Indexed OCR Text

Pages 761-780

الجزء الثاني عشر
٧٦٣
فصلٌ في الجزية
وفي "الخانية": ((تُميَّزُ (١) نِساؤُهُم لا عبيدُهُم بالگُسْتِیجِ.
قلتُ: لكنَّ الَّذي ذكرَهُ أصحابُ المتونِ في كتابِ الحظرِ والإِباحةِ: أنَّ الذِّمِّيَّ لا يُمنَعُ مِن
دخولِ المسجدِ الحرامِ وغيرِهِ، وذَكَرَ(٢) " الشَّارِحُ " هناكَ أنَّ قولَ "محمَّدٍ" و"الشَّافِعِيِّ" و"أحمدَ" المنعُ
مِن المسجدِ الحرامِ، فالظَّاهرُ: أنَّ ما في "السِّيرِ الكبيرِ" هو قولُ "محمَّدٍ" وحدَهُ دونَ "الإِمامِ"، وأنَّ
أصحابَ المتونِ على قولِ "الإمامِ"، ومعلومٌ: أنَّ المتونَ موضوعةٌ لنقلِ ما هو المذهبُ فلا يُعدَلُ عمَّا
فيها، على أنَّ الإِمامَ "السَّرخسيَّ" ذكرَ في "شرحِ السِّيرِ الكبيرِ"(٣) أنَّ أبا سفيانَ جاءَ إلى المدينةِ
ودخلَ المسجدَ(٤) ولذلكَ قصَّةٌ، قالَ: ((فهذا دليلٌ لنا على "مالكٍ" رحمَهُ اللهُ تعالى بمنعِهِ المشركَ مِن
أنْ يَدخُلَ شيئاً مِن المساجِدِ)) ثمَّ قالَ(٥): ((إنَّ "الشَّافعيّ" قالَ: يُمنعونَ مِن دخولِ المسجدِ الحرامِ
خاصَّةً؛ للآيةِ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسٌ﴾ [التوبة - ٢٨]، فأمَّا عندَنا لا يُمنَعُونَ كما لا يُمنَعُونَ
عن دخولِ سائرِ المساجدِ، ويستوي في ذلكَ الحربيُّ والذِّمِّيُّ إلخ)).
(٢٠١٧٦) (قولُهُ: وفي "الخانيَّةِ" إلخ) كانَ الأَولى تقديمَهُ على مسألةِ الاستيطانِ، ثمَّ إِنَّ ظاهرَهُ:
أنَّ نساءِهِمْ تُميَّزُ بالكُسْتِيجِ دونَ العبيدِ معَ أَنَّه ليسَ في عبارةِ "الخالَّةِ" (٦) ذِكْرُ النّساء أصلاً،
ونصُّها: ((ولا يُؤْخَذُ عبِيدُ أَهلِ الذَّمَّةِ بِالْكُسْتِيْجَاتٍ)) وهكذا نَقَهُ عنها في "البحر"(٢) و"النّهر"،
(١) في "و": ((وتميز))، وفي "ط": ((تمييز)).
(٢) انظر "الدر" عند المقولة [٣٣٢٠٦].
(٣) "شرح السِّير الكبير": باب دخول المشركين المسجد ١٣٤/١ -١٣٥.
(٤) أخرجه ابن إسحاق في "المغازي" مرسلاً، وعنه ابن هشام في "السِّيرة" ٣٩٦/٤، والطبري في "تاريخه" ٢٨٩/٣،
والبيهقي في "الدلائل" ٨/٥ كما روياه عن موسى بن عقبة مرسلاً، وانظر "البداية والنهاية" ٣٢٠/٤.
وقد ربط رسول الله﴿ ثُمامة - وكان مشركاً - في سارية المسجد، كما تقدم، وكان رسول الله { ﴿ يُنزِلُ وفود
النصارى والمشركين في المسجد لِعَرْضِ الإسلام عليهم.
(٥) "شرح السِّير الكبير": باب دخول المشركين المسجد ١٣٤/١ -١٣٥.
(٦) "الخانية": كتاب السِّير - فصل في أهل الذمة وما يؤخذ منهم من الجزية ٥٩٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٣/٥.

حاشية ابن عابدين
٧٦٤
فصلٌ في الجزية
(الذّيُّ(١) إذا اشترى داراً) أي: أرادَ شِراءَها (في المِصْرِ لا ينبغي أنْ تُبَاعَ منه، فلو اشترى
يُحَبَرُ على بَعِها من المُسلمِ)،
وعبارةُ "النَّهر "(٢): ((قالوا: ويجبُ أنْ تُمَّزَ نساؤُهم أيضاً عن نسائِنا في الطُّرقاتِ والحمَّاماتِ،
وفي "الخانيَّة": ولا يُؤخَذُ عبيدُ أهلِ الذِّمَّةِ بالكُسْتِيْحَاتٍ)) اهـ.
مطلبٌ فِي سُكْنَى أَهلِ الذِّمَّةِ معَ المسلمينَ في المِصْرِ
[٢٠١٧٧) (قولُهُ: الدِّمِّيُّ إذا اشترى داراً إلخ) قالَ "السَّرْخسيُّ" في "شرح السِّيرِ"(٣):
((فَإنْ مَصَّرَ الإِمامُ في أراضيهم للمسلمينَ كما مصَّرَ عمرُ ◌َّه البصرةَ والكوفةَ(٤)، فاشترى
بها أهلُ الذِّمَّةِ دُوْرً وسَكَنوا معَ المسلمينَ لم يُمنَعُوا مِن ذلكَ، فإنَّا قَبِلْنا منهم عقدَ الذِّمَّةِ
لَقفُوا على محاسنِ الدِّينِ فعسى أنْ يُؤْمنوا، واختلاطُهم بالمسلمينَ والسَّكَنُ معَهم يُحقّقُ هذا
المعنى، وكانَ شيخُنا الإِمامُ "شمسُ الأئمَّةِ الحَلْوانِيُّ" يقولُ: هذا إذا قُّوا(٥) وكانَ بحيثُ لا
تتعطَّلُ جماعاتُ المسلمينَ، ولا تَنَقَلَّلُ الجماعةُ بسُكْنَاهُم بهذهِ الصِّفَةِ، فأمَّا إذا كَثُروا على
وَجْهٍ يُؤدِّي إلى تعطيلِ بعضِ الجماعاتِ أو تقليلِها مُنِعوا مِن ذلكَ، وأُمروا أنْ يسكنوا ناحيةً
ليسَ فيها للمسلمينَ جماعةٌ، وهذا محفوظٌ عن "أبي يوسفَ" في "الأمالي")) اهـ.
[٢٠١٧٨] (قولُهُ: أي: أرادَ شراءها) إنَّا فسَّرَهُ بهذا لقولِهِ بعدُ: ((لا ينبغي أنْ تُبَاعَ منهُ))، "طُ)(٦).
(١) في "و": ((والذّميُّ)).
(٢) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق٣٣٣/ب.
(٣) "شرح السِّير الكبير": باب ما لا يكون لأهل الحرب من إحداث الكنائس والبيعِ وبَيعِ الخمور ١٥٣٦/٤-١٥٣٧ بتصرف.
(٤) قال الطبري في "تاريخه" ٤١٦/٤: وزعم سيف أن البصرة مُصِّرت في ربيع سنة ست عشرة. وانظر "البداية والنهاية" ٥٦/٧.
وقال ابن جرير الطبري ٤٢٤/٤ قال بعضهم فيها مصر سعد بن أبي وقاص الكوفة، دلَّهم عليها ابن بقيلة، قال
لسعد: أدلك على أرض ارتفعت عن البقِّ وانحدرت عن الفلاة، فدلهم على موضع الكوفة اليوم، وسعد والي
سيدنا عمر على الكوفة آنذاك. وانظر "البداية والنهاية" ٦٠/٧.
(٥) في "ك": ((قبلوا))، وهو تحريف.
(٦) "ط": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٤٧٣/٢.

الجزء الثاني عشر
٧٦٥
فصلٌ في الجزية
وقيل: لا يُجَبَرُ إلَّ إذا كَثُرَ (١)، "درر "(٢). قلت: وفي "مَعُرُوضاتِ" المفتي "أبي السُّعودِ" من
كتابِ الصَّلاةِ: ((سُئِلَ عن مسجدٍ لم يَقَ في أطرافِهِ بيتُ أحدٍ من المسلمين، وأحاطَ به
الكَفَرَةُ، فكان الإمامُ والمؤذِّنُ فقط لأجلِ وظيفتِهِما يَذهبان إليه فُؤذِنان ويُصلّيان به، فهل
تَحِلُّ لهم الوظيفةُ؟ فأجاب بقوله: تلك الْبُيُوتُ يأخُذُها المسلمونَ بقِيمِتِها حَبْراً على الفَوْرِ،
وقد وَرَدَ الأَمرُ الشَّرِيفُ السُّلطانِيُّ بذلك أيضاً، فالحاكمُ لا يُؤْخِّرُ هذا أصلاً))، وفيها(٣)
من الجهاد: ((وبعد أن وَرَدَ الأمرُ الشَّرِيفُ السُّلطانِيُّ بعدَمِ استخدامِ الذِّمِّينَ للعبيدِ والجَوارِي
لو استخدمَ ذِمِيٌّ عَبدً أو جاريةً ماذا يَلزَمُه؟ فأجاب: يَلزمُهُ التَّعزيرُ الشَّديدُ والَحَبْسُ؛ ....
[٢٠١٧٩] (قولُهُ: وقيلَ: لا يُجَبَّرُ إلَّ إذا كَثُرَ) نقلَهُ في "البحر "(٤) عن "الصُّغْرى" بعدَ أنْ نَقَلَهُ
عن "الخالنَّة "(٥) بلا تقييدٍ بالكثرةِ، ولكنْ لم يُعبِّرْ عنهُ بـ: ((قيلَ))، ولا يخفى أنَّ هذا القيدَ يَصُلُحُ
توفيقاً بينَ القَولينِ، وهذا قولُ "شمسِ الأَئِمَّةِ الحَلْوانِيِّ" كما علمتَهُ آنفاً، ومَشَى عليهِ في
"الوهبائَّة"(٦) وشرحِها، وكذا قالَ "الخيرُ الرَّملِيُّ": ((إِنَّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُعوَّلَ عليهِ النَّفصيلُ، فلا
نقولُ بالمنعِ مطلقاً، ولا بعدهِهِ مطلقاً، بل يدورُ الحكمُ على القَلَّةِ والكثرةِ والضَّررِ والمنفعةِ، وهذا هو
الموافقُ للقواعدِ الفقهيَّةِ، فتأمَّل)) اهـ.
[٢٠١٨٠) (قولُهُ: فأجابَ إلخ) هذا الجوابُ مبنيٌّ على اختيارِ "الحَلْوانِيِّ" وغيرِهِ، قالَ "طـ)(٧).
((ولم يُجِبْ عن المسؤولِ عنهُ، وجوابُهُ: أَنَّهما يَستحقَّانِ الوظيفةَ لقيامِهما بالعملِ)) اهـ.
٢٧٥/٣
(١) في "و": ((كثرت)).
(٢) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب الوظائف - فصل في الجزية ٢٩٩/١.
(٣) أي: في "معروضات" المفتي أبي السعود.
(٤) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٤/٥.
(٥) "الخانية": كتاب السِّير - فصل في أهل الذمة وما يؤخذ منهم من الجزية ٥٩١/٣ (هامش "الفتاوى الهندية")
معزياً للإمام "محمد".
(٦) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السِّير ق١٤٢/ب - ١٤٣/أ.
(٧) "ط": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٤٧٣/٢.

حاشية ابن عابدين
٧٦٦
فصلٌ في الجزیة
ففي "الخانيةِ": ويُؤمَرون بما كان استخفافاً(١) لهم، وكذا تُميَّزُ دُوْرُهم عن دُوْرِنا)).
انتهى، فليحفظ ذلك (وإذا تَكَارَى أهلُ الذّمةِ دُوْراً فيما بين المسلمين لِيَسكُنوا فيها) في
المِصْرِ (جاز)؛ لعَودِ نَفْعِهِ إلينا(٢)، ولِيَرَوا تَعامُلَنا فيُسلِموا (بشرطِ عدَمِ تَقَلِيلِ الجماعاتِ
سُكْنَاهُم) شَرطَهُ "الإِمامُ الحَلْوانِيُّ" (فإِنْ لَزِمَ ذلك من سُكْنَاهُمْ أُمِروا بالاعتزال عنهم
والسُّكْنَى بناحيةٍ ليس فيها مُسلمون) وهو محفوظٌ عن "أبي يوسفَ"، "بحر"(٣) عن
"الدَّخيرة". وفي "الأشباهِ"(٤): ((واختُلِفَ في سُكْناهُم بيننا في المِصْرِ، وَالْمُعتمدُ: الجوازُ في
مَحَلَّةٍ خاصّةٍ)) انتهى، وأقرَّه "المصنّفُ"(٥) وغيرُهُ،.
قلتُ: وَإِنَّا تَرَكَهُ لظُهُورهِ وتنبيهاً على ما هو الأهمُّ، فهو من أسلوبِ الحكيمِ، كما في قولِهِ
تعالى: ﴿يَسْشَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة - ١٨٩]، الآيَةَ.
(٢٠١٨١) (قولُهُ: ففي "الخانيّة"(٦) إلخ) أي: والاستخدامُ المذكورُ يُنافِي الاستخفافَ.
(٢٠١٨٢) (قولُهُ: وإذا تَكَارَى إلخ) شُرُوعٌ في الكِراءِ بعدَ الفراغِ مِن الشِّرَاءِ، وظاهرُ كَلامِ
"المصنّفِ" الفرقُ بينَهما، وهو مبنيٌّ على القولِ بالجَيْرِ على البيعِ مطلقاً، وقد علمتَ أنَّ المعوَّلَ عليهِ
القولُ بالتّفصيلِ، فلا فرقَ بينَ الكِراءِ والشّراءِ [٣ ق١/٥٣] ، بل أصلُ العبارةِ المذكورةِ إِنَّا هو في
الشّراءِ كما نقلناهُ آنفاً(٧) عن "السَّر خسيّ".
(٢٠١٨٣) (قولُهُ: في المِصْرِ) الظَّاهرُ: أَنَّه غيرُ قيدٍ بعدَ اعتبارِ الشَّرطِ المذكورِ.
٢٠١٨٤١] (قولُهُ: ليسَ فيها مُسْلمونَ) هو في معنى ما مرَّ(٧) مِن قولِهِ: ((ليسَ فيها للمسلمينَ
(١) في "و": ((استحقاقاً))، وهو تحريف.
(٢) في "و": ((علينا)).
(٣) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٤/٥.
(٤) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث - الجمع والفرق - أحكام الذمي صـ ٣٨٧ -.
(٥) "المنح": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١/ق ٢٥٢/ب.
(٦) "الخانية": كتاب السِّير - فصل في أهل الذّمة وما يؤخذ منهم من الجزية ٥٩٠/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) المقولة [٢٠١٧٧] قوله: ((الذمي اشترى داراً إلخ)).

الجزء الثاني عشر
٧٦٧
فصلٌ في الجزية
لكنْ ردَّه شيخُ الإسلامِ "جُوِي زاده"، وحَزَمَ بأَنَّه فَهِمَ خَطاً؛ فكأنّه فَهِمَ من النَّاحيةِ المَحَلَّةَ،
وليس كذلك؛ فقد صَرَّحَ "التّمرتاشيُّ" في "شرحِ الجامعِ الصغيرِ" بعدما نَقَلَ عن "الشَّافعيّ":
جماعةٌ))؛ لأنَّ مِن شأن المسلمينَ إقامةَ الجماعةِ.
[٢٠١٨٥] (قولُ: لكنْ ردَّهُ إلخ) وعبارتُهُ - كما رأيتُهُ فِي "حاشيةِ الْحَمَويّ" وغيرِها - : ((قولُهُ:
((فِي مَحَلَّةٍ خاصَّةٍ)) هذا اللَّغْظُ لم أَجِدْهُ لأحدٍ، وإنَّ الموجودُ في الكتبِ أنَّ الجوازَ مقَّدٌ بما ذكرَهُ
"الحَلْوانِيُّ" بقولِهِ: هذا إذا قُلُّوا بحيثُ لا تتعطَّلُ بسببِ سُكْناهم جماعاتُ المسلمينَ ولا تتقلَّلُ، أمَّا
إذا تعطّلَت أو تقلّلت فلا يُمكَّنُونَ مِن السُّكْنَى فيها، ويَسْكُونَ في ناحيةٍ ليسَ فيها للمسلمينَ
جماعةٌ، فكأنَّ المصنّفَ فهمَ من النَّحيةِ المَحَلَّةَ، وليسَ كذلكَ، بل قد صَرَّحَ "التَّمرتاشيُّ" في "شرح
الجامع الصَّغيرِ لـ بعدَ ما نقلَ عن "الشَّافعيّ" أَنَّهم يُؤْمَرونَ ببيعِ دُوْرِهم في أمصارِ المسلمينَ والخروجِ
عنها وبالسُّكْنَى خارجَها لئلاَّ تكونَ لهم مَنَعَةٌ كمنعةِ المسلمينَ - بمنعِهم عن أنْ تكونَ لهم مَحَلَّةٌ
خاصَّةٌ، حيثُ قالَ بعدَ ما ذكرناهُ نقلاً عن "النّسفيِّ": والمرادُ - أي: بالمنعِ المذكورِ عن الأمصارِ -
أنْ يكونَ لهم في المصرِ، مَحَلَّةٌ خاصَّةٌ يَسْكُنونَها ولهم فيها مَنَعةٌ كمَنَعةِ المسلمينَ، فأمَّا سُكْناهم
بِينَهم وهم مَقْهُورونَ فَلا كذلكَ)) اهـ.
قلتُ: وقولُهُ: (تَنْعِهِمْ)) متعلّقٌ بقولِهِ: ((صرَّحَ))، وقولُهُ: ((حيثُ قالَ)) أي: "النُّمرتاشيُّ)".
وحاصلُ كلامِهِ: أنَّ المَحَلَّةَ مِن جُمْلةِ المِصْرِ، معَ أنَّ "الحَلْوانِيَّ" قالَ: ((لا يُمكّنونَ من
السُّكْنى فيها، أي: في المصْرِ، وَيَسْكُنونَ في ناحيةٍ إلخ))، فهو صريحٌ بأنّه إذا لزِمَ تقليلُ الجماعةِ
(قولُهُ: قولُهُ: ((فِي مَحَلَّةٍ خاصَّةٍ)) هذا اللَّفَظُ لم أَجِدْهُ لأحدٍ إلخ) قالَ "الرَّحْمَيُّ": ((وحاصلُ اعتراضِهِ:
أنَّ صاحبَ "الأشباه" جَوَّزَ لهم في مَحَلَّةٍ خاصَّةٍ، والمنقولُ في الفقهِ: أَنَّه يجوزُ بناحيةٍ في المِصْرِ ليسَ فِي سُكْناهُم
بها تَرْكُ جماعةِ المسلمينَ ولا تقليلُها، وأنَّ "النَّسفيَّ" نصَّ على أنَّهم يُمنَعونَ من سُكْنَاهُمْ فِي مَحَلَّةٍ خاصَّةٍ،
والظّهرُ في جوابِ اعتراضِهِ: أنَّ لا فرقَ بينَ الَحَلَّةِ والنَّاحيةِ، والَّذي أجازَها صاحبُ "الأشباه" هي النَّاحيةُ
المذكورةُ في كلامِهِ بشرطِ أنْ لا تَظْهَرَ لهم بها مَنَعَةٌ عارضةٌ وأنْ يكونوا مَقْهُورِينَ تحتَ يدِ المسلمينَ، وَأنَّ المَحَّةَ
الَّتِي منعَها "النَّسفيُّ" هي الموصوفةُ بقولِهِ: لهم فيها مَنَعَةٌ عارضةٌ إلى آخرِ ما ذكرَهُ، وهذا النَّفِيقُ يَظْهَرُ من
كلامٍ "حُوي زاده " لمن تأمَّل)) اهـ. "سنديّ". وقال أيضاً: ((فالحاصلُ: أَنَّ أهلَ الذِّمَّةِ إذا سكنوا بينَ المسلمينَ
بوصفِ القَهْرِ لا يُمنعونَ ولو كانوا في مَحَلَّةٍ خاصَّةٍ، وأمَّا إذا كانَت لهم مَنَعَةٌ - كما أفادَهُ "التَّمرتاشيُّ" أو لزِمَ

حاشية ابن عابدين
٧٦٨
فصلٌ في الجزية
أَنَّهم يُؤمَرُون بَيْعِ دُوْرِهم في أمصارِ المسلمين والخروج عنها وبالسُّكْنَى(١)
خارِجَها؛ لئلاّ يكونَ لهم مَحَلَّةٌ خاصّةٌ، نقلاً عن "النّسفيِّ"، ((والمرادُ : - أي: بالمنعِ
المذكورِ عن الأمصارِ - أنْ يكونَ لهم في المِصرِ مَحلَّةٌ خاصّةٌ يَسكُنونَها، ولهم فيها
مَنَعَةٌ عارضَةٌ كَمَنَعَةِ المسلمين، فأمَّا سُكْنَاهُم بينهم وهم مَقْهُورونَ فلا كذلك، كذا
في "فتاوى الأُسكوبيِّ"(٢)، فليُحفظ
يسكنونَ في ناحيةٍ خارجةٍ عن الِصْرِ فهي غيرُ المَحَلَّةِ، وصريحُ كلامِ "التَّمرتاشيِّ" أيضاً منعُهم عن
أنْ يكونَ لهم مَحَلَّةٌ خاصَّةٌ في المِصْرِ وإنَّا يسكنونَ بينَهم مَقْهُورينَ، يعني: إذا لم يلزمُ تقليلُ
الجماعةِ، فتحصَّلَ مِن مجموعِ كلامِ "الحلوانيّ" و "النُّمرتاشيّ": أَنَّه إذا لَزِمَ من سُكْناهم في المِصْرِ
تقليلُ الجماعةِ أُمروا بالسُّكْنى في ناحيةٍ خارجَ المِصْرِ ليسَ فيها جماعةٌ للمسلمينَ(٣)، وإنْ لم يلزمْ
ذلكَ يسكنونَ في المِصرِ بينَ المسلمينَ مَقْهُورِينَ، لا في مَحَلَّةٍ خاصَّةٍ في المِصْرِ؛ لأَنَّه يلزمُ منهُ أنْ
يكونَ لهم في مِصرِ المسلمينَ مَنَعَةٌ كمَنَعةِ المسلمينَ بسببِ اجتماعِهم في مَحَلِّهِم، فافهم.
[٢٠١٨٦) (قُولُهُ: أَنَّهم يُؤْمَرُونَ) مفعولُ ((نقلَ))، "ط " (٤).
[٢٠١٨٧] (قولُهُ: نقلاً) حالٌ مِن فاعلِ ((صرَّحَ)) بتأويلِ اسمِ الفاعلِ. اهـ "ح"(٥).
[٢٠١٨٨] (قولُهُ: والمرادُ) الأوضحُ أنْ يقولَ: بأنَّ المرادَ، ويكونُ متعلّقاً بـ ((صرَّحَ))، "ط ) (٦).
[ ٢٠١٨٩] (قولُهُ: ولهم فيها مَنَعَةٌ) الواوُ للحالِ، وَالَنَعَةُ بفتحِ النُّونِ: جمعُ مانعٍ، أي: جماعاتٌ
من سكناهُم تقليلُ الجماعةِ كما أفادَهُ "صاحب الذَّخيرة " - فلا يُمكَّونَ منها ولو في مَحَلَّةٍ خاصَّةٍ، بل يُؤْمِرونَ
بالاعتزالِ بناحيةٍ كقريةٍ ليسَ فيها مسلمونَ، ومن هنا علمتَ أنَّ قولَ "صاحب الأشباه" - : والمعتمدُ: الجوازُ في
محلَّةٍ خاصَّةٍ - يُحمَلُ على ما إذا لم تكنْ لهم مَنَعَةٌ، وهو لا يُنافِي ما صَرَّحَ به "النَّمرتاشيُّ"، والله أعلمُ)).
(١) في "د": ((والسكنى)) وفي "ط" و"و": ((وبالخروج عنها وبالسكنى)).
(٢) "فتاوى الأُسكوبيّ" لـ بير محمد بن عبد الله القَسْطَمونيّ (ت١٠٢٠ هـ) ("إيضاح المكنون" ١٥٥/٢، "خلاصة الأثر" ٤٥٦/١).
(٣) في "ك": ((جماعة المسلمين)).
(٤) "ط": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٤٧٤/٢.
(٥) "ح": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ق ٢٦٤/ب.
(٦) "ط": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٤٧٤/٢.

الجزء الثاني عشر
٧٦٩
فصلٌ في الجزية
يمنعونَهم مِن وصولٍ غيرِهِم إليهم، أفادَهُ "ح"(١)، وقولُهُ: ((عارضةٌ)) صفةُ: ((منعةٌ))، وعُرُوضُها إِنَّا هو
بسببِ اجتماعِهِم في مَحَلَّةٍ خاصَّةٍ، وقولُهُ: ((فَأَمَّا سُكْناهم إلخ)) مقابلُهُ أي: أنَّ سُكْناهم بينَ المسلمينَ
لا في مَحَلَّةٍ خاصَّةٍ بل متفرقينَ بينَهم وهم مقهورونَ لهم، ((فلا كذلكَ)) أي: فلا يكونُ ممنوعاً.
(تنبيةٌ)
مطلبٌ في مَنْعِهِم التَّعَلَّي في البناءِ على المسلمينَ
قالَ في "الدُّرِّ المنتقى"(٢): ((وكذا يُمنعونَ عن التّعلِّي في بنائِهم على المسلمينَ، ومن المساواةِ
عندَ بعضِ العلماءِ، نعم يبقى القديمُ (٣) كما في "الوهبانيَّةٍ" وشروحِها (٤)، وفي "المنظومةِ المحبَّةِ"(٥):
ويُمنَعُ النَّمِّيُّ مِن أنْ يَسْكُنَا
أو أن يَحِلَّ منزلاً عالي البنا .
بل أهلُ ذمَّةٍ على ما بَّنوا اهـ.
إذْ كانَ بينَ المسلمين يَسْكُنُ
قلتُ: ومُقْتَضى النّظمِ الَّذي ذكرَهُ: المنعُ ولو البناءُ قديماً؛ لأَنَّه عَلَّقَ المنعَ على السُّكْنَى
لا على التَّعْلِيةِ في البناءِ، لكنْ سُئِلَ(٦) في "الخيريَّةِ(٧): ((عن طَبَقةٍ ليهوديِّ راكبةٍ على بيتٍ لمسلمٍ
يُرِيدُ المسلمُ مَنْعَهُ من سُكْناها ومن الَّعلِّي عليهِ، فأجابَ: بأنّه ليسَ للمسلمِ ذلكَ، فقد جوَّزوا
إبقاءَ دارِ الدِّمِّيِّ العاليةِ على دارِ المسلمِ وسُكْناها إذا مَلَكَها ما لم تَنْهَدِمْ، فإِنَّه لا يُعِيدُها عاليةً
(قولُهُ: وقولُهُ: ((عارضةٌ)) صفةُ ((مَنَعةٌ)) إلخ) هي اسمُ فاعلٍ من عَرَضَ، وفلانٌ شديدُ العارضةِ
أي: النَّاحيةِ أي: ذو جَلَدٍ وصَرَامٍ وقُدْرةٍ على الكلامِ، "سنديّ" عن "جامع اللّغة".
(١) "ح": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ق ٢٦٤/ب.
(٢) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في أحكام الجزية ٦٧٤/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٣) في "٢": ((نعم يبقى القديم على قِدَمِه))، بزيادة ((على قِدَمِه)).
(٤) "المنظومة الوهبانية": فصل من كتاب السِّير صـ٣٩- (هامش "المنظومة المحبية"). و"تفصيل عقد الفرائد": فصل
من كتاب السِّير ق١٤٢/آ.
(٥) انظر "المنظومة المحبية": صـ٢٩ - وفيها كلمة ((يجعلنّ)) بدل ((أن يحلَّ)).
(٦) في "٢": ((لكن سئل الخيرُ الرملي))، بزيادة ((الخير الرَّملي)).
(٧) "الفتاوى الخيرية: كتاب السِّير ٩٣/١.

حاشية ابن عابدين
٧٧٠
فصلٌ في الجزية
كما كانَت، وَمّن صَرَّحَ بذلكَ "ابنُ الشِّحْنةِ" في "شرح النّظم الوهبانيّ)(١) وكثيرٌ من علمائِنا)) اهـ.
وَذَكَرَ (٢) في جوابِ سؤالٍ آخرَ: ((أَنَّه إذا كانَ الَّعَلِّي لَّحفظِ مِن اللُّصوصِ لا يُمنَعُ منهُ؛ لأنّهم نَصُّوا
على أنّهم ليسَ لهم رَفْعُ بنائِهم على المسلمينَ، وعلَّهُ المنعِ مقيَّدةٌ بالَّعَلِّي على المسلمينَ، فإذا [٣/ ق٥٣ /ب]
لم يكنْ ذلكَ بل للَّحفظِ فلا يُمنَعونَ كما هو ظاهرٌ) اهـ. وقالَ "قارئ الهداية" في "فناواهُ"(٣): ((أهلُ
الذِّمَّةِ في المعاملاتِ كالمسلمينَ فما جازَ للمسلمِ فِعُ فِي مِلْكِهِ جازَ لهم، وما لا فلا، وإنّا يُمنَعُ من تعليةٍ
بنائِهِ إذا حَصَلَ لجارِهِ ضَرَرٌ كمِنْعِ ضوءٍ وهواءٍ)) قالَ(٣): ((هذا هو ظاهرُ المذهبِ، وذكرَ القاضي "أبو
يوسف" في "كتاب الخراجِ"(٤): أنَّ للقاضي مَنْعَهم مِن السُّكْنَى بينَ المسلمينَ بل يسكنونَ منعزلينَ))،
قالَ "قارئ الهداية "(٥): ((وهو الَّذي أُفِي به أنا)) اهـ. أي: لأَنّه إذا كانَ لهُ مَنْعُهُم مِنَ السُّكْنِى بَيْنَنا
فلهُ مَنْعُهم من النَعلِّي بِالأَولى، وذَكَرَ (٦) في جوابٍ آخرَ: ((لا يجوزُ لهم أنْ يُعُلُّوا بناءَهم على بناءِ
المسلمينَ، ولا أنْ يسكنوا داراً عاليةَ البناءِ بينَ المسلمينَ، بل يُمنَعُونَ أنْ يسكنوا مَحَلاَّتِ المسلمينَ))
اهـ. وهذا مَيْلٌ منهُ إلى ما نقلَهُ عن "أبي يوسفَ" وأفتى بهِ أوّلاً أيضاً، والظَّاهرُ: أنَّ قولَهُ: ((هذا هو
ظاهرُ المذهبِ)) يَرجِعُ إلى قولِهِ: (أَهلُ الذّمَّةِ في المعاملاتِ كالمسلمينَ)).
٢٧٦/٣
ولَّا كانَ لا يلزمُ منهُ أنْ يكونوا مثلَهم فيما فيهِ استعلاءٌ على المسلمينَ أفتى في الموضعَينِ
بالمنعِ؛ لِما قدَّمَهُ(٧) "الشَّارِحُ" عن "الحاوي" من أنَّه ينبغي أنْ يُلازِمَ الصَّغَارَ فيما يكونُ بينَه وبينَ
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السِّير ق ١٤٢ /ب.
(٢) أي: في الفتاوى الخيرية": كتاب السِّير ٩٣/١.
(٣) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في إعلاء بناء الذّمي على بناء المسلم صـ١١١-، بتصرف.
(٤) لم نعثر عليها في نسخة "الخراج" التي بين أيدينا.
(٥) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في إعلاء بناء الذّمي على بناء المسلم صـ ١١١ -.
(٦) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في إعلاء بناء الدّمي على بناء المسلم صـ١٠٥ - بتصرف.
(٧) صـ ٧٦٠ - وما بعدها "در".

الجزء الثاني عشر
٧٧١
فصلٌ في الجزية
(ويَنْتَقِضُ عَهْدُهم.
المسلمينَ في كلِّ شيءٍ، ولا يخفى أنَّ استعلاءَهُ في البناءِ على جيرانِهِ المسلمينَ خلافُ الصَّغارِ، بل
بَحَثَ في "الفتح"(١): ((أَنَّه إذا استعلى على المسلمينَ حَلَّ للإمامِ قتُلُهُ))، ولا يخفى أنَّ لفظَ:
((استعلى)) يشملُ ما بالقولِ وما بالفعلِ، وبهذا النَّقريرِ اندفعَ ما ذكرَهُ في "الخيريَّةَ"(٢) مخالفاً لِما
قدَّمناهُ(٣) عنهُ مِن قولِهِ: ((إنَّ ما أفتى به "قارئ الهداية" من ظاهرِ المذهبِ أقوى مَدْرَكاً للحديثِ
الشَّرِيفِ المُوجِبِ الكونِهم ((لهم ما لنا وعليهم ما علينا (٤)))، فإنَّ "قارئَ الهداية" لم يُفتِ به، بل
أفتى في الموضعينِ بخلافِهِ كما سمعتَ، والحديثُ الشَّريفُ لا يُفيدُ أنَّ لهم ما لنا من العزِّ والشَّرفِ
بل في المعاملاتِ من العقودِ ونحوِها؛ للأدّةِ الدَّالةِ على إلزامِهم الصَّغَارَ وعدمَ الَنَّمَرُّدِ على المسلمينَ،
وصَرَّحَ الشَّافعيَّةُ بأنَّ منعَهم عن النَّعلِّي واجبٌ، وأنَّ ذلكَ لحقِّ اللهِ تعالى وتعظيمٍ دینِهِ فلا يُباحُ
برضى الجارِ المسلمِ)) اهـ. وقواعدُنا لا تأباهُ فقد مرَّ(٥) أَنَّه يَحرُمُ تعظيمُهُ، ولا يخفى أنَّ الرِّضى
باستعلائِهِ تعظيمٌ له، هذا ما ظهرَ لي في هذا المحلِّ، واللهُ تعالى أعلمُ.
مطلبٌ فيما يَنْتَقِضُ بهِ عهدُ الذِّمِّيِّ وما لا يَنتقِضُ
/٢٠١٩٠] (قولُهُ: وَيَنتَقِضُ عَهْدُهم إلخ) لأَنَّهم بذلكَ صاروا حَرْباً علينا، وعَقْدُ الذِّمَّةِ ما كانَ
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل ولا يجوز إحداث بيْعةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٣/٥.
(٢) "الفتاوى الخيرية": كتاب السِّير ٩٢/١-٩٣.
(٣) في هذه المقولة.
(٤) فيه حديث عطاء بن السائب عن أبي البختري أن سلمان حاصر قصراً من قصور فارس، ثمَّ قال: دعوني أدعهم كما سمعت
رسول الله * يدعوهم، فأتاهم سلمان فقال لهم : ((إنما أنا رجل منكم فارسي ترون العرب يطيعونني فإن أسلمتم فلكم مثل
الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه وأعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون .... )).
أخرجه أحمد ٤٤٠/٥، ٤٤٤،٤٤١ والترمذي (١٥٤٨) في السِّير - باب ما جاء في الدعوة وفي القتال، وسعيد بن
منصور (٢٤٧٠)، وقال الترمذي: سمعت محمداً - يعني البخاري - يقول: أبو البختري لم يدرك سلمان لأنه لم يدرك
علياً وسلمان مات قبل على، وقال: حديثٌ حسنٌ لا نعرفه إلا عن عطاء بن السائب . وتقدم فيه حديث علقمة بن
مَرتد عن سليمان بن بريدة عن أبيه في وصيّة رسول الله ◌ِ ◌ّ لهم وفيها ((وإذا لقيت المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال
فَأَيْتَهن أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام .... ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين
وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين ... )).
(٥) صـ ٧٦١ - "در".

حاشية ابن عابدين
٧٧٢
فصلٌ في الجزية
بِالغَلَبةِ على مَوضعٍ للحربِ، أو باللّحاقِ بدارِ الحربِ) زاد في "الفتح"(١):
((أو بالامتناعِ عن قَبولِ الجِزْيةٍ)).
إلاَّ لدَفْعِ شَرِّ حَرَابِتِهِمْ فَيَعْرَى عن الفائدةِ فلا يبقى، ولا يَبْطُلُ أمانُ ذَرِّيَتِهِ بِنَقْضِ عهدِهِ، "فتح"(٢).
[٢٠١٩١) (قولُهُ: بالغَبةِ على موضعٍ) أي: قريةٍ أو حِصْنٍ، "فتح "(٣)، وقولُهُ: ((للحربِ)) أي: لأجلِ
حربنا، وفي بعضِ النَّسخِ: ((للحرابِ)) بزيادةِ الألفِ، واحترزَ: ((بالغَبةِ)) المذكورةِ عمَّا لو كانوا معَ أهلِ
البغي يُعِينُونَهم على القتالِ، فإنّه لا يُنْقَضُ (٤) عَهْدُهم كما ذكرَهُ "الزَّيلِعِيُّ" (٥) وغيرُهُ في بابِ البغاةِ.
[٢٠١٩٢) (قولُهُ: أو باللَّحاقِ بدارِ الحربِ) لا يَبْعُدُ أنْ يُقَالَ: انتقالُهُ إلى المكانِ الَّذي تغلَّبُوا فِيهِ
كانتقالِهِ إلى دارِ الحربِ بالاتّفاقِ إنْ لم يكنْ ذلكَ المكانُ متاخماً(٦) لدارِ الإسلامِ، أي: بأنْ كانَ
متَّصلاً بدارِ الحربِ، وإلَّ فعلى قولِهما كما في "الفتح"(٧).
[٢٠١٩٣) (قولُهُ: أو بالامتناعِ عن قُبُولِ الجِزْيةِ) أي: بخلافِ الامتناعِ عن أدائِها على ما
يأتي(٨)، لكنَّ الامتناعَ عن قَبَولِها إنَّا يكونُ عندَ ابتداءٍ وَضْعِها، وهو حينئذٍ لم يكنْ له عَهْدُ ذِمَّةٍ
حتّى يَنْتَقِضَ، ويُمكِنُ تصويرُهُ فيمَن دَخَلَ في عهدِ الدِّمَّةِ تَبَعاً ثُمَّ صارَ أهلاً كالمجنونِ والصَّبِيِّ،
(قولُهُ: إنْ لم يكنْ ذلكَ المكانُ مُواحِماً لدارِ الإسلامِ إلخ) عبارةُ "الفتح": ((متاخماً)) اهـ. وفي
"القاموس": ((الَّجُومُ بالضَّمِّ: الفاصلُ بِينَ الأَرضَينِ مِن الَعَالِمِ والحدودِ، وأرضُنَا تُتَاخِمُ أرضَكُمْ تُحادُّها)) اهـ.
(قولُهُ ويُمكِنُ تصويرُهُ فِيمَن دَخَلَ في عهدِ الذّمَّةِ تَبَعاً إلخ) أو يُصوَّرُ فيما لو عَقَدَ الإِمامُ عقدَ الذَّمَّةِ معَهم
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل ولا يجوز إحداث بِيْعَةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٣/٥.
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل ولا يجوز إحداث بيْعَةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٣/٥-٣٠٤.
(٣) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل ولا يجوز إحداث بِيْعَةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٣/٥.
(٤) في "الأصل" و"ك": ((لا ينتقض)).
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب السِّير ٢٩٥/٣.
(٦) في "ك" و"ب" و"م" و"د": ((مواخماً))، وفي "آ": ((مواخياً))، وما أثبتناه من عبارة "الفتح" بناء على ما ذكر الرافعي
رحمه الله تعالى، على أنها في مطبوعة "الفتح" التي بين أيدينا: ((متاخمة)).
(٧) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل ولا يجوز إحداث بِيْعَة ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٤/٥.
(٨) المقولة [٢٠٢٠١] قوله: ((بقوله نقضت العهد)).

الجزء الثاني عشر
٧٧٣
فصلٌ في الجزية
(أو يَجعلَ نفسَهُ طَليعةً للمُشركين) بأنْ يُبْعَثَ لَيَطَّلِعَ على أخبارِ العدوِّ؛ فلو لم يَبعثُوهُ
لذلك لم يَنتقِضِ عَهِدُهُ(١)، وعليه يُحملُ كلامُ "المحيط" (وصار) الذِّميُّ في هذه الأربعِ
صُورِ (كالمُرْتدِّ).
فإذا أفاقَ أو بَلَغَ أوَّلَ الحولِ تُوضَعُ عليهِ فإذا امتنعَ انتقضَ عهدُهُ، أفادَهُ "ط)" (٢).
[٢٠١٩٤) (قولُهُ: أو يَجْعلَ نفسَهُ طَلِيعةً للمشركينَ) هذا ◌َّا زادَهُ في "الفتح"(٣) أيضاً، لكنْ
لم يذكرْهُ هنا بل ذكرَهُ في النِّكاحِ في بابِ نكاحِ المشركِ.
[٢٠١٩٥] (قولُهُ: بأنْ يُبْعَثَ لِيَطَّلِعَ إلخ) صورتُهُ: أنْ يَدخُلَ مستأمِنٌ ويُقِيمَ سنةً وتُضرَبَ عليهِ
الجزْيُةُ، وقصدُهُ الَّجسُّسُ على المسلمينَ لْيُخبِرَ العدوَّ، "طـ (٤).
[٢٠١٩٦] (قولُهُ: فلو لم يَبْعُوهُ) بأنْ كانَ ذمّاً أصلياً وطَرَأَ عليهِ هذا القصدُ، "ط " (٤).
[٢٠١٩٧] (قولُهُ: وعليه يُحمَلُ كلامُ "المحيط") حيثُ [٣/ق٥٤/) قالَ: ((لو كانَ يُخبِرُ
المشركينَ بِعُيُوبِ المسلمينَ أو يُقاتِلُ رجلاً من المسلمينَ ليقتلَهُ لا يكونُ نَقْضاً للعهدِ))، وهذا التَّوْفِيقُ
لصاحبِ "البحر"(٥)، وأقرَّهُ في "النّهر " (٦) وغيرِهِ، ويُشعِرُ به تعبيرُ "الفتح" بالطَّيعةِ، فإنَّ الطَّيعةَ واحدةٌ
الطَّلائعِ في الحربِ، وهم الَّذِينَ يُعثونَ لِيَطَّلعوا على أخبارِ العدوِّ كما في "البحر)(٧) عن "المغرب(٨).
بدونِ تعرُّضٍ لقبولِ الجِزْيَةِ ثُمَّ امتنعَ أحدُهم عن قَبولِ الجِزْيِةِ، فَإِنَّهم بالعقدِ المذكورِ صاروا ذِمَّةً ثُمَّ بالامتناعِ
عن قَبَولِها انتقضَ العهدُ.
(قولُهُ: أو يُقاتِلُ رجلاً من المسلمينَ ليقتلَهُ إلخ) عبارةُ "ط ": ((فيقتلُهُ)).
(١) في "و": ((عهدهم)).
(٢) "ط": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٤٧٥/٢.
(٣) "الفتح": ٢٨٨/٣.
(٤) "ط": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٤٧٤/٢.
(٥) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٥/٥.
(٦) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق ٣٣٤/أ.
(٧) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٥/٥.
(٨) "المغرب": مادة ((طلع)).

حاشية ابن عابدين
٧٧٤
فصلٌ في الجزية
في كلِّ أحكامِهِ (إلاَّ أَنَّه) لو أُسِرَ (يُسْتَرَقُّ) والمرتدُّ يُقتَلُ (ولا يُحبَرُ على قَبولِ الدِّمةِ)
والمرتدُّ يُحِبَرُ على الإِسلامِ (لا) يَنتقضُ عَهدُهُ (بقوله: نَقَضْتُ العهدَ)، "زيلعيّ!
(بخلافِ الأَمانِ) للحربيِّ؛ فإنّه يَنتقِضُ بالقول، "بحر"(١) (ولا بالإِباءِ عن) أداءِ (الجِزْية)
[٢٠١٩٨] (قولُهُ: في كلِّ أحكامِهِ) فُيُحكَمُ بموتِهِ باللَّحاقِ، وإذا تابَ تُقْبَلُ توبْتُهُ وتعودُ ذِمَّتُهُ،
وتَبِينُ منه زوجتُهُ الذّمَيَّةُ الَّتِي خَلَّفَها في دارِ الإِسلامِ إجماعاً، وَيُقْسَمُ مالُهُ بينَ ورِثْتِهِ، "فتح"(٢)،
وتمامُهُ في "البحر"(٣).
[٢٠١٩٩) (قولُهُ: والُرتَدُّ يُقتَلُ) لأنَّ كفرَهُ أغلظُ، "بحر "(٤).
[٢٠٢٠٠) (قولُهُ: والمرتدُّ يُحبَرُ على الإِسلامِ) أمَّا المرتدَّةُ فَإِنَّها تُستَرقُّ بعدَ اللَّحاقِ روايةً
واحدةً، وقبلَهُ في روايةٍ، "بحر "(٤).
[٢٠٢٠١] (قولُهُ: بقولِهِ: نَقَضْتُ العهدَ) لأَنَّهُ لا يَنْتَقِضُ عهدُهُ بالقولِ بل بالفعلِ كما مرَّ(٥)،
بخلافِ الأمانِ للحربيِّ.
قلتُ: ولعلَّ وجهَ الفرقِ أنَّ أمانَ الحربيٍّ على شَرَفِ الزَّوالِ لتمكِّنِهِ من العَوْدِ متى أرادَ فهو
غيرُ لازمٍ، بخلافِ عهدِ الذّمَّةِ فهو لازمٌ لا يَصِحُّ الرُّجوعُ عنه، ولذا لا يُمكِّنُ من العَوْدِ إلى دارِ
الحربِ، فُيُخبرُهُ الإِمامُ على الجزيةِ ما دامَ تحتَ قهرِهِ، بخلافِ ما إذا لَحِقَ بدارِهم أو غَبُوا على
موضعٍ أو جَعَلَ نفسَهُ طليعةً أو امتنعَ عن قَبولِ الجِزْيَةِ؛ لأنَّ فِي الأَوَّلِينِ صارَ حرباً علينا كما مرَّ(٦)،
وفي الثَّالثِ عُلِمَ أَنَّه لم يَقْصدِ العهدَ بل جعلَهُ وُصْلَةً إلى إضرارِهِ بنا، وفي الرَّابعِ لم يُوجَدْ منه ما
يدفعُ عنه القتلَ، بخلاف ما إذا امتنعَ عن أدائِها؛ ولذا قالَ "الزَّيلعِيُّ)(٧) وغيرُهُ: ((لأنَّ الغايةَ الَّتي ينتهي
(١) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٥/٥.
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل ولا يجوز إحداث بيْعةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٣/٥ - ٣٠٤.
(٣) انظر "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٦/٥.
(٤) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٥/٥.
(٥) المقولة [٢٠١٩٠] قوله: ((وينتقض عهدهم إلخ)) وما بعدها.
(٦) المقولة [٢٠١٩١] قوله: ((بالغلبة على موضع))، والمقولة [٢٠١٩٢] قوله: ((أو باللحاق بدار الحرب)).
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٢٨٠/٣ باختصار.

الجزء الثاني عشر
٧٧٥
فصلٌ في الجزية
بل عن قَبولِها كما مرَّ، ونَقَل "العَينِيُّ" عن "الواقعاتِ" قَتْلَه بالإِباءِ عن الأداء، قال:
((وهو قولُ الثَّلاثةِ))، لكنْ ضَعَّفَه في "البحر".
٢٧٧/٣ بها القتالُ التزامُ الجِزْيةِ لا أداؤُها، والالتزامُ باقٍ فيأخذُها الإِمامُ منه جَبْراً)) اهـ. وبهذا اندفعَ ما
استشكلَهُ فِي "النَّهر"(١): ((مِن أَنَّه لو امتنعَ عن قبولِها نَقَضَ عهدَهُ، وليسَ ذلكَ إلَّ بالقولِ))، وَجْهُ
الدَّفْعِ: أنَّ الانتقاضَ لم يجيءْ من قولِهِ: لا أقبلُ(٢) بل من عدمٍ وجودِ ما يدفعُ عنهُ القتلَ وهو التزامُ
أدائِها، بخلافِ امتناعِهِ عن أدائِها بقولِهِ: لا أُؤَدِّيها، فإنَّه قولٌ وُجِدَ بعدَ التزامِها الدَّافعِ للقتلِ،
ولا يزولُ ذلكَ الالتزامُ به، وكذا بقولِهِ: نَقَضْتُ العهدَ؛ لِما قلنا مِن أَنَّه لازمٌ لا يَمْلِكُ فَسْخَهُ صريحاً
ولا دِلالَةً ما دامَ تحتَ قَهْرِنا، فافهم. واندفعَ به أيضاً ما أوردَهُ في "الدُّررِ"(٣): ((مِن أنَّ امتناعَهُ عن
أدائِها بقولِهِ: لا أُعطِيها يُنافِي بقاءَ الالتزامِ))؛ لِما قلنا مِن لزومِ ذلكَ الالتزامِ، وأَنَّه لا يَمِلِكُ نَقْضَهُ
صريحاً فكذا دلالةً بالأَولى، فُيُحَرُ على أدائِها ما دامَ مَقْهُوراً في دارِنا، ثمَّ رأيتُ "الحَمَويّ" أجابَ
بنحوِهِ، والله تعالى أعلمُ.
(٢٠٢٠٢) (قولُهُ: بل عن قَبُولِها) أي: بل يَنْقِضُ عهدُهُ بالإِباءِ عن قَبولِها، وقدَّمنا (٤) تصويرَهُ،
وقد علمتَ آنفاً وجه الفرقِ بينَ المسألَتَيْنِ.
[٢٠٢٠٣] (قولُهُ: وَنَقَلَ "العينِيُّ") حيثَ قالَ(٥): ((وفي روايةٍ مذكورةٍ في "واقعاتِ حسامٍ":
أنَّ أهلَ الدِّمَّةِ إذا امتنعوا عن أداءِ الجِزْيةِ يَنْقِضُ العهدُ ويُقاتَلُونَ، وهو قولُ الثّلاثةِ)) اهـ. ولا يخفى
ضعفُها روايةً ودرايةً، "بحر "(٦).
(١) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق ٣٣٤/أ.
(٢) ((لا أقبل)) ساقطة من "ك".
(٣) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب الوظائف - فصل في الجزية ٢٩٩/١.
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) "شرح العيني على الكنز": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في بيان أحكام الجزية ٣٢٢/١.
(٦) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٤/٥.

حاشية ابن عابدين
٧٧٦
فصلٌ في الجزية
(و) لا (بالزِّنى مسلمٍ، وقتلٍ مُسلمٍ) وإفتانِ(١) مُسلمٍ عن دِينهِ، وقَطْعِ الطَّريقِ
(وسَبِّ النّبِيِّ وَ﴿ٌ) لأنَّ كُفرَه.
قلتُ: أمَّا وجهُ الضَّعفِ روايةً؛ فلأَنَّه خلافُ الرِّوايةِ المشهورةِ في المذهبِ المنصوصةِ في المتونِ
وغيرِها، وأمَّ الدّرايةُ - أي: الضَّعفُ مِن حيثُ المعنى - فِلِما علمتَ من بقاءِ الالتزامِ الدَّافِعِ للقتلِ
فُؤخَّذُ منهم حَبْراً، ويُمكِنُ تأويلُ ما في "الواقعات" بما إذا كانوا جماعةً تغلّوا على موضعٍ هو
بلدُهم أو غيرُها، وأظهروا العِصْيانَ والْمُحارَبةَ فإِنَّها حينئذٍ لا يُمكِنُ أخذُها منهم
إلاَّ بالقتال، تأمَّل.
٢٠٢٠٤١] (قولُهُ: ولا بالزِّنى بمسلمةٍ) بل يُقامُ عليهِ مُوجَبُهُ وهو الحدُّ، وكذا لو نَكَحَها
لا يُنْقَضُ عهدُهُ، والنّكاحُ باطلٌ ولو أسلمَ بعدَهُ، وَيُعزَّرانِ، وكذا السَّاعِي بينَهما، "بحر"(٢).
[٢٠٢٠٥) (قولُهُ: وإفتانِ مسلمٍ) مصدرُ (أفتنَ)) الرُّباعيِّ. اهـ "ح"(٣).
قلتُ: لكنِ الَّذي رأيناهُ فِي النَّسَخِ ((افتانِ)) بتاءينِ، وفي "المصباح"(٤): ((فتنَ المالُ النَّاسَ من
بابِ ضَرَبَ: استمالَهم، وفُتِنَ فِي دِيْنِهِ واقْتُيِنَ أيضاً بالبناءِ للمفعولِ: مالَ عنهُ)) اهـ. ومقتضاهُ: أنَّ
الافتتانَ مُتَعدِّ لا لازمٌ، تأمَّلٌ.
مطلبٌ في حكمٍ سَبِّ الذِّمِّيِّ النّبِيَّ ◌َّ
/٢٠٢٠٦] (قولُهُ: وَسَبِّالنّبِيِّلِ﴿) أي: إذا لم يُعْلِنْ، فلو أعلنَ بشتمِهِ أو اعتادَهُ قُئِلَ ولو امرأةً،
وبه يُفَى اليومَ، "دَرّ منتقى)"(٥)، [٣/ ق٥٤/ب] وهذا حاصلُ ما سَيذكرُهُ (٦) "الشَّارِحُ" هنا، وقَّدَهُ "الخير
(١) في "د": ((وافتتان)).
(٢) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٤/٥ بتصرف.
(٣) "ح": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ق ٢٦٤/ب.
(٤) "المصباح المنير": مادة ((فتن)).
؟ قوله: ((ومقتضاه إلخ)) وجه ذلك أن تصريحه بأن افتتن مبني للمجهول يقتضي أنه متعد لا لازم لأن المبني
للمجهول لا يكون من اللازم)) اهـ منه.
(٥) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في أحكام الجزية ٦٧٦/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٦) صـ ٧٧٩ - "در".

الجزء الثاني عشر
٧٧٧
فصلٌ في الجزية
الرَّمليُّ" بقيدٍ آخرَ حيثُ قالَ: ((أقولُ: هذا إنْ لم يُشتَرَطِ انتقاضُهُ به، أمَّا إذا شُرِطَ انتقضَ بهِ كما
هو ظاهرٌ)) اهـ.
قلتُ: وقد ذَكَرَ الإِمامُ "أبو يوسف" في "كتابٍ (١) الخراج"(٢) فِي صُلْحِ "أبي عبيدةً" معَ أهلٍ
الشَّامِ أَنَّ صالَحَهم، واشترطَ عليهم حينَ دَخَلَها على أنْ يَتْرُكَ كنائسَهم وبِيَعَهم على أنْ لا يُحدِثُوا
بناءَ بِيْعٍ ولا كنيسةٍ، وأنْ لا يَشْتِموا مُسْلِماً ولا يَضْرِبِوهُ إلخ، وذكرَ العلاَّمةُ "قاسم)"(٣) من روايةٍ
"الخلاَّل" و"البيهقيّ"(٤) وغيرِهما كتابَ العهدِ، وفي آخرِهِ: فلمَّا أَتيْتُ "عمرَ بنَ الخطَّبِ" بالكتابِ
زادَ فِيهِ: وأنْ لا نَضْرِبَ أحداً مِنَ المسلمينَ، شَرَطْنا لهم ذلكَ علينا وعلى أهلِ مَتِنا وَقَبِلنا عنهم
الأَمانَ، فإنْ نحنُ خالفنا شيئاً فَمَا شرطناهُ لكم وضَمِنَّاهُ على أنفسِنا فلا ذِمَّةَ لنا، وقد حَلَّ لكم منَّ ما
يَحِلُّ لكم من أهلِ الْمُعَدَةِ والشِّقَاقِ، وفي روايةِ "الخلَّلِ": فَكَنَبَ "عمرُ": أنِ أَمضِ لهم ما سألوهُ،
وَأَلْحِقْ فيهِ حرفينِ اِشْتَرِطْهما عليهم معَ ما شَرَطوا على أنفسِهم: أنْ لا يشتروا شيئاً مِن سبايانا،
ومَن ضَرَبَ مسلماً عَمْدً فقد خَلَعَ عَهْدَهُ اهـ.
وقد ذَكَرَ "الشُّرُ بلاليُّ" في رسالِهِ(٥) كتابَ العهدِ بتمامِهِ، ثُمَّ قالَ: ((وقد اعتمدَ الفقهاءُ ذلكَ
من كلِّ مذهبٍ كما نقلَهُ القاضي "بدر الدِّين القرائِيُّ)) اهـ، ثمَّ ذَكَرَ "الشُّرُ بلالِيُّ" أَنَّه انتقضَ
عهدُهم بإحداثِ ذلكَ الدَّيْرِ أي: الَّذي أحدثوهُ في زمنِهِ، وَأَلَّفَ فيهِ الرِّسالةَ المذكورةَ، ثُمَّ قالَ -
(١) في "الأصل" و"ك" و"آ": ((كتابه)).
(٢) "الخراج": فصل في الكنائس والبَيَعِ والصُّلبان صـ١٣٨ - (ضمن "موسوعة الخراج").
(٣) "التعريف والأخبار": كتاب السِّير ١٥٣/٣.
(٤) في "السنن الكبرى" ٢٠٢/٩ في الجزية - باب الإمام يكتب كتاب الصلح على الجزية ، وعزاه العلامة قاسم بن
قطلوبغا في "التعريف والإخبار" إلى الحافظ أبي علي الحراني في "تاريخ الرقة" وابن حزم في "المحلى"، وانظر مسند
الفاروق لابن كثير صـ ٤٨٨ - ٤٩١ اهـ.
(٥) المسماة: "الأثر المحمود لقهر ذوي العهود": لأبي الإخلاص حسن بن عمار الوفائي الشُّرنبلالي المصريّ
(ت ١٠٦٩ هـ). ("إيضاح المكنون" ٢٤/١، "خلاصة الأثر" ٣٨/٢، "التعليقات السنية" صـ ٥٨-، "هدية
العارفين" ٢٩٢/١).

حاشية ابن عابدين
٧٧٨
فصلٌ في الجزية
بعدَ ذكرِهِ ما ألحقَهُ "عمرُ" رضيَ اللهُ تعالى عنهُ -: ((إنَّ هذا دليلٌ لِما قالَهُ "الكمالُ بنُ الهمامِ"(١)
من نَقْضِ العهدِ بتمرُّدِهم واستعلائِهم على المسلمينَ)) اهـ.
قلتُ: ولعلَّهم لم يُقيِّدوا بهذا القيدِ لظهورِهِ كما تقدَّمَ (٢) عن "الرَّمليّ"؛ لأنَّ المُعلَّقَ على أمرٍ
لا يُوجَدُ بدونِهِ؛ ولأنَّ مُرادَهم بيانُ أنَّ مجرَّدَ عقدِ الذِّمَّةِ لا يَنْتَقِضُ بما ذكروهُ مِن السَّبِّ ونحوِهِ،
والجهادُ ماضٍ إلى يومِ القيامةِ، وليسَ كلُّ إمامٍ إذا فَتَحَ بلدةُ يَشْتَرِطُ هذا الشَّرِطَ الَّذِي شَرَطَهُ "عمرُ"
﴿ه، فلذا تَرَكُوا النَّصريحَ بِهِ، على أنَّ مَا شَرَطَهُ "عمرُ" ◌َه على الشَّامِ ونحوِها لا يَجْرِي حكمُهُ
على كلِّ ما فَتَحَهُ من البلادِ ما لم يُعَلَمِ اشتراطُهُ عليهم أيضاً، فصارَ الحاصلُ: أنَّ عقدَ الذِّمَّةِ
لا يَنْتَقِضُ بِما ذَكَروهُ مَا لم يُشْتَرَطِ انتقاضُهُ بِهِ، فإذا اشْتُرِطَ انْتَقَضَ، وإلاَّ فلا، إلَّ إذا أعلنَ بِالشَّتَمِ أو
اعتادَهُ؛ لِما قدَّمناهُ(٢) ولِما يأتي(٣) عن "المعروضاتِ" وغيرِها؛ ولِما ذكرَهُ "ط "(٤) عن "الشِّلْبِيِّ)" (٥)
عن "حافظ الدِّينِ النَّسفيِّ (٦): ((إذا طَعَنَ الذِّمِّيُّ في دينِ الإسلامِ طَعْناً ظاهراً جازَ قَتُهُ؛ لأنَّالعهدَ
معقودٌ معهُ على أنْ لا يَطْعَنَ، فإذا طَعَنَ فقد نَكَثَ عهدَهُ وخَرَجَ من الذِّمَّةِ)) اهـ. لكنَّ مقتضى هذا
التَّعليلِ اشتراطُ عدمِ الطَّعْنِ بمجرَّدٍ عقدِ الذِّمَّةِ، وهو خلافُ كلامِهم، فتأمَّل.
(تنبيةٌ)
قَيّدَ الشَّافِعَّةُ الشَّتَمَ بما لا يتديَّنُونَ بِهِ، ونقلَهُ(٧) في "حاشيةِ السَّيِّدِ أبِي السُّعودِ"(٨) عن "الذَّخيرةِ"
(قولُهُ: إِنَّ هذا دليلٌ لِما قالَهُ "الكمال" إلخ) لم يَظْهَرْ وَجْهُ كونِ ما ذَكَرَ دليلاً لِمَا قَالَهُ "الكمال"، تأمَّل.
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل ولا يجوز إحداث بيعة ... إلخ ٢٩٩/٥.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) صـ ٧٨١ - "در".
(٤) "ط": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٤٧٥/٢.
(٥) "حاشية الشِّلبي على تبيين الحقائق": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ٢٨١/٣.
(٦) في تفسيره "مدارك التنزيل وحقائق التأويل": سورة التوبة - الآية (١٢) ٦١٠/١.
(٧) من هنا إلى آخر التنبيه ساقط من "ك".
(٨) "فتح المعين": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٤٥٥/٢-٤٥٦.

الجزء الثاني عشر
٧٧٩
فصلٌ في الجزية
المُقارنَ له لا يَمنعُهُ، فالطَّارئُ لا يَرفَعُهُ، فلو مِن مُسلمٍ قُتِلَ كما سيجيءُ(١) (ويُؤدَّبُ
الذّمَيُّ، ويُعاقَبُ على سَبِّ دِينَ الإسلامِ أو القرآنَ أو النّبِيَّ)ِ﴿، "حاوي"(٢) وغيرُهُ، ..
٢٧٨/٣ بقولِهِ: ((إذا ذكرَهُ بسوءٍ يعتقدُهُ ويتديَّنُ بهِ بأنْ قالَ: إِنَّه ليسَ برسولٍ أو قَتَلَ اليهودَ بغيرِ حقِّ، أو
نسبَهُ إلى الكذبِ فعندَ بعضِ الأئمَّةِ لا يَنْقِضُ عهدُهُ، أمَّا إذا ذكرَهُ بما لا يعتقدُهُ ولا يتديَّنُ به كما
لو نسبَهُ إلى الزِّنى أو طَعَنَ في نسِهِ يَتَقِضُ)) اهـ ◌ٌ .
[٢٠٢٠٧) (قولُهُ: الْمُقَارِنَ لهُ) أي: لعهدِ الذّمَّةِ.
[٢٠٢٠٨] (قولُهُ: فالطَّارِئُ) أي: بالسَّبِّ.
[٢٠٢٠٩] (قولُهُ: فلو مِن مسلمٍ قُتِلَ) أي: إنْ لم يُتُبْ لا مطلقاً، خلافً لِما ذكرَهُ فِي "الدُّر)"(٣)
هنا و "البزَّازِيَّةِ "(٤) وغيرِهما، فإنَّه مذهبُ "المالكيَّةِ" لا مذهبنا كما سيأتي(٥) تحريرُهُ، فافهم.
[٢٠٢١٠) (قولُهُ: وَيُؤدَّبُ الذِّمِّيُّ ويُعَاقَبُ إلخ) أطلقَهُ فشملَ تأديبَهُ وعقابَهُ بالقتلِ إذا اعتادَهُ
وأعلنَ بِهِ كما يأتي (٦)، ويدلُّ عليهِ ما قدَّمناهُ(٧) آنفاً عن "حافظ الدِّين النَّسفيّ"، وتقدَّمَ(٨) في بابِ
النَّعزيرِ أَنَّه يُقْتَلُ المُكَابِرُ بالظُّلْمِ وَقُطَّاعُ الطَّريقِ وَالَكَّاسُ وجميعُ الظَّلمِ وجميعُ الكبائرِ، وأَنَّه أفتى
(١) انظر "الدر" عند المقولة [٢٠٣٣٠] قوله: ((لكن صرّح في آخر الشفاء)).
(٢) "الحاوي القدسي": كتاب السِّير - باب السِّيرة لنا ولهم في الدارين - فصل يؤمر أهل الذَّمة بإظهار أزيائهم الرجال
والنساء ق ١٧٠/أ.
؟ قلت: ومذهب الشافعية ما في "المنهاج" وشرحه لابن حجر: ((ولو زنى بمسلمة أو أصابها بنكاحٍ، أو دلَّ أهلَ الحربِ على عورة
للمسلمين، أو فتن مسلماً عن دينه، أو طعنَ في الإِسلام أو القرآن، أو ذكر جهراً اللهَ أو رسولَهُ ﴿ أو القرآنَ أو نبياً بسوء ثَمّا لا
يَتَدَُّون به، فالأصحُّ أَنَّ إِنْ شرط انتقاضَ العهدِ به انتقضَ؛ لمخالفةِ الشَّرطِ، وإلا يَشرط ذلك أو شكَّ هل شَرطَ أو لا على
الأوجه فلا ينتقضُ؛ لأَنَّها لا تُخلُّ بمقصودِ العَقدِ. وصحَّح في "أصل الرَّوضةِ": أنْ لا نقضَ مطلقاً، وضُعِّف)) انتهى. اهـ منه.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب الوظائف - فصل في الجزية ٢٩٩/١-٣٠٠.
(٤) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأ - الفصل الثاني فيما يكون كفراً من المسلم ٣٢١/٦
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) المقولة [٢٠٣٣٣] قوله: ((وقد صرَّح في النتف إلخ)).
(٦) في المقولة الآتية.
(٧) المقولة [٢٠٢٠٣] قوله: ((ونقل العيني)).
(٨) صـ ٢١٨ - "در".

حاشية ابن عابدين
٧٨٠
فصلٌ في الجزية
قال "العَينِيُّ": ((واختياري في السَّبِّ: أن يُقتلَ)) اهـ، ..
"النَّاصحِيُّ" بقتلِ كلِّ مُؤذٍ، ورأيتُ في كتابِ "الصَّارِمِ المسلولِ"(١) لشيخِ الإسلامِ "ابنِ تيميَّة الحنبليِّ"
ما نصُّهُ: ((وأمَّا "أبو حنيفةً" وأصحابُهُ فقالوا: لا يَنْقِضُ العهدُ بالسَّبِّ ولا يُقتَلُ الذّمِّيُّ بذلكَ، لكنْ
يُعَزَّرُ على إظهارِ ذلكَ كما يُعزَّرُ على إظهارِ المنكراتِ الّتي ليسَ لهم فِعْلُها مِن إظهارِ أصواتِهم
بكتابِهم [٣/ ق٥٥/أم ونحوِ ذلكَ، وحكاهُ "الطَّحاويُّ"(٢) عن "الثّوريّ"، ومِن أصولهم - يعني "الحنفيَّةَ"
- أنَّ ما لا قَتْلَ فيهِ عندَهم مثلَ القتلِ بالمنْقَّلِ والجماعِ في غيرِ القُبُلِ إذا تكرَّرَ فللإِمامِ أَنْ يَقْتُلَ فاعلَهُ،
وكذلكَ لهُ أنْ يزيدَ على الحدِّ المقدَّرِ إذا رأى المصلحةَ في ذلكَ، ويحملونَ ما جاءَ عن النّبِيِّ ◌َّ
وأصحابِهِ من القتلِ في مثلِ هذهِ الجرائمِ على أنَّه رأى المصلحةَ في ذلكَ ويُسَمُّونَهُ القتلَ سياسةً، وكانَ
حاصلُهُ: أنَّ لهُ أنْ يُعزِّرَ بالقتلِ في الجرائمِ الَّتِي تعظَّمَت بالِّكرارِ، وشُرِعَ القتلُ في جِنْسِها، ولهذا أفتى
أكثرُهم بقتلٍ (٣) مَن أكثرَ مِن سَبِّالَّبِّ ﴿ من أهلِ الدِّمَّةِ وإِنْ أسلمَ بعدَ أخذِهِ، وقالوا: يُقْتَلُ سياسةً،
وهذا متوجّةٌ على أصولِهم)) اهـ. فقد أفادَ أَنَّه يجوزُ عندَنا قتلُهُ إذا تكرَّرَ منهُ ذلكَ وأظهرَهُ، وقولُهُ:
((وإنْ أسلمَ بعدَ أخذِهِ)) لم أرَ مَن صرَّحَ بهِ عندَنا، لكنَّهُ نقلَهُ عن مذهبنا وهو نَبْتٌ فُيُقبَلُ.
(٢٠٢١١) (قولُهُ: قَالَ "العينِيُّ(٤) إلخ) قالَ في "البحر "(٥): ((لا أصلَ لهُ في الرِّوايةِ)) اهـ.
وردّهُ "الخيرُ الرَّملِيُّ): ((بأَنَّه لا يلزمُ من عدمِ النَّقْضِ عدمُ القتلِ، وقد صَرَّحوا قاطبةً بأنّه يُعزَّرُ على
ذلكَ وَيُؤذَّبُ، وهو يدلُّ على جوازٍ قَتِ زَجْراً لغيرِهِ؛ إذ يجوزُ الَرقِي فِي الَّعزيرِ إلى القتلِ إذا عَظُمَ
مُؤْجِبُهُ، ومذهبُ "الشَّافِعِيِّ" كمذهبنا على الأصحِّ، قَالَ "ابنُ السُّبكيِّ": لا ينبغي أنْ يُفْهَمَ مِن
عدمِ الانتقاضِ أنّه لا يُقْتَلُ فإنَّ ذلكَ لا يَلزَمُ اهـ. وليسَ في مذهبنا ما ينفي قتلَهُ خصوصاً إذا أظهرَ
(١) "الصارم المسلول": المسألة الأولى: في بيان أن من سبَّ النبي ◌ُ﴿ من مسلم أو كافر فإنه يجب قتله صـ١٠ -١١-،
وفيه: ((إظهار أصولهم)) بدل ((أصواتهم)).
(٢) انظر "مختصر اختلاف العلماء": كتاب السِّير - في الذّمي يَسُبُّ النبيِ ﴿ ٥٠٤/٣
(٣) من ((في الجرائم)) إلى ((بقتل)). ساقط من "ك".
(٤) "شرح العيني على الكنز": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في بيان أحكام الجزية ٣٢٢/١.
(٥) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٥/٥.

الجزء الثاني عشر
٧٨١
فصلٌ في الجزية
وتَبِعُهُ "ابنُ الهُمامِ" قلتُ: وبه أَفَتَى شيخُنا "الخيرُ الرَّمليُّ"(١)، وهو قولُ "الشَّافعيّ"،
ثَمَّ رأيتُ في "مَعروضاتِ" المفتي "أبي السُّعودِ": ((أَنَّه وَرَدَ أمرٌ سُلطانِيٌّ بالعملِ
بقولِ أئمَّتِنا القائلين بقتِلِهِ إذا ظهَرَ أَنَّه مُعتادُهُ))،.
ما هو الغايةُ في الَّمرُّدِ وعدم الاكتراثِ والاستخفافِ، واستعلى على المسلمينَ على وجهٍ صارَ متمرِّداً
عليهم)) اهـ. ونقلَ "المقدسيُّ" ما قالَهُ "العينِيُّ" ثمَّ قالَ: ((وهو ثَّا يَمِيلُ إليهِ كلُّ مسلمٍ، والمنونُ
والشُّروحُ خلاُهُ، أقولُ: ولنا أنْ تُؤدِّبَ الذّمِّيَّ تعزيراً شديداً بحيثُ لو ماتَ كانَ دمُّهُ هَدَراً)) اهـ.
قلتُ: لكنْ هذا إذا أعلنَ بالسَّبِّ وكانَ ثَمّا لا يعتقدُهُ كما علمتَهُ آنفاً.
[٢٠٢١٢) (قولُهُ: وتبعَهُ "ابنُ الهمام") حيثُ قالَ(٢): ((وَّذي عندي أنَّ سَبَّهُ عليهِ الصَّلاةُ
والسَّلامُ، أو نِسْبةَ ما لا ينبغي إلى اللهِ تعالى إنْ كانَ ◌َمَا لا يعتقدونَهُ كنِسْبةِ الولدِ ** إلى اللهِ تعالى
وتقدَّسَ عن ذلكَ إذا أظهرَهُ يُقْتَلُ بِهِ وَيَنْتَقِضُ عهدُهُ، وإنْ لم يُظْهِرْهُ ولكنْ عُثِرَ عليهِ وهو يكتمُهُ
فلا، وهذا لأنّه الغايةُ فِي النَّمرُّدِ والاستخفافِ بالإِسلامِ والمسلمينَ، فلا يكونُ جارياً على العقدِ
الَّذي يدفعُ عنهُ القتلَ، وهو أنْ يكونَ صاغراً ذليلاً)) إلى أنْ قالَ: ((وهذا البحثُ منَّا يُوجِبُ أَنَّه إذا
استعلى على المسلمينَ على وَجْهٍ صارَ مِتمرِّدًاً عليهم يَحِلُّ للإِمامِ قتُلُهُ أو يرجعَ إلى الذُّلِّ
والصَّغَارِ)) اهـ. قالَ في "البحرِ"(٣): ((وهو بحثٌ خالفَ فيهِ أهلَ المذهبِ)) اهـ. وقالَ "الخير
الرَّملِيُّ": ((إنَّ ما بحثَهُ فِي النَّقْضِ مُسلَّمٌ مخالفتُهُ للمذهبِ، وأمَّا ما بحتَهُ في القتلِ فلا)) اهـ أي: لِما
علمتَهُ آنفاً من جوازِ النَّعزيرِ بالقتلِ؛ ولِما يأتي (٤) من جوازِ قتِهِ إذا أعلنَ بِهِ.
[٢٠٢١٣] (قولُهُ: وبه أَفَتَى شيخُنا) أي: بالقتلِ لكنْ تعزيراً كما قدَّمناهُ(٥) عنه، وينبغي تقييدُهُ
(١) "الفتاوى الخيرية": كتاب السِّير - باب المرتدين ١٠٣/١.
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل ولا يجوز إحداث بيْعَة ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٣/٥ بتصرف.
: قوله: ((كنسبة الولد)) تمثيل للمنفي أي: ما يعتقدونه اهـ منه.
(٣) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٥/٥.
(٤) صـ ٧٨٣ - "در".
(٥) المقولة [٢٠٢١١] قوله: ((قال العيني إلخ)).

حاشية ابن عابدين
٧٨٢
فصلٌ في الجزية
وبه أَفْتِى، ثمَّ ((أفتى في بَكرِ اليهوديِّ قال لبشرِ النّصرانيِّ: نَبُّكُم "عيسى" ولدُ
زِنى: بأنّه يُقتلُ؛ لسَّبِّهِ للأنبياءِ عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ)) اهـ. قلت: ويُؤْيِّدُه أنَّ
"ابنَ كمال باشا"
بما إذا ظهَرَ أَنَّه معتادُهُ كما قَّدَهُ به في "المعروضاتِ"، أو بما إذا أعلنَ به كما يأتي(١)، بخلاف ما إذا
عُثِرَ عليهِ وهو يكتمُهُ كما مرَّ(٢) عن "ابنِ الهمام".
[٢٠٢١٤] (قولُهُ: وبه أَقْنَى) أي: "أبو السُّعود" مفتي الرُّومِ، بل أفتى به أكثرُ "الحنفيَّةِ" إذا أكثرَ
السَّبَّ كما قدَّمناهُ(٣) عن "الصَّارمِ المسلول"، وهو معنى قولِهِ: ((إذا ظَهَرَ (٤) أَنَّه معتادُهُ))، ومثلُهُ:
((ما إذا أعلنَ بِهِ)) كما مرَّ(٥)، وهذا معنى قولِ "ابنِ الهمام"(٦): ((إذا أظهرَهُ يُقْتَلُ به))، فلم يكنْ
كلامُهُ مخالفً للمذهبِ، بل صَرَّحَ به محرِّرُ المذهبِ الإِمامُ "محمَّدٌ" كما يأتي(٧).
[٢٠٢١٥] (قولُهُ: بأَنَّه يُقْتَلُ) لم يُقَيِّدْهُ بما إذا اعتادَهُ كما قَّدَ به أوّلاً، فظاهرُهُ: أَنَّه يُقْتَلُ مطلقاً،
وهو مُوافِقٌ لِما أفتى به "الخير الرَّمليُّ"، ولِما مرَّ(٨) عن "العينيِّ" و "المقدسيِّ"، لكنْ علمتَ تقييدَهُ
بالإعلانِ، أو بما في "الصَّرمِ المسلول" من اشتراطِ التَّكرارِ.
/٢٠٢١٦] (قولُهُ: لِسَبِّهِ للأنبياءِ) المرادُ الجَنْسُ، وإلاَّ فهو قد سَبَّ نبياً واحداً.
[٢٠٢١٧] (قولُهُ: وَيُؤَيِّدُهُ) أي: يُؤْيِّدُ قتلَ الكافرِ السَّابِّ.
(١) صـ ٧٨٣ - "در".
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) المقولة [٢٠٢١٠] قوله: ((ويؤدب الذمي ويعاقب إلخ)).
(٤) في "الأصل": ((أظهر)).
(٥) المقولة [٢٠٢١٢] قوله: ((وتبعه "ابن الهمام")).
(٦) أي: المتقدم في المقولة [٢٠٢١٢] قوله: ((وتَبَعَهُ "ابنُ الهمام")).
(٧) المقولة [٢٠٢١٩] قوله: ((حيث قال إلخ)).
(٨) المقولة [٢٠٢١١] قوله: ((قال العيني إلخ)).