Indexed OCR Text

Pages 401-420

الجزء الثالث عشر
٤٠١
كتاب الوقف
بالنّظرِ للغَلَّةِ، والوصيَّةَ وإنْ رَدُّوا بالنّظرِ للغَيرِ وإنْ لم تَنفُذ لوَارِثِه؛ لأنَّها لم تَتمخَّض
له بل لغَيْرِهِ بعدَهُ،
الشَّرطُ، وإلاَّ كانَ النَّانِ مِلكاً بينَ الورثةِ والثُّلثُ وقفاً، معَ أنَّ الوصيّةَ للبعضِ لا تَنفُذُ
في شيءٍ؛ لأَنَّه لم يتمخَّض للوارثِ؛ لأنَّه بعدَهُ لغيرِهِ، فاعتُبِرَ الغيرُ بالنّظرِ إلى النُّلثِ، وَاعْتُبِرَ
الوارثُ بالنّظرِ إلى غلَّةِ الثّلثِ الَّذي صارَ وقفاً، فلا يُتْبَعُ الشَّرطُ مادامَ الوارثُ حيّاً، وإنًّا
تُقْسَمُ علّهُ هذا النُّلثِ على فرائضِ اللهِ تعالى، فإذا انقَرَضَ الوارثُ الموقوفُ عليه اعتُبرَ شرطُهُ
فِي غَلَّةِ النُّلثِ)) اهـ.
[٢١٣٠٩] (قولُهُ: بالنّظرِ للغلَّةِ) ولهذا الاعتبارِ قَسَموها كالنُّثينِ. اهـ "ح) (١).
[٢١٣١٠] (قولُهُ: والوصيّةَ) بالنَّصبِ عطفاً على قولِهِ: ((الوارثَ))، أي: واعتبروا
الوصيَّةَ بِالنّظرِ للغيرِ، وكانَ حقُّ العبارةِ أنْ يقولَ: واعتبروا الغيرَ بالنّظرِ إلى الوصيّةِ، أي:
إلى لزومِها، "ط" (٢).
١ ٢١٣١١) (قولُهُ: وإنْ رَدُّوا) أي: الورثةُ، أي: بقيَُّهم، "ط((٢)، وكذا لو رَدَّ كُلُّهم كما
قدَّمناهُ(٣) عن "الظَّهِيرِيَّة".
٢١٣١٢١] (قولُهُ: وإنْ لم تنفُذْ لوارثِهِ) الأوضحُ أنْ يقولَ: لعدمٍ نفاذِها للوارثِ، ويكونُ
علَّةً لقولِهِ: ((والوصيّةَ بالنَّظرِ للغيرِ))، يعني: إِنَّا اعتُبِرَ الغيرُ في لُزومِ الوصيّةِ لعدمِ نفاذِها
للوارثِ، "ط" (٤)
(٢١٣١٣] (قولُهُ: لأَنّها لم تَتَمخَّضْ له) عَلَّةٌ لقولِهِ: ((واعتَبَرُوا الوصيّةَ))، "ح"(٥).
(١) "ح": كتاب الوقف ق ٢٧٣ /أ- ب.
(٢) "ط": كتاب الوقف ٥٣٢/٢.
(٣) المقولة [٢١٣٠٣] قوله: ((ولو لوارثه إلخ)).
(٤) "ط": كتاب الوقف ٥٣٢/٢.
(٥) "ح": كتاب الوقف ق٢٧٣/ب.

حاشية ابن عابدين
٤٠٢
كتاب الوقف
٣٦٣/٣
فافهم.
[٢١٣١٤] (قولُهُ: فافهمْ) أمرَ بالفهمِ للقَّةِ المقامِ، ثمَّ اعلمْ أنَّ ما ذكرَهُ "الشَّارِحُ" من قولِهِ: ((قلتُ))
إلى هنا ليسَ هذا محلَّهُ؛ لأنَّ خروجَ المِلكِ بالقضاءِ أو بالتَّعليقِ بالموتِ تفريعٌ على قولِ "الإِمامِ"،
أو بيانٌ لمسألةٍ إجماعيَّةٍ كما يأتي(١) عن "النّهر"، وما ذكرَهُ هنا مصوَّرٌ في مسألةِ الوقفِ في المرضِ، فكانَ
عليه أنْ يَذكُرَهُ آخرَ البابِ عندَ الكلامِ على وقفِ المريضِ؛ لأنَّ ذِكرَهُ هنا يُوهِمُ أنَّ الوقفَ في المرضِ
يَلْزَمُ عندَ "الإِمامِ" نظيرَ التَّعليقِ بالموتِ وليسَ كذلكَ، ففي "البحر"(٢) عن "الهداية"(٣): ((ولو وَقَفَ
في مرضٍ موتِهِ، قالَ "الطَّحاويُّ": هو بمنزلةِ الوصيّةِ بعدَ الموتِ، والصَّحيحُ أَنَّه لا يَلزَمُ عندَ
"أبي حنيفةً"، وعندَهما يَلزَمُ إلَّ أَنَّه يُعتبرُ من النُّلثِ، والوقفُ في الصِّحَّةِ من جميعِ المالِ)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ ما ذكرَهُ "الشَّارِحُ" صحيحٌ من حيثُ الحُكمُ، لكنَّه على قولِهما، وظاهرُ
كلامِهم اعتمادُهُ، أمَّا على قولِ "الإِمامِ" الَّذي الكلامُ فيه فلا في الصَّحيحِ كما علمتَهُ من عبارةِ
"البحر"، والعجبُ ثَمّن نقلَ صدرَ عبارةِ "البحر" المذكورةِ ولم يَنظُرْ تمامَها، فافهم.
ثُمَّ هذا بخلافِ ما إذا أوصى أنْ تكونَ وَقْفاً بعدَ وفاتِه فإنَّ له الرُّجوعَ؛ لأَنّه وصيّةٌ بعدَ
(قولُهُ: أنَّ ما ذكرَهُ "الشَّارِحُ" من قولِهِ: ((قلتُ)) إلى هنا ليسَ هذا محلّهُ؛ لأنَّ خروجَ إلخ) قد
يقالُ: إنّه وإنْ كانَ مصوَّراً في مسألةِ الوقفِ في المرضِ إلَّ أَنَّه إنْ كانَ الوقفُ على الورثةِ أو بعضِهم
معلّقاً بالموتِ يكونُ الحُكمُ فيه كذلكَ، فلا مانعَ من ذكرِهِ هنا أيضاً، ويكونُ قد نَّهَ على أَنَّه إذا صَدَرَ
منه الإيقافُ على الورثةِ معلّقاً بالموتِ يكونُ حكمُهُ ما ذكرَهُ، فَذَكرَهُ لبيانِ حكمِهِ ولدفعِ توهُّمٍ أنَّ هذا
الوقفَ - الَّذي هو في الحقيقةِ وصيّةٌ - لا يَصِحُّ لكونِهِ وصيَّةً في المعنى، تأمَّل.
(قولُهُ: ثُمَّ هذا بخلاف ما إذا أوصى أنْ تكونَ إلخ) أي: ما وَقَفَهُ في مرضِهِ، قالَ "الخصَّاف": ((فما تقولُ
إنْ لم يقفْ في مرضِهِ ولكنْ أوصى أنْ تكونَ وقفاً بعدَ وفاتِهِ هل له الرُّجوعُ؟ قالَ: نعم، وليسَ هذا بمنزلةٍ ما
أَنْفَذَهُ في مرضِهِ وَأَّهُ، ألا ترى أنَّه لو برِئَ من مرضِهِ وصحَّ كانَت هذهِ الأرضُ وقفَ الصِّحَّةِ، وأنَّ الّذي أوصى
أنْ تكونَ أرضُهُ وقفاً بعدَ وفاتِهِ إلَّا هي وصيّةٌ بعدَ موتِهِ له الرُّجوعُ فيها وإبطالُها، فهما مفترقتانٍ)) اهـ.
(١) المقولة [٢١٣٣١] قوله: ((هذا بيان)).
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢١٠/٥.
(٣) "الهداية": كتاب الوقف ١٤/٣.

الجزء الثالث عشر
٤٠٣
کتاب الوقف
(أو بقولِهِ: وَقَفْتُها في حياتي وبعد وفاتي مُؤَّداً) فإنَّه جائزٌ عندَهُم، لكنْ عندَ
"الإمام": ما دام حَيّاً هو نَذرٌ بالتَّصدُّقِ بالغَلَّةِ، فعليه الوَفاءُ، وله الرُّجوعُ، ولو لم
يَرجِع حتّى مات جازَ مِن الثّلُث،
الموتِ، والَّذي نَجَّزَهُ في مرضِهِ يَصِيرُ وقفَ الصِّحَّةِ إذا بَرِئَ من مرضِهِ فافترقا كما
في "الخصَّاف"(١).
[٢١٣١٥) (قولُ: أو بقولِهِ إلخ) ذِكرُ الحياةِ والموتِ غيرُ قيدٍ؛ لإغناءِ التَّأبيدِ عنهُ، قالَ في
"الإسعاف"(٢): ((لو قالَ: أرضي هذهِ صدقةٌ موقوفةٌ مؤَّدةٌ جازَ عندَ عامَّةِ العلماءِ، إلاَّ أنَّ "محمَّداً"
اشترطَ الَّسليمَ إلى المتولّي، واختارَهُ جماعةٌ، وعندَ "الإِمامِ" يكونُ نذراً بالصَّقَةِ بِغَّةِ الأرضِ، ويَبْقَى
مِلكُهُ على حالِهِ، فإذا ماتَ تورَثُ عنهُ)) اهـ
[٢١٣١٦] (قولُهُ: فإنَّه جائزٌ عندَهم) أي: عندَ أثمَّتِنا الثَّلاثةِ، وهذا أيضاً تحويلٌ لكلامِ
"المصنّفِ" عن ظاهرهِ إصلاحاً له؛ لأنَّ كلامَهُ فيما يَزُولُ به المِلكُ عندَ "الإِمامِ)".
[٢١٣١٧] (قولُهُ: لكنْ إلخ) أفادَ: أَنَّه عندَ الصَّاحبينِ جائزٌ لازمٌّ، تأمَّل.
[٢١٣١٨] (قولُهُ: وله الرُّجوعُ) أي: معَ الكراهةِ كما قدَّمناهُ(٣) عن "الإسعاف".
[٢١٣١٩] (قولُهُ: جازَ من الثُّلثِ) ويكونُ كالعبدِ الموصَى [٣/ق١٠٨/ب] بخدمتِهِ لإِنسان،
فالخدمةُ له، والرَّقَبةُ على مِلكِ مالكِها، فلو ماتَ الموصَى لهُ يَصِيرُ العبدُ ميرانً لورثةِ المالكِ، إلاَّ أنَّ في
الوقفِ لا يُتَوهَّمُ انقطاعُ الموصَى لهم وهم الفقراءُ، فتأَبَّدُ هذهِ الوصيّةُ، "إسعاف"(٤) و"درر "(٥).
(قولُهُ: ذِكْرُ الحياةِ والموتِ غيرُ قيدٍ؛ لإغناءِ الَّأبيدِ عنهُ إلخ) فيه تأمُّلٌ، فإنَّ الكلامَ في لزومِ الوقفِ، ولا يَلزَمُ
إلّ بذكرِهما، ولو اقتصرَ على الَّأبيدِ يَبطُلُ الإِيقافُ بموتِهِ وتورَثُ عنه، نَعَمْ يَظهَرُ أنَّ ذِكرَ الحياةِ غيرُ قیدٍ .
(١) "أحكام الأوقاف": باب الوقف في المرضى صـ٢٤٨ -.
(٢) "الإسعاف": بابٌ في ألفاظ الوقف وأهله ومحلّه وحكمه ص٤ ١-١٥ -.
(٣) المقولة [٢١٢٥٣] قوله: ((والأصحُّ أَنَّه عنده جائزٌ إلخ)).
(٤) "الإسعاف": باب في ألفاظ الوقف وأهله ومحلّه وحكمه ص٥ ١ -.
(٥) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٣/٢ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٤٠٤
کتاب الوقف
قلتُ: ففي هذين الأمرَين له الرُّجوعُ ما دامَ حيّاً غَنّاً أو فقيراً بأمرٍ قاضٍ أو غيرِهِ،
"شُرنبلالَّة". فقولُ "الدُّرر"(١): ((لو افتَقرَ يَفسَخُهُ القاضي لو غيرَ مُسجَّلٍ)) منظورٌ فيه،.
[٢١٣٢٠) (قولُهُ: ففي هذين الأمرينِ) أي: فيما إذا علَّقَهُ بالموتِ، وفيما إذا قالَ: وقَفْتُها في حياتي
وبعدَ مماتي، وقد استوى الأمرانِ من حيثُ إنَّهما يُفيدانِ الخروجَ والُّزُومَ بموتِ الواقفِ، بخلافِ الأمرِ
الأَوَّلِ والرَّابِعِ - وهما: ما إذا حَكَمَ به حاكمٌ أو أفرزَهُ مسجداً - فإنّهما يُفيدانِ الخروجَ واللُّزومَ في
حياتِهِ بلا توقّفٍ على موتِهِ كما في "الشُّرُ نِبلاليّة"(٢)، فاللُّزُومُ فيهما حاليٌّ، وفي الآخرَيْنِ مآلِيٌّ.
[٢١٣٢١] (قولُهُ: له الرُّجوعُ) الظَّاهرُ: أنَّ هذا على قولِهِ، أمَّا على قولِهما فالظَّاهرُ: أَنَّه وقفٌ
لازمٌّ، لكنْ يُنافِيهِ ما قدَّمناهُ(٣) في تعليقِهِ بالموتِ من أَنَّه لا يكونُ وقفاً في الصَّحِيحِ، بل هو وصيّةٌ
لازمةٌ بعدَ الموتِ لا قبلَهُ، فله الرُّجوعُ قبلَهُ لِما يَلزَمُ على جعلِهِ وقفاً من جوازِ تعليقِهِ، والوقفُ
لا يَقبَلُ الَّعليقَ، تأمَّل. نعم لا تعليقَ في المسألةِ النَّانيةِ، فاللُّومُ فيها ظاهرٌ عندَهما.
(٢١٣٢٢] (قولُهُ: لو غيرَ مُسَخَّلٍ) أي: محكومٍ به، فأطلَقَ الَّسجيلَ - وهو الكتابةُ في السِّجلِّ -
وأرادَ ملزومَهُ وهو الحُكمُ؛ لأَنَّه في العَرفِ إذا حَكَمَّ بشيءٍ كُتُبَ فِي السِّحِلِّ، "ط)(٤).
[٢١٣٢٣] (قولُهُ: منظورٌ فيه) لأَنَّ في هذينِ الأمرَينِ لهُ الرُّجوعُ بلا اشتراطِ فقرٍ ولا فسخِ
قاضٍ على قولِ "الإِمامِ" كما علمتَهُ، وسيأتي(*) تمامُ الكلامِ على ذلكَ قبيلَ الفصلِ عندَ قولٍ
(قولُ "الشَّارحِ": فقولُ "الدُّرر": ((لو افتقرَ يَفْسَحُهُ القاضي لو غيرَ مسجَّلٍ)) منظورٌ فيه) أفادَ
"الرَّحمتيُّ" : ((أَنَّ صاحبَ "الدُّرر" لعلَّهُ شَرَطَ فقرَهُ لئلاَّ يكونَ راجعاً عن صدقِتِهِ بدونِ عذرٍ، وشرطَ
قضاءً القاضي لئلاّ يَنقُضَهُ آخرُ على مذهبهما)) اهـ، وهو وجية. اهـ "سنديّ".
(قولُهُ: يفيدان(٦) الخروجَ والُّزومَ إلخ) حقُّهُ: حذفُ لفظِ: ((الخروجَ)).
(قولُهُ: الظَّاهرُ: أنَّ هذا على قولِهِ، أمَّا على قولِهما فالظَّاهرُ أَنَّه وقفٌ إلخ) الأحسنُ أنْ يُقالَ فِي حَلِّ
(١) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ٢/ ١٣٨ بتصرف.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الوقف ١٣٣/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) المقولة [٢١٣٠١] قوله: ((أو بالموت إلخ)).
(٤) "ط": كتاب الوقف ٥٣٢/٢.
(٥) المقولة [٢١٥٥٤] قوله: ((يبع الوقف)) وما بعدها.
(٦) في "التقريرات": ((يفيد أنَّ)).

الجزء الثالث عشر
٤٠٥
کتاب الوقف
(ولا يَتِمُّ) الوَقفُ (حتّى يُقبَضَ) لم يَقل: للمُتولِّي؛ لأنَّ تسليمَ كلِّ شيءٍ بما يَلِيقُ به،
ففي المسجدِ بالإفرازِ، وفي غيرِهِ بنَصبِ الْمُتولِّي وبِتَسليمِهِ(١) إِيَّهُ، "ابن كمال" ..
"المصنّفِ": ((أُطلقَ القاضي بَيْعَ الوقفِ غيرِ المسخَّلِ لوارثِ الواقفِ(٢) فباعَ صحَّ، ولو لغيرِهِ لا)).
مطلبٌ: شروطُ الوقفِ على قولِهما
[٢١٣٢٤] (قولُهُ: ولا يَتِمُّ الوقفُ إلخ) شروعٌ في شروطِهِ على القَولِ بلزومِهِ كما أشارَ إليهِ
"الشَّارِحُ" بعدُ.
[٢١٣٢٥] (قولُهُ: لأنَّ تسليمَ إلخ) ولِيشمَلَ تسليمَهُ إلى الموقوفِ عليهم كما في "العزمِيَّة"
عن "الخانَيَّة" (٣).
[٢١٣٢٦] (قولُهُ: ففي المسجدِ بالإفرازِ) أي: والصَّلاةِ فيه كما سيأتي(٤)، وفي المقبرةِ بدفنِ
واحدٍ فصاعداً بإذنِهِ، وفي السِّقايةِ بشُربٍ واحدٍ، وفي الخانِ بنزولٍ واحدٍ من المارَّةِ، لكنَّ السِّقايةَ
الَّتي تَحتاجُ إلى صبِّ الماءِ فيها، والخانَ الَّذي يَنْزِلُهُ الحاجُّ بمكَّةَ والغزاةُ بالَّغْرِ لا بدَّ فيهما من
الَّسليمِ إلى المتولّي؛ لأنَّ نزولَهم يكونُ فِي السَّنَةِ مرَّةٌ، فَيَحتاجُ إلى مَن يقومُ بمصالحِهِ، وإلى مَن
يَصُبُّ الماءَ فيها، "إسعاف "(٥).
[٢١٣٢٧) (قولُهُ: وفي غيرِهِ) أي: غيرِ المسجدِ ونحوِهِ ثَمّا ذكرنا، وفي "القُهستانِيِّ)" (٦): ((أَنَّ
التّسليمَ ليسَ بشرطٍ إذا جَعَلَ الواقفُ نفسَهُ قَيِّمً، ولا يُعتَبَرُ الَّسليمُ للمشرفِ؛ لأَنَّه حافظٌ لا غيرُ)) اهـ.
عبارةٍ "الشَّارحِ": هذا على قولِهِ، أمَّا على قولِهما فكذلكَ في الأوَّلِ لا الثّاني.
(قولُهُ: وفي "القُهِستانيِّ": أنَّ الَسليمَ ليسَ بشرطٍ إذا جَعَلَ الواقفُ نفسَهُ قَيِّماً إلخ) عبارةُ "القُهِستانيّ":
(١) في " و": ((وتسليمه)).
(٢) في "الأصل": ((الوقف)).
(٣) "الخانية": كتاب الوقف ٢٨٥/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) المقولة [٢١٣٥٩] قوله: ((بالفعل)).
(٥) "الإسعاف": باب في ألفاظ الوقف وأهله ومحلّه وحكمه - فصل في بيان ما يتوقَّفُ جواز الوقف عليه صـ١٩ -.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الوقف ١٦٢/٢ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٤٠٦
كتاب الوقف
(ويُفرَزَ) فلا يَجُوزُ وَقفُ مُشاعٍ يُقْسَمُ خِلافاً لـ "الثَّانِي") ..
لكنْ فيه: أنَّ مَن شَرَطَ التَّسليمَ - وهو "محمَّدٌ" - لم يُصحِّحْ توليةَ الواقفِ نفسَهُ، ومَن صحَّحَها
- وهو "أبو يوسفَ"(١) - لم يَشترطْهُ، تأمَّل.
[٢١٣٢٨] (قولُهُ: ويُفرَزَ) أي: بالقسمةِ، وهذا الشَّرطُ وإنْ كانَ مفرَّعاً على اشتراطِ القبضِ؛
لأنَّ القسمةَ من تمامِهِ إلَّ أَنَّه نصَّ عليه إيضاحاً، و"أبو يوسف" لَمّا لم يشترطِ التّسليمَ أجازَ وقفَ
المشاعِ، والخلافُ فيما يَقبَلُ القسمةَ، أمَّا ما لا يَقبَلُها كالحمَّامِ والبئرِ والرَّحَا فَيَجُوزُ اتفاقاً،
إلاَّ في المسجدِ والمقبَرةِ؛ لأنَّ بقاءَ الشّركةِ يَمنَعُ الخلوصَ للهِ تعالى، "نهر "(٢) و"فتح"(٣).
[٢١٣٢٩) (قولُهُ: فلا يَجُوزُ وقَفُ مُشاعٍ يُقْسَمُ إلخ) شَمِلَ ما لو استُحِقَّ جزءٌ من الأرضِ شائعٌ
فَطُلُ في الباقي؛ لأنَّ الشُُّوعَ مقارٌِ كما في الهبةِ، بخلافِ ما لو رَجَعَ الوارثُ في الُّئِينِ بعدَ موتِ
الواقفِ في مرضِهِ وفي المالِ ضيقٌ؛ لأَنَّه شيوعٌ طارٍ، ولو استحقَّ جزءٌ معَيَّنٌ لم يَبطُلْ في الباقي لعدمٍ
الشُّيُوعِ، "بحر"(٤) عن "الهداية (*)، ولو بينهما أرضٌ وَقَفَاها ودَفَعَاها معاً إلى قيّمٍ واحدٍ جازَ اتّفاقاً؛
لأنَّ المانعَ من الجوازِ عندَ "محمَّدٍ" هو الشُُّوعُ وقتَ القبضِ لا وقتَ العقدِ، ولم يُوجَدْ ههنا
لوجودِهما معاً منهما، وكذا لو وَقَفَ كلٌّ منهما نصيبَهُ على جهةٍ وسلَّماهُ معاً لقّيِّمٍ واحدٍ؛
٣٦٤/٣
((وهذا - يعني: اشتراطَ الَّسليمِ للَّظرِ على قولِ "محمَّدٍ " - إذا لم يَشترطِ الولايةَ لنفسِهِ، وإلاَّ فقد سَقْطَ اشتراطُ
الَّسليمِ)) اهـ. ويَندَفِعُ توقُّفُ "المحشّي" بما يأتي في الشَّرَحِ: أنَّ اشتراطَها لنفسِهِ جائزٌ بالإجماعِ كما نُقِلَ ذلكَ
عن "الزَّيلعيّ" وإنْ نُوزِعَ في دعواهُ الإجماعَ، والذي في "النّهر ": ((أنَّ عن "محمَّدٍ " روايتينِ كما سيأتي له))، تأمَّل.
(١) في هامش "م" قوله: ((وهو "أبو يوسفَ" لم يَشترِطْه، تأمَّل)) قال شيخُنا: لكنْ يأتي في الشَّارح نقلُ الإجماعِ عن
"الزيلعيِّ" على صِحَّة جَعْلِ الواقفِ نفسَه قَيِّماً لكن ناقَشَ "الزيلعيَّ" "العلاّمةُ قاسمٌ" في حكايةِ الإجماع، ونَقَلَ
المحشّي انتصارَ صاحبِ "النَّهِ" لـ "الزيلعي": بأنَّ عن "محمَّدٍ" في هذه المسألة روايتين، فحكاية الإجماعِ صحيحةٌ
على إحداهما، وعلى هذه الرِّواية يُحمَلُ كلامُ "القُهستانيِّ" اهـ.
(٢) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٢/ب.
(٣) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢٦/٥ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢١٣/٥ بتصرف.
(٥) "الهداية": كتاب الوقف ١٥/٣ بتصرف.

الجزء الثالث عشر
٤٠٧
كتاب الوقف
(ويُجعَلَ آخِرُهُ لجهةِ) قُربةٍ (لا تَنقطِعُ) هذا بيانُ شرائطِهِ الخاصَّةِ على قولِ "محمَّدٍ"؛ ....
لعدمِ الشُُّوعِ وقتَ القبضِ، وكذا لو اختَلَفا في وقفَيهما جهةً وقِيِّماً وأنَّحدَ زمانُ تسليمِهما لهما، أو
قالَ كلٌّ منهما لقّيِّمِهِ: اقِبِضْ نصيبي معَ نصيبِ صاحِبِي؛ لأَنَّهما صارا كمُتَوَلِّ واحدٍ، بخلافٍ ما لو
وَقَفَ كلُّ واحدٍ وحدَهُ وسلَّمَ لقّيِّمِهِ وحدَهُ فلا يَصِحُّ [١٠٩/٣/أ] عندَ "محمَّدٍ"؛ لوجودِ الشُُّوعِ وقتَ
العقدِ وتمكِّنِهِ وقتَ القبضِ، "إسعاف"(١)، وفيهِ أيضاً: ((وقَفَتْ دارَها على بناتِها الّلاثِ ثُمَّ على
الفقراءِ، ولا مالَ لها غيرُها ولا وارثَ غيرُ هنَّ، فالُلثُ وقفٌ والتُّلثانِ ميراثٌ لهنَّ، وهذا عندَ
"أبي يوسف" خلافاً لـ "محمَّدٍ")) اهـ، أي: لأَنَّه مُشاعٌ(٢) حيثُ لم تَقْسِمْهُ بِينَهنَّ.
مطلبٌ في الكلامِ على اشتراطِ التَّبيدِ
[٢١٣٣٠] (قولُهُ: ويُجعَلَ آخِرُهُ لجهةِ قُربةٍ لا تَنْقِطِعُ) يعني: لا بدَّ أنْ يُنَصَّ على التَّأبيدِ عندَ
"محمَّدٍ" خلافاً لـ "أبي يوسف". اهـ "ح"(٣)، ويأتي(٤) بيانُهُ، وهذا في غيرِ المسجدِ؛ إذ لا مخالفةً
ل "محمَّدٍ" في لزومِهِ، بل هو موافقٌ لـ "الإِمامِ" فيهِ، وتمامُهُ في "الشُّرُ بِلالَة" (٥).
(٢١٣٣١] (قولُهُ: هذا بيانُ) أي: ما ذَكَرَهُ "المصنّفُ " تبعاً لـ"الكنز"(٦) وغيرِهِ من قولِهِ:
((ولا يَتِمُّ حَتَّى يُقْبَضَ))، وأشارَ إلى ما في "الَّهر"(٧) حيثُ قالَ: ((فإنْ قلتَ: هذا منافٍ لقولِهِ أوَّلاً:
(قولُهُ: أي: لأَنَّه مُشاعٌ حيثُ لم تقسِمْهُ بينَهنَّ) لم يَظهَرْ هذا التَّعليلُ، وإذا سلَّمَتهنَّ بدونٍ قسمةٍ
يصحُّ التّسليمُ، والظَّاهرُ: أنَّ عدمَ الصِّحَّةِ عندَ "محمَّدٍ" لعدمِ التَّسليمِ لا للشُُّوعِ، تأمَّل.
(١) "الإسعاف": باب بيان ما يجوز وقفه وما لا يجوز إلخ - فصل في وقف المشاع وقسمته صـ٣٠ -.
(٢) في هامش "م" قوله: ((لأَنّه مُشاعٌ إلخ)) فيه: أَنَّه هذا الشُُّوعُ طارٍ، وهو لا يَقتضِي بطلانَ الوقفِ عند "محمَّدٍ"، فهذا التعليلُ
غيرُ مستقيمٍ، قال شيخنا: والظَّاهر: أنَّ عِلَةَ بُطلانِ هذا الوقفِ عند "محمدٍ" عدمُ التّسليم إلى المتولّي، وقولُ المحشِّي: ((حيث
لم تَقْسِمْه إِلَخ)) غيرُ ظاهرٍ، فليُتأمَّل فيه؛ فإنّه لم يَقُّلِ أَحَدٌ باشتراط القِسمةِ بين الموقوف عليهم اهـ.
(٣) "ح": كتاب الوقف ق ٢٧٣/ب.
(٤) المقولة [٢١٣٣٣] قوله: ((وجعله "أبو يوسف" كالإِعتاق)).
(٥) انظر "الشرنبلالَّة": كتاب الوقف ١٣٣/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٦) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الوقف ٢٤٤/١.
(٧) "النهر": کتاب الوقف ق٣٥٢/ب.

حاشية ابن عابدين
٤٠٨
كتاب الوقف
لأَنَّه كالصَّدقةِ، وجَعلَه "أبو يوسفَ" كالإعتاق،.
والمِلكُ يَزُولُ بالقضاء؛ إذ مُفادُّهُ أَنَّه لا يَزُولُ بغيرِهِ ولو توفَّرَت هذهِ الشُّروطُ! قلتُ: الأولى أنْ
يُحمَلَ ما قالَهُ أوَّلاً على مسألةٍ إجماعيَّةٍ هي أنَّ الِلْكَ بالقضاءِ يَزُولُ، أمَّا إذا خلا عن القضاءِ
فلا يَزُولُ إلاّ بعدَ هذهِ الشُّروطِ عندَ "محمَّدٍ"، واختارَهُ "المصنّفُ" تبعاً لعامَّةِ المشايخِ وعليه الفتوى،
وكثيرٌ من المشايخِ أَخذوا بقولِ "أبي يوسف"، وقالوا: إنَّ عليه الفتوى، ولم يُرجِّحْ أحدٌ قولَ
"الإمامِ"، وبهذا التّقريرِ اندفعَ ما في "البحر"(١)، كيفَ مشى أوَّلاً على قولِ "الإمامِ" وثانياً على قولٍ
غيرِهِ؟! وهذا ثَمّا لا ينبغي، يعني: في المتونِ الموضوعةِ لتَّعليمِ)) اهـ.
[٢١٣٣٢] (قولُهُ: لأَنَّه كالصَّدقةِ) أي: فلا بُدَّ من القبضِ والإفرازِ. اهـ "ح"(٣).
(٢١٣٣٣] (قولُهُ: وَجَعَلَهُ "أبو يوسفَ" كالإعتاقِ) فلذلكَ لم يَشتَرِطِ القبضَ والإفرازَ. اهـ
"ح"(٣)، أي: فَيَلزَمُ عندَهُ بمجرَّدِ القولِ كالإِعتاقِ بجامعٍ إسقاطِ المِلكِ، قالَ في "الدُّرر " (٤):
((والصَّحيحُ أنَّ الَّبيدَ شرطٌ اتفاقً، لكنَّ ذِكرَهُ ليسَ بشرطٍ عندَ "أبي يوسفَ"، وعندَ "محمَّدٍ"
لا بُدَّ أنْ يُنَصَّ عليه)) اهـ. وصحَّحَهُ في "الهداية"(٥) أيضاً.
مطلبٌ مهمٌّ: فرَّقَ "أبو يوسف" بينَ قولِهِ: موقوفةٌ وقولِهِ: موقوفةٌ على فلان
وقالَ في "الإسعاف" (٦): ((لو قالَ: وَقَقتُ أرضي هذهِ على ولدِ زيدٍ، وذَكَرَ جماعةٌ بأعيانِهم
لم يَصِحَّ عندَ "أبي يوسف" أيضاً؛ لأنَّ تَعِينَ الموقوفِ عليهِ يَمنَعُ إرادةَ غيرِهِ، بخلافِ ما إذا لم
يعيِّنْ؛ لجعلِهِ إَِّاهُ على الفقراءِ، ألا تَرَى أَنَّه فرَّقَ بينَ قولِهِ: (موقوفةٌ) وبينَ قولِهِ: (موقوفةٌ
على ولدِي)، فصَخَّحَ الأَوَّلَ دونَ الثَّاني؛ لأنَّ مُطلَقَ قولِهِ: (موقوفةٌ) يُصرَفُ إلى الفقراءِ عُرْفاً،
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢١٢/٥.
(٢) "ح": كتاب الوقف ق ٢٧٣/ب.
(٣) لم نعثر على هذا النقل في نسخة "ح" التي بين أيدينا.
(٤) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٣/٢ بتصرف.
(٥) "الهداية": كتاب الوقف ١٥/٣.
(٦) "الإسعاف": باب في ألفاظ الوقف وأهله ومحلّه وحكمه - فصل في بيان ما يتوقف جواز الوقف عليه صـ٢١ -.

الجزء الثالث عشر
٤٠٩
كتاب الوقف
فإذا ذَكَرَ الولدَ صارَ مقيَّداً، فلا يبقى العرفُ، فظَهَرَ بهذا: أنَّ الخلافَ بينَهما في اشتراطِ ذكرٍ
التَّبيدِ وعدمِهِ إنَّا هو في النّصيصِ عليه، أو على ما يَقُومُ مَقَامَهُ كالفقراءِ ونحوِهم.
مطلبٌ: التَّأبيدُ معَنَّى شرطٌ اتفاقاً
وأمَّا الَّأبيدُ معَنَّى فشرطٌ اتفاقً على الصَّحِيحِ، وقد نَصَّ عليه محقّقو المشايخِ)) اهـ.
قلتُ: ومقتضاهُ: أنَّ المقيَّدَ باطلٌ اتّفاقاً، لكنْ ذَكَرَ في "البزَّازِيَّة"(١): ((أَنَّ عن "أبي يوسف"
في الَّابِيدِ روايَتَينِ: الأُولى: أَنَّه غيرُ شرطٍ، حَتَّى لو قالَ: وَقَفَتُ على أولادي ولم يَزِدْ جازَ الوقفُ،
(قولُهُ: لكنْ ذكرَ في "البزَّازِيَّة": أنَّ عن "أبي يوسفَ" في الّأبيدِ روايتينِ إلخ) ذكرَ "السِّنديُّ" عندَ قولِهِ
سابقاً: ((واكتفى "أبو يوسف" بلفظٍ: موقوفةٌ)) ما نصُّهُ: ((وذِكرُ الوقفِ وحدَهُ أو الحبسِ معَهُ يَتْبُتُ به الوقفُ
على ما هو المختارُ، وهو قولُ "أبي يوسفَ" رحمه الله تعالى، كذا في "الغيائيّة"، ولو قالَ: أرضي هذهِ موقوفةٌ
على فلان أو ولدي أو فقراءٍ قرابتي وهم يُحصَونَ، أو على اليتامَى ولم يُرِدْ به جنسَهُ لا يَصيرُ وقفاً عندَ "محمَّدٍ"؛
لأَنَّه وَقَفَ على شيءٍ يَنقطِعُ وينقرِضُ ولا يَتأَبَّدُ، وعندَ "أبي يوسفَ" يَضِحُّ؛ لأنَّ التَّأبيدَ عندَهُ ليسَ بشرطٍ،
كذا في "محيط السَّرْخسيِّ")) اهـ، ونقلَهُ في "الهنديَّة"، وهو موافقٌ لِما في "البزَّازِيَّة"، فالأَولى أنْ يقالَ: إنَّ عن
"أبي يوسف" طريقتَينِ: ما ذكرَهُ "البزَّازِيُّ"، وما ذكرَهُ في "البحر": (أَنَّه ظاهرُ "المجتبى"))، تأمَّل. ثمَّ رأيتُ في
"الَّمَّة" ما يؤيِّدُ "البزَّازِيَّة"، ونصُّهُ: ((الَّابِيدُ شرطٌ عندَ "محمَّدٍ"، حَتَّى لو وقَفَهُ على جهةٍ يُتُوهَّمُ انقطاعُها - بأنْ
وَقَفَ على أولادِهِ وأولادٍ أولادِهِ ولم يَجعلْ آخرَهُ للفقراءِ - لا يَصِحُّ الوقفُ، وعلى قولِ "أبي يوسفَ" التَّأبيدُ
ليسَ بشرطٍ، حَتَّى إِنَّ في هذهِ المسألةِ يَصِحُّ الوقفُ عندَهُ، ثمَّقالَ: وبعضُ مشايخِنا قالوا: لا خِلافَ أنَّ التَّبيدَ شرطُ
صحَّةِ الوقفِ، وإنَّ الخلافُ في تلكَ المسألةِ في شيءٍ آخرَ: أنَّ عندَ "أبي يوسف" يُبُتُ التَّبِيدُ بنفسِ الوقفِ من غيرِ
اقترانِ شيءٍ آخرَ به، ثمَّ قالَ: ولَمَّا كانَ من مذهبِ آبي يوسف" أنَّ الَّبِيدَ يثُبُتُ بنفسِ الوقفِ فإذا ماتَ أولادُهُ
تُصرَفُ الغَّةُ إلى الفقراءِ)) اهـ. ويؤيِّدُه أيضاً ما ذَكَرَهُ في أوَّلِ وقفِ "الأنقرويَّةُ"، وذَكَرَ نحوَ ذلكَ في "المنبع"،
ومثلُ ذلكَ في كثيرٍ من كتبِ المذهبِ، وفي "الدُّرر": ((أَنَّ النَّبيدَ شرطٌ اتفاقاً، لكنْ ذِكرُهُ ليسَ بشرطٍ عندَ "أبي
يوسفَ"؛ لأنَّ قولَهُ: وَقَفْتُ أو تصدَّقْتُ يقتضي الإزالةَ إلى اللهِ تعالى، وهو يَقْتَضِي التَّبيدَ، فلا حاجةً إلى ذكرِهِ)) اهـ.
(١) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الأول في المقدمة ٢٤٨/٦ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
٤١٠
كتاب الوقف
وإذا انقرضوا عادَ إلى مِلكِهِ لو حيًّ، وإلاَّ فإلى مِلكِ الوارثِ. والثّانيةُ: أَنَّه شرطٌ، لكنَّ ذِكرَهُ غيرُ
شرطٍ، حَتّى تُصرفُ الغَلَّةُ بعدَ الأولادِ إلى الفقراءِ)) اهـ. ومقتضاهُ: أَنَّه على الرِّوايةِ الأُولى يَصِحُّ
كلٌّ من الوقفِ والنَّقَبِيدِ، وعلى الثّانيةِ يَصِحُّ الوقفُ ويَبطُلُ الَّقْبِيدُ، لكنْ ذكرَ في "البحر" (١): ((أَنَّ
ظاهرَ "المجتبى" و"الخلاصة"(٢): أنَّ الرِّوايتينِ عنه فيما إذا ذَكَرَ لفظَ الصَّدقةِ، أمَّا إذا ذَكَرَ لفظَ
الوقفِ فقط لا يَجُوزُ اتفاقاً إذا كانَ الموقوفُ عليه معيّناً)) اهـ.
قلتُ: ويَشهدُ له ما في "الذَّخيرة": ((لو قالَ: أرضي هذهِ صدقةٌ موقوفةٌ فهي وقفٌ
بلا خلافٍ إذا لم يُعِّنْ إنساناً، فلو عيَّنَ وذَكَرَ معَ لفظِ الوقفِ لفظَ: صدقةٌ، بأنْ قالَ: صدقةٌ
موقوفةٌ على فلانٍ جازَ، ويُصرَفُ بعدَهُ إلى الفقراءِ، ثمَّ ذَكَرَ بعدَهُ عن "المنتقى": أَنَّه يجوزُ ما دامَ
فلانٌ حَيًّا، وبعدَهُ يرجعُ إلى مِلكِ الواقفِ أو إلى ورثِهِ بعدَهُ)) اهـ. وفيها أيضاً: ((لو عيَّنَ كـ: وَقَفْتُها
على فلانٍ لا يجوزُ)) اهـ. فهذا يَدُلُّ على أنَّ الرِّوايتينِ عن "أبي يوسفَ" فيما إذا ذَكَرَ لفظَ:
((صدقةٌ)) معَ ((موقوفةٌ)) وعيَّنَ الموقوفَ عليه، أمّا إذا لم يعِّنهُ يجوزُ بلا خلافٍ [٣/ ق ١٠٩/ب]،
وإذا أَفَرَدَ: ((موقوفةٌ)) وعَّنَ لا يجوزُ بلا خلافٍ، خلافاً لِما في "البزَّازِيَّة"(٣)، حيثُ جَعَلَ الرِّوايتينِ
فيه، فإنَّه يقتضي صحَّةَ الوقفِ، ويخالفُهُ أيضاً كلامُ "الإسعاف(٤)، وقولُهُ في "الهداية"(٥): ((وقيلَ:
إِنَّ الَّبيدَ شرطٌ بالإجماعِ، إلاَّ أنَّ عندَ "أبي يوسف" لا يُشترَطُ ذِكرُّهُ؛ لأنَّ لفظَ الوقفِ والصَّقةِ مُنْبِئٌّ
عنهُ، ولهذا قالَ في "الكتاب"(٦): وصارَ بعدَها للفقراءِ وإِنْ لم يُسمِّهم، وهذا هو الصَّحيحُ، وعندَ
"محمَّدٍ" ذِكرُهُ شرطٌ إلخ)) فقولُهُ: ((لأنَّ لفظَ الوقفِ والصَّدقةِ)) يُفيدُ أنَّ الكلامَ في ذكرِهما معاً،
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢١٤/٥.
(٢) "الخلاصة": كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّة الوقف وفساده ق ٣٢٣/أ.
(٣) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الأول في المقدمة ٢٤٨/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الإسعاف": باب في ألفاظ الوقف وأهله ومحلّه وحكمه - فصل في بيان ما يتوقف جواز الوقف عليه صـ٢١ -.
(٥) "الهداية": كتاب الوقف ١٥/٣.
(٦) انظر "اللباب شرح الكتاب": كتاب الوقف ١٨٢/٢.

الجزء الثالث عشر
٤١١
كتاب الوقف
٣٦٥/٣
لا في ذِكرِ لفظِ الوقفِ فقط، ويوضِحُهُ ما في "الخانّة"(١): ((لو قالَ: صدقةٌ موقوفةٌ على فلان
صحَّ، وَيَصِيرُ تقديرُهُ: صدقةٌ موقوفةٌ على الفقراءِ؛ لأنَّ محلّ الصَّدقةِ الفقراءُ، إلاَّ أنَّ غَلّتها تكوثٌ
لفلان ما دامَ حيًّا، ولو قالَ: موقوفةٌ على فقراءٍ قرابتي أو على ولدي لا يَصِحُّ؛ لأَنَّهم يَنقطِعونَ
فلا يَتََّبَّدُ الوقفُ، وبدونِ النَّأَبِيدِ لا يَصِحُّ إلاَّ أنْ يَجعلَ آخرَهُ للفقراءِ. فَرَّقَ "أبو يوسفَ"(٢) بينَ
قولِهِ: موقوفةٌ، وبينَ قولِهِ: موقوفةٌ على ولدِي، فَصِحُّ الأوَّلُ لا النَّاني اهـ، أي: لأنَّ النَّانِيَ ذُكِرَ
مقَيَّداً بالموقوفِ عليه المعَيَّنِ، وذلكَ يُنافي التَّأبيدَ، حيثُ لم يُصرِّحْ به ولا بما في معناهُ، بخلافٍ ما
إذا قالَ: موقوفٌ فقط؛ لانصرافِهِ إلى الفقراءِ عُرفاً، فهو مؤَّدٌ، وكذا: صدقةٌ موقوفةٌ على فلان،
فإنَّه وإنْ قُيِّدَ بمعَيّنٍ لكنَّه مطلقٌ؛ لأنَّ الصَّدقةَ للفقراءِ، فكأنَّه قالَ: وبعدَ فلانٍ فعلى الفقراء فيكونُ
مؤَّداً، لكنْ إذا لَم يُقَيَّدْ بمعَّنِ فهو مؤَّدٌ بلا خلافٍ، فَيَصِحُّ عندَ "محمَّدٍ" أيضاً كما مرَّ(٣)
لعدمٍ مُنافي التَّأبيدِ أصلاً، ولذا قالَ في "الخانيّة"(٤): ((لو قالَ: موقوفةٌ ولم يَزِدْ لا يَجُوزُ إلاَّ
عندَ "أبي يوسفَ"، ويكونُ وقفاً على المساكينِ، ولو قالَ: موقوفةٌ صدقةٌ أو صدقةٌ موقوفةٌ
ولم يَزِدْ جازَ عندَ "أبي يوسفَ" و"محمَّدٍ" و"هلال"، وقيل: لا ما لم يَقُلْ وآخرُها للمساكينِ
أبداً، والصَّحيحُ الجوازُ؛ لأنَّ محلّ الصَّدقةِ في الأصلِ الفقراءُ، فلا يُحتاجُ إلى ذكرِهم، ولا
انقطاعَ لهم، فلا يُحتاجُ إلى ذكرِ الأَبَدِ أيضاً)) اهـ. فهذا صريحٌ في أنَّ التَّصريحَ بالصَّدقةِ
تصريحٌ بالتَّأبيدِ، فيجوزُ عندَهما بلا خلافٍ إنْ لم يعيِّنْ، فلو عَيَّنَ لم يجزْ عندَ "محمَّدٍ"، وجازَ
عندَ "أبي يوسفَ"، ثمَّ بعدَ انقطاعِهِ يعودُ إلى الفقراءِ كما صحَّحَهُ في "الهداية"(٥)، وعليه
المتونُ كـ"القُدوريِّ" (٦) و"الملتقى"(٧) و"النّقاية(٨) وغيرِها، أو يَعودُ إلى مِلكِ الواقفِ أو ورثتِهِ،
(١) "الخانية": كتاب الوقف - فصل في ألفاظ الوقف ٢٨٧/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) في "ب": (("أبي يوسف))، وهو خطأ.
(٣) في هذه المقولة.
(٤) "الخانية": كتاب الوقف - فصل في ألفاظ الوقف ٢٨٦/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الهداية": كتاب الوقف ١٥/٣.
(٦) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الوقف ١٨٢/٢.
(٧) "ملتقى الأبحر": كتاب الوقف ٤٠٠/١.
(٨) انظر "شرح النقاية للقاري": كتاب الوقف ٢/ ٢١٤.

حاشية ابن عابدين
٤١٢
کتاب الوقف
وسَيذكُرُ(١) "الشَّارحُ" تصحيحَهُ، لكنْ نَقَلَ في "الذَّخيرة": ((أَنَّ هذا القولَ مذكورٌ في "شرح
الطَّحاويّ" و"شرح السَّخسيّ(٢)، وأنَّ بعضَ المشايخِ قالوا: إنَّه خطأٌ)).
قلتُ: ويؤيِّدُهُ ما مرَّ(٣) عن "الإسعاف": ((من أنَّ الَّأبيدَ معَنَّى شرطٌ اتفاقاً، وإذا عادَ إلى
الملكِ لم يكنْ مؤَّداً لا لفظاً ولا معنى)).
والحاصلُ: أَنَّه لا خلافَ عندَهما في صحَّةِ الوقفِ معَ عدمٍ تعيينِ الموقوفِ عليه إذا ذَكَرَ لفظَ
التّأبيدِ أو ما في معناهُ كالفقراءِ، وكلفظٍ صدقةٌ موقوفةٌ، وكـ: موقوفةٌ للهِ تعالى، وكـ: موقوفةٌ على
وجوهِ البِّ؛ لأَنّه عبارةٌ عن الصَّقةِ، وكذا: موقوفةٌ على الجهادِ أو على أكفانِ الموتى أو حَفْرِ القبورِ
كما في "الخانَّة"(٤) وغيرِها، وأَنَّه لا خلافَ في بطلانِهِ لو اقْتَصَرَ على لفظِ: موقوفةٌ معَ النَّعبينِ كـ:
موقوفةٌ على زيدٍ، خلافاً لِما في "البَّازِيَّةُ"(٥)، وإنَّا الخلافُ بينَهما لو اقْتَصَرَ بلا تعيينٍ، أو جَمَعَ معَ
الّعبينِ كـ: صدقةٌ موقوفةٌ على فلانٍ، فعندَ "أبي يوسف" يَصِحُ ثُمَّ يعودُ إلى الفقراءِ، وهو المعتمدُ، وقيلَ:
يُعُودُ إلى الملكِ، والمرادُ بالمعَيَّنِ ما يَحتمِلُ الانقطاعَ كأولادِ زيدٍ، أو فقراءِ قرابةِ فلانٍ وهم يُحصَونَ،
(قولُهُ: والمرادُ بالمعَيَّنِ ما يُحتمِلُ الانقطاعَ كأولادٍ زيدٍ أو فقراءِ قرابةٍ فلانٍ وهم يُحصَونَ إلخ)
أي: بخلاف ما إذا كانوا لا يُحصَونَ فإنَّه يَقَعُ مؤَّداً، قالَ في "تمَّة الفتاوى": ((في "فتاوى أبي اللَّيث":
إذا وَقَفَ دارَهُ على فقراءِ مَكَّةً أو فقراءٍ قريةٍ، إنْ كانَ الوقفُ في حياتِهِ وصحَّتِهِ والفقراءُ يُحصَونَ لا يجوزُ
هذا الوقفُ؛ لأَنَّه لا يَجُوزُ إلاَّ مؤبَّدً، وهذا لم يَقَعْ مؤْبَّدً؛ لجوازٍ أَنَّهم يموتونَ فَيَنقَطِعُ الوقفُ، وإنْ كانَ
الفقراءُ لا يُحصَونَ جازَ الوقفُ؛ لأَنَّه وَقَعَ مؤَّداً)) اهـ.
(١ ) صـ ٤١٥ - "در".
(٢) "المبسوط": كتاب الوقف ٤١/١٢.
(٣) المقولة [٢١٣٣٣] قوله: ((وجعله "أبو يوسف" كالإِعتاق)).
(٤) "الخانية": كتاب الوقف - فصل في ألفاظ الوقف ٢٨٧/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّته وفساده، وفيه وقف النقليِّ والشَّائع - نوعٌ في ألفاظٍ جاريةٍ في
الوقف ٢٦٢/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").

الجزء الثالث عشر
٤١٣
كتاب الوقف
واختلفَ التَّرجيحُ، والأخذُ بقولِ "الثَّاني" أَحوطُ وأسهلُ، "بحر"(١). وفي "الدُّرر"(٢)
و"صدرِ الشَّريعة"(٣): ((وبه يُفتى))، وأقرَّهُ "المصنّفُ" (٤). (وإذا وَقَّتَه) بشهرٍ أو سنةٍ ....
وفي "الذَّخيرة" عن وقفِ "الخصَّاف"(٥) قالَ: ((جَعَلتُ هذهِ الأرضَ صدقةً موقوفةً على فلانٍ وولدِهِ
وولدٍ ولدِهِ وأولادٍ أولادِهم، فإذا سمَّى من ذلكَ ثلاثَ بطونٍ فهي وقفٌ مؤَّدٌ(٦) إلى يومِ القيامةِ))،
وبقيَ ما إذا وَقَفَ على عِمارةِ مسجدٍ معَيَّنٍ، فقيلَ: يَصِحُّ عندَ "أبي يوسف" لتأَبِّدِهِ مسجدً،
لا عندَ [١١٠/٣/أ] "محمَّدٍ"(٧)، وقيلَ: يَصِحُّ اتّفاقاً، وفي "البحر "(٨) عن "المحيط": ((أَنَّه المختارُ))،
فاغتنمْ تحريرَ هذا المحلِّ، فإِنَّكَ لا تجدُهُ في غيرِ هذا الكتابِ، والحمدُ للهِ تعالى ملهمِ الصَّابِ.
[٢١٣٣٤) (قولُهُ: واختَلَفَ الّرجيحُ) معَ التَّصريحِ في كلّ منهما بأنَّ الفتوى عليه، لكنْ
(قولُهُ: فإذا سمَّى من ذلكَ ثلاثَ بطونٍ فهي وقفٌ مؤَّدٌ إلى يومِ القيامةِ) سيأتي في فصلِ الوقفِ على
الأولادِ ما نصُّهُ: ((ولو زادَ البطنَ الَّالثَ عمَّ نسَلَهُ)) اهـ. والظَاهرُ: أنَّ هذا هو المرادُ بكونِهِ مؤَّداً.
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢١٢/٥.
(٢) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٤/٢.
(٣) "شرح الوقاية": كتاب الوقف ٣٤١/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٤) "المنح": كتاب في بيان أحكام الوقف ١/ق٢٦٨/أ.
(٥) "أحكام الأوقاف": باب الرجل - يجعل أرضه موقوفة على نفسه وولده صـ٧٢ - بتصرف.
(٦) في هامش "م" قوله: ((فهي وقفٌ مؤبَّدٌ إلخ)) فيه: أنَّ هذا وقفٌ على ما يَحتَمِل الانقطاعَ فكيف يكون مؤَّداً؟!
لكن قال شيخُنا: سيأتي أنه لو قال: وَقَفْت داري على أولادي، اقْتُصِرَ على البطنِ الأَوَّلِ، وإذا قال: على أولاد
أولادي اقْتُصِر على البطن الثاني، وإذا ذَكَرَ البطنَ الثَّالثَ تناوَلَ جميعَ البطونِ إلى يومِ القيامةِ، فلعلَّ مرادَه بقوله:
((مؤبَّدٌ)) يعني: على أولاده، وليس المرادُ أَنَّه بعدَ انقراضهم ينتقل مؤبَّداً على الفقراء اهـ، وهو كلامٌ حسن.
(٧) في هامش "م" قوله: ((لا عند محمد إلخ)) أي: يعودُ المسجدُ إلى مِلكِ الواقِفِ بعد الانهدامِ، وقوله: ((وقيل: يَصِحُّ
اتّفاقاً)) قال شيخُنا: هذا هو الصَّحيحُ؛ لأنَّ عَودَ المسجدِ إلى مِلكِ الواقِفِ عند "محمّدٍ" مقيَّدٌ بِعَدمِ وجودٍ رَبِعٍ يَعْمُرُ
به، وقد وُجِدَ الرَّیعُ الموقوف اهـ.
(٨) "البحر": كتاب الوقف ٢١٦/٥.

حاشية ابن عابدين
٤١٤
کتاب الوقف
(َبَطَلَ) اتّفاقً، "درر"(١). وعليه: فلو وَقَفَ على رجلٍ بِعَينِهِ عاد بعد مَوتِهِ لوَرَثَةٍ
الواقِفِ، به يُفتى، "فتح"(٢) ..
في "الفتح"(٣): ((أَنَّ قولَ "أبي يوسفَ" أوجَهُ عندَ المحقّقِينَ)).
[٢١٣٣٥] (قولُ: بِطَلَ اْفاقاً) هذا إذا شَرَطَ رجوعَهُ بعدَ الوقتِ(٤)، وإلاَّ فهو باطلٌ أيضاً عندَ
"الخصَّاف" (٥)، صحيحٌ مؤَّدٌ عندَ "هلالِ" كما في "الإسعاف" (٦)، وظاهرُ ما في "الخانَيَّة)(٧)
اعتمادُهُ كما في "البحر (٨)، ووجهُهُ: أَنَّه إذا قالَ: صدقةٌ موقوفةٌ يوماً أو شهراً، فهو مِثْلُ ما لو وقَفَهُ
على معيَّنٍ، فينبغي أنْ يَجْرِيَ فيه الخلافُ المارُّ بِينَ "محمَّدٍ" و "أبي يوسف"، فَيَصِحُّ عندَ "الثَّاني"؛
لأنَّ لفظَ: ((صدقةٌ)) يُفيدُ الَّابِيدَ فَلْغُو النَّوْقِيتُ، أمّا إذا شَرَطَ رجوعَهُ إليه بعدَ مضيِّ الوقتِ فقد
أبطَلَ النَّأَبِيدَ فَبْطُلُ الوقفُ، نعم ذَكَرَ في "الإسعاف "(٩) عن "هلال": ((أَنَّه لو قالَ: صدقةٌ موقوفةٌ
بعدَ مَوتِي سنةً يَصِحُّ مؤَّداً، إلاّ إذا قالَ: فإذا مَضَتِ السَّنّةُ فالوقفُ باطلٌ، فهو كما شَرَطَ، فَتَصِيرُ
الغَلَّةُ للمساكينِ سنةً، والأرضُ مِلكٌ لورثتِهِ؛ لأَنَّه باشتراطِ الْبُطْلانِ خَرجَت من الوقفِ المضافِ
اللّزِمِ بعدَ الموتِ إلى الوصيّةِ المخْضَةِ)).
[٢١٣٣٦] (قولُهُ: وعليه: فلو وَقَفَ على رجلٍ) أي: مقروناً بلفظِ: صدقةٌ، وإلاّ(١٠) لم يَجُزِ
اتفاقاً كما حقَّقناهُ قريباً. ثُمَّ إِنَّ هذا لا يَصِحُّ بناؤُهُ على بُطْلانِ الوقفِ الموقَّتِ، بل هو مبنيٌّ على صحَّتِهِ،
(١) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٤/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢٨/٥ بتصرف.
(٣) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢٧/٥.
(٤) في "ك": ((الوقف)) وهو تحريف.
(٥) "أحكام الأوقاف": باب الوقف الذي لا يجوز صـ ١٢٨ -.
(٦) "الإسعاف": باب في الوقف الباطل وفيما يبطله صـ٣٣ -.
(٧) "الخانية": كتاب الوقف - فصل في ألفاظ الوقف ٢٨٧/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "البحر": كتاب الوقف ٢١٤/٥.
(٩) "الإسعاف": باب في الوقف الباطل وفيما يبطله صـ٣٣-٣٤- بتصرف.
(١٠) في "الأصل": ((وإن)).

الجزء الثالث عشر
٤١٥
كتاب الوقف
قلتُ: وجَزْمَ في "الخانَيَّة" بصِحَّةِ المُؤْقَّتِ مُطلَقً، فتنَبَّه، وأقرَّهُ "الشُّرنبلاليُّ"، ........
فكانَ عليه أنْ يَذكُرَهُ بعدَ كلامِ "الخانَيَّة"، بل الأَولى ذِكرُهُ قبلَ(١) قولِهِ: ((وإذا وقّتَهُ))؛ ليكونَ
تفريعاً على قولِ "أبي يوسف"، لكنَّه على إحدى الرِّوايتينِ عنه، وقد عَلِمتَ أَنَّه خلافُ المعتمدِ؛
لمخالفتِهِ لِمَا نَصَّ عليه محقّقو المشايخِ، ولِما في المتونِ من أنَّه بعدَ موتِ الموقوفِ عليهِ يعودُ للفقراء؟
لأَنَّه لو عادَ للمِلكِ لم يكنْ موقًّ لا لفظاً(٢) ولا معَنَّى، والَّأبيدُ معَنَّ مَتَّفقٌ عليه في الصَّحيحِ كما
مرَّ(٣)، فلذا أفادَ في "النّهر "(٤) ضَعْفَ ما هنا، وإِنْ نَقَلَ في "الفتح"(٥) عن "الأجناس": ((أَنّ به يُفتى)).
[٢١٣٣٧] (قولُهُ: قلتُ: وجَزَمَ في "الخانيَّة" إلخ) استدراكٌ على قولِ "الدُّرر": ((َبَطَلَ اتفاقاً))
وعبارةُ "الشُّرُ بِلالَة"(٦): ((أَقولُ: يرِدُ عليه - أي: على "الدُّرر" - ما في "الخانَّةُ(٧): رجلٌ وقفَ
دارَهُ يوماً أو شهراً أو وقتاً معلوماً ولم يزدْ على ذلكَ جازَ الوقفُ، ويكونُ وقفاً أبداً)) اهـ.
قلتُ: وعلى ما حَمَلْنا عليه كلامَ "الدُّرر" لا يَرِدُ ما في "الخالنَّة"؛ لأنَّ المرادَ به ما إذا لم
يَشْترِطْ رجوعَهُ إليه بقرينةِ قولِهِ: ((ولم يَزِدْ على ذلكَ))، وبه تَعلمُ أَنَّه لا محلَّ لقولِ "الشَّارِحِ":
((مطلقاً))؛ لأَنَّه ليسَ في كلامِهِ ما يفسِّرُ الإطلاقَ، بل رَبَّما يُفيدُ أَنَّه يَجُوزُ وإِنْ شَرَطَ رجِوعَهُ إليه
معَ أَنَّه يَبطُلُ اتفاقاً كما عَلِمتَ، وقد قالَ في "الخانَيَّة "(٨) عَقِبَ عبارتِهِ المذكورةِ: ((ولو قالَ: أرضي
٣٦٦/٣
(قولُهُ: وبه تَعَلَمُ أَنَّه لا محلَّ لِقَولِ (٨) "الشَّارحِ": مطلقً؛ لأَنَّه إلخ) فسَّرَ الإطلاقَ "السِّنديُّ" بقولِهِ:
((يعني: طالَ الوقتُ أو قَصُرَ، ولا يُتوهَّمُ منه أَنَّه حَزَمَ بصحَّةٍ وقفِ المؤقّتِ الذي زادَ فيه قولَهُ: فإذا مضى
الشَّهِرُ أو السَّنَةُ فالوقفُ باطلٌ، فقد صرَّحَ في ذلكَ ببطلانِهِ)) اهـ بلفظِهِ.
(١) في "٢": ((بعد)) وهو خطأٌ .
(٢) في هامش "الأصل": ((قوله: لا لفظاً)) لأنه عاد لورثة الواقف بعد موته.
(٣) المقولة [٢١٣٣٣] قوله: ((وجعله "أبو يوسف" كالإعتاق)).
(٤) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٢/ب.
(٥) "الفتح" كتاب الوقف ٤٢٨/٥.
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الوقف ١٣٣/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٧) "الخانية": كتاب الوقف - فصلٌ في مسائل الشَّرط في الوقف ٣٠٤/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) في مطبوعة "التقريرات": ((لقولِهِ))، وهو خطأ.

حاشية ابن عابدين
٤١٦
كتاب الوقف
(فإذا تَمَّ ولَزِمَ لا يُملَكُ ولا يُملَّكُ ولا يُعارُ ولا يُرِهَنُ)،
هذهِ صدقةٌ موقوفةٌ شهراً، فإذا مضى شهرٌ فالوقفُ باطلٌ كانَ الوقفُ باطلاً في قول "هلال"؛
لأنَّ الوقفَ لا يَجُوزُ إلَّ مؤيّدً، فإذا كانَ التَّأبيدُ شرطاً لا يَجُوزُ موقّناً)) اهـ. وإنّا قَّدَ بقولِهِ:
((في قولِ "هلالٍ"))؛ لأَنَّه على قولِ "الخصَّاف" باطلٌ مطلقاً كما علمتَ آنفاً، وفَّدَ الصِّيغةَ
بقولِهِ: ((صدقةٌ موقوفةٌ))؛ لأنّه بدونِ لفظِ صدقةٌ أو ما يَقُومُ مَقامَها لا يَصِحُّ كما مرَّ(١)، وبه
يَظْهَرُ أنَّ قولَهُ: ((وقفَ دارَهُ يوماً)) ليسَ صيغةَ الوقفِ بل حكايةً عنهُ، وصيغتُهُ قولُ الواقفِ:
((أرضي صدقةٌ موقوفةٌ)) ونحوُهُ.
[٢١٣٣٨) (قولُهُ: فإذا تَمَّ ولزِمَ) لزومُهُ على قولِ "الإِمامِ" بأحدِ الأمورِ الأربعةِ المارَّةِ، وعندَهما
بمجرَّدِ القولِ، ولكنَّه عندَ "محمَّدٍ" لا يَتِمُّ إلَّ بالقبضِ والإفرازِ والتَّأبيدِ لفظاً، وعندَ "أبي يوسف"
بالتَّابيدِ فقط ولو معنَى كما عُلِمَ ثَّا مَرَّ(٢).
[٢١٣٣٩] (قولُهُ: لا يُمَلَكُ) أي: لا يكونُ مملوكاً لصاحبِهِ، (ولا يُملَّكُ)) أي: لا يَقبَلُ
الَّمليكَ لغيرِهِ بالبيعِ ونحوِهِ؛ لاستحالةِ تمليكِ الخارجِ عن مِلكِهِ، ((ولا يُعارُ ولا يُرِهَنُ))؛ لاقتضائِهما
المِلكَ، "درر "(٢)، ويُستثنى من عدمٍ تمليكِهِ ما لو اشترطَ الواقفُ استبدالَهُ، وسيأتي(٤) الكلامُ عليه
وعلى بيعِ الوقفِ إذا افتقرَ الواقفُ ولم يكنْ مسخَّلاً، ويُستثنى من عدمِ الإعارةِ ما لو كانَ
داراً موقوفةً للسُّكنى؛ لأنَّ مَن له السُّكنى له الإعارةُ كما صرَّحَ به في "البحر "(٥) وغيرِهِ، بخلافٍ
(قولُهُ: لزومُهُ على قولِ "الإِمامِ" بأحدِ الأمورِ الأربعةِ المارَّةِ إلخ) لكنْ ليسَ لزومُهُ في كلِّها موجِباً
لزوال الملكِ، بل في بعضِها وهو الحكمُ به والإقرارُ في المسجدِ كما تقدَّمَ.
(قولُهُ: لاقتضائِهما الملكَ) أي: ملكَ المنفعةِ أو العينِ.
(قولُهُ: ويُستثنى من عدمِ الإعارةِ ما لو كانَ داراً موقوفةً للسُّكنى إلخ) وكذا ما شَرَطَ الواقفُ
إعارتَهُ، فلو وَقَفَ كُباً أو منقولاً أو عقاراً، وشرطَ أنْ يُعارَ فلا يَجُوزُ للمتولّي إجارتُهُ. اهـ "سنديّ".
(١) المقولة [٢١٣٣٦] قوله: ((وعليه: فلو وقفَ على رجل)).
(٢) المقولة [٢١٣٣٣] قوله: ((وجعله "أبو يوسف" كالإعتاق)).
(٣) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٥/٢.
(٤) المقولة [٢١٥٠٩] قوله: ((وجازَ شرطُ الاستبدالِ به إلخ)).
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٤/٥.
١

الجزء الثالث عشر
٤١٧
كتاب الوقف
فَبَطَلَ شَرطُ واقفِ الكُتُبِ الرَّهنَ كما في التَّدبيرِ. ولو سَكَنَهُ المشتري أو المرتهنُ،
ثُمَّ بانَ أَنَّه وَقفٌ، أو لصغيرِ .
الموقوفِ [٣/ق ١١٠/ب] للاستغلال، قالَ في "الإسعاف"(١): ((ومَن وَقَفَ دُورَهُ للاستغلالِ ليسَ
له أنْ يُسكِنَها أحدً بلا أَجْرٍ)) اهـ. وفي "شرح الملتقى"(٢): ((وجازَ بيعُ الْمُصحَفِ المخرَّقِ
وشراءُ آخرَ بثمنِهِ)).
مطلبٌ في شرطِ واقفِ الكُتُبِ أنْ لا تُعَارَ إلاَّ بِرَهنِ
[٢١٣٤٠) (قولُهُ: فَبَطَلَ إلخ) لا يَصِحُّ تفريعُهُ على قولِهِ: ((ولا يُرِهنُ)) لأَنَّه في رهنِ الوقفِ
لا في الرَّهِنِ به، بل هو تفريعٌ على قولِهِ: ((ولا يُمَّلَّكُ)) فافهم، ووجهُهُ: أنَّ الرَّهنَ حَبْسُ شيءٍ
ماليٌّ بحقٌ يُمكِنُ استيفاؤُهُ منه كالدَّينِ والأعيانِ المضمونةِ بالِثْلِ والقِيمةِ، حَتَّى لو هَلَكَ الرَّهنُ صارً
المرتَهِنُ مستوفياً حقَّهُ لو مساوياً للرَّهنِ، ولا يَخفى أنَّ الاستيفاءَ إِنَّا يتأتّى فيما يُمكِنُ تَمِيكُهُ،
والوقفُ لا يُمكِّنُ تمليكُهُ فلا يَصِحُّ الرَّهنُ به، ولأَنَّه أمانةٌ عندَ المستعيرِ، وهو غيرُ مضمون.
قالَ في "الأشباه"(٣) - في القَولِ في الدَّينِ - معزيّاً إلى "السُّبكيِّ)(٤): ((فرعٌ: حَدَثَ في
الأعصارِ القريبةِ وقفُ كُتُبٍ، شَرَطَ الواقفُ أنْ لا تُعارَ إلَّ برهنٍ أَوْ لا تُخرَجَ أصلاً، وَالَّذِي أَقُولُ في
هذا: أنَّ الرَّهنَ لا يَصِحُّ بها؛ لأَنَّها غيرُ مضمونةٍ في يدِ الموقوفِ عليه، ولا يُقالُ لها عارِيَةٌ أيضاً، بل
الآخذُ لها إنْ كانَ من أهلِ الوقفِ استحقَّ الانتفاعَ ويدُهُ عليها يدُ أمانةٍ، فَشَرْطُ أَخْذِ الرَّهنِ عليها
فاسدٌ، وإنْ أعطى كانَ رهناً فاسداً، ويكونُ في يدِ خازنِ الكتبِ أمانةً، هذا إنْ أريدَ الرَّهنُ الشَّرعيُّ،
وإنْ أريدَ مدلولُهُ لغةً وأنْ يكونَ تَذْكِرَةً فَيَصِحُّ الشَّرِطُ؛ لأَنَّهِ غَرَضٌ صحيحٌ، وإذا لم يُعَلَمْ مرادُ الواقفِ
فالأقربُ الحملُ على اللُّغويِّ تصحيحاً لكلامِهِ، وفي بعضِ الأوقافِ يقولُ: لا تُخرَجُ إلاّ بتذكرَةٍ
فَيَصِحُّ، ويكونُ المقصودُ أنَّ تجويزَ الواقفِ الانتفاعَ مشروطٌ بذلكَ، ولا نقولُ: إِنَّها تَبَقَى رهناً،
(١) "الإسعاف": باب بيان ما يجوز وقفه وما لا يجوز إلخ - فصل في وقف المنقول أصالة صـ٢٨ -.
(٢) "الدر المنتقى": كتاب الوقف ٤٧٠/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٣) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثالث: الجمع والفرق صـ ٤٢١-٤٢٢ -.
(٤) أي: في "تكملة شرح المهذب" كما ذكره ابن نجيم في "الأشباه" نقلاً عن "السيوطى"، ولم يعثر على المسبأنه في
نسخة "تكملة شرح المهذب" التي بين أيدينا.

حاشية ابن عابدين
٤١٨
كتاب الوقف
لَزِمَ أجرُ المِثْلِ، "قنية"
بل له أخذُها فيطالبُهُ الخازنُ بردِّ الكتابِ، وعلى كلٍّ فلا تَنْبُتُ له أحكامُ الرَّهنِ، ولا بيعُهُ
ولا بَدَلُ الكتابِ الموقوفِ بتلفِهِ إنْ لم يُفرِّطْ)) اهـ ملخّصاً. قالَ في "الأشباه"(١) بعدَ نقلِهِ:
((وقولُ أصحابنا: لا يَصِحُّ الرَّهنُ بالأماناتِ شاملٌ للكتبِ الموقوفةِ، والرَّهنُ بالأماناتِ باطلٌ،
فإذا هَلَكَ لم يجبْ شيءٌ بخلافِ الرَّهنِ الفاسدِ، فإنَّه مضمونٌ كالصَّحيحِ، وأمَّا وجوبُ أَتْبَاعِ
شرطِهِ وحملُهُ على المعنى اللُّغويِّ فغيرُ بعيدٍ)) اهـ. وسيأتي(٢) تمامُ الكلامِ على جوازِ نقلِ الكتبِ
قبيلَ قولِهِ: ((ويُبدَأُ من غَلَّتِهِ بعمارتِهِ)).
مطلبٌ: سكنَ داراً ثمَّ ظَهَرَ أَنّها وقفٌ يَلزَمُهُ أجرةُ ما سكنَ
(٢١٣٤١) (قولُهُ: لزِمَ أجرُ المِثْلِ) بناءً على المفتى به عندَ المتأخْرِينَ، من أنَّ منافعَ العَقَارِ تُضمَنُ
إذا كانَ وقفاً أو ليتيمٍ أو مُعَدًّا للاستغلالِ كما سيأتي(٣) في الفصلِ عندَ قولِ "المصنّفِ": ((يُفَتَى
بالضَّمانِ إِلخ))، وبه أفتى "الرَّملِيُّ (٤) وغيرُهُ، وجزمَ به في "الفتح"(٥) آخرَ البابِ، وعلى هذا: فما
ذَكَرَهُ فِي "القنية"(٦) أيضاً: ((من أَنَّه لو سَكَنَ الدَّارَ سنينَ يدَّعي المِلكَ، ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ للوقفِ لا تَلْزَمُهُ
أجرةُ ما مضى)) اهـ ضعيفٌ كما جزمَ به في "البحر"(٧)؛ لأَنَّه مبنيٌّ على قولِ المتقدِّمينَ، ووجوبُ
الأجرةِ قولُ المتأخّرِينَ كما نَصَّ عليه في "الإسعاف(٨)، أفادَهُ "الخير الرَّمليُّ"، ولو بَنَى المشتري
أو غَرَسَ فسيأتي(٩) حكمُهُ عندَ مسألةِ "ابنِ المنقار"(١٠) في سوادةِ الفصلِ الآتي.
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثالث: الجمع والفرق - القول في الدين صـ ٤٢٢ -.
(٢) المقولة [٢١٤٢٠] قوله: ((ففي جواز النَّقل تردُّدٌ)).
(٣) المقولة [٢١٦٢٦] قوله: ((فعلى المستأجر المسمَّى إلخ)).
(٤) "الفتاوى الخيرية": كتاب الوقف ١٢١/١.
(٥) "الفتح": كتاب الوقف - الفصل الأول في المتولّي ٤٤٩/٥.
(٦) "القنية": كتاب الوقف - باب في سكنى الوقف والإجارة ق ٨٩ /ب باختصار.
(٧) "البحر": كتاب الوقف ٢٢١/٥.
(٨) "الإسعاف": باب الولاية على الوقف - فصل في إنكار المتولي الوقف صـ٦٦ -.
(٩) المقولة [٢١٨٠٤] قوله: ((فذلك لهما)).
(١٠) في "م": ((ابن النقار)) وهو تحريف، وهو يحيى بن محمد القاسم، الملقب شرف الدِّين بن شمس الدِّين، المعروف بابن
المنقار الدمشقي (ت ١٠١٩هـ) ("تراجم الأعيان" ١١٨/٣، "خلاصة الأثر" ٤٨٥/٤، "لطف السمر" ٦٩٤/٢).

الجزء الثالث عشر
٤١٩
کتاب الوقف
(ولا يُقسَمُ) بل يَتهايَؤُونَ (إلاَّ عندَهُما)
[٢١٣٤٢] (قولُهُ: ولا يُقَسَمُ إلَّ عندَهما إلخ) أي: إذا قضى قاضٍ بجوازٍ وقفِ الْمُشاعِ، وَنَفَذَ
قضاؤُهُ وصارَ متَّفقاً عليه كسائرِ المختِفَاتِ، فإنْ طَلَبَ بعضُهم القسمةَ فعندَهُ لا يُقْسَمُ وَيَتَهَائِؤُونَ،
وعندَهما يُقْسَمُ، أي: إذا كانَت بينَ الواقفِ والمالِكِ، وأجمعوا: أنَّ الكلَّ لو كان موقوفاً على
الأربابِ فأرادوا القسمةَ لا يُقْسَمُ، كذا في "المحيط"، "درر"(١)، وهذا معنى قولِ "المصنّفِ": ((إلاَّ
عندَهما إذا كانَت بينَ الواقفِ والمالِكِ لا الموقوفِ عليهم)).
مطلبٌ فِي الّهايُؤِ في أرضِ الوقفِ بينَ المستحقّينَ
(٢١٣٤٣] (قولُهُ: بل يَتَهَايَؤُونَ) قالَ في "فتاوى ابنِ الشِّبِيِّ": ((القسمةُ بطريقِ النَّهَايُؤِ، وهو
الّاوُبُ في العينِ الموقوفةِ، كما إذا كانَ الموقوفُ أرضاً مَثلاً بينَ جماعةٍ، قَتراضَوا على أنَّ كلَّ واحدٍ
٣٦٧/٣
(قولُهُ: كما إذا كانَ الموقوفُ أرضاً مَثلاً بينَ جماعةٍ، فتراضَوا على أنَّ كلَّ واحدٍ منهم يأخُذُ له من
الأرضِ الموقوفةِ قِطعةً إلخ) في "المنح" عندَ قولِ "المصنّف": ((الموقوفُ عليه لا يَملِكُ الإِجارةَ)) ما نصُّهُ:
((ذَكَرَ في "الفتاوى الرَّشيديَّة": إذا كانَ الوقفُ على رجلٍ معيَّنٍ قَالَ بعضُ المشائخِ: يجوزُ أنْ يكونَ هو المتولّي
بغيرِ إطلاقِ القاضي؛ لأنَّ الحقَّ لا يَعدُوهُ، والفتوى أَنَّه لَا يَصِحُّ ولا يَصُلُحُ؛ لأَنَّه لا حقَّ له في التَّصرُّفِ في
الوقفِ، إِنَّ حقُّهُ في أخذِ الغَلَّةِ، وقالَ الفقيهُ "أبو جعفرٍ": إذا كانَ الأجرُ كُلُّهُ للموقوفِ عليه ــ بأنْ كانَ الوقفُ
لا يُسْتَرَمُّ، وغيرُهُ لا يَشْرَكُهُ في استحقاقِ الغَّةِ - فحينئذٍ يجوزُ، وهذا في الدُّورِ والحوانيتِ، وأمَّا الأراضي إنْ كانَ
الواقفُ شَرَطَ تقديمَ العُشْرِ والخَراجِ وسائرٍ المُؤَنِ، فليسَ للموقوفِ عليه أنْ يُؤجِّرَها، وأمَّا إذا لم يَشترِطْ ذلكَ
يجبُ أنْ يجوزَ، ويكونُ الخراجُ والمؤْنَةُ عليه، وهذا نظيرُ ما رُوِيَ عن "أبي يوسف": أَنَّه إذا كانَ الموقوفُ عليه
مَثَى أو ثُلاثَ، فَتَقَاسَمُوهُ وأَخذَ كلُّ واحدٍ أرضاً يَزْرَعُها بنفسِهِ قالَ "أبو يوسفَ": إنْ كانَتِ الأَرضُ عشريَّةً جازَ
مهايأْتُهم، وإنْ كانَت خراجيّةً لا تجوزُ، هكذا ذكرَ في "فتاوى ظهير الدِّين"، كذا في "الفصول العماديّة")) اهـ.
ثُمَّإِنَّ مَا ذَكَرَهُ "المصنّفُ" من جوازِ المهايأةِ ظاهرُهُ جوازُها ولو كانَ الوقفُ للغَلَّةِ، معَ أَنَّهَ سَيَذْكُرُ في بابِ الوَصِيَّةِ
بالخدمةِ: ((أنَّ الدَّارَ تُقْسَمُ في الوصيّةِ بالسُّكنى، أمَّا في الوصِيَّةِ بالغلَةِ فلا تُقَسَمُ على الظَّاهِرِ)) اهـ. أي: ظاهرٍ
الرواية؛ إذ حقُّهُ فِي الغَّةِ لا في عينِ الدَّارِ، وفي روايةٍ عن "الثّاني" تُقْسَمُ لْيُستَغَلَّ ثَلَتُها، كما نقلَّهُ "الشُّرُبِ اليُّ" عن
"الكافي"، والظَّاهِرُ: عدمُ الفرقِ بينَ الوصيَّةِ والوقفِ، وظاهرُ كلامِهم هنا اعتمادُ هذهِ الرِّوايةِ.
(١) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٥/٢.

حاشية ابن عابدين
٤٢٠
كتاب الوقف
منهم يَأْخُذُ له من الأرضِ الموقوفةِ قِطعةً معيّنةٌ يَزرعُها لنفسِهِ هذهِ السَّنَةَ، ثُمَّ في السَّنَةِ الأخرى يأخُذُ
كلٌّ منهم قطعةٌ غيرَها، فذلكَ سائٌ، ولكنَّه ليسَ بلازمٍ فلهم إبطالُهُ، وليسَ ذلكَ في الحقيقةِ بقسمةٍ؟
إذ القسمةُ الحقيقيَّةُ أنْ يَختصَّ ببعضٍ من العينِ الموقوفةِ على الدَّوامِ)) اهـ. ونحوُهُ في "البحر"(١) عن
"الإسعاف"(٢). ومقتضاهُ: أَنَّه [٣/ق١١١/أ) ليسَ لهمُ استدامةُ هذهِ القسمةِ، بل يجبُ عليهم نقضُها
أو استبدالُ الأماكنِ بعضِها ببعضٍ؛ إذ لو استُدِيمَت صارَت من القسمةِ الممنوعةِ بالإجماعِ؛ لتَأدِيها
في طولِ الزَّمانِ إلى دعوى المِلكَّةِ، أو دعوى كلِّ منهم أو بعضهم أنَّ ما في يدِهِ موقوفٌ عليه
بعينِهِ، ولا يَخْفَى ما في ذلكَ من الضَّررِ، ثُمَّ لا يَخَفَى أنَّ ما قيلَ: من أنَّ المهايأةَ في الوقفِ لا يُمكِّنُ
إيطالُها؛ لأَنَّه لا يكونُ إلا بِطَلَبِ القِسمةِ، والقِسمةُ في الوقفِ متعذّرةٌ فهو ممنوعٌ، بل يُمكِّنُ نَقْضُها
وإبطالُها بإعادتِهِ كما كانَ، أو باستبدالِ الأماكنِ كما قلنا، ولو ثَبَتَ عدمُ إمكانٍ إبطالِها لَبَطَلَ ما
نَقُلُوهُ من الإجماعِ على أنَّ الوقفَ لا يُقْسَمُ، أي: قسمةً مُستَدَامةً، فقد ظهرَ لكَ أنَّ هذا كلامٌ
ناشئٌّ عن عدمِ النَّبُّرِ لمخالفِهِ للإجماعِ، فتدبَّر.
مطلبٌ فيما إذا ضاقَتِ الدَّارُ على المستحقّينَ
بقيَ ما لو كانَ الموقوفُ داراً شَرَطَ الواقفُ سُكناها لأولادِهِ ونسِلِهِ، قالَ في "الإسعاف"(٣).
((تكونُ سُكْناها لهم ما بقيَ منهم أحدٌ، فلو لم يَبْقَ إلاَّ واحدٌ وأرادَ أنْ يُؤْجِّرَها أو ما فَضَلَ عنه منها
ليسَ له ذلكَ وإنّا له السُّكنى فقط، ولو كثُرَت أولادُ الواقفِ وضاقَت الدَّارُ عليهم ليسَ لهم أنْ
يُؤْجِّروها، وإنّا تُقَسَّطُ سُكْناها على عددِهم، ومَن ماتَ منهم بَطَلَ ما كانَ له من سُكْناها، ويكونُ
لَّن بَقِيَ منهم، ولو كانوا ذكوراً وإناثاً وأرادَ كلٌّ من الرِّجالِ والنّساءِ أنْ يُسكِنِوا معَهم نسايَهم
وأزواجهنَّ معهنَّ جازَ لهم ذلكَ إنْ كانَت الدَّارُ ذاتَ مقاصيرَ وحُجَرٍ يُغلَقُ على كلِّ واحدةٍ بابٌ،
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٤/٥.
(٢) "الإسعاف": باب بيان ما يجوز وقفه وما لا يجوز إلخ - فصل في وقف المشاع وقسمته والمهايأة فيه صـ٢٩ -.
(٣) "الإسعاف": باب الوقف على أهل بيته وآله إلخ - فصل في الوقف على الصلحاء إلخ صـ ١٢٣-١٢٤ -.