Indexed OCR Text
Pages 381-400
الجزء الثالث عشر
٣٨١
كتاب الوقف
(وشرطُهُ شَرطُ سائرِ التِبرُّعاتِ) كـ: حُرِيَّةٍ وتَكليفٍ ..
عليهِ كلفظٍ صدقةٍ أو لفظِ المساكينِ ونحوِهِ كالمسجدِ، وهذا إذا لم يكنْ وقفاً على معيَّنِ كزيدٍ،
أو أولادٍ فلانٍ، فإنّه لا يَصِحُّ بلفظِ موقوفةٍ لمنافاةِ الَّعيينِ للتَّأبيدِ، ولذا فرَّقَ بينَ موقوفةٍ وبينَ موقوفةٍ
على زيدٍ، حيثُ أجازَ الأوَّلَ دونَ الثَّاني، نَعَم تعيينُ المسجدِ لا يَضُرُّ؛ لأنّه مؤَّدٌ، وسيأتي(١) تمامُهُ،
قالَ في "البحر "(٢): ((لا يَصِحُّ - أي: موقوفةٌ فقط - إِلاَّ(٣) عندَ "أبي يوسف"، فإنَّه يَجعَلُها بمجرَّدٍ
هذا اللَّفْظِ موقوفةً على الفقراءِ، وإذا كانَ مفيداً لخصوصِ المصرفِ - أعني الفقراءَ - لَزِمَ كونُهُ مؤَّداً؛
لأنَّ جهةَ الفقراءِ لا تَنْقَطِعُ، قَالَ "الصَّدرُ الشَّهِيدُ": ومشايخُ بِلْخِ يُقْتُونَ بقولِ "أبي يوسف"، ونحنُ
تُقتي بهِ أيضاً لمكانِ العُرفِ؛ لأنَّ العُرفَ إذا كانَ يَصرِفُهُ إلى الفقراءِ كانَ كالتّصيصِ عليهم)) اهـ.
قلتُ: وهذا بناءً على أنَّ ذِكرَ الَّأبيدِ [٣/ق١٠٥/ب] أو ما يدلُّ عليه غيرُ شرطٍ عندَهُ، كما
سيأتي (٤) بيانُهُ.
[٢١٢٧٠) (قولُهُ: وشرطُهُ شرطُ سائرِ النَّبِرُّعَاتِ) أفادَ: أَنَّ الواقفَ لا بدَّ أنْ يكونَ مالكاً له
وقتَ الوقفِ مِلكاً بأنًّا ولو بسببٍ فاسدٍ، وأنْ لا يكونَ محجوراً عن النَّصرُّفِ، حتَّى لو وَقَفَ
الغاصبُ المغصوبَ لم يَصِحّ وإنْ مَلَكُهُ بعدُ بشراءٍ أو صلحٍ، ولو أجازَ المالكُ وَقْفَ فضوليٌّ جازَ،
وصحَّ وقفُ ما شراهُ فاسداً بعدَ القبضِ، وعليه القيمةُ للبائعِ، وكالشِّراءِ الهبةُ الفاسدةُ بعدَ القبضِ،
بخلاف ما لو اشترى بخيارِ البائعِ فوقفَها وإنْ أجازَ البائعُ بعدَهُ، وَيُنقَضُ وقفٌ اسْتُحِقَّ بِلكٍ أو
شُفْعَةٍ وإِنْ جَعَلَهُ مسجداً، ووَقْفُ مريضٍ أحاطَ ديْنُهُ بِمالِهِ بخلافٍ صحيحٍ، وسيأتي(٥) تمامُهُ
معَ حُكمٍ وقفِ المرهونِ قُبيلَ الفصلِ، وكذا وَقْفُ محجورٍ لسفَهِ أو دَيْنٍ، كذا أَطْلقَهُ "الخصَّافُ))(٦)،
(١) المقولة [٢١٣٣٣] قوله: ((وجعله "أبو يوسف" كالإعتاقِ)).
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٥/٥.
(٣) قوله: ((فقط إلا)) ساقط من "ك".
(٤) المقولة [٢١٣٣٣] قوله: ((وجعله "أبو يوسف" كالإِعتاق)).
(٥) المقولة [٢١٥٧١] قوله: ((بخلافٍ صحيحٍ)) وما بعدها.
(٦) "أحكام الأوقاف": باب المحجور عليه يقف أرضاً له صـ٢٩٣ -.
حاشية ابن عابدين
٣٨٢
كتاب الوقف
(وأنْ يكونَ) قُربةً في ذاتِهِ ..
قالَ في "الفتح"(١): ((وينبغي أَنَّه إذا وَقَفَها المحجورُ لِسَفَهِ(٢) على نفسِهِ ثُمَّ على جهةٍ لا تَنَقَطِعُ
أنْ يَصِحَّ على قولِ "أبي يوسفَ"، وهو الصَّحيحُ عندَ المحقّقينَ، وعندَ الكلِّ إذا حَكَمَ به
حاكمٌ)) اهـ. قالَ في "البحر "(٣): ((وهو مدفوعٌ بأنَّ الوقفَ تبرُّعٌ وهو ليسَ من أهلِهِ))، وفي
٣٥٩/٣ "النَّهر"(٤): ((يُمكِنُ أنْ يُجابَ: بأنَّ الممنوعَ الَّرُّعُ على غيرِهِ لا على نفسِهِ كما هنا، واستحقاقُ
الغيرِ له إنَّا هو بعدَ موتِهِ)).
(٢١٢٧١] (قولُهُ: وأنْ يكونَ قُربةً في ذاتِهِ) أي: بأنْ يكونَ مِن حيثُ النَّظرُ إلى ذاتِهِ وصورتِهِ
قُربَةً، والمرادُ: أنْ يَحِكُمَ الشَّرعُ بأنّه لو صَدَرَ من مسلمٍ يكونُ قربةً حملاً على أَنَّه قَصَدَ القُربَةَ، لكنّه
يَدخُلُ فِيه ما لو وَقَفَ الذِّّيُّ على حجِّ أو عُمْرةٍ معَ أَنَّه لا يَصِحُّ، ولو أجرى الكلامَ على ظاهرِهِ
لا يَدخُلُ فيهِ وقفُ الدّمِّيِّ على الفقراءِ؛ لأَنَّه لا قُربةَ من الدِّمِّيِّ، ولو حُمِلَ على أنَّ المرادَ ما كانَ
قُربةً في اعتقادِ الواقفِ يَدخُلُ فيه وقفُ الدِِّّيِّ على بِيعَةٍ معَ أَنَّه لا يَصِحُّ، فتعيَّنَ أنَّ هذا شرطٌ في
وقفِ المسلمِ فقط، بخلافِ الدِّمِّيِّ لِما في "البحر" (٥) وغيرِهِ: ((أنَّ شرطَ وَقْفِ الدِّمِّيِّ أنْ يكونَ قربةً
عندَنا وعندَهم، كالوقفِ على الفقراءِ أو على مسجدِ القدسِ، بخلافِ الوقفِ على بِيْعَةٍ؛ فإنَّه قربةٌ
عندَهم فقط، أو على حجِّ أو عُمْرةٍ؛ فإِنَّه قربةٌ عندَنا فقط))، فأفادَ: أنَّ هذا شرطٌ لوقفِ الذّمِّيِّ فقط؛
(قولُهُ: وينبغي أنَّه إذا وَقَفَها المحجورُ لِسَفَهِ على نفسِهِ ثُمَّ على جهةٍ لا تنقَطِعُ أنْ يَصِحّ على قولٍ
"أبي يوسفَ" إلخ) القائلِ بِصِحَّةٍ جَعْلِ الغَلَّةِ للواقفِ، ويرِدُ على ما قالَهُ "النّهر" أنَّ المحجورَ عليه للسَّفْهِ
في حكمِ الصَّغِيرِ في تصرُّفِهِ، وفي صحَّةِ إيقافِهِ إبطالُهُ مِلكَهُ للحالِ، تأمّل.
(١) "الفتح": كتاب الوقف ٤١٧/٥.
(٢) من ((أو دين)) إلى ((لسَفَهٍ)) ساقط من "آ".
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٣/٥.
(٤) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥١/ب.
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٤/٥ بتصرف.
الجزء الثالث عشر
٣٨٣
كتاب الوقف
مَعلوماً (مُنجَّزاً)، لا مُعلَّقاً.
لأنَّ وقفَ المسلمٍ لا يُشترَطُ كونُهُ قربةً عندَهم بل عندَنا كوقفِنا على حج وعمرةٍ، بخلافِهِ على
بِيْعةٍ؛ فإنَّه غيرُ قربةٍ عندَنا بل عندَهم.
[٢١٢٧٢] (قولُهُ: معلوماً) حَتّى لو وَقَفَ شيئاً من أرضِهِ ولم يُسَمِّهِ لا يَصِحُّ ولو بَيَّنَ بعدَ ذلكَ،
وكذا لو قالَ: وَقَفَتُ هذهِ الأَرضَ أو هذهِ، نَعَمْ لو وَقَفَ جميعَ حصَّتِهِ من هذهِ الأرضِ ولم يُسَمِّ
السِّهامَ جازَ استحساناً، ولو قالَ: وهو ثُلُثُ جميعِ الدَّارِ فإذا هو النّصفُ كانَ الكلُّ وقفاً كما في
"الخانَةُ"(١)، "نهر "(٢)، أي: كلُّ النّصفِ، وفي "البحر"(٣) عن "المحيط": ((وَقَفَ أرضاً فيها أشجارٌ
واستثناها لا يَصِحُّ؛ لأَنَّه صارَ مستثنياً الأشجارَ بمواضعِها، فَيَصيرُ الدَّاخِلُ تحتَ الوقفِ مجهولاً)).
(٢١٢٧٣] (قولُهُ: مُنجَّزاً) مقابلُهُ: المعَلَّقُ والمضافُ.
[٢١٢٧٤] (قولُهُ: لا معلّقاً) كقولِهِ: إذا جاءَ غدٌ، أو إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ، أو إذا كلَّمتُ فلاناً
(قولُهُ: كقولِهِ: إذا جاءَ غدّ أو إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ أو إذا كلَّمتُ فلاناً فَأَرضي هذهِ صدقةٌ موقوفةٌ إلخ)
هكذا في "الإسعاف" من بابِ الوقفِ الباطلِ، والّذي في "الخصَّاف" من بابِ الوقفِ الَّذي لا يَجُوزُ التَّفرقةُ بِينَ
ما إذا كانَ النَّعلِيقُ بقولِهِ: فأرضي صدقةٌ - بدونِ لفظٍ: موقوفٌ - فَيَصِحُّ، وبينَ ما إذا قالَ: صدقةٌ موقوفةٌ فلا
يَصِحُّ، ونصُّهُ: ((لو قالَ: إذا قدِمَ فلانٌ فَأَرضي صدقةٌ موقوفةٌ، أو قالَ: إذا كلَّمتُ فلاناً، أو قالَ: إذا تزوَّجتُ
فلانٌ فَأَرضي صدقةٌ موقوفةٌ، قالَ: الوقفُ باطلٌ، ولو قالَ: إذا كلّستُ فلاناً فأَرضي صدقةٌ، أو قالَ: إذا قدِمَ
فلانٌ، أو قالَ: إذا دخلتُ هذهِ الدَّارَ فأرضي هذهِ صدقةٌ، قالَ: هذا يَلزَمُهُ، وهذا بمنزلةِ اليمينِ والنّذرٍ)) اهـ. وفي
"(رَدِّ المحتار": ((مَّا يَبطُلُ بالشَّرِطِ ولا يَصِحُّ تعليقُهُ به لو قالَ: إِنْ قدِمَ ولدي فداري صدقةٌ موقوفةٌ، فجاءَ ولدُهُ
لا تَصِيرُ وقفً؛ لأنَّ شرطَهُ أنْ يكونَ منجَّزاً، جزمَ به في "فتح القدير" و"الإسعافِ"، حيثُ قالَ: إذا أتى غدٌ
أو رأسُ الشَّهرِ، أو إذا كلَّمتُ فلانً، أو تزوَّجتُ فلانً فأَرضي صدقةٌ موقوفةٌ يكونُ باطلاً؛ لأَنَّه تعليقٌ، والوقفُ
لا يَحْتِلُ التَّعليقَ بالخطرِ)) اهـ، فتأمَّل.
(١) "الخانية": كتاب الوقف - فصلٌ في وقف المشَاعِ وفيما يدخل في الوقف إلخ ٣٠٢/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥١/ب.
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢١٧/٥ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٣٨٤
كتاب الوقف
إلاَّ بكائنٍ، ولا مُضافاً، ..
فَأَرضي هذهِ صدقةٌ موقوفةٌ، أو إنْ شئتُ أو أحببتُ يكونُ الوقفُ باطلاً؛ لأنَّ الوقفَ لا يَحْتَمِلُ
التّعلِيقَ بالخطرِ؛ لكونِهِ مَّ لا يُحَلَفُ به، كما لا يَصِحُّ تعليقُ الهبةِ بخلافِ النَّذْرِ؛ لأَنَّه يَحتمِلُهُ
ويُحلَفُ بهِ، فلو قالَ: إِنْ كَلَّمتُ فلاناً إذا قدمَ، أو إنْ بَرِئتُ من مرضي هذا فأَرضي صدقةٌ موقوفةٌ
يَلْزَمُهُ النَّصدُّقُ بعينِها إذا وُجِدَ الشَّرطُ؛ لأنَّ هذا بمنزلةِ الَّذِرِ وَالَمِينِ، "إسعاف"(١).
٢١٢٧٥٦ ] (قولُهُ: إلاَّ بكائنٍ) أي: (٢) موجودٍ للحالِ، فلا يُنافي عدمَ صحَّتِهِ معلَّقً بالموتِ، قالَ
في "الإسعاف"(٣): ((ولو قالَ: إنْ كانَت هذهِ الأرضُ في مِلكي فهي صدقةٌ موقوفةٌ، فإنْ كانَت في
ملكِهِ وقتَ النَّكُلُّمِ صحَّ الوقفُ وإلاَّ فلا؛ لأنَّ النَّعليقَ بِالشَّرطِ الكائنِ تنحيٌ)).
[٢١٢٧٦) (قولُهُ: ولا مضافاً) يعني: إلى ما بعدَ الموتِ، فقد نَقَلَ في "البحر "(٤): ((أنَّ "محمَّدًا"
نصَّ في "السِّيرِ الكبيرِ"(٥): أَنَّه إذا أُضِيفَ إلى ما بعدَ الموتِ يكونُ باطلاً عندَ "أبي حنيفةً")) اهـ.
نَعَم سيأتي (٦) في الشَّرَحِ أَنَّه يكونُ وصيّةً لازمةً من النُّلثِ بالموتِ [٣/ ق٦ ١٠ /أم لا قبلَهُ، أَمَّا لو قالَ:
داري صدقةٌ موقوفةٌ غداً فإنَّه صحيحٌ كما حَزَمَ به في "جامع الفصولَين (٧)، وأقرَّهُ في "البحر "(٨)
و "النّهر "(٩)، وسيذكرُهُ(١٠) "المصنّفُ" قُبَيلَ بابِ الصَّرفِ، فمُرادُ "الشَّارح" بالمضافِ الأوَّلُ
(قولُهُ: فلا يُنافي عدمَ صحَّتِهِ معلّقاً بالموتِ) ولو مُطْلَقَ موتِهِ وإنْ لَزِمَ بالموتِ من النُّلثِ؛ لأنَّ لزومَهُ
إنما هو على أنَّه وصيّةٌ لازمةٌ لا وقفٌ كما يأتي.
(١) "الإسعاف": كتاب الوقف - باب في الوقف الباطل وفيما يُبْطلهُ ص٣٤- بتصرف.
(٢) في "م": ((أو)) . .
(٣) "الإسعاف": كتاب الوقف - باب في الوقف الباطل وفيما يُبْطلهُ صـ٣٤ -.
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٨/٥.
(٥) انظر "شرح السِّير الكبير": باب الوصيّة بالمال في سبيل الله والحَبْس في الحياة والصحَّة ٢١٠٨/٥ بتصرف.
(٦) صـ ٣٩٦ - "در".
(٧) "جامع الفصولين": كتاب الوقف ٢٤٣/٢.
(٨) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٢/٥.
(٩) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥١/أ.
(١٠) انظر "الدر" عند المقولة [٢٥١٠٣] قوله: ((وما تصح إضافته إلخ)) وما بعدها.
الجزء الثالث عشر
٣٨٥
کتاب الوقف
ولا مُؤْقّتاً، ولا بخيارِ شرطٍ، ولا ذُكِرَ معه اشتراطُ بَيْعِه وصَرفٍ ثَمِنِهِ لحاجتِهِ، فإِنْ ذَكرَهُ
فلا غلط في كلامِهِ، فافهم.
[٢١٢٧٧) (قولُهُ: ولا مؤقّاً) كما إذا وَقَفَ دارَهُ يوماً أو شهراً، قالَهُ "الخصَّاف"(١)، وفصَّلَ
"هلالٌ"(٢) بينَ أنْ يَشترِطَ رجوعَها إليه بعدَ الوقتِ فَبطُلُ، وإلاَّ فلا، وظاهرُ "الخانَيَّةِ"(٣) اعتمادُهُ،
"بحر "(٤) و"نهر"(٥)، ويأتي (٦) تمامُهُ عندَ قولِ "المصنّفِ": ((وإذا وقَّهُ بَطَلَ)).
[٢١٢٧٨) (قولُهُ: ولا بخيارِ شرطٍ) معلوماً كانَ أو مجهولاً عندَ "محمَّدٍ"، وصحَّحَهُ "هلالٌ"،
"إسعاف)"(٧). وفي "ط((٨) عن "الهنديَّةُ (٩): ((وصحَّ اشتراطُهُ ثلاثةَ أَيَّامٍ عندَ "الثَّانِي"، ومحلُّ
الخلافِ في غيرِ وقفِ المسجدِ، حَتَّى لو اتَّخَذَ مسجداً على أنَّه بالخيارِ جازَ، والشَّرطُ باطلٌ)) اهـ.
[٢١٢٧٩] (قولُهُ: ولا ذُكِرَ معَهُ اشتراطُ بيعِهِ إلخ) في "الخصَّافِ" (١٠): ((لو قالَ: على أنَّ
لي إخراجَها من الوقفِ إلى غيرِهٍ، أو على أنْ أَهَبَها وأتصدَّقَ بثمنِها، أو على أنْ أَهَبَها ◌َمن شئتُ،
(قولُهُ: لو قالَ: على أنَّ لي إخراجها من الوقفِ إلى غيرِهِ، أو على أنْ أَهَبَها إلخ) في "حاشية
الإسقاطيّ" بعدَ ذِكْرٍ عبارةِ "البزَّازيّ" الَّتي ذكرَها الشَّرحُ ما نصُّهُ: ((وفي "فتاوى الشَّيخِ قاسم": أنَّ الوقفَ
(١) "أحكام الأوقاف": باب الوقف الذي لا يجوز صـ ١٢٧ -.
(٢) هلال بن يحيى بن مسلم الرّائي البصريّ، كان يقال له: هلال الرأي، لسعة علمه وكثرة أخذه بالقياس، (ت٢٤٥هـ). ("طبقات
الفقهاء" للشِّيرازي صـ ١٣٩-، "الجواهر المضية" ٥٧٢/٣، "تاج التراجم" صـ ٢٧٨-، "الأعلام" ٩٢/٨).
(٣) "الخانية": كتاب الوقف - فصل في مسائل الشَّرط في الوقف ٣٠٤/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٤/٥.
(٥) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥١/ب.
(٦) المقولة [٢١٣٣٥].
(٧) "الإسعاف": كتاب الوقف - باب في الوقف الباطل وفيما يبطله صـ٣٢ -.
(٨) "ط": كتاب الوقف ٥٣٠/٢.
(٩) "الفتاوى الهندية": كتاب الوقف - الباب الأول في تعريفه وركنه إلخ ٣٥٦/٥.
(١٠) "أحكام الأوقاف": باب الوقف الذي لا يجوز صـ١٢٨-١٢٩ - بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٣٨٦
کتاب الوقف
أو على أنْ أَرهنَها متى بدا لي وأُخرِجَها عن الوقفِ بِطَلَ الوقفُ))، ثمَّ ذَكَرَ: ((أَنَّ هذا في غيرِ
المسجدِ، أمَّا المسجدُ لو اشترطَ إبطالَّهُ أو بيعَهُ صحَّ وبَطَلَ الشَّرْطُ)).
قلتُ: ولو اشترطَ في الوقفِ استبدالَهُ صحَّ، وسيأتي(١) بيانُهُ.
(تتمَّةٌ)
لا يُشترَطُ قُبُولُ الموقوفِ عليه لو غيرَ معيَّنٍ كالفقراءِ، فلو لشخصٍ بعينِهِ وآخرُهُ للفقراء
اشْتُرِطَ قَبَولُهُ في حقّهِ، فإِنْ قَبَهُ فالغَلَّةُ له، وإنْ ردَّهُ فللفقراءِ، ومَن قَبِلَ ليسَ لهُ الرَّدُّ بعدَهُ، ومَن ردَّهُ
أوَّلَ الأمرِ ليسَ له القَبولُ بعدَهُ، وتمامُ الفروعِ في "الإسعاف"(٢) و"البحر "(٣)، ولا يُشترَطُ أيضاً
صحيحٌ والشَّرْطَ باطلٌ، وهو المختارُ)) اهـ. وفي مِنْهوَّاتِ "فتاوى الأَنْقَرَويّ": ((ولو شَرَطَ في الوقفِ أَنَّ له أنْ
يَبِيعَ ذلكَ، ولم يَشترطِ الاستبدالَ بثمنِهِ ما يَكُونُ وَقْفً مَكَانَهُ قَالَ "محمَّدٌ": الوقفُ باطلٌ، وعن أبي يوسف": أنَّ
الوقفَ جائزٌ وَالشَّرطَ باطلٌ، وفي "الكبرى": هو المختارُ، كذا في وَقْفِ "النّار خائَّة")) اهـ، ثمَّ رأيتُ بخطّ
الشَّيخِ "محمَّد الطَّائِّ" على هامشِ "الخصَّاف" بخطّهِ أيضاً ما نصُّهُ: ((سُئِلَ شيخُنا العلاّمةُ "الإسقاطيُّ"
عن واقفٍ شَرَطَ في وقفِهِ النَّقضَ والإبرامَ والَبديلَ إلخ، ثُمَّ نُوزِعَ في هذا الشَّرطِ، وأرادَ المنازِعُ إبطالَ
الوقفِ به قائلاً: إنَّ النَّقْضَ هو الإبطالُ، وهو مُبطِلٌ للوقفِ، فَحَكَمَ القاضي بعدمِ الإبطالِ وصحَّةٍ
الوقفِ، فهل يَسوغُ لأحدٍ بعدَ ذلكَ إبطالُهُ أو الإفتاءُ بالإِبطالِ؟ فأجابَ: الوقفُ المذكورُ صحيحٌ معمولٌ
به وإنْ لم يَحكُمِ الحاكمُ بصحَّتِهِ، وأمَّا شَرْطُ الواقفِ نَقَضَهُ وإبطالَهُ فهو شرطٌ غيرُ صحيحٍ على ما هو
المختارُ للفتوى، وما نُقِلَ عن أوقافِ "الخصَّاف" و"هلالِ": ((من أنَّ الوقفَ يَبطُلُ بهذا الشَّرطِ)) خلافُ
المختارِ للفتوى، صرَّحَ بذلكَ العلاَّمةُ "قاسمٌ" والشَّيخُ "الطُّوسيُّ" في "فتاويهِما"، وَقَلَهُ "الطَّرَسُوسيُّ" عن
الَّتار خانيّة" و"الفتاوى الكبرى"، ثُمَّ بعدَما حَكَمَ الحاكمُ بالصِّحَّةِ لا يَجُوزُ الإفتاءُ بالإِبطالِ ولا العملُ
بتلكَ الفتوى، واللهُ أعلمُ)) اهـ. وجَعَلَ في "خزانة الأكمل" القولَ ببطلانِ الوقفِ بهذا الشَّرطِ هو
القياسَ، والاستحسانُ صحَّةُ الوقفِ.
(١) المقولة [٢١٥٠٩] قوله: ((وجازَ شرط الاستبدال به إلخ)).
(٢) انظر "الإسعاف": كتاب الوقف - باب في بيان اشتراط قبول الوقف وعدمه صـ ٢١ -.
(٣) انظر "البحر": كتاب الوقف ٢١٦/٥.
الجزء الثالث عشر
٣٨٧
كتاب الوقف
بَطلَ وَقِفُهُ، "بزَّازِيَّةِ"(١). وفي "الفتح"(٢): ((لو وَقِفَ الْمُرتدُّ فقُتلَ أو ماتَ أو ارتدَّ
المسلمُ بَطَلَ وَقِفُهُ».
وجودُ الموقوفِ عليه حينَ الوقفِ، حَتَّى لو وَقَفَ على مسجدٍ هيَّأَ مكانَهُ قبلَ أنْ يَنِيَهُ فالصَّحیحُ
الجوازُ كما سيأتي(٣)، ولا تحديدُ العقارِ بل الشَّرطُ كونُهُ معلوماً، خلافاً لِما يُوهمُهُ كلامُ "القنية (٤)
و "الفتح"(٥)، نعم هو شرطٌ في (٦) الشَّهادةِ، وسنذكُرُّ(٧) تمامَهُ عندَ قولِهِ: ((ولو وَقَفَ العَقَارَ ببقرِهِ)).
٢١٢٨٠١ ] (قولُهُ: بَطَلَ وقَقُهُ) هو المختارُ، "جامعُ الفصولَين(٨) وغيرُه.
(٢١٢٨١) (قولُهُ: فَقُتِلَ أو ماتَ) أمَّا إِنْ أسلمَ صحَّ كما في "البحر"(٩).
مطلبٌ في وقفِ المرتدِّ وَالگَافِرِ
[٢١٢٨٢) (قولُهُ: أو ارتدَّ المسلمُ بَطَلَ وقفُهُ) ويَصِيرُ ميراتً سواءٌ قُتِلَ على ردَّتِهِ أو ماتَ أو عادَ
إلى الإسلامِ، إلاَّ إنْ أعادَ الوقفَ بعدَ عودِهِ إلى الإسلامِ، ويَصِحُّ وقفُ المرتدَّةِ؛ لأَنَّها لا تُقْتَلُ،
"بحر "(٩)، وفي هذهِ المسألةِ الاغتفارُ في الابتداءِ لا في البقاءِ عكسَ القاعدةِ، فإنَّ الرِّدَّةَ المقارِنةَ
(قولُهُ: حَتَّى لو وَقَفَ على مسجدٍ هيََّ مكانَهُ إلخ) تهييءُ المكانِ ليسَ بشرطٍ كما هو ظاهرٌ من
قولِهِ: ((ولا يُشترَطُ وجودُ الموقوفِ عليه إلخ)).
(١) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّته وفساده إلخ ٢٥٧/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الفتح": كتاب الوقف ٤١٧/٥ بتصرف.
(٣) المقولة [٢١٣٣٣] قوله: ((وجعله "أبو يوسف" كالإعتاق)).
(٤) "القنية": كتاب الوقف - باب فيما يتعلَّقُ بالمقابر والمساجد والُّرقِ الداخلة في الوقف ق ٨٧ /ب.
(٥) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢٩/٥.
(٦) ((في)) ليست في "م".
(٧) المقولة [٢١٣٨٩] قوله: ((صحَّ استحسانا إلخ)).
(٨) "جامع الفصولين": الفصل السادس والعشرون فيما يبطل من العقود بالشَّرط إلخ ٤/٢-٥.
(٩) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٤/٥.
حاشية ابن عابدين
٣٨٨
كتاب الوقف
للوقفِ لا تُبُطُلُهُ بل يَتَوقَّفُ، بخلافِ الطَّارئةِ فإِنَّها تُبْطِلُهُ بّاً. اهـ "ط "(١). وسيأتي(٢) تمامُ الكلامِ على
ذلكَ قُبِيلَ الفصلِ الآتي.
(قولُهُ: وسيأتي تمامُ الكلامِ على ذلكَ قبيلَ الفصلِ الآتي) في "شرح الوهبانيَّة ": ((وَإِي في هذهِ المسألةِ نَظَرٌ،
فإِنَّ حبوطَ عمِلِهِ ينبغي أنْ يكونَ في إبطالِ ثواِهِ لا في إبطالِ ما يَتْعَلَّقُ به من حقِّ الفقراءِ وصارَ إليهم، فإِنَّه ينبغي أنْ
لا يَبطُلَ حقُّهم بفعِ)) اهـ ولا فَرْقَ بينَ المرتدِّ والمرتدَّةِ في بطلانِ وقفِهما بالرِّدَّةِ، إنَّا يُفَرَّقُ بينَهما لو وَقَفَا في حالتِها
فَيَنفُذُ منها؛ لأَنّها لا تُقْتَلُ، وَيَتَوقَّفُ منه عندَهُ وَيَنفُذُ عندَهما كما هو حُكُمُ تَصَرُّفِ المرتدِّ، وقال "الخصَّاف": ((وإن
ارتدَّ عن الإسلامِ ثُمَّ وَقَفَ فإنَّ أبا حنيفةً" قالَ: لا يَجُوزُ أمرُهُ في المالِ الَّذي في يدِهِ إِنْ قُتِلَ على ردَّتِهِ أو ماتَ،
وجميعُ ما يَفْعُهُ في مالِهِ باطلٌ، وأمَّا "أبو يوسف" فإنَّ المرويَّ عنه: أَنَّه لو اشترى أو باعَ أو فَعَلَ نحوَ ذلكَ فإنّه جائزٌ،
ولم يُروَ عنه فيما يُتَقَرَّبُ به شيءٌ نَعرِفُهُ)) إلى آخرِ عبارتِهِ، وقالَ "عبد الحليم" في أوَّلِ وقفِ "الدُّرر" ما نصُّهُ: ((وأمَّا
المرتدُّ فلا يخلو مِن أنْ يكونَ مرتدًّا قبلَ الوقفِ أو بعدَهُ، أمَّ الأوَّلُ: فإنْ ماتَ أو قِتِلَ على ردَّتِهِ أو لحِقَ بدارِ الحربِ
وحُكِمَ بلحاقِ بَطَلَ وقَفُهُ ويكونُ ميراثً، وأمَّ الثّاني: فإنّ إذا وَقَفَ حالَ إسلامِهِ وقفاً صحيحاً ثمَّ ارتدَّ بعدَ ذلكَ
وقُتِلَ على ردَّتِهِ أو ماتَ بَطَلَ الوقفُ وصارَ ميراثً؛ لحبوطِ عملِهِ، وقال صاحبُ "المحيط": وعندي في هذهِ المسألةِ
نظرٌ، فإنَّ حبوطَ عمِلِهِ ينبغي أنْ يكونَ في إبطالِ ثوابِهِ لا إبطالِ ما يَتَعلَّقُ به حقُّ الفقراءِ وصارَ إليهم، فإنّه ينبغي أنْ
لا يَطُلَ حقُّهم بفعلِهِ)) اهـ. أقولُ - ومن اللهِ الإعانةُ والتَّوفيقُ -: إنَّ هذا النّظرَ مدفوعٌ عن آخرِهِ؛ لِما أنَّ هذهِ المسألةَ
مبنيّةٌ على قولٍ "أبي حنيفةً"، والوقفُ عندَهُ حبسُ العينِ على مِلكِ الواقفِ، ومن ذلكَ صحَّ تمليكُهُ وارثَهُ والرُّجوعُ
عنه بعدَ كونِهِ وقفاً صحيحاً، فإذا بقيَ الموقوفُ في مِلكِهِ لم يَقَ فرقٌ بينَ الوقفِ قبلَ الارتدادِ وبعدَهُ، وقد سبقَ في
بابِ المرتدّ: أنَّ تَصرُّفَاتِهِ موقوفةٌ، إنْ أَسْلَمَ نَفَذَت، وإِنْ هَلَكَ حقيقةً أو حُكْمً بَطَلَت، إذا عَرَفْت هذا ظهرَ أنَّ وقفَهُ
باطلٌ على كلتا الحالتينِ من غيرِ فرقٍ عندَهُ خلافاً لهما فيهما، فإنَّه إنْ وَقَفَ حالَ الإِسلامِ فِعندَ "أبي يوسف": خَرَجَ
عن مِلكِهِ بمجرَّدٍ قولِهِ: وَقَتُ هذا لهذا، وعندَ "محمَّدٍ": خَرَجَ عنه به وبالَسليمِ والقبضِ، فلم يَبْقَ في مِلكِهِ عندَهما
فلا بَطُلُ بِالرِّدَّةِ، وإنْ وَقَفَ حالَ الرِّدَّةِ فالمحفوظُ عن "أبي يوسف" أنَّ ما عَمِلَ في مالِهِ بشيءٍ أَنَّه جائزٌ، هذا هو
المذكورُ في الكتبِ، فيندرجُ في هذا التَّعميمِ الوقفُ معَ سائرِ المعاملاتِ ولا خفاءَ فيه، وعلى قولِ "محمَّدٍ " يَجُوزُ منه
ما يَجُوزُ من القومِ الَّذي انتقلَ إلى دينهم، هذهِ زبدةُ ما في الشُّروحِ والفتاوى معَ عنايةِ اللهِ تعالى، فاغتنمْ هذهِ الإفادةَ
فإِنَّكَ لا تجدُها مجموعةً في كتابٍ من كتبِ الأنامِ.
(١) "ط": كتاب الوقف ٥٣٠/٢.
(٢) المقولة [٢١٥٨٩] قوله: ((وتبطلُ أوقافُ امرئٍ بارتداده إلخ)).
الجزء الثالث عشر
٣٨٩
کتاب الوقف
ولا يَصِحُّ وَقِفُ مُسلمٍ أو ذِمِيِّ على بِيعَةٍ، أو حَربِيٍّ، قيل: أو مَجوسيٌّ، وجازَ على
ذِمِيِّ؛ لأَنَّه قُربةٌ، حتَّى لو قال: على أنَّ مَن أَسلَمَ مِن وَلدِهِ أو انتقلَ إلى غيرِ
النّصرانيَّةِ فلا شيءَ له لَزِمَ شَرطُهُ.
٣٦٠/٣
[٢١٢٨٣] (قولُهُ: ولا يَصِحُّ وقفُ مسلمٍ أو ذمِّيٌّ على بِيعةٍ) أمَّا في المسلِمِ فلعدمِ كونِهِ قُربةً في
ذاتِهِ، وأمَّا في الدّمِّيِّ فِلِعَدَمِ كونِهِ قربةً عندَنا وَعندَهُ كما مرَّ(١)، أفادَهُ "ح"(٢)، لكنْ هذا إذا لم يَجعَلْ
آخرَهُ للفقراءِ؛ لِما في "الفتح"(٣): ((لو وَقَفَ - أي: الذّمِّيُّ - على بِيعةٍ مثلاً فإذا خرِبَت يكونُ
للفقراءِ كانَ للفقراءِ(٤) ابتداءً، ولو لم يَجعَلْ آخرَهُ للفقراءِ كانَ ميراثاً عنه، نصَّ عليه "الخصَّافُ" (٥)
في "وقفِهِ"، ولم يَحكِ فيه خلافاً)) اهـ، ومثلُهُ في "الإسعاف"(٦). ويَظهَرُ منه: أنَّ في عبارةِ "البحر"
سَقطاً حيثُ قالَ(٧): ((ولو وَقَفَ على بِيعةٍ فإذا خَرِبَت كانَ للفقراءِ لم يَصِحَّ وكانَ ميراثاً؛ لأَنَّه
لیسَ بقربٍ عندَنا)) اهـ.
قلتُ: وينبغي أنْ يَصِحَّ وقفاً على الفقراءِ مطلقاً على قولِ "أبي يوسف" المفتى بهِ، وهو عدمُ
اشتراطِ التّصريحِ بِالَّأبيدِ كما مرَّ(٨) ويأتي (٩)، إلاَّ أنْ يُجابَ: بأنَّ النَّقْبِيدَ بالبيعةِ يُنافي الَّأبيدَ كما
قدَّمناهُ(١٠) قريباً، فتأمَّل.
[٢١٢٨٤) (قولُهُ: أو حربيِّ) لأَنَّا قد نُهينا عن بِرِّهم، "ط)) (١١).
(٢١٢٨٥] (قولُهُ: قيلَ: أو مجوسيٍّ) أشارَ: إلى أنَّ الصَّحيحَ صِحَّةُ الوقفِ عليه ابتداءً كما اختارَهُ
(١) المقولة [٢١٢٧١] قوله: ((وأن يكون قربةً في ذاته)).
(٢) "ح": كتاب الوقف ق ٢٧٣/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الوقف ٤١٧/٥.
(٤) ((كان للفقراء)) ليست في "ك".
(٥) "أحكام الأوقاف": باب وقف أهل الذمّة صـ٣٣٦-٣٣٧ -.
(٦) "الإسعاف": باب أوقاف أهل الذّمّة والصابئة والزنادقة والمستأمنين صـ١٤٥-١٤٦ -.
(٧) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٤/٥.
(٨) المقولة [٢١٢٦٩] قوله: ((واكتفى "أبو يوسف" بلفظ: ((موقوفة)) إلخ)).
(٩) المقولة [٢١٣٣٣] قوله: ((وجعله "أبو يوسف" كالإِعتاق)).
(١٠) المقولة [٢١٢٦٩] قوله: ((واكتفى "أبو يوسف" بلفظ: ((موقوفة)) إلخ)).
(١١) "ط": كتاب الوقف ٥٣٠/٢.
حاشية ابن عابدين
٣٩٠
كتاب الوقف
على المذهبِ)). (والمِلكُ يَزُولُ) عن الموقوفِ بأربعةٍ (١):
في "القنية"(٢)، وفي "الإسعاف"(٢): ((لو وَقَفَ نصرانيٌّ مثلاً على مساكينِ أهلِ الذّمَّةِ جازَ صَرِفُها
لمساكينِ اليهودِ والمجوسِ؛ لكونهم مِن أهلِ الذّمَّةِ، ولو عيَّنَ مساكينَ أهلِ دينِهِ تَعَّنوا، ولو صَرَفَها
القيِّمُ إلى غيرِهِم ضَمِنَ وإنْ كانَ أهلُ الذّمَّةِ مَّةً واحدةً؛ لتعُّنِ الوقفِ بَن يُعِنُّه الواقفُ)).
مطلبٌ: شرائطُ الواقفِ معَتَبَرَةٌ إذا لم تخالفِ الشَّرِعَ
[٢١٢٨٦] (قولُهُ: على المذهبِ) فيه ردٌّ على "الطَّرَسُوسِيِّ"، حيثُ شنَّعَ على "الخصَّافِ)(٤):
((بأَنَّه جَعَلَ الكفرَ سببَ الاستحقاقِ، والإِسلامَ سببَ الحِرمانِ))، قالَ في "الفتح"(٥): ((ولا نَعَلَمُ
أحداً مِن أهلِ المذهبِ تعقَّبَ "الخصَّافَ" [٣/ق ١٠٦/ب] غيرَهُ، وهذا للبعدِ من الفقهِ؛ فإنَّ شرائطَ
الواقفِ معتَرةٌ إذا لم تُخالفِ الشَّرعَ، وهو مالكٌ، فله أنْ يَجعلَ مالَهُ حيثُ شاءَ ما لم يكنْ معصيةً،
وله أنْ يَخُصَّ صنفاً من الفقراءِ ولو كانَ الوضعُ فِي كُلّهم قُربةً، ولا شكَّ أنَّ النَّصدُّقَ على أهلٍ
الذّمَّةِ قُربَةٌ حَتَّى جازَ أنْ يَدفعَ إليهم صدقة الفطرِ والكفَّاراتِ عندَنا، فكيفَ لا يُعتَبرُ شرطُهُ في
صنفٍ دونَ صنفٍ من الفقراءِ؟! أرأيتَ لو وَقَفَ على فقراءِ أهلِ الذّمَّةِ ولم يَذكُرْ غيرَهم أليسَ
يُحرَمُ منه فقراءُ المسلمينَ؟ ولو دَفَعَ المتولّي إلى المسلمينَ ضَمِنَ، فهذا مثُلُهُ، والإِسلامُ ليسَ سباً
للحرمانِ، بل الحرمانُ لعدمٍ تَحَقُّقِ سببِ عَلُّكِهِ لهذا المالِ، وهو إعطاءُ الواقفِ المالكِ)) اهـ.
[٢١٢٨٧] (قولُهُ: والمِلكُ يَزُولُ) أي: مِلكُ الواقفِ، فَيَصيرُ الوقفُ لازماً؛ للأّفاقِ على التَّلازِمِ
بينَ اللُّومِ والخروجِ عن مِلكِهِ كما قدَّمناهُ(٦) عن "الفتح".
[٢١٢٨٨] (قولُهُ: بأربعةٍ) هذا على قولِ "الإِمامِ"، لكنْ فيه: أَنَّه بالثَّاني والنَّالثِ لا يَزُولُ المِلْكُ
(١) في "د" و"و": ((بأحدٍ أمورٍ أربعة)).
(٢) "القنية": كتاب الوقف - باب وقف الكفار ق ٩٤/أ.
(٣) "الإسعاف": باب أوقاف أهل الذّمّة والصابئة والزنادقة والمستأمنين صـ١٤٥ -.
(٤) "أحكام الأوقاف": باب وقوف أهل الذَّمّة صـ٣٤٠-٣٤١ -.
(٥) "الفتح": كتاب الوقف ٤١٧/٥.
(٦) المقولة [٢١٢٥٦] قوله: ((فيلزم)).
الجزء الثالث عشر
٣٩١
كتاب الوقف
بإفرازِ مسجدٍ كما سيجيءُ(١)، و(٢) (بقضاء القاضي)؛
فيه عندَ "الإِمامِ"، حتَّى كانَ له(٣) الرُّجوعُ عنه ما دامَ حيًّا كما سُئِبِّهُ عليه "الشَّارِحُ".
[٢١٢٨٩] (قولُهُ: بإفرازِ مسجدٍ) عَبَّرَ بالإفرازِ؛ لأَنَّ لو كانَ مُشاعاً لا يَصِحُّ إجماعاً، وأفادَ: أَنَّه
يَلزَمُ بلا قضاء.
[٢١٢٩٠] (قولُهُ: وبقضاء القاضي) أي: قضائِهِ بلزومِهِ كما في "الفتح "(٤)، وعبَّرَ في موضعٍ
آخرَ قَبْلَهُ بقولِهِ: ((أي: بخروجِهِ عن مِلكِهِ))، وكلٌّ صحيحٌ؛ لِما قدَّمناهُ(٥) عنهُ آنفاً من التّلازمِ بينَ
الخروجِ والُْزومِ.
(تنبيةٌ)
قالَ العلاَّمةُ "ابنُ الغَرْسِ" في "الفواكهِ البدريَّة"(٦): ((قالوا: القضاءُ بصِحَّةِ الوقفِ لا يكونُ
قضاءً بلزومِهِ، وتوجيهُهُ: أنَّ الوقفَ جائزٌ غيرُ لازمٍ عندَ "الإمامِ" لازمٌ عندَهما، فإذا قضَى القاضي
بصحَّتِهِ احْتُمِلَ أنْ يكونَ قَضَى بذلكَ على مذهبِهِ، ولا معنى للجوازِ ههنا إلاَّ الصِّحَّةُ، ولا يَلْزَمُها
الُزُومُ، فُيُحتاجُ في لزومِ الوقفِ إلى التَّصريحِ بذلكَ، وفيه نظرٌ، وجهُهُ: أنَّ "الإِمامَ" لم يَقُلْ بكونِ
الوقفِ جائزاً غيرَ لازمٍ مطلقاً، بل هو عندَهُ لازمٌ إذا علَّقَهُ الواقفُ بالموتِ أو قَضَى به القاضي،
ولا شكَّ أنَّ القضاءَ بصِحَّةِ الوقفِ قضاءٌ بالوقفِ، فيكونُ القضاءُ بصحَّتِهِ مقتضِياً للزومِهِ،
فلا يُحتاجُ إلى التَّصريحِ بالُزومِ في القضاءِ به، فليُتْأمَّل)) اهـ كلامُ "ابنِ الغَرْسِ".
(١) صـ ٤٠٥- "در".
(٢) في "و": ((أو)).
(٣) ((له)) ساقطة من "الأصل".
(٤) "الفتح": كتاب الوقف ٤١٨/٥.
(٥) المقولة [٢١٢٨٧] قوله: ((والِلْكُ يزول)).
(٦) "الفواكه البدريَّة في الأقضية الحكمية" ويعرف بـ "رسالة القضاء" لأبي اليسر محمد بن محمد المصريّ، بدر الدين
المعروف بابن الغَرْسِ (ت ٨٩٤هـ). ("كشف الظنون" ١٢٩٣/٢، "الضوء اللامع ٢٢٠/٩).
حاشية ابن عابدين
٣٩٢
كتاب الوقف
لأَنَّه مُحَتَهَدٌ فيه، وصُورتُه: أنْ يُسلِّمَه إلى الْمُنولِّي، ثمَّ يُظهِرَ الرُّجوعَ، "معين المفتي"
معزيًّاً لـ "الفتح"(١)، (المُوَلَّى مِن قِبَلِ السُّلطانِ).
وحاصلُهُ: أنَّ القضاءَ بصخَتِهِ كالقضاءِ بلزومِهِ أو بخروجِهِ عن مِلكِهِ، وفيه نظرٌ؛ لأَنّهم اتَّفقوا
على صحَّةِ الوقفِ بمجرَّدٍ القولِ، وإنَّ الخلافُ في الُّزومِ، فـ "الإِمامُ" لا يقولُ به، وقد تقرَّرَ أنَّ كلَّ
محَتَهَدٍ فيه إذا حَكَمَ به حاكمٌ يراهُ نفَذَ حكمُهُ وصارَ مجمَعاً عليه، فليسَ لحاكمٍ غيرِهِ نقضُهُ، والوقفُ
من هذا القبيلِ، فإذا حَكَمَ بلزومِهِ حاكمٌ يَراهُ لَزِمَ اتّفاقاً وارتَفَعَ الخلافىُ، أَمَّا لو حَكَمَ بأصلِ الصِّحَّةِ
فلا؛ لأَنّها ليسَت محلَّ الخلافِ، ولا نُسلِّمُ أَنَّها تَستَلِمُ اللّزومَ؛ وإلاّ لم يكنْ خلافٌ فيه معَ أَنَّه
ثابتٌ، فقولُهم: (( يلزمُ عندَ "الإِمامِ" بالقضاءِ)) معناهُ: بالقضاءِ بلزومِهِ أو بخروجِهِ عن مِلكِهِ كما
مرَّ(٢)، أمَّا لو حَكَمَ بالصِّحَّةِ بأنْ وَقَعَ الْنّزاعُ فيها فقط بأنِ ادَّعى عبدُهُ تعليقَ عَتِقِهِ على وقفِهِ أرضَهُ،
فأنكرَ المولى صحَّةَ الوقفِ لكونِهِ علَّقَهُ بشرطٍ مثلاً، فأَتْبَتَ العبدُ أَنَّه علَّقَهُ بكائنٍ، فَحَكَمَ الحاكمُ
بصِحَّتِهِ فهو صحيحٌ، ولا يَستلزِمُ الُّومَ؛ لأَنَّه ليسَ محلّ الّزاعِ، هذا ما ظَهَرَ للفكرِ الفاترِ، فتدبَّرُهُ.
[٢١٢٩١] (قولُهُ: لأَنَّه محتهٌَ فيه) أي: أَنَّه يَسوُ فيه الاجتهادُ والاختلافُ بينَ الأئمَّةِ،
فَيَكُونُ الحكمُ فيه رافعاً للخلافِ كما قلنا، وهذا تعليلٌ لزوالِ المِلكِ ولزومِهِ عندَ "الإمامِ" القائلِ
بعدمٍ ذلكَ، فافهم.
[٢١٢٩٢] (قولُهُ: وصورتُهُ) أي: صورةُ قضاءِ القاضي بلزومِهِ.
(٢١٢٩٣] (قولُهُ: أنْ يُسلِّمَهُ) أي: يُسلِّمَ الواقفُ وقفَهُ بعدَ أنْ نصَبَ له متولّياً.
[٢١٢٩٤] (قولُهُ: ثُمَّ يُظهِرَ الرُّجوعَ) أي: يَدَّعِيَ عندَ القاضي أَنَّه رَجَعَ عن وقفِهِ، ويَطلُبَ ردّهُ
إليه لعدمٍ لزومِهِ، ويَتَيْعَ المتولّي من ردِّهِ إليهِ، فَحكُمُ القاضي بلزومِهِ، فَيلزَمُ عندَ "الإِمامِ" أيضاً؛
لارتفاعِ الخلافِ بالقضاءِ.
(١) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢٠/٥.
(٢) في هذه المقولة.
الجزء الثالث عشر
٣٩٣
كتاب الوقف
لا اُحكَّمِ،
[٢١٢٩٥) (قولُهُ: لا المُحكَّمِ) فإنَّ الصَّحيحَ أنَّ بُحُكْمِهِ لا يرتَفِعُ الخلافُ، وللقاضي أنْ يُبْطَلَهُ،
"بحر"(١) عن "الخانّة"(٢)، ومثلُهُ في "الإسعاف" (٣) خلافاً لِما صحَّحَهُ في "الجوهرة"(٤).
٣٦١/٣
(تنبيةٌ)
قالَ في "الإسعاف" (٥): ((ولو كانَ الواقفُ [٣/ ق١٠٧ / أ] مجتهداً يَرى لزومَ الوقفِ فأمضى رأيَهُ
فيه، وعَزَمَ على زوالِ مِلكِهِ عنه، أو مُقَلِّداً فسَالَ فُقِيَ بالجوازِ، فَقَبِلَهُ وعَزَمَ على ذلكَ لَزِمَ الوقفُ،
ولا يَصِحُّ الرُّجوعُ فيه وإنْ تبدَّلَ رأيُ المجتهدِ وأُفِيَ المقلِّدُ بعدمِ الُّزومِ بعدَ ذلكَ)) اهـ. فهذا نَّا
يُزادُ على ما يَلزَمُ به الوقفُ، لكنْ قالَ في "النّهر"(٦) بعدَ نقلِهِ له: ((الظَّاهرُ ضَعفُهُ)) اهـ، أي:
لمخالفتِهِ لقولِ المتونِ: ((يَزُولُ بقضاءِ القاضي))، وأيضاً فإنَّ العبرةَ لرأي الحاكمِ، فإذا رُفِعَ إليه حُكْمٌ
يَحْكُمُ فيه برأيهِ لا برأي الخصمِ، والظَّاهرُ: أنَّ ما في "الإسعاف" صحيحٌ بالنّسبةِ إلى الدِّيانةِ؛
لأنَّ المجتهدَ إذا تغيَّ رأيهُ لا يُنْقَضُ ما أمضاهُ أوّلاً، وكذا المقلّدُ في حادثةٍ ليسَ له الرُّجوعُ فيها بتقليدِهِ
مجتهداً آخرَ، أمَّا لو رُفعَت حادثَةُ ذلكَ المجتهدِ أو المقدّدِ إلى حاكمٍ آخرَ فإنّه يَحَكُمُ برأيٍ نفسِهِ كما
قلنا، ولذا قالَ: ((ولا يَصِحُّ الرُّجوعُ فيه)) ولم يَقُلْ: ولا يَصِحُّ الحكمُ بخلافِهِ، فاغتنم هذا التّحريرَ.
(قولُهُ: والظَّاهرُ: أنَّ ما في "الإسعاف" صحيحٌ بالنّسبةِ إلى الدِّيانةِ إلخ) والظَّاهرُ: أنَّ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ
صحيحٌ كذلك بالنسبةِ للدِّيانةِ، بل الظَّاهرُ اعتمادُ تَصحِيحِ "الجوهرة": من أنَّ المُحَكَّمَ كالمُولِّ؛
لأَنَّه أَنفَعُ لجهةِ الوقفِ.
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٧/٥.
(٢) "الخانية": كتاب الوقف ٢٨٦/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الإسعاف": كتاب الوقف صـ٧ -.
(٤) "الجوهرة النيرة": كتاب الوقف ٢١/٢.
(٥) "الإسعاف": كتاب الوقف صـ ٧-٨ -.
(٦) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٢/أ.
حاشية ابن عابدين
٣٩٤
کتاب الوقف
وسَيجيءُ: أنَّ البِّةَ تُقبَلُ بلا دَعوى، ثمَّ هل القضاءُ بالوَقفِ قضاءٌ على الكافّةِ
فلا تُسمَعُ فيه دَعوى مِلْكٍ آخَرَ ووقفٍ آخَرَ أم لا فُتُسمَعُ؟ أفتى "أبو السُّعودِ"
- مُفتَي الرُّومِ - بالأوَّلِ، وبه حَزْمَ في "المنظومةِ المُحبيَّةِ"(١)،
[٢١٢٩٦] (قولُهُ: وسيجيءُ(٢) أي: في أوَّلِ الفصلِ الآتي.
[٢١٢٩٧] (قولُهُ: أَنَّ البيِّنَةَ تُقبَلُ بلا دَعْوى) أي: في الوقفِ؛ لأنَّ حُكْمَهُ هو التَّصدُّقُ بالغَلَّةِ
وهو حقُّ اللهِ تعالى، وفي حقوقِ اللهِ تعالى يَصِحُّ القضاءُ بالشَّهادةِ من غيرِ دعوى، "بحر "(٣) عن
"المحيط"، وأشارَ بهذا إلى أنَّ ما مرَّ(٤) من تصويرِهِ بالدَّعوى غيرُ لازمٍ، لكنْ قالَ "الخير الرَّمليُّ":
((الكلامُ في الحكمِ الرَّافعِ للخلافِ لا الحكمِ بثبوتِ أصلِهِ، فإِنَّه غيرُ محتاجٍ إلى الدَّعوى عندَ
البعضِ، وأمَّا الْحُكْمُ بالُّزومِ عندَ دعوى عدمِهِ فلا يَرفَعُ الخلافَ إلَّ بعدَ تمامِ الدَّعوى فيه ليصيرَ في
حادثةٍ؛ إذ المتنازَعُ فيه حينئذٍ اللّزومُ وعدمُهُ فَرَفَعُ الخلافَ)) اهـ.
[٢١٢٩٨] (قولُهُ: قضاءٌ على الكافّةِ إلخ) أي: لا على المقضيِّ عليه فقط كما في دعوى المِلكِ،
فإِنَّه لو ادَّعى على ذي اليدِ أنَّ هذا مِلكُهُ وحَكَمَ به القاضي تُسمَعُ دعوى رجلٍ آخرَ على المدَّعي
بأنّه مِلْكُهُ، بخلافِ ما إذا حَكَمَ لإِنسانِ بالحرِيَّةِ - ولو عارِضَةٌ - أو بنكاحِ امرأةٍ أو بنسبٍ أو بولاءٍ
عَتاقةٍ، فإنَّه لا تُسمَعُ دعوى آخرَ عليه، فإنَّه في هذهِ الأربعةِ قضاءٌ على كافَّةِ النَّاسِ كما أفادَهُ
(قولُهُ: وأشارَ بهذا إلى أنَّ ما مرَّ من تصويرِهِ بالدَّعوى غيرُ لازمٍ إلخ) وأصلُهُ لـ "البحر" حيثُ قالَ
بعدَ تصويرِ طريقِ القضاءِ بما ذكرَهُ "الشَّارحُ": ((وإنّما يَحتاجُ إلى الدَّعوى عندَ البعضِ، والصَّحيحُ أنَّ
الشَّهادةَ بالوقفِ بدونِ الدَّعوى مقبولةٌ)) اهـ.
(١) "المنظومة المُحبَّة": كتاب القضاء صـ٣٥ -.
(٢) صـ ٥٧٩ - وما بعدها "در".
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٧/٥.
(٤) في هذه الصحيفة "در".
الجزء الثالث عشر
٣٩٥
كتاب الوقف
ورَجَّحُهُ "المُصنّفُ"؛ صَوناً عن الحِيلِ لإِبطاله، لكِنَّ نَقلَ بعدَهُ عن "البحر"(١): ((أنَّ
الْمُعَتَمِدَ: الثّاني))، وصحَّحهُ في "الفواكِهِ البَدريَّةِ"، وبه أَفتى "المُصنّفُ)) (٢)،
(أو بالموتِ إذا عَلَّقَ به) أي: بموتِه كـ: إذا مِتُّ فقد وقفتُ داري على كذا، .......
في "البحر"(٣)، وسيجيءُ(٤) في بابِ الاستحقاق.
[٢١٢٩٩] (قولُهُ: ورجَّحَهُ "المصنّف" (٥)) حيثُ قالَ: ((وينبغي أنْ(٦) يُفتى به ويُعوَّلَ عليه؛ لِما
فيه من صونِ الوقفِ عن النَّعرُّضِ إليه بالحيّلِ والتَّلابيسِ والدَّعاوى المفتعَلَةِ قصداً لإبطالِهِ، ولِما فيه
مِن النَّفْعِ للوقفِ، وقد صرَّحَ صاحبُ "الحاوي القدسيّ)(٧) بأَنَّه يُفْتَى بكلِّ ما هو أنفعُ للوقفِ فيما
اختَلَفَ العلماءُ فيه، حَتَّى نُقِضَتِ الإجارةُ عندَ الزِّيادةِ الفاحشةِ نظراً للوقفِ، وصيانةً لحقِّ اللهِ
تعالى، وإبقاءً للخيراتِ)) اهـ "ط "(٨).
٢١٣٠٠١] (قولُهُ: أنَّ المعتمدَ الثَّاني) قالَ "شيخُنا" حفظَهُ الله تعالى: ((ينبغي الإفتاءُ بهذا إنْ
عُرِفَ الواقفُ بالحَلِ؛ لأَنَّه قد يَقِفُ عَقَارَ غيرِهِ، وَيَقْضِي القاضي بلزومِهِ لِدَفْعِ دعوى مالكِهِ،
وإلاَّ فُيُقْتِى بِالأَوَّلِ)) اهـ. وهو حسنٌ، وفيه جمعٌ بينَ القولَينِ.
[٢١٣٠١] (قولُهُ: أو بالموتِ إلخ) معطوفٌ على قولِهِ: ((بقضاءٍ))، ومقتضاهُ: أنَّه يَزُولُ الملكُ به،
(قولُهُ: وَيَقضِي القاضي بلزومِهِ لدفعِ دعوى إلخ) الظّهرُ: أنَّ الحُكمَ بالْلُزومِ ليسَ حُكْماً على الكافّةِ إذا
كانَتِ المرافعةُ فيه فقط معَ الَتَّصادُقِ بينَ المتداعيَينِ على أصلِ الإيقافِ ومِلكِ الواقفِ؛ إذ الحُكُمُ حينئذٍ إِنّا هو
بالُّزومِ فقط، وأصلُ الإيقافِ والملكِ متصادَقٌ عليه غيرُ محتاجٍ للحُكمِ حَتّى يِقالَ: يتعدَّى أَوْ لا، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٨/٥.
(٢) انظر "المنح": كتاب في بيان أحكام الوقف ١/ق ٢٦٨/أ.
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٨/٥.
(٤) انظر المقولة [٢٤٥٥٢] قوله: ((وصحَّحه "العمادي")) وما بعدها.
(٥) "المنح": كتاب في بيان أحكام الوقف ١/ق ٢٦٨/أ بتصرف، وفيها: ((المنفعلة)) بدل ((المفتعلة)) وهو خريف.
(٦) في "م": ((أنه)).
(٧) "الحاوي القدسي": كتاب الوقف - فصلٌ: لا يباع الوقف ولا يوهب ولا يتصرف فيه بشيءٍ من تصرفات الملك ق ١٠٠ /ب.
(٨) "ط": كتاب الوقف ٥٣١/٢.
حاشية ابن عابدين
٣٩٦
كتاب الوقف
فالصَّحِيحُ أَنَّه كوصيَّةٍ تَلزَمُ مِن الثُّلثِ بالموتِ لا قَبْلَه».
وهو ضعيفٌ كما أشارَ إليه "الشَّارِحُ"، قالَ في "الهداية"(١): ((وهذا - أي: زوالُ الملكِ - في حُكْمٍ
الحاكمِ صحيحٌ؛ لأَنَّه قضاءٌ في فصلٍ محتهَدٍ فيه، أمَّا في تعليقِهِ بالموتِ فالصَّحيحُ أَنَّه لا يَزُولُ مِلكُهُ،
إلَ(٢) أَنَّه تَصَدَّقَ بمنافعِهِ مُؤَّداً، فَيَصيرُ بمنزلةِ الوصيّةِ بالمنافعِ مؤيَّداً فيلزمُهُ)) اهـ
والحاصلُ: أَنَّه إذا علَّقَهُ بموتِهِ فالصَّحيحُ أَنَّه وصيّةٌ لازمةٌ، لكنْ لم يَخرُجْ عن مِلكِهِ، فلا يُتصوَّرُ
التّصرُّفُ فيه ببيعٍ ونحوِهِ بعدَ موتِه؛ لِما يَلزمُ من إبطالِ الوصيّةٍ، وله أنْ يَرجِعَ قبلَ موتِه كسائرِ
الوَصايا، وإنَّا يَلْزَمُ بعدَ موتِه؛ "بحر "(٣)، ومثلُهُ في "الفتح"(٤)، ومحصَّلُ هذا: أنَّ المعلَّقَ بالموتِ لا يكونُ
وقفاً في الصَّحيحِ، فلا يَزُولُ به الملكُ قبلَ الموتِ ولا بعدَهُ، بل يكونُ وصِيَّةٌ لازمةً بعدَهُ، حَتّى
لا يَجُوزُ الَّصرُّفُ به، لا قبلَهُ حَتَّى جازَ له الرُّجوعُ عنه، وهذا معنى قولِ "الشَّارِحِ": ((فَالصَّحِيحُ أَنَّه
كوصيَّةٍ إلخ))، فإنّه قَصَدَ به تحويلَ كلامِ "المصنّفِ"؛ لأنَّ كلامَهُ فيما يزُولُ به الِلْكُ لا فيما يَلْزَمُ،
ولا يُنافي هذا ما قدَّمناهُ(٥) من الاتّفاقِ على التَّلازمِ بينَ اللُّومِ والخروجِ عن المِلكِ؛ لأنَّ ذاكَ في
الوقفِ، وأمَّ المعلَّقُ بالموتِ فليسَ وقفاً كما عَلِمتَ، فلا يَلزَمُ من لزومِهِ وصِيَّةً أنْ يَخرُجَ عن الملكِ.
[٢١٣٠٢] (قولُهُ: فالصَّحِيحَ أَنَّه كوصيّةٍ) قد علمتَ أنَّه تحويلٌ لكلامِ "المصنّف" لا تفريعٌ،
قالَ في "الفتح"(٦): ((وإنّا كانَ هذا هو الصَّحيحَ لِما يَلزَمُ على مقابلِهِ من جوازِ تعليقِ الوقفِ،
[٣/ق ١٠٧ /ب] والوقفُ لا يَقبَلُ التَّعليقَ بالشَّرطِ)) اهـ. واعترضَهُ "الحمَويُّ": ((بأنَّه تعليقٌ بكائنٍ،
وهو كالمنجٍّ)).
قلتُ: قدَّمنا (٧) أنَّ المرادَ بالكائنِ المحقَّقُ وجودُهُ للحالِ، فافهم.
(١) "الهداية": كتاب الوقف ١٤/٣.
(٢) في "ب": ((لا)) وهو تحريف.
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٨/٥ باختصار.
(٤) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢٣/٥.
(٥) المقولة [٢١٢٨٧] قوله: ((والملك يزول)).
(٦) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢٣/٥.
(٧) المقولة [٢١٢٧٥] قوله: ((إلا بكائن)).
الجزء الثالث عشر
٣٩٧
كتاب الوقف
قلتُ: ولو لوَارِه وإنْ رَدُّوهُ،
مطلبٌ في وقفِ المريضِ
(٢١٣٠٣] (قولُهُ: ولو لوارثِهِ إلخ) أي: يَلزمُ من التُّلثِ ولو كانَ وقفاً على وارثِهِ وإنْ ردُّوهُ،
أي: الورثةُ الموقوفُ عليهم، أو وارثٌ آخرُ، وفي "البحر "(١) عن "الظَّهِيرِيَّةِ) (٢): ((امرأةٌ وقفَت منزلاً
في مرضِها على بناتِها ثمَّ على أولادِهنَّ وأولادٍ أولادِهِنَّ أبداً ما تناسلوا فإذا انقرضوا فللفقراء، ثمَّ
ماتَت في مرضِها وخلَّفَت بنتينِ وأختاً لأبٍ، والأختُ لا ترضى بما صَنَعَت ولا مالَ لها سوى المنزل
٣٦٢/٣ جازَ الوقفُ في النُّلثِ ولم يَجُزْ فِي النُّلشينِ، فَيُقْسَمُ الثِّلثانِ بينَ الورثةِ على قدرِ سهامِهم، ويُوقَفُ
الثِّلثُ، فما خَرَجَ من غلّتِهِ قُسِمَ (٣) بينَ الورثةِ كُلّهم على قَدْرِ سهامِهم ما عاشَتِ البنتان، فإذا ماتتا
صُرِفَتِ العَلَّةُ إلى أولادِهما وأولادٍ أولادِهما كما شَرَطَت الواقفةُ، لا حقَّ للورثةِ في ذلكَ.
رجلٌ وقفَ داراً له في مرضِهِ على ثلاث بناتٍ له وليسَ له وارثٌ غيرُهنَّ، قالَ: الثُّلثُ من
الدارِ وقفٌ * والنِّلنَانِ مُطْلَقٌ يَصنعْنَ بهما ما شئنَ، قَالَ الفقيهُ "أبو اللّيثِ": هذا إذا لم يُحِزْنَ، أمَّا إذا
أَجَزْنَ صارَ الكلُّ وقفً عليهنَّ)) اهـ. وهذا عندَ "أبي يوسف" خلافاً لـ "محمَّدٍ"، "إسعاف"(٤)، أي:
لأَنَّه مُشاعٌ، حيثُ وققَهُ على الَّلاثةِ ولم يَقْسِمْهُ كما يُفهَمُ من كلامٍ "الإسعاف".
(قولُهُ: خلافاً لـ "محمَّد"، "إسعاف"، أي: لأَنّه مُشاعٌ إلخ) فيه تأمُّلٌ كما يأتي، والأظهرُ: أنَّ وجهَ
عدمِ الصِّحَّةِ على قولِ "محمَّدٍ" عدمُ التَّسليمِ لا الشُُّوعُ؛ لأَنَّه طارئٌ كما يأتي.
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢١٠/٥.
(٢) "الظهيرية": كتاب الوقف - الفصل الثاني في وقف المشاع وفيما يدخل تحت الوقف تبعاً ق ٢١٢/أ - ب.
(٣) في هامش "الأصل": ((قوله: قُسِم إلخ)) لأَنَّ لَّا كانتِ الوصيّة للورثة ورُدَّتْ بقي حصَّة الرَّادَّة، فافهم.
٥ قوله: ((قال: الفِّلُثُ من الدَّار وَقْفٌ إلخ)) أي: لأنَّ الوقفَ في المرضِ وصيّةٌ فُتُنفَّذُ من الثَّلث فقط إلاَّ بإجازةٍ، لكن
صرَّحوا: بأنَّ الوصيّة للوارث لا تَجُوز، ولعلَّ مرادَهم إن وُجِدَ المنازِعِ وهو الوارث الآخَرُ لتعلُّق حقّه، فإن لم
يُوجَد تجوز بلا إجازة، لكن قد يقال: إذا لم يُوجَد غيرُهُ فِلِمَ لا يَجُوز في الكلِّ بل تَوقَّفَ جوازُها في النُّلشين على
الإِجازة؟ وقد يجاب: بأنَّ الشَّارع لم يَجْعَل للموصي حقّاً فيما زاد على النُّلُث فلم تَحُز في الزَّائد وإن كانت
للوارث بلا منازع إلاّ إذا أجازها، هذا ما ظَهَرَ لي، والله تعالى أعلم. اهـ منه.
(٤) "الإسعاف": باب بيان ما يجوز وقفه وما لا يجوز إلخ - فصل في وقف المشاع وقسمته والمهايأة فيه صـ ٣٠ -.
حاشية ابن عابدين
٣٩٨
كتاب الوقف
لكنّه يُقسَمُ كالثَّين. فقولُ "البزَّازِيَّةِ": ((إنّه إرثٌ)).
[٢١٣٠٤] (قولُهُ: لكنَّهُ يُقْسَمُ) أي: إذا رَدُّوهُ يُقْسَمُ الّلثُ الَّذي صارَ وقفاً، أي: تُقْسَمُ علَّتُه
كالنِّثينِ فُتُصرَفُ مصرِفَ النُّلِينِ على الورثةِ كلِّهم مادامَ الموقوفُ عليه حيًّا، أمَّا إذا ماتَ تُقْسَمُ
غَلَّةُ الثُّلثِ الموقوفِ على مَن يَصيرُ له الوقفُ كما عَلِمتَ، وبقيَ ما لو ماتَ بعضُ الموقوفِ
عليهم، فإنّه ينتقِلُ سهمُهُ إلى ورثتِهِ ما بقيَ أحدٌ من الموقوفِ عليه حيًّ كما في "الإسعاف"(١).
[٢١٣٠٥] (قولُهُ: فَقولُ "البرَّازِيَّة "(٢)) عبارتُها: (أَرْضي هذهِ موقوفةٌ على ابني فلانٍ، فإنْ
ماتَ فعلى ولدي وولدٍ ولدي وَنَسْلِي، ولم تُجِزِ الورثةُ، فهي إرثٌ بينَ كلِّ الورثةِ مادامَ الابنُ
الموقوفُ عليه حيًّا، فإذا ماتَ صارَ كُلُّها للَّسلٍ)) اهـ.
(قولُهُ: فإذا ماتَ صارَ كُلُّها للنّسلٍ) فيه: أنّه يَدْخُلُ فِي النَسلِ ولدَهُ لصلِبِهِ غيرُ ابنِهِ المشروطِ له الوقفُ
أوَّلاً، وفيه الوصيّةُ للوارثِ، فإذا زادَ نصيبُهُ من الغَلَّةِ كيفَ يَستَحِقُّهُ بدونٍ إجازةٍ من باقي الورثةِ؟ معَ أنَّ
مقتضى ما ذكرَهُ في "البحر" عن "البزَّازِيَّةُ"- بقولِهِ: ((وَقَفَ أرضَهُ في مرضِهِ على ولدِهِ وولدٍ ولده(٣) ولا مالَ
له سواها فتلُها وقفٌ على ولدِ الولدِ بلا توقُّفٍ على إجازةِ الورثةِ، والنُّلثانِ مِلكٌ إنْ لم يُحيزوا)) اهـــ أَنَّه
بانقراضِ الابنِ المعَيَّنِ يكونُ الوقفُ على النَّسلِ ما عدا ولدَهُ الصُّلبيَّ الوارثَ، ومقتضى ما يأتي في الوصايا: أنْ
تُقْسَمَ الغَلَّةُ بعدَ موتِ الابنِ المعَيَّنِ على ولدِ الواقفِ وولدِ ولدِهِ، فما أصابَ ولدُ الولدِ كانَ له، وما أصابَ
الولدُ يقسَمُ عليه قسمةَ ميراثٍ، وقالَ في "الإسعاف": ((لو قالَ: أرضي صدقةٌ موقوفةٌ بعدَ موتي على وَلدِي
وولدٍ ولدي ونَسلِي ومِن بعدِهم على المساكينِ وليسَ له مالٌ غيرُها، ولم تُجزْهُ الورثةُ يكونُ ثلثاها ملكاً
لورثتِهِ على قدرِ مِلكِهم وثلتُها وقفاً على ولدِهِ وولدٍ ولدِهِ ونسِهِ، ثُمَّ يُنظَرُ إلى عددِ الفريقَينِ يومَ إتيانِ الغَلَّةِ
وتُقَسَمُ على عددِهم، فإنْ كانَ ما يُصيبُ ولدُ الولدِ والنَّسلُ مثلَ عَلَّةِ النُّلثِ الّذي صارَ وقفاً - كما إذا كانَ
أولادُ الصُّلبِ عشرةً والنَّافِلةُ خمسةً، أو أكثرَ من غلّةِ النُّلثِ الموقوفِ كما إذا تَسَاوِى عددُ الفريقَين - كانَت
غَلّةُ الَّلثِ الوقفِ لهم خاصَّةً، ولا شيءَ لولدِ الصُّلبِ منه، وإنْ كانَ ما يُصيبُ النَّافِلةُ من جميعٍ غَلَّةِ الأرضِ
أقلّ من غلّةِ الثّلثِ الَّذي صارَ وقفاً - كما إذا كانوا ثلاثةً وأولادُ الصُّبِ تسعةً - يُعطى لهم ما كانَ يُصيبُهم
من جميعٍ عَلَّةِ الأرضِ، وما فَضَلَ يكونُ ميرانً بينَ ورثتِهِ إلخ)).
(١) "الإسعاف": باب بيان ما يجوز وقفه وما لا يجوز إلخ - فصل في وقف المشاع وقسمته والمهايأة فيه صـ ٣٠ -.
(٢) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الأول في المقدمة ٢٤٩/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) عبارة "التقريرات": ((وولد وولده)) بإضافة الواو في ((ولد)) الثانية، وهو خطأ، وما أُثبتناه من "البحر" ٢١١.٥.
الجزء الثالث عشر
٣٩٩
كتاب الوقف
أي: حُکماً، فلا خلل في عبارتِهِ،
[٢١٣٠٦] (قولُهُ: أي: حُكماً) اعلمْ أنَّ خبرَ المبتدأِ وهو ((قولُ)) - مدلولُ ((أي)) النَّفسيرِيَّةِ،
فكأَنَّه قالَ: مفسَّرٌ بالإرثِ حُكْمًاً، و((حُكْمَاً)) تمييزٌ عن الإرثِ المقدَّرِ.
وحاصلُهُ: أنَّ المرادَ أَنَّه إرثٌ من جهةِ الحكمِ، أي: من حيثُ إنّه يُقْسَمُ كالإرثِ على
الفريضةِ الشَّرعيَّةِ ما دامَ الموقوفُ عليه حيًّا(١)، وإلاّ ففي الحقيقةِ النُّلثُ وقفٌ والباقي مِلكٌ.
[٢١٣٠٧] (قولُهُ: فلا خَلَلَ في عبارتِهِ) أي: عبارةِ "البزَّازيّ"، وهذا جوابٌ عن قولِ
"البحر "(٢): ((هي عبارةٌ غيرُ صحيحةٍ؛ لِما مرَّ عن "الظَّهيريَّة": أنَّ الْتُلثينِ مِلكٌ، والتّلثَ وقفٌ، وأنَّ
غلّةَ الُّلثِ تُقْسَمُ على الورثةِ مادامَ الموقوفُ عليه حيًّا)) اهـ.
قلتُ: والظَّاهرُ: أنَّ الاعتراضَ على عبارةِ "البزَّزيّ" من وجهينِ: الأوَّلُ: ما مرَّ(٣) من قولهِ:
(فهي إرثٌ))، وجوابُهُ ما عَلِمتَ من أَنَّها إرثٌ حكماً، أي: حصَّةُ الوقفِ فقط.
والّاني قولُهُ: ((فإذا ماتَ صارَ كُلُّها للنّسل)) فإنَّه غيرُ صحيحٍ أيضاً؛ لأنَّ الذي يَصِيرُ للّسلِ
هو الّلثُ الموقوفُ، أمَّ النَّانِ فهما مِلكٌ للورثةِ حيثُ لم يُجيزوا.
والذي يَظهرُ لي (٤) في الجوابِ عن الوجهينِ: أنَّ الضَّمِيرَ في قولِهِ: ((فهي إرثٌ)) راجعٌ إلى غلَّةِ
الُّلثِ الموقوفِ، وكذا ضميرُ قولِهِ: ((صارَ كُلُّها للنّسل))، أو يقالُ: مرادُهُ ما إذا كانَت الأرضُ كُّها
تَخْرُجُ من النُّلثِ، فَإِنَّها حينئذٍ تَصِيرُ كلُّها وقفاً، وحيثُ لم يُحِيزوا تُقْسَمُ علَُّها كالإرثِ، ثُمَّ بعدَ
موتِ الابنِ تَصِيرُ كُلُّها للَّسلِ، يؤيِّدُ ما قلنا ما في "البزَّازَّة"(٥) أيضاً: ((وَقَفَ أرضَهُ في مرضِه
على بعضٍ ورثِهِ، فإنْ أجازَ الورثةُ فهو كما قالوا في الوصيَّةِ لبعضٍ ورثِهِ، وإلاَّ فإنْ كانَت تَخرُجُ
(١) من ((فإذا مات صار)) إلى ((عليه حيًّا)) ساقط من "ك".
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢١٠/٥.
(٣) المقولة [٢١٣٠٥] قوله: ((فقول "البزازية")).
(٤) ((لي)) ليست في "م".
(٥) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الأول في المقدمة ٢٤٩/٦ -٢٥٠ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
حاشية ابن عابدين
٤٠٠
كتاب الوقف
فاعتَبَروا الوارِثَ(١).
من الثُّلثِ صارَت الأرضُ وقفاً، وإلاَّ فمقدارُ ما خَرَجَ من الّلثِ يَصِيرُ وقفاً، ثمَّ تقسَمُ جميعُ علَّةِ
الوقفِ - ما جازَ فيه الوقفُ وما لم يَجُزْ - على فرائضِ اللهِ تعالى ما دامَ الموقوفُ عليه أو أحدُهم في
الأحياء، فإذا انقرضوا كلُّهم تُصرَفُ علَّهُ الأرضِ إلى الفقراءِ إنْ لم يُوصِ الواقفُ إلى واحدٍ من
ورثتِهِ، ولو ماتَ أحدٌ من الموقوفِ عليهم من الورثةِ [٣/ق١٠٨/أ] وبقيَ الآخرونَ فإنَّ المِّتَ في
قسمةِ الغَّةِ مادامَ الموقوفُ عليهم أحياءً كأنَّه حيٌّ، فيقسَمُ ثُمَّ يُجعلُ سهمُهُ ميراثاً لورثتِه الَّذين
لا حصَّةَ لهم من الوقفِ)) اهـ. بقيَ لو وقفَها في مرضِه ثمَّ ماتَ عن زوجةٍ ولم تُحِزْ، ففي
"البحر"(٢): ((ينبغي أنْ يكونَ لها السُّدسُ والباقي وقفٌ؛ لِما في وصايا "البزَّازِيَّة(٣): لو ماتَ عن
زوجةٍ وأوصى بكلِّ مالِه لرجلٍ، فإنْ أجازَت فالكلُّ له، وإلاَّ فالسُّدسُ لها وخمسةُ الأسداسِ له؛
لأنَّ الموصَى له يأخُذُ الُّلْثَ أوَّلا، بقيَ أربعةٌ تأخذُ الرُّبِعَ، وَالثَّلاثةُ الباقيةُ له، فحَصَلَ له خَمْسٌ من
ستّةٍ اهـ. ولا شكَّ أنَّ الوقفَ في مرضِ الموتِ وصيّةٌ)) اهـ.
[٢١٣٠٨] (قولُهُ: فاعتبروا الوارثَ إلخ) قالَ في "البحر "(٤): ((والحاصلُ: أنَّ المريضَ إذا وَقَفَ
على بعضٍ ورثتِهِ ثُمَّ على أولادِهم ثمَّ على الفقراءِ، فإنْ أجازَ الوارثُ الآخرُ كانَ الكلُّ وقفاً، وأُتُّبِعَ
(قولُهُ: تُصرَفُ عَلَّهُ الأرضِ إلى الفقراءِ إنْ لم يُوصِ إلخ) عبارةُ "البزَّازِيَّة": ((وإنْ لم إلخ)) بالواوِ
الحاليَّةِ، ثُمَّ رأيتُ نسخةً كما هنا، وفي نسخةٍ: إنْ لم يفوِّضْ إلخ، ومؤذَّى الكلِّ واحدٌ، والقصدُ: أنَّ محلَّ
الرُّجوعِ للفقراءِ إذا لم يُوصِ لوارثٍ بجعِلِهِ الغَلَّةَ لَن يُحبُّ.
(قولُهُ: ثُمَّ يُجعَلُ سهمُهُ ميراثً لورثْتِهِ الَّذِينَ لا حصَّةً لهم إلخ) عباراتُهم لم تُقَيِّدِ الورثةَ بهذا القيدِ،
فالظَّاهِرُ اعتمادُ إطلاقِ الورثةِ كما يُعلمُ ذلكَ من "الإسعاف" وغيرِهِ.
(١) في "و": ((لوارث)) دون ألف.
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢١١/٥ بتصرف.
(٣) "البزازية": الفصل الثالث في الوصية للأقرباء والجيران ٤٣٩/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢١٠/٥.