ عليه الواقفُ
المَرَمَّةَ؛ لأَنَّها حيثُ كانَت عليه كانَ في إجبارِهِ إتلافُ ماِهِ)) اهـ. واعتُرِضَ بأنَّ الجبرَ فائدةُ صحَّةٍ
الشَّرطِ، وإلاَّ فلا ثمرةً له.
قلتُ: علمتَ أنَّ صحَّةَ الشَّرطِ غيرُ صريحةٍ في عبارةِ "الَّار خانَّة"، وتعليلُ "الهداية" شاملٌ
للشَّرطِ وغيرِهِ، فهو دليلٌ [٣/ ق١/١٢٠] على عدمٍ صحَّتِهِ، فافهم. على أنَّ هذا الشَّرطَ لا ثمرةَ له؛
لأنَّ الغَلَّةَ حيثُ كانَت للموقوفِ عليه فلا فرقَ بينَ تعميرِهِ منها أو من غيرِها، فإذا امتنعَ عن العِمارةِ
من مالِهِ يُؤجِّرُها المتولّي ويعمُرُها من غلَّتِها؛ لأَنّها موقوفةٌ للغلَّةِ، ولو كانَ هو المتولّيَ وامتنعَ من
عِمارتِها يُنصَبُ غيرُهُ ليعمُرَها، أو يعمُرُها الحاكمُ كما مرَّ(٢)، نَعَمْ قد تظهرُ الثَّمرةُ فيما إذا كانَت
غُلّتْها لا تفي بعِمارتِها، فإنْ قلنا: بصحَّةِ الشَّرطِ لزمَهُ أنْ يعمُرَها من مالِهِ، وهو بعيدٌ لِما علمتَهُ من
كلامٍ "الهداية"، ولأنَّ كلامَ الواقفِ لا يصلُحُ مُلزِماً له بتعميرِها؛ إذ لا ولايةَ له على الْمُسْتَجِقِّ.
(٢١٤٧٣] (قولُهُ: لم أرَهُ) قالَ في "الفتح"(٣) بعدَ هذا: ((والحالُ فيها يُؤَدِّي إلى أنْ تصيرَ
نِقْضً(٤) على الأرضِ كرمادٍ تسفوهُ الرِّياحُ)) اهـ. أي: لو تُرِكَت بلا عِمارةٍ تصيرُ هكذا.
مطلبٌ فِي الوقفِ إذا خَرِبَ ولم يُمكِنْ عِمارتُهُ
[٢١٤٧٤] (قولُهُ: أو يَرُدَّها لوَرَثةِ الواقِفِ) قالَ في "البحر"(٥): ((وهو عجيبٌ؛ لأنَّهم صرَّحوا
(قولُهُ: ولا يكونُ امتناعُهُ منه رضَّى ببطلانٍ حقّهِ؛ لأَنّ في حيِّزِ الّردُّهِ) بيانُهُ: أنَّ الامتناعَ يُحتمَلُ أنْ يكونَ
لبطلان حقّهِ، وَيُحتمَلُ أنْ يكونَ لنقصانِ مالِهِ في الحالِ لرجائِهِ إصلاحَ القاضي وعِمارتَهُ ثُمَّ ردَّهُ. اهـ "عناية".
(١) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٥/أ.
(٢) صـ ٤٧٨ - "در".
(٣) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٦/٥.
(٤) في "م": ((نقصاً)) بالصّاد المهملة، وهو تصحيف.
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٧/٥.

حاشية ابن عابدين
٤٨٦
کتاب الوقف
قلتُ: فلو هو الوارِثَ لمْ أَرَهُ،.
باستبدالِ الوقفِ(١) إذا خَرِبَ وصارَ لا يُنتَفَعُ بِهِ، وهو شاملٌ للأرضِ والدَّارِ، قالَ في "الذَّخيرة": وفي
"المنتقى": قالَ "هشام": سمعتُ "محمَّداً" يقولُ: الوقفُ إذا صارَ بحيثُ لا ينتفِعُ به المساكينُ فللقاضي أنْ
يبيعَهُ ويشتريَ بثمِنِهِ غيرَهُ، وليسَ ذلكَ إلاَّ للقاضي اهـ. وأمَّا عَوْدُ الوقفِ بعدَ حَرَابِهِ إلى مِلْكِ الواقفِ أو
ورثِهِ فقد قدَّمنا ضعفَهُ، فالحاصلُ: أنَّ الموقوفَ عليه السُّكْنى إذا امتنعَ من العِمارةِ ولم يُوجَدْ مستأجرٌ
باعَها القاضي واشترى بثمنِها ما يكونُ وَقْفاً، لكنَّ ظاهرَ كلامٍ المشايخِ: أنَّ محلّ الاستبدالِ عندَ النَّعذُِّ
إنما هو الأرضُ لا البيتُ، وقد حقَّقْناهُ في "رسالةِ الاستبدالِ"(٢)). اهـ كلامُ "البحر". واعترضَهُ
"الرَّملِيُّ": ((بأنَّ كلامَ "المنتقى" المذكورَ شاملٌ للأرضِ والبيتِ، فالفرقُ بينَهما غيرُ صحيحٍ)).
[٢١٤٧٥] (قولُهُ: فلو هو الوارِثَ لم أرَهُ) قيلَ: هذا عجيبٌ من "الشَّارِحِ" بعدَ ما رأى كلامَ
"البحر"(٣)، خصوصاً وقد أقرَّهُ في "النّهر "(٤): ((من أنَّ الحكمَ هو الاستبدالُ فقط، وهو لا يختِلِفُ
بالوارثِ وغيرِهِ، وبه ظهَرَ ضعفُ ما في "فتاوى قارئ الهداية"(٥))) اهـ.
قلتُ: بل هو عجيبٌ من المُعترِضِ بعدَ قولِ "البحر"(٦): ((لكنَّ ظاهرَ كلامِ المشايخِ إلخ)).
نعم يَرِدُ عليه ما قالَهُ "الرَّملِيُّ"، وكذا ما قدَّمناهُ(٧)(٨) عن "الفتح" عندَ قولِهِ: ((وعادَ إلى المِلْكِ
(قولُهُ: نعم بَرِدُ عليه ما قالَهُ "الرَّملِيُّ"، وكذا ما قدَّمناهُ عن "الفتح" إلخ) فعلى ما قالَهُ "الرَّمليُّ" يكونُ الحكمُ
هو الاستبدالَ، وعلى ما قدَّمَهُ تعودُ لِلْكِ الوارثِ عندَ "محمَّدٍ" حيثُ كانَ للسُّكْنى كما هو موضوعُ المسألةِ.
(١) في "م": ((الواقف))، وهو تصحيف.
(٢) المسماة "تحرير المقال في مسألة الاستبدال": الرسالة التاسعة صـ٨١- وما بعدها ضمن "مجموع رسائل ابن نجيم"، وهي لزين
العابدين بن إبراهيم الشهير بابن نُجيم المصري (ت ٩٧٠هـ). ("كشف الظنون" ٣٥٦/١، "الكواكب السائرة" ١٥٤/٣،
"التعليقات السنية" صـ١٣٤-، "هدية العارفين" ٣٧٨/١).
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٧/٥.
(٤) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٥/أ.
(٥) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في بيع الوقف المتهدٌّم صـ٥١ -.
(٦) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٧/٥.
(٧) المقولة [٢١٣٧٥].
(٨) في "م": ((قدَّمنا)).

الجزء الثالث عشر
٤٨٧
كتاب الوقف
وفي "فتاوى قارئ الهداية" ما يُفيدُ استبدالَهُ أو رَدَّ ثَمنِهِ للوَرثةِ (١) أو الفُقراءِ (وصَرَفَ)
الحاكمُ أو المُتولّي، "حاوي"(٢).
عندَ "محمَّدٍ")) من أنَّ: ((دارَ الغَّةِ إذا خَرِبَت إنّا يعودُ إلى المِلْكِ عندَهُ نِقْضُها دونَ ساحتِها؛ لأنَّ
ساحتَها يُمكِنُ استغلالُها ولو بشيءٍ قليلٍ، بخلافٍ غيرِ الْعَدِّ للغلّة كرباطٍ أو حوضٍ خَرِبَ، فهذا
يعودُ إلى الِلْكِ كُلُّهُ عندَ "محمَّدٍ")).
[٢١٤٧٦) (قولُهُ: وفي "فتاوى قارئِ الهدايةِ"(٣) إلخ) حيثُ قالَ: ((سُئِلَ عن وقفٍ انهدمَ ولم
يكنْ له شيءٌ يُعمَرُ منه ولا أمكنَ إجارتُهُ ولا تعميرُهُ، هل تُباعُ أنقاضُهُ من حَجَرٍ وطُوْبٍ وَحَشَبٍ؟
أجابَ: إذا كانَ الأمرُ كذلكَ صحَّ بيعُهُ بأمرِ الحاكمِ، ويُشتَرَى بثمِنِهِ وقفٌ مكانَهُ، فإذا لم يُمكِنْ
ردَّهُ إلى ورثةِ الواقفِ إنْ وُجِدوا، وإلاّ يُصرَفْ للفقراءِ)) اهـ.
قلتُ: الظَّاهرُ: أنَّ البيعَ مبنيٌّ على قولِ "أبي يوسف"، والرَّدَّ إلى الورثةِ أو إلى الفقراء على
قولِ "محمَّدٍ"، وهو جمعٌ حسنٌ، حاصلُهُ: أَنّه يُعمَلُ بقولِ "أبي يوسفَ" حيثُ أمكنَ، وإلاَّ فبقولِ
"محمَّدٍ" ، تأمَّل.
(تمَّةٌ)
قالَ في "الدُّرِّ المنتقى"(٤): ((في كلامِ "المصنّفِ" إشارةٌ إلى أنَّ الخانَ لو احتاجَ إلى الَرَمَّةِ آجَرَ
(قولُ "المصنّفِ": وصَرَفَ نِقْضَهُ إلخ) قالَ في "البحر": ((المرادُ ما انهدمَ من الوقفِ، فلو انهدمَ الوقفُ
كلُّهُ فقد سُئِلَ عنه "قارئُ الهداية" بقولِهِ: سُئِلَ عن وقفٍ تهدَّمَ ولم يكنْ له شيءٌ يُعْمَرُ منه ولا أمكنَ إجارتُهُ
وتعميرُهُ، هل تُباعُ أنقاضُهُ من حَجَرِ وطُوْبٍ وَخَشَبٍ؟ أجابَ: إذا كانَ الأمرُ كذلكَ صحَّ بِيعُهُ بأمرٍ القاضي،
ويُشْتَرى بثمنِهِ وقفٌ مكانَهُ، فإذا لم يُمكِنْ ردّهُ إلى ورثةِ الواقفِ إنْ وُجِدوا، وإلاَّ يصرَفْ للفقراءِ)) اهـ.
(١) في "ط": ((للوارث)).
(٢) "الحاوي القدسي": كتاب الوقف - فصلٌ: رجلٌ جعل مسجداً تحته سرداب وفوقه بيت ق ١٠٠/أ.
(٣) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في بيع الوقف المتهدّم صـ اهـ.
(٤) "الدر المنتقى": كتاب الوقف ٧٤٢/١ (هامش "مجمع الأنهر").

حاشية ابن عابدين
٤٨٨
كتاب الوقف
(نقضه) أو ثَمنَه إنْ تعذَّرَ إعادةُ عَينِه (إلى عِمارتِهِ إن احتاجَ، وإلاَّ حَفِظَه ليُحتاجَ)
إلاّ إذا خافَ(١) ضَیاعَه.
بيتاً أو بيتين وأنفقَ عليه، وفي روايةٍ: يُؤذَنُ للَّاسِ بِالنّزولِ سنةً، وَيُؤَخَّرُ سنةً أخرى، ويُرَمُّ من أجرتِهِ،
وقالَ "النَّاطفيُّ": القياسُ في المسجدِ: أنْ يجوزَ إجارةُ سَطْحِهِ لمرمَّتِهِ، "محيط"، وفي "البرجنديّ":
والظَّاهرُ: أنَّ حكمَ عِمارةٍ أوقافِ المسجدِ والحوضِ والبئرِ وأمثالِها حكمُ الوقفِ على الفقراءِ)) اهـ.
[٢١٤٧٧) (قولُهُ: نَقْضَهُ) بتثليتِ النَّونِ على ما ذكرَهُ "البِرْ جَنْديُّ" أي: المنقوضَ من خشبٍ
وحجرٍ وآجُرِّ وغيرِها، "شرح الملتقى)(٢).
[٢١٤٧٨) (قولُهُ: إنِ احتاجَ) بأن أحضرت المُؤَدُ(٣) أو كانَ المنهدمُ لقَلَّتِهِ لا يُخِلُّ بالانتفاعِ
فيؤخْرُهُ للاحتياجِ، وإلاَّ فبالانهدامٍ تتحقَّقُ الحاجةُ فلا معنى للشَّرطِ حينئذٍ، نَّهَ عليه في "الفتح"(٤)،
وأغفلَهُ في "البحر"(٥)، "نهر "(٦).
[٢١٤٧٩) (قولُهُ: لَيُحتاجَ) الأولى للاحتياجِ كما عبَّرَ في "الكنز)(٧).
(قولُهُ: بأنْ أُحضرَتِ المُؤَنُ إلخ) هذا تصويرٌ لقولِهِ: ((وإلّ حَفِظَهُ)) لا لقولِهِ: ((إنِ احتاجَ)) كما
في "ط"، وهو ظاهرٌ، تأمَّل. وقولُهُ: ((وإِلاَّ فبالانهدامِ تتحقّقُ الحاجةُ)) ليسَ في جميعِ الصُّورِ، فإنّه قد
يَحصُلُ الانهدامُ ولا يُحتاجُ إلى هذا النّقْضِ بعينِهِ لكَسْرِهِ مثلاً.
(١). في "ط": ((خيف)).
(٢) "الدر المنتقى": كتاب الوقف ٧٤٣/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٣) في هامش "م": ((قوله: بأن أحضرت الْمُؤَنُ إلخ)): هذه صورةُ عدمِ الاحتياجِ، لا صورة الاحتياج، كما صنعَ
الُحْشِّي، تأمَّل اهـ.
(٤) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٦/٥ - ٤٣٧.
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٧/٥.
(٦) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٥/أ.
(٧) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الوقف ٣٤٦/١.

الجزء الثالث عشر
٤٨٩
كتاب الوقف
فَبيعُهُ ويُمسِكُ ثَمْنَهُ لَيُحتاجَ، "حاوي"(١). (ولا يُقسَمُ) النّقْضُ أو ثَمْنُهُ (بين
مُستحِقّي الوَقفِ)؛ لأنَّ حَقَّهم في المنافِعِ لا(٢) العَينِ ..
[٢١٤٨٠] (قولُهُ: فَيَبيعُهُ) فعلى هذا يُباعُ النّفْضُ في موضعَينِ: عندَ تعذٍُّ عَوْدِهِ، وعندَ خوفٍ
هلاكِهِ، "بحر "(٣)، ويُزادُ ما في "الفتح"(٤) [٣/ق١٢٠/ب] حيثُ قالَ: ((واعلمْ أنَّ عدمَ جوازٍ بيعِهِ -
إلاَّ إذا تعذَّرَ الانتفاعُ به - إنَّا هو فيما إذا وَرَدَ عليه وقفُ الواقفِ، أمّا إذا اشتراهُ المُتَوِّي من مستغلاَّتِ
الوقفِ فإنَّه يجوزُ بِيعُهُ بلا هذا الشَّرطِ؛ لأنَّ في صيرورِهِ وَقْفً خلافاً، والمختارُ: أَنَّه لا يكونُ وقفاً،
٣٨٢/٣ فلقيِّمِ أنْ يبيعَهُ متى شاءَ لمصلحةٍ عرضَت)) اهـ. وستأتي(٥) المسألةُ في الفصلِ الآتي متناً.
(٢١٤٨١) (قولُهُ: لا العَينِ) لأنّها حقُّ المالكِ أو حقُّ اللهِ تعالى على الخلافِ، ومنه يُؤخَذُ عدمُ
جوازِ قِسْمةِ حُصُرِ المسجدِ العتيقةِ بينَ المستحقّينَ، وكذا ما بَقِيَ من شمعِ رمضانَ وزيتِهِ للإِمامِ
والوقَّادِينَ، "حَمَويّ"، إلَّ إذا كانَ العُرفُ في ذلكَ الموضعِ أنَّ الإمامَ أو المؤذِّنَ يأخذُهُ بلا صريحٍ
إذِنِ الدَّافعِ فله ذلكَ كما في "البحر"(٦) عن "القنية(٧)، "ط "(٨).
قلتُ: وشجرُ الوقفِ ليسَ له حكمُ العينِ لِما في "البحر"(٩) عن "الفتح"(١٠): ((سُئِلَ
(قولُهُ: قلتُ: وشجرُ الوقفِ ليسَ له حكمُ العينِ إلخ) الَّذي في "هلال" من بابِ وقفِ الدَّارِ
والأرضِ على معيَّنِينَ: ((إنَّ ما يَبِسَ من الشَّجرِ المثمرِ حكمُهُ حكمُ النّقْضِ)).
(١) "الحاوي القدسي": كتاب الوقف - فصلٌ: رجلٌ جعل مسجداً تحته سرداب وفوقه بيت ق ١٠٠/أ.
(٢) في "ط" ((لا في)).
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٧/٥.
(٤) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٧/٥.
(٥) ص ٦٠٢ - وما بعدها "در".
(٦) "البحر": كتاب الوقف - فصل في أحكام المساجد ٢٧٠/٥.
(٧) "القنية": كتاب الوقف - باب في مسائل متفرقة ق ٩٤/أ - ب.
(٨) "ط": كتاب الوقف ٥٤٣/٢.
(٩) "البحر": كتاب الوقف ٢٢١/٥.
(١٠) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٢/٥.

حاشية ابن عابدين
٤٩٠
كتاب الوقف
(جُعِلَ شيءٌ) أي: جَعَلَ الباني شيئاً (مِن الطَّريقِ مَسجِداً).
"أبو القاسم الصَّفَّارُ" عن شجرةٍ وقفٍ بَيْسَ بعضُها وبَقِيَ بعضُها؟ قالَ: ما يَيْسَ منها فسبيلُهُ سبيلُ
غَلِّها(١)، وما بَقِيَ متروكٌ على حالِها، وفي "البزَّازِيَّةُ"(٢) عن "الفضليِّ": إنْ لم تكنْ مثمرةً يجوزُ
بيعُها قبلَ القَلْعِ؛ لأَنَّه علّتْها، والمثمرةُ لا تُباعُ إلَّ بعدَ القَلْعِ كبناءِ الوقفِ)) اهـ. وفي "جامع
الفصولَين"(٣): ((غَصَبَ وقفاً فنقَصَ فما يُؤخَذُ بنقصِهِ يُصرَّفُ إلى مَرَمَّتِهِ لا إلى أهلِ الوقفِ؛
لأَنَّه بدلُ الرَّقبةِ، وحقُّهم في الغَلَّةِ لا فِي الرَّقِبةِ)) اهـ.
[٢١٤٨٢] (قولُهُ: جُعِلَ شيءٌ) بالبناءِ للمفعولِ، و ((شيءٌ)) نائبُ فاعلٍ، والأصلُ ما فسَّرَ به
"الشَّارحُ"، وكانَ المناسبُ ذكرَ هذهِ المسائلِ فيما مرَّ(٤) من الكلامِ على المسجدِ.
[٢١٤٨٣] (قولُهُ: أي: جَعَلَ الباني) ظاهرُهُ: أنَّ أهلَ المَحَّةِ ليسَ لهم ذلكَ، وسنذكرُ(٥) ما يخالفُهُ.
[٢١٤٨٤] (قولُهُ: من الطَّريقِ) أطلقَ في الطَّريقِ(٦) فعمَّ النَّفَذَ وغيرَهُ، وفي عباراتِهم ما يؤيِّدُهُ،
(قولُهُ: أطلقَ في الطَّرِيقَ فعمَّ النَّافذَ وغيرَهُ إلخ) الظَّاهرُ: أَنَّه في غيرِ النَّافِذِ يُشترَطُ فيه ما يُشتَرطُ في
أخذِ أرضٍ بجوارِ المسجدِ؛ لأنَّه مملوكٌ لأهلِهِ، تأمَّل.
(١) في هامش "٢": ((قوله: فسبيلُهُ سبيلُ غَلّتها إلخ، نَقَلَ شيخُنا عن وقف "هلال" من باب وقف الدَّار أو الأرض
على معيَّنين: ((أَنَّ ما يَيْسَ من الشَّجر المثمرِ حكمُهُ حكمُ النّقض))، ثم قال: ((ويُحمَلُ كلامُ "الصَّفَّار" على
شجرة غير مثمرة؛ لأنّها تُزَرَعُ للغلّة ابتداءً، بخلاف المثمرة؛ فإنّه يُقَصَدُ الاستغلالُ بثمرها، فلا مخالفة بين كلامَيْ
"هلال" و "الصَّفَّار")) اهـ. ويُوافِقُ ما هنا ما نقله "البزَّازيُّ" عن "الفضليّ")).
(٢) "البزازية": كتاب الوقف - نوع في وقف المنقول ٢٦٠/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الثالث عشر في دعوى الوقف والشَّهادة عليه ١٨٠/١.
(٤) صـ ٤٢٧ - "در".
(٥) المقولة [٢١٤٩١] قوله: ((لا عكسُهُ)).
(٦) في هامش "م": ((قوله: أطلق في الطّريق فعمَّ إلخ، لكنَّ التعليلَ بقوله: ((لأنهما للمسلمين)) يَخُصُّ النَّافذَ؛ فإنَّ
المرادَ به: ((لعموم المسلمين))، وغيرُ النَّافذ ليس كذلك، بل هو لأناسٍ مخصوصين، فيكون حكمُهُ حكمَ الأرض
المملوكة بجوار مسجدٍ ضيِّقٍ، ويأتي حكمها)) اهـ.

الجزء الثالث عشر
٤٩١
كتاب الوقف
لضِيقِهِ ولم يَضُرَّ بالمارِّينَ (جاز)؛ لأنّهما للمُسلِمِينَ.
"ط"(١)، وتمامُهُ فيه.
[٢١٤٨٥] (قولُهُ: لضيقِهِ ولم يَضُرَّ بالمارِّينَ) أفادَ أنَّ الجوازَ مقيَّدٌ بهذينِ الشَّرطينِ، "طَ)(١).
مطلبٌ فِي جَعلِ شيءٍ من المسجدِ طريقاً
[٢١٤٨٦] (قولُهُ: جازَ) ظاهرُهُ: أَنَّ يصيرُ له حكمُ المسجدِ، وقد قالَ في "جامع الفصولَين"(٢).
((المسجدُ الَّذِي يُنَّخذُ من جانبِ الطَّريقِ لا يكونُ له حكمُ المسجدِ، بل هو طريقٌ بدليلٍ أَنَّه لو رُفِعَ
حوائِطُهُ عادَ طريقاً كما كانَ قبلَهُ)). اهـ "شُرُنِلالَّةَ"(٣).
قلتُ: الظَّاهرُ: أنَّ هذا في مسجدٍ جُعِلَ كُلُّهُ من الطّريقِ، والكلامُ فيما أُدخِلَ من الطَّريقِ في
المسجدِ، وهذا لا مانعَ من أخذِهِ حكمَ المسجدِ حيثُ جُعِلَ منه، كمسجدٍ مَكَّةَ والمدينةِ، وقد مرَّ(٤)
قبيلَ الوترِ والنَّوافلِ في بحثِ أحكامِ المسجدِ: ((أنَّ ما أُلحِقَ بمسجدِ المدينةِ مُلحَقٌ به في الفضيلةِ، نعم
تحرِّي الأوَّلِ(*) أَولى)) اهـ. فافهم.
(قولُ "الشَّارحِ": لأَنَّهما للمُسلِمِينَ) هذهِ العَلَّةُ إِنَّا تَظهَرُ فِي النَّافذِ خلافً لِما في "ط ".
(قولُهُ: قلتُ: الظّهرُ: أنَّ هذا في مسجدٍ جُعِلَ كُلُّهُ من الطّرِيقِ إلخ) الظَّاهرُ: أنَّ حكمَ المسحديَّةِ
في صورتَي جَعْلِ كلِّ الطَريقِ مسجداً أو بعضِهِ متحقّقَةٌ فيهما بدونٍ فرقٍ بينَ المسألتينِ، لكنْ ما دامَت
حوائطُهُ قائمةً، وإلاَّ عادَ طريقاً فيهما، كما يأتي ما يُفيدُ هذا ثَمّ كتبناهُ عَقِبَ هذا.
(١) انظر "ط": كتاب الوقف ٥٤٣/٢.
(٢) "جامع الفصولين": الفصل الثالث عشر في دعوى الوقف والشَّهادة عليه ١٨٨/١.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الوقف ١٣٦/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) ٢٠٩/٤ "در".
(٥) في هامش "الأصل": ((قوله: الأوَّل)) أي: المسجد الأوَّل، أي: المزيد فيه اهـ.

حاشية ابن عابدين
٤٩٢
كتاب الوقف
(كعَكسِهِ) أي: كحَوازِ عَكسِهِ، وهو ما إذا جُعِلَ في المسجدِ مَمَرٌّ لَتَعَارُفِ أهلٍ
الأمصارِ في الجوامعِ، وجاز لكلِّ أحدٍ أنْ يَمُرَّ فيه حتّى الكافرِ إلَّ الْجُنُبَ،
والحائضَ، والدَّوابَّ، "زيلعيّ"(١) ..
[٢١٤٨٧] (قولُهُ: كعَكسِهِ) فيه خلافٌ كما يأتي (٢) تحريرُهُ، وهذا عندَ الاحتياجِ كما قَّدَهُ في
"الفتح"(٣)، فافهم.
[٢١٤٨٨] (قولُهُ: لَتَعارُفِ أهلِ الأمصارِ في الجَوامعِ) لا نَعَلمُ ذلكَ في جوامعِنا، نَعَمْ تعارفَ
النَّاسُ المرورَ في مسجدٍ له بابانٍ، وقد قالَ في "البحر"(٤): ((وكذا يُكرَهُ أَنْ يُنَّخِذَ المسجدُ طريقاً
وأَنْ يدخلَهُ بلا طهارةٍ)) اهـ. نَعَمْ يوجدُ في أطرافِ صَحْنِ الجوامعِ رِوَاقاتٌ مسقوفةٌ للمشي فيها
وقتَ المطرِ ونحوِهِ لأجلِ الصَّلاةِ، أو للخروجِ من الجامعِ، لا لمرورِ المارِّينَ مطلقاً كالطَّريقِ العامّ،
ولعلَّ هذا هو المرادُ، فمَن كانَ له حاجةٌ إلى المرورِ في المسجدِ يَمُرُّ في ذلكَ الموضعِ فقط، ليكونَ
بعيداً عن المصلّينَ، وليكونَ أعظمَ حرمةً لمحلِّ الصَّلاةِ، فتأمَّل.
[٢١٤٨٩] (قولُهُ: حَتّى الكافرِ) اعتُرِضَ بأنَّ الكافرَ لا يُمنَعُ من دخولِ المسجدِ حَتَّى المسجدِ
(قولُ "الشَّارحِ": وهو ما إذا جُعِلَ في المسجدِ مَمَرٌّ إلخ) بالبناءِ للمفعولِ، والَّذي يظهرُ: أنَّ الجاعلَ
غيرُ الباني؛ إذ لو كانَ هو الباني ابتداءً لا مانعَ من دخولِ الجنبِ ونحوِهِ لعدمٍ مسحديَّتِهِ، لكنَّ التّعليلَ
بقولِهِ: ((لتعارفِ إلخ)) إنَّا يَدُلُّ: أنَّ البانيَ هو الَّذِي جَعَلَ بعضَ ما أحاطَ به البناءُ مَمَرًا، ولا يَظهَرُ منعُ
الجنبِ من دخولِهِ، ولو جعلَهُ الباني مَمَرّاً بعدَ انعقادِ مسجدَّتِهِ لا يَصِحُّ لخروجِهِ عن مِلْكِهِ، وتقييدُ جوازٍ
الجَعْلِ بالاحتياجِ يُفيدُ: أنَّ الجعلَ بعدَ انعقادِ مسجدَّتِهِ، وحينئذٍ لا فرقَ في كونِ الجاعلِ البانِيَ أو غيرَهُ،
ويظهرُ استثناءُ الجنبِ ونحوِهِ من المرورِ فيه.
(قولُهُ: ولعلَّ هذا هو المرادُ إلخ) لا يَصِحُّ أنْ يكونَ هذا مرادً معَ قولِ "الشَّارحِ": ((حتّى الكافرِ))
بل الظَّاهرُ: أنَّ المرورَ فيه جائزٌ لكلِّ أحدٍ ولو بدونِ حاجةٍ ما عدا ما استثنى.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الوقف - فصلٌ: ومن بنى مسجداً لم يزل مِلْكه عنه إلخ ٣٣٢/٣ بتصرف.
(٢) المقولة [٢١٤٩١] قوله: ((لا عكسُهُ)).
(٣) "الفتح": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجد بأحكامٍ إلخ ٤٤٥/٥.
(٤) "البحر": كتاب الوقف - فصل في بناء المساجد ٢٧١/٥.

الجزء الثالث عشر
٤٩٣
كتاب الوقف
(كما جازَ جَعْلُ) الإِمامِ (الطَّريقَ مَسجداً لا عَكِسُهُ)،
الحرامِ، فلا وجهَ لجعلِهِ غايةً هنا.
قلتُ: في "البحر"(١) عن "الحاوي)"(٢): ((ولا بأسَ أنْ يدخُلَ الكافرُ وأهلُ الذّمَّةِ المسجدَ
الحرامَ، وبيتَ المقدسِ، وسائرَ المساجدِ لمصالِحِ المسجدِ وغيرِها من المهمَّاتٍ)) اهـ. ومفهومُهُ: أنَّ في
دخولِهِ لغيرِ مهمَّةٍ بأساً، وبه يتَّجِهُ ما هنا، فافهم.
[٢١٤٩٠] (قولُهُ: كما جازَ إلخ) قالَ في "الشُُّ بِالَّةُ"(٣): ((فيه نوعُ استدراكٍ بما تقدَّمَ إلاّ أنْ
يُقالَ: ذاكَ في اتّخاذِ بعضِ الطَّريقِ مسجداً، وهذا في اتّخاذٍ جميعِها، ولا بدَّ من تقييدِهِ بما إذا
لم يضُرَّ كما تقدَّمَ، ولا شكَّ أنَّ الضَّرَ ظاهرٌ في اتّخاذِ جميعِ الطَّريقِ مسجداً؛ لإبطالِ حقِّ العامَّةِ
من المرورِ المعتادِ لدوابّهم [٣/ق١٢١/أ] وغيرِها، فلا يُقالُ به إلاَّ بالتّأويلِ: بأنْ يُرادَ بعضُ الطَّريقِ
لا كُلُّهُ، فليتأمَّل)) اهـ. وأجيبَ: بأنَّ صورتَهُ ما إذا كانَ لمقْصِدٍ طريقانٍ واحتاجَ العامَّةُ إلى مسجدٍ
فإِنَّه يجوزُ جعلُ أحدِهما مسجداً، وليسَ فيه إبطالُ حقّهم بالكلِّةِ.
[٢١٤٩١] (قولُهُ: لا عكسُهُ) يعني: لا يجوزُ أنْ يُتَّخذَ المسجدُ طريقاً، وفيه نوعُ مُدافَعَةٍ لِما
تقدَّمَ إِلَّ بالنّظرِ للبعضِ والكُلِّ، "شُرُ بلالَيَّةٍ"(٣).
قلتُ: إنَّ "المصنّفَ" قد تابعَ صاحبَ "الدُّرر " (٤)، معَ أَنَّه في "جامع الفصولَين" (٥) نَقَلَ أوّلاً:
((جَعَلَ شيئاً من المسجدِ طريقاً، ومن الطَّريقِ مسجداً جازَ))، ثمَّ رَمَزَ (٦) لكتابٍ آخرَ: ((لو جَعَلَ
(قولُهُ: وأجيبَ: بأنَّ صورتَهُ ما إذا كانَ لمقْصِدٍ طريقانِ إلخ) قلتُ: ومَن تحقَّقَ عبارةَ "الخانيّة"
و"الهنديَّة" المشارِ إليهما لم يَحْصِرْ على هذا التَّصويرِ. اهـ "سنديّ". وفيه: أنَّ عبارتَهما إنَّا هي فِي جَعْلٍ
بعضِ الطَريقِ لا في كلِّهِ كما هنا.
(١) "البحر": كتاب الوقف - فصلٌ في بناء المساجد ٢٧١/٥.
(٢) "الحاوي القدسي": كتاب الوقف - فصلٌ: رجلٌ جعل مسجداً تحته سرداب وفوقه بيت ق٩٩/ب، ١٠٠/أ.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الوقف ١٣٦/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٦/٢.
(٥) "جامع الفصولين": الفصل الثالث عشر في دعوى الوقف والشَّهادة عليه ١٨٧/١ - ١٨٨.
(٦) "جامع الفصولين: الفصل الثالث عشر في دعوى الوقف والشَّهادة عليه ١٨٨/١.

حاشية ابن عابدين
٤٩٤
کتاب الوقف
الطَّريقَ مسجدً يجوزُ لا جَعْلُ المسجدِ طريقاً(١)؛ لأَنَّه تجوزُ(٢) الصَّلاةُ فِي الطَّرِيقِ، فحازَ جعلُهُ
مسجداً ولا يجوزُ المرورُ في المسجدِ فلم يَجُزْ جعلُهُ طريقاً)) اهـ. ولا يَخفى أنَّ الُتبادِرَ أَنَّهما قولانِ
في جعلِ المسجدِ طريقاً بقرينةِ التّعليلِ المذكورِ، وَيُؤْيِّدُه ما في "الّار خانَّةَ(٣) عن "فتاوى أبي
اللّيث": ((وإنْ أرادَ أهلُ المَحَلَّةِ أنْ يجعلوا شيئاً من المسجدِ طريقاً للمسلمينَ فقد قيلَ: ليسَ لهم
ذلكَ، وإِنَّه صحيحٌ))، ثمَّنَقَلَ(٤) عن "العتابيَّةُ" عن "خُوَاهَر زاده": ((إذا كانَ الطَّرِيقُ ضيِّقاً
والمسجدُ واسعاً لا يحتاجونَ إلى بعضِهِ تجوزُ الزِّيادةُ في الطَريقِ من المسجدِ؛ لأنَّ كلَّها للعامَّةِ)) اهـ.
والمتونُ على الثَّاني فكانَ هو المعتمدَ، لكنَّ كلامَ المتونِ في جعلِ شيءٍ منه طريقاً، وأمَّا جعلُ كلِّ
المسجدِ طريقاً فالظَّاهِرُ: أَنَّه لا يجوزُ قولاً واحداً، نَعَمْ في "الَّتار خانيَّةً"(٤): ((سُئِلَ "أبو القاسم" عن
أهلٍ مسجدٍ أرادَ بعضُهم أن يجعلوا المسجدَ رَحَبَةً(٥) والرَّحبةَ مسجداً، أو يَتَّخذوا له باباً، أو يُحوِّلوا
بابَهُ عن موضعِهِ، وأَبى البعضُ ذلكَ، قالَ: إذا اجتمعَ أكثرُهم وأفضلُهم ليسَ للأقلِّ منعُهم)) اهـ.
٣٨٣/٣
قلتُ: ورَحَبةُ المسجدِ ساحتُهُ، فهذا إنْ كانَ المرادُ به جعلَ بعضِهِ رَحَبَةً فلا إشكالَ فيه،
(قولُهُ: بقرينةِ التَّعليلِ المذكورِ إلخ) لأَنَّه يُفيدُ عدمَ جوازِ جَعْلِ المسجدِ طريقاً كلاًّ أو بعضاً.
(١) ((فيه نظرٌ لأنَّ تعليلَ عدمٍ جواز جَعْلِ كلِّ المسجد طريقاً؛ وجوازٍ جَعْلِ كلِّ الطَّريقِ مسجدً؛ لا يلزم منه تغيُّرُ الحكم في
مسألةٍ أخرى وهي إدخالُ شيءٍ منهما بالآخر)) اهـ. من رسالة "الأجوبة النفائس" للشيخ خالد الأتاسي: صـ٩ -.
(٢) نقول: في النسخ جميعها: ((لا تجوز)) وهو خطأ، وما أثبتناه من عبارة "جامع الفصولين" هو الصواب، قال الشيخ العلامة
"خالد أفندي الأتاسي" مفتي حمص في رسالته "الأجوبة النفائس في أحكام المندرس من المقابر والمساجد والمدارس" ص٩ -:
((لفظة ((لا)) فيما نقله ابن عابدين عن "جامع الفصولين" من قوله: ((لأنه لا تجوز الصَّلاة في الطريق ... إلخ)) غير موجودة
فيما اطّلعت عليه من نسخ "جامع الفصولين" خطّاً وطبعاً فالظاهر أنها زائدة في نسخة ابن عابدين رحمه الله. اهـ، وانظر
"جامع الفصولين": الفصل الثالث عشر - دعوى الوقف والشهادة عليه: ١٨٨/١.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الوقف - الفصل الحادي والعشرون في المساجد ٨٤١/٥.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الوقف - الفصل الحادي والعشرون في المساجد ٨٤٢/٥.
(٥) في "القاموس": مادة ((رحب)): ((ورَحَبةُ المكانِ وتُسَكْنُ: ساحتُهُ ومُتِّسعُهُ)) اهـ.

الجزء الثالث عشر
٤٩٥
كتاب الوقف
الجَوَازِ(١) الصَّلاةِ في الطّريقِ لا المرورِ في المسجدِ.
وإنْ كانَ المرادُ جعلَ كلِّهِ فليسَ فيه إبطالُ(٢) من كلِّ جهةٍ؛ لأنَّ المرادَ تحويلُهُ بجعلِ الرَّحَبةِ مسجداً
بَدَّلَّهُ، بخلافٍ جعلِهِ طريقاً، تأمَّل. ثُمَّ ظاهرُ ما نقلناهُ: أنَّ تقييدَ "الشَّارِحِ"(٣) أوَّلاً: ((بالباني)) وثانياً:
((بالإمامِ)) غيرُ قيدٍ، نَعَمْ في "الَّار خانَّةُ(٤): ((وعن "محمَّدٍ" في مسجدٍ ضاقَ بأهلِهِ: لا بأسَ بأنْ
يُلحَقَ به من طريقِ العامَّةِ إذا كانَ واسعاً، وقيلَ: يَحِبُ أنْ يكونَ بأمرِ القاضي، وقيلَ: إنَّا يجوزُ إذا
فُتِحَت البلدةُ عَنْوةً لا لو صُلْحاً)).
[٢١٤٩٢] (قولُهُ: لجوازِ الصَّلاةِ فِي الطَّرِيقِ) فيه: أنَّ الصَّلاةَ في الطَّريقِ مكروهةٌ كالمرورِ
في المسجدِ، فالصَّابُ: ((لعدمِ جوازٍ (٥) الصَّلاةِ فِي الطَّريقِ)) كما قدَّمناهُ عن "جامع الفصولَين"(٦)،
يعني: أنَّ فيه ضرورةٌ، وهي أَنْهم لو أرادوا الصَّلاةَ في الطَّريقِ لم يَجُزْ، فكانَ في جعلِهِ مسجداً ضرورةٌ،
(قولُهُ: فيه: أنَّ الصَّلاةَ في الطَريقِ مكروهةٌ كالمرورِ إلخ) قد يُقالُ: إنَّ المرادَ أنَّ الصَّلاةَ في الطَريقِ الَّذي
جُعِلَ مسجداً جائزةٌ بلا كراهةٍ، فلذا جوَّزنا هذا الجَعْلَ لخروجِهِ عن كونِ الصَّلاةِ مكروهةً فيه، بخلافِ المسجدِ
فإنّه لا يَخْرُجُ عن المسحديَّةِ فلم يُحعَلْ طريقاً لُزُومِ المرورِ فيه، وهو غيرُ جائزٍ، تأمَّل. ثمَّ رأيتُ في "السِّنديِّ" ما
نصُّهُ: ((أنَّ الكراهةَ تَخْتَصُّ بحالٍ كونِهِ طريقاً، وأمَّا عندَ تغييرِهِ مسجداً فتنتفي الكراهةُ)) اهـ. فعلى هذا مرادُ
"الفصولَين" بقولِهِ: ((لعدمٍ جوازِ الصَّلاةِ في الطَّريقِ)) ما دامَ طريقاً، فلا ينافي ما في "الشَّارحِ"، ومُرَادُهُ أيضاً
يقولهِ: ((المسجدُ الَّذِي يُتَّخِذُ من جانبِ الطَّريقِ لا يكونُ له حكمُ المسجدِ بل هو طريقٌ إلخ)) ما بعدَ نَقْضِهِ؛
اللَّيلِ الَّذي ذكرَهُ، فلا ينافي ما ذكرَهُ "الشَّارِحُ" بقولِهِ: ((لجوازِ الصَّلاةِ في الطّريقِ)).
(١) في "ب": ((جواز)).
(٢) في "ك" : ((إبطال)).
( ٣) صـ ٤٩٠- ٤٩٣ - "در".
(٤) "التاتر خانية": كتاب الوقف - الفصل الحادي والعشرون في المساجد ٨٤٢/٥.
(٥) في هامش "م": ((قوله: فالصَّابِ لعدم جواز إلخ)) رأيت بخطّ شيخنا على هامش نسخته ما نصُّه: ((فيه: أنَّ المراد بالطَّريق
الذي حَازَتِ الصَّلاَةُ فِيه الطَّرِيقُ الذي جُعِلَ مَسْجِداً، ومثلُ هذا يُقالُ في قوله: لا المرورِ في الَسْجدِ)) اهـ.
(٦) ((لا وجه لما اعترض به العلاّمة "ابن عابدين" على "الشارح الحصكفي"، لأن عبارة "جامع الفصولين" في المقولة
السابقة هي جواز الصَّلاة في الطريق، وهي موافقة لعبارة "الفصول العمادية" وعليها مشى في "الدر المحمار"
و"الدرر والغرر")) اهـ. بتصرف من رسالة "الأجوبة النفائس" للشيخ خالد الأتاسي: ص٩ -.

حاشية ابن عابدين
٤٩٦
كتاب الوقف
(ُتُؤْخَذُ أرضٌ) ودارٌ وحانوتٌ (بَجَنبِ مَسجدٍ ضاقَ على النَّاسِ بالقيمةِ كُرْهاً)،
"درر"(١) و"عمادية". (جَعلَ) الواقفُ (الولايةَ لنفسِهِ ..
بخلافٍ جعلِ المسجدِ طريقاً؛ لأنَّالمسجدَ لا يَخرُجُ عن المسحديَّةِ أبداً فلم يَحُزْ؛ لأَنَّه يلزمُ المرورُ في
المسجدِ، ولا يخفى أنَّ المُتبادِرَ من هذا كونُ المرادِ مرورَ أيِّ مارٌّ ولو غيرَ جُنُبٍ، وهذا يُؤيِّدُ أنَّ هذا قولٌ
آخرُ، وقد علمتَ ترجيحَ خلافِهِ: وهو جوازُ جعلِ شيءٍ منه مسجداً، وتَسقُطُ حرمةُ المرورِ فيه للضَّرورةِ،
لكنْ لا تَسقُطُ عنه جميعُ أحكامِ المسجدِ، فلذا لم يَحُرِ المرورُ فيه لْجُبٍ ونحوِهِ كما مرَّ(٢)، فافهم.
(٢١٤٩٣] (قولُهُ: تُؤَخَذُ أرضٌ) في "الفتح"(٣): ((ولو ضاقَ المسجدُ وبجنِهِ أرضٌ وقفٌ عليه
أو حانوتٌ جازَ أنْ يُؤخَذَ ويُدخَلَ فيه)) اهـ. زادَ في "البحر"(٤) عن "الخانَيَّة "(٥): ((بأمرِ القاضي)).
وتقييدُهُ - بقولِهِ: ((وَقْفٌ عليه)) أي: على المسجدِ - يُفيدُ أَنَّها لو كانَت وقفاً على غيرِهِ لم يَجْزْ،
لكنَّ جوازَ أخذِ المملوكةِ كُرْهاً يُعيدُ الجوازَ بالأولى؛ لأنَّ المسجدَ للهِ تعالى، والوقفَ كذلكَ، ولذا
تَرَكَ "المصنّفُ" في شرحِهِ(٦) هذا القيدَ، وكذا في "جامع الفصولَين(٧)، تأمَّل.
[٢١٤٩٤] (قولُهُ: بالقيمةِ كُرْهاً) لِمَا رُوِيَ عن الصَّحابةِ رضيَ الله تعالى عنهم: ((لَمّا ضاقَ المسجدُ
(قولُهُ: لِمِد رُوِيَ عن الصَّحابةِ رضيَ الله تعالى عنهم: (لَمَّا ضاقَ المسجدُ الحرامُ أخذوا أرضينَ بِكُرٍْ)) إلخ)
في "شرح الوهبانيَّة": ((في الاستدلال بما ذُكِرَ على قولِ "أبي حنيفةً" نَظَرِّ، فإنَّ لا يُحِيزُ بيعَ أراضي مكَّةَ فِي الصَّحيحِ
ولا إجارتها أيضاً عندَهُ، فالباني إمَّا غاصبٌ أو مُستعِيرٌ فُيُؤمَرُ بأخذِ عِمارتِهِ وتُضافُ إلى المسجدِ لعدمٍ مُِّهِ إلخ)).
(١) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٦/٢.
(٢) ص ٤٩٢ - "در".
(٣) "الفتح": كتاب الوقف - فصل في أحكام المسجد ٤٤٥/٥.
(٤) "البحر": كتاب الوقف - فصل في بناء المساجد ٢٧٦/٥.
(٥) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً أو خاناً ٢٩٣/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "المنح": كتاب الوقف ١/ ق ٢٧٠/أ.
(٧) "جامع الفصولين": الفصل الثالث عشر في دعوى الوقف والشَّهادة عليه ١٨٧/١-١٨٨.

الجزء الثالث عشر
٤٩٧
كتاب الوقف
جازَ) بالإجماع، وكذا لو لم يَشترِط لأَحدٍ فالولايةُ له عند "الثّاني"، وهو ظاهرُ
المذهبِ، "نهر"(١)،.
الحرامُ أخذوا أرَضِين بكُرْهٍ من أصحابها بالقِيْمةِ وزادوا في المسجدِ الحرامِ)) (٢)، "بحر"(٣) عن
"الزَّلِعِيِّ"(٤)، قالَ في "نور العين": ((ولعلَّ الأخذَ كُرْهاً ليسَ في كلِّ مسجدٍ ضاقَ، بل الظَّاهرُ:
أنْ يختصَّ بها [إذا](٥) لم يَكُنْ في البلدِ [٣/ق١٢١ /ب] مسجدٌ آخرُ؛ إذ لو كانَ فيه مسحٌ آخرُ
يُمكِنُ دَفْعُ الضَّرورةِ بالذَّهابِ إليهِ، نَعَمْ فيه حَرَجٌ لكنَّ الأخذَ كُرْهاً أشدُّ حَرَجاً منه، ويُؤْيِّدُ ما
ذكرنا فِعْلُ الصَّحابةِ؛ إذ لا مسجدَ في مَكَّةَ سِوى المسجدِ الحرامِ)) اهـ
مطلبٌ في اشتراطِ الواقفِ الولايةَ لنفسِهِ
[٢١٤٩٥] (قولُهُ: جازَ بالإجماعِ) كذا ذكرَهُ "الزَّيلعيُّ)(٦)، وقالَ: ((لأنَّ شرطَ الواقفِ مُعَبَرٌ
فُيُراعَى، لكنَّ الَّذي في "القُدُورِيِّ)(٧): أَنَّه يجوزُ على قولِ "أبي يوسف"، وهو قولُ "هلال" أيضاً،
وفي "الهداية"(٨): أَنَّه ظاهرُ الرِّوايةِ))، وقد ردَّ العلاَّمةُ "قاسم" على "الزَّيلعيّ" دعواهُ الإجماعَ، بأنَّ
المنقولَ: أَنَّ اشتراطَها يُفسِدُ الوقفَ عندَ "محمَّدٍ" كما في "الذَّخيرة"، ونازعَهُ في "النَّهر"(٩) وأطالَ
وأطابَ، وحاصل ما ذكرَهُ: ((أَنَّ فيه اختلافَ الرِّوايةِ عن "محمَّدٍ"، واختلافَ المشايخِ في تأويلٍ
ما نُقِلَ عنه، وأنَّ "هلالاً" أدركَ بعضَ أصحابِ "أبي حنيفةً"؛ لأنّه ماتَ سنةَ خمسٍ وأربعينَ ومائتينٍ،
(١) "النهر": كتاب الوقف ق٣٥٥/ب بتصرف.
(٢) ذكره الطبري في "تاريخه" عن الواقدي قال: وفي هذه السنة (١٧ هـ) اعتمر عُمَرُ في رجب، وأَمَرَ بتحديد أنصاب الحرم، ووَسَّع
فيه، وهدم على أقوام أبوا أن يبيعوا، ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها، انظر "تاريخ الطبري" ٤٤/٥، وابن كثير
في "البداية" ٩٣/٧، والأزرقي في "تاريخ مكة" ١٥٧/٢-١٥٨، رقم الحديث (١٣٤٩) و(١٣٥٠) من طريق الواقدي.
وكذا ذكر الواقدي في توسعة عثمان عليه، وأنه زاد في الحرم ووسعه وابتاع من قوم وأبى آخرون فهدم عليهم،
ووضع الأثمان في بيت المال، وانظر الطبري ٢٥٠/٥، والأزرقي ١٥٨/٢ (١٣٥٠)، والبداية لابن كثير ١٧٠/٧.
(٣) "البحر": كتاب الوقف - فصل في بناء المساجد ٢٧٦/٥.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الوقف - فصلٌ: ومن بنى مسجداً لم يَزُلْ مِنْكد عنه إلخ ٣٣٢/٣.
(٥) ما بين منكسرين زيادة يقتضيها السِّياق.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الوقف - فصلٌ: ومن بنى مسجداً لم يُزُل مِنْكد عنه إلخ ٣٢٩/٣.
(٧) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الوقف ١٨٦/٢.
(٨) "الهداية": كتاب الوقف ١٨/٣.
(٩) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٥/ب.

حاشية ابن عابدين
٤٩٨
كتاب الوقف
خِلافاً لِما نقلَهُ "المُصنّفُ "(١)، ثمَّ لوصِّه إنْ كان، وإلاّ فللحاكم، "فتاوى
ابنِ نُحَيِمٍ"(٢) و"قارئ الهداية"(٣)، وسيجيءُ(٤)، ..
ولفظُ ((المشايخِ)) يُقالُ على مَن دونَهُ)) اهـ.
مطلبٌ في ترجمةِ "هلال" الرَّانِيّ البَصْرِيِّ
وفي "الفتح"(*): ((هلالٌ الرَّائِيُّ: هو هِلالُ بنُ يَحْبِى بِنِ مُسلِمٍ البَصرِيُّ، نُسِبَ إلى الرَّأي؛
لأَنّه كانَ على مذهبِ الكوفيينَ ورأيهم، وهو من أصحابِ "يُوسفَ بنِ خالد"(٦) البصريِّ،
و"يوسف" هذا من أصحابِ "أبي حنيفةً"، وقيلَ: إِنَّ "هلالاً" أَخَذَ العلمَ عن "أبي يوسفَ" و"زُفرَ"،
ووَقَعَ في "المبسوط)(٧) و"الذَّخيرة" وغيرِهما: الرَّازيّ، وفي "المغرب"(٨): هو تحريفٌ؛ لأنّه من البصرةِ
لا من الرَّيِّ، والرَّازيّ نسبةٌ إلى الرَّيِّ، وهكذا صُحِّحَ في "مسند أبي حنيفةً" وغيرِهِ)) اهـ.
[٢١٤٩٦] (قولُهُ: خلافاً لِما نقلَهُ "المصنِّفُ") أي: عن "السِّراجِيَّة"(٩) من أَنَّه لا يَصِحُّ هذا
الوقفُ عندَ "محمَّدٍ"، وبِهِ يُفتَى.
[٢١٤٩٧] (قولُهُ: وسيجيءُ) أي: في الفصلِ الآتي، وهو قولُ "المتنِ": ((ولايةُ نصبِ القيِّمِ إلى
الواقفِ ثُمَّ لوصِّهِ ثُمَّ للقاضي)).
(قولُهُ: وهو قولُ "المتنِ": ولايةُ نصبِ القيِّمِ إلى الواقفِ ثُمَّلوصِّهِ إلخ) فيه: أنَّ ما يأتي في نَصْبِ الْمُتولّي
لا فيمَن يستحقُّ الولايةَ، نَعَمْ ما ذكرَهُ "الشَّارحُ" فيما يأتي عَقِبَ قولِهِ: ((ثُمَّ لوصيِّهِ)) بقولِهِ: ((لقيامِهِ
مَقَامَهُ)) يُفيدُ أنَّ له الولايةَ كالواقفِ.
(١) "المنح": كتاب الوقف ١/ق ٢٧٠/أ.
(٢) "فتاوى ابن نجيم": كتاب الوقف صـ٩٣ - بتصرف (هامش "الفتاوى الغيائية").
(٣) "فتاوى قارئ الهداية": صـ٤٤ -.
(٤) صـ ٦١٥ - وما بعدها "در".
(٥) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٧/٥.
(٦) أبو خالد يوسف بن خالد بن عمر، السَّمتيُّ البصريُّ (ت ١٨٩ هـ). ("الجواهر المضية" ٦٢٦/٣، "طبقات الفقهاء"
للشِيرازي صـ١٣٦-، "الفوائد البهية" صـ ٢٢٧-).
(٧) لم نعثر على نسبة ((الرَّازي)) لهلال بن يخبى في مطبوعة "المبسوط" التي بين أيدينا.
(٨) "المغرب": مادة: ((رأي)).
(٩) "الفتاوى السراجية": كتاب الوقف - باب نصب القيِّم ١٢٢/٢-١٢٣ (هامش "فتاوى قاضي خان").

الجزء الثالث عشر
٤٩٩
كتاب الوقف
(ويُنزَعُ) وُجُوباً، "بزازيَّةِ"(١).
مطلبٌ: يأثمُ بتوليةِ الخائنِ
[٢١٤٩٨ ] (قولُهُ: ويُنْزَعُ وُجُوباً) مقتضاهُ: إِثُمُ القاضي بتركِهِ، والإِثْمُ بتوليةِ الخائنِ، ولا شكَّ
فيه، "بحر "(٢)، لكنْ ذَكَرَ في "البحر"(٣) أيضاً عن "الخصَّاف" (٤): ((أنَّ له عزلَهُ أو إدخالَ غيرِهِ
معَهُ))، وقد يُجابُ: بأنَّ المقصودَ رَفْعُ ضَرَرِهِ عن الوَقْفِ، فإذا ارتفعَ بضمِّ آخرَ إليه حَصَلَ المقصودُ،
قالَ في "البحر "(٥): ((وقدَّمنا أنّه لا يعزلُهُ القاضي بمجرَّدِ الطَّعنِ في أمانِهِ بل بخيانةٍ ظاهرةٍ بِّنةٍ، وَأَنَّه
إذا أخرجَهُ ونَابَ وأنابَ أعادَهُ، وأَنَّ امتناعَهُ من التَعميرِ خِيانةٌ، وكذا لو باعَ الوَقفَ أو بعضَهُ
أو تصرَّفَ تصرُّفاً غيرَ جائٍ عالِماً به)) اهـ. وقولُهُ: ((لا يعزلُهُ القاضي بمجرَّدِ الطَّعنِ إلخ)) سيذكرُهُ
"الشَّارِحُ"(٦) في الفُرُوعِ، ويأتي(٧) الكلامُ قريباً على حكمٍ عَزلِ القاضي بلا جنحةٍ، وسيأتي(1) في
الفصلِ قبيلَ قولِهِ: ((باعَ داراً)) حكمُ عَزْلِ الواقفِ للنَّظرِ.
(قولُ "الشَّارِحِ": ويُنزَعُ وجوباً إلخ) الَّذي حقَّقَهُ "السِّندِيُّ" بعبارةٍ طويلةٍ: ((أنَّ الوصيَّ أو المتولّيَ
المنصوبَ من الواقفِ أو القاضي لو لم يتحقَّقْ من أحدِهما خيانةٌ، وأرادَ مَن عدا قاضي القضاةِ عزلَهُ وإقامةً
غيرِهِ مُقَامَهُ ثَمّن هو أصلحُ منه وأورعُ فليسَ له ذلكَ، ولا يَتَولَّى ذلكَ إلَّ قاضي القضاةِ، وأمَّا عزلُ الخائنِ
وإقامةُ غيرِهِ ثَمَن يَحفَظُ الوقفَ وَيَعْمُرُهُ وَيَحَفِظُ ما بَقِيَ على مستَحِقّهِ، أو إقامةُ متولّي على وقفٍ لم يَكُنْ له
مُتَوَلِّ فلا يتوقّفُ على القاضي فضلاً عن قاضي القضاةِ، وإنَّ عزلَهُ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ يستطيعُهُ، فإنّه من
قبيلٍ إنكارِ المنكرِ، فُيحفَظْ هذا فإنّه نفيسٌ جدّاً)) اهـ. وهذا غريبٌ.
(١) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الثاني في نصب المتولِّ وما يملكه أو لا ٢٥٣/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٦٥/٥.
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٥٢/٥ بتصرف.
(٤) "أحكام الأوقاف": باب: الرّجل يقِفُ الأرضَ على قومٍ بأعيانهم إلخ صـ ٣٤٦ -.
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢٦٥/٥.
(٦) صـ ٦٦٤ - وما بعدها "در".
(٧) المقولة [٢١٥٠٥] قوله: ((فلو مأموناً لم تصحَّ توليةَ غيره)).
(٨) صـ ٦٣١ - "در".

حاشية ابن عابدين
٥٠٠
كتاب الوقف
(لوٍ) الواقفُ، "درر"(١)، فغيرُهُ بالأَولى.
مطلبٌ فيما يُعزَلُ بِهِ النَّاظِرُ
(تنبيةٌ)
إذا كانَ ناظراً على أوقافٍ متعدِّدةٍ وظهرت خيانتُهُ في بعضِها أفَتَى المفتي "أبو السُّعودِ" بأَنَّه
يُعزَّلُ من الكلِّ.
قلتُ: وَيَشْهَدُ له قولُهم في الشَّهادةِ: ((إنَّ الفِسْقَ لا يتجزَّى))، وفي "الجواهر": القيِّمُ إذا
لم يُراعِ الوقفَ يَعْزِلُهُ القاضي، وفي "خزانة المفتين": إذا زَرَعَ القيِّمُ لنفسِهِ يُخرِجُهُ القاضي من يدِهِ،
قالَ "البيريُّ": ((يُؤَخَذُ من الأوَّلِ أَنَّ النَّاظَرَ إذا امتنعَ من إعارةِ الكتبِ الموقوفةِ كانَ للقاضي
عَزْلُهُ، ومن الثَّاني لو سَكَنَ النَّاظِرُ دارَ الوقفِ ولو بأجرِ المثلِ له عَزَّلُهُ؛ لأَنَّه نَصَّ في "خزانة
الأكمل" أَنَّه لا يجوزُ له السُّكْنى ولو بأجرِ المِثْلِ)) اهـ. وفي "الفتح"(٢): ((أَنَّه ينعزِلُ بالجنونِ
المُطِقِ سنةً لا أقلَّ، ولو بَرِىءَ عادَ إليه النَّظرُ)) قالَ في "النّهر "(٣): ((والظَّاهرُ: أنَّ هذا في
المشروطِ له النَّظَرُ، أمَّا منصوبُ القاضي فلا))، وفي "البيريّ" أيضاً عن "أوقاف النَّاصحيّ":
((الواقفُ لو وَقَفَ على قومٍ ولا يُوصِلُ إليهم ما شَرَطَ لهم يَنْزِعُهُ القاضي من يدِهِ ويولِّيهِ
غيرَهُ)) اهـ. وينعزِلُ المتولّي من قِبَلِ الواقفِ بموتِ الواقفِ على قولِ "أبي يوسفَ" الْمُفْتَى به؛
لأَنَّه وكيلٌ عنه، إلاَّ إذا جعلَهُ قَيِّماً في حياتِهِ وبعدَ موتِهِ كما في "البحر "(٤).
٣٨٤/٣
[٢١٤٩٩] (قولُهُ: لو الواقفُ) أي: لو كانَ المتولِّي هو الواقفَ.
[٢١٥٠٠] (قولُهُ: فغيرُهُ بالأَولى) قالَ في "البحر "(٥): ((واستفيدَ منه: أنَّ للقاضي عَزْلَ الْمُنولِّي
(قولُهُ: وفي "الجواهر": القيِّمُ إذا لم يُراعِ الوقفَ يَعْزِلُهُ القاضي إلخ) وفي "خزانة الأكمل": ((الولايةُ
في الوَقْفِ للواقفِ إلَّ أنْ يكونَ خائناً فَنزِعُهُ القاضي من يدِهِ، وكذا لو أَّهِمَهُ فِي عِمارتِهِ أو حِفْظِ غَلَتِهِ)).
(١) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٦/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الوقف - الفصل الأول في المتولّي ٤٥١/٥.
(٣) "النهر": كتاب الوقف - فصلٌ: لَمَّ اختصَّ المسجد بأحكام إلخ ق ٣٥٦/أ.
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢١٢/٥.
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢٦٥/٥.