Indexed OCR Text

Pages 241-260

الجزء الثالث عشر
٢٤١
كتاب المفقود
(ليس بُخَصمٍ فيما يُدَّعَى على المفقودِ مِن دَينٍ ووديعةٍ وشركةٍ في عَقارٍ أو رقيقٍ ....
وأجاب في "النهر"(١): ((بأنَّ الظَّهرِ: أَنَّه - أي: وكيلَ المفقُود - لا يَمِلِكُ قَبِضَ دُيُونِه التي أقرَّ بها
غُرَمَاؤُهُ ولا غَلَتِهِ، وحينئذٍ فَيَحتاجُ إلى النَّصْبِ، وكأنَّ هذا هو السِّرُّ في إطلاقِهِمِ نَصبَ الوَكيلٍ)) اهـ.
قُلْتُ: وفيه نَظَرّ؛ لأنَّ مُراد "البحر": أنَّ القاضيَ إنَّما يَنْصِبُ له مَن يَأْخُذُ حقّه وَيَحْفَظُ مَالَهُ
إذا لم يكن له وكيلٌ في ذلك؛ لأنَّ وكيلَهُ لا يَنْعِزِلُ بِفَقَدِه، وقولُ "النهر ": ((الظَّاهر(٢): أَنَّه لا يَمِلِكُ
قَبْضَ دُيُونِه إلخ)) غيرُ مُسلَّمٍ إلاّ بنقْلٍ صريحٍ؛ لأَنَّه إذا لم يَنعزِل وقد وَكَلَه بذلك فما المانعُ له منه؟!
فلذا - واللهُ أعلَمُ - لم يُعوِّلِ "الشَّارِعُ" على كلامِهِ.
[٢٠٨٨٠] (قولُهُ: ليس بَخَصمٍ فِيْما يُدَّعَى على الَفَقُودِ) ولا فِيْما يَدَّعي له كما علمتَهُ(٣)، قال
في "البحر"(٤): ((وكذا ليس للورثةِ ما ذُكِرَ؛ لأَنَّهم ◌َرِئُونَه بعد موتِهِ ولم يَتْبُتْ))، ثمَّنَقَلَ (٥) عن
"البزَّازِيَّة "(٦): ((مات عن ابنَيْن أحدُهُما مفقودٌ، فَزَعَمَ وَرَثَةُ المَفْقُودِ أَنَّه حَيٌّ وله الِيراثُ، والابنُ
﴿كتابُ المفقود﴾
(قولُهُ: وقولُ "النّهرِ": ((الظَّاهُ: أَنَّه لا يَملِكُ قبضَ دُيُونِهِ إلخ)) غيرُ مسلَّمٍ إلَّ بنقلٍ إلخ) لكنَّ
تعليلَ "التّجنيس" بقولِهِ: ((لأَنّه لعلَّهُ ماتَ)) يُؤَيِّدُ ما في "النَّهر"، وكذا ما في "فتاوى الحانوتيِّ" إنْ كانَ
الغائبُ مفقودً لا يَصِحُّ تصرُّفُ وكيلِهِ لاحتمالِ موتِهِ كما في "البزَّازِيَّة"، وكونُهُ حيّاً في حقِّ نفسِهِ، وأنَّ
الأصلَ بقاءُ ما كانَ على ما كانَ يَصلُحُ للدَّفعِ لا لاستحقاقِ الوكيلِ التَّصرُّفَ، وقد علَّلوا منعَ التَّعميرِ
باحتمالِ موتِهِ، فإنَّ الوكيلَ بتعميرِهِ يريدُ استحقاقَ ما أنفقَهُ عليها بدليلٍ بقائِهِ حيّاً وبقائِهِ وكيلاً عنه، فلا
يَستحِقُّ بدليلِ الظَّاهرِ إلى آخرِ ما ذكرَهُ "السِّنديُّ"، لكنْ ما عزاهُ "الحانوتيُّ" إلى "البزَّازِيَّة" لا وجودَ له
فيها، لا في بابِ المفقودِ ولا في الوكالةِ.
(١) "النهر": كتاب المفقود ق ٣٤٥/ب.
(٢) ((الظَّاهر)) ساقطة من "ك".
(٣) المقولة [٢٠٨٧٧] قوله: ((المُقَرِّ بها)).
(٤) "البحر": كتاب المفقود ١٧٧/٥ بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب المفقود ١٧٩/٥.
(٦) "البزازية": كتاب الدعوى - الخصم في إثبات النسبِ خمسة ٣١٥/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
٢٤٢
كتاب المفقود
ونحوِهِ)؛ لأَنَّه ليس بمالِكٍ ولا نائبٍ عنه، وإنَّما هو وكيلٌ بالقبضِ مِن جهةِ القاضي،
وأَنَّه لا يَملِكُ الْخُصومةَ بلا خلافٍ، ولو قَضَى بُخُصومتِهِ لم يَنفُذْ، زاد "الزَّيلعيُّ))(١)
في القضاء، وتَبَعهُ "الكمالُ"(٢): ((إلاَّ بتنفيذِ قاضٍ آخرَ))، لكن في "الخلاصة" (٣):
((الفتوى على النَّفاذ)).
٠٠
الآخرُ يَزِعُمُ مَوَتَه لا خُصومَةَ بِينَهُما؛ لأنَّ وَرَثَةَ الَفِقُودِ اعْتَرَفوا أَنَّه لا حقَّ لهم في التَّرِكة، فكيف
يُخَاصِمُون عَمَّهُمْ؟!)) اهـ؛ لأنَّ اعترافَهُم بحياتِهِ اعترافٌ بأنَّ الحقَّ له(٤).
(٢٠٨٨١) (قولُهُ: ونحوِهِ) أي: نحوِ ما ذُكِرٍ مِن رَدِّ بعيبٍ، أو مُطالَبةٍ لاستحقاق، "بحر "(٥).
[٢٠٨٨٢] (قولُهُ: بلا خلافٍ) لِما فيه مِن تضمُّنِ الحُكمِ على الغائِبِ، وإنَّما الخلافُ
المعروفُ بينهم: فِيمَنْ وَكَّلَه المالِكُ بِقَبضِ الدَّين، هل يَمِلِكُ الخُصومةَ أم لا؟ فعندَهُ: يَمِلِكُها،
وعندهما: لا، اهـ "ح"(٦) عن "الزَّلعيِّ)(٧).
مطلبٌ: قضاءُ القاضي ثلاثةُ أقسامٍ
[٢٠٨٨٣] (قولُ: لم يَنْفُذْ) اعلم أنَّ قضاءَ القاضي ثلاثةُ أقسامٍ: قِسمٌ: يُرَدُّ بكلِّ حالٍ وهو: ما
خَلَفَ النَّصَّ أو الإجماعَ، وقِسمٌ: يُمضَى بِكُلِّ حالٍ، حتَّى لو رُفِعَ إلى قاضٍ آخرَ لاَ يَراهُ نَفَّذَه
وأَمضاهُ ولا يُطِلُه، وهو: ما يكونُ الخلافُ فيه لا في نفسِ القضاءِ بل في سبِهِ، وأمثلتُهُ كثيرةٌ،
منها: لو قَضَى شافعيٌّ بشهادةِ الَحدُودِين بعد الّوبةِ، أو قضى لامرأةٍ بشهادةِ زوجِها وأَجنبِيِّ نَفَذَ،
ولو رُفِع إلى حنفيٌّ لَزِمَه تنفيذُهُ؛ لأنَّ الاختلافَ في سببِ القضاءِ وهو: أنَّ شهادةَ هؤلاءِ هل تصيرُ
حُجَّةً للحُكمِ أَمْ لا؟ أمَّا نفسُ الحُكمِ فلا اختلافَ فيه، والقسمُ النَّالثُ: الحُكمُ المجتهَدُ فيه
(١) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٨٦/٤.
(٢) "الفتح": كتاب المفقود ٣٦٩/٥.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب المفقود ق ٣٣١/أ.
(٤) من ((ثم نقل)) إلى ((بأنَّ الحقَّ له)) ساقط من "ك".
(٥) "البحر": كتاب المفقود ١٧٧/٥.
(٦) "ح": كتاب المفقود ق ٢٦٩/أ.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب المفقود ٣١٠/٣.

الجزء الثالث عشر
٢٤٣
كتاب المفقود
يعني: لو القاضي مُجتهِدً، "نهر"(١). (ولا يَبيعُ) القاضي (ما لا يُخافُ فَسادُهُ في نفقةٍ
ولا في غيرِها، بخلافِ ما يُخافُ فَسادُهُ) فإنَّه يَبيعُهُ القاضي، ويَحِفَظُ ثَمَنَه.
قلتُ: لكنْ في "مَعروضاتِ" المفتي "أبي السُّعودِ": ((أنَّ القُضاةَ وأُمَناءَ بيتِ
المالِ في زَمانِنا.
وهو: ما يَقَعُ الخلافُ فيه في نفسِ الحُكمِ، فقيل: يَنفُذُ أيضاً، وقيل: لا يَنفُذُ إلَّ إذا نَفَّده قاضٍ آخَرُ،
فإذا نفَّذَه الثَّانِي نَفَذَ، حَتّى لو رُفِعَ إلى ثالثٍ أَمضاهُ، وإذا أَبطلَه الثَّاني فليس لأحدٍ أنْ يُجيزَه، وهذا
هو الصَّحيحُ، وبعضُهُمْ صَحَّحَ الأوَّلَ، وذلك: كما لو قَضَى لِوَلدِه على [٣/ق٨٦/ب] أجنبيّ، أو
لامرأته بشهادَةِ رجلَيْن؛ لأنَّ نفس القضاءِ مُختَلَفٌ فيه، واختلفوا فيما لو قَضَى على الغائِبِ، فقيل:
هو مِن هذا القِسمِ فلا يَنفُذُ إلَّ بتنفيذٍ قاضٍ آخَرَ، وهو ما نَقْلَهُ(٢) عن "الزَّلعيِّ" و "الكمال"، بناءً
على أنَّ الاختلافَ في نفسِ القضاءِ على الغائِبِ، وقيل: هو مِن القِسمِ الثَّانِي، فَنفُذُ بلا توقُّفٍ على
تنفيذِ قاضٍ آخَرَ، وهو ما نقلَهُ عن "الخلاصةِ"(٣)، بناءً على أنَّ الاختلافَ لا في نفسِ القضاءِ، بل
في سبيِهِ: وهو أنَّالبِّةَ هل تكونُ حُجّةً مِن غيرِ خصمٍ حاضرٍ أَوْ لا؟
[٢٠٨٨٤] (قولُهُ: يعني: لو القاضي مُحَتَهِداً) ومثلُهُ: لو (٤) كان مُقَلِّداً لُحَتَهِدٍ، وهذا ترجيحٌ
لِما حقَّقْه في "البحر "(٥) مِن كتابِ القضاءِ: ((مِن أنَّ الخلافَ في نفاذِ القضاءِ على الغائبِ مَحلُّهُ
ما إذا كان مَذهبُ القاضي صِحَّةَ هذا القضاءِ، بخلافِ القاضي الحنفيِّ))، وسيأتي(٦) في القضاءِ
إنْ شاء الله تعالى تحقيقُ ذلك.
٣٢٩/٣
[٢٠٨٨٥] (قولُهُ: ولا يَبِيعُ القاضي ما لا يُخَافُ فَسَادُهُ) مَنقولاً كان أو عقاراً؛ لأنَّ القاضيَ
(١) "النهر": كتاب المفقود ق ٣٤٥/ب.
(٢) أي: الشَّارح صـ٢٤٢ - "در".
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب المفقود ٣٣١/أ.
(٤) في "م": ((ما لو)).
(٥) "البحر": ١٧/٧-١٨.
(٦) المقولة [٢٦٣٩٢] قوله: ((ولو قضى على غائب إلخ)).

حاشية ابن عابدين
٢٤٤
كتاب المفقود
مأمورون(١) بالبيعِ مُطلقاً وإنْ لم يُخَفْ فسادُهُ؛ فإِنْ ظَهَرَ حيّ فله الثَّمنُ؛ لأنَّ القُضاةَ غيرُ
مَأْمُورِين بِفَسخِهِ، نَعَمْ إذا بِيعَ بِغَبنِ فاحشِ فله فَسْخُهُ)). اهـ، فليحفظ.
لا ولايةَ له على الغائبِ إلاَّ في الحِفْظِ، وفي البيعِ تَركُ حِفْظِ الصُّورةِ بلا مُلحِئٍ، وما يُخافُ
عليه الفسادُ كالتّمار ونحوِها يبيعُهُ؛ لأَنَّه تَعذَّرِ حِفْظُ صُورتِهِ ومعناه، فيُنظَرُ للغائِبِ بحِفْظِ معناهُ، اهـ
من "الهداية"(٢)، و "الفتح"(٣). وفي "جامع الفصولين"(٤)، و"شرحِ الوهبانَّةِ"(٥): ((للقاضي بيعُ مالٍ
المَفْقُودِ والأسيرِ مِن المتاعِ والرَّقيقِ والعَقارِ إذا خِيفَ عليه الفسادُ، وليس له بَيْعُها لنفقةِ عِيالِهِما، وإن
باعَها لَخَوفِ الضَّاعِ فصارَتْ دَراهِمَ أو دنانيرَ يُعطِي النَّقةَ منها بطريقِهِ)) اهـ. وفيه(٦): ((شَراهُ
فغاب قَبْلَ قَبَضِهِ غَيبةً مُنقطِعةً ولا يُدرَى أين هو، جاز للقاضي بيعُ المَبِيعِ وإيفاءُ الَّمنِ للبائِعِ لو كان
الَبِيعُ مَنْقُولاً لا لو عَقارً، وعلى هذا لو رَهَنَ المديُونَ وغابَ غيبةً مُنقطعةً فرَفعَ المُرْتِهِنُ الأمرَ
للقاضي لِيسعَ الرَّهن بدَينه ينبغي أنْ يجوزَ كما في هذه المسألة)) اهـ.
قُلْتُ: ومسألةُ بيعِ الَبِيعِ ذكرَها "المُصنّفُ) (٧) في مُتَفرِّقَاتِ الْبُيوع، وذَكَرَ في "النهر "(٨) هناك:
(أَنّه لو غاب بعد قبضِ المبيعِ ليس للقاضي بيعُهُ))، ومسألةُ بيعِ الرَّهنِ ذكرَها "الشَّارِحُ"(٩) في
كتاب الرَّهنِ، ومُقتضى قياسِ هذِهِ على المسألةِ الأُولى: تخصيصُ الرَّهنِ بِكَونِهِ مَنْقُولاً، تأمَّل.
[٢٠٨٨٦] (قولُهُ: مَأمُورون بالبيعِ) أي: أَمْرَهُم السُّلطانُ بذلك.
أقول: كيف يَتَّحِهُ هذا الأمرُ مع مُخالَفته لِما ذكرَهُ "المُصنّفُ)) (١٠) تَبَعاً لِمَا فِي كُبِ المذهبِ
(١) في "د": ((مؤدُّون)).
(٢) "الهداية": كتاب المفقود ١٨٠/٢، بتوضيح من "ابن عابدين" رحمه الله.
(٣) "الفتح": كتاب المفقود ٣٦٩/٥.
(٤) "جامع الفصولين": الفصل الخامس في القضاء على الغائب إلخ ٦٨/١.
(٥) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الإباق والمفقود ق ١٦١/ب.
(٦) "جامع الفصولين": الفصل الخامس في القضاء على الغائب إلخ ٦٤/١.
(٧) انظر "الدر" عند المقولة [٢٤٩٢١] قوله: ((إذ العقار لا يبيعه القاضي)).
(٨) "النهر": كتاب البيع - مسائل منثورة ق ٤٠٥ /ب.
(٩) انظر "الدر" عند المقولة [٣٤٣٨٠] قوله: ((ينبغي أن يجوز)).
(١٠) "المنح": كتاب في بيان أحكام المفقود ١/ق ٢٦٢/ب.

الجزء الثالث عشر
٢٤٥
كتاب المفقود
(ويُنفِقُ على عِرسِهِ وقَريبِهِ ولاداً) وهم أُصولُه وفُروعُه، (ولا يُفرَّقُ بينَهُ وبِينَها ولو بعد
مُضيِّ أربعٍ سنِينَ)
كـ "الهدايةِ"(١) وغيرِها، و"كافي الحاكم الشهيد" بلا حكايةِ خِلافٍ؟! إلاَّ أنْ يُقالَ: إِنَّه إذاٌ للقُضاةِ
بالحُكمِ على مذهبِ الغَيْرِ، لكِنْ في حُكمِ القاضي بخلافِ مَذهبِه كلامٌ مذکورٌ(٢) في كتاب
القضاء، على أنَّ أمرَ قُضاةِ زَمانِهِ لا يَسري على غيرِهم كما حرَّره في "الخيريَّةَ"(٣).
[٢٠٨٨٧) (قولُهُ: ويُنفِقُ) أي: الوكيلُ المنصوبُ، "نهر "(٤). أي: يُنفِقُ مِن مالِ المفقُودِ الحاصِلِ
في بَيِهِ، والواصلِ مِن ثَمنِ ما يَتسارعُ إليه الفسادُ، ومِن مالٍ مَودُوعٍ عند مُقِرُّ، ودَينٍ على مُقِرِّ،
وتمامُهُ في "الفتح"(٥) و "البحر"(٦).
[٢٠٨٨٨) (قولُهُ: ولاداً) نَصْبٌ على النَّمييز، "نهر "(٧).
[٢٠٨٨٩] (قولُهُ: وهم أُصولُهُ وفُرُوعُهُ) أعاد الضَّميرَ بالجَمْعِ على القريبِ؛ لأَنَّه يَصدُقُ على
الواحِدِ والأكثرِ. والمرادُ: ((الأُصولُ)) وإِنْ عَلَوا، ((وَالفُروعُ)) وإِنْ سَفَلوا، ولم يُشترطِ الفقرَ في
الأُصولِ استغناءً بما مرَّ(٨) في النَّفْقَاتِ - وَإِنَّمَا يُنفِقُ عليهم - لأنَّ وُجوبَ النَّفْقة لهم لا يَتوقَّفُ على
القضاء، فكان إعانةً لهم، بخلاف غيرِ الوِلادِ مِن الأخِ ونحوِهِ؛ فإنَّ وُجوبَها يَتوقّفُ عليه، فكان
قضاءً على الغائبِ وهو لا يجوزُ، وهذا الإطلاقُ مُقَّدٌ بالدَّراهم والدَّنانير والّبْرِ؛ لأنَّ حقَّهُم في
المَطْعُومِ والملبوسِ، فإنْ لم يكُنْ ذلك في مالِهِ احتيجَ إلى القضاءِ بالقيمةِ وهي النّقدان، وقد علمتَ
أنَّه على الغائبِ لا يجوزُ إلَّ في الأبِ؛ فإنَّ له بيعَ العَرَضِ لنَفقتِهِ استحساناً كما في "المبسوط)) (٩)،
(١) "الهداية": كتاب المفقود ١٨٠/٢.
(٢) انظر "الدر" عند المقولة [٢٦٣٥١] قوله: ((قضى في مجتهدٍ فيه)) وما بعدها.
(٣) "الفتاوى الخيرية": ١٠،٨/٢.
(٤) "النهر": كتاب المفقود ق ٣٤٥/ب.
(٥) انظر "الفتح": كتاب المفقود ٣٦٩/٥.
(٦) انظر "البحر": كتاب المفقود ١٧٧/٥.
(٧) "النهر": كتاب المفقود ق ٣٤٥/ب.
(٨) المقولة [١٦٢٨١] قوله: ((لأصوله)).
(٩) "المبسوط": كتاب النكاح - باب نفقة ذوي الأرحام ٢٢٥/٥-٢٢٦.

حاشية ابن عابدين
٢٤٦
كتاب المفقود
خلافاً لـ "مالكٍ".
وقدَّمُ(١) "المصنّفُ" في النَّفقاتِ: أنَّ لهؤلاءِ أخذَ النَّقةِ مِن مُودَعِهِ ومَدُيُونِهِ المُقرَّيْن بالنّكَاحِ والنَّسَبِ
إذا لم يكونا ظاهرَيْن عند القاضي، فإنْ ظَهَرا(٢) لم يُشتَرَطْ، أو أَحدُهما اشتُرِط الإقرارُ بِما.
حَفِيَ هو الصَّحِيحُ، فإنْ أنكرَ الوديعةَ والدَّينَ لم يَنتصِب أحدٌ مِن هؤلاءِ خَصْمَاً فيه، والمسألةُ
بِغُرُوعِها مرَّت، "نهر "(٣) - أي: مرَّت في النَّقاتِ ...
مطلبٌ في الإفتاء بمذهبٍ مالكٍ في زوجةِ الَفَقُود
[٢٠٨٩٠] (قولُهُ: خلافاً لِ "مالكٍ") فإنَّ عندَهُ: تَعَتَدُّ زوجةُ المَفْقُودِ عِدَّةَ الوفاةِ بعد مُضِيِّ
[٣/ق٨٧/أ] أربعِ سنينَ، وهو مذهبُ "الشَّافعيِّ" القديمُ، وأمَّا الميراثُ فمَذهبُهما كمَذهبنا في التَّقديرِ
يتسعينَ سنةً، أو الرُّجوعِ إلى رأىِ الحاكِمِ، وعند "أحمدَ": إنْ كان يَغْلِبُ على حالِهِ الهلاكُ كَمَن
فُقِدَ بين الصَّفِّينِ، أو في مَرْكَبٍ قد انكسَرَ، أو خَرَجَ لحاجةٍ قريبةٍ فلم يَرجِعْ ولم يُعَلَم خَبِرُهُ فهذا
بعد أربعِ سِنِينَ يُقْسَمُ مالُهُ، وَتَعَتَدُّ زوجتُهُ، بخلاف ما إذا لم يَغْلِبْ عليه الهلاكُ كالمسافرِ لِتجارةٍ أو
السياحةٍ؛ فإنّه يُفوّضُ للحاكِمِ في روايةٍ عنه، وفي أُخرى: يُقدَّرُ بتسعينَ مِن مَولِدِه كما في "شرح
ابنِ الشّحْنِ (٤)، لكنَّه اعتَرَضَ على "النَّاظِمْ": ((بأَنَّه لا حاجةَ للحنفيِّ إلى ذلك))، أي: لأنَّ ذلك
خلافُ مَذهبنا فحَذْقُهُ أَولى، وقال في "الدُّر الْقى"(٥): ((ليس بأَولى؛ لقولِ "القُهِستانيّ"(٦): لو
أُغْنِيَ به في مَوضعِ الضَّرورةِ لا بأسَ به على ما أَظُنُّ)) اهـ.
قُلْتُ: ونظيرُ هذِهِ المسألةِ عِدَّهُ مُمتدَّةِ الطُّهرِ التي بلَغَتْ بِرُؤيةِ الدَّم ثلاثةَ أَيَّامٍ ثُمَّ امتدَّ طُهرُها،
فإِنّها تَبْقَى في العِدَّة إلى أنْ تَحيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، وعند "مالكٍ": تنقضِي عِدَّتُها بتسعة أشهرٍ،
وقد قال في "البزَّازِيَّةِ"(٧): ((الفتوى في زمانِنا على قولِ "مالكٍ"))، وقال "الزَّاهديُّ": ((كان بعضُ
(١) ص ٦٥٩ - ٦٦٠ - "در".
(٢) في "النهر": ((فإن ظاهراً)) وهو تحريف.
(٣) "النهر": كتاب المفقود ق ٣٤٥/ب - ق٣٤٦/أ بتوضيح من "ابن عابدين" رحمه الله تعالى.
(٤) "تفصيل عقد الفرائد": فصلٌ من كتاب الإِباق والمفقود ق ١٦٣ /أ - ب.
(٥) "الدر المنتقى": كتاب المفقود ٧١٤/١ بتصرف (هامش "مجمع الأنهر").
(٦) "جامع الرموز": كتاب المفقود ٢١٧/٢.
(٧) "البزازية": كتاب الطلاق - الفصل الثامن في العدَّة ٢٥٦/٤ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").

الجزء الثالث عشر
٢٤٧
كتاب المفقود
(ومَيِّتٌ في حقِّ غيرِهِ، فلا يَرِثُ مِن غيرِهِ) حتَّى لو مات رجلٌ عن بنتَين وابنٍ مَفقودٍ
وللمَفقُودِ بِنتان وأبناءُ(١) والَّرِكَةُ في يدِ البِنتَين والكلُّ مُقِرُّون بِفَقدِ الابنِ واختَصمُوا
للقاضي لا يَنبغي له أنْ يُحرِّكَ المالَ عن مَوضِعِه.
أصحابنا يُفْتُونَ به للضَّرورة))، واعتَرضَه في "النهر"(٢) وغيرِهِ: ((بأنّه لا دَاعِي إلى الإفتاءِ بِمذهبٍ
الغَيرِ؛ لإمكانِ الَّافُع إلى مَالكِيٌّ يَحْكُمُ بِمَذْهِبِهِ))، وعلى ذلك مَشَى "ابنُ وهبانَ" في "مَنَظومَتِه"(٣)
هناك، لكنْ قَدَّمنا(٤): ((أَنَّ الكلامَ عند تَحقُّقِ الضَّرورةِ؛ حيثُ لم يُوجَدْ مالكِيٌّ يَحكُمُ به)).
[٢٠٨٩١) (قولُهُ: ومَيِّتٌ في حقِّ غيرِهِ) معطوفٌ على قوله: ((وهو في حقِّ نفسِه حيٌّ))
كما مرَّ(٥).
[٢٠٨٩٢] (قولُهُ: وللمَفْقُود بنتانِ وأَبناءُ) الظَّاهرُ: أَنَّه بالمدِّ جمعُ ((ابنٍ))؛ إذ لا يَصِحُّ أنْ يكونَ
مُفْرَداً منصوباً، وفي بعض النُّسَخِ: ((وابنان)) بصيغة المُتّى، وفي بعضها: ((وابنٌ)) بصيغةِ المُفرَد،
والكُلُّ صحيحٌ.
[٢٠٨٩٣] (قولُهُ: والتَّرِكَةُ في يدِ البِنَتَيْن) أي: بِنتَي الرَّجلِ الَيتِ، واعلمْ أنَّ في هذِهِ
المسألةِ سِتَّ صُوَرٍ، والمذكورُ هنا صُورةٌ واحدةٌ منها، وحاصلُ الصُّورِ: ((أَنَّ المالَ إِمَّا أنْ يكونَ
٣٣٠/٣ في يدِ أَجنبي، أو في يدِ (٦) البِنتَيْن، أو في يدِ أولادٍ الابنٍ، وعلى كلٍّ: إمَّا أنْ يَتْفِقُوا على الفَقْد،
(قولُ "الشَّارِحِ": والشّرِكَةُ في يدِ البِتَينِ إلخ) أمَّا إذا كانَ المالُ في يدِ الأجنبيِّ وقالَ: ماتَ المفقودُ قبلَ أبيهِ
فإِنَّه يُحَبَرُ على دفعِ الثَّلثينِ إلى البِنْتَينِ؛ لأنَّ إقرارَهُ فيما في يدِهِ مُعتَبرٌ، وأولادُهُ لم يَدَّعُوا شيئاً لأنفسِهم، ويُوقِفُ
الباقيَ في يدِهِ حَتّى يَظْهَرَ مستحِقُّهُ، وإذا حَحَدَ أنْ يكونَ في يدِهِ شيءٌ فأقامَتِ البَِّانِ البِيّةَ أَنَّه ماتَ وَتَرَكَ المالَ
لهما وللمفقودِ، يَدِفَعُ لهما النّصفَ ويُوقِفُ الباقيَ على يدِ عَدْلٍ؛ لأَنَّه غيرُ مأمونٍ بُحُودِهِ، وإذا كانَ في يدٍ ولدي
المفقودِ والتّقوا على فَقْدِهِ تُعطَى البْتَانِ النّصفَ ويُوقَفُ الباقي في يدِ ولدَيهِ. اهـ من "العناية".
(١) في "و": ((وابن)).
(٢) "النهر": كتاب الطلاق - باب العدَّة ق٣٤٧/ب - ٣٤٨/أ.
(٣) "المنظومة الوهبانية": فصلٌ من كتاب الطلاق صـ٢٩- (هامش "المنظومة المحبية").
(٤) في هذه المقولة.
(٥) المقولة [٢٠٨٧٣] قوله: ((وهو في حقٍّ نفسِهِ حِيٍّ)).
(٦) من ((أي بنتي)) إلى ((في يدِ)) ساقط من "ك".

حاشية ابن عابدين
٢٤٨
كتاب المفقود
أي: لا يَنزِعُهُ مِن يدِ البِنْتَينِ، "خزانة المفتين". (ولا يَستحِقُّ ما أَوْصَى له إذا مات
الُوصِي، بل يُوقَفُ قِسْطُهُ إلى مَوتِ أقرانِهِ في بلدِهِ على المذهبٍ)؛ لأنّه الغالبُ، ....
أو يُنكِرَه مَن في يدِهِ المالُ وَيَدَّعيَ أَنَّه ماتٍ))، وأحكامُ الكُلِّ مُبََّةٌ في "الفتح"(١)، فراجعهُ إنْ شئتَ.
[٢٠٨٩٤) (قولُهُ: أي: لا يَنْزِعُهُ مِن يدِ البَِيْنِ) بل يَقضِي لهما بالّصفِ مِبرانً، ويُوقِفُ النّصفَ
في أيدِيهِما على حُكْمٍ مِلْكِ الَيْتِ، فإنْ ظَهَرَ المفقودُ حَيَّ دُفِعَ إليه، وإِنْ ظَهَرَ مَيِّناً أُعْطِيَ الِنتَانِ سُدُسَ
كُلِّ المالَ مِن ذلك النّصْفِ، وَالَّلْثُ الباقي لأولادِ الابنِ؛ للذَّكَرِ مثلُ حظّ الأُتِينِ، "فتح"(٢).
[٢٠٨٩٥)] (قولُهُ: ولا يَستحِقُّ إلخ) أي: لا يُحكَمُ باستِحقاقِه للوصيَّةِ بعد مَوتِ المُوصِي
ولا بعَدمِه، بل يُوقَفُ إلى ظهورِ الحالِ، فَإِنْ ظَهَرَ إلى آخرِ ما سيَذكُرُه(٣) "المصنّفُ".
[٢٠٨٩٦] (قولُهُ: إلى مَوتِ أقرانِهِ) هذا ليس خاصاً بالوصيّةِ، بل هو حُكمُهُ العامُّ في جميعِ
أحكامِهِ، مِن قِسْمةِ مِيراثِهِ، وَبَيْنُونِةِ زوجتِهِ وغيرِ ذلك.
(٢٠٨٩٧] (قولُهُ: في بلدِهِ) هو الأَصحُّ، "بحر "(٤)، وقيل: المُعتبرُ مَوتُ أقرانِهِ مِن جميعِ البلاد؛
فإنَّ الأعمارَ قد تَخْتَلِفُ طُوْلاً وقِصَراً بَحَسَبِ الأقطارِ، بحسَبِ إجرائِهِ سُبحانَهُ العادةَ، ولذا قالوا:
النَّصقالِةُ(٥) أَطولُ أعماراً مِن الرُّومِ، لكنْ في تَعرُّفِ مَوتِ أقرانِهِ مِن البلادِ حَرَجٌ عظيمٌ، بخلافه مِن
بَلَدِهِ؛ فَإِنَّما فيه نوعُ حَرَجٍ مُحتمَلٌ، "فتح"(٦).
[٢٠٨٩٨] (قولُهُ: على المذهبِ) وقيل: يُقدَّرُ بتسعينَ سنةً - بتقديمِ النَّاء - مِن حينِ وِلادِتِهِ،
واختارَهُ في "الكنزِ"(٧)، وهو الأَرفَقُ(٨)، "هداية"(٩)، وعليه الفتوى، "ذخيرة"، وقيل: بمائةٍ، وقيل:
(١) "الفتح": كتاب المفقود ٣٧٥/٥.
(٢) "الفتح": كتاب المفقود ٣٧٥/٥، بتصرف.
(٣) انظر "الدر" في هذه الصحيفة وما بعدها.
(٤) "البحر": كتاب المفقود ١٧٨/٥.
(٥) "الصقالبة": جيل حُمُر الألوان صُهبُ الشُّعورُ تتاخمُ بلادهم بلادَ الخَزر وبعض بلاد الروم بين بُلْغَر وقسطنطينية،
ويعرفون بزماننا بالعرق السّلافي. اهـ "تاج العروس": مادة ((صقلب)).
(٦) "الفتح": كتاب المفقود ٣٧٣/٥.
(٧) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب المفقود ٣٣٧/١.
(٨) في "ك": ((الأوفق)) بالواو.
(٩) "الهداية": كتاب المفقود ١٨٢/٢.

الجزء الثالث عشر
٢٤٩
كتاب المفقود
بمائة وعشرين، واختار المتأخِّرُونَ سِنِّينَ سنةً، واختار "ابنُ الهُمام"(١) سبعينَ؛ لقولِهِ عليهِ الصَّلاةُ
والسَّلامُ: ((أَعمارُ أُمَّتَي ما بين السِّينَ إلى السَّبِعِينَ)(٢)، فكانَتِ الْمنْتهى غالباً، وذَكَرَ في "شرحِ
الوهبانيَّةِ(٣): ((أَنَّه حكاهُ في "الينابيعِ" عن بعضِهِم))، قال في "البحر"(٤): ((والعَجَبُ كيف يختارُونَ
خِلافَ ظاهرٍ المذهبِ، مع أنّه واجِبُ الأَّبَاعِ على مُقلّدي "أبي حنيفة"؟!))، وأجاب في "النهر "(٥):
((بأنَّ الَّفْخُّصَ عن مَوتِ الأقرانِ غيرُ مُمكِنٍ، أو فيه حَرَجٌ، فعن هذا اختاروا تقديرَهُ بالسِّنِّ)) اهـ.
(١) "الفتح": كتاب المفقود ٣٧٤/٥.
(٢) رواه أبو هريرة ضُه، وعنه أبو سلمة وأبو صالح وسعيد بن أبي سعيد المقبُرِي.
فرواه محمدُ بن عمرو عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة، أخرجه الترمذي (٣٥٥٠) في الدعوات - باب دعاء النبيصل﴿،
وابن ماجه (٤٢٣٦) في الزهد - باب الأمل والأجل، وصحَّحَهُ، الحاكم ٤٢٧/٢، وابن حبان (٢٩٨٠)، وأبو يعلى في
"مسنده" (٥٩٩٠)، وفي "معجمه" (١٣٨)، والقُضَاعِي في "مسند الشهاب" (٢٥٢)، والخطيب في "تاريخه" ٣٩٧/٦،
والبيهقي ٣٧٠/٣ كلُّهم من طريق المحاربي عن محمد بن عمرو به.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
ورواه أبو صالح عن أبي هريرة به، أخرجه الترمذي (٢٣٣١) في الزهد - باب ما جاء في فناء أعمار هذه
الأمة، وأبو يعلى (٦٦٥٦)، والطبراني في "الأوسط" (٥٨٧٢) من طريق محمد بن ربيعة عن أبي العلاء كامل عن
أبي صالح عن أبي هريرة به.
ورواه إبراهيم بن الفضل عن المقبري عن أبي هريرة، أخرجه أبو يعلى في مسنده (٦٥٤٣) و(٦٥٤٤)،
والبيهقي في "الشعب" (١٠٢٥٣)، وفي "الآداب" (٩٧٧)، والقضاعي في "الشهاب" (٢٥١)، والرامَهرمُزي في
"الأمثال" صـ ٦١-، والخطيب في "تاريخه" ٤٧٦/٥، من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك عن إبراهيم بن
الفضل المخزومي عن سعيد المقبري به، وفيه إبراهيمُ بن الفضل المخزومي، قال الحافظ في التقريب: متروك.
أما حديث أنس مرفوعاً: ((عُمُر ◌ُمَّتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقُّهم الذين يبلغون ثمانين))، فأخرجه
أبو يعلى (٢٩٠٢) قال: حدثنا سُريح عن هُشيم أخبرنا بعضُ أصحابنا عن قتادة عن أنس به، وفيه مبهمٌ لم يُسَمَّ.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصلٌ من كتاب الإباق والمفقود ق ١٦٣/أ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب المفقود ١٧٨/٥.
(٥) "النهر": كتاب المفقود ق ٣٤٦/أ.

حاشية ابن عابدين
٢٥٠
كتاب المفقود
واختارَ "الزَّيلعيُّ"(١) تَفويضَهُ للإمامِ،
قلْتُ: وقد يُقالُ: لا مُخالفةَ، بل هو تفسيرٌ لظاهرِ الرِّوايةِ، وهو: موتُ الأقرانِ، لكنِ
اختلفُوا: فمنهم مَن اعتبرَ أَطولَ ما يَعيشُ إليه الأقرانُ غالباً، ثُمَّ اختلَفُوا فيه: هل هو تسعونَ أو مائةٌ
أو مائةٌ وعشرون؟ ومنهم - وهمُ الْمُتأخّرُون - اعتَبرُوا [٣/ ق٨٧/ب] الغالِبَ مِن الأعمارِ، أي: أكثرَ
ما يَعيشُ إليه الأقرانُ غالباً لا أَطولَه، فقدَّروهُ بستّيْنَ؛ لأنَّ مَن يعيشُ فوقَها نادٍرٌ، والحكمُ للغالب،
وقدَّرهُ "ابنُ الهُمام" بسبعين للحديث؛ لأَنّها نهايةُ هذا الغالبِ، ويُشيرُ إلى هذا الجوابِ قولُهُ في
"الفتح"(٢) بعد حكاية الأقوالِ: ((والحاصلُ: أنَّ الاختلافَ ما جاء إلاَّ مِن اختلافِ الرَّأي في أنَّ
الغالبَ هذا في الطُّول، أو مطلقاً)) اهـ.
[٢٠٨٩٩] (قولُهُ: واختارَ "الزَّيلعيُّ" تفويضَهُ للإمام) قال في "الفتح"(٢): ((فأيَّ وقتٍ رأى
المصلحةَ حَكَمَ بموتِهِ))، قال في "النهر "(٣): ((وفي "الينابيع": قيل: يُفُوَّضُ إلى رأي القاضي،
ولا تقديرَ فيه في ظاهر الرِّواية، وفي "القنية "(٤) جَعَلَ هذا رِوايةً عن "الإِمام")) اهـ.
قلْتُ: والظَّاهرُ: أنَّ هذا غيرُ خارجٍ عن ظاهرِ الروايةِ أيضاً، بل هو أقربُ إليه مِن القول
بالّقديرِ؛ لأَنَّه فسَّرَهُ في "شرح الوهبانية)(*): ((بأنْ يَنظُرَ وَيَحْتِهِدَ وَيَفعَلَ ما يَغْلِبُ على ظنّه،
فلا يقولُ بالتَّقديرِ؛ لأنّه لم يَرِدْ به الشَّرِعُ، بل يَنظُرُ فِي الأقران، وفي الزَّمان والمكان، ويَحْتَهِدُ، ثُمَّ
نَقَلَ(٥) عن "مغني)"(٦)(٧) الحنابلةِ: حِكَايَتَهُ عن "الشافعيّ" و"محمَّدٍ"، وأَنَّه المشهورُ عن "مالكٍ" و"آبي
حنيفةً" و"أبي يوسف"، وقال "الزَّيلعيُّ)(٨): لأَنَّه يَخْتَلِفُ باختلاف البلاد، وكذا غَلَبةُ الظَّنِّ تَخْتَلِفُ
(١) "تبيين الحقائق": كتاب المفقود ٣١٢/٣.
(٢) "الفتح": كتاب المفقود ٣٧٤/٥.
(٣) "النهر": كتاب المفقود ق ٣٤٦/أ.
(٤) "القنية": كتاب الإِباق والمفقود ق٧٩/ب.
(٥) "تفصيل عقد الفرائد": فصلٌ من كتاب الإِباق والمفقود ق ١٦٢/ب بتصرف.
(٦) "المغني": كتاب الفرائض - باب ميراث الجد - فصل في ميراث المفقود ٦١٧/٨.
(٧) في "ك" و"آ": ((مفتي))، وهو تحريف.
(٨) "تبيين الحقائق": كتاب المفقود ٣١٢/٣.

الجزء الثالث عشر
٢٥١
كتاب المفقود
وطريقُ قَبولِ البِّنَةِ أَنْ يَجعَلَ القاضي مَن في يدِهِ المالُ خَصْماً عنه، ..
باختلاف الأشخاص؛ فإِنَّ الَلِكَ العظيمَ إذا انقطع خبرُهُ يَغْلِبُ على الظَّنِّ في أَدْنِى مُدَّةٍ أَنَّه قد
مات)) اهـ. ومقتضاهُ: أَنَّه يَحتَهِدُ ويُحكّمُ القرائنَ الظاهرةَ الدَّلَّةَ على موتِهِ، وعلى هذا يبتني ما في
"جامع الفتاوى"؛ حيثُ قال: ((وإذا فُقِدَ في الَهَلَكَةِ فمَوتُهُ غالبٌ، فيُحكَمُ به، كما إذا فُقِدَ في وقتِ
المُلاقاةِ مع العدوِّ، أو مع قُطَّعِ الطَّريقِ، أو سافرَ على المَرَضِ الغالبِ هَلاكُهُ، أو كانَ سفرُهُ في البحرِ وما
أشبهَ ذلكَ حُكِمَ بموتِهِ؛ لأَنَّه الغالبُ في هذه الحالاتِ وإِن كانَ بينَ احتمالينٍ، واحتمالُ موتِهِ ناشئٌ عن
دليلٍ لا احتمالُ حياتِهِ؛ لأنَّ هذا الاحتمالَ كاحتمالِ ما إذا بَلَغَ المفقودُ مقدارَ ما لا يعيشُ على حَسَبِ
ما اختلفوا في مِقْدَارِهِ، نَقْلٌ من "الغنية")). اهـ ما في "جامع الفتاوى"، وأَقْنَى به بعضُ مشايخٍ مشايخنا
وقال: إنّه أفتى به "قاضي زاده " صاحبُ "بحرِ الفتاوى"(١)، لكنْ لا يَخفى أَنَّه لا بُدَّ مِن مُضِيِّ مُدَّةٍ
طويلةٍ حَتَّى يَغْلِبَ على الظَّنِّ موتُهُ، لا بُمجرَّدٍ فَقْدِهِ عند مُلاقاة العَدوِّ، أو سَفَرِ البحر ونحوِهِ، إلاّ إذا كان
مَلِكاً عظيماً، فإنّه إذا بَقِيَ حيّ تَشْتَهِرُ حياتُهُ، فلذا قُلنا: إنَّ هذا مَبنِيٌّ على ما قاله "الزَّيلِعِيُّ"، تأمَّل.
[٢٠٩٠٠) (قولُهُ: وطريقُ قَبَولِ البَِّةِ) فيهِ إيهامُ أَنَّه يحتاجُ إلى بَيِّنةٍ على مَوتِ أقرانِهِ، وليس ثُرادٍ،
(قولُهُ: فيهِ إيهامُ أَنَّه يحتاجُ إلى بَيِّنَةٍ على موتٍ أقرانِهِ، وليسَ بمرادٍ إلخ) فيه: أنَّ موتَ الأقرانِ إِنَّا يُعَلَمُ غالباً
بالبِّةِ فلا بُدَّ منها، سواءٌ قامَت على موتِهِ أو على موتِ أقرانِهِ، فإذا أرادَ الوارثُ إثباتَ موتِهِ فطريقُهُ أنْ يُثبِتَ موتَهُ
حقيقةً أو يُثبتَ موتَ أقرانِهِ، ومُرادُ "الَّار خانَّةُ" - بقولِهِ: ((أو موتِ أقرانِهِ)) - المحقَّقُ بالبَِّةِ - عندَ عدمٍ علمِ القاضي
له من غيرِها، وعَلَّقَ الحكمَ بموتِ الأقرانِ ولم يشترطْ فيه البِّةَ؛ لإمكانِ وُوفِ عليه في الجملةِ بدونِها، بأنْ كَانَ يَعلَمُ
المفقودَ قبلَ فقدِهِ وسِنَّهُ وأقرانَهُ، ثمَّ مَضَى بعدَهُ مُدَّةٌ ماتَ فيها أقرأُهُ، قالَ في "الولوالجِيَّة": ((وإذا قُقِدَ الرَّجلُ فارتفعَ
ورثتُهُ إلى القاضي وأقُرُّوا أَنَّه فُقِدَ وسألوهُ قِسْمَةَ مالِهِ لم يَقْسِمْ؛ لأَنَّه لو قَسَمَ ماَلَهُ بينَ ورثْتِهِ قبلَ أنْ يَتْبُتَ موتُهُ بدليلٍ
لزالَ مِلْكُهُ عنه بالشَّكِّ، وهذا لا يجوزُ، وموتُهُ إنَّا يَنْبُتُ بالبِّةِ أو يموتِ أقرانِهِ، أَمَّا البَيِّئَةُ فلأنَّ الَّابتَ بالبَِّةِ العادلةِ
كالنَّبتِ مُعاينةً، وأمَّ موتُ الأقرانِ فلأَنَّه نوعُ دليلٍ؛ لأنَّ الظَّاهرَ من حالِهِ أنْ لا يعيشَ بعدَ موتِهم)) اهـ. وهي
مُوافِقَةٌ لعبارةِ "الَّار خانيَّة، " وتُفِيدُ قبولَ البِّةِ على موتِ الأقرانِ أيضاً أخذاً من تعليلٍ قَبَولِها على الموتِ، وهو أنَّ
الَّبتَ بها كالثَّابِتِ بِالْعَايَةِ، وَذَكَروا الَّعليلَ بذلكَ في كثيرٍ من المسائلِ، ثمَّ رأيتُ في "الحامديَّة" من الفصلِ الثَّاني
(١) "بحر الفتاوى" لمحمد عارف بن محمد المعروف بقاضي زاده الأرضروميّ، (ت١١٧٣ هـ). ("كشف الظنون"
٢٢٥/٥١، "هدية العارفين" ٣٣٣/٢).

حاشية ابن عابدين
٢٥٢
كتاب المفقود
أو يَنصِبَ عليه(١) قَيِّماً تُقبَلُ عليه البِّنَةُ(٢)، "نهر "(٣)
قلتُ: وفي "واقعاتِ الْمُفْتِين" لـ "قَدرِي أفندي"(٤) مَعزّاً لـ "القنية"(٥): ((أَنَّه إنَّما
يُحكَمُ بِمَوتِه بقَضاءِ؛ لأَنَّه أمرٌ مُحتمَلٌ، فما(٦) لم يَنضمَّ إليه القضاءُ لا يكونُ حُجّةً)) ....
بل المرادُ ما إذا قامَتْ بِّنةٌ على موتِهِ حقيقةً؛ ففي "النهر "(٧) عن "التتار خانية "(٨): ((ثمَّ طريقُ موتِهِ
إمَّا بالبِّةِ، أو موتِ الأقران، وطريقُ قَبولِ هذه البِّنةِ أنْ يَجعَلَ القاضي إلخ)).
[٢٠٩٠١] (قولُهُ: أو يَنْصِبَ عليه قَيِّمَاً) أي: إذا لم يكُنْ له وكيلٌ يَحفَظُ مَالَهُ يَنْصِبُ عنه
مُسخَّراً لإثباتِ دَعْوِى مَوتِه من زَوجِتِه أو أحدٍ وَرَبِه أو غَرِيمِهِ.
[٢٠٩٠٢) (قولُهُ: بقضاء إلخ) هو أحدُ قولَيْن، قال "القُهِستانيُّ)(٩): ((وفي الفاء مِن قولِهِ:
((فَتَعَتَدُّ عِرْسُهُ)) دِلالَةٌ على أنَّه يُحكَمُ بموتِهِ بمُحرَّدِ انقضاءِ المُدَّةِ؛ فلا يَتوقّفُ على قضاءِ القاضي
كما قال "شرفُ الأئمَّةِ"، وقال نجمُ الأئمَّة القاضي "عبدُ الرَّحيم"(١٠): ((نُصَّ على أنَّهَ يَتَوقّفُ
عليه كما في "المنية"(١١))) اهـ. وما قاله "شرفُ الأئمَّة" مُوافِقٌ للمتون، "سائحانيّ".
قُلْتُ: لكنَّ المُتبادِرَ مِن العبارةِ أنَّ الَنصُوصَ عليه في المذهبِ: الثّاني، ثمَّ رأيتُ عبارةً
٣٣١/٣
من الوقفِ أجابَ عمَّا إذا غابَ الموقوفُ عليه وشَهِدَ عدلان بموتِ أقرانِهِ ببلدِهِ: ((بأَنَّه يَقضِي بموتِهِ وَيَتْقِلُ نصيُهُ
لغيرِهِ)) اهـ. وَذَكَرَ "السِّندِيُّ": ((أَنّه يَفْضِي بموتِهِ إذَا شَهِدَ الشُّهودُ أَنَّه مَضَى عليه كذا وكذا من عُمُرِهِ إلى الآنَ)) اهـ.
(١) ((عليه)) ساقطة من "و".
(٢) في "و": ((البنية)) وهو خطأ.
(٣) "النهر": كتاب المفقود ق ٣٤٦/أ.
(٤) تقدمت ترجمته ٢٩٣/٨.
(٥) "القنية": كتاب الإباق والمفقود ق٧٩/ب.
(٦) في "و": ((فيما))، وهو تحريف.
(٧) "النهر": كتاب المفقود ق ٣٤٦/أ.
(٨) "التاتر خانية": كتاب المفقود - الفصل الأول في تفسير المفقود وحكمه ٦١٢/٥.
(٩) "جامع الرموز": كتاب المفقود ٢١٧/٢.
(١٠) لم نهتدٍ لترجمته.
(١١) "منية المفتي".

الجزء الثالث عشر
٢٥٣
كتاب المفقود
(فإنْ ظَهَرَ قبلَهُ) قبلَ مَوتِ أقرانِهِ (حيًَّ فله ذلك) القِسْطُ، (وبعدَهُ يُحكَمُ بِمَوتِه في حقِّ
مالِهِ يومَ عُلِمَ ذلك) أي: مَوتُ أقرانِهِ، (فَتَعَتَدُّ) منه (عِرْسُهُ للمَوتِ، ويُقْسَمُ مالُهُ بين مَن
يَرِثُه الآنَ، و) يُحكَمُ بِمَوتِه (في) حقِّ (مالِ غيرِهِ.
"الواقعاتِ" عن "القنيةِ"(١): ((أنَّ هذا - أي: ما رُوِيَ عن "أبي حنيفةً": مِن تفويضِ مَوتِه إلى رأي
القاضي - نَصّ على أَنَّه إنَّما يُحكَمُ بِمَوتِهِ بقضاءِ إلخ)).
[٢٠٩٠٣] (قولُهُ: فإنْ ظَهَرَ قبلَهُ) هذه القَبَّةُ لا مَفهومَ لها وإنْ ذَكرَها الكثيرون، "سائحاني"،
ولذا قال في "البحر"(٢): ((وإنْ عُلِمَ حياتُهُ في وقتٍ مِن الأوقاتِ يَرِثُ مَن مات قَبَلَ ذلك الوقتِ مِن
أقاربه)) اهـ، لكنْ لو عاد حيّاً بعد الحُكمِ بمَوتِ أقراِهِ، قال "ط)(٢): ((الظَّاهرُ: أَنَّه كالَّتِ إذا أُحِبِيَ
والُرْتَدِّ إذا أسلَمَ، فالباقي في يدِ وَرَبِتِهِ له، ولا يُطالِبُ بِما ذَهَبَ))، قال(٣): ((ثُمَّ بعد رَقْمِهِ رأيتُ
المرحومَ "أبا السُعُود" نَقْلَه عن الشيخ "شاهين"(٤)، ونَقَلَ أنَّ زَوجَتَهُ له، والأولادُ للّاني)). اهـ، تأمَّل.
[٢٠٩٠٤] (قولُهُ: فَلَهُ ذلك القِسْطُ) أي: الموقوفُ له مِن الوصيّةِ، [٣/ ق٨٨/أ] وكذا الإِرْثُ
كما علمت(٥).
[٢٠٩٠٥) (قولُهُ: وبعدَهُ) أي: بعد مَوتِ أقرانِهِ، وهو مُتعلّقٌ بقولِهِ: (يُحكَمُ)) لا بقولِهِ: (ظَهَرَ))؛
لأَنَّه يصيرُ الَعنى: وإِنْ ظَهَرَ حَيًَّ بعد مَوتِ أقرانِهِ يُحكَمُ بموتِهِ إلخ، وهو فاسدٌ كما لا يخفى.
[٢٠٩٠٦] (قولُهُ: فَتَعَتَدُّ منه عِرْسُهُ للمَوتِ) أي: عِدَّةَ الوفاةِ، ويُرَدُّ قِسطُهُ مِن الوصيَّةِ إلى
وَرَثَّةِ الْمُوصِي.
[٢٠٩٠٧] (قولُهُ: بين مَن يَرِتُه الآنَ) أي: حين حُكِمَ بِمَوتِهِ، لا مَن مات قبْلَ ذلك الوقتِ مِن
وَرَتْه، "زيلعيّ"(٦). وكذا يُحكَمُ بعِتقِ مُدَّرِيه وأُمَّهاتِ أولادِهِ في ذلك الوقت، "بحر "(٧).
(١) "القنية": كتاب الإباق والمفقود ق٧٩/ب.
(٢) "البحر": كتاب المفقود ١٧٨/٥.
(٣) "ط": كتاب المفقود ٥١٠/٢.
(٤) شاهين بن منصور بن عامر الأرمناويّ الحنفي، أفقه الحنفية في عصره بالقاهرة (ت ١١٠٠هـ). ("خلاصة الأثر" ٢٢١/٢).
(٥) المقولة [٢٠٨٩٤] قوله: ((أي: لا ينزعهُ من يدِ البنتين)).
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب المفقود ٣١٢/٣.
(٧) "البحر": كتاب المفقود ١٧٨/٥، نقلاً عن "الحاوي".

حاشية ابن عابدين
٢٥٤
كتاب المفقود
مِن حينِ فَقْدِهِ؛ فَيُرَدُّ الموقوفُ له إلى مَن يَرِثُ مُورِّثَه عندَ مَوتِه)؛ لِما تقرَّرَ(١) أنَّ
الاستصحابَ - وهو ظاهرُ الحالِ - حُجّةٌ دافعةٌ لا مُثبِتَةٌ. (ولو كان مع المفقودِ وارِثٌ
يُحجَبُ به لم يُعْطَ) الوارثُ (شيئاً، وإن انتقصَ حقُّهُ) به (أُعطِيَ أقلَّ النَّصِيبَينِ)
ويُوقَفُ الباقي (كالحَمْلِ) ومَحُّهُ الفرائضُ، ولذا حذَفَه "القُدوريُّ"(٢) وغيرُهُ.
[٢٠٩٠٨] (قولُهُ: مِن حينٍ فَقْدِهِ) أي: ما لم تُعَلَمْ حياتُهُ في وقتٍ كما مرَّ( ٣).
[٢٠٩٠٩] (قولُهُ: عندَ مَوتِهِ) أي: مَوتِ المُورِّث.
[٢٠٩١٠) (قولُهُ: حُجَّةٌ دافعةٌ) فَتَدِفَعُ تُبُوتَ حقٌّ لغيره في مالِهِ.
[٢٠٩١١] (قولُهُ: لا مُثِتَةٌ) فلا يَتْبُتُ له حقٌّ في مالٍ غيرِهِ.
[٢٠٩١٢) (قولُهُ: ولو كان مع المفقُودِ وارثٌ يُحجَبُ به إلخ) أي: يُحجَبُ ذلك الوارِثُ
بِالمَفْقُودِ، وَيَظْهَرُ هذا مِنِ المثالِ السَّابقِ؛ حيثُ لم يُعْطَ أولادُ الابنِ المفقودِ شيئاً قَبْلَ ظهورِ حياتِهِ؛
الحَجْبِهِم به، وأُعطِيَ البنتانِ النّصفَ فقَطْ دون الَّلَيْنِ، ووُقِفَ لهما السُّدُسُ، ولأولادِ الابنِ الثّلُثُ
إلى ظُهورِ مَوتِهِ، فإن ظَهَرَ حيّاً أَخَذَ النّصفَ الموقوفَ.
(٢٠٩١٣] (قولُهُ: كالحَمْلِ) فإنَّه لو كان معه وارّث لا يَتَغَيُّ إِرُه بحالٍ يُعطَى كُلَّ نَصِبِهِ، وإِنْ
كان يَنْقُصُ حقُّهُ به يُعطَى الأَقَلَّ، وإنْ كان يَسقُطُ به لا يُعطَى شيئاً؛ فلو تَرَكَ ابناً وزوجةً حامِلاً
تُعطَى الزَّوجَةُ الَّمُنَ؛ لأَنَّه لا يَتَعَّرُ، والابنُ نِصفَ الباقي؛ لأَنَّه أقلُّ مِن كلِّ الباقي على تقدير مَوتِ
الحَمْلِ، ومِن ثُلُثَي الباقي على تقديرِ كَونِ الحَمْلِ أُنثى، ولو تَركَ زوجةً حاملاً، وأَخاً شقيقاً أو عَمّاً
لا يُعطَى شيئاً؛ لاحتمالِ ذُكُورةِ الحَمْلِ.
[٢٠٩١٤) (قولُهُ: ولذا حَذَفَهُ) أي: حَذَفَ قولَهُ: ((ولو كان مَعَ المفقودِ وارثٌ إلخ)).
(١) المقولة [٢٠٨٧٣] قوله: ((وهو في حقِّ نفسه حيٌّ)).
(٢) انظر "اللباب في شرح الكتاب": ٢١٧/٢.
(٣) المقولة [٢٠٩٠٣] قوله: ((فإن ظهر قبله)).

الجزء الثالث عشر
٢٥٥
كتاب المفقود
(فرعٌ)
ليس للقاضي تزويجُ أَمةِ غائبٍ ومجنونٍ وعبدِهِما، وله أنْ يُكاتِبَهُما ويَبيعَهُما.
[٢٠٩١٥) (قولُهُ: فَرٌ إلخ) عزاهُ في "الدُّرر"(١) إلى "فصول العِماديِّ".
[٢٠٩١٦] (قولُهُ: وَيَبيِعَهُمَا) في "شرح الوهبانيَّةِ"(٢) عن "القنيةِ " (٣): ((فَقَدَتْ مَولاها ولا تَجِدُ
نَفْقةً وخِيفَ عليها الفاحشةُ فللقاضي أنْ يَبِيعَها، أو يُؤْجِّرَها مِن امرأةٍ ثقةٍ، وليس له تَزويجُها)) اهـ.
والله سبحانه أعلمُ.
(١) "الدرر والغرر": كتاب المفقود ١٢٩/٢.
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الإباق والمفقود ق ١٦١/ب.
(٣) "القنية": كتاب الإباق والمفقود ق٧٩/ب.

حاشية ابن عابدين
٢٥٦
كتاب الشِّرْكَة
﴿كتاب الشِّرْكَةِ
لا يَخفى مُناسبتها للمفقودِ من حيثُ الأمانةُ، بل قد تتحقَّقُ (١) في مالِهِ عند
موتٍ مُورِّتِه. (هي) - بكسرٍ فسُكونٍ في المعروفِ -
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
﴿كتابُ الشِّرْكَةِ﴾
قِيلَ: مَشروعِيُّها ثابتةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والمعقُولِ، واختلفوا في الَّصِّ الْمُفيدِ لذلك، قال في
"الفتح"(٢): ((ولا شكَّ أنَّ مَشروعيَّتَها أظهرُ تُبُوتاً؛ إذ الّوارثُ والَّعاملُ بها مِن لَدُن رَسُولِ اللهِ لَّ
- وهُلُمَّ جَرّاً - مُتَّصلٌ لا يُحتاجُ فيه لإثباتِ حديثٍ بعينِهِ)).
[٢٠٩١٧] (قولُهُ: مِن حيثُ الأمانةُ) فإنَّ مالَ أحدِ الشَّرِيكَيْنِ أَمانةٌ في يدِ الآخَرِ، كما أنَّ مالَ
المَفْقُودِ أمانةٌ في يدِ الحاضِرِ، "بحر "(٣). وجَعَلَ في "الفتح "(٤) هذِهِ مُناسَبَةٌ عامّةً فيهما وفي الآبِقِ
واللَّقيطِ والُقَطة.
[٢٠٩١٨] (قولُهُ: بل قد تَتحقَّقُ في مالِهِ) هذِهِ مُنَاسَبَةٌ خاصّةٌ، بيانُها: أنَّه لو ماتَ أبوه عنه وعن
ابنٍ آخَرَ فإنَّ مالَ المفقودِ مِن الَّرِكةِ على تقديرٍ حياتِهِ مُشتَرَكٌ، أي: مُختلِطٌ مع مالِ أخيه.
[ ٢٠٩١٩] (قولُهُ: بكسرٍ فسُكُونٍ في المعروفِ) كذا في "الفتح"(٤)، أي: المشهورُ فيها كسرُ
الشِّينِ وسُكونُ الرَّاءِ، قال في "النهر "(٥): ((ولك فتحُ الشِّينِ مع كسرِ الرَّاءِ وسُكُونِها)).
﴿كتابُ الشِّرْكَة﴾
(قولُهُ: أي: المشهورُ فيها كسرُ الشِّينِ وسُكونُ الرَّاءِ إلخ) في "القاموس": ((الشِّرْكُ والشِّرْكَةُ:
بكسرِهما - أي: بكسرِ الشِّينِ في كلِّ منهما - وضمِّ الثّاني، يعني: جاءَ بضمِّ الشِّينِ في الشُّرْكَةِ)) اهـ
"سنديّ". قالَ: ((فهذهِ أربعةُ أوجهٍ، أوَّلُها: بكسرٍ فسكونٍ، ثانيها: بضمٌّ فسكونٍ، ثالتُها: بفتحٍ فسكونٍ،
(١) في "ب" و"ط": ((تحقق)) وفي "و": ((يتحقق))، وما أثبتناه من "د".
(٢) "الفتح": كتاب الشِّرْكة ٣٧٧/٥، بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الشِّرْكة ١٧٩/٥.
(٤) "الفتح": كتاب الشِّرْكة ٣٧٦/٥.
(٥) "النهر": كتاب الشِّرْكة ق ٣٤٦/ب.

الجزء الثالث عشر
٢٥٧
كتاب الشِّرْكَة
لغةً: الخَلْطُ(١)، سُمِّيَ بها العَقْدُ لأَنَّهَا سَبَبُهُ(٢).
، .
[٢٠٩٢٠] (قولُهُ: لغةً: الخَلْطُ) قال في "الفتح"(٣): ((هي لغةً: خَلْطُ النَّصيَبَينِ بحيثُ لا يَتميَّرُ
أحدُهُما، وما قيل : - اختلاطُ النَّصيبيْنِ - تَساهلٌ؛ لأَنَّها اسمُ المصدرِ، والمصدرُ: الشِّرْكُ، مَصدَرُ
شَرِكتُ الرَّجلَ أَشرَكُهُ شِرْكاً، فَظَهَرِ أَنَّها فِعْلُ الإنسانِ، وفِعُهُ الخَلْطُ، وأمَّا الاختلاطُ: فصِفةٌ للمالِ
تَثْبُتُ عن فِعلِهما، ليس له اسمٌ من المادَّة))، وتمامُهُ فيه.
قلْتُ: لكنَّ الشِّرْكَةَ قد تتحقَّقُ بالاختلاطِ كما يأتي (٤)، فيلزمُ أنْ لا يكونَ لها اسمٌ، تأمَّل،
إلاَّ أنْ يُقالَ: إِنَّ أهلَ اللُّغَةِ لا يُسمُّونَهَا شِرْكَةً.
(٢٠٩٢١] (قولُهُ: سُمِّيَ بها العَقدُ) عبارةُ "الزَّيلعيِّ(٥): ((ثُمَّ يُطلَقُ اسمُ الشِّرْكَةِ على العَقْدِ
مَجازاً؛ لكونِهِ سبباً له)).
[٢٠٩٢٢) (قولُهُ: لأَنّهَا سَبُ) الضَّمِيرُ الأوَّلُ عائدٌ إلى ((العَقْد)) بتأويلِ الشِّرْكةِ، والثّاني إلى
((الخَلْطِ)). اهـ "ح"(٦). والأظهرُ: تذكيرُ الضَّمِيرَيْن كعبارةِ "الزَّيلعيِّ)(٧)، أو يقولُ: لأَنّه سببُها، أي:
لأنَّ العَقْدَ سببُ الشِّرْكةِ التي حقيقتُها الخَلْطُ، فالعلاقةُ السَّبِيَّةُ، مِن إطلاقِ اسمِ الْمُسَبَّبِ على سَبِهِ،
رابعُها: بفتحٍ فكسرٍ، والفتحُ والسُّكونُ نادرٌ) اهـ.
(قولُهُ: وأمَّ الاختلاطُ: فصِفَةٌ للمالِ تَنْبُتُ عن فِعِلِهما، ليسَ له اسمٌ من المادَّةِ، وتمامُهُ فيه) وفيه:
((ولا يُظنَّ أنَّ اسمَهُ الاشتراكُ؛ لأَنَّه فِعْلُهما أيضاً، مصدرُ اشتَرَكَ الرَّجُلانِ، افتعالٌ من الشِّرْكةِ)).
(قولُهُ: الضَّميرُ الأَوَّلُ عائدٌ إلى العَقْدِ إلخ) وجَعَلَ "السِّنديُّ" الضَّمِيرَ في ((لأَنَّها)) عائداً إلى
الشِّرْكةِ، وقالَ: ((يعني: أنَّ الشِّرْكةَ - بمعنى الاشتراكِ المضمرِ في نَفْسِ كلِّ من الشَّريكينِ - سببٌ للعقدِ،
فالعقدُ مُسبَّبٌ عن الاشتراكِ المرادِ لهما، هذا باعتبارٍ ظاهرٍ عبارةِ "الشَّارحِ")).
(١) في "و": ((الخلطة)).
(٢) في "و": ((مسببه)).
(٣) "الفتح": كتاب الشِّرْكة ٣٧٦/٥ بتصرف.
(٤) المقولة [٢٠٩٢٤] قوله: ((في شركة العين)).
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الشِّرْكة ٣١٣/٣.
(٦) "ح": كتاب الشِّرْكة ق٢٦٩/ب.
(٧) "تببين الحقائق": كتاب الشِّرْكة ٣١٣/٣.

حاشية ابن عابدين
٢٥٨
كتاب الشِّرْكَة
وشرعاً: (عبارةٌ عن عَقدٍ بين المتشارِكَين في الأصلِ والرِّحِ)، "جوهرة"(١). (ورُكُها
في شِرْكةِ العَينِ: اختلاطُهُما، وفي العَقْدِ: اللَّفظُ المُفيدُ له). وشرطُ جَوازِها:
٣٣٢/٣ قال في "الفتح"(٢): ((فإذا قيْلَ: شِرِكةُ العَقْدِ بالإضافة فهي إضافةٌ بيانيّةٌ)).
[٢٠٩٢٣) (قولُهُ: وشرعاً إلخ) ظاهرُ كلامِهِم: اتّحادُ [٣/ق٨٨/ب] الُّغَويِّ والشَّرعيِّ؛ فإنّها في
الشَّرع تُطلَقُ على الخَلْطِ، وكذا على العَقْدِ مَجازً، تأمَّل، بدليلٍ تقسيمِهم لها إلى شِرْكةٍ عَقْدٍ
وشِرْكةٍ مِلْكٍ، والنَّانيةُ تكونُ بالخَلْطِ أو الاختلاطِ، إلاَّ أنْ يُقالَ: المرادُ تعريفُ شِرْكةِ العَقْدِ فقط؛
لأَنَّها التي فُصِّلَتْ أَنواعُها إلى أربعةٍ مِن مُفَاوَضٍ وغيرِها، تأمَّل.
[٢٠٩٢٤) (قولُهُ: في شِرْكةِ العَين) أي: المِلكِ؛ فَإِنَّها في مُقابلَةِ العَقْدِ الذي هو عَرَضٌ غيرُ عَينِ،
وقوله: ((اختلاطُهُما)) أي: اختلاطُ الماَلَيْن بحيثُ لاَيَتميَّزُ أحدُهُما، وعبَّر بالاختلاطِ تَبَعَاً
لـ"الفتح"(٣)، مع أنَّ مُقتضى ما مرّ(٤) النَّعِيرُ بِالخَلْطِ، تأمَّل.
[٢٠٩٢٥] (قولُهُ: اللَّفظُ المُفيدُ له) أي: لعَقْدِ الشِّرْكةِ، وهو الإيجابُ والقَبولُ ولو مَعنَّى،
(قولُهُ: فإنّها في الشَّرعِ تُطلَقُ على الخَلْطِ، وكذا على العَقْدِ مَجازاً إلخ) ظاهرُ عبارةِ "المصنْفِ":
إطلاقُها على شِرْكةِ العقدِ حقيقةً، وهكذا ظاهرُ كثيرٍ مِنْ عباراتِهِم، والدَّليلُ الَّذِي قَالَهُ إِنَّا يُفِيْدُ إطلاقَها
على القسمينِ، ولا يُفيدُ أنَّ أحدَهما حقيقةٌ والآخَرَ مجازٌ، وفي "السِّنديِّ" عن "الرَّحمتيِّ": ((عرَّفَها
بذلكَ، ثُمَّ بَيَّنَ رُكَنَها فِي شِرْكةِ العَينِ وفي شِرْكةِ العقدِ، فأشعرَ أنَّ التّعريفَ للقسمينِ، وليسَ هو
إلاَّ تعريفاً لشِرْكةِ العقدِ، فكانَ ينبغي أنْ يَزِيدَ: أو اختلاطِ المالِينِ)) اهـ.
(قولُهُ: إلاَّ أنْ يُقالَ: المرادُ تعريفُ شِرْكةِ العقدِ فقط؛ لأَنَّها إلخ) مجرَّدُ كونِ المرادِ تَعْرِيفَ شِرْكةٍ
العقدِ لا يَنْفِي أَنَّ ظاهرَ كلامِهم اتّحادُ المعنى اللُّغويِّ والشَّرعيِّ على ما ادَّعى، وإنَّا يَصْلُحُ دَفْعاً لإيرادٍ
آخرَ على عبارةِ "المصنّفِ".
(قولُهُ: معَ أنَّ مقتضى ما مرَّ التّعبيرُ بِالخَلْطِ) ما مرَّ هو في بيانِ المعنى اللُّغويِّ، وظاهرُ عباراتِهم
هنا: أنَّ المعنى الشَّرعيَّ هو الاختلاطُ، ولذا نَقَلَ "ط" عن "الإتقائيّ": أنَّها اجتماعُ النَّصيبينِ، تأمَّل.
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الشَّرْكة ٣٤٤/١.
(٢) "الفتح": كتاب الشِّرْكة ٣٧٧/٥.
(٣) "الفتح": كتاب الشِّرْكة ٣٧٦/٥.
(٤) المقولة [٢٠٩٢٠] قوله: ((لغة: الخلط)).

الجزء الثالث عشر
٢٥٩
كتاب الشِّرْكَة
كونُ الواحدِ قابلاً للشِّرْكةِ (وهي ضَربان: شِرْكةُ مِلْكٍ، وهي: أنْ يَملِكَ مُتَعدِّدٌ)
اثنان فأكثرُ (عَيناً) أو حِفظاً، كثوبٍ هَبَّهُ الرِّيحُ في دارِهِما، فإنّهما شريكان
في الحِفْظِ، "قُهِستاني)"(١) (أو دَيناً).
كما سيأتي(٢).
[٢٠٩٢٦] (قولُهُ: كَونُ الواحدِ إلخ) كذا في "البحر"(٣) عن "المحيط"، والظَّاهرُ: أنَّ المرادَ
بالواحدِ الَعقُودُ عليه، احترازاً عن المباحاتِ والنّكاحِ والوَقْفِ؛ لِما سيأتي(٤) مِن قولِهِ: ((وشَرطُها:
كَونُ المعقُودِ عليه قابلاً للوَكَالَةٌ))، فإنَّ المرادَ مِن قَبُولِهِ الوَكَالَةَ قَبَولُهُ الاشتراكَ (٥).
[٢٠٩٢٧] (قولُهُ: وهي ضَربانٍ) أي: الشّرْكَةُ مِن حيثُ هي لا بقَيدِ كَونِها شِرْكَةَ عَقْدٍ؛ ففيه
شِبهُ الاستِخدامِ(٦)، وإلاَّ كان مِن تقسيمِ الشَّيءٍ إلى نفسِهِ وإلى غيرِهِ.
(٢٠٩٢٨] (قولُهُ: شِرْكَةُ مِنْكٍ) أي: اختصاصٍ، فالإضافةُ بِمَعنى الباء كما في "المُغرِبِ"(٧)،
"فُهِسَانِيّ(٨).
[ ٢٠٩٢٩] (قولهُ: أو حِفظاً) دخولُهُ في المِلْكِ المُفسَّرِ بالاختصاصِ ظاهرٌ، والمقصودُ بيانُ
اشتراكِهِما في الحِفظِ ونُبُوتِ الحقِّ لهما لا لواحدٍ فقط، ولا يَلزمُ مِن ذِكرِ مسألةٍ في بابٍ جَرَيَانُ
جميعِ أحكامِ البابِ فيها، كالدَّينِ المُشتَرِكِ؛ فإنَّه لا تَجرِي فيه جميعُ أحكامِ العَينِ، فافهم.
[٢٠٩٣٠] (قولُهُ: هَبَّهُ الرِّيحُ) حقُّه أنْ يُقالَ: هَبَّتْ به الرِّيحُ؛ لِما في "القاموس"(٩): ((الهَبُّ
(١) "جامع الرموز": كتاب الشِّرْكة ١٣٣/٢.
(٢) المقولة [٢٠٩٧٣] قوله: ((ولو معنى)).
(٣) "البحر": كتاب الشِّرْكة ١٧٩/٥.
(٤) صـ ٢٧٦ - "در".
(٥) في "م" و"ك": ((الاشتراط)) بالطَّاء بدل ((الاشتراك))، وهو تحريف.
(٦) الاستخدام: هو أن يُرادَ بلفظ له معنيان أحدُ المعنيين، ثم يراد بالضمير العائد إلى ذلك اللفظ معناه الآخر، أو يراد
بأحد ضميريه أحدُ المعنيين ثمَّ يراد بضميره الآخر معناه الآخر)). اهـ "معجم البلاغة العربية": صـ ١٩٣ -.
(٧) لم نعثر عليها في نسخة "المغرب" التي بين أيدينا.
(٨) "جامع الرموز": كتاب الشركة ١٣٢/٢.
(٩) "القاموس المادة (١ /ب)).

حاشية ابن عابدين
٢٦٠
كتاب الشِّرْكَة
على ما هو الحقُّ، فلو دَفعَ المديونُ لأحدِهِما فللآخَرِ الرُّجوعُ ينصفِ مَا أَخَذَ،
"فتح"(١)، وسيجيءُ(٢) مَتناً في الصُّلحِ، وأنَّ مِن حِيَلِ اختصاصِهِ بما أَخذَهُ: أَنْ يَهَبَه
المديونُ قَدْرَ حِصَّتِه ويَهَبَهُ ربُّ الدَّينِ حِصَّتَه، "وهبائَيَّةَ"(٣)، (بإرثٍ أو بيعٍ أو
غيرِهما) بأيِّ سببٍ كان، حَبرياً أو اختيارياً ...
والهُوبُ: ثَوَرَاثُ الرِّيحِ، وهَبَّهُ هَّاً وهَّةً - بالفتح - وهِّةً - بالكسر -: قَطَعهُ)) اهـ. فقد جَعَلَ المُتعدِّيَ
بمعنى القَطعِ، وهو غيرُ مُرادٍ هنا كما لا يخفى.
مطلبٌ: الحقُّ أنَّ الدَّينِ يُملَكُ
[٢٠٩٣١] (قولُهُ: على ما هو الحَقُّ) قال في "الفتح"(٤): ((إِنَّ بعضَهُمْ ذَكرَ مِن شِرَكةِ الأملاكِ
الشِّرْكةَ في الدَّينِ، فقيل: مَجازاً؛ لأنَّ الدِّينَ وصفٌ شرعيّ لا يُملَكُ، وقد يُقالُ: بل يُمَلَكُ شَرعاً،
ولذا جاز هِتُه ◌َمّن عليه، وقد يُقالُ: إنَّ الهبةَ مَجازٌ عن الإسقاطِ، ولذا لم تَجُزْ مِن غيرِ مَن عليه،
والحقُّ ما ذكروا مِن مِلْكِهِ، ولذا مَلَكَ ما عنه مِن العَينِ على الاشتِراكِ، حتى لو دَفَع إلخ)) اهـ.
وقوله: ((مَلَكَ ما عنه إلخ)) أي: لو صالَحَ أحدُهُما عن نَصِهِ على عينِ كَتَوبٍ مَثلاً مَلَكَه مُشتَرَكاً
بينه وبين الآخَرِ، وتَمامُهُ(٥) في الصُّلحِ قُبيلَ التَّخارج.
[٢٠٩٣٢] (قولُهُ: وأنَّ مِن حِيَلِ اختصاصِهِ) أي: اختصاصِ الآخِذِ بما أَخَذَ دون شريكِهِ، وهذه
الحيلةُ مذكورةٌ في "الفتح"(٦) أيضاً، وسيأتي(٧) غيرُها في الصُّلح (٨).
[٢٠٩٣٣) (قولُهُ: يارثٍ) مُتعلّقٌ بقولِه: ((يَمِلِكَ مُتُعدِّدٌ)).
[٢٠٩٣٤] (قولُهُ: بأيِّ سببٍ كان إلخ) هو مفهومُ قولِهِ: ((يارثٍ أو بيعٍ))؛ فإنَّ الأوَّلَ جَبْرِيٌّ
(١) "الفتح": كتاب الشِّرْكة ٣٧٧/٥ بتصرف.
(٢) انظر "الدر" عند المقولة [٢٨٥٦٠] قوله: ((الدين المشترك)) وما بعدها.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الشِّرْكة ق ١٦٥/أ.
(٤) "الفتح": كتاب الشَّرْكة ٣٧٧/٥.
(٥) انظر "الدر" عند المقولة [٢٨٥٦١] قوله: ((صفقة واحدة)).
(٦) "الفتح": كتاب الشِّرْكة ٣٧٧/٥.
(٧) انظر "الدر" عند المقولة [٢٨٥٧٦] قوله: ((يبرئه)).
(٨) في "ك": ((الفتح)).