Indexed OCR Text
Pages 121-140
الجزء الثالث عشر
١٢١
باب المرتد
(وقيل: الذي يَعْقِلُ أنَّ الإِسلامَ سَبَبُ النَّجاةِ، ويُميِّزُ الخبيثَ من الطِّبِ والُحُلوَ من المُرِّ)
قائلُهُ "الطَّرسوسيُّ" في "أنفعِ الوسائلِ"(١) قائلاً: ((ولم أَرَ مَن فَدَّرَه بالسِّنِّ))، قلتُ: وقد
رأيتَ نقَلَهُ، وَيُؤَيّدُهُ أَنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عَرَضَ الإِسلامَ على "عليَّ" بَله ..
[٢٠٥٣٧] (قولُهُ: وقيلَ: الَّذي يَعْقِلُ إلخ) قالَ في "الفتح"(٢): ((بَّنَ - أي: صاحبُ "الهدايةِ"(٣) -
أنَّ الكلامَ فِي الصَّبِيِّ الَّذي يَعقِلُ الإِسلامَ، زادَ في "المبسوط "(٤) كونَهُ بحيثُ يُناظِرُ وَيَفْهَمُ
ويُفحِمُ)) اهـ.
قلتُ: والظَّاهرُ: أنَّ ما ذكرَهُ "المصنّفُ" بيانٌ لقولِهِ [٣/ ق٧٢/ ب]: ((يعقِلُ الإِسلامَ))، ومعنى
تميزِهِ المذكورِ: أنْ يعرِفَ أنَّ الصِّدْقَ مثلاً حَسَنٌ، والكذبَ قبيحٌ يُلامُ فاعلُهُ، وأنَّ العَسَلَ حُلْوٌ
والصَّبِرَ مُرٍّ، ومعنى كونِهِ بحيثُ يُناظِرُ: أنْ يقولَ: إنَّ المسلمَ في الجنَّةِ والكافرَ في النَّارِ، وإذا قيلَ له:
لا ينبغي لكَ أنْ تُخالِفَ دينَ أبويكَ يقولُ: نعم لو كانَ ديْنُهما حقّاً أو نحوَ ذلكَ، ولا يخفى أنَّ ابنَ
٣٠٦/٢ سبعٍ لا يعقِلُ ذلكَ غالباً، ويُحتمَلُ أنْ يكونَ المرادُ الْمُنَاظَرَةَ ولو في أمرٍ دنيويٍّ كما لو اشترى شيئاً
ودَفَعَ إلى البائعِ الَّمنَ، وامتنعَ البائعُ من تسليمِ المبيعِ قائلاً: لا أسلِّمُهُ إِلاَّ إلى أبيكَ؛ لأَنَّكَ قاصرٌ،
فيقولُ له: لِمَ أَخَذْتَ مَنِّي الَّمنَ، فإنْ لم تسلِّمْنِي المبيعَ ادفعْ ليَ الثَّمنَ، فهذا ونحوُهُ يقعُ من ابنِ سبعٍ
غالباً، وعليه يتحدُّ القولانِ، تأمَّل.
[٢٠٥٣٨] (قولُهُ: وقد رأيتَ) بفتحِ تاءِ المخاطَبِ.
(قولُهُ: وعليه يَتَّحِدُ القَولانِ) الظَّاهرُ: اتحادُهما والجزمُ به، وأنّه ليسَ المدارُ على مجرَّدِ الَّمييزِ على القولِ
الأوَّلِ، بل عليه وعلى ما زادَهُ في "المبسوط"، وعلى هذا استقامَ قولُ "الشَّارحِ": ((وقد رأيتَ نقَلَهُ))، وعلى
أنّهما قولانٍ لا يُناسِبُ ذكرَهُ؛ لأنَّ النَّقديرَ به إنَّا ذُكِرَ على الأوَّلِ لا الثَّانِي الَّذي ذكَرَهُ "الطَّرَسُوسيُّ".
(١) "أنفع الوسائل": مسألةٌ: إسلامُ الصبيِّ وارتداده ص٥٨ ..
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٣١/٥.
(٣) "الهداية": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٦٩/٢.
(٤) "المبسوط": كتاب السِّير - باب المرتدين ١٢١/١٠ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
١٢٢
باب المرتد
وسِنُّهُ سَبْعٌ، وكان يَفتَخِرُ به.
[٢٠٥٣٩] (قولُهُ: وسِنَّهُ سَبْعٌ) وقيلَ: ثمانٍ وهو الصَّحيحُ، وأخرجَهُ "البخاريُّ" في "تاريخِهِ"(١)
عن "عروةَ"، وقيلَ: عشرٌ، أخرجَهُ "الحاكم" في "المستدرك"(٢)، وقيلَ: خمسةَ عشرَ(٣) وهو مردودٌ،
(١) "التاريخ الكبير" ٢٥٩/٦، عن اللَّيث عن أبي الأسود عن عروة قولَه. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٦٢)، وأبو نعيم في
"المعرفة" (٣٠٨) من طرق عن الليث، لكنَّ رواية أبي نعيم عن قتيبة عن اللَّيث عن أبي الأسود عمن حدثه ... فذكره، ثم
قال: ورواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، وقال ابن حجر في "فتح الباري" ٩٢/٧: وروی يعقوب بن سفيان پاسناد
صحیح عن عُروة.
(٢) "المستدرك" ٣ /١١١ في معرفة الصحابة - ذكر إسلام أمير المؤمنين علي ظُه، عن يونس بن بكير عن محمد بن
إسحاق قوله. وأخرجه أبو نعيم في "المعرفة" (٣١٠)، والطبري في "تاريخه" ٣٩٧/٢، وذكره ابن هشام في "مختصر
سيرة ابن إسحاق" ٢٤٥/١، وقال ابن حجر في "الفتح": وهو أرجحها. وقال مجاهد: عشر سنين، أخرجه ابن سعد
في "الطبقات" ٢١/٣ عن شيخه الواقدي، وعنه الطبري في "تاريخه" ٣٩٨/٢.
(٣) وأخرج عبد الرزاق (٢٠٣٩١) عن معمر في "الجامع" - باب أصحاب النبيّ ◌ُ﴿ر، عن قتادة عن الحسن وغيره قال: ((أَوَّلُ من
أسلم بعد خديجةَ عليّ بن أبي طالب، وهو ابنُ خمسَ عشرةَ أو ستَ عشرة))، وعنه الطبراني (١٦٣)، وعنه أبو نعيم
في "المعرفة" (٣١١)، والحاكم ١١١/٣، وأخرجه أبو نعيم (٣٠٩)، عن جرير عن مغيرة قال ((أسلم عليّ ظُه ابنَ
أربعَ عشرةَ، وكانت له ذؤابةٌ يختلف إلى الكُتَّاب)). وقال محمد بن عبد الرحمن بن زرارة وغيره: ((أسلم علي وهو
ابنُ تسع سنين)) أخرجه "ابن سعد" ٢١/٣، وهذا كله مراسيل أقواها مرسل عروة لأنّه لا يحدث إلا عن ثقة.
ولكن يدل إجماعهم على أنَّه أسلم وهو في سن البلوغ أو دونه، وأخرج النسائي في "الخصائص" (١)، وأحمد
في "المسند" ٩٩/١، ١٤١، "وفضائل الصحابة" (٩٩٩)، وابن سعد ٢١/٣، والبَغَوي في "مسند علي بن الجعد"
(٤٩١)، والطيالسي (١٨٨)، وابن أبي شيبة ٥٠/١٣،٦٥/١٢، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٧٩)،
و"الأوائل" (٦٩)، والخطيب في "تاريخه" ٢٣٣/٤، عن سفيان الثوري وشعبة وحجاج ويحيى بن سَلَمة كلّهم عن
سَلَمة بن كُهَيل عن حَبَّة العُرَنِي سمعت علياً عنه يقول: ((أنا أوَّل رجل صلَّى مع رسول الله ◌ِ﴾ٌ)).
وحَبَّة شيعي غالٍ، ضعَّفه ابن معين والنسائي وابن عدي وابن حبان وغيرهم وقال صالح شيخ وسط.
وأخرج عبد الرزاق (٢٠٣٩٢) عن معمر في "الجامع"، و"الطبراني" عن عثمان الجزري [ضعيف] عن مِقْسم عن ابن
عباس ◌َ ◌ّه، وأخرجه أحمد في "المسند" ٣٧١،٣٧٠،٣٦٨/٤، "وفضائل الصحابة" (١٠٠٠) و(١٠٠٤)، والترمذي
(٣٧٣٥) في المناقب - باب مناقب علي، والنسائي في "الكبرى" (٨١٣٧)، (٨٣٩٢)، (٨٣٩٣)، وابن أبي شيبة ٧٤/١٢،
٤٧/١٣، وابن أبي عاصم في "الأوائل" (٧٠)، والطبري في "تاريخه" ٣٩٥/٢، كلّهم عن عمرو بن مُرَّة عن أبي ضَمْرَة
طلحة بن ميمون مولى الأنصار عن زيد بن أرقم قال: ((أول من أسلم مع رسول الله ﴿ علي ◌َّه)).
قال عمرو: فحدثت بذلك إبراهيمَ فأنكر ذلك، وقال: أولُ من صلّى أبو بكر، وقال "الترمذي": حسن صحيح.
وأخرج "الطبري" ٣٩٤/٢ - ٣٩٥ عن عبد الحميد بن بحر [متهم] عن شَريك عن عبد الله بن عقيل عن جابر
الَّه قال: (أُبُعِثَ النبيُّ ◌ِ﴿ يوم الإثنين، وصلَّى عليٌّ ◌َّهُ، يوم الثلاثاء)).
الجزء الثالث عشر
١٢٣
باب المرتد
حتّى قال: [الوافر]
غُلاماً ما بَلغتُ أوانَ حُلْمٍ
سَبِقْتُكُمُ إلى الإِسلامِ طُرّاً
بِصَارِمِ هِمَّتي وسِنانِ عَزمي
وسُقْتُكُمُ إلى الإسلامِ قَهْراً
ثمَّ هل يَقَعُ فَرْضً قبلَ الْبُلُوعِ؟ ظاهرُ كلامِهِم: نعم اتّفاقاً،.
وتمامُ ذلكَ مبسوطٌ في "الفتح"(١)، وهو أوَّلُ مَن أسلمَ من الصِّبيانِ الأحرارِ، ومِن الرِّجالِ الأحرارِ
"أبو بكر"، ومن النّساءِ "خديجةٌ"، ومن الَوَالي "زيدُ بنُ حارثةً"، وتمامُ تحقيقِ ذلكَ في "الدُّرِّ
المنتقى "(٢)، ونَقَلَ عبارَتَهُ المحشِّيّ(٣).
(٢٠٥٤٠] (قولُهُ: حَتَّى قالَ إلخ) ذَكَرَ في "القاموسِ"(٤) في مادةِ (ودقَ)): ((قالَ "المازنيُّ":
لم يَصِحَّ أَنَّ علّاً ضَّه تكلّمَ بشيءٍ من الشّعْرِ غيرِ هذينِ البيتِينِ: [البسيط ]
تِلْكُمْ قريشٌ تَنَّاني لتقتَني إلخ
وصوََّهُ "الزَّمخشريُّ(٥))) اهـ. ومقتضاهُ: أنَّ نسبةَ ما هنا إليهِ لم تَصِحّ.
مطلبٌ: هل يَجِبُ على الصَّبِيِّ الإيمانُ؟
[٢٠٥٤١] (قولُهُ: ظاهرُ كلامِهِم: نَعَمِ اتّفاقاً) فائدةُ وقوعِه فَرْضً عدمُ فرضيَّةٍ تحديدِ إقرارٍ آخرَ
(قولُهُ: ذَكَرَ في "القاموس" في مادَّةِ ((ودَقَ)): قالَ "المازنيُّ": لم يَصِحَّ أنَّ علَّا إلخ) قَالَ فيه:
((وذاتُ وَدْقَيْنِ: الدَّاهيةُ، كأَنَّها ذاتُ وجهينٍ، ومنهُ قولُ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ ◌َُه:
فلا ورِّكَ ما بَرُّوا ولا ظَفِروا
تِلْكُمْ قُرَيْشٌ تَمنَّاني لتقتَلَني
بذاتٍ وَدْقَيْن لا يَعْفُوِ لها أثرُ
فإنْ هَلَكْتُ فَرَهْنٌّ ذِمَّتِي لَهُمُ
قالَ "المازنيُّ" إلخ)).
(١) انظر "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٢٩/٥.
(٢) انظر "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب المرتد ٦٨٨/١ (هامش "مجمع الأَنهر").
(٣) "ح": كتاب السِّير - باب المرتد ق ٢٦٧ / أ - ب.
(٤) "القاموس": ص ٩٢٧ __ ٩٢٨ -.
(٥) "أساس البلاغة": مادة ((ودق)).
حاشية ابن عابدين
١٢٤
باب المرتد
وفي "التحرير": المختارُ عند "الماتريديّ": أَنَّه مُخاطَبٌ بأداءِ الإِيمانِ كالبالِغِ، حتى ...
بعدَ البلوغِ، قالَ في "الفتح"(١): (ومُقْتضى الدَّليلِ: أَنَّ يَجِبُ عليه بعدَ البلوغِ))، ثُمَّ قالَ(١): ((لكنّهم
اتفقوا على أنْ لا يَجِبُ على الصَّبِيِّ بل ◌َقَعُ فَرْضاً قبلَ البلوغ، أمَّا عندَ "فخرِ الإسلامِ" فلأَّه يَتْبُتُ
أصلُ الوجوبِ به على الصَّبِيِّ بالسَّبِ وهو حدوثُ العالمِ وعقليّةُ دلالِتِهِ دونَ وجوبِ الأداء؛ لأَنّه
بالخطابِ وهو غيرُ مخاطبٍ، فإذا وُجِدَ بعدَ السَّبِ وَقَعَ الفرضُ (٢) كمعجيلِ الزّكاةِ، وأمَّا عندَ "شمسِ
الأئمّةِ"(٣) لا وجوبَ أصلاً لعدمٍ حكمِهِ وهو وجوبُ الأداءِ، فإذا وُجِدَ وُجِدَ، فصارَ كالمسافرِ يُصلِّي
الجمعةَ يَسقُطُ فرضُهُ وليستِ الجمعةُ فرضاً عليه، لكنَّ ذلكَ للَّرْفِيةِ(٤) عليه بعدَ سببها، فإذا فعَلَ تمَّ)) اهـ.
[٢٠٥٤٢ ) (قولُهُ: وفي "النَّحرير" إلخ) هذا قولٌ ثالثٌ، وعبارةُ "التَّحريرِ"(٥) في الفصلِ
الرَّابعِ: ((وعن "أبي منصور الماتريديِّ" وكثيرٍ من مشايخِ العراقِ والمعتزلةِ إناطةُ وجوبِ
الإيمانِ به أي: بعقلِ الصَّبيِّ وعقابِهِ بتركِهِ، ونفاهُ باقي الحنفيّةِ درايةً؛ لقولِهِ عليه الصَّلاةُ
والسَّلامُ: ((رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النَّائمِ حَتَّى يستيقظَ، وعن الصَّبِيِّ حتّى يحتلمَ، وعن
المجنونِ حَتَّى يَعْقِلَ)) (٦)، وروايةً؛ لعدمِ انفساخِ نكاحِ المُراهِقةِ بعدمِ وصفِ الإِيمانِ)) اهـ.
مُوضَّحَاً من شرحِهِ(٢) لـ "ابنِ أمير حاجٌ"، وقالَ(٨) في أوَّلِ الفصلِ الثَّاني: ((وزادَ
"أبو منصور": إيجابَهُ على الصَّبِيِّ العاقلِ، ونقلوا عن "أبي حنيفة": لو لم يبعثِ اللهُ تعالى
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٣٠/٥.
(٢) في "م": ((الفرص))، بالصاد وهو تحريف.
(٣) "أصول السرخسي": باب أهلية الآدمي في الوجوب الحقوق له وعليه ٣٤٠/٢.
(٤) كذا في "الأصل" و"ب" و"م"، وفي "ك": ((للترضية))، وفي "آ" و"الفتح": ((للترقية)) بالقاف.
(٥) "التحرير": الباب الأول في الأحكام - الفصل الرابع في المحكوم عليه صـ ٢٦٧ -.
(٦) فيه حديث عائشة وعلي رضي الله عنهما، أما حديث عائشة رضي الله عنها فأخرجه أحمد ١٠٠/٦ - ١٠١، وأبو داود
(٤٣٩٨)، والنسائي ١٥٦/٦، وابن ماجه (٢٠٤١)، والدارمي ١٧١/٢، وصحَّحَه ابن حبان (١٤٢)، والحاكم ٥٩/٢
من طريق حَمَّد بن سَلَّمة عن حماد بن أبي سُلَيمان عن إبراهيمَ عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها به.
وأما حديث علي هويته، فأخرجه أبو داود (٤٤٠١)، والدار قطني ١٣٨/٣-١٣٩، وصححه الحاكم ٢٥٨/١، ٥٩/٢،
وابن حبان (١٤٣) من طريق الأعمش عن أبي ظَبْيَان عن ابن عباس قال: مرَّ علي .... فذكر قصة، ثم ذكره.
(٧) "التقرير والتحبير": الباب الأول في الأحكام - الفصل الرابع: في المحكوم عليه ١٦٤/٢.
(٨) "التقرير والتحبير": الباب الأول في الأحكام - الفصل الثاني: الحاكم ٩٠/٢ باختصار.
الجزء الثالث عشر
١٢٥
باب المرتد
لو مات بعدَهُ بلا إيمان خُلِّدَ في النّارِ، "نهر"(١). وفي "شرح الوهبائيَّةِ"(٢):
وصُحِّحَ أنْ لا كُفْرَ وهو المُحرَّرُ
بدَرويش درويشاَنْ كَفِّرَ بعضُهُم
كذا قولُ شَيْ للَّهِ ..
للنَّاسِ رسولاً لوَجَبَ عليهم معرفتُهُ بعقولِهم، وقالَ البخارُّونَ: لا تعلُّقَ لحكمِ اللهِ تعالى بفعلٍ المكلّفِ
قبلَ البعثةِ والتّبليغِ كالأشاعرةِ، وهو المختارُ))، وحَكَمُوا بأنَّ المرادَ من روايةٍ: ((لا عذرَ لأحدٍ في الجهلِ
بخالقِهِ لِما يَرَى مِن خَلْقِ السَّمواتِ والأرضِ، وخَلْقِ نفسِهِ)) بعدَ البعثةِ، وحينئذٍ فَيَجِبُ حَمْلُ الوجوبِ
في قولِ الإِمامِ: ((لوَجَبَ عليهم معرفُهُ)) على معنى ((ينبغي))، وتمامُهُ في شرحِهِ المذكورِ(٣).
[٢٠٥٤٣) (قولُهُ: لو ماتَ بعدَهُ) أي: بعدَ العقلِ .
مطلبٌ في معنى درويش درويشان(٤)
[٢٠٥٤٤] (قولُهُ: كَفَّرَ بعضُهم) لأنَّ معناهُ: جميعُ الأَشياءِ مباحةٌ، فيدَخُلُ فيه ما لا تجوزُ إِباحتُهُ
فيكونُ مُبِيحَ الحرامِ وهو كفرٌ، وهذا باطلٌ؛ لأنَّ معناهُ مَسْكَنَةُ المساكينِ أو فَقْرُ الفقراءِ، فكأنّهُ قالَ:
تَمَسْكِنَّا بِمَسْكَةِ المساكينِ أو افتقرْنا إليكَ بِفَقْرِ الفقراءِ، ولا دلالةَ فيه قطُّ على ما ذَكَرَ، كذا في
"البَّازِيَّةِ"(٥)، ونازعَهُ في "نور العين": ((بأنَّ ما ذكرَهُ من المعنى هو معناهُ الوضعيُّ، أمَّا العربيُّ - أَّذي
جرى عليه اصطلاحُ المَلَاحِدةِ والقَنْدَريَّةِ(٦) - فهو أنَّ جميعَ الأشياءِ مُباحَةٌ لكَ، فالحقُّ أنْ يُكَفَرَ القائلُ
إِنْ كانَ مِنْ تلكَ الفئةِ، أو أرادَ ما أرادوهُ، أو لم يعلمْ معناهُ لكنَّهُ قاله تقليداً وتشبيهاً بهم، أو يُخشَى
عليه الكفرُ فُحدِّدُ - وجوباً أو احتياطً - [٣/ق١/٧٣] إيمانَهُ، وإِنْ قَالَهُ غيرُ عالمٍ ولا متأمِّلٍ فهو مُخطِئٌ
(١) "النهر": كتاب السِّير - باب المرتدين ق ٣٣٨/ب.
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السِّير ق ١٤٩/أ.
(٣) انظر "التقرير والتحبير": الباب الأول في الأحكام - الفصل الثاني: الحاكم ٩٠/٢.
(٤) في "ب": ((دوريشان))، وهو خطأ.
(٥) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأً - النوع الحادي عشر ٣٤٧/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) القَلْدريَّة: كلمة أعجمية معناها ((المحُلّقون))، وهي طائفة صوفية يحلقون رؤوسهم وشواربهم ولحاهم وحواجبهم، وكانت
هذه الفرقة مكروهة من الفقهاء، نشأت في عهد الظَّاهر بيبرس، وكان سبباً في انتشارها في الشام ومصر، وكان أتباع هذه
الطريقة يتجولون في الطرقات على أقدامهم بالرايات والطبول، وكانوا يؤمنون بالحلول وتناسخ الأرواح، وكان لهم عدَّهُ زوايا
بمصر والشَّام أشهرها زاوية القَلَنْدِيَّة في باب الصغير لصيق مزار السِّيدة سكينة من جهة القبلة. ومن مشاهير رجالها الشيخ
عثمان كوهي الفارسي. ( "البداية والنهاية" ٦١٥/١٨، "الدارس" ٢٠٩/٢).
حاشية ابن عابدين
١٢٦
باب المرتد
ويا حاضرٌ يا ناظرٌ ليس يُكْفَرُ
قیلَ بكفره
ولا سيَّما بالدُّفِّ يَلْهُو ويَزِمُرُ
ومَن يَسْتَحِلُّ الرَّقْصَ قالوا بكُفرِهِ
يلزمُهُ أنْ يستغفرَ، وغايةُ الأَمرِ: أنْ لا يُرَخَّصَ فِي النَّكُلُّمِ بأمثالِ هذهِ المقالةِ)). اهـ مُلخَّصاً.
[٢٠٥٤٥ ] (قولُهُ: قِيْلَ بَكُفْرِهِ) لعلَّ وجهَهُ: أَنَّه طَلَّبَ شيئاً للهِ تعالى، والله تعالى غَنِيٌّ عن كلِّ
شيءٍ، والكلُّ مُفتقِرٌ ومُحتاجٌ إليهِ، وينبغي أنْ يُرجَّحَ عدمُ التَّكفيرِ، فإنّه يُمكِنُ أنْ يقول: أردتُ:
أَطُبُ شيئاً إكرامً للهِ تعالى اهـ. "شرح الوهبانيَّة"(١).
قلتُ: فينبغي أو يجبُ الَّاعدُ عن هذهِ العبارةِ، وقد مرَّ(٢) أنَّ ما فيهِ خلافٌ يُؤْمَرُ بالتّوبةِ
والاستغفارِ وتجديدِ النّكاحِ، لكنْ هذا إنْ كانَ لا يَدْرِي ما يقولُ، أَمَّا إنْ قَصَدَ المعنى الصَّحِيحَ
فالظَّاهرُ: أَنَّه لا بأسَ بهِ.
/٢٠٥٤٦] (قولُهُ: ليسَ يُكَفَرُ) فإنَّ الحضورَ بمعنى العلم شائعٌ: ﴿ مَايَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ
إِلَّا هُوَرَابِعُهُمْ ﴾ [المجادلة: ٧]، والنّظرُ بمعنى الرُّؤْيَةِ: ﴿ أَلََّعَلَ بِأَنَّالََّيَرَى﴾ [العلق: ١٤]، فالمعنى: يا عالمُ
يا مَن يرى، "بزازيَّة" (٣).
مطلبٌ في مُستحِلِّ الرّقصِ
[٢٠٥٤٧ ] (قُولُهُ: ومَن يَسْتَحِلُّ الرَّقْصَ قالوا بكفرِهِ) المرادُ به: الْتَّمايلُ والخَفْضُ والرَّفْعُ بحركاتٍ
مَوْزُونِةٍ، كما يفعلُهُ بعضُ مَن ينتسبُ إلى النَّصوُّفِ، وقد نَقَلَ في "البزَّازِيَّة"(٤) عن "القرطبيِّ "(٥)
إجماعَ الأَئمَّةِ على حُرمةِ هذا الغناءِ وضربِ القضيبِ والرَّقْصِ، قالَ: ((ورأيتُ فتوى شيخٍ
الإسلامِ "جلالِ المَّةِ والدِّينِ الكَرْلانِيِّ"(٦) أنَّ مُستحِلَّ هذا الرَّقْصِ كافرٌ))، وتمامُهُ في "شرح
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السِّير ق ١٤٩/ب.
(٢) صـ ٨٦ - "در".
(٣) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأ - النوع الحادي عشر ٣٤٧/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأ - في المتفرقات ٣٤٩/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الجامع لأحكام القرآن": ٢٣٨/١١.
(٦) في النسخ جميعها: ((الكرماني))، وفي "البزازية": ((الكيلاني)). وما أثبتناه من "تفصيل عقد الفرائد". وهو
الصواب؛ إذ "جلالُ الدين" لقب "الكرلاني" صاحب "الكفاية"، ولم نعثر على المسألة في مظانها من "الكفاية"،
والذي يظهر من السياق أنها فتوى منقولة عن "الكرلاني" وهو جلال الدين بن شمس الدين الخوارزمي الكرلاني
(ت٧٠١٠هـ)، ("كشف الظنون" ٢ ٢٠٣٤، "الفوائد البهية" صـ ٥٨-٥٩-).
الجزء الثالث عشر
١٢٧
باب المرتد
ومَن لوَلِيُّ قال: طَيُّ مسافةٍ
يجوزُ جهولٌ، ثمَّ بَعْضٌ يُكفِّرُ
الوهبانيَّة"(١)، ونَقَلَ في "نور العين" عن "الَتَّمهيدِ" أنَّه فاسقٌ لا كافرٌ، ثمَّ قالَ: ((التَّحقيقُ القاطعُ
للنّزاعِ في أمرِ الرَّقصِ والسَّماءِ يستدعي تفصيلاً ذكرَهُ في "عوارف المعارف"(٢) و"إحياءِ
العلومِ"(٣)، وخلاصتُهُ: ما أجابَ بهِ العلاَّمةُ النّحريرُ "ابنُ كمال باشا" بقولِهِ: [البسيط].
٣٠١
ما في التَّواجدِ إِنْ حقَّقْتَ مِن حَرَجٍ
ولا التّمايلِ إِنْ أخلصْتَ من بأسٍ
دعاهُ مولاهُ أنْ يَسْعَى على الرَّاسِ
فقمْتَ تَسْعَى على رِحْلٍ وحُقَّلمن
الرُّخصةُ فيما ذُكِرَ من الأوضاعِ، عندَ الذِّكرِ والسَّماعِ، للعارفينِ الصَّارِفِينَ أوقاتهم إلى
أحسنِ الأعمالِ، السَّالكينَ المالكينَ لضَبْطِ أنفسِهم عن قبائحِ الأحوالِ، فهم لا يستمعونَ إلاَّ مِن
الإله (٤)، ولا يشتاقونَ إلَّ لهُ، إِنْ ذَكَروهُ نَاحُوا، وإِنْ شَكَرُوهُ باحوا، وَإِنْ وَجَدوهُ صاحوا،
وإِنْ شَهِدُوهُ استراحوا، وإنْ سَرَحُوا في حضرةِ قُرْبِهِ ساحوا، إذا غَلَبَ عليهم الوَجْدُ بغلباتِهِ، وشربوا
من مَوَارِدٍ إراداتِهِ، فمنهم مَن طَرَقَتْهُ طَوَارِقُ الهيبةِ فخرَّ وذابَ، ومنهم مَن برِقَتْ له بَوَارِقُ اللُّطفِ
فتحرَّكَ وطابَ، ومنهم مَن طَلَعَ عليه الحِبُّ من مَطْلَعِ القُرْبِ فسَكِرَ وغابَ، هذا ما عنَّ لي
في الجوابِ، والله تعالى أعلمُ بالصَّوابِ. [الوافر]
فلم يحتَجْ إلى قولِ المغني
ومَن يَكُ وَجْدُهُ وَجْداً صحيحاً
وسُكرٌ دائمٌ من غيرِ دَِّّ)) اهـ
لهُ مِن ذاتِهِ طَرَبٌ قديمٌ
[٢٠٥٤٨] (قولُهُ: ومَن لوليٍّ إلخ) ((مَن)) مبتدأٌ، و((قالَ)) صلتُهُ، و((جهولٌ)) خبرُهُ،
و((لوليٍّ)) متعلّقٌ بـ ((يجوزُ))، و((طيُّ)) مبتدأُ، خبرُهُ: ((يجوزُ))، وأصلُ التَّركيبِ: ومَن قالَ:
(١) انظر "تفصيل عقد الفرائد": فصلٌ من كتاب السِّير ق ١٤٩/ب.
(٢) "عوارف المعارف": الباب الثالث والعشرون في القول في السَّماع ردّاً وإنكاراً صـ١٨٢-، وهو لأبي حفص عمر بن
محمد بن عبد الله، شهاب الدين القرشي البكريّ السُّهْرَ وَرْدي الشافعي (ت٦٣٢هـ). ("كشف الظنون" ١١٧٧/٢،
"وفيات الأعيان" ٤٤٦/٣، "طبقات الشافعية" للإسنوي ٦٥/٢، "شذرات الذهب" ٢٦٨/٧).
(٣) "إحياء علوم الدين": كتاب آداب السَّماع والوجد ٣٨٧/٢.
(٤) في "ب": ((الآله))، وهو خطأ.
حاشية ابن عابدين
١٢٨
باب المرتد
وإثباتُها في كُلِّ ما كان خارِقاً
عن "النَّسفيِّ" النّجْمِ يُروَى ويُنصَرُ
طيُّ مسافةٍ يجوزُ لوليٌّ جَهُولٌ، وهذا قولُ "الزَّعفرانيِّ"(١)، والقائلُ بكفرِهِ هو "ابن مقاتل"
و"محمَّد بنُ يوسف"، "ط"(٢).
مطلبٌ في کراماتِ الأولياء
[٢٠٥٤٩)] (قولُهُ: وإثباتُها إلخ) قالَ في "البزَّازيَّة" (٣): وقد ذَكَرَ علماؤنا أنَّ ما هو من المعجزاتِ
الكبارِ كإحياء الموتى، وقُلْبِ العصا حيَّةً، وانشقاقِ القَمَرِ، وإشباعِ الجَمْعِ من الطَّعامِ، [القليل) (٤)،
وخروجِ الماءِ من بينِ الأصابعِ لا يُمكِّنُ إجراؤُهُ كرامةً للوليِّ، وطَيُّ المسافةِ منهُ، لقولِهِ عليه الصَّلاةُ
والسَّلامُ: ((زُوِيَتْ ليَ الأرضُ)) (٥)، فلو جازَ لغيرِهِ لم يبقَ فائدةٌ للَّخصيصِ، لكنْ في كلامِ
"القاضي أبي زيد" ما يدلُّ على أنَّه ليسَ بكفرِ اهـ.
قلتُ(٦): يَدُلُّ(٧) له ما قالوا فيمَن كانَ بالمشرقِ وتزوَّجَ امرأةً بالمغربِ فَأَتَتْ بولدٍ: يَلْحَقُهُ،
فتأمَّل، وفي "الَّار خانَّةٌ "(٨): أنَّ هذهِ المسألةَ تُؤيِّدُ الجوازَ، وقد قالَ العلاَّمةُ "النَّفتازانيُّ" بعدَ أنْ حَكَى
(١) أبو عبد الله الحسن بن أحمد الزعفراني (ت ٦١٠هـ). ("كشف الظنون" ٥٦٢/١. "الجواهر المضية" ٤٦/٢،
"الطبقات السنية" ٤٧/٣، "الفوائد البهية" صـ ٦٠-).
(٢) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٩٣/٢ بتصرف، وفيه: ((قال الزعفراني: أنا أستجهنه ولا أطلق عليه الكفر)).
(٣) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأً - النوع الحادي عشر فيما يكون خطأ ٣٤٨/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) ما بين منكسرين من "البزازية".
(٥) أخرجه مسلم (٢٨٨٩) في الفتن - باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، وأبو داود (٤٢٥٢) في الفتن والملاحم -
باب ذكر الفتن ودلائلها، والترمذي (٢١٧٦) في الفتن - باب سؤال النبي ﴾ في أمته. وابن ماجه (٣٩٥٢) في
الفتن - باب ما يكون من الفتن، وأحمد ٢٧٨/٥ و٢٨٤، وابن حبان في "صحيحه" (٦٧١٤) في التاريخ - باب
إخباره # عما يكون في أمته من الفتن والحوادث، وغيرُهم من طرقٍ عن قتادةً وأيوبَ عن أبي قلابة عن أبي
أسماءَ الرَّحَبِيّ عن ثوبان ◌َّهِ أن نبي اللهِ ﴿ قال: ((إن اللَّهِ زَوَى لَيَ الأرض حتَّى رأيتُ مشارقها ومغاربها،
وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيضَ، وإنَّ مُلك أمتي سيبلغ ما زُوَيَ لي منها ... )).
(٦) القائل هو "ابنُ الشِّحنة" في "شرح الوهبانية" كما سيأتي.
(٧) في "م": ((ويدلُّ)).
(٨) لم نعثر عليها في القسم المطبوع من نسخة "التاتر خانية" التي بين أيدينا.
الجزء الثالث عشر
١٢٩
باب المرتد
عن أكثرِ المعتزلةِ المنعَ من إثباتِ الكراماتِ للأولياءِ وأنَّ الأستاذَ "أبا إسحاقَ" يميلُ إلى قريبٍ من
مذهبهم، وحَكَى ما قدَّمناهُ، وأنَّ "إمام الحرمينِ"(١) قالَ: المرضيُّ عندَنا تجويزُ جملةِ حَوَارِقِ العاداتِ
في مَعْرِضِ الكراماتِ))، ثمَّ قالَ(١): نعم قد يَرِدُ في بعضِ المعجزاتِ نَصٌّ قاطعٌ على أنَّ أحداً لا يأتي
بمثلِهِ أصلاً [٣/ ق ١٣/ب] كالقرآنِ، ثمَّ ذَكَرَ بقيّةَ الأقوالِ، ثمَّ قالَ(١): والإنصافُ ما ذكرَهُ الإِمامُ
"النَّسْفِيُّ" حينَ سُئِلَ عمَّا يُحكَى أنَّ الكعبةَ كانتْ تزورُ واحداً من الأولياءِ هل يجوزُ القولُ بهِ؟
فقالَ: نَقْضُ العادةِ على سبيلِ الكرامةِ لأهلِ الولايةِ جائزٌ عندَ أهلِ السُّةِ. قلتُ(٢): "النَّسغيُّ" هذا
هو الإِمامُ "نجمُ الدِّينِ عُمَرُ" مفتي الإنسِ والجنِّ رأسُ الأولياءِ في عصرِهِ اهــ. من "شرح
الوهبانيَّةِ (٣)، وتمامُهُ فيهِ، واللهُ سبحانَهُ أعلمُ.
(١) "الإرشاد": فصل في إثبات الكرامات وتمييزها من المعجزات صـ٣١٧ - وما بعدها.
(٢) القائل هو "ابن الشِّحنة".
(٣) انظر "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السِّير ق ١٥٠/أ - ب.
حاشية ابن عابدين
١٣٠
باب البغاة
﴿بابُ البُغاة﴾
البَغْيُ لغةً: الطَّلَبُ، ومنه: ﴿ذَلِكَ مَا كُتَّانَيْغْ﴾ [الكهف: ٦٤]، وعُرْفاً:
طَلَبُ ما لا يَحِلُّ مِن حَوْرٍ وَظُلْمٍ، "فتح"،.
﴿بابُ الْبُغاة﴾
أخَّرَه لقِلَّةِ وُجُودِهِ ولبيانٍ حُكْمٍ مَن يُقْتَلُ مِن المسلمينَ بعدَ مَن يُقْتَلُ مِن الْكُفَّارِ، "بحر"(١).
قلتُ: ولم يُترجم له بـ ((كتابُ)) إشارةً إلى دخولِه تحتَ كتابِ الجهادِ؛ لأنَّ القتالَ
معَهم في سبيلِ اللهِ تعالى، ولذا كانَ المقتولُ منَّا شهيداً كما سيأتي(٢)؛ إذ لا يختصُّ الجهادُ
بقتالِ الكفَّارِ، وبه اندفعَ ما في "النَّهر"(٣). قالَ في "الفتح"(٤): ((والبُغاةُ: جمعُ باغٍ، وهذا الوزنُ
مُطَرِدٌ في كلِّ اسمٍ فاعلٍ مُعْلِ اللَّمِ كغُرَاة ورُمَاةٍ وقُضَاةٍ)) اهـ. وإنَّما جمعَهُ؛ لأَنَّه فَلَّما يُوجَدُ
واحدٌ يكونُ له قُوَّةُ الخروجِ، "ُهِستانيّ" (٥).
[٢٠٥٥٠] (قولُهُ: البَغْيُ لغةً: الطََّبُ إلخ) عبارةُ "الفتح"(٦): ((الَغْيُ في اللُّغَةِ: الطَّلبُ، بَغَيْتُ
كذا أي: طَلبْتُهُ، قالَ تعالى حكايةً: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّانَيَغْ﴾ [الكهف: ٦٤]، ثُمَّ اشتهرَ في العُرْفِ في
طَلَبِ ما لا يَحِلُّ من الجَوْرِ والظُّلْمِ، والباغي في عرفِ الفقهاءِ: الخارجُ على إمامِ الحقِّ)) اهـ.
لكنْ في "المصباح"(٧): ((بَغَيْتُهُ أبغيهِ بَغْياً: طلبْتُهُ، وَبَغَى على النَّاسِ بَغْياً: ظَلَمَ واعتدى فهو
باغٍ، والجمعُ: بُغاةٌ، وَبَغَى: سَعَى في الفسادِ، ومنه: الفِرْقَةُ الباغيةُ؛ لأَنَّهَا عَدَلَت عن القَصْدِ،
(١) "البحر": كتاب السِّير - باب البغاة ١٥٠/٥.
(٢) المقولة [٢٠٥٩٨] قوله: ((وقتلانا شهداء)).
(٣) "النهر": كتاب السِّير - باب البغاة ق ٣٣٨/ب.
(٤) "الفتح": كتاب السِّير - باب البغاة ٣٣٣/٥.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصلٌ: تمليك بعض الكفار ٣٣١/٢.
(٦) "الفتح": كتاب السِّير - باب البغاة ٣٣٣/٥-٣٣٤
(٧) "المصباح المنير": مادة ((بغى)).
الجزء الثالث عشر
١٣١
باب البغاة
وأصلُهُ: من بَغَى الْجُرْحُ إذا تَرَامِى إلى الفسادِ)) اهـ. وفي "القاموسِ" (١): ((الباغي: الطَّالبُ، وفِئَةٌ
باغِيةٌ: خَارِجَةٌ عن طَاعَةِ الإِمامِ العَادلِ)) اهـ. قالَ في "البحر "(٢): ((فقولُهُ في "فتح القدير": الباغي
في عرفِ الفقهاءِ: الخارجُ عن إمامِ الحقِّ(٢) تَسَاهُلٌ؛ لِما علمتَ أنَّه في اللُّغَةِ أيضاً)) اهـ.
قلتُ: قد اشتهرَ أنَّ صاحبَ "القاموس" يذكرُ المعانيَ العُرفَّةَ معَ المعاني اللُّغْوِيَّةِ، وذلكَ مَّا
عِيْبَ به عليهِ، فلا يَدُلُّ ذكرُهُ لذلكَ أنَّه معَنَّى لُغوِيٌّ، وَيُؤيِّدُهُ: أنَّ أهلَ اللّغةِ لا يعرفونَ معنى الإِمامِ
الحقِّ الَّذي جاءَ في الشَّرعِ بعدَ اللُّغةِ، نعم قد يُعترَضُ على "الفتح": بأنَّ كلامَهُ يقتضي
اختصاصَ البَغيِ بمعنى الطَّبِ، وأنَّ استعمالَهُ في الجَورِ والظُّلمِ مَعَنَّى عُرِفِيٌّ فقط، وقد سمعتَ
أنّه لغويٌّ أيضاً، وقد يُجابُ: بأنَّ مُرادَهُ بقولِهِ: ((ثُمَّ اشتهرَ في العُرفِ إلخ)) العرفُ اللُّغويُّ،
وأنَّ الأصلَ ومدارَ اللَّغظِ على معنى الطَّبِ، لكنْ يُنافيهِ قولُ "المصباح": ((وأصلُهُ: مِنْ بَغَى
٣٠٨/٢
﴿بَابُ الْبُغَاةَ﴾
(قولُهُ: وأصلُهُ: مِنْ بَغَى الْجُرحُ إذا تَرَامَى إلى الفسادِ) أي: تجاوزَ الحدَّ في الفسادِ.
(قولُهُ: قد يُعترَضُ على "الفتح": بأنَّ كلامَهُ يقتضي اختصاصَ البَغْي بمعنى الطَّلَبِ، وأنَّ استعمالَهُ
في الجَورِ والظُّلمِ معَنَّى عُرْبٌّ إلخ) لم يَتَعرَّضْ في "الفتح" لاستعمالِهِ فِي الْجَورِ والظُّلمِ، وإنَّما قالَ: ((إِنَّه
عُرْقاً: طَلَّبُ ما لا يَحِلُّ إلخ))، فهما معنيانِ متباينانٍ، ولم يُنقَلْ في شيءٍ من كُبِ اللّغةِ إطلاقُهُ على
خصوصٍ طَلَبِ ما لا يَجِلُّ من ◌َورٍ وظُلْمٍ، فإطلاقُ عليه فقط إنَّا هو عُرْبٌّ لا لغويّ.
(قولُهُ: لكنْ يُنافيهِ قولُ "المصباحَ": وأصلُهُ: مِنْ بَغَى الْجُرْحُ إلخ) لا مُنافاةً؛ لأنَّ ما قالَهُ في
"المصباح" من بيان الأصلِ إلَّا هو لـ: ((بَغَى)) بمعنى سَعَى في الفسادِ كما هو ظاهرٌ، وفي "الصَّحاحِ":
((الْبَغْي: التَّعدِّي وكلُّ مجاوزةٍ وإفراطٍ على المقدارِ الَّذي هو حدُّ الشَّيءٍ)) اهـ. وهو محمودٌ ومذمومٌ،
وأغلبُ استعمالِهِ في المذمومِ، ومن المحمودِ: تجاوزُ العدلِ إلى الإحسانِ، والفَرْضِ إلى التَّطوُّعِ.
(١) "القاموس": مادة ((بغى)).
(٢) "البحر": كتاب السِّير - باب البغاة ١٥٠/٥ - ١٥١.
(٣) قوله: ((عن إمام الحقِّ)) الذي في عبارة "الفتح": ((على إمام الحقِّ)) كما نقله هو قبل ذلك بأسطر، والخطبُ
سهلٌ. اهـ مصحِّح "ب".
حاشية ابن عابدين
١٣٢
باب البغاة
وشرعاً: (همُ الخارجون على(١) الإِمامِ الحقِّ بغيرِ حقَّ) فلو بحقٌّ فليسوا بُيُغاةٍ، وتمامُهُ
في "جامعِ الفُصولَين"
الجُرْحُ إلخ))، فتأمَّل.
[٢٠٥٥١) (قولُهُ: وشرعاً: همُ الخارجونَ) عطفُهُ على ما قبلَهُ يقتضي أنْ يكونَ النَّقديرُ:
((والبَغْيُ شرعاً: همُ الخارجونَ))، وهو فاسدٌ كما أفادَهُ "ح"(٢)، فكانَ المناسبُ أنْ يقولَ: ((فَالْبُغاةٌ
عرفاً: الطَّالبونَ لِما لا يَحِلُّ من جَورٍ وظُلْمٍ، وشرعاً إلخ))، أفادَهُ "ط (٣)، ويُمكِنُ أنْ يكونَ على
تقديرٍ مبتدٍ، أي: والبغاةُ شرعاً إلخ.
(٢٠٥٥٢) (قولُهُ: على الإِمامِ الحقِّ) الظَّهرُ: أنَّ المرادَ بهِ ما يَعُمُّ الْتَغَلِّبَ؛ لأَنَّه بعدَ استقرارٍ
سَلْطَنِهِ ونُفُوذٍ قَهْرِهِ لا يجوزُ الخروجُ عليه كما صَرَّحوا بهِ، ثمَّ رأيتُ في "الدُّرِّ المنتقى(٤) قالَ:
((إنَّ هذا في زمانِهِم، وأمَّا في زماننا فالحكمُ للغَلَبةِ؛ لأنَّ الكلَّ يَطْلُونَ الدُّنيا فلا يُدرَى العادلُ
مِن الباغي، كما في "العماديّة")) اهـ.
وقولُهُ: ((بغيرِ حقٍّ)) أي: في نفسٍ(٥) الأمرِ، وإلاَّ فالشَّرطُ اعتقادُهُمْ أَنَّهم على حقِّ بتأويلٍ،
وإلاَّ فهم لُصُوصٌ، ويأتي(٦) تمامُ بیانِهِ.
[٢٠٥٥٣) (قولُهُ: وتمامُهُ في "جامع الفصولَين"(٧)) حيثُ قَالَ في أوَّلِ الفصلِ الأَوَّلِ(٨): ((بيانُهُ:
أنَّ المسلمينَ إذا اجتمعوا على إمامٍ وصاروا آمنينَ بِهِ فخَرَجَ عليهِ طائفةٌ من المؤمنينَ، فإنْ فَعَلوا
ذلكَ لظُلْمٍ ظلمَهم به فهم ليسوا من أهلِ البَغْيِ، وعليهِ أنْ يَتْرُكَ الظَّلَمَ ويُنصِفَهم، ولا ينبغي للَّاسِ
(١) في "ط": ((عن)).
(٢) "ح": كتاب الجهاد - باب البغاة ق ٢٦٧/ب.
(٣) "ط": كتاب الجهاد - باب البغاة ٤٩٣/٢.
(٤) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب البغاة ٦٩٩/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٥) في "ك": ((في نفس حقِّ الأمر)).
(٦) المقولة [٢٠٥٥٥] قوله: ((وبغاةٌ)).
(٧) انظر "جامع الفصولين": الفصل الأول في القضاء وما يتصل به ١٧/١.
(٨) من ((بيانه)) إلى ((الفصل الأول)) ساقط من "ك".
الجزء الثالث عشر
١٣٣
باب البغاة
ثُمَّ الخارجون عن طاعةِ الإِمامِ ثلاثةٌ: قُطّاعُ طريقٍ، وعُلِمَ حُكمُهم(١)،.
أنْ يُعينوا الإِمامَ عليهم؛ لأنَّ فيهِ إعانةً على الظُلم، ولا أن يُعينوا تلكَ الطَّائفةَ على الإمامِ أيضاً؛ لأنَّ
فيه إعانةً على خُرُوجِهم على الإمامِ، وإنْ لم يكنْ ذلكَ لظُلْمٍ ظَلَمَهم ولكنْ لدعوى الحقِّ والولايةِ
فقالوا: الحقُّ معنا فهم أهلُ البَغي، فعلى كلِّ مَن يَقوى على القتالِ أنْ يَنصروا إمامَ المسلمينَ على
هؤلاءِ الخارجينَ؛ لأَنّهم مَلْعُونونَ على لسانِ صاحبِ الشَّرعِ، قالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((الفتنةُ
نائمةٌ [٣/ق ١/٧٤] لَعَنَ الله مَن أيقظَها)(٢)، فإِنْ كانوا تكلّموا بالخروجِ لكنْ لم يَعْزِموا على الخروجِ
بعدُ فليسَ للإمامِ أنْ يتعرَّضَ لهم؛ لأنَّ العَزْمَ على الجنايةِ لم يُوجَدْ بعدُ، كذا ذَكَرَ في "واقعات
اللَّمِشِيِّ(٣)، وذَكَرَ "القَلَانِسِيُّ" في "تهذيِ"(٤): ((قالَ بعضُ المشايخِ: لولا "عليّ" رضيَ الله تعالى
عنهُ ما دَرَيْنا القتالَ معَ أهلِ القبلةِ، وكانَ "عليّ" وَمَن تَبِعَهُ مِن أهلِ العدلِ، وخَصْمُهُ مِن أهلِ البغيِ،
وفي زمانِنا الحكمُ للغَبةِ ولا تُدرَى العادلةُ والباغيةُ، كُلُّهُم يطلبونَ الدُّنيا)). اهـ "ط" (٥). لكنَّ قولَهُ:
((ولا أنْ يُعِينوا تلكَ الطَّائفةَ على الإمامِ)) فيه كلامٌ سيأتي(٦).
[٢٠٥٥٤] (قولُهُ: قُطَّاعُ طريقٍ) وهم قسمانِ: أحدُهما: الخارجونَ بلا تأويلٍ بَنَعَةٍ وبلا مَنَعَةٍ،
يأخذونَ أموالَ المسلمينَ وَيَقْتُلُونَهم ويُخِيفُونَ الطَّريقَ. والثَّاني: قومٌ كذلكَ إلاَّ أنَّهم لا مَنَعَةً
لهم لكنْ لهم تأويلٌ، كذا في "الفتح"(٧)، لكنَّهُ عَدَّ الأقسامَ أربعةً، وحَعَلَ هذا الثَّانِيَ قِسْماً
(١) انظر باب قطع الطريق ٤٠١/١٢ وما بعدها "در".
(٢) عزاه في "الكنز" (٣٠٨٩١) إلى الرافعي في "أماليه" عن أنس، وأخرجه نعيم بن حماد في "الفتن" صـ ١٥ - من طريق
أبي الزَّاهِرِيَّة قال: وحدثنا جُبَيْر بن نُغَير عن ابن عمر قال رسول الله : ﴿: ((إنَّ الفتنةَ رائعةٌ في بلاد الله تطأُ في
خِطَامِها، لا يَحل لأحدٍ أن يوقظها، ويلٌ لمن أخذ بخطامها)).
(٣) "الواقعات" لأبي علي الحسين بن علي بن أبي القاسم اللاَمِشِيّ (ت٥٢٢هـ). ("الجواهر المضية" ١٢٠/٢،
"الطبقات السنية" ١٤٩/٣، "الفوائد البهية" صـ ٦٧ -، "هدية العارفين" ٣١٢/١).
(٤) "تهذيب الواقعات" لأحمد القلانِسِي (ت١١٣٢ هـ). ("كشف الظنون" ٥١٧/١، "الجواهر المضية" ٣٥٧/١،
"معجم المؤلفين" ٢٣٢/١).
(٥) "ط": كتاب الجهاد - باب البغاة ٤٩٣/٢، وقوله: (("ط")) ساقط من "ك".
(٦) المقولة [٢٠٥٧٦] قوله: ((وفي "المبتغى" إلخ)).
(٧) "الفتح": كتاب السِّير - باب البغاة ٣٣٤/٥.
حاشية ابن عابدين
١٣٤
باب البغاة
وبُغاةٌ، ويَجِيءُ(١) حُكمُهم، وخَوَارجُ وهم: قومٌ.
منها(٢) مُستَقِلاَّ مُلْحَقاً بالقُطَّاعِ من جهة الحُكْمِ، وفي "النّهر"(٣) هنا تحريفٌ، فتَبَّه لهُ.
[٢٠٥٥٥] (قولُهُ: وَبُغاةٌ) هم كما في "الفتح"(٤): ((قومٌ مسلمونَ خَرَجوا على إمامِ العدلِ
ولم يستبيحوا ما استباحَهُ الخوارجُ من دماءِ المسلمينَ وَسَبِّيٍ ذَرَاريهم)) اهـ.
والمرادُ: خَرَجوا بتأويلٍ، وإلاَّ فهم قُطَّاٌ كما علمتَ، وفي "الإختيار " (٥): ((أهلُ البَغْيِ: كلُّ فئةٍ
لهم مَنَعَةٌ يتغَلَُّونَ ويجتمعونَ وَيُقاتِلونَ أهلَ العدلِ بتأويلٍ، يقولونَ: الحقُّ معنا ويدَّعونَ الولايةَ)) اهـ.
[٢٠٥٥٦] (قولُهُ: وحَوَارِجُ وهم: قومٌ إلخ) الظَّاهرُ: أنَّ المرادَ تعريفُ الخوارجِ الَّذينَ خَرَجوا على
"عليٌّ"عَّهُ؛ لأَنَّ مَنَاطَ الفرقِ بِينَهم وبينَ البغاةِ هو: استباحتُهم دماء المسلمينَ وذَرَارِبِهم بسببِ
الكفر؛ إذ لا تُسَى الذَّراري ابتداءً بدونٍ كُفْرٍ، لكنَّ الظَّاهرَ من كلامِ "الإختيارِ" وغيرِهِ: أنَّ الْبُغاةَ
أعمُّ، فالمرادُ بالبغاةِ: ما يَشْمَلُ الفريقينِ، ولذا فَسَّرَ في "البدائع"(٦) الْبُغَاةَ بالخوارجِ لبيانِ أَنَّهم منهم
وإنْ كانَ البغاةُ أَعمَّ، وهذا من حيثُ الاصطلاحُ، وإلاَّ فالبَغْيُ والْخُرُوجُ مُتَحقّقَانِ في كلِّ من
الفريقينِ على السَّوَيّةِ، ولذا قالَ "عليٌّ"َّه في الخوارجِ: ((إخوانُنَا بَغَوا علينا)(٧).
(١) صـ ١٣٨ - وما بعدها "در".
(٢) في "م": ((منهم)).
(٣) نقولُ: وقعَ التّحريفُ في "النّهر" عندَ ذِكرِهِ القَسْمَ الأوَّلَ من قُطَّاعِ الطّرِيقِ - وهم الخارجون بلا تأويل منعةٍ وبلا مَنَعةٍ إلخ - حيثُ
قال: ((وهم - أي قطّاعُ الطّريقِ - قسمان: قومٌ لهم تأويلٌ سواءٌ كان منهم منعةٌ أو لا إلخ)) وصوابُ العبارة أن تكون هكذا:
((قومٌ ليس لهم تأويلٌ إلخ))، وذلكَ لأُنْه إذا كان لهم تأويلٌ وانضمَّتْ إليه المنَعَةُ خرجُوا عن كونهم قطَّاعَ طريقٍ، فإمَّا أنْ
يكونوا بغاةً أو خوارجَ وِفْقَ ما بُيِّنَ مِنْ أصنافِ الخارجينَ عن "الإمام". انظر "النّهر": كتاب السِّير - باب البغاة ق ٢٣٨/ ب.
(٤) "الفتح": كتاب السِّير - باب البغاة ٣٣٤/٥.
(٥) "الإختيار": كتاب السِّير - فصل في الخوارج والبغاة ١٥١/٤.
(٦) "البدائع": كتاب السِّير - فصل: وأما بيان أحكام البغاة إلخ ١٤٠/٧.
(٧) أخرجه البيهقي في "الكبرى" ١٧٤/٨ في قتال أهل البغي - باب الدليل على أنَّ الفئة الباغية لا تخرج عن الإسلام، من طريق حُميد
ابن زنجويه ثنا يعلى بن عُبيد ثنا مِسْعَر عن عامر بن شَقِيْق عن شَقِيْق بن سَلَمة قال: قال رجل: من يَتَعرَّف البغلةَ يومٍ قُل المشركون؟
يعني: أهلَ النَّهْروان، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: مِنَ الشرك فَرُّوا، قال: فالمنافقون؟، قال: المنافقون لا يذكرون الله
إلا قليلاً، قال: فما هم؟ قال: (( قوم بَغَوا علينا فنُصِرْنا عليهم)). وأخرج ابن أبي شيبة ٧٠٧/٨ في كتاب الجمل - باب في مسير
عائشة، وعنه البيهقي ١٨٣/٨، من طريق يزيد بن هارون عن شَريك عن أبي العَنْبُس عن أبي البَخْتَري قال: سُئل علي يتد عن أهل
الجمل ..... فذكر نحوه، ثم قال: ((إخواننا بَغَوا علينا))، وشَرِيكٌ وإن اختلط بأَخَرَة إلا أن رواية يزيد والواسطيين عنه من قَديم
حديثه كما بَّن ذلك ابن حبان في "التقات"، وأبو البختري سعيدُ بن غَيْرُوز عن عليٍّ مرسل، لم يدر كه.
=
الجزء الثالث عشر
١٣٥
باب البغاة
لهم مَنَعةٌ، خَرَجوا عليه بتأويلٍ يَرَون أنَّه على باطلٍ كُفْراً ومعصيةً تُوجِبُ(١) قتالَهُ
بتأويلهم، يَستحِلُّون دماءَنا وأموالَنا، ويَسْبُون نساءَنا، ويُكفِّرون أصحابَ نِبِّنا مَ﴿،
وحُكمُهم حُكُمُ الْبُغاةِ بإجماعِ الفُقهاءِ.
[٢٠٥٥٧) (قولُهُ: لهم مَنَعَةٌ) بفتح الّونِ أي: عِزَّةٌ في قومِهِم فلا يَقْدِرُ عليهم مَن يريدُهم، "مِصباح"(٢).
[٢٠٥٥٨] (قولُهُ: بتأويلٍ) أي: بدليلٍ يُؤَوِّلونَهُ على خِلافِ ظاهرِهِ كما وقعَ للخَوَارِجِ الَّذِينَ
خَرَجوا من عَسْكَرِ "عليّ" عَلَيْهِ بزعمِهِم أَنَّه كَفَرَ هو ومَن معَهُ من الصَّحابةِ، حيثُ حَكَّمَ جماعةً في
أمرِ الحربِ الواقعِ بينَهُ وبينَ "معاويةً"، وقالوا: إن الحكمُ إِلَّ للهِ، ومذهبُهم: أنَّ مرتكبَ الكبيرةِ
كافرٌ، وأنَّ الَّحكيمَ كبيرةٌ لشُبَهِ قامَت لهم استدلُّوا بها، مذكورةٍ مع ردِّها في كتبِ العقائدِ.
مطلبٌ في أتباعِ "عبدِ الوهَّابِ"(٣) الخوارجِ في زماننا
[٢٠٥٥٩] (قولُهُ: ويُكفّرونَ أصحابَ نبِّنَا وَ﴿ّ) عَلِمْتَ أنَّ هذا غيرُ شرطٍ فِي مُسَمَّى الخوارجِ،
بل هو بيانٌ لمن خَرَجوا على سيدِنا "عليٍّ" رضيَ الله تعالى عنهُ، وإلاّ فيكفي فيهم اعتقادُهم كُفْرَ مَن
خَرَجوا عليهِ كما وَقَعَ في زمانِنا في أتباعِ "عبدِ الوهابِ" الَّذين خَرَجوا مِن نَجْدٍ، وتغلّبوا على الحَرَمِينِ
وكانوا يَنْتَحِلونَ مذهبَ الحنابلةِ، لكنَّهم اعتقدوا أنَّهم هم المسلمونَ وأنَّ مَن خالفَ اعتقادَهم
مُشرِكونَ، واستباحوا بذلكَ قتلَ أهلِ السَُّّةِ وقَتْلَ علمائِهِم حَتَّى كَسَرَ اللهُ تعالى شَوْكَتَهم وخَرَّبَ
بلادَهم وظَفِرَ بهم عساكرُ المسلمينَ عامَ ثلاثةٍ وثلاثينَ ومائتينٍ وألفٍ.
وأخرج البيهقي ١٨٢/٨ من طريق حفص بن غياث عن عبد الملك بن سَلْع عن عبد خير قال: سُئِلَ علي
عن أهل الجمل، فقال: ((إخوانُنا بَغَوا علينا فقاتلونا فقاتلناهم، وقد فاؤوا وقَبِلنا منهم)). وهذا إسناد قوي.
(١) في "ب": ((يوجب)) بالياء.
(٢) "المصباح المنير": مادة ((منع)) بتصرف.
(٣) محمد بن عبد الوهَّاب بن سليمان التّميمي النّجدي، الحنبليّ، صاحب الدعوة الوهابيّة في جزيرة العرب (ت ١٢٠٦ هـ).
("هدية العارفين" ٣٥٠/٢، "الأعلام" ٢٥٧/٦).
هذا ولا يخفى أن ما قاله المحشي "ابن عابدين" في أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب محكوم بالأوضاع السياسية
آنذاك مما يصعب فيه تمحيص الحقيقة، لكن مما يجب ذكره هنا أن الإفراط والغلوَّ والتفريط والتساهل كل ذلك مذمومٌ في
الدين، واستباحةُ قتل المسلم وتكفيره لأدنى شبهةٍ أمرٌ ممنوعٌ شرعاً، وصاحبه يخشى على إيمانه عملاً بما أخرجه البخاري
في صحيحه برقم (٦١٠٣ و٦١٠٤) باب مَنْ أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، عن أبي هريرة ◌َيُّه أن رسول الله
وَّ قال: ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما)).
على أنَّ التمسك بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح لهذه الأمة في القرون الثلاثة صاحبة الخيرية، والبعدَ =
حاشية ابن عابدين
١٣٦
باب البغاة
كما حقَّقَهُ في "الفتح"، وإنَّما لم تُكفِّرهم؛ لكونِه عن تأويلٍ وإنْ كان باطلاً، ..
مطلبٌ في عدمٍ تكفيرِ الخوارجِ وأهلِ البدعِ
[٢٠٥٦٠] (قولُهُ: كما حَقَّقَهُ في "الفتح"(١)) حيثُ قالَ: ((وحُكْمُ الخوارجِ عندَ جمهور الفقهاءِ
والمحدِّثِينَ حُكْمُ البغاةِ، وَذَهَبَ بعضُ المحدِّثينَ إلى كفرِهم، قالَ "ابنُ المنذر": ولا أعلمُ أحداً وافقَ
أهلَ الحديثِ على تكفيرِهم، وهذا يَقْتَضِي نَقْلَ إجماعِ الفقهاءِ، وقد ذَكَرَ في "المحيط" أنَّ بعضَ
الفقهاءِ لا يُكفّرُ أحداً من أهلِ البدعِ، وبعضَهم يُكفّرُ مَن خالفَ منهم ببدعتِهِ دليلاً قطعياً، ونَسَبَهُ
إلى أكثرِ أهلِ السُّةِ، والنَّقْلُ الأوَّلُ أَثْبتُ.
٣٠٩/٣
مطلبٌ: لا عِيْرةَ بغيرِ الفقهاءِ يعني: المجتهدينَ
نعم يَقَعُ في كلامِ أهلِ المذهبِ تكفيرٌ كثيرٌ لكنْ ليسَ من كلامِ الفقهاءِ الَّذينَ هم المجتهدونَ
بل من غيرِهم، ولا عِبْرةَ بغيرِ الفقهاءِ، والمنقولُ عن المجتهدينَ ما ذكرْنا، و"ابنُ المنذر" أعرفُ بنقلِ
مذاهبِ المجتهدينَ)) اهـ. لكنْ صَرَّحَ في كتابِهِ "المسايرة"(٢) بالاتّفاقِ على تكفيرِ المُخالِفِ فيما كانَ
مِن أصولِ الدِّينِ وضرورياتِهِ، كالقولِ بَقِدَمِ العالَمِ، ونَفْىِ حشرِ الأجسادِ [٣ ق٧٤ / ب]، ونَفْئِ العِلْمِ
بالجزئياتٍ، وأنَّ الخلافَ في غيرِهِ كَنَفْىِ مبادئِ الصِّفَاتِ، ونَفْي عُمُومِ الإرادةِ، والقولِ بَخَلْقِ القرآنِ
إلخ، وكذا قالَ في "شرح منية المصلي)(٣): ((إنَّ سابَّ الشَّيخينِ ومُنكِرَ خلافِهما ◌َمن بناهُ على
شبهةٍ لهُ لا يُكَفَرُ، بخلافِ مَن ادَّعى أنَّ "عليّا" إلهٌ وأنَّ "جبريلَ" غَلِطَ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ عن شُبْهةٍ
واستفراغٍ وُسْعٍ في الاجتهادِ بل مَحْضُ هوَّى)) اهـ. وتمامُهُ فيهِ.
قلتُ: وكذا يُكفَرُ قاذفُ "عائشةَ" ومُنكِرُ صُحْبةٍ أبيها؛ لأنَّ ذلكَ تكذيبُ صريحِ القرآنِ
= عن البدع المنكرة في الدين يعتبر أصلاً لا بدَّ منه وواجباً شرعياً لا محيد عنه، بل هو واجب الأمة كلّها علمائها وأمرائها وأفرادها
شريطة الاعتدال والوسطية في الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة بعيداً عن إثارة الفتنة وتمزيق الأمة وافتعال معارك
داخلها تؤدي إلى فتِّ عضدها وتوهين أمرها في عيون أعدائها، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنَزَ عُواْ فَنَفْشَلُواْوَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]،
وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّالَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْشِيَعَالَّسْتَ
مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةٌ وَحِدَةً وَأَنَاْرَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: ٩٢].
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب البغاة ٣٣٤/٥ باختصار.
(٢) انظر "المسامرة شرح المسايرة": بحث الإيمان - هل يشترط في الإيمان التبرِّي من كلِّ دين يخالفُ دينَ الإسلام صـ٣٦٤ -.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة - البحث الرابع: في الأولى بالإمامة صـ٥١٥ ..
الجزء الثالث عشر
١٣٧
باب البغاة
بخلافِ المُستحِلِّ بلا تأويلٍ كما مرَّ في بابِ الإمامةِ(١) (والإِمام يصيرُ إماماً) بأمرين:
(بالمبايَعَةِ مِن الأشرافِ والأعيانِ،
كما مرَّ(٢) في البابِ السَّابقِ.
[٢٠٥٦١] (قولُهُ: بخلافِ الْمُسْتَحِلِّ بلا تأويلٍ) أي: مَن يَستحِلُّ دماءً المسلمينَ وأموالَهم ونحوَ
ذلكَ مَّا كانَ قطعيَّ التّحريمِ، ولم يبنهِ على دليلٍ كما بناهُ الخوارجُ كما مرَّ(٣)؛ لأَنَّه إذا بناهُ على
تأويلِ دليلٍ من كتابٍ أو سنةٍ كانَ في زعمِهِ اتّبَاعَ الشَّرعِ لا مُعارضتَهُ ومُنابذتَهُ، بخلافٍ غيرِهِ.
[٢٠٥٦٢)] (قولُهُ: والإِمامُ) أي: الإمامُ الحقُّ الَّذي ذكرَهُ أوَّلاً، ولم يَذكُرْ شروطَهُ استغناءً بما
قدَّمَهُ في بابِ الإِمامةِ من كتابِ الصَّلاةِ، وقدَّمنا(٤) الكلامَ عليها هناكَ فراجعْها.
مطلبٌ: الإمامُ يصيرُ إمامً بالُبَايَعَةِ أو بالاستخلافِ ممن قبلَهُ
(٢٠٥٦٣] (قولُهُ: يصيرُ إمامً بالُبَايَعَةِ) وكذا باستخلافٍ إمامٍ قبلَهُ، وكذا بالتَّغَلَّبِ والقهرِ كما
في "شرح المقاصد"(٥)، قالَ في "المسايرة"(٦): ((وَيَتْبُتُ عقدُ الإِمامَةِ إمَّا باستخلافِ الخليفةِ إِيَّهُ كما
فَعَلَ "أبو بكرٍ " الظَُّه، وإمَّا بَيْعةِ جماعةٍ من العلماءِ أو من أهلِ الرَّأي والتّدبيرِ، وعندَ "الأشعريّ":
يكفي الواحدُ من العلماءِ المشهورينَ مِن أولي الرَّأي بشرطِ كونِهِ مَشْهَدِ شُهُودٍ؛ لدفعِ الإنكارِ إِنْ
وَقَعَ، وشَرَّطَ المعتزلةُ خَمسَةً، وَذَكَرَ بعضُ الحنفيَّةِ اشتراطَ جماعةٍ دونَ عددٍ مخصوصٍ)) اهـ.
ثمَّ قالَ(٧): ((لو تعذَّرَ وجودُ العلمِ والعدالةِ فيمَن تَصَدَّى للإِمامةِ، وكانَ فِي صَرْفِهِ - عنها - إثارةُ فتنةٍ
لا تُطاقُ حكمْنا بانعقادٍ إمامتِهِ كيلا نكونَ(٨) كمَن يَبْنِي قصراً وَيَهْدِمُ مِصْراً. وإذا تغلَّبَ آخرُ على
الْمُتَغْلِّبِ وقَعَدَ مكانَهُ انعزلَ الأَوَّلُ وصارَ الثَّاني إماماً، وتجبُ طاعةُ الإمامِ عادلاً كانَ أو جائراً(٩)
(١) ٥٣٢/٣ "در".
(٢) المقولة [٢٠٣٤٦] قوله: ((لكن في "النهر" إلخ)).
(٣) المقولة [٢٠٥٥٨] قوله: ((بتأويل)).
(٤) المقولة [٤٦٢٧] قوله: ((ويشترطُ كونه مسلماً إلخ)).
(٥) "شرح المقاصد": المقصد السادس في السمعيات - الفصل الرابع في الإمامة ٢٣٣/٥.
(٦) انظر "المسامرة شرح المسايرة": ما يثبت به عقد الإمامة صـ٣٢٦-٣٢٧ -.
(٧) انظر "المسامرة شرح المسايرة": لو تغلّب جاهلٌ بالأحكام أو فاسقٌ صـ٣٢٧ -٣٢٨-، باختصار.
(٨) في "ك" و"م": ((تكون)) بالتاء، وعبارة "المسامرة": ((يكون)) بالياء.
(٩) عبارة "المسايرة": ((أو فاجراً)).
حاشية ابن عابدين
١٣٨
باب البغاة
وبأنْ يَنْفُذَ(١) حُكمُه في رعيَّتِهِ خوفاً مِن قَهْرِهِ وحَبَروِهِ، فإِنْ بايعَ النَّاسُ) الإِمامَ (ولم
يَنفُذْ حُكْمُهُ فِيهم لعَجْزِهِ) عن قَهْرِهِم (لا يصيرُ إماماً، فإذا صار إماماً فجارَ لا يَنعزلُ
إنْ) كان (له قَهْرٌ وَغَلَبةٌ)؛ لعَودِهِ بالقَهرِ فلا يُفيدُ، (وإلَّ يَنعزِلْ به)؛ لأَنَّه مُفِيدٌ،
"خانية"(٢)، وتمامُهُ فِي كُتُبِ الكلام.
إذا لم يُخالِفِ الشَّرْعَ)). فقد عُلِمَ أَنَّه يصيرُ إماماً بثلاثةِ أمورٍ، لكنَّ الَّالثَ في الإِمامِ المُتَغْلِّبِ وإنْ لم تكنْ
فيهِ شروطُ الإِمامةِ، وقد يكونُ بالَّغُلُّبِ معَ الُبَايَعَةِ، وهو الواقعُ في سلاطينِ الزَّمانِ نَصَرَهم الرَّحمنُ.
(٢٠٥٦٤] (قولُهُ: وبأنْ ينفُذَ حُكْمُهُ) أي: يُشتَرطُ معَ وجودِ الُبَايَعَةِ نَفَاذُ حُكْمِهِ، وكذا هو
شرطٌ أيضاً معَ الاستخلافِ فيما يَظْهَرُ، بل يصيرُ إماماً بالتّغَلَّبِ ونفاذِ الحكمِ والقَهْرِ بدونٍ مُبَايَعَةٍ
أو استخلافٍ كما علمتَ.
[٢٠٥٦٥] (قولُهُ: فلا يُفِيدُ) أي: لا يُفِيدُ عزلُهُ.
مطلبٌ فيما يَستحِقُّ به الخليفةُ العزلَ
/ ٢٠٥٦٦] (قولُهُ: وإلاَّ ينعزلْ بهِ) أي: إنْ لم يكنْ لهُ قَهْرٌ ومَنَعَةٌ ينعزلْ به أي: بالجَورِ، قالَ
في "شرحِ المقاصد"(٣): ((يَنْحَلُّ عقدُ الإمامةِ بما يَزُولُ به مقصودُ الإمامةِ كالرِّدَّةِ والجنونِ المُطبِقِ
وصيرورتِهِ أسيراً لا يُرجَى خلاصُهُ، وكذا بالمرضِ الَّذي يُنسيهِ المعلومَ، وبالعَمَى والصَّمَمِ
والخَرَسِ، وكذا بخَلْعِهِ نفسَهُ لعَجْزِهِ عن القيامِ بمصالحِ المسلمينَ وإنْ لم يكنْ ظاهراً بل استشعرَهُ
مِن نفسِهِ، وعليهِ يُحمَلُ خَلْعُ "الحسنِ" نفسَهُ(٤)، وأمَّا خَلْعُهُ لنفسِهِ بلا سببٍ ففيهِ خلافٌ،
(١) في "ب": ((بأن ينفد)) بالدال، وهو تصحيف.
(٢) "الخانية": كتاب السِّير - باب الردَّة وأحكام أهلها - فصل فيما يبطله الارتداد ٥٨٤/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "شرح المقاصد": الفصل الرابع: في الإمامة ٢٣٢/٥.
(٤) خَلْعُ الحسنِ لَّهُ نفسَه، وتسليمُه معاويةَ تَ ◌ّهِ إصلاحاً بين المسلمين، وحَقْنَاً لدمائهم متواترٌ عن الحسن ◌َّه، وممن أخرجه
الطبري في "تاريخه"٧٧/٦ - ٧٨ من طريق ابن المبارك عن يونس عن الزهري مرسلاً، وعن علي بن محمد مرسلاً أيضاً، كما
أخرجه ابن أبي خيثمة كما في "الإصابة" ٣٣٠/١ عن ضمرة عن ابن شَوذَب ... فذكره مرسلاً، وأخرجه الخطيب كما في
"البداية والنهاية" لابن كثير ٢١/٨ من طريق زهير بن معاوية ثنا أبو رَوْق ثنا أبو الغَرِيف فذكر القصة، وأخرج ابن سعد
كما في "الإصابة" ٣٣٠/١ - ٣٣١ من طريق محالد عن الشعبي وغيره (ح) وعن حاتم بن أبي صُعَيرة عن عمرو بن
دينار ... فذكراه. وقال يعقوب بن سفيان الفسوي: ثنا سعيد بن منصور ثنا عون بن موسى سمعت هلال بن حيَّان ... رواه
الجميع بألفاظ متفاوتة مختلفة مؤداها صلحُ الحسنِ معاوية رضي الله عنهما، انظرها في مصادر التخريج المتقدمة.
الجزء الثالث عشر
١٣٩
باب البغاة
(فإذا خَرَجَ جماعةٌ مسلمون عن طاعتِهِ) أو طاعةِ نائبهِ الذي النّاسُ به في أمان، "درر"
(وغَلَبُوا على بَلَدٍ (١) دَعاهُم إليه).
وكذا في انعزالِهِ بالفِسْقِ، والأكثرونَ على أَنَّه لا يَنْعَزِلُ، وهو المختارُ من مذهبِ "الشَّافعيِّ" و"أبي
حنيفةً" رحمهما الله تعالى، وعن "محمَّدٍ" روايتانِ، ويَستحِقُّ العَزْلَ بالاتّفاقِ)) اهـ. وقالَ في
"المسايرة"(٢): ((وإذا قُلِّدَ عدلاً ثمَّ جارَ وفَسَقَ لا يَنعِلُ، ولكنْ يَستحِقُّ العَزْلَ إنْ لم يَستلزِمْ فِتْنَةً))
اهـ. وفي "المواقفِ" و"شرحِهِ"(٣): ((أَنَّ للأمَّةِ خَلْعَ الإِمامِ وعَزْلَهُ بسببٍ يُوجِبُهُ مثلَ أنْ يُوجَدَ منهُ ما
يُوجِبُ اختلالَ أحوالِ المسلمينَ وانتكاسَ أمورِ الدِّينِ كما كانَ لهم نَصْبُهُ وإقامتُهُ لانتظامِها
وإعلائِها، وإنْ أدَّى خَلْعُهُ إلى فتنةٍ احتُملَ أدنى المضرَّتَينِ)) اهـ.
[٢٠٥٦٧) (قولُهُ: فإذا خَرَجَ جماعةٌ مسلمونَ) فَيَّدَ بذلكَ؛ لأنَّ أهلَ الذِّمَّةِ إذا غَلَبوا على بلدةٍ
صاروا أهلَ حربٍ كما مرَّ، ولو قاتلونا معَ أهلِ البَغْي لم يكنْ ذلكَ نَقْضاً للعهدِ منهم، وهذا
لا يَرِدُ على "المصنّف"؛ لأَنّهم أتباعٌ للبُغاةِ المسلمينَ، "نهر "(٤)، أي: فلهم حُكْمُهم بطريقِ الَّعيَّةِ.
[٢٠٥٦٨] (قولُهُ: عن طاعتِهِ) أي: طاعةِ الإِمامِ، وقَّدَهُ في "الفتح "(٥): بأنْ يكونَ ((الَّاسُ به في
أمان والطُرقاتُ آمنةٌ)) اهـ. ومثلُهُ ما ذكرَهُ عن "الدُّر"(٦)، ووجهُهُ: أَنَّه إذا لم يكنْ [٣/ ق ١/٧٥]
كذلكَ يكونُ عاجزاً أو جائراً ظالماً يجوزُ الخروجُ عليه وعَزَّلُهُ إِنْ لم يلزمُ منهُ فِتْنَةٌ كما علمتَهُ آنفاً.
[٢٠٥٦٩] (قولُهُ: وغَلَبوا على بلدٍ) الظَّاهرُ: أنَّ ذكرَ البلدِ بيانٌ للواقعِ غالباً؛ لأنَّ المدارَ على
تجمُّعِهم وتَعَسْكُرِهم، وهو لا يكونُ إلاَّ فِي مَحَلِّ يظهرُ فيه قَهْرُهم، والغالبُ كونُهُ بلدةً، فلو تجمَّعوا
(١) في "ط": ((بلدة)).
(٢) "المسامرة شرح المسايرة": الإمامة - شروط الإمام صـ٣٢٣ -.
(٣) "شرح المواقف": الموقف السادس في السمعيات - المرصد الرابع في الإمامة ومباحثها - المقصد الثالث فيما تثبت به
الإمامة ٣٥٣/٨.
(٤) "النهر": كتاب السِّير - باب البغاة ق٣٣٨/ب نقلاً عن "الفتح".
(٥) "الفتح": كتاب السِّير - باب البغاة ٣٣٤/٥.
(٦) "الدرر": كتاب الجهاد - باب البغاة ٣٠٦/١.
حاشية ابن عابدين
١٤٠
باب البغاة
أي: إلى طاعتِهِ (وكَشَفَ شُبْهَتَهُم) استحباباً (فإنْ تَحَيَّزُوا مُجتمِعِين حَلَّ لنا قتالُهُم بَدْءاً
حتّى نُفرِّقَ جَمعَهُمْ)؛ إذِ الحكمُ يُدارُ على دليلِهِ وهو الاجتماعُ والامتناعُ. (ومَنْ دَعَاهُ
الإِمامُ إلى ذلك) أي: قتالِهِم (افْتُرِضَ عليه(١) إجابتهُ)؛ لأنَّ طاعةَ الإِمامِ فيما ليس
بمعصيةٍ فَرْضٌ، فكيف فيما هو طاعةٌ؟! "بدائع"(٢) (لو قادراً).
في برِّيَّةٍ فالحكمُ كذلكَ، تأمَّل.
[٢٠٥٧٠) (قولُهُ: أي: إلى طاعتِهِ) أشارَ إلى أنَّه على تقديرِ مضافٍ.
٣١٠/٣
[٢٠٥٧١) (قولُهُ: وكَشَفَ شُبْهِتَهم استحباباً) أي: بأنْ يسألَهم عن سببِ خروجهم، فإنْ
كانَ لظلمٍ منهُ أزالَهُ، وإنْ لدعوى أنَّ الحقَّ معَهم والولايةَ لهم فهم بُغاةٌ فلو قاتلَهم بلا دعوةٍ جازَ؛
لأَنّهم عَلِمُوا ما يُقاتلون عليه، كالمرتدِّينَ وأهلِ الحربِ بعدَ بلوغِ الدَّعوةِ، "بحر)"(٣).
[٢٠٥٧٢) (قولُهُ: فإنْ تَحَيَّزُوا مُجتمِعِينَ) أي: مالوا إلى جهةٍ مُجتمِعِينَ فيها أو إلى جماعةٍ، وهذا
في معنى قولِهِ: ((وغَلَبوا على بلدٍ))، فكانَ أحدُهما يُغني عن الآخرِ على ما قلنا.
(٢٠٥٧٣) (قولُ: حَلَّ لنا قِتَالُهم بَدْءً) هذا اختيارٌ لِما نقَلَهُ "خُوَاهَر زاده" عن أصحابنا أَنَّا
نبدأُهم قبلَ أنْ يبدؤونا؛ لأَنّه لو انتظرَ حقيقةَ قتالِهِم رَبَّما لا يُمكِنُهُ الدَّفَعُ، فُدارُ على الدَّليلِ ضرورةً
دفعٍ شرِّهم، ونَقَلَ "القُدوريُّ": ((أَنَّه لا يبدأُهم حَتَّى يبدؤوهُ))، وظاهرُ كلامِهم: أنَّ المذهبَ
الأَوَّلُ، "بحر "(٤)، ولو اندفعَ شرُّهم بأَهْوَنَ مِن القتلِ وَجَبَ بِقَدْرِ ما يندفعُ به شرُّهم، "زيلعيّ (٥).
مطلبٌ في وجوبِ طاعةِ الإمام
[٢٠٥٧٤) (قولُهُ: اقْتُرِضَ عليهِ إجابتُهُ) والأصلُ فيه: قولُهُ تعالى: ﴿ وَأُوْلِ اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]،
(قولُهُ: فكانَ أحدُهما يُغنِي عن الآخرِ على ما قلنا) على كلامِهِ يكونُ كلامُ "المصنّفِ" من بابِ
الأعمِّ بعدَ الأخصِّ، ولا يُغنِي الأوَّلُ عن الثّاني بل العكسُ، تأمَّل.
(١) في "ط": ((عليهم)).
(٢) "البدائع": كتاب السِّير - فصلٌ: وأمَّا بيان أحكام البغاة إلخ ١٤٠/٧.
(٣) "البحر": كتاب السِّير - باب البغاة ١٥١/٥ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب السِّير - باب البغاة ١٥٢/٥ بتصرف.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب السِّير - باب البغاة ٢٩٤/٣.