Indexed OCR Text
Pages 361-380
الجزء الثالث عشر
٣٦١
فصل في الشِّرْكة الفاسدة
وصيّ، وناظِرٍ،
بلا إِذِنِه كما عَلِمتَ، ولا تُقاسُ عليها مسألةُ الطَّاحون، والذي تحصَّلَ* في هذا المحلّ:
أنَّ الشَّرِيكَ إذا لم يَضطرَّ إلى العِمارةِ مع شريكِهِ، بأنْ أَمكّنَه القِسمةُ فأنفقَ بلا إذنِهِ فهو مُتبرٌِّ،
وإن اضطُرَّ وكان الشَّرِيكُ يُجَبَرُ على العملِ معَه فلا بُدَّ مِن إذنِهِ أو أمرِ القاضي؛ فيَرجِعُ بما أَنفَقَ،
وإلاَّ فهو مُتُبٌِّ، وإن اضطرَّ وكان شريكُهُ لا يُحِبِرُ؛ فإن أَنْفَقَ بإذنِهِ أو بأمرِ القاضي رَجَعَ بما أَنْفَقَ،
وإلاَّ فبالقيمةٍ، فاغتِم تحريرَ هذا المقامِ الذي هو مَزَلَّةُ أقدامِ الأَفْهامِ.
[٢١٢٢٨) (قولُهُ: وصيِّ وناظِرٍ) قال في وصايا "الخالنَّة"(١): ((جدارٌ بين دَارَي(٢) صغيرَيْن،
عليه حُمولةٌ يُخافُ عليه السُّقُوطُ، ولكلٍّ صغيرٍ وَصِيٌّ، فَطَلَبَ أحدُ الوصيَيْن مَرَمَّةَ الجدارِ وأَبَى
الآخَرُ، قال الشَّيخُ الإِمامُ "أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ الفَضْلٍ": يَبْعَثُ القاضي أميناً يَنظُرُ فيه؛ إنْ عَلِمَ أنَّ في
تَركِهِ ضَرراً عليهِما أُجِبِرَ الآبِي أنْ يَينِيَ مع صاحبِهٍ، وليس هذا كِياءِ أحدِ المالِكِين؛ لأنَّ ثَمَّةَ الآبي
رَضِيَ بِدُخولِ الضَّررِ عليه فلا يُحَبَرُ، أمَّا هنا الوَصيُّ أرادٍ إِدخالَ الضَّررِ على الصَّغِيرِ، فُيُجَبَرُ أنْ يَرِمَّ
مع صاحبهِ)) اهـ.
قلتُ: وَيَجِبُ أن يكونَ الوقْفُ كمالِ الْيَتِيمِ، فإذا كانتِ الدَّارُ مُشترَكةً بين وَقَفَين
واحتاجت(٣) إلى الَرَمَّةِ، فأرادَها أحدُ النَّظرَيْن وأبى الآخَرُ يُحَبَرُ على التَّعميرِ من مالِ الوقْفِ،
* قوله: ((والذي تحَصَّلَ إلخ)) قد نظمتُ هذا الحاصل؛ لتسهيلِ حفظه فقلت:
بِدُونِ إذنٍ للرُّجوعِ مَا مَلِكْ
وإنْ يُعمِّرِ الشَّرِيكُ المُشتَرَك
أَمكّنّهُ قِسمةُ ذلك السَّكنْ
إنْ لم يكُنْ لذاكَ مُضطرّاً بأنْ
أَبى على التِّعميرِ يُحبَّرُ فَإِنْ
أمَّا إذا اضطُرَّ لذا وكان مَن
وفِعلُهُ بِدُونِ ذَا تَبرُّعُ
بإذنِهِ أو اذنِ قاضٍ يَرجِعُ
في السُّفْلِ والجدارِ يَرجِعُ بِما
ثمَّ إذا اضطرَّ ولا جَبَرَ كما
لِذَا وإلاَّ فبقيمةِ البِنَا
أَنفقَهُ إنْ كان بالإِذنِ بَنَى
اهـ منه.
(١) "الخانية": فصل في تصرُّفات الوصيّ في مال اليتيم إلخ ٥٣١/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) في "م": ((دار)).
(٣) في "الأصل" و"ك" و"آ" و"ب" و"البحر": ((احتاجت)) دون واو، والصواب ما أثبتناه من "م".
حاشية ابن عابدين
٣٦٢
فصل في الشِّرْكة الفاسدة
وضرورةٍ تعذُّرِ قِسمةٍ ككَرى نهرٍ، ومَرَمَّةِ قناةٍ، وبئرٍ، ودُولابٍ، وسفينةٍ مَعيبةٍ (١)،
وحائطٍ لا يُقسَمُ أساسُهُ، فإنْ كان الحائطُ يَحْتَمِلُ القِسمةَ ويَبني كلُّ واحدٍ في
نصيبهِ السُّتْرةَ لم يُحبَروا،
وقد صارتْ حادثةَ الفَتْوى، كذا في مُتَفرِّقَاتِ قضاءٍ "البحر"(٢)، "ح"(٣).
قلتُ: بقيَ لو كانت الشّركةُ بين بالغٍ ويتيمٍ، ويَنبغِي أَنَّه لو كان الضَّرُ على البالِغِ لا يُحِبَرُ
وَصِيُّ اليتيمِ، بخلافِ العَكْسِ، وكذا لو بَيْنَ يَتِيمَيْن والضَّررُ على أحدِهِما، بأنْ كانت حُمولةٌ
الجدارِ له، فينبغي أنْ يُحَبَرَ وصيُّ المُتضرِّرِ لو امتنعَ، وكذا يُقالُ في الوقْفِ مع المِلكِ، تأمَّل.
[٢١٢٢٩) (قولُهُ: وضرورةِ تَعذُّرِ قِسمةٍ) الإضافةُ للبَيَانِ، "ط١(٤).
[٢١٢٣٠) (قولُهُ: ككَرْي نهرٍ) أي: تَعزِيلِه(٥).
مطلبٌ في الحائطِ إذا خَرِبَ وطَلَبَ أحدُ الشَّرِيكَين قِسمَتَهُ أو تَعميرَه
(٢١٢٣١) (قولُهُ: فإنْ كان الحائطُ يَحَتَمِلُ القِسمةَ) أي: يَحتمِلُ أَساسُه(٦) القِسمةَ؛ بأنْ كان
عَريضً، وفي المسألةِ تفصيلٌ؛ لأَنَّه إمَّا أن يَكُونَ عليه حُمولةٌ أَوْ لا، ففي الثَّانِي: إِنْ طَلَبَ أحدُهُما
القِسمةَ وأبى الآخَرُ فقيل: لا يُحبَرُ مُطلقً، وقيل: يُحبَرُ لو عَرْصتُهُ عريضةً، وبه يُقتى. وإِنْ طَلَبَ
أحدُهُما البناءَ لا القِسمةَ؛ فلو عريضةً لا يُحَبَرُ الآبِي، ولو غيرَ عريضةٍ قيل: لا يُحبَّرُ أيضاً، وقيل:
يُحَبِرُ، وهو الأشبَهُ. وإنْ بنى أحدُهُما قيل: لا يَرجِعُ مُطلقً، وقيل(٧): لا يَرجِعُ لو عريضةً؛ لأَنَّه غيرُ
مُضْطَرِّ فيه، وفي الأوَّلِ - وهو: ما إذا كان عليه حُمولةٌ - فإمَّا أن تكونَ الْحُمولةُ لهما أو لأحدِهِما،
(١) في "ط": ((معينة)) بالنون، وهو تحريف.
(٢) "البحر": ٣٤/٧.
(٣) "ح": كتاب الشِّركة - فصل في الشّركة الفاسدة ق ٢٧٢/أ.
(٤) "ط": كتاب الشِّركة - فصل في الشِّركة الفاسدة ٥٢٦/٢.
(٥) في "م": ((تعديله)).
(٦) في "ك": ((أساس))، وهو تحريف.
(٧) ((لا يرجع مطلقاً، وقيل)) ساقطة من "م".
الجزء الثالث عشر
٣٦٣
فصل في الشِّرْكة الفاسدة
وإلاَّ أُجبرَ، وكذا كلُّ ما لا يُقسمُ كحمَّامٍ، وخانٍ، وطاحونٍ، وتَمامُهُ في مُتفرّقَاتٍ
قضاءِ "البحر"(١)، و"العينيّ"(٢)، و"الأشباهِ"(٣). وفي غَصبِ "المجتبى": ((زَرَعَ .....
فإن كانتْ لهما فإنْ طَلَبَ أحدُهُما قِسمةَ عَرْصةِ الحائِطِ لا يُحَبَرُ الآخَرُ ولو عريضةً؛ إذ لكلِّ منْهُما
حقٌّ في كاملِ العَرْصةٍ، وهو وَضعُ الجُذوعِ على جميعِ الحائطِ، وإِنْ طَلَبَ أحدُهُما البناءَ قيل:
لا يُحَبِرُ الآبِي لو عريضةً، وقيل: مُطلقً، وقيل: يُحِبَرُ مُطلقاً وبه يُقتى؛ إذ في عدَمِ الجبرِ تَعطِيلُ حقِّ
شريكِهِ وهو وضع الجذوع على جميع الحائط، ولو بَنَى بلا إذنٍ [٣/ ق١٠٣/ ١] قيلَ: لو عريضةً
لا يَرجِعُ، وقيلَ: يَرجِعُ، وهو الصَّحيحُ؛ لأَنّه مُضطرٌّ، كما لو كانت غيرَ عريضةٍ، لكِن مرَّ أنَّ
الفَتوى على أنَّ شَرِيكَهُ يُجَبَرُ على البناء، ولا اضطرارَ فيما يُجَبَرُ عليه كما مرَّ تَحقيقُهُ، فينبغي أنْ
يُقْتِى بأنَّه مُتُبِّعٌ، وإنْ كانت الْحُمُولةُ لأَحَدِهما وطَلَبَ صاحبُها القِسمةَ يُحبَّرُ الآبِي لو عريضةً،
وهو الصَّحيحُ، وبه يُفتى. ولو أراد ذو الحمولةِ البناءَ وأَبَى الآخَرُ فالصَّحيح أنَّه يُجبِّرُ، ولو بَنَى
فالصَّحِيحِ أَنَّه يَرجِعُ؛ لِما مرَّ: أَنَّه مُضطرٌّ، ولو بناهُ الآخَرُ والعَرْصةُ عريضةٌ فهو مُتبرِّعٌ، ثمَّ في كلِّ
موضعٍ لم يَكُنِ الباني مُتبرِّعاً كان له مَنْعُ صاحبِهِ من الانتفاعِ إلى أن يَرُدَّ عليه ما أَنْفَقَ أو قيمةَ البناءِ
على ما مرَّ، فلو قالَ صاحبُهُ: أنا لا أتَمتِّعُ بالمبنيِّ، قيل: لا يَرجِعُ الباني، وقيلَ: يَرجِعُ. اهـ "جامع
الفصولين(٤) مُلخَّصاً.
[٢١٢٣٢] (قولُهُ: وإلاَّ أُجبِرَ) أي: وإنْ لم يَحتمِل القِسمةَ أُجبِرَ الآبي على البناء، وهو الأشبَهُ
كما مرَّ(٥).
(٢١٢٣٣] (قولُهُ: كحمَّامٍ إلخ) أي: إذا احتاج إلى مَرمَّةٍ أو قِدْرٍ أو نحوِهِ، بخلاف ما إذا خَرِبَ
وصار صَحراءَ؛ لأَنَّه يُمكِنُ قِسمتُهُ كما في "جامع الفُصولَينَ"(٦).
٣٥٥/٣
(١) انظر "البحر": ٣٤/٧.
(٢) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب القضاء - باب التحكيم - مسائل شتى ٩٣/٢-٩٥ .
(٣) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القسمة صـ٣٣٧ ..
(٤) "جامع الفصولين": الفصل السادس والثلاثون في مسائل الحيطان ٢٨١/٢.
(٥) في المقولة السابقة.
(٦) "جامع الفصولين": الفصل السادس والثلاثون في مسائل الحيطان ٢٨٤/٢.
حاشية ابن عابدين
٣٦٤
فصل في الشِّرْكة الفاسدة
بلا إذن شريكِهِ فدَفَعَ له شريكُهُ نصفَ البَزِرِ (١) ليكونَ الزَّرعُ بينَهما قبلَ النِّبَاتِ لم يَحُزْ،
وبعدَهُ جازَ، وإنْ أرادَ قلعَهُ يقاسِمُهُ، فيقلَعُهُ مِن نصيبِهِ ويَضمَنُ الزَّارِعُ نُقصانَ
الأرضِ بالقلعِ))، والصَّوابُ: نقصانَ الزَّرعِ. وفي قسمةِ "الأشباه"(٢): ((المشترَكُ إذا انهدَمَ
فَأَبَى أحدُهما العِمارةَ، فإن احتَمَلَ القسمةَ لا جِبْرَ وقُسِمَ،.
[٢١٢٣٤) (قولُهُ: بلا إذنٍ شريكِهِ) أي: في الأرضِ، بأن كانت مُشترَكةً بينهُما نِصفَين.
[٢١٢٣٥] (قولُهُ: لم يَجُزُ) لأَنَّه بيعٌ معنّى، فلا يَصِحُّ في معدومٍ.
[٢١٢٣٦] (قولُهُ: وإن أرادَ) أي: غيرُ الزَّارعِ.
[٢١٢٣٧] (قولُهُ: يُقَاسِمُهُ) أي: يُقاسِمُهُ الأرضَ المُشترَكةَ بينهُما.
[٢١٢٣٨] (قولُهُ: فَقَلَعُهُ) أي: يَقلَعُ (٣) الزَّرِعَ من نصبِهِ من الأرضِ، ونَظِيرُ هذا ما قالوا فيما لو بَنى
في دارٍ مُشترَكةٍ وطَلَبَ الآخَرُ رَفْعَ البناءِ، فإنّه يُقَاسِمُهُ الدَّارَ، ويأمرُهُ بهدْمِ ما خَرَجَ من البِناءِ في حصَّتِهِ.
[٢١٢٣٩] (قولُهُ: وَيَضمَنُ الزَّارِعُ نُقصانَ الأرضِ بالقلْعِ) أي: نُقصانَ نصفِ الأرضِ لو
انتْقَصت؛ لأَنَّه غاصبٌ في نصيبِ شريكِهِ، "شرح الملتقى" (٤).
[٢١٢٤٠) (قولُهُ: والصَّوابُ: نُقصانَ الزَّرعِ) هذا من عند "الشَّارحِ"؛ لأنَّ عبارةَ "المُحتبى"
انتهت عند قولهِ: ((ُقصانَ الأرضِ بالقلْعِ)) كما وجدتُهُ في نسخةٍ معتمَدةٍ من نُسَخ "لُحتبى"،
ولا وجهَ لتصويبِ "الشَّارحِ"؛ فإنَّ تُقصانَ الزَّرعِ بإرادةِ مالكِهِ على الخُصوصِ، أمَّا نُقصاتُ الأرضِ
بالقلْعِ فمُضِرٌّ للشَّريكِ؛ لكَونِها مِلكَهُما، فإنَّ القِسمةَ وَقَعَت على الزَّرعِ فقط لا على الأرضِ أيضاً،
هذا ما ظَهَرَ لي، فتأمَّل. اهـ "ح"(٥).
قلتُ: في عبارتِهِ قَلْبٌ، والصَّابُ أن يقولَ: ((فإنَّ القِسمةَ وقَعَت على الأرضِ فقط
(١) في "و": ((البذر)) بالذال.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد صـ٣٣٧ -.
(٣) في "ك": ((فيقطعه أي: يقطع)).
(٤) "الدر المنتقى": كتاب الشّركة ٧١٦/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٥) "ح": كتاب الشّركة - فصل في الشّركة الفاسدة ق ٢٧٢/أ.
الجزء الثالث عشر
٣٦٥
فصل في الشِّرْكة الفاسدة
وإلاَّ بَنِى ثمَّ آجَرَه لَيَرجِعَ))، وتمامُهُ في شِركةِ "المنظومةِ المحبَّةِ"(١). وفيها(١):
ولو بِلا إذنِ شَريكٍ ناظِرِ
باعَ شَريكٌ شِقصَهُ لآخَرٍ
جُوِّزَ ذاكَ البَيعُ والتَّعاطي
فِيما عَدا الخَلطِ والاختِلاطِ
حِصَّتَه مِن فَرسِ وابْتَاعًا
ثمَّ الشَّرِيكُ هَاهُنا لو بَاعا
ذلكَ منه الأَجَنَبِيْ.
لا على الزَّرعِ أيضاً))، على أنَّ ما فَهِمَهُ من كلامِ "الشَّارِحِ" غيرُ مُتَعِنٍ، وَيَعُدُ من هذا "الشَّارِحِ"
الفاضلِ أن يَفْهَمَ هذا الفَهْمَ العاطِلَ، بل مُرادُه أنَّ الصَّوابَ أن يقولَ: ويَضمَنُ الزَّارعُ نُقْصانَ
الأرضِ بالزَّرعِ، لكنّه اختصر العِبارةَ فقال: (ُقصانَ الزَّرعِ))، من إضافةِ المصدرِ إلى فاعِلِهِ، أي:
ما نَقَصها الزَّرعُ، ووجهُ الَّصويبِ: أنَّ الأرضَ يَنْقُصُها الزَّرِعُ لا القَلْعُ؛ لأَنّها تُحرَثُ لأجلِ الزَّرِعِ،
فإذا زُرِعتْ ونَبَتَ الزَّرعُ تَحتاجُ إلى حرْثٍ آخَرَ، بل بعضُ أنواعِ الزَّرعِ يُعطِّلُ الأرضَ بحيثُ
لا يُمكِّنُ زِراعتُها حتّى تُتركَ عامَين أو أكثرَ، أمَّا نَفْسُ القَلْعِ فليس ضَرَرُ الأرضِ منه، فافهم.
[٢١٢٤١] (قولُهُ: وإلاَّ بَنِى ثُمَّ آجَرَه ليَرجِعَ) أي: آجرَهُ بإذنِ القاضي ليأخُذَ ما أنفقَهُ من
الأُجرةِ، وهذا أحدُ قولَين، والثَّاني: أنَّ القاضيَ يأذنُ له بالإنفاقِ، ثُمَّ يَمنَعُ صاحبَهُ من الانتفاعِ به
حتّى يُؤدِّيَ حصَّنَه، وقدَّمنا(٢) عن "شرح الوهبانيَّةِ" لـ"الشُّرنبلاليّ": ((أنَّ الفتوى على هذا
القولِ))، وعبارةُ "الأشباهِ"(٣) - كما ذكرَهُ(٤) "الشَّارِحُ" في آخرِ القِسمةِ -: ((وإلَّ بَنى، ثمَّ آجرَهُ
ليَرجِعَ بما أَنفَقَ لو بأمرِ قاضٍ، وإلاَّ فِقِيمةِ البِناءِ وقْتَ البناءِ)) اهـ. وقدَّمنا (٥): ((أنَّ هذا النَّفصيلَ فيما
لا يُحَبَرُ فيه الشَّرِيكُ)).
[٢١٢٤٢) (قولُهُ: باعَ شَريكٌ إلخ) أي: شِركةَ المِلكِ، وهذه المسألةُ تقدَّمتْ(٦) مَتناً أوَّلَ البابِ
(١) انظر "المنظومة المحبية": صـ ٣١ -.
(٢) المقولة [٢١٢٢٧] قوله: ((والضَّابط إلخ)).
(٣) "الأشباه والنظائر": كتاب القسمة صـ٣٣٧ -.
(٤) انظر "الدر" عند المقولة [٣٢١٣٧] قوله: ((وإلا بنى إلخ)).
(٥) المقولة [٢١٢٢٧] قوله: ((والضَّابط إلخ)).
(٦) ص ٢٦١- ٢٦٢ - "در".
حاشية ابن عابدين
٣٦٦
فصل في الشِّرْكة الفاسدة
وكانَ ذا بغَيرِ إذنِ الشُّرَكَا
.وهَلَكا
فإنْ يَشاؤوا ضَمَّنُوا الشَّريكَ أو
مَنْ اشترى مِنه على ما قَدْ رَوَوا
عند قولهِ: ((و كلٌّ أجنبيٌّ في مالِ صاحبِه إلخ)).
(٢١٢٤٣] (قولُهُ: وهَلَكا) أي: الفرسُ، والألفُ فيه للإطلاق، والمرادُ: أَنَّه هَلَكَ بيدِ المشتري.
[٢١٢٤٤] (قولُهُ: وكان ذا) أي: البيعُ الَقرونُ بالَسليمِ؛ إذ البيعُ وحدَهُ لا يُوجِبُ الضَّمَانَ؛
لعدم تَحقُّقِ الغصْبِ به كما ذكروه في كتاب الغصْبِ، وفي "البَّزازيَّة"(١): ((قال: بِعتُ الوديعةَ
وقَبَضْتُ ثَمنَها، لا يَضمَنُ ما لم يقُلْ: دفعتُها إلى المشتري)).
[٢١٢٤٥) (قولُهُ: فإنْ يَشاؤوا إلخ) أي: الشُّركاءُ، وفي "الحامديَّةِ"(٢) عن "فتاوى قارئ
الهدايةِ"(٣) و"المنحِ"(٤): ((لهما دابّةٌ، فباع أحدُهُما نصيبَهُ وسَلَّمها إلى المشتري بغير إذنِ شَرِيكِهِ
فهَلكتْ عند الُشترِي فالشَّرِيكُ يُخيَّرُ بين أنْ [٣/ق١٠٣ /ب] يُضمِّنَ شَرِيكَه أو المشترِيَ، فإن ضَمَّنَ
الشَّرِيكَ جاز بيعُهُ، فنصفُ الثَّمنِ له، وإن ضمَّنَ المشترِيَ رَجَعَ بنصفِ الثَّمنِ على بائعِه، والبائعُ
لا يَرجِعُ بما ضَمِنَ على أحدٍ كما هو حكمُ الغاصبِ)) اهـ. وبه عُلِمِ أنَّ مَبنى الضَّمانِ هو التَّسليمُ
(قولُهُ: فإنْ ضمَّنَ الشَّرِيكَ جازَ بيعُهُ إلخ) لا يَتَأَتَّى هذا النَّفصيلُ إلَّ فيما إذا باعَ الشَّريكُ كلَّ
الدَّابَّةِ لا فيما إذا باعَ نصفَها، ولينظرِ الأصلُ المنقولُ عنه، ثمَّ رأيتُ في "الحامديَّة" ذكرَ ما ذكرَهُ هنا،
ونَصُّ "فتاوى قارئ الهداية": ((سُئِلَ عن جماعةٍ مشتركِينَ في فرسِ باعَ أحدُهم حصَّنَهُ لأجنبيٌّ وسلَّمَ
بغيرِ إذنِ الشُّركاءِ وهلكَت عندَ المشتري. أجابَ: الشُّركاءُ مخيَّرونَ، إنْ شاؤوا ضَمَّنوا الشَّرِيكَ، وإنْ
شاؤوا ضَمَّنوا المشتريَ منهُ)).
(١) "البزازية": كتاب الوديعة - الفصل الثاني فيما يكون إضاعة ٢٠٠/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "العقود الدريّة في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الشّركة ٨٧/١.
(٣) "فتاوى قارئ الهداية": مسألةٌ في تضمين الشَّريك صـ ٩٠ -.
(٤) لم نعثر عليها في مظانّها من مخطوطة "المنح" التي بين أيدينا.
الجزء الثالث عشر
٣٦٧
فصل في الشِّرْكة الفاسدة
حِصَّةَ حَمَّامٍ له مِن آخَرَا
وإنْ يكُن كُلُّ شريكٍ آجَرا
لذاكَ فِي تَعمِيرِها وبالبِنَا
وكان شَخصٌ مِنْهُما قد أَذِنا
في ذا البنا على الشَّرِيكِ الآخَرِ
فلا رُجوعَ صاحٍ للمُستَأِرِ
إلى المشتري بدون إذنِ الشُّر كاءِ لا مجرَّدُ البيعِ كما قُلنا، فافهم. ووجهُ الخيارِ هو: أنَّ البائعَ
كالغاصِبِ، والمشتريَ كغاصبِ الغاصِبِ.
[٢١٢٤٦) (قولُ: وإنْ يَكُن كلُّ شريكٍ آجَرا إلخ) هذه المسألةُ سُئل عنها الإِمامُ "الفَضليُّ"،
وأجاب فيها: بعدَمِ الرُّجوعِ، ثُمَّ قال: ((يُحتمَلُ أن يُقالَ: المستأجِرُ يقومُ مقامَ مُؤْجِّرِهِ فيما أَنفَقَ،
فَيَرجِعُ على مُؤَخِّرِه، وهو - أي: مُؤْجِّرُه - على شريكه، ويُحتمَلُ أن يُقالَ: المستأجرُ إِنَّمَا رَجَعَ
على مُؤْجِّرِه بالأمرِ، وأمرُهُ إِنَّما يَجُوزُ على نفسه لا على غيرِهِ، فالمستأجرُ مُتْبِرِّعٌ في نصيبِ
شريكِهِ، فلا يَرجِعُ على أحدٍ)) اهـ. وناقشَهُ في "جامع الفُصولَين"(١) بقولِه: أقولُ: ((لو رَمَّ المؤجّرُ
بنفسه، فلو كان له الرُّجوعُ على شريكِهِ ينبغي أن يَرجِعَ المُستأجرُ على مُؤجِّره وهو على
شريكِهِ؛ لصِحَّةِ الأمرِ؛ إذ أَمَرَ فيما له فِعلُهُ فكأَنَّه رَمَّ بنفسِهِ، فلا معنى لقولِهِ: وأمرُهُ إِنَّما يَجُوزُ
على نفسِهِ لا على غيرِه، ولو لم يكن له الرُّجوعُ إذا رَمَّ بنفسه لم يَحُزُ أمرُهُ على حقِّ شريكِهِ
فلا رُجوعَ، فلا يُفيدُ قولُهُ: يَقومُ مقامَ مُؤجِّرِه. فالحاصلُ: أنَّ أحدَ الاحتمالَين باطِلٌ، إلاَّ أن
يكونَ قولانِ فِي رُجوعِ الْمُؤْجِّر لو رَمَّ بنفسِهِ، والظَّاهرُ: أنَّ فيه قولَين على ما يَظْهرُ ◌َما تقدَّم، ولو
رَمَّه الْمُؤجِّرُ بنفسِه يَتَأَتَّى فيه ما مرَّ من تفصيلِ المطالبةِ وتركِها، والحضورِ والغَيةِ، وأمرِ القاضي
وعدمِهِ، فينبغي أن يكونَ رُجوعُه على النَّفصيلٍ)) اهـ.
قلتُ: وهو كلامٌ وجية، لكن تَقَدَّمَ عن "فتاوى الفَضليِّ": ((أَنَّه لو أَنفَقَ في مَرَمَّةِ الطَّاحون
لم يكن مُتُبِّعاً))، أي: بناءً على أنَّ الآبِيَ لا يُحبَرُ، وهو مخالِفٌ للضَّابطِ المتقدِّمِ كما قدَّمنا (٢)
(١) "جامع الفصولين": الفصل السادس والثلاثون في مسائل الحيطان - في الحائط المشترك لو انهدم أو خيف عليه ٢٨٥/٢.
(٢) المقولة [٢١٢٢٧] قوله: ((والصَّابط إلخ)).
حاشية ابن عابدين
٣٦٨
فصل في الشِّرْكة الفاسدة
في الدَّارِ مُدّةَّ مَضَت مِن الزَّمَنْ
لو وَاحِدٌ مِن الشَّرِيكَين سَكَنْ
بأُجرةِ السُّكنى ولا الْمُطالَبَةْ
فليسَ للشَّرِيكِ أنْ يُطالِبَهْ
لكِنَّهُ إِنْ كان في المُستَقْبَلِ
بأَنَّه يَسكُنُ مِثلَ الأوَّلِ
يَطْلُبُ أنْ يُهابِئَ الشَّريكا
يُجابُ فافهِمْ ودَعِ النَّشكِيكَا
تحريرَهُ، فالظَّاهرُ: أنَّ كلامَ "الفَضليِّ" هنا مَبنِيٌّ على ما ذكرَهُ في "فتاواه"، فيَرجِعُ لو رَمَّ بنفسه أو
٣٥٦/٣ رَمَّ مأمورُهُ، وهو المستأجِرُ؛ لأَنَّه أمَرَ بما يَمِلِكُ فِعلَه فيرجِعُ الْمُستأجِرُ عليه، وهو يَرجعُ على شريكِهِ،
أمَّا عدمُ رُجوعِ الْمُستأجِرَ على شريكِ الْمُؤْجِّرِ فظاهرٌ؛ لأَنَّه أجنبيٌّ عنه، وقد كَبَ "الشَّارحُ" هنا
على الهامش عند قولهِ: ((فلا رُجوعَ صاحٍ للمُستأجِرِ إلخ)) ما نصُّه: ((قلتُ: ظاهرُهُ: أَنَّه يَرجِعُ
على الآذِنِ، بقي: بِمَ يَرجِعُ بِكُلِّه أو بحصَّتِهِ؟ فَلُراجَع)) اهـ.
قلتُ: صريحُ عبارةِ "الفضليِّ" المارّةِ أَنَّه يَرجِعُ على الآذنِ وهو المُؤْجِّرُ، وأَنَّه يَرجِعُ بالكلِّ
على الاحتمالِ الأَوَّلِ، وبحصَّةِ المُؤْجِّرِ فقط على الاحتمالِ الثَّاني؛ لأَنَّه جَعَلَهُ مُتبرِّعاً في نصيب
الشَّرِيكِ، وإذاَ قُلنا بأَنَّه يَتْبُتُ للشَّرِيكِ الرُّجوعُ فالظَّاهرُ أنَّ مأمورَهُ يَرجِعُ عليه بالكُلِّ، أمَّا على
مُقْتضى الضَّابطِ المارِّ فلا رُجُوعَ للشَّريكِ، ويَرجِعُ المأمورُ عليه بحصَّتِهِ فقط، والله تعالى أعلمُ.
[٢١٢٤٧) (قولُهُ: لو واحدٌ من الشَّرِيكَين سَكنْ إلخ) قدَّمنا(١) الكلامَ على هذه المسألةِ أوّلَ
البابِ قُبِيلَ شِركةِ العقْدِ.
[٢١٢٤٨] (قولُهُ: بأُجرةِ السُّكْنِى) أي: ولو مُعَدّاً للاستغلال؛ لأَنَّه سَكنَ بتأويلٍ مِلكٍ،
فلا أَجرَ عليه، نَعَم لو كان وَقْفاً أو مالَ يتيمٍ يَلزمُهُ أُجرةُ شَرِيكِه على ما اختارَهُ المُتأخّرُونَ، وهو
المُعْتمَدُ كما سيأتي(٢) في كتابِ الغصْبِ إن شاء الله تعالى.
[٢١٢٤٩) (قولُهُ: لكنَّه إلخ) هذا في غيرِ الوقْفِ؛ لأنَّ الوقْفَ لا تَجري فيه القِسمةُ ولا المُهايَأَةُ
كما يأتي(٣)، والله سبحانه وتعالى أعلمُ.
(١) المقولة [٢٠٩٦٨] قوله: ((ينتفع بالكلِّ)).
(٢) انظر "الدر" عند المقولة [٣١٤٣٥] قوله: ((أن يكون وقفاً)) وما بعدها.
(٣) المقولة [٢١٣٤٣] قوله: ((بل يتهايؤون)).
الجزء الثالث عشر
٣٦٩
كتاب الوقف
﴿كتابُ الوقْف﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿كتابُ الوَقْف﴾
هو مصدرُ وَقَفْتُ أَقِفُ: حَبَستُ، ومنه الَوقِفُ، لحبسِ النَّاسِ فيه للحسابِ، وأوقفْتُ: لغةٌ
رَدِينَةٌ(١)، حَتَّى ادَّعى "المازنيُّ)(٢): ((أَنَّها لم تُعرَفْ من كلامِ العربِ))، قالَ "الجوهريُّ)(٣).
((وليسَ في الكلامِ ((أَوْقَقتُ) إلاَّ حرفٌ واحدٌ: أَوْقَقتُ عن (٤) الأمرِ الَّذي كنتُ فيه (٤)، ثمَّ اشتهرَ
في الموقوفِ، فقيلَ: هذهِ الدارُ وقفٌ، ولذا جُمِعَ على أوقافٍ))، وقد قالَ "الشَّافعيُّ" رحمه الله
تعالى: ((لم يَحْبِسْ أهلُ الجاهليَّةِ فيما عَلِمتُ، وإِنَّا حَبَسَ أهلُ(٥) الإسلامِ))، وفي وقفِ "المنية":
((الرِّاطُ أفضلُ مِن العتقِ))، "نهر " (٦).
﴿كتابُ الوَقْفِ﴾
(قولُهُ: قَالَ "الجوهريُّ": وليسَ في الكلامِ (أَوقَفْتُ) إلَّ حرفٌ واحدٌ: أَوْقَفْتُ على الأمرِ الَّذي كنتُ عليه
إلخ) فعلى ما ذكرَهُ "المحشِّي" يكونُ ((أوقفَ)) بمعنى ((حَبَسَ)) لغةً رديئةً، وبمعنى (أَقْلَعَ))(٧) ليسَ في كلامٍ
العربِ إلاّ حرفاً واحداً أي: طريقةً ولغةً واحدةً، وإنما هو وقّفَ، والتَّضعيفُ ضعيفٌ، كما في "الدُّرِّ المنتقى".
(قولُهُ: وقد قالَ "الشَّافعيُّ" رحمه الله تعالى: لم يَحبِسْ أهلُ الجاهليّةِ فيما عَلِمتُ، وإِنَّا حَبَسَ أهلُ
الإسلامِ إلخ) لعلَّ القصدَ به بيانُ أنَّ استعمالَهُ في خصوصِ هذا المعنى إسلاميٌّ.
(قولُهُ: وفي وقفِ "المنية": الرِّبَاطُ أفضَلُ من العتقِ، "نهر") في "السِّنديّ" نقلاً عن "الخانيّة": ((رجلٌ جاءَ
(١) في "الأصل" و"ك" و"آ" و"ب": ((رديَّة)) وما أثبتناه من "م".
(٢) أبو عثمان بكر بن محمد بن حبيب المازنيّ، أحدُ الأئمة في النّحو واللّغة (ت٢٤٩هـ). ("إنباه الرواة" ٢٤٦/١،
"وفيات الأعيان" ٢٨٣/١، "بغية الوعاة" ٢٠٢/١).
(٣) "الصَّحاح": مادة ((وقف)).
(٤) في النسخ جميعها: ((أوقفْتُ على الأمر الذي كنت عليه))، وما أثبتناه من عبارة "الصَّحاح" وهو الموافق لما في
"اللسان" و"القاموس".
(٥) من ((الجاهلية فيما)) إلى ((حبس أهل)) ساقط من "ك".
(٦) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥١/أ.
(٧) في مطبوعة "الرافعي" التي بين أيدينا ((اطلع))، وهو خطأٌ، وما أثبتناه من عبارة "الصَّحاح" هو الصواب، وهو
الموافق لما في "اللسان" و"القاموس".
حاشية ابن عابدين
٣٧٠
کتاب الوقف
مُناسبتُهُ للشّركةِ: إدخالُ غيرِهِ معه في مالِهِ، غيرَ أنَّ مِلكَهُ باق فيها لا فيه.
(هو) لغةً: الحَبسُ، وشرعاً: (حَبسُ العَينِ.
[٢١٢٥٠] (قولُهُ: إدخالُ غيرِهِ معَهُ في مالِهِ) هذا في الشّركةِ ظاهرٌ، وأمَّا في الوقفِ فلا يَتِمُّ
إلاّ إذا وَقَفَ على نفسِهِ وغيرِهِ، وما في "النَّهر" أَوْضَحُ حيثُ قالَ(١): ((مناسبتُهُ بالشّركةِ باعتبار أنَّ
المقصودَ بكلٌ منهما [٣/ ق ٤ ١٠/ أ] الانتفاعُ بما يَزِيدُ على أصلِ المالِ، إلاَّ أنَّه في الشِّركةِ على مِلكِ
صاحبِهِ، وفي الوقفِ يَخرُجُ عنه عندَ الأكثرِ)) اهـ "ح"(٢).
إلى فقيهٍ وقالَ: إنّي أُريدُ أنْ أَصْرِفَ مالي إلى خيرٍ، عِقُ العبدِ أفضلُ أمِ اتّخاذُ الرِّباطِ للعامَّةِ؟ قالَ بعضُهم: الرِّباطُ
أفضلُ، وقالَ الفقيهُ "أبو اللَّيث": إنْ جعلَ للرِّبَاطِ مستغَلاَ يُصرَفُ إلى عمارةِ الرِّباطِ فالرِّباطُ أفضلُ، وإنْ لم يَجعلْ
إلّ رباطاً فالإعتاقُ أفضلُ، ولو تصدَّقَ بهذا المالِ على المحتاجينَ فذاكَ أفضلُ من العِّاقِ)) اهـ. وفي "الهنديَّة":
((رجلٌ جاءَ إلى المفتي فقالَ: إنّي أريدُ أنْ أتقرَّبَ اللهَ تعالى بداري، هل أبيعُها وأتصدَّقُ بثمنِها؟ أو أشتري عبيداً
فأعتقُهم؟ أو أجعلُها داراً للمسلمينَ؟ أيُّ ذلكَ أفضلُ؟ قالَ: يقالُ: إِنْ بَنَيتَ الرِّباطَ وجَعَلْتَ مستغلاًّ لعمارتِها
فالرِّباطُ أفضلُ، وإلاّ فالأفضلُ أنْ تَبِعَ دَارَكَ وتَتَصدَّقَ بثمنِها على المساكينِ، كذا في "الخانَّة،")) وفي "البزَّازِيَّة":
((وَقْفُ الضَّيعةِ أَولى مِن بيعِها والتَّصدُّقِ بثمنِها)) وفي متفرِّقَاتِ وقفِ "الهنديَّة": ((أَنَّه لو اشترى الكُبَ ووضعَ
في دارِ العلمِ الكتبَ لَيُكتَبَ العلمُ لكَانَ أفضَلَ من غيرِهِ، ولو أرادَ أنْ يَتَّخِذَ داراً وقفاً على الفقراءِ فَالنَّصدُّقُ بثمنِها
أفضلُ، ولو كانَ مكانَها ضيعةٌ فالوقفُ أفضلُ)) اهـ.
(قولُهُ: وأمَّا في الوقفِ فلا يَتِمُّ إلاّ إذا وَقَفَ على نفسِهِ وغيرِهِ) عبارةُ "السِّنديِّ": ((وهذا ظاهرٌ
فيما إذا وَقَفَهُ على نفسِهِ وغيرِهِ، أو وَقَّفَهُ على غيرِهِ بالكلّيَّةِ، وأمَّا إذا وَقَفَهُ على نفسِهِ مَّةً حياتِهِ ثُمَّ على
أولادِهِ، فإدخالُ الغيرِ يتحقَّقُ بمآلِهِ إلى الفقراءِ)) اهـ. وهذهِ المناسبةُ ظاهرةٌ بجميعِ صُوَرِها على قولِ
"الإمامِ"، وكذلكَ على قولِهما معَ النَّجوُّزِ أو التَّسامحِ في لفظِ: ((مالِهِ))، ألا ترى أنَّ له الولايةَ عليه
بدون شرطٍ، وله عزلُ متولّيْهِ على قولِ "النَّاني"، وإذا خرجَ عن الانتفاعِ المقصودِ عادَ إليه قديمُ ملكِهِ،
ومثلُ ذلكَ كافٍ لصحَّةِ الإضافةِ المذكورةِ في كلامِهِ، تأمَّل. وإدخالُ غيرِهِ في الشّركةِ إِنَّا هو في الرِّبْحِ
والتَّصرُّفِ، وفي الوقفِ في الغَلَّةِ ولو في المالِ، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥١/أ.
(٢) "ح": كتاب الوقف ق ٢٧٢/أ.
الجزء الثالث عشر
٣٧١
كتاب الوقف
على) حُكمٍ (مِلكِ الوَاقِفِ والتَّصدُّقُ بالمنفعَةِ)
[٢١٢٥١] (قولُهُ: على حكمٍ مِلكِ الواقفِ) قدَّرَ لفظَ: ((حُكْمٍ)) تبعاً لـ"الإسعاف)" (١)
و "الشُُّ نِبلالَة"(٢)؛ ليكونَ تعريفاً للوقفِ اللازمِ المَتَّفَقِ عليه، أمَّا غيرُ اللازمِ فإنَّهُ باقٍ على مِلكِ
(قولُهُ: قدَّرَ لفظَ: (( حُكْمٍ)) تبعاً لـ "الإسعاف" إلخ) الحقُّ: أنَّ هذا ليسَ تعريفاً للوقفِ اللَّزمِ، بل
للمختلَفِ فيه، ويَدُلُّ لذلكَ ما يأتي له عن "الإسعاف" بقولهِ: ((فعندَهُ يَجُوزُ)) إلى قولِهِ: ((ولو رَجَعَ عنه حالَ
حياتِهِ جازَ معَ الكراهةِ))، فلو كانَ تعريفاً للَزْمِ لَما صحَّ قولُهُ: ((جازَ إلخ))، والظّاهرُ: أنَّ زيادَتَهُ لدفعِ تَوَهُّمِ أنَّ
الَّصرُّفاتِ لا تَصِحُّ منه لغواتِ الحبسِ على المِلكِ بالبيعِ، وإنّا زادَهُ فيما يأتي إشارةً إلى أنَّ الأشياءَ بأسرِها محبوسةٌ
على مُلكِهِ تعالى بحيثُ لا يَكُونُ لغيرِهِ تصرُّفْ سِوى المنفعةِ، وأيضاً مُلكُهُ تعالى بمعزل عن النّصرُّفِ، وإنَّما
يَتَصرَّفُ العبدُ في حُكمِهِ، وما ذكرَهُ "المحشِّي" من عبارةِ "القُهِستانيّ" غيرُ شاهدٍ لدعواهُ كما يَظهَرُ بالتَّمُّلِ، وفي
"الْقُهِستانيِّ" جوازُ قراءةٍ: ((الَتَصدُّقِ)) بالجرِّ عطفاً على مدخولِ: ((على))، ثمَّ رأيتُ بعدَ مدَّةٍ طويلةٍ فِي "الَّمَّةِ"
من الفصلِ الخامسِ ما نصُّهُ: ((وإذا جَعَلَ الولايةَ إلى رجلٍ، وماتَ ذلكَ الرَّجلُ حالَ حياةِ الواقفِ فالأمرُ في
نَصْبِ القِيِّمِ إلى الواقفِ، يُقيمُ مَن أحبَّ؛ لأنَّ العينَ في الصَّدقةِ الموقوفةِ وإنْ زالَ عن مِلكِهِ حقيقةً فهو باقٍ على
مِلكِهِ حُكماً، ألا ترى أنَّه جُعِلَ متصدّقاً شرعاً بكلِّ ما يَحدُثُ من الغَلَّةِ كأنّها حدثَت على مِلكِهِ وَتَصَدَّقَ بها،
ولهذا سمَّى الشَّرعُ الصَّقَةَ الموقوفةَ جاريةً له إلى يومِ القيامةِ، وإنَّا تكونُ جاريةً له إلى يومِ القيامةِ إذا اعتُبرتِ
الغَلَّةُ الحادثَّةُ حادثةً على مِلكِهِ، وجُعِلَ هو متصدِّقاً بها صدقةً جديدةً، فَدَلَّ على أنّها مُبقَةٌ على مِلكِهِ حُكماً،
فيعتبرُ بما لو كانَت مُبقاةً على مِلكِهِ حقيقةً)) اهـ، وعزا ذلكَ لوقفِ "الأصل". ومقتضى هذا: أنَّ النَّعريفَ
المذكورَ يَصِحُّ تعريفاً للوقفِ على قولِهما أيضاً إذا أريدَ بالحكمِ ما قابلَ الحقيقةَ، ثُمَّ رأيتُ في الفصلِ الثّاني من
وقفِ "البزَّازيَّة" ما نصُّهُ: ((ماتَ المتولّي والواقفُ حِيٌّ فالرأيُ فِي النَّصْبِ إلى الواقفِ، وبعدَ موتِهِ إلى وصِّهِ لا إلى
الحاكمِ؛ لأنَّ العينَ وإِنْ زَالَت عن مِلكِهِ حقيقةً فهو باقِ على مِلكِهِ حُكْمً بإشارةٍ قولِهِ عليه السَّلامُ: (( أو صدقةٍ
جاريةٍ))، وإنَّا تُوصَفُ صدقتُهُ بِالدَّوامِ إذا حَدَثَ الحاصلُ وجُعِلَ لها متصدِّقً جديداً، فَدَلّت إشارةُ النّصِّ
أنَّها مُبقاةٌ على ملكِهِ، ولو كانَ على مِلكِهِ لكانَ النّصرُّفُ إليه، كذا هنا)) اهـ.
(١) "الإسعاف": كتاب الوقف صـ٧ -.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الوقف ١٣٢/٢ (هامش "الدرر والغرر").
حاشية ابن عابدين
٣٧٢
كتاب الوقف
ولو في الجملةِ،.
الواقفِ حقيقةً عندَهُ، ولذا قالَ "القُهستانِيُّ)(١): ((وشرعاً عندَهُ: حَبَسُ العَينِ ومَنْعُ الرَّقْبةِ المملوكةِ
بِالقَولِ عن تَصَرّفِ الغيرِ حالَ كونِها مقتصرةً على ملكِ الواقفِ، فالرَّقبةُ باقيةٌ على مِلكِهِ في حياتِهِ
ومِلكٌ لورثِهِ بعدَ وفاتِهِ بحيثُ يُباعُ ويُوهَبُ))، ثمَّ قالَ(١): ((ويُشكِلُ بالمسجدِ، فَإِنَّه حَبْسٌ على
مِلكِ اللهِ تعالى بالإجماعِ، اللهمَّ إلَّ أنْ يُقالَ: إِنَّه تعريفٌ للوقفِ المختلَفِ فيه)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ "المصنّفَ" عرَّفَ الوقفَ المختلَفَ فيه (٢)، و "الشَّارِحَ" قدَّرَ الحُكمَ اختياراً للازمِ
المَّفقِ عليه، ولكلِّ جهةً(٣) هو مُولِيها، لكنَّ جِهةَ "الشَّارحِ" أرجَحُ من حيثُ إنَّ "المصنِّف" قالَ:
((هو حبسُ العينِ))، وذلكَ لا يُناسِبُ تعريفَ غيرِ اللازمِ؛ إذ لا حبسَ فيه؛ لأنّه غيرُ ممنوعٍ عن
بيعِهِ ونحوِهِ، بخلافِ اللازمٍ فإنَّ محبوسٌ حقيقةً، وكثيراً ما تخفى رموزُ هذا "الشَّارحِ" الفاضلِ على
النَّاظرينَ، خصوصاً مَن هو مُولَعٌ بالاعتراضِ عليه، فافهم.
مطلبٌ: لو وَقفَ على الأغنياءِ وحدَهم لم يَجُزْ
[٢١٢٥٢] (قولُهُ: ولو في الجملةِ) فَيَدخُلُ فيه الوقفُ على نفسِهِ ثُمَّ على الفقراءِ، وكذا الوقفُ
على الأغنياءِ ثُمَّ الفقراءِ لِما في "النَّهر"(٤) عن "المحيط ": ((لو وَقَفَ على الأغنياءِ وحدَهم لم يَجُزْ؛
لأَنَّه ليسَ بقربةٍ، أمَّا لو جَعَلَ آخرَهُ للفقراءِ فَإِنَّه يَكُونُ قربةً في الجملةِ)) اهـ، وبهذا النَّعميمِ صارَ
التَّعريفُ جامعاً، واستغنى عمَّ زادَهُ فيه "الكمالُ(٥) وتبعَهُ "ابن كمالٍ" من قولِهِ: ((أو صرفُ
منفعتِها إلى مَن أَحَبَّ))، وقالَ(٦): ((لأنَّ(٢) الوقفَ يَصِحُّ لَن يُحِبُّ من الأغنياءِ بلا قصدِ القُربةِ:
(١) "جامع الرموز": كتاب الوقف ١٦٠/٢.
(٢) ((فيه)) ليست في "الأصل" و"ك" و"ب" و"م".
(٣) في "٢": ((وِجهةٌ)).
(٤) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥١/أ.
(٥) "الفتح": كتاب الوقف ٤١٦/٥.
(٦) أي: صاحب "النهر".
(٧) في "م": ((إن))، وما أثبتناه من بقية النسخ هو الموافق لعبارة "النهر".
الجزء الثالث عشر
٣٧٣
كتاب الوقف
وهو وإنْ كانَ لا بدَّ في آخرِهِ من القُربةِ بشرطِ النَّأبيدِ كالفقراءِ ومصالحِ المسجدِ، لكنّه يكونُ وقفاً
قبلَ انقراضِ الأغنياءِ بلا تَصَدُّقٍ)) اهـ أفادَهُ في "الَّهر"(١)، وأجابَ في "البحر "(٢) أيضاً: ((بأَنَّه قد يُقالُ:
إِنَّ الوقفَ على الغنيِّ تَصَدُّقٌ بالمنفعةِ؛ لأنَّ الصَّدقةَ تكونُ على الأغنياءِ أيضاً وإنْ كانَت مجازاً عن الهيبةِ
عندَ بعضِهم، وصَرَّحَ في "الذَّخيرة": بأنَّ فِي النَّصدُّقِ على الغنيِّ نوعَ قُربةٍ دونَ قُرْبةِ الفَقِيرِ)) اهـ.
واعترضَهُ "ح"(٣): ((بأنَّ هذا النَّوعَ من القُريةِ لو كَفَى فِي الوقفِ لصحَّ الوقفُ على الأغنياءِ من غيرِ
أنْ يَجْعَلَ آخرَهُ للفقراءِ))، وعَلِمتَ تصريحَ "المحيط ": ((بأَنَّه لا يَصِحُّ))، وسيأتي(٤) قُبيلَ الفصلِ.
قلتُ: والجوابُ الصَّحِيحُ: أنَّ الوقفَ تَصَدُّقٌ ابتداءً وانتهاءً؛ إذ لا بدَّ من التَّصريحِ بالنَّصدُّقِ
على وجهِ الَّأبيدِ أو ما يَقومُ مَقَامَهُ كما يأتي (٥) تحقيقُهُ، ولكنَّه إذا جَعَلَ أوَّلَهُ على معَِّينَ صارَ كأَنَّه
٣٥٧/٣ استثنى ذلكَ من الدَّفعِ إلى الفقراءِ كما صرَّحوا به، ولذا لو وقَفَ على بنيهِ ثُمَّ على الفقراء
ولم يُوجدْ إلَّ ابنٌ واحدٌ يُعطى النّصفَ، والنّصفُ الباقي للفقراءِ؛ لأنَّ ما بَطَلَ من الوقفِ
على الابنِ صارَ للفقراءِ؛ لأنَّ الوقفَ خَرَجَ عن مِلكِ الواقفِ بقولِهِ: صدقةٌ موقوفةٌ أبدً (٦)،
فَقَدِ ابتدأَهُ بِالصَّدقةِ وختمَهُ بها كما قالَهُ "الخصَّاف"(٧)، فعُلِمَ أَنَّه صدقةٌ ابتداءً،
ولا يُخرِجُهُ عن ذلكَ اشتراطُ صرفِهِ لمعَّنٍ.
(قولُهُ: واعترضَهُ "ح": بأنَّ هذا النّوعَ من القربةِ لو كَفَى فِي الوقفِ لَصحَّ الوقفُ على الأغنياءِ
إلخ) قد يُقالُ: إنَّ هذا النَّوعَ يَكْفِي لأَصْلِ الوقفِ وإنْ كانَ يُشترطُ النَّوعُ الأخيرُ لا غيرُهُ، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥١/أ.
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٢/٥.
(٣) "ح": كتاب الوقف ق٢٧٢/ب.
(٤) المقولة [٢١٥٨١] قوله: ((أو للأغنياء ثم الفقراء)).
(٥) المقولة [٢١٣٣٣] قوله: ((وجعله "أبو يوسف" كالإعتاق)).
(٦) في "آ": ((ابتداءً)).
(٧) "أحكام الأوقاف": باب الوقف على الرَّجلِ والشَّرط فيه صـ٣٢ -.
حاشية ابن عابدين
٣٧٤
کتاب الوقف
والأصحُّ أَنَّه (عندَهُ) جائزٌ غيرُ لازِمٍ كالعارِيَّةِ، (وعندَهُما هو: حَبَسُها.
[٢١٢٥٣] (قولُهُ: والأصحُّ أَنَّه عندَهُ جائزٌ إلخ) قالَ في "الإسعاف"(١): ((وهو جائزٌ عندَ
علمائِنا "أبي حنيفةً" وأصحابِهِ رحمهم الله تعالى، وذَكَرَ في "الأصل)(٢): كانَ "أبو حنيفةً" لا يُجيزُ
الوقفَ، فَأَخَذَ بعضُ النَّاسِ بظاهرٍ هذا اللَّفْظِ، وقال: لا يَجُوزُ الوقفُ عندَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّه جائزٌ
عندَ الكلِّ، وإنَّا الخلافُ بينَهم في اللُّزومِ وعدمِهِ، فعندَهُ يَجُوزُ جَوازَ الإِعارةِ، فُتُصرَفُ منفعتُهُ إلى
جهةِ الوقفِ معَ بقاءِ العينِ على حُكْمٍ مِلكِ الواقفِ، ولو رَجَعَ عنه حالَ حياتِهِ جازَ معَ الكراهةِ
ويُورَثُ عنه، ولا يَلزَمُ إلَّ بأحدِ أمرينٍ: إمَّا أنْ يَحْكُمَ به القاضي، أو يُخرِجَهُ مُخرجَ الوصيّةِ،
وعندَهما: يَلزَمُ بدونِ ذلكَ، وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ، وهو الصَّحيحُ، ثمَّ إِنَّ "أبا يوسف" يقولُ:
يَصِيرُ وقفاً بمجرَّدٍ القولِ؛ لأَنَّه بمنزلةِ الإِعتاقِ عندَهُ وعليه الفتوى، وقالَ "محمَّدٌ": لا إلَّ بأربعةٍ
شروطٍ ستأتي)) اهـ ملخِّصاً، وبحثَ في "الفتح"(٣) بأَنَّه إذا لم يَزُلْ مِلكُهُ عندَهُ قبلَ الحكمِ فلفظُ
((حبسُ)) لا معنى له؛ لأنَّ له النَّصرُّفَ فيه متى [٣/ ق١٠٤ /ب] شاءَ، فلم يُحدِثِ الوقفُ إلَّ مشيئةً
الَّصدُّقِ بالمنفعةِ، وله أنْ يَتْرُكَ ذلكَ متى شاءَ، وهذا القدرُ كانَ ثابتاً قبلَ الوقفِ فلم يُقِدْ لفظُ
الوقفِ شيئاً، وحينئذٍ فقولُ مَن أخذَ بظاهرٍ ما في "الأصل" صحيحٌ، ونظرَ فيه في "البحر (٤): ((بأنَّ
سَلْبَ الفائدةِ مطلقاً غيرُ صحيحٍ؛ لأَنّه يَصِحُّ الحكمُ به، ويَحِلُّ للفقيرِ أَنْ يأكُلَ منه، ويُثابُ الواقفُ
به، ويُتْبَعُ شرطُهُ، وَيَصِحُّ نصبُ المتولِّي عليه، وقولُ مَن أخذَ بظاهرِ اللَّفْظِ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ ظاهرَهُ
عدمُ الصِّحَّةِ أصلاً ولم يقلْ به أحدٌ، وإلاَّ لزمَ أنْ لا يَصِحّ الحكمُ به)) اهـ.
(قولُهُ: فلفظُ (حبسُ)) لا معنى له؛ لأنَّ له التَّصرُّفَ إلخ) قد يُقالُ: متى عَيَّنَ العِينَ للصَّدقةِ تحقَّقَ
الحبسُ لها وإنْ جُوِّزَ له إبطالُهُ معَ الكراهةِ، تأمَّل.
(١) "الإسعاف": كتاب الوقف صـ٧ -.
(٢) نسخة "الأصل" المطبوعة التي بين أيدينا ليس فيها كتاب الوقف.
(٣) "الفتح": كتاب الوقف ٤١٩/٥.
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٩/٥ بتصرف.
الجزء الثالث عشر
٣٧٥
كتاب الوقف
على) حُكمٍ (مِلكِ اللهِ تعالى، وصَرفُ مَنفعَتِها على مَن أَحبَّ) ولو غَنِيًّا ........
قلتُ: بل ذكرَ في "الإسعاف"(١) أنَّه عندَهُ يكونُ نذراً بالتَّصدُّقِ حيثُ قالَ: ((وحكمُهُ ما
ذكرَ في تعريفِهِ، فلو قالَ: أَرْضي هذهِ صدقةٌ موقوفةٌ مؤبَّدةٌ جازَ لازماً عندَ عامَّةِ العلماءِ، وعندَ
"أبي حنيفةً" يكونُ نذراً بالصَّدقةِ بغلَّةِ الأرضِ، ويبقى مِلكُهُ على حالِهِ، فإذا ماتَ يورَثُ عنه)) اهـ،
أي: فَيَجِبُ عليهِ النَّصدُّقُ بِغَّتِهِ.
[٢١٢٥٤] (قولُهُ: على حُكْمٍ مِلكِ اللَّهِ تعالى) قدَّرَ لفظَ: ((حُكْمٍ)) ليفيدَ أنَّ المرادَ أَنَّه لم يَبْقَ
على مِلكِ الواقفِ ولا انتقلَ إلى مِلكِ غيرِهِ، بل صارَ على حكمٍ مُلكِ اللَّهِ تعالى الَّذي لا مِلكَ فيهِ
الأحدٍ سواهُ، وإلاَّ فالكلُّ مُلكٌ لله تعالى، واستَحسَنَ في "الفتح"(٢) قولَ "مالكٍ" رحمه الله: ((إنّه
حَبْسُ العينِ على مِلكِ الواقفِ، فلا يَزُولُ عنه مِلكُهُ، لكنْ لا يُباعُ ولا يُورَثُ ولا يُوهَبُ، مثلَ أمِّ
الولدِ والمديَّرِ))، وحقَّقَهُ بما لا مزيدَ عليه.
قلتُ: والظَّاهرُ: أنَّ هذا مرادُ شمسِ الأئمّة "السَّرِّخسيِّ) (٣)، حيثُ عرَّفَهُ: ((بأَنَّه حَبْسُ المملوكِ
عن الَّمليكِ مِن الغيرِ))، فإنَّ الحبسَ يُعيدُ أنَّه باقٍ على مِلكِهِ كما، كانَ، وأَنَّه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ.
[٢١٢٥٥] (قولُهُ: وصَرْفُ منفعتها على مَن أحبَّ) عبَّرَ به بدلَ قولِهِ: ((والتَّصدُّقُ بالمنفعةِ))؛
(قولُهُ: قدَّرَ لفظَ ((حُكْمٍ)) لِيُفيدَ أنَّ المرادَ أَنَّ لم يَبْقَ على مِلكِ الواقفِ إلخ) فيه: أنَّ إفادةً ما
ذكرَهُ غيرُ متوقّفٍ على زيادةِ لفظِ ((حُكْمٍ))، بل تُستفادُ من كلامِهِ بدونِها، والّذي في "المنح" عقبَ قولِهِ:
على مُلكِ اللهِ: ((أي: حُكْمِ اللهِ)) اهـ يَعني: أَنَّها محبوسةٌ على حُكمِهِ تعالى وتصرُّفِهِ بحيثُ يكونُ له لا لغيرِهِ
من الواقفِ وغيرِهِ إلاَّ ما يُثبتُهُ الشَّارعُ لغيرِهِ، وحينئذٍ فالمناسبُ أنْ يقالَ: زادَ لفظَ: (حُكْمٍ)) إشارةً إلى أنَّ
الأشياءَ قبلَ الإيقافِ محبوسةٌ على مُلكِهِ تعالى وكذا بعدَهُ، وبه صارَ أثرُ الملكِ - يعني: أحكامَهُ - إنَّا هي له تعالى
لا لغيرِهِ بخلافِ ما قبلَهُ؛ فإنَّه تعالى فوَّضَ أحكامَ المِلكِ من بيعِ وغيرِهِ لغيرِهِ تعالى معَ كونِهِ هو المالكَ الحقيقيَّ.
(١) "الإسعاف": بابٌ في ألفاظ الوقف وأهله ومحلّہ وحكمه ص١٥ -.
(٢) "الفتح": كتاب الوقف ٤١٩/٥.
(٣) "المبسوط": كتاب الوقف ٢٧/١٢.
حاشية ابن عابدين
٣٧٦
كتاب الوقف
فَيَلْزَمُ، فلا يَجُوزُ له إبطالُهُ، ولا يُورَثُ عنه، وعليه الفتوى، "ابن الكمال" و"ابن
الشِّحنةِ"(١). (وسببُهُ: إرادةُ مَحبوبِ النِّفسِ) في الدُّنيا بِرِّ الأحبابِ، وفي الآخرةِ
بالثّوابِ، يعني: بالنَّةِ مِن أَهلِها؛.
لأَنَّه أعمُّ، وإلى التَّعميمِ أشارَ بقولِهِ: ((ولو غنيّا))، أفادَهُ "ح"(٢)، لكنْ عَلِمِتَ أَنَّ الوقفَ
على الأغنياءِ وحدَهم لا يَجُوزُ، فالمناسبُ التَّعبيرُ بالتَّصدُّقِ بالمنفعةِ، إلاَّ أنْ يُرادَ صَرفُ منفعتِها على
وجهِ النَّصدُّقِ.
[٢١٢٥٦] (قولُهُ: فَلْزَمُ) تفريعٌ على ما أفادَهُ التَّعريفُ من خروجِ العينِ عن مِلكِ الواقفِ
لُبُوتِ الَّلازُمِ بينَ الُّزُومِ والخروجِ عن مِلكِهِ باتفاقِ أثمَّتنا الثّلاثةِ كما ذَكَرَهُ في "الفتح"(٣).
[٢١٢٥٧] (قولُهُ: وعليه الفتوى) أي: على قولِهما بلزومِهِ(٤)، قالَ في "الفتح"(*): ((والحقُّ
ترجُّحُ قولِ عامَّةِ العلماءِ بلزومِهِ؛ لأنَّ الأحاديث والآثارَ متظافرةٌ على ذلكَ، واستمرَّ عملُ الصَّحابةِ
والتَّابعينَ ومَن بعدَهم على ذلكَ، فلذا ترجَّحَ خلافُ قولِهِ)) اهـ ملخَّصاً.
[٢١٢٥٨] (قولُهُ: بِرِّ الأحبابِ) أي: مَن يُحبُّ بَّهم ونَفْعَهم مِن قريبٍ أو فقيرٍ أجنبي.
[٢١٢٥٩] (قولُهُ: يعني بالنِّةِ) قيدٌ للَّوابِ؛ إذ لا ثوابَ إلاَّ بالّةِ.
[٢١٢٦٠] (قولُهُ: من أهلِها) وهو المسلِمُ العاقلُ، وأمَّا البلوغُ فليسَ بشرطٍ لصحَّةِ النِّةِ وَالَّابِ
بها، بل هو شرطٌ هنا لصحَّةِ الَُّّعِ.
(قولُهُ: لُبوتِ الّلازُمِ بينَ اللُّزومِ والخروجِ عن مِلكِهِ باتّفاقِ إلخ) هذا ظاهرٌ في الوقفِ المحكومِ به،
وأمَّا إذا علَّقَ بالموتِ أو قالَ: وقَفْتُها في حياتي وبعدَ وفاتي مؤَّداً فالصَّحيحُ أَنَّه وصيّةٌ تَلزَمُ بالموتِ من
النُّلثِ ولا يَزُولُ المِلكُ، وهو بمنزلةِ الوصيَّةِ بالمنافعِ مؤَّداً كما يأتي توضيحُ ذلكَ في كلامِهِ.
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصلٌ من كتاب الوقف ق ١٦٨/أ.
(٢) "ح": كتاب الوقف ق ٢٧٢/ب.
(٣) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢١/٥.
(٤) في "م": ((يلزمه)).
(٥) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢٢/٥.
الجزء الثالث عشر
٣٧٧
كتاب الوقف
لأَنَّه مُباحٌ بدليلٍ صحَّتِهِ مِن الكافرِ، وقد يكونُ واجباً بالنّذرِ فَتصدَّقُ بها أو بثَمِنِها.
ولو وَقفَها على مَن لا تَجوزُ(١) له الزَّكَاةُ.
[٢١٢٦١] (قولُهُ: لأَنَّه مباحٌ إلخ) يعني: قد يكونُ مباحاً كما عبَّرَ في "البحر)"(٢)، والمرادُ أنّه
ليسَ موضوعاً للتَّعُدِ به كالصَّلاةِ والحجِّ بحيثُ لا يَصِحُّ من الكافرِ أصلاً، بل التَّقْرُّبُ به موقوفٌ
على نَّةِ القربةِ، فهو بدونِها مباحٌ، حَتَّى يَصِحُّ من الكافرِ كالعنقِ والنكاحِ، لكنَّ العتقَ أنفذُ منه،
حَتّى صحَّ معَ كونِهِ حراماً كالعتقِ للصَّنِمِ، بخلافِ الوقفِ فَإِنَّه لا بدَّ فيه من أنْ يكونَ في صورةٍ
القُربةِ، وهو معنى ما يأتي(٣) في قولِهِ: ((ويُشترَطُ أنْ يكونَ قربةً في ذاِهِ)) إذ لو اشتُرِطَ كونُهُ قربةً
حقيقةً لم يَصِحّ من الكافرِ، هذا ما ظهرَ لي، فتأمَّل.
[٢١٢٦٢] (قولُهُ: فَيَتَصَدَّقُ بها أو بثمنِها(٤)) خَلَطَ "الشَّارِحُ" مسألةَ النَّذْرِ بالوقفِ بمسألةٍ
(قولُهُ: خَلَطَ "الشَّارِحُ" مسألةَ النَّذْرِ بالوقفِ بمسألةِ ما لو كانَت صِيغةُ الوقفِ نذراً إلخ) وقالَ
"الرَّحِمتَيُّ": ((لعلَّ في الكلامِ تحريفاً أو تصحيفاً، وتحريرُ المسألةِ: أنَّ نذرَ الوقفِ يَصِحُّ، والنَّذرُ لا يَتَعَّنُ فيه
الدِّرهمُ، فكذا لا يَتَعَّنُ فيه العينُ المنذورُ وقفُها، بل هي أو ما يُساويها قيمةً، هذا إنْ قالَ: للهِ عليَّ
أَنْ أَقِفَ هذهِ الدَّارَ مثلاً، فإنْ قالَ: للهِ عليَّ أنْ أَتَصَدَّقَ بها فهذا نذرُ الصَّقَةِ، وهي الَّتي عناها بقولِهِ:
فَيَتَصَدَّقُ (٥) بها أو بثمنِها؛ لأَنَّه لا يَتَعَّنُ عينُ المسمَّى بالنَّذرِ)) اهـ باختصارِ. ثُمَّ قالَ "السِّنديُّ":
((فالحاصلُ: أنَّ الأَولى لـ "الشَّارحِ": وقد يكونُ واجباً بالنَّذرِ، فَيَقِفُ ما نَذَرَ وَقْفَهُ أو ما يُساويِهِ قِيمَةً
على مَن يَجُوزُ له أداءُ الزَّكَاةِ، كما لو نذرَ التَّصدُّقَ بعينِ معلومةٍ فَتَصَدَّقُ بها أو بقيمتِها، ولو وَقَفَها
أو تَصَدَّقَ بها على مَن لا تَجُوزُ له الزَّكَاةُ جازَ في الحكمِ، وبقيَ نذرُهُ حَتَّى يَقِفَ وَيَتَصَدَّقَ بما يُساويها
قِيمةً على مَصرِفِ الصَّدقاتٍ)).
(١) في "د" و"و": ((لا يجوز)) بالياء.
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٦/٥.
(٣) ص ٣٨٢ - "در".
(٤) في "ب": ((منها)) وهو تحريف.
(٥) نقول: في مطبوعة "التقريرات" لـ "الرافعي": ((فتصدَّق))، وما أثبتناه هو الموافق لـ "الدر".
حاشية ابن عابدين
٣٧٨
كتاب الوقف
جاز في الحُكمِ وبقيَ نَذْرُهُ، ..
ما لو كانت صيغةُ الوقفِ نذراً معَ أنَّ حكمَهما (١) مختِفٌ، فأمَّا الَّذرُ به فقالَ في "البحر "(٢):
((والثّالثُ المنذورُ، كما لو قالَ: إنْ قَدِمَ وَلدي فعَلَيَّ أنْ أَقفَ هذهِ الدَّارَ على ابنِ السَّبِيلِ، فقدِمَ فهو
نذرٌ يَجِبُ الوفاءُ به، فإنْ وَقَفَهُ على ولدِهِ وغيرِهِ ثَمّن لا يَجُوزُ دَفْعُ زكاتِه إليهم جازَ في الحُكْمِ
ونذرُهُ باقٍ، وإِنْ وَقَفَهُ على غيرِهِم سَقَطَ، وإنَّا صَحَّ الَّذرُ لأنَّ مِنْ جنسِهِ واجباً، فإِنَّه يَجِبُ أنْ
٣٥٨/٣ يَنَّخِذَ الإِمامُ للمسلمينَ مسجداً من بيتِ المالِ أو من مالِهم إذْ لم يكنْ لهم بيتُ مالٍ، كذا في
[٣/ ق ١٠٥/أ) "فتح القدير "(٢))، وأمَّا مسألةُ ما لو كانَت صيغةُ الوقفِ نذراً فقالَ في "البحر"(٤) قبلَ
هذا: ((التّاسعُ لو قالَ: هي للسَّبِيلِ، إنْ تَعَارَفوهُ وقفاً مؤَّداً للفقراءِ كانَ كذلكَ، وإلاَّ سُئِلَ،
فإنْ قالَ: أردتُ الوقفَ صارَ وقفاً؛ لأَنَّه محتَمَلُ لفظِهِ، أو قالَ: أردتُ معنى صَدَقةٍ فهو نذرٌ،
فَتَّصَدَّقُ بها أو بثمنِها، وإنْ لم ينوٍ كانت ميراثً، ذكرَهُ في "النَّوازل")) اهـ "ح"(٥).
قلتُ: صيغةُ النَّذرِ بالوقفِ الَّتي ذكرَها في "البحر" غيرُ متعَيِّنَةٍ، فليكنِ "الشَّارِحُ" أشارَ إلى
صيغةٍ غيرِها تَشْمَلُ المسألتينِ، كأنْ قالَ: إِنْ قَدِمَ ولدِي فَعَلَيَّ أنْ أَجْعَلَ هذهِ الدَّارَ للسَّبِيلِ، وحينئذٍ
فإنْ أرادَ بالسَّبِيلِ الصَّدقةَ كانَت كذلكَ، وقد ذَكَرَ حكمَها بقولِهِ: ((فَتَصَدَّقُ بها أو بثمنِها))، وإِنْ
أرادَ الوقفَ أو كانَ متعارَفاً كانَت وقفاً، وقد أفادَ حكمَها بقولِهِ: ((ولو وَقَفَها إلخ))، ودِقَّةُ نَظَرٍ
"الشَّارحِ" وإيجازُهُ في التّعبيرِ يفوقُ ذلكَ كما لا يَخْفَى على مَنِ مارَسَ كتَابَهُ، فافهم.
[٢١٢٦٣] (قولُهُ: جازَ في الحكمِ) أي: صحَّ الوقفُ في حكمِ الشَّرعِ لصدورِهِ من أهلِهِ في
محلِّ، وصحَّ تعينُهُ الموقوفَ عليه، لكنَّهُ لا يَسْقُطُ بِهِ الَّذرُ؛ لأنَّ الصَّدقةَ الواجبةَ لا بدَّ أنْ تكونَ للهِ
(١) في "م" و"ك": ((حكمها)).
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٦/٥.
(٣) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢٣/٥.
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٥ /٢٠٥.
(٥) "ح": كتاب الوقف ق ٢٧٢ /ب.
الجزء الثالث عشر
٣٧٩
كتاب الوقف
وبهذا عُرِفَ صِفْتُهُ، وحُكمُهُ ما مرَّ(١) في تَعرِيفِهِ، (ومَحُلُّه: المالُ المُتقوِّمُ، ورُكُنُهُ:
الألفاظُ الخاصّةُ كـ: أَرْضي) هذِهِ (صَدِقَةٌ مَوقوفةٌ مُؤْبَّدةٌ على المساكينِ، وَنَحوِهِ)
مِن الألفاظِ كـ: مَوقوفةٌ للهِ تعالى، أو على وجهِ الخَيرِ أو البِّ،
تعالى على الخُلُوصِ، وصَرْفُها إلى مَن لا تَجُوزُ شهادتُهُ له فيه نَفْعٌ له، فلم تَخْلُصْ للهِ تعالى، كما لو.
صَرَفَ إِليه الكفّارَةَ أو الزَّكَاةَ وقعَتْ صدقةً وبقيَتْ في ذمَّتِهِ.
(٢١٢٦٤) (قولُهُ: وبهذا) أي: ما ذُكِرَ من أنَّه يكونُ قربةً بالنّةِ، ومباحاً بدونِها، وواجباً بالنّذرِ.
[٢١٢٦٥] (قولُهُ: وحُكمُهُ) أي: الأثرُ المترتّبُ عليه.
[٢١٢٦٦) (قولُهُ: ما مرَّ في تعريفِهِ) أي: من أنَّه تَصَدُّقٌ بالمنفعةِ.
[٢١٢٦٧) (قولُهُ: ومحلُّهُ المالُ المتقوِّمُ) أي: بشرطِ أنْ يكونَ عَقاراً أو منقولاً فيه تعاملٌ كما
سيأتي(٢) بيانُهُ، ثمَّ رأيتُ هذا مسطوراً في "الإسعاف"(٣).
مطلبٌ: قد يثبتُ الوقفُ بالضَّرورةِ
[٢١٢٦٨] (قولُهُ: وركُهُ: الألفاظُ الخاصَّةُ) وهي سنَّةٌ وعشرونَ لفظاً على ما بَسَطَهُ في
"البحر "(٤)، ومنها ما في "الفتح"(٥) حيثُ قالَ: ((فرٌ: يثبتُ الوقفُ بالضّرورةِ، وصورتُهُ: أنْ يوصِيَ
(قولُهُ: وهي ستّةٌ وعشرونَ لفظً على ما بَسَطَهُ في "البحر ") الَّذي في "البحرِ": سبعةٌ وعشرونَ لفظاً،
وأوصلَها "السِّديُّ" لسَّةٍ وثلاثينَ، وحَعَلَ منها: ((جَعَلتُ نُزْلَ كَرْمِي وَقْفاً فيه ثمرٌ أَوْ لا، وكذا: جَعَلتُ عَلَّتَهُ
وقفاً))، وعزا الأوَّلَ لـ "النّوازل"، والثّانِيَ لـ "الفتح"، وفي "منية المفتي": ((قالَ: جعلتُ عَلَّهَ كَرْبِي هذا وقفاً،
صارَ الكرمُ معَ الغَلَّةِ وقفاً)) اهـ.
(١) صـ ٣٧١ - "در".
(٢) المقولة [٢١٤٠١] قوله: ((كلٍّ منقولِ قصداً)).
(٣) "الإسعاف": كتاب الوقف - باب في ألفاظ الوقف وأهله ومحلّه وحكمه صـ١٤ -.
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٥/٥.
(٥) "الفتح": كتاب الوقف ٤١٩/٥.
حاشية ابن عابدين
٣٨٠
كتاب الوقف
واكتفى "أبو يوسف" بلفظِ: ((مَوقوفةٌ)) فقط، قال "الشّهيدُ": ((ونحنُ نُفتي به للعُرفِ)).
بغَلَّةِ هذهِ الدَّارِ للمساكينِ أبدً، أو لفلانٍ وبعدَهُ للمساكينِ أبداً، فإنَّ الدَّارَ تَصِيرُ وقفاً بالضّرورةِ،
والوجهُ: أَنَّها كقولِهِ: إذا مِتُّ فقد وَقَفْتُ داري على كذا)) اهـ، أي: فهو من المعلَّقِ بالموتِ،
وسيأتي(١) الكلامُ عليه، وأَنَّه كوصيَّةٍ من الثُّلثِ، وذكرَ في "البحر"(٢): ((منها لو قالَ: اشتَرُوا من
عَلَّةِ داري هذهِ كلَّ شهرٍ بعشرةِ دراهمَ خبزاً، وفرِّقُوهُ على المساكينِ صارَتِ الدَّارُ وقفاً)) اهـ.
وعزاهُ لـ "الذَّخيرة"، وبسطَ الكلامَ عليه في "أنفع الوسائل(٣)، وقالَ: ((لا أعلَمُ في المسألةِ خلافاً
بينَ الأصحابِ)).
قلتُ: ومقتضاهُ: أنَّ الدَّارَ كلَّها تصيرُ وقفاً من ثلثِ مالِهِ، وَيُصْرَفُ منها الخبزُ إلى ما عيَّنَهُ
الواقفُ، والباقي إلى الفقراءِ؛ لأنّهم مَصْرِفُ الوقفِ في الأصلِ ما لم يَنُصَّ على غيرِهم، ونظيرُهُ ما
قدَّمناهُ(٤): ((لو وقفَ على أولادِهِ وليسَ له إلَّ ولدٌ واحدٌ فله النّصفُ والباقي للفقراءِ))، وقد سُئِلتُ
عن نظيرِ هذهِ المسألةِ في رجلٍ أَوْصَى بأنْ يُؤخَذَ من علَّةِ دارِهِ كلَّ سنةٍ كذا دراهمَ يُشترى بها
زيتٌ لمسحدٍ كذا، ثمَّ باعَ الورثةُ الدَّارَ وشرطوا على المشتري دَفْعَ ذلكَ المبلغِ في كلِّ سنةٍ
للمسجدِ، فأقتيتُ بعدمٍ صحَّةِ البيعِ، وبأنّها صارَت وقفاً حيثُ كانَت تَخْرُجُ من النُّثِ.
[٢١٢٦٩] (قولُهُ: واكتفى "أبو يوسف" بلفظِ: ((موقوفةٌ)) إلخ) أي: بدونِ ذِكْرٍ تأبيدٍ، أو ما يَدُلُّ
(قولُهُ: قلتُ: ومقتضاهُ: أنَّ الدَّارَ كلَّها تَصِيرُ وقفاً من ثُلُثِ مالِهِ إلخ) تقدَّمَ أنَّ الوقفَ المعَلَّقَ
بالموتِ أو المضافَ إليه الصَّحيحُ أَنَّه وصيّةٌ تَلَمُ بالموتِ من النُّلثِ، وهو بمنزلةِ الوصيّةِ بالمنافعِ مؤَّداً، فعلى
هذا لا تكونُ الدَّارُ موقوفةً حقيقةً بل محبوسةً لهذهِ الوصيّةِ، فإذا بقيَ شيءٌ ثَّا عِيَّنَهُ يكونُ لورثتِهِ؛ لِما
علمتَ أنَّ هذا ليسَ وقفاً حقيقةً، تأمَّل.
(١) المقولة [٢١٣٠١] قوله: ((أو بالموت إلخ)).
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٦/٥.
(٣) "أنفع الوسائل": مسائل الوقف - المسألة التاسعة صـ٢٢٩-٢٣١ -.
(٤) المقولة [٢١٢٥٢] قوله: ((ولو في الجملةِ)).