Indexed OCR Text
Pages 41-60
الجزء الثالث عشر
٤١
باب المرتد
بعدَ فواتِهِ فكذلكَ أُكِرِمَ بعودِ الحياةِ ووقتِ الإِيمانِ بعدَ فواتِهِ، وما قيلَ -: إنَّ قولَهُ تعالى: ﴿ وَلَا تُشْشَلُ
عَنْ أَضْحَبِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]: نَزَلَ فيهما - لم يَصِحّ(١)، وخبرُ "مسلمٍ"(٢): ((أبي وأبوكَ في النَّارِ))
= قال الخطيب: إبراهيم بن حَيَّن، كوفي في عداد المجهولين، والمُطْلِب صالح لا بأس به، وسويد تغيَّر بأَخَرة فروى أحاديث
منكرة. وأخرجه ابن شاهين، وعنه ابن الجوزي في "الموضوعات" ٣٥٥/١، وابن عساكر، وأبو القاسم الحَسْكاني كما
في "البداية" ٨٦/٦، والرافعي في "التدوين في أخبار قَزوين" ٢٢٦/٢، من طريق أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن
عُقدة، حدثنا أحمد ابن يحيى بن زكريا الأودي الصوفي، ثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي، عن عروة بن عبد الله
بن قُشير، قال: دخلت على فاطمة بنت علي ... ، ثم قال: فحدثتني أنَّ أسماء حدثتها أنَّ علياً ... فذكرته، قال عبد
الرحمن: وحدثني موسى الجُهني نحوه.
وعبد الرحمن بن شريك قال أبو حاتم: واهي الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يُخطيء، وعروة هذا ثقة،
وشريك: رواية غير الواسطيين عنه ضعيفةٌ؛ لأنه اختلط بأَخَرة، واتهم ابن الجوزي فيه ابنَ عقدة وهذا بعيد، والله أعلم.
(١) أخرج وكيع، وسفيان بن عيينة، وعبدُ بن حُميد، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" [البقرة - ١١٩]، وعبد الرزاق
في "تفسيره" ٥٨/١، والطبري في "تفسيره" (١٨٧٧) و(١٨٧٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١١٥١) من
طريق سفيان الثوري ووكيع عن موسى بن عُبيدة الرََّذي عن محمد بن كعب القُرَظي قال: كان النبيِمَ﴿ يسألُ
عن أبويه؛ يقول: ((ليت شعري ما فعل أبوايَ؟)) فنزلت ﴿وَلَا تُشْشَلُ عَنْ أَضْحَبِ الْجَحِيمِ﴾ قال: فما ذكرَهما حتّى
توفّاه اللهُ، قال السيوطي في "الدر": هذا مرسلٌ ضعيفُ الإِسناد اهـ، وموسى قال أحمد: لا تحلُّ الروايةُ عنه، منکرُ
الحديث، وقال ابن معين: لا يحتجُّ بحديثه روى مناكير، وقال أبو حاتم: منكرُ الحديث، وضعَّفه أبو داود
والترمذي والنسائي وابن عدي وغيرهم، وأخرجه ابن جرير (١٨٧٩) عن الحسين [سُنيد] حدثنا حجاج عن ابن
جُريج أخبرني داود بن أبي عاصم: ((أن النبي ◌ُّ ... )) نحوه، وسُنيد ضعيفٌ، وقال السيوطي في "الدر": معضلٌ
ضعيفٌ لا يقومُ به ولا بالّذي قبله حجةٌ، والله أعلم.
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٣) الإيمان - باب بيان أنَّ من مات على الكفر فهو في النار، وأبو داود (٤٧١٨) في السنة -
باب في ذراري المشركين، وأحمد ١١٩/٣، ٢٦٨، وأبو عوانة (٢٨٩)، وأبو يعلى (٣٥١٦)، والبيهقي في
"السنن" ١٩٠/٧، و"دلائل النبوة" ١٩١/١ من طريق حماد بن سَلَّمة عن ثابت عن أنس قال رجلٌ للنبي ﴾9: أين
أبي؟ قال: ((في النار)) قال: فَلَمَّا رأى ما في وجهه قال: ((إنَّ أبي وأباك في النَّار)). أخرجه الطبراني في "الكبير"
(٣٥٥٢) و(٣٥٥٣)، و١٨/ (٥٤٨) و(٥٤٩)، والطحاوي في "بيان مشكل الآثار" (٢٥٢٧)، وأبوالعيسوي
"المعرفة" (٢١٩٣)، وابن السكن كما في "الإصابة" ٣٣٧/١ من طريق علي بن مُسهر، وأبي خالد الأحمر، عن داود بعد
حاشية ابن عابدين
٤٢
باب المرتد
= ابن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن، عن عمران بن الحصين أنَّ أباه الحصينَ بنَ عُبيد أتى النبي # وكان
مشركاً فقال : أرأيت رجلاً كان يَقري الضيفَ ويصل الرحمَ مات قبلك - قال الطحاويُّ كأنّه يعني بذلك أباه -
فقال رسول الله﴿: ((إنَّ أبي وأباك في النار))، والعباس هو: ابن عبد الرحمن بن ربيعة بن الحارث لم يرو عنه
إلا داود، وسمَّاه في الإصابة: (ابن ذُرَيح) وهذا إمّا سهو قلم، أو خطأً وقع في إسناد ابن السَّكن والله أعلم.
وأخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" صـ١٢٠ -١٢١- عن رجاء بن محمد العُذْري، حدثنا عمران بن خالد بن
طليق بن محمد بن عمران بن حصين، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده وفيه: ((إنَّ أبي وأباك في النّار))، وعمران
ابن خالد ضعفه أبو حاتم، وقال أحمد : متروك الحديث. وله طرق أخرى عن عمران ليس فيها هذه اللّفظة.
وأخرجه الطبراني (٣٢٦)، وأبو نعيم في "المعرفة" (٥٤٣)، والبيهقي في "الدلائل" ١٩١/١، وذكره
الدارقطني في "العلل" ٣٣٤/٤، و"الأفراد" كما في "أطراف الغرائب" ق ١/٥٦، من طريق أبي نُعيم الفضل بن
دُكين، ومحمد ابن أبي نُعيم الواسطي، والوليد بن عطاء بن الأغر، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر
بن سعد، عن أبيه: جاء أعرابي إلى النبي ﴿ فقال: إنَّ أبي كان يصل الرَّحِم، وكان، وكان .... فأين هو؟ قال:
((في النَّار))، قال: فكأن الأعرابي وجد من ذلك، فقال: يا رسول الله فأين أبوك؟ قال: ((حيثما مررتَ بقبر
مشركٍ - كافرٍ - فبشره بالنّار)). قال ابن كثير في "البداية" ٣٤٢/٢: غريبٌ، ولم يخرجوه من هذا الوجه.
وأخرجه البزار في "البحر الزخار" (١٠٨٩)، وابن السُّني في "عمل اليوم والليلة" (٥٩٥)، والضياء المقدسي في
"المختارة" ٣٣٣/١، من طريق زيد بن أخزم، ومحمد بن عثمان بن مخلد، حدثنا يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد
به، وخالفهما محمد بن إسماعيل بن البختري حدثنا يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سالم عن
أبيه قال: ((جاء أعرابي ... )) نحوه، أخرجه ابن ماجه (١٥٧٣) في الجنائز - باب ما جاء في زيارة قبور المشركين.
قال البوصيري في "الزوائد": إسناد هذا الحديث صحيح اهـ. وواضح أنّه أخطأ إذ قال: (سالم)، وإنما
هو (عامر) قال الدار قطني في "الأفراد": تفرد به إبراهيم عن الزهري، وسئل أبو حاتم والدَّارقطني عن حديث
يزيد بن هارون، وابن أبي نُعيم الواسطي، عن إبراهيم به، فقال أبو حاتم: كذا رواه يزيد وابن أبي نُعيم ولا أعلم
أحداً يجاوز به الزهري غيرُهما، وإنما يروونه عن الزهري قال: ((جاء أعرابي إلى النبي {ٌ))، والمرسل أشبه. انظر
"العلل" لابن أبي حاتم ٢٥٦/٢.
وقال الدَّارقطني: يرويه ابن أبي نُعيم، والوليد بن عطاء، عن إبراهيم، وغيرهما يرويه عن إبراهيم بن سعد،
عن الزهري مرسلاً، وهو الصواب. لكنَّ متابعة أبي نُعيم الفضل بن دُكين تؤيّد أنَّ إبراهيمَ رواه هكذا وليس خطأ
من الرواة عنه.
وأخرجه عبد الرزاق عن معمر في "الجامع" (١٩٦٨٧) باب حديث النبي ◌ُ*، عن الزهري مرسلاً. ومعمر
أوثق في الزهري من إبراهيم. وأخرجه ابن السُّني (٥٩٤) من طريق يحيى بن يَمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي 8# قال: ((إذا مررتم بقبورنا وقبوركم من أهل الجاهلية فأخبروهم أنهم من
أهل النار)). ويحيى بن يمان سيِّئُ الحفظ.
الجزء الثالث عشر
٤٣
باب المرتد
وفيها(١) أيضاً: ((شَهدَ نصرانيان على نصراني أنَّه أسلمَ وهو يُنكِرُ، لم تُقبَلْ
شهادتُهُما، وكذا لو شَهِدَ رجلٌ وامرأتان من المسلمين)). وفي "النّوازلِ": ((تُقبَلُ
شهادةٌ رجلٍ وامرأتين على الإسلامِ، وشهادةُ نصرائّين على نصرانيٍّ بأنّه
أسلمَ)) اهـ. (وكلُّ مُسلمٍ ارتدَّ فَتَوبْتُهُ مقبولةٌ إلَّ) جماعةً: مَن تَكرَّرت رِدَّتُه على
ما مرَّ، و(الكافرَ بسَبِّ نَبِيِّ) من الأنبياءِ، فإنّه يُقْتَلُ حَدّاً، ولا تُقبَلُ تَوَبِّتُهُ .....
كانَ قبلَ علمِهِ)) اهـ. مُلحِّصاً، وقدَّمنا(٢) تمامَ الكلامِ على ذلكَ في بابِ نكاحٍ الكافرِ.
[٢٠٣١٩) (قولُهُ: وفيها أيضاً: شَهِدَ نصرانَّانِ إلخ) هذا ساقطٌ من بعضِ النَّسخِ، وسيذكرُّهُ(٣)
بعدَ قولِهِ: ((وكلُّ مسلمٍ ارتدَّ إلخ)).
[٢٠٣٢٠) (قولُهُ: على ما مرّ(٤)) أي: عن "الخانيّة " معزيًاً لـ"البلخيِّ"، لكنْ قدَّمنا أنَّ المرويّ
عن أصحابنا جميعاً خلاقُهُ.
مطلبٌ مهمٌّ في حكمٍ سابِّ الأنبياءِ
[٢٠٣٢١) (قولُهُ: الكافرَ بِسَبِّ نبِيٍّ) في بعضِ النَّسخِ: ((والكافرَ)) بواوِ العطفِ، وهو المناسبُ.
[٢٠٣٢٢] (قولُهُ: فإنَّه يُقْتَلُ حدًّا) يعني: أنَّ جزاءَهُ القتلُ على وجهِ كونِهِ حدًّا، ولذا عَطَفَ
عليهِ قولَهُ: ((ولا تُقبَلُ توبِتُهُ)) لأنَّ الحدَّ لا يَسقُطُ بالتّوبةِ، فهو عطفُ تفسيرِ، وأفادَ أَنَّه حكمُ
الدُّنيا، أمَّا عندَ اللهِ تعالى فهيَ مقبولةٌ كما في "البحر"(٥)، ثُمَّ اعلمْ أنَّ هذا ذكرَهُ "الشَّارحُ" مجاراةً
لصاحبِ "الدُّرر"(٦) و"البزَّازِيَّةُ(٧)، وإلاّ فسيذكرُ(٨) خلافَهُ ويأتي تحقيقُهُ.
(١) أي: في "الدرر والغرر": كتاب الكراهية والاستحسان - فصلٌ: مَنْ مَلَكَ أمة بشراء ونحوه ٣٢٥/١.
(٢) المقولة [١٢٥٥٣] قوله: ((ولدتُ من نكاحٍ لا من سفاحٍ)) وما بعدها.
(٣) ص ٨١ـ "در".
(٤) صـ ١٨ - "در".
(٥) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٥/٥-١٣٦.
(٦) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - فصل في الجزية ٢٩٩/١.
(٧) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأً ٣٢١/٦ (هامش "الفتاوى الهندية")
(٨) صـ٤٨- وما بعدها "در".
حاشية ابن عابدين
٤٤
باب المرتد
مُطْلقً، ولو سَبَّ اللهَ تعالى قُبَلَت؛ لأَنَّه حقُّ اللهِ تعالى، والأوَّلُ حقٌّ عبدٍ لا يزولُ بالتَّوبةِ،
ومَنْ شَكَّ في عَذابِه وكُفرِهِ كَفَرَ، وتمامُهُ في "الدرر" في فصلِ الجزيةِ مَعزِيّاً "للبزازيَّةِ"، وكذا
لو أبغضَهُ بالقلبِ، "فتح"(١) و "أشباه"(٢). وفي "فتاوى المُصنّفِ": ((ويجبُ إلحاقُ الاستهزاء
والاستخفافِ به؛ لتعلَّقِ حقّه أيضاً)) وفيها: ((سُئِلَ عمَّن قال لشَرِيفٍ :.
[٢٠٣٢٣) (قولُهُ: مُطْلقً) أي: سواءٌ جاءَ تائباً بنفسِهِ، أو شُهدَ عليهِ بذلكَ، "بحر "(٣).
[٢٠٣٢٤] (قولُهُ: أَنَّه حقُّ الله تعالى والأوَّلُ حقٌّ عبدٍ (٤) فيهِ: أنَّ حقَّ العبدِ لا يَسقُطُ إذا طالبَ
به كحدِ القذفِ، فلا بدَّ هنا من دليلٍ يَدُلُّ على أنَّ الحاكمَ لهُ هذهِ المطالبةُ ولم يَتْبُتْ، وإنَّا الّابتُ
أَنَّهِ﴿َّعفا عن كثيرينَ ثَمّن آذَوهُ وشتموهُ وَقَبِلَ إسلامَهم كأبي سفيانَ وغيرِهِ(٥).
[٢٠٣٢٥) (قولُهُ: وتمامُهُ فِي "الدُّر" (٦)) حيثُ قالَ - نقلاً عن "البَّازِيَّة)(٧): ((وقالَ "ابنُ سَحْنُونٍ"
المالكيُّ(٨): أجمعَ المسلمونَ أنَّ شاتمَهُ كافرٌ وحكمُهُ القتلُ، ومَن شكَّ في عذاِهِ وكُفْرِهِ كَفَرَ)) اهـ
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٣٢/٥.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب السِّير صـ٢١٩ - وما بعدها بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٦/٥ بتصرف.
(٤) في النسخ جميعها: ((لأنّه حقُّ عبدٍ))، وما أثبتناه هو عبارة الشَّارح، وقد نَّه عليه مصحِّح "ب" بقوله: ((لأنّه
حقُّ عبدٍ)) هكذا بخطه، والذي في الشارح: ((لأَنَّه حقُّ الله تعالى، والأوَّلُ حقُّ عبدٍ)) اهـ.
(٥) حيث عفا النبي ﴿ عن أهل مكةً، الذين طالما حاربوه، وآذوه، فقال لهم: ((ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: أخ
کریم، وابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء))، بل مَنَّ على أبي سفيان بن حرب، فقال: ((من دخل دار
أبي سفيان فهو آمن))، حتى صفوان بن أمية وعكرمة بنِ أبي جهل وابنِ أبي السرح، فقد عفا عنهم، وقَبِلَ
توبتهم، وكان قد عَفا مِن قبلُ عن كعب بن زهير ووحشيٍ قاتلٍ حمزةً، ممتثلاً قول الله تبارك وتعالى ﴿خذ العفو
وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾، فكلُّ من أسلم وأناب عفا عنه ◌ُ﴾﴿ وقَبِلَ إسلامه وتوبته.
وهذه السيرة العطرة لرسول الله 8 # تفيض بالمناقب الجليلة، والخصال الكريمة الجميلة التي لا تدل إلى على
عظمةٍ وأخلاق فاقت أخلاق البشر، بل قد أثنى الله عز وجل عليه بقوله ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
ولم نتوسع بتخريج هذا كله؛ لاستفاضته وشهرته، حيث أصبح معلوماً من الدين بالضرورة، والله أعلم.
(٦) انظر "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب الوظائف - فصل في الجزية ٣٠٠/١.
(٧) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأً ٣٢٢/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) أبو عبد الله محمد بن عبد السلام سحنون بن سعيد، المعروف بابن سَحْنون التنوخي (ت٢٥٦هـ، وقيل: ٢٦٥). ("سير
أعلام النبلاء" ٦٠/١٣، "الوافي بالوفيات" ٨٦/٣، "رياض النفوس" ٣٤٥/١، "شجرة النور الزكية" ٧٠/١).
الجزء الثالث عشر
٤٥
باب المرتد
لَعنَ اللهُ والدِيكَ ووالدِي الذين خلَّفوكَ، فأجاب: الجمعُ المضافُ يَعُمُّ مالم يَتحقَّقِ عَهْدٌ،
خلافاً "لأبي هاشم" و"إمامِ الحَرَمَين" كما في "جمع الجوامع)"(١)، وحينئذٍ فَعُمُّ حَضرةَ
الرِّسالةِ؛ فينبغي القولُ بِكُفْرِهِ، وإذا كَفَرَ بسَبِّه لا تَوبةَ له على ما ذَكرَهُ "البزَّازِيُّ)(٢)
وتَواردَهُ الشَّارحون، نعم لو لُوحِظَ قولُ "أبي هاشمٍ" و"إمامِ الحَرَمَين" باحتِمالِ العهدِ
فلا كُفْرَ، وهو اللَّقُ بِمَذهبنا؛ لتصريحِهِم بالميلِ إلى ما لا يُكفِّرُ))، وفيها: ((مَن نَقَصَ مَقامَ
الرِّسالةِ بقولِهِ بأنْ سَبَّه ◌َ﴿، أو بفِعلِهِ بأنْ بَغَضَهَ(٣) بقلبهِ، قُتِلَ حَدَّا كما مرَّ الَّصريحُ به))،
قلتُ: وهذهِ العبارةُ مذكورةٌ في "الشِّهَاء"(٤) للقاضي "عياض المالكيِّ"، نقَلَها عنهُ "البزَّازِيُّ" (٥)
وأخطأً في فهمِها؛ لأنَّ المرادَ بها ما قبلَ الَّوبةِ وإلاَّ لَزِمَ تكفيرُ كثيرٍ من الأئمَّةِ المجتهدينَ القائلينَ
بقبولِ تويتِهِ وسُقُوطِ القتلِ بها عنه، على أنَّ مَن قالَ: يُقْتَلُ وإِنْ تابَ يقولُ: إنَّه إذا تابَ لا يُعذّبُ
في الآخرةِ كما صرَّحوا به، وقدَّمناهُ(٦) آنفاً، فعُلِمَ أنَّ المرادَ ما قلناهُ قطعاً.
[٢٠٣٢٦] (قولُهُ: والدِيكَ ووالدِي الَّذِينَ خَلَّفوكَ) بكسرِ الدَّالِ على لفظِ الجمعِ فيهما أو في أحدِهما.
[٢٠٣٢٧)] (قولُ: فَعُمُّ حضرةَ الرِّسالةِ) أي: صاحبَها وَ﴿، وعليهِ لا يختصُّ الحكمُ بالشَّرِيفِ،
بل غيرُهُ مثلُهُ؛ لأنَّ آدمَ عليهِ السَّلامُ أبو جميعِ النَّاسِ ونوحٌ الأبُ الثَّاني.
[٢٠٣٢٨] (قولُهُ: باحتمالِ العَهْدِ) المفهومُ من العبارةِ السَّابقةِ أَنَّهما يقولان: بأَنَّه لا يَعُمُّ
وإنْ لم يتحقَّقْ عَهْدٌ.
[٢٠٣٢٩) (قولُهُ: فلا كُفْرَ) أي: لوجودِ الخلافِ في عمومِهِ وتحقَّقِ الاحتمالِ فيهِ.
(١) انظر شرح "جمع الجوامع" للمحلّي: الكتاب الأول: ومباحث الأقوال - مبحث العام ٤١٠/١-٤١١.
(٢) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأ إلخ - الفصل الثاني فيما يكون كفراً من المسلم
وما لا يكون - النوع الأول في المقدمة ٣٢١/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) في "و": ((أبغضه)).
(٤) "الشفا بتعريف حقوق المصطفى": القسم الرابع - الباب الأول: في تعريف ما هو في حقه ◌َّ سبٌّ أو نقص من
تعريض أو نصّ ٩٣٤/٢-٩٣٥ بتصرف.
(٥) نقول: بل ذكر "البزازيُّ" عبارة "ابن سحنون" السابقة، ولم يصرِّح بنقلها عن "الشفاء".
(٦) المقولة [٢٠٣٢٢] قوله: ((فإنه يقتل حدًّاً)).
حاشية ابن عابدين
٤٦
باب المرتد
لكنْ صَرَّح في آخِرِ "الشِّفاءِ": ((بأنَّ حُكمَه كالمرتدِّ)).
[٢٠٣٣٠] (قولُهُ: لكنْ صَرَّحَ في آخرِ "الشِّفاء" إلخ) هذا استدراكٌ على ما في "فتاوى المصنّف"،
وعبارةُ "الشِّفَاءِ"(١) هكذا: ((قالَ "أبو بكرِ بنُ المنذر"(٢): أجمعَ عوامُ أهلِ العلمِ على أنَّ مَن سَبَّ
النّبِيَّ :﴿ يُقْتَلُ، وَمّن قالَ ذلكَ "مالكُ بْنُ أنس" و"اللَّيثُ" و"أحمدُ" و"إسحقُ"، وهو مذهبُ
"الشَّافِعِيِّ"، وهو مُقْتضى قولِ أبي بكرٍ عَظُه(٣)، ولا تُقَبلُ توبْتُهُ عِندَ هؤلاءِ، ويمثلِهِ قالَ "أبو حنيفةً"
وأصحابُهُ و "النَّرِيُّ" وأهلُ الكوفةِ و"الأوزاعيُّ" في المسلمِ، لكنّهم قالوا: هي ردَّةٌ، وَرَوَى مثلَهُ
"الوليدُ بنُ مسلم" عن "مالك"(٤)، وروى "الطَّبري" (٥) مثلَهُ عن أبي حنيفةً" وأصحابِهِ فيمَن
تَنَفَّصَهُ(٦) ﴿ أُو بَرِئَ منهُ أو كذََّهُ)) اهـ.
وحاصلُهُ: أَنَّ نَقَلَ الإجماعَ على كفرِ السَّابِ، ثُمَّ نَقَلَ عن "مالك" ومَنْ ذُكِرَ بعدَهُ [٣/ ق٦٢/ب]
أَنَّه لا تُقَبَلُ توبتُهُ، فعُلِمَ أنَّ المرادَ من نقلِ الإجماعِ على قتلِهِ قبلَ الّبةِ، ثمَّ قالَ: ((ومثلِهِ قالَ "أبو
حنيفةً" وأصحابُهُ إلخ)) أي: قالَ: إِنَّه يُقْتَلُ يعني: قبلَ الَّوبةِ لا مطلقاً، ولذا استدركَ بقولِهِ: ((لكنّهم
قالوا: هي ردَّةٌ))، يعني: ليسَت حدًاً، ثمَّ ذَكَرَ أنَّ "الوليدَ" رَوَى عن "مالك" مثلَ قولِ "أبي حنيفةً"
فصارَ عن "مالك" روايتانِ في قَبولِ الّوبةِ وعدمِهِ، والمشهورُ عنه: العدمُ ولذا قدَّمَهُ، وقالَ في
"الشِّهاء"(٧) في موضعٍ آخرَ: ((قالَ "أبو حنيفةً" وأصحابُهُ: مَن بَرِئَّ مِن محمَّدٍ ﴿ أو كَذَّبَ بهِ فهو
مُرْتَدٍّ حلالُ الدَّمِ إلَّ أنْ يَرْجِعَ)) اهـ. فهذا تصريحٌ بما عُلِمَ من عبارتِهِ الأُولى، وقالَ(٨) في موضعٍ - بعدَ
(١) "الشفاء": القسم الرابع - الباب الأول في بيان ما هو في حقّهُمَا سبٌّ أو نقص ٩٣٣/٢.
(٢) تقدمت ترجمته ٤٨٤/٢.
(٣) أخرج الطبري في "تاريخه" ١٥٧/٤ من طريق سيف عن موسى بن عُقبة عن الضَّحَاك بن خليفة قال: وقع إلى المهاجر بن
أبي أُميّة امرأتان مغنيتان، غنت إحداهما بشتم رسول اله ﴿، فقطعَ يدها ونزع ثَنَّتها، فكتب إليه أبو بكر عته بلغني الذي
سِرْتَ به في المرأة التي تغنت وزمرت بشتيمة رسول الله ﴿، فلولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقتلها؛ لأن حدَّ الأنبياء ليس
يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلمٍ فهو مرتد، أو معاهدٍ فهو محارب غادر اهـ.
(٤) "الشفاء": ١٠١٩/٢.
(٥) في "٢" و"ب" و"م": ((الطبراني))، وهو تحريف.
(٦) في النسخ جميعها: ((ينقصه)) وما أثبتناه من "الشفاء".
(٧) "الشفاء": القسم الرابع - الباب الأول - فصلٌ: الوجه الثالث أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله وأتى به ٩٧٥/٢.
(٨) "الشفاء": القسم الرابع - الباب الثاني في حكم سابّه وشانئه إلخ ١٠١٩/٢.
الجزء الثالث عشر
٤٧
باب المرتد
٢٩٠/٣
أنْ ذَكَرَ عن جماعةٍ من المالكيَّةِ عدمَ قبولِ تويِهِ -: ((وكلامُ شيوخِنا هؤلاءِ مبنيٌّ على القولِ بقتِهِ حداً
لا كُفْراً، وأمَّا على رواية "الوليد" عن "مالك" ومَن وافقَهُ على ذلكَ مِن أهلِ العلمِ فقد صَرَّحوا أَنَّهُ
ردَّةٌ، قالوا: ويُستابُ منها، فإنْ تَابَ نُكْلَ، وإِنْ أَتَى قُتِلَ، فحكموا له بحكمِ المرتدِّ مطلقاً، والوجهُ
الأوَّلُ أشهرُ وأظهرُ)) اهـ. يعني: أنَّ قولَ "مالك" بعدمٍ قبولِ التَّوبةِ أشهرُ وأظهرُ مَّا رواهُ عنه
"الوليد"، فهذا كلامُ "الشِّفاء" صريحٌ في أنَّ مذهبَ "أبي حنيفةً" وأصحابِهِ القولُ بقبولِ الثَّويةِ كما
هو روايةٌ "الوليد" عن "مالك"، وهو أيضاً قولُ "الّوريّ" وأهلِ الكوفةِ و"الأوزاعيِّ" في المسلمِ،
أي: بخلافِ الذّمِّيِّ إذا سَبَّ فإِنَّه لا يُنْقَضُ عهدُهُ عندَهم كما مرَّ(١) تحريرُهُ في البابِ السَّابِقِ، ثمَّ إِنَّ
ما نقلَهُ عن "الشَّافعيِّ" خلافُ المشهورِ عنه، والمشهورُ: قبولُ الّوبةِ على تفصيلٍ فيهِ، قالَ الإِمامُ
خاتمةُ المجتهدينَ الشَّيخُ "تقيُّ الدِّينِ السُّكيُّ" في كتابِهِ "السَّيف المسلول على مَن سبَّ الرَّسولَ"(٢).
((حاصلُ المنقولِ عندَ الشَّافعيَّةِ: أَنَّه متى لم يُسلِمْ قُتِلَ قطعاً، ومتى أسلمَ فإنْ كانَ السَّبُّ قذفاً
فالأوجُهُ الثَّلاثةُ: هل يُقتَلُ أو يُحَلَدُ أو لا شيءَ؟ وإنْ كانَ غيرَ قذفٍ فلا أعرفُ فيهِ نقلاً للشَّافِعِيَّةِ
غيرَ قبولِ تويتِهِ، وللحنفيَّةِ في قبولِ تويتِهِ قريبٌ من الشَّافعيَّةِ، ولا يُوجَدُ للحنفيَّةِ غيرُ قبولِ التَّوبةِ،
وأمَّا الحنابلةُ فكلامُهم قريبٌ من كلامِ المالكيَّةِ، والمشهورُ عن "أحمد" عدمُ قبولِ تويتِهِ وعنهُ روايةٌ
بقبولها، فمذهبُهُ كمذهبِ "مالك" سواءٌ، هذا تحريرُ المنقولِ في ذلكَ)) اهـ مُلخَّصاً، فهذا أيضاً
صريحٌ في أنَّ مذهبَ الحنفيَّةِ القَبولُ، وأَنَّه لاقولَ لهم بخلافِهِ، وقد سبقَهُ إلى تقلِ ذلكَ أيضاً شيخٌ
الإسلامِ "تقيُّ الدِّين أحمدُ بنُ تَيمَيَّة الحنبليُّ" في كتابِهِ "الصَّارم المسلول على شاتم الرَّسولِ
◌َ﴿(٣) كما رأيتُهُ في نسخةٍ منه قديمةٍ عليها خطُّهُ حيثُ قالَ: ((وكذلكَ ذَكَرَ جماعةٌ آخرونَ
من أصحابنا - أي: الحنابلةِ - أَنَّه يُقتَلُ سابُّ الرَّسولِ لَ﴿. ولا تُقبَلُ توبتُهُ سواءٌ كانَ مسلماً
(١) المقولة [٢٠٢١٠] قوله: ((ويؤدّب الذّمي ويعاقب إلخ)).
(٢) "السَّيف المسلول على من سَبَّ الرسول": ص ١٧٤ -١٧٥-، لأبي الحسن علي بن عبد الكافي، تقي الدين السُّبكيّ
الأنصاري الشافعي (ت٧٥٦هـ). ("كشف الظنون" ١٠١٧/٢، "طبقات الشافعية الكبرى" ١٤٦/٦، "الدرر
الكامنة" ٦٣/٣، "هدية العارفين" ٧٢٠/١).
(٣) "الصَّارم المسلول": المسألة الثانية: إنه يقتل ولا يستتاب سواء أكان مسلماً أو كافراً صـ ٣- وما بعدها.
٠٠
حاشية ابن عابدين
٤٨
باب المرتد
ومُفادُهُ: قَبَولُ الّوبةِ كما لا يَخفى. زاد "المصنّفُ" في "شرحِهِ" (١): ((وقد سمعتُ مِن مفتي
الحنفيَّةِ بمصرَ شيخِ الإسلامِ "بنِ عبدِ العالِ"(٢): أنَّ "الكمالَ"(٣) وغيرَهُ تَبعوا "البزَّازيّ"(٤)،
أو كافراً، وعامَّةُ هؤلاءِلَّا ذكروا المسألةَ قالوا: خلافاً لـ "أبي حنيفةً" والشَّافعيّ"، وقولُهما أي: "أبي
حنيفةً" و"الشَّافِعِيِّ": إنْ كانَ مُسْلِماً يُستابُ، فإِنْ تَابَ، وإلاَّ قُلَ كالمرتدِّ، وإنْ كانَ ذِمِياً فقالَ "أبو
حنيفةً": لا يَنْقِضُ عهدُهُ))، ثُمَّ قالَ بعدَ ورقةٍ: ((قَالَ "أبو الخطّاب": إذا قَذَفَ أَمَّالنّبِيِّنَّ لا تُقَبلُ
توبُهُ، وفي الكافرِ إذا سبَّها ثمَّ أسلمَ روايتانٍ، وقالَ "أبو حنيفةً" و"الشَّافِعِيُّ": تُقَبلُ توبتُهُ في الحالينِ)) اهـ.
ثمَّ قالَ في محلِّ آخرَ(٥): ((قد ذكرْنا أنَّ المشهورَ عن "مالك" و"أحمد" أنّه لا يُستَابُ ولا يَسقُطُ القتلُ
عنهُ، وهو قولُ "اللّيثِ بنِ سعد"، وذكرَ القاضي "عياض"(٦) أَنَّه المشهورُ من قولِ السَّلْفِ وجمهورِ
العلماءِ، وهو أحدُ الوجهينِ لأصحابِ "الشَّافعيِّ"، وحُكِيَ عن "مالكٍ" و"أحمدَ" أَنَّهَ تُقَبَلُ توبْتُهُ، وهوَ
قولُ "أبي حنيفةً" وأصحابِهِ، وهو المشهورُ مِن مذهبِ "الشَّافعيِّ" بناءً على قبولِ توبةِ المرتدِّ)) اهـ. فهذا
صريحُ كلامِ القاضي "عياض" في "الشِّفاء" و"السُّبكيّ" و"ابنِ تيميَّة" وأئمَّةٍ مذهبِهِ على أنَّ مذهبَ
الحنفيَّةِ قبولُ الَّوبةِ بلا حكاية قولٍ آخرَ عنهم، وإِّ حَكَوا الخلافَ في بقَيَّةِ المذاهبِ، وكَفَى بهؤلاءِ
حَّةٌ لو لم يُوجَدِ النَّلُ كذلكَ في كتبِ مذهبِنَا الَّتي قبلَ "البزَّازِيِّ" ومَن تبعَهُ، معَ أنَّه موجودٌ أيضاً كماً
يأتي (٧) في كلامٍ "الشَّارِحِ" قريباً، وقد استوفيتُ الكلامَ على ذلكَ في كتابٍ سمَّتُهُ "تنبيهَ الولاةِ والحكامِ
على أحكامٍ شاتمٍ خير الأنامِ أو أحدٍ أصحابهِ الكرامِ عليهِ وعليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ(٨).
[٢٠٣٣١) (قولُهُ: ومُفادُهُ: قَبَولُ الَّوبةِ) أقولُ: بل هو صريحٌ ونصٌ في ذلكَ كما علمتَهُ.
(١) "المنح": کتاب الجهاد - باب في بيان أحكام المرتدين ١/ق ٢٥٤/ب بتصرف.
(٢) محمد بن عبد العال أمين الدين المصريّ (ت٩٧١هـ). ("كشف الظنون" ١٢٢١،١١٥٣/٢، "الكواكب السائرة"
٦٥/٣، "هدية العارفين" ٢٤٧/٢).
(٣) "الفتح": کتاب السِّیر - باب أحكام المرتدين ٣٣٢/٥.
(٤) "البزازية" كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأ - الفصل الثاني: فيما يكون كفراً من المسلم
وما لا يكون - النوع الأول في المقدمة ٣٢١/٦-٣٢٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الصَّارم المسلول": أقوال العلماء في توبة السَّاب وقبولها صـ٣١٣ -.
(٦) "الشفاء": القسم الرابع - الباب الثاني - في حكم سابّه وشائمه ومنتقصه ١٠١٥/٢.
(٧) ص٥٥- وما بعدها "در".
(٨) انظر الرِّسالة المذكورة ضمن "مجموع رسائل ابن عابدين": ٣١٤/١.
الجزء الثالث عشر
٤٩
باب المرتد
و "البزازيُّ" تَبِعَ صاحبَ "السَّيْفِ المسلولِ"(١) وعَزاهُ إليه، ولم يَعزُهُ لأحدٍ من
عُلماءِ الحنفيَّةِ».
(٢٠٣٣٢] (قولُهُ: و "البزَّازِيُّ" تَبِعَ صاحبَ "السَّيفِ المسلولِ") الَّذِي قَالَهُ "البزَّازِيُّ" (٢).
[٣/ق١/٦٣] ((أَنَّه يُقْتَلُ حدّاً ولا توبةَ لهُ أصلاً، سواءٌ بعدَ القدرةِ عليهِ والشَّهادةِ أو جاءَ تائباً من قِبَلٍ
نفسِهِ كالرِّديقِ؛ لأَنّه حدٌّ وَجَبَ فلا يَسقُطُ بالَّوبةِ، ولا يُتصوَّرُ فِيهِ خلافٌ لأحدٍ؛ لأَنَّ تعلّقَ بهِ حقُّ
العبدِ)) إلى أنْ قالَ: ((ودلائلُ المسألةِ تُعرَفُ في كتابِ "الصَّارِمِ المسلولِ على شاتمِ الرَّسولِ")) اهـ.
وهذا كلامٌ يقضِي منه غايةَ العجبِ، كيفَ يقولُ: ((لا يُتصوَّرُ فيه خلافٌ لأحدٍ)) بعدَ ما وَقَعَ فِيهِ
اختلافُ الأئمَّةِ المجتهدينَ معَ صدقِ النَّاقلينَ عنهم كما أسمعناكَ؟! وعَزْوُهُ المسألةَ إلى كتابٍ
"الصَّارم المسلول" وهو لـ "ابنِ تيميَّةَ الحنبليِّ " يَدُلُّ على أنَّه لم يتصفَّحْ ما نقلناهُ عنهُ من التَّصريحِ بأنَّ
مذهبَ الحنفيّةِ والشَّافِعَّةِ قَبُولُ الّوبةِ في مواضعَ متعدِّدَةٍ، وكذلكَ صَرَّحَ به "السُّبكيُّ" في "السَّيف
المسلولِ"، والقاضي "عياض" في "الشِّفاء"(٣) كما سمعتَهُ، معَ أنَّ عبارةً "البَزَّازِيِّ" بطُوْلِها أكثرُها
مأخوذٌ من "الشِّفاء"، فقد عُلِمَ أنَّ "البزَّازيَّ" قد تساهلَ غايةَ التّساهلِ في نقلِ هذهِ المسألةِ،
وليتَهُ - حيثُ لم يَنْقُلْها عن أحدٍ من أهلِ مذهبِنا بل استندَ إلى ما في "الشِّفاء" و"الصَّارم" -
أمعنَ النَّظرَ في المراجعةِ حتَّى يَرى ما هو صريحٌ في خلافِ ما فهمَهُ ثَمّن نَقَلَ المسألةَ عنهم،
ولا حولَ ولا قوةَ إلاَّ باللهِ العليِّ العظيمِ، فلقد صارَ هذا التَّساهلُ سبباً لوقوعِ عامَّةٍ
المتأخّرِينَ عنهُ في الخطأِ حيثُ اعتمدوا على نقلِهِ وقلَّدوهُ في ذلكَ، ولم يَنْقُلْ أحدٌ منهم
المسألةَ عن كتابٍ من كتبِ الحنفيّةِ، بل المنقولُ - قبلَ حدوثِ هذا القولِ مِن "البزَّازيِّ" في
كتبنا وكتبِ غيرِنا - خلاقُهُ.
(١) "الصارم المسلول": أقوال العلماء في توبة السَّاب وقبولها صـ٣١٣ -.
(٢) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأً - الفصل الثاني فيما يكون كفراً من المسلم وما لا يكون -
النوع الأول في المقدمة ٣٢١/٦ - ٣٢٢ بتصرف (هامش " الفتاوى الهندية").
(٣) "الشفاء": القسم الرابع - الباب الأول - فصلٌ: الوجه الثالث أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله وأتى به ٩٧٥/٢.
حاشية ابن عابدين
٥٠
باب المرتد
وقد صَرَّحَ في "النّتْفِ" و"مُعينِ الحُكَّام" و"شرحِ الطَّحاويّ" و"حاوي الزَّاهديِّ
وغيرِها: بأنَّ حُكمَه كالمرتدِّ، ولفظُ "النّتْفِ"(١): ((مَن سَبَّ الرَّسولَ ﴿ فَإِنَّه مُرتَدٌّ،
وحُكمُهُ حُكُمُ المُرْتَدِّ، ويُفعَلُ به ما يُفْعَلُ بالمرتدِّ))، انتهى.
(٢٠٣٣٣] (قولُهُ: وقد صَرَّحَ في "النُتف" إلخ) أقولُ: ورأيتُ في "كتابِ الخراجِ"(٢) لـ"أبي
يوسف" ما نصُّهُ: ((وأُما رجلٍ مسلمٍ سَبَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ أَو كَذَّبَهُ أو عابَهُ أو تنقَّصَهُ فقد كَفَرَ
باللهِ تعالى وبانَتْ منهُ امرأتُهُ، فإنْ تابَ وإلاَّ قُتِلَ، وكذلكَ المرأةُ، إلاَّ أنَّ "أبا حنيفةً" قالَ: لا تُقَتَلُ
المرأةُ وتُحَبَرُ على الإِسلامِ)) اهـ. وهكذا نَقَلَ "الخير الرَّمليُّ" في حاشيةِ "البحرِ": أنَّ المسطورَ في
كتبِ المذهبِ أنَّها ردَّةٌ وحكمُها حكمُها، ثُمَّ نَقَلَ عبارةَ "النّتْف" و"معينِ الحكَّام"، والعجبُ منهُ
أَنَّه أفَتَى بخلافِهِ في "الفتاوى الخيريَّةِ"(٣)، ورأيتُ بخطّ شيخ مشائِنا "السائحانيِّ" في هذا المحلِّ:
((والعجبُ كلُّ العجبِ حيثُ سَمِعَ "المصنّفُ" كلامَ شيخِ الإسلامِ - يعني: "ابنَ عبدِ العال" -
ورأى هذهِ النُّقولَ كيفَ لا يشطُبُ متَنَهُ عن ذلكَ؟! وقد أسمعَني بعضُ مشايخِي رسالةً حاصلُها:
أَنَّه لا يُقْتَلُ بعدَ الإِسلامِ، وأنَّ هذا هو المذهبُ)) اهـ. وكذلكَ كَبَ شيخُ مشائخِنا "الرَّحمتيُّ" هنا
على نسختِهِ: ((أنَّ مقتضى كلامِ "الشِّفاء" و"ابنِ أبي جمرة" في " شرح مختصرِ البخاريِّ"(٤)
في حديثٍ: ((إنَّ فريضةَ الحجِّ أدركَتْ أبي))(٥) إلخ أنَّ مذهبَ "أبي حنيفةً" و"الشَّافعيِّ"
٢٩١/٣.
(١) "النتف": كتاب المرتد وأهل البغي - سابعاً: سابّ الرسول ٦٩٤/٢.
(٢) "الخراج": فصل في حكم المرتدِّ عن الإسلام ص ١٨٢ - (ضمن "موسوعة الخراج").
(٣) "الفتاوى الخيرية": كتاب السِّير - باب المرتدين ١٠٢/١ -١٠٣.
(٤) المسمى "بهجة النفوس وغايتها بمعرفة ما لها وما عليها" شرح به كتابه "جمع النهاية في بدء الخير والغاية" وهو مختصر
"الجامع الصحيح" للإمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ).
والمختصر والشَّرْحُ كلاهما لأبي محمد عبد الله بن سعد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي المالكي (ت٦٧٥هـ ـ وقيل:
٦٩٩ هـ). ("كشف الظنون" ٢٩٥/١، ٥٤١، ٥٩٩، "نيل الابتهاج" ص ١٤٠-، "هدية العارفين" ٤٦٢/١).
(٥) تقدم تخريجه ٣٨٢/٧.
الجزء الثالث عشر
٥١
باب المرتد
حكمُهُ حكمُ المرتدِّ، وقد عُلِمَ أنَّ المرتدَّ تُقَبلُ توبتُهُ كما نقلَهُ هنا عن "النّتف" وغيرِهِ، فإذا كانَ
هذا في سابِّ الرَّسولِ ﴿ ففي سابِّ الشَّيخينِ أو أحدِهما بالأَولى، فقد تحرَّرَ أنَّ المذهبَ
كمذهبِ "الشَّافِعِيِّ " قَبَولُ تويتِهِ كما هو روايةٌ ضعيفةٌ عن "مالك"، وأنَّ تحتُّمَ قتلِهِ مذهبُ
"مالك" ، وما عداهُ فإنّه إمّا نقلُ غيرِ أهلِ المذهبِ أو طُرَّةٌ مجهولةٌ لم يُعلَمْ كاتبُها، فكنْ على
بصيرةٍ في الأحكامِ، ولا تَغْتَرَّ بكلِّ أمرٍ مستغربٍ وَتَغْفُلَ عن الصَّوَابِ، واللهُ تعالى أعلمُ)) اهـ.
وكذلكَ قالَ "الْحَمَويُّ" في "حاشية الأشباه"(١) نقلاً عن بعضِ العلماءِ: ((إنَّ ما ذكرَهُ صاحبُ
"الأشباه"(٢) مِن عدمٍ قَبولِ الّوبةِ قد أنكرَهُ عليهِ أهلُ عصرٍهٍ، وأنَّ ذلكَ إنَّا يُحفَظُ لبعضِ
أصحابِ "مالك" كما نقلَهُ القاضي "عياض" وغيرُهُ، أمَّا على طريقتِنا فلا)) اهـ. وذَكَرَ في آخرِ
كتابِ "نور العين": ((أنَّ العلاَّمةَ النّحرِيرَ الشَّهِيرَ "بحسام حلبي" أَلَّفَ رسالةً(٣) في الرَّدِّ على
"البزَّازيِّ"، وقالَ في آخرِها: وبالجملةِ قد تَّعْنا كتبَ الحنفيَّةِ فلم نَجِدِ القولَ بعدمٍ قَبولِ توبةٍ
السَّابِّ عندَهم سِوى ما في "البزَّازِيَّةِ"، وقد علمتَ بطلاَنَهُ ومنشأً غلطِهِ أوَّلَ الرِّسالةِ)) اهـ.
وسيذكرُ(٤) "الشَّارحُ" عن المحقّقِ المفتي "أبي السُّعودِ" النَّصريحَ بأنَّ مذهبَ الإمامِ الأعظمِ أَنَّه
لا يُقتَلُ إذا تابَ ويُكتَفَى بتعزيرِهِ، فهذا صريحُ المنقولِ عمَّ تقدَّمَ على "البزَّازيِّ" ومَن تبعَهُ،
ولم يستندْ هو ولا مَن تبعَهُ إلى كتابٍ من كتبِ الحنفيَّةِ، وإنَّا استندَ إلى فهمِ أخطأَ فيهِ حيثُ
نَقَلَ عمَّن صرَّحَ بخلافِ ما فهمَهُ كما قدَّمناهُ(٥)، [٣/ ق٦٣/ب] وإنْ أردتَ زيادةَ البيانِ في المقامِ
(١) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: في الفوائد - كتاب السِّير - باب الردَّة ١٩١/٢.
(٢) "الأشباه والنظائر" : : الفنُّ الثاني: في الفوائد - كتاب السِّير - باب الردَّة صـ ٢١٩ -.
(٣) لم نهتد إليها لعدم ذكر أسماء مؤلفاته في ترجمته انظر "الشقائق النعمانية": صـ ٢٨٤ -.
(٤) صـ٥٣- وما بعدها "در".
(٥) المقولة [٢٠٣٣٢] قوله: ((و"البزازيُّ" تبع صاحب "السَّفِ المسلولِ")).
حاشية ابن عابدين
٥٢
باب المرتد
وهو ظاهرٌ في قَبولِ تَويتِه كما مرَّ عن "الشِّفاء" اهـ، فليُحفظ. قلتُ: وظاهرُ "الشِّفاءِ"(١)
أنَّ قولَه: يا ابنَ ألفِ خِزِيرٍ، أو يا ابنَ مِائةٍ كلبٍ، وأنَّ قولَهُ لِها شِمِيٌّ: لَعَنَ اللهُ بني هاشمٍ
كذلك، وأنَّ شَتْمَ الملائكةِ كالأنبياء، فليُحرَّر. ومن حوادثِ الفَتوى: ما لو حَكَمَ حَنفيٌّ
بِكُفْرِهِ بسبٌّ نَبِيٌّ، هل للشَّافِعِيِّ أنْ يَحْكُمَ بقَبولِ تَوِهِ؟ الظَّهرُ: نعم؛.
فارجعْ إلى كتابنا "تنبيهِ الولاةِ والحكّامِ"(٢).
(٢٠٣٣٤) (قولُهُ: وهو ظاهرٌ في قَبولِ تويِهِ) المرادُ بقَبولِ الَّويةِ: في الدُّنيا بدفعِ القتلِ عنهُ، أمَّا
قبولُها في الآخرةِ فهو محلٌّ وِفَاقٍ، وَأَصْرَحُ منهُ ما قدَّمناهُ(٣) عن "كتابِ الخراج" لـ "أبي يوسف":
((فإنْ تَابَ وإلاَّ قُتْلَ)).
[٢٠٣٣٥] (قولُهُ: كذلكَ) أي: يكونُ شائماً لنبيِّ، لكنَّ قولَهُ: ((يا ابنَ مئةٍ كلبٍ)) إِنْ قَالَهُ
الشريفٍ فهو مُمكِنٌ فَيَجْرِي فيهِ الخلافُ المارُّ فِي قَبَولِ تويتِهِ وعدمِهِ، وإلاَّ فقد يكونُ له مئةُ أپٍ
ليسَ فيهم نبيٌّ، على أنَّه يُمكِنُ أنْ يكونَ مرادُهُ: أَنَّه اجتمعَ على أمِّ المشتومِ مائةُ كلبٍ أو ألفُ
خنزير فلا يدخلُ أجدادُهُ في ذلكَ، وحيثُ احتملَ الَّأويلَ فلا يُحكَمُ بالكفرِ عندَنا كما مرَّ(٤).
[٢٠٣٣٦) (قولُهُ: وأنَّ شَتْمَ الملائكةِ كالأنبياءِ) هو مُصرَّحٌ به عندَنا، فقالوا: إذا شَتَمَ أحداً
مِن الأنبياءِ أو الملائكةِ كُفِرَ، وقد علمتَ أنَّ الكفرَ بشتمِ الأنبياءِ كفرُ ردَّةٍ فكذا الملائكةُ، فإنْ
تابَ فبها، وإلاَّ قُتِلَ.
[٢٠٣٣٧] (قولُهُ: فليحرَّرْ قد علمتَ تحريرَهُ بما قَلْنا.
[٢٠٣٣٨] (قولُهُ: هل للشَّافِعِيِّ أنْ يَحْكُمَ بقبولِ تويِهِ؟) أي: في إسقاطِ القتلِ عنهُ، وهو مبنيٌّ
(١) "الشفاء": القسم الرابع - الباب الأول - فصل: الوجه الرابع أن يأتي من الكلام بمجمل إلخ ٩٨٠/٢ -٩٨٢.
(٢) "تنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام": الباب الأول في حكم ساب النبي محلّ صـ٣١٦ -. (ضمن
"مجموع رسائل ابن عابدين").
(٣) في المقولة السابقة.
(٤) المقولة [٢٠٣١٢] قوله: ((لا يُفتى بكفر مسلم أمكنَ حَمْلُ كلامه على مَحْمَلٍ حسنٍ)).
الجزء الثالث عشر
٥٣
باب المرتد
لأَنّها حادثةٌ أُخرى وإنْ حَكَمَ ثُموجَبِهِ، "نهر"(١). قلتُ: ثمَّ رأيتُ في "مَعروضاتِ"
المفتي "أبي السُّعودِ" سُؤالاً مُلخّصُه: ((أَنَّ طالبَ عِلمٍ ذُكِرَ عندَهُ حديثٌ نبويٌّ؛
فقال: أَكُلُّ أحاديثِ النّبِيِّ لَ﴿ْ صِدقٌ يُعمَلُ بها؟! فأجاب بأنَّه يُكفَرُ، أوَّلاً: بسببِ
استفهامِهِ الإنكاريِّ، وثانياً: بإلحاقِهِ الشَّيْنَ النّبِيِّ:﴿، ففي كُفرِهِ الأوَّلِ عن اعتقادٍ
يُؤمَرُ بتحديدِ الإِيمانِ فلا يُقْتَلُ، والثَّانِي يُفِيدُ الرَّدقةَ،.
على ما ذكرَهُ "البرَّزيُّ)(٢)، وقد علمتَ أنَّ أهلَ المذهبِ قائلونَ بقبول تويِهِ فلا وجهَ لِما ذكرَهُ اهـ
"ط "(٣)، وكذا قالَ "الرَّحمتيُّ": ((قد علمتَ أنَّ هذا ليسَ مذهباً للحنفيَّةِ كما نطقَتْ بهِ كتبُهم ونقلَهُ
عنهم الأئمَّةُ كالقاضي "عياض" و"بنِ أبي جمرة")).
[٢٠٣٣٩) (قولُهُ: لأَنَّها حادثةٌ أُخرى إلخ) يعني: أنَّ حكمَ الحنفيِّ بكفرِهِ بناءً على أنَّ مذهَبَهُ
عدمُ قبولِ الَّبِةِ لا يَرفَعُ الخلافَ في عدمٍ قبولِ الّوبةِ؛ لأنَّ عدمَ قبولِها حادثةٌ أُخرى لم يَحْكُمْ بها
الحنفيُّ، فَيَسُوعُ للشَّافِعِيِّ الحكمُ بقبولِها وإِنْ قالَ الحنفيُّ: حَكَمْتُ بالكفرِ ومُوجَبِهِ؛ لأنَّ مُوجَبَ
الكفرِ القتلُ إنْ لم يُتُبْ، وهو المتّفقُ عليهِ، ولا يلزمُ منهُ القتلُ أيضاً إنْ تابَ، على أنَّه له مُوجَّباتٌ
أُخَرُ من فسخ النكاحِ وحَبْطِ العملِ وغيرِ ذلكَ، فلا يكونُ قولُ الحنفيِّ: حَكَمْتُ بُوجَبِهِ حُكْماً
بقتِلِهِ وإِنْ تَابَ، فللشَّافعيِّ أنْ يَحْكُمَ بعدمٍ قَتِلِهِ إذا تابَ، والعجبُ من "الشَّارِحِ"- حيثُ نَقَلَ صريحَ
ما في كتبِ المذهبِ من أنَّ الحنفيَّ كالشَّافعيِّ في قبولِ تويِتِهِ - كيفَ جارى صاحبَ "النَّهرِ" في
هذهِ المسألةِ؟ فكانَ الصَّوابُ أنْ يُبدِّلَ الحنفيَّ بالمالكيِّ أو الحنبليِّ.
[٢٠٣٤٠) (قولُهُ: سؤالاً) مفعولُ: ((رأيتُ))، وفي بعضِ النّسخِ ((سؤالٌ)) بالرَّفعِ، وهو تحريفٌ.
[٢٠٣٤١)] (قولُهُ: فأجابَ: بأنَّه يُكفَرُ إلخ) قالَ "السَّائحانيُّ": ((أقولُ: هذا لا يَصدُرُ عن "أبي
(١) "النهر": کتاب السِّير - باب المرتدين ق٣٣٥/ب.
(٢) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأً - الفصل الثاني فيما يكون كفراً من المسلم وما لا يكون -
النوع الأول في المقدمة ٣٢٢/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٨٢/٢.
حاشية ابن عابدين
٥٤
باب المرتد
فَبَعدَ أَخذِهِ لا تُقبَلُ تَوبْتُه اتّفاقً فُيُقْتَلُ، وقبلَهُ اختُلِفَ في قَبولِ تَوِتِه، فعند "أبي حنيفةً":
تُقبَلُ فلا يُقتَلُ، وعند بقَّةِ الأئمَّةِ: لا تُقبَلُ ويُقتَلُ حَدَّا. فلذلك وَرَدَ أمرٌ سُلطانِيٌّ في سنةِ
(٩٤٤) لقُضاةِ الممالِكِ المحميّةِ برعايةِ رأيِ الجانبين بأَنَّه: إِنْ ظَهَرَ صَلاحُهُ وحُسنُ تَوِيِتِه
وإسلامِهِ لا يُقْتَلُ، ويُكتَفَى بِتَعزِيرِهِ وحَبْسِهِ عَملاً بقولِ "الإمامِ الأعظمِ"، وإنْ لم يكنْ
مِن أُناسٍ يُفهَمُ خَيْرُهُم يُقتَلُ عَملاً بقولِ الأئمَّةِ، ثمَّ في سنةِ (٩٥٥) تقرَّر هذا الأمرُ
بَآخَرَ، فيُنظَرُ القائلُ مِن أيِّ الفريقَين هو؟ فُعمَلُ مُقتضاهُ)) اهـ، فليُحفظ
السُّعود"؛ لأنَّ كلامَ القائلِ يَحْتَمِلُ أنَّ كلَّ الأحاديثِ الموجودةِ ليسَت صِدْقً؛ لأنَّ فيها الموضوعَ،
وهذا الاحتمالُ أقربُ مِن غيرِهِ، وتقدَّمَ(١) عن "الدُّررِ": إذا كانَ في المسألةِ وجوةٌ تُوجِبُ الكفرَ
ووجهٌ واحدٌ يمنعُهُ فعلى المُفِي الميلُ لِما يمنعُهُ، وقولُهُ: ((والّاني)) أي: إلحاقُ الشَّيْنِ يُفيدُ الرَّنْدَقَةَ،
أقولُ: لا إفادةَ فيه؛ لأنَّ الزَّندقةَ أنْ لا يتديَّنَ بدينٍ)) اهـ. وكَتَبَ "ط)(٢) نحوَهُ.
[٢٠٣٤٢) (قولُهُ: فَبَعْدَ أخذِهِ إلخ) تفريعٌ على كونِهِ صارَ زنديقاً.
وحاصلُ كلامِهِ: أنَّ الزِّديقَ لو تابَ قبلَ أخذِهِ - أي: قبلَ أنْ يُرفَعَ إلى الحاكمِ - تُقْبَلُ توبتُهُ
٢٩٢/٣ عندَنا، وبعدَهُ لا اتفاقً، ووَرَدَ الأمرُ السُّلطانِيُّ للقضاةِ بِأنْ يُنظَرَ في حالِ ذلكَ الرَّجلِ: إِنْ ظَهَرَ
حُسْنُ تويِهِ يُعمَلْ بقولِ "أبي حنيفةً"، وإلاَّ فبقولِ باقي الأئمَّةِ، وأنتَ خبيرٌ بأنَّ هذا مبنيٌّ على ما
مَشَى عليه القاضي "عياض" من مشهورِ مذهبِ "مالك"، وهو عدمُ قبولِ تويِهِ، وأنَّ حكمَهُ حكمُ
الرِّنديقِ عندَهم، وتَبِعَهُ "البزَّازِيُّ" كما قدَّمناهُ(٣) عنه، وكذا تَبَعَهُ في "الفتح"(٤)، وقد علمتَ أنَّ
صريحَ مذهبِنا خلاقُهُ كما صَرَّحَ به القاضي "عياض" وغيرُهُ.
(١) صـ ٣١ - "در".
(٢) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٨٢/٢.
(٣) المقولة [٢٠٣٣٢] قوله: ((و"البزازيُّ" تبعَ صاحبَ "السَّيفِ المسلولِ")).
(٤) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٠٩/٥.
الجزء الثالث عشر
٥٥
باب المرتد
ولِيكنِ التَّوفيقُ (أو) الكافرَ بسبِّ (الشَّيخَين، أو) بسبِّ (أحدِهِما) في "البحر"(١)
عن "الجوهرةِ"(٢) مَعزّاً لـ "الشَّهيد": ((مَن سَبَّ الشَّيخَين، أو طَعَنَ فيهما كَفَرَ،
ولا تُقبَلُ تَوبِتُهُ، وبه أَخَذَ "الدَّبُوسيُّ" و"أبو اللَّيثِ"، وهو المُختارُ للفَتوى)) انتهى.
وجَزَمَ به في "الأشباهِ"(٣)، وأقرَّهُ "المصنّفُ"(٤) قائلاً: ((وهذا يُقوِّي القولَ بعدَمٍ قَبولِ
تَوبةِ سابٌّ(٥) الرَّسُولِ مِ﴿).
(٠٣٤٣ ٢] (قولُهُ: وليكنِ التَّفِيقُ) أي: بَحَمْلِ ما مرَّ(٦) عن "النُّف" وغيرِهِ مِن أَنَّه يُفْعَلُ
بِهِ ما يُفعَلُ بالمرتدِّ على ما إذا تابَ قبلَ أخذِهِ، وحَمْلِ ما في "البزَّزيَّةِ" على ما بعدَ أخذِهِ،
وأنتَ خبيرٌ بأنَّ هذا التَّوفيقَ غيرُ ممكنٍ؛ لتصريحِ علمائِنا بأنَّ حكمَهُ حكمُ المرتدِّ، ولا شكَّ
أنَّ حكمَ المرتدِّ غيرُ حكمِ الزّنديقِ، ولم يُفضِّلْ أحدٌ منهم هذا التَّفصيلَ، ولأنَّ "البزَّازِيّ!
ومَن تابعَهُ قالوا: إنَّه لا توبةَ لهُ أصلاً سواءٌ بعدَ القدرةِ عليهِ والشَّهادةِ، أو جاءَ تائباً مِن قِبَلٍ
نفسِهِ كما هو مذهبُ المالكيَّةِ والحنابلةِ، فعُلِمَ أَنَّهما قولانٍ مختلفانٍ، بل مذهبانِ متباينانِ،
على أنَّ الرِّنديقَ الَّذي لا تُقبَلُ توبتُهُ بعدَ [٣/ق٤ ١/٦] الأخذِ هو المعروفُ بالرَّندقةِ الدَّاعي إلى
زندقِهِ كما يأتي(٧)، ومَن صدرَت منهُ كلمةُ الشَّتَمِ مرَّةً عن غيظٍ أو نحوِهِ لا يصيرُ زِنْدِيقاً
بهذا المعنى.
(١) "البحر": کتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٦/٥ باختصار.
(٢) لم نجده في "الجوهرة"، وانظر ما نقله "الحصكفي" عن "النهر" في الصحيفة الآتية.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - کتاب السِّير ص٢١٩-٢٢٠ -.
(٤) "المنح": كتاب الجهاد - باب المرتدِّ ١/ق ٢٥٥/أ.
(٥) في "و": ((مَنْ سَبَّ)).
(٦) صـ ٥٠ - "در".
(٧) المقولة [٢٠٣٧٣] قوله: ((المعروفُ)).
حاشية ابن عابدين
٥٦
باب المرتد
وهو (١) الذي ينبغي التّعويلُ عليه في الإفتاءِ والقضاءِ رِعايةً لجانبِ حَضرةِ المُصطَفى
﴿)) اهـ. لكنْ في "النهر": ((وهذا لا وُجودَ له في أصلِ "الجوهرةِ"، وإنَّما وُجِدَ على
هامشٍ بعضِ النَّسَخِ فَأُلحِقَ بالأصلِ مع أنَّه لا ارتباطَ له بما قبلَهُ)) انتهى
[٢٠٣٤٤] (قولُهُ: وهو الَّذي ينبغي الَعويلُ عليهِ) قلتُ: الَّذي ينبغي الَعويلُ عليهِ مَا نَصَّ عليهِ
أهلُ المذهبِ، فإنَّ اتّباعَنَا لَهُ واجبٌ، "ط"(٢).
[٢٠٣٤٥) (قولُهُ: رعايةً لجانبِ المصطفى وَ﴾ أقولُ: رعايةُ جانبهِ في اتّاعِ ما تَبَتَ عنهُ عندَ المجتهدِ.
مطلبٌ مهمٌّ في حكمٍ سابِّ الشَّیخینِ
[٢٠٣٤٦] (قولُهُ: لكنْ في "النَّهر"(٣) إلخ) قالَ "السَّيِّدُ الحَمَويُّ" في "حاشية الأشباه"(٤).
((حُكِيَ عن "عمر بنِ نجيم" أنَّ أخاهُ أفتى بذلكَ، فطُلِبَ منهُ النَّقِلُ فلم يُوجَدْ إلاَّ على طُرَّةٍ
"الجوهرة"، وذلكَ بعدَ حَرْقِ الرَّجلِ اهـ. وأقولُ: على فرضِ ثبوتِ ذلكَ في عامَّةٍ نسخِ "الجوهرة"
لا وجهَ له يظهرُ؛ لِما قدَّمناهُ(٥) مِن قَبَولِ توبةِ مَنْ سبَّ الأنبياءَ عندَنا خلافاً للمالكِيَّةِ والحنابلةِ، وإذا
كانَ كذلكَ فلا وجهَ للقولِ بعدمٍ قبولِ توبةِ مَن سَبَّ الشَّيخينِ، بل لم يَثْبُتْ ذلكَ عن أحدٍ من
الأئمَّةِ فيما أعلمُ)) اهـ. ونقلَهُ عنهُ "السَّيِّدُ أبو السُّعودِ الأزهريُّ" في "حاشية الأشباه"(٦)، "ط)"(٧).
أقولُ: نعم نَقَلَ في "البزَّازِيَّةِ (٨) عن "الخلاصة" (٩): ((أَنَّ الرَّافضيَّ إذا كانَ يَسُبُّ الشَّيخينِ
(١) في "و": ((وهو الجانب)) زيادة.
(٢) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٨٢/٢.
(٣) "النهر": كتاب السِّير - باب المرتدين ق ٣٣٥/ب.
(٤) "غمز عيون البصائر": كتاب السِّير - باب الرّدة ١٩١/٢ - ١٩٢.
(٥) المقولة [٢٠٣٣٠] قوله: ((لكن صرَّح في آخر "الشِّفاء" إلخ)).
(٦) تقدمت ترجمتها ١٢٢/٦.
(٧) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٨٢/٢.
(٨) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأً - الفصل الأول فيما يتّصل بها مما يجب إكفاره من أهل
البدع ٣١٩/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) "خلاصة الفتاوى": كتاب ألفاظ الكفر - الفصل الأول فيما يكون إسلاماً وفيما لا يكون ق ٣١٦/أ.
الجزء الثالث عشر
٥٧
باب المرتد
ويَلْعُهما فهو كافرٌ، وإنْ كانَ يُفَضِّلُ علّاً عليهما فهو مُبتدِعٌ)) اهـ. وهذا لا يستلزمُ عدمَ قبولِ الَّوبةِ،
على أنَّ الحكمَ عليه بالكفرِ مشكلٌ؛ لِما في "الإختيارِ"(١): ((أَتَّقَ الأئمَّةُ على تضليلِ أهلِ البدعِ أجمعَ
وتخطئتهم، وسبُّ أحدٍ من الصَّحابةِ وَبُغْضُهُ لا يكونُ كفراً لكنْ يُضَّلُ إلخ))، وذَكَرَ في "فتح
القدير"(٢): ((أنَّ الخوارجَ الَّذِينَ يَستحِلُّونَ دماءَ المسلمينَ وأموالهم ويُكفِّرُونَ الصَّحابةَ حكمُهم عندَ
جمهورِ الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ حكمُ البغاةِ، وَذَهَبَ بعضُ أهلِ الحديثِ إلى أنّهم مُرْتَدُّونَ، قالَ "ابنُ
المنذرِ": ولا أعلمُ أحداً وافقَ أهلَ الحديثِ على تكفيرِهم، وهذا يقتضي نَقْلَ إجماعِ الفقهاءِ، وذَكَرَ في
"المحيط" أنَّ بعضَ الفقهاءِ لا يُكفِّرُ أحداً من أهلِ البدعِ، وبعضَهم يُكفّرُونَ البعضَ، وهو مَن خالفَ
بدعتِهِ دليلاً قطعياً، ونسبَهُ إلى أكثرِ أهلِ السَِّّةِ، وَالنَّقلُ الأَوَّلُ أَثْبَتُ، و"ابنُ المنذرِ" أعرفُ بنقلِ كلامِ
المحتهدينَ، نعم يَقَعُ في كلامِ أهلِ المذهبِ تكفيرٌ كثيرٌ ولكنْ ليسَ مِن كلامِ الفقهاءِ الَّذِينَ هم
المجتهدونَ بل من غيرِهم، ولا عبرةَ بغيرِ الفقهاءِ، والمنقولُ عن المجتهدينَ ما ذكرْنا)) اهـ وما يزيدُ
ذلكَ وضوحاً ما صرَّحوا به في كتبهم متوناً وشروحاً مِن قولهم: ولا تُقبَلُ شهادةُ مَن يُظْهِرُ سَبَّ
السَّلِفِ، وتُقَبَلُ شهادةُ أهلِ الأهواءِ(٣) إلَّ الخَطَّبِيَّةَ(٤)، وقالَ "ابنُ مَلَك" في "شرح المجمع": ((وتُرَدُّ
شهادةُ مَن يُظْهِرُ سَبَّ السَّلفِ؛ لأَنْه يكونُ ظاهرَ الفسقِ، وتُقبَلُ مِن أهلِ الأهواءِ الجَبْرِ والقَدَرِ
والرَّفْضِ والخوارجِ(٥) والَّشبيهِ والتّعطيلِ)) اهـ. وقالَ "الزَّيلميُ)(٦): ((أو يُظهِرُ سَبَّ السَّلفِ - يعني:
الصَّالحينَ منهم - وهم الصَّحابةُ والَّابعونَ؛ لأنَّ هذهِ الأشياءَ تدلُّ على قُصُورٍ عقلِهِ وقلَّةِ مُرُوءِتِهِ،
(١) "الإختيار": كتاب السِّير - فصل في الخوارج والبغاة ١٥١/٤.
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب البغاة ٣٣٤/٥.
(٣) "أهل الأهواء": هم أهل القبلة الذين لا يكون معتقدُهم معتقدَ أهل السُّنَّة، وهم: الجَبْرية والقدريّة والرّوافض
والخوارج والمعطّلة والمشبّهة، وكل منهم اثنا عشرة فرقةً فصاروا اثنين وسبعين فرقة. ("التعريفات" صـ ٥٧-).
(٤) "الخطابيّة": هم أصحاب أبي الخطّاب الأسدي، قالوا: الأئمة أنبياءٌ، وأبو الخطّاب نبيُّ هؤلاء، وهؤلاء يستحلُون
شهادة الزور لموافقيهم على مخالفهم. ("التعريفات" صـ ١٣٤-).
(٥) قوله: ((والخوارج)) هكذا بخطّه، ولعلَّ الأنسب بما قبله وما بعده أنْ يقول: ((والخروج)) تأمل اهـ مصحِّح "ب".
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الشهادة - باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل ٢٢٣/٤.
حاشية ابن عابدين
٥٨
باب المرتد
ومَن لم يمتنعْ عن مثلِها لا يمتنعُ عن الكذبِ عادةً، بخلافِ ما لو كان يُخْفِي السَّبَّ)) اهـ. ولم يُعلِّلْ
أحدٌ لعدمٍ قبولِ شهادتِهم بالكفرِ كما ترى، نعم استثنوا الخطابيَّةَ؛ لأَنّهم يرونَ شهادةَ الزُّورِ لأشياءِهم
أو للحالفِ، وكذا نَصَّ المحدِّثُونَ على قبولِ روايةِ أهلِ الأهواءِ، فهذا فيمَن يَسُبُّ عامَّةَ الصَّحابةِ
ويُكفّرُهم بناءً على تأويلٍ لهُ فاسدٍ، فعُلِمَ أنَّ ما ذكرَهُ في "الخلاصة"(١) - مِن أَنَّه كافرٌ - قولٌ ضعيفٌ
مُخالِفٌ للمتونِ والشُّرُوحِ، بل هو مُخالِفٌ لإجماعِ الفقهاءِ كما سمعتَ، وقد أَلَّفَ العلاّمةُ "منلا عليّ
القاريُّ" رسالةً(٢) في الرَّدِّ على "الخلاصة"، وبهذا تعلَمُ قطعاً أنَّ ما عُزِيَ إلى "الجوهرة "- مِن الكفرِ معَ
عدمٍ قبولِ الّوبةِ على فرضِ وجودِهِ في "الجوهرة" - باطلٌ لا أصلَ لهُ ولا يجوزُ العملُ بهِ، وقد مرَّ(٣) أَنَّه
إذا كانَ في المسألةِ خلافٌ ولو روايةً ضعيفةً فعلى المُفِي أَنْ يَمِيلَ إلى عدمِ النَّكفيرِ، فكيفَ يَمِيلُ هنا إلى
الَّكفيرِ المخالفِ للإجماعِ فضلاً عن ميلِهِ إلى قتلِهِ وإنْ تابَ؟! وقد مرَّ(٤) أيضاً أنَّ المذهبَ قبولُ توبةٍ
سابِّ الرَّسولِوَ لَّفَكيفَ سابُّ الشَّيخينِ؟ والعجبُ مِن صاحبِ "البحر"(٥) حيثُ تساهلَ غايةً
التّساهلِ في الإفتاءِ بقتِهِ معَ قولِهِ: ((وقد ألزمتُ نفسي أنْ لا أُقْتِيَ بشيءٍ من ألفاظِ التَّكفيرِ المذكورةِ في
٢٩٣/٣ كتبِ الفتاوى))، نعم لا شكَّ في تكفيرِ [٣/ق٦٤/ب] مَن قَذَفَ السَّيِّدةَ "عائشةَ" رضيَ اللهُ تعالى
عنها، أو أنكرَ صحبةَ "الصِّدِيقِ" أو اعتقدَ الأُلُوهَيَّةَ في "عليٍّ"، أو أنَّ "جبريلَ" غَلِطَ في الوحْي أو نحوَ
ذلكَ من الكفرِ الصَّرِيحِ المخالفِ للقرآنِ، ولكنْ لو تابَ تُقَبَلُ توبتُهُ، هذا خلاصةُ ما حرَّرناهُ في كتابنا
"تنبيهِ الولاة والحكَّامِ" (٦)، وإنْ أردتَ الزِّيادةَ فارجعْ إليهِ واعتمِدْ عليهِ ففيهِ الكفايةُ لذوي الدِّرايةِ.
(١) انظر صـ ٥٦-٥٧ -.
(٢) المسّماة "سلالة الرِّسالة في ذَمِّ الرَّوافضِ من أهلِ الضَّلالة": ق/٥٨٢/أ، لعلي بن سلطان محمد، نور الدين
القاري الهرويّ (ت١٠١٤ هـ). ضمن "مجموع رسائل ملا علي القاري". ("إيضاح المكنون" ٢١/٢، "خلاصة
الأثر" ١٨٥/٣، "الفوائد البهية" صـ ٨-، "هدية العارفين" ٧٥٢/١).
(٣) صـ ٣١ - "در".
(٤) المقولة [٢٠٣٣٣] قوله: ((وقد صرَّح في "النتف")).
(٥) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٦/٥.
(٦) "تنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام": الباب الثاني - في حكم سابٌ أحد الصحابة رضيه ٣٣٥/١ وما بعدها
(ضمن "مجموع رسائل ابن عابدين").
الجزء الثالث عشر
٥٩
باب المرتد
قلتُ: ويكفينا ما مرَّ(١) من الأمرِ، فتدبَّر، وفي "المعروضاتِ" الَزُبُورةِ ما معناهُ: ((أنَّ
مَنْ قال عن "قُصوصِ الحِكَم" للشيخ "محيي الدِّين بنِ العَربيّ": إنَّه خارجٌ عن
الشَّريعةِ، وقد صنّفَه للإضلال، ومَن طالَعَه مُلحِدٌ، ماذا يَلزمُهُ؟ أجاب: نعم، فيه
كلماتٌ تُبَايِنُ الشَّرِيعَةَ، وَتَكَلَّفَ
[٢٠٣٤٧) (قولُهُ: ويكفينا إلخ) هذا مرتبطٌ بقولِهِ: ((وهذا يُقوِّي القولَ إلخ))، "ط"(٢)، والمرادُ
بالأمرِ الأمرُ السُّلطانِيُّ، وقد علمتَ ما فيهِ.
والحاصلُ: أَنَّ لا شكَّ ولا شبهةَ في كفرِ شاتمِ النّبِيِّ﴿ وفي استباحةِ قتلِهِ، وهو المنقولُ عن
الأئمَّةِ الأربعةِ، وإنّ الخلافُ في قبولِ تويتِهِ إذا أسلمَ، فعندَنا - وهو المشهورُ عندَ الشَّافِعَّةِ -
القَبولُ، وعندَ المالكيَّةِ والحنابلةِ عدمُهُ بناءً على أنَّ قتلَهُ حدٍّ أَوْ لا، وأمَّا الرَّفضيُّ سابُّ الشَّيخينِ
بدونِ قذفٍ للسِّيِّدَةِ "عائشةَ"، ولا إنكارٍ لصحبةِ "الصِّدِيقِ" ونحوِ ذلكَ فليسَ بكفرٍ فضلاً عن عدمٍ
قبولِ النَّبِةِ، بل هو ضلالٌ وبدعةٌ، وسيأتي(٣) تمامُهُ في أوَّلِ بابِ البغاةِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
مطلبٌ في حالِ الشَّيِخِ الأكبرِ سَيِّدي "محيي الدِّين بنِ عربيٍّ" نفعَنَا اللهُ تعالى بهِ
[٢٠٣٤٨) (قولُهُ: للشَّيْخِ "محبي الدِّينِ بنِ العربيّ") هو "محمَّدُ بنُ عليّ بنِ محمَّدٍ الحاتميُّ الطَّائِيُّ
الأندلسيُّ" ، العارفُ الكبيرُ ابنُ عربيٍّ، ويُقالُ: ابنُ العربيِّ، وُلِدَ س٦٠ منةَ، وماتَ في ربيعٍ
سـ٦٣٦سنةَ، ودُفِنَ بالصَّالِحَيَّةِ، وحسبُكَ قولُ "زَرُّوق (٤) وغيرِهِ مِن الفحولِ ذاكرينَ بعضَ فضلِهِ:
((هو أعرفُ بكلِّ فنٌّ من أهلِهِ))، وإذا أطلِقَ الشَّيخُ الأكبرُ في عُرْفِ القومِ فهو المرادُ، وتمامُهُ في "ط )(٥)
(١) صـ ٥٣- وما بعدها "در".
(٢) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٨٢/٢.
(٣) المقولة [٢٠٥٦٠] قوله: ((كما حقِّقه في "الفتح")).
(٤) أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد، شهاب الدين الشهير بزرُّوق البرنسيّ الفاسيّ المالكيّ (ت٨٩٩ هـ). ("جذوة
الاقتباس" صـ ٦٠-، "الضوء اللامع" ٢٢٢/١، "نيل الابتهاج" صـ ٨٤ -).
(٥) انظر "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٨٢/٢.
حاشية ابن عابدين
٦٠
باب المرتد
بعضُ الْمُتَصلِّفين لإرجاعِها إلى الشَّرعِ، لكنَّا تَيقنًا أنَّ بعضَ اليهودِ افتراها على الشَّيخِ
قدَّسَ اللهُ سِرَّه، فيجبُ الاحتياطُ بَتَركِ مُطالعةِ تلك الكلماتِ، وقد صَدَرَ أمرٌ سُلطانِيٌّ
بالنَّهي؛ فيجبُ الاجتنابُ مِن كلِّ وجٍ)) انتهى، فليُحفظ. وقد أثنى صاحبُ
"القاموس"(١) عليه في سؤالِ رُفِعَ إليه فيه، فَكَتَبَ: ((اللَّهمَّ أَنطِقِنا بما فيه رِضاكَ،
عن "طبقات الُناويّ"(٢).
[٢٠٣٤٩) (قولُهُ: بعضُ المُتَّصلّفينَ) أي: المتكلّفِينَ.
[٢٠٣٥٠] (قولُهُ: لكنَّ تيقنَّ إلخ) لعلَّ تيقُنُهُ بذلكَ بدليلٍ تَبَتَ عندَهُ، أو بسببِ عدمِ الطّلاعِهِ
على مرادِ الشَّيخِ فيها وأَنَّه لا يُمكِنُ تأويلُها، فتعَّنَ عندَهُ أَنَّها مفتراةٌ عليهِ كما وقعَ للعارفِ
"الشَّعرانيّ" أَنَّه افترى عليهِ بعضُ الحسَّادِ في بعضِ كتبِهِ أشياءَ مكفّرةً، وأشاعَها عنه حتّى اجتمعَ
بعلماءِ عصرِهِ، وأَخرَجَ لهم مسوَّدَةَ كتابِهِ الَّتي عليها خطوطُ العلماءِ فإذا هي خاليةٌ عمَّا افْتُرِيَ
عليهِ، هذا ومَن أرادَ شرحَ كلماتِهِ الَّتي اعترضَهَا الْمُنكِرُونَ فِليَرْجِعْ إلى كتابِ "الرَّدِّ المتين على
منتقص العارفِ محبي الدِّينِ" لـ"سيّدي عبدِ الغنيِّ النابلسيِّ"(٣).
(٢٠٣٥١) (قولُهُ: فَيَجِبُ الاحتياطُ إلخ) لأَنَّه إِنْ ثَبَتَ افتراؤُها فالأمرُ ظاهرٌ، وإلاَّ فلا يَفْهَمُ كلُّ
أحدٍ مرادَهُ فيها، فُخشَى على النَّاظرِ فيها من الإنكارِ عليهِ أو فهمٍ خلافِ المرادِ، وللحافظِ
"السُّيُوطيّ" رسالةٌ سمَّاها "تنبيهَ الغبيِّ بتبرئةِ ابنِ عربيٍّ"(٤) ذَكَرَ فيها أنَّ النَّاسَ افترقوا فيهِ فِرقتين:
(١) أي: الفيروزآبادي مجد الدين محمد بن يعقوب (ت٨١٧هـ)، في كتابه المسمى بـ "الاغتباط بمعالجة ابن الخياط" الذي
أُلَّفه بسبب سؤال سئل فيه عن الشيخ محبي الدين بن عربي قدس سرّه، ذكر ذلك صاحب "نفح الطيِّب" ونقل
صورة جوابه هذا، انظر "نفح الطيِّب": ١٧٦/٢ وما بعدها.
(٢) "الكواكب الدرِّية في مناقب السّادة الصوفية": الطبقة السابعة - محيي الدين بن عربي ١٥٩/٢-١٦٠، لمحمد بن
عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي زين الدين المناوي المصريّ الشافعي (ت١٠٣١ هـ). ("كشف الظنون"
١٥٢٢/٢، "خلاصة الأثر" ٤١٢/٢، "فهرس الفهارس" ٢/٢، "هدية العارفين" ٥١٠/١).
(٣) "الرَّدُّ المتين على منتقص العارف محيي الدين" لعبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي (ت١٤٣ ١ هـ).
("إيضاح المكنون" ٥٥٦/١، "سلك الدرر" ٣٠/٣، "هدية العارفين" ٥٩٠/١).
(٤) "تنبيه الغبيِّ في تنزيه ابن عربيّ": صـ١٧-٢٥-، لأبي الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السُّيوطي
(ت ٩١١ هـ). ("كشف الظنون" ٤٨٨/١، "الضوء اللامع" ٦٥/٤، "النور السافر" صـ٥٤-)، وجاء اسم الرسالة
في المطبوع "تنبيه الغبي في تخطئة ابن عربي".