Indexed OCR Text
Pages 721-740
الجزء الثاني عشر
٧٢٣
فصلٌ في الجزية
وهذا للتَّسهيلِ لا لبيانِ الوُجوبِ؛ لأنّه بأوَّلِ الحولِ، "بناية"(١). (ومَن مَلَكَ عشَرَةَ
آلافِ دِرهمٍ فصاعداً غَنِيٌّ، ومَن مَلَكَ مائتي دِرهم فصاعداً مُتَوسِّطٌ، ومَن مَلَّكَ
ما دُونَ المائتين، أو لا يَمْلِكُ شيئاً فقيرٌ) قالَهُ "الكَرخيُّ"، وهو أحسنُ الأقوالِ،
وعليه الاعتمادُ، "بحر"(٢)).
غيرِ المعتملِ بما ذكرْنا؛ ليندفعَ الاستدراكُ على عباراتِ المتونِ، ثمَّ رأيتُ في "القُهستانيِّ)"(٣)
ما يُؤيِّدُهُ؛ حيثُ قالَ: ((وفيهِ إشارةٌ إلى أنَّ الفقيرَ هو الَّذِي يعيشُ بكَسْبِ يدِهِ في كلِّ يومٍ،
فلو فَضَلَ على قُوتِهِ وَقُوْتِ عيالِهِ أُخِذَتْ منه، وإلاَّ فلا، وإلى أنَّ غيرَهُ مَن لا حاجةَ لهُ
إلى الكسبِ للنَّفقةِ في الحالِ)).
[٢٠٠٨٤] (قولُهُ: وهذا للتَسهيلِ إلخ) الإِشارةُ إلى قولِهِ: ((في كلِّ شهرٍ درهمٌ)) وقولِهِ: ((في
كلِّ شهرٍ درهمانٍ)) وقولِهِ: ((في كلِّ شهرٍ أربعةُ))، وفي "القُهِستانيِّ"(٤) عن "المحيطِ"(٥): ((أَنَّها
تَجِبُ في أوَّلِهِ عندَهم؛ لأَنَّهَا جَزَاءُ القتلِ، وبعقدِ الذِّمَّةِ [٣/ ق٤٧ /ب] يَسقُطُ الأَصلُ فَوَجَبَ خَلَفُهُ
في الحالِ، إلاَّ أنَّه يُخاطَبُ بأداءِ الكلِّ عندَهُ في آخرِ الحولِ تخفيفاً، وبأداءِ قِسْطٍ شهرينٍ عندَ "أبي
يوسف" في آخرِهما، وقِسْطِ شهرٍ عندَ "محمَّدٍ" في آخرِهِ)) اهـ. ومثلُهُ فِي "النَّتر خانَّةِ"(٦). فما
ذكرَهُ(٧) "الشَّارِحُ" تبعاً "للهداية" قولُ "محمَّدٍ".
(١) نقول: في نسخة "البناية" التي بين أيدينا اضطراب في هذا الموضع، فليتنبه، انظر "البناية": كتاب السِّير - باب الجزية ٦٦٣/٦.
(٢) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١١٩/٥.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل في تمليك بعض الكفار ٣٢٠/٢.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل في تمليك بعض الكفار ٣٢٤/٢.
(٥) "المحيط البرهاني": كتاب الخراج - النوع الثاني: خراج الرؤوس - وأمَّا بيان وقت وجوب الجزية ١ /ق ١٥٤/أ.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الخراج - الفصل الثامن في المتفرقات - خراج الرؤوس - من تقبل منه الجزية ومن تجب
عليه ٤٤٠/٥.
(٧) صـ ٧٢١ - "در".
فصلٌ في الجزية
واعتَبرَ "أبو جعفر" العُرْفَ، وهو الأصحُّ، "تتارخانية"،
والحاصلُ: أَنَّها تَجِبُ في أوَّلِ العامِ وجوباً مُوَسَّعاً كالصَّلاةِ، وإنَّا يَجِبُ الأداءُ في آخرِهِ أو
في آخرِ كلِّ شهرينٍ أو شهرٍ للتَّسهيلِ والتَّخفيفِ عليهِ.
[٢٠٠٨٥] (قولُ: واعتبرَ "أبو جعفر" العُرْفَ) حيثُ قالَ: ((يُنظَرُّ إلى عادةِ كلِّ بلدٍ في ذلكَ،
ألا تَرَى أنَّ صاحبَ خمسينَ ألفاً بَبْخ يُعَدُّ مِن المكْثِرِينَ، وفي البَصْرةِ وبغدادَ لا يُعَدُّ مُكْثِراً، وذكرَهُ
عن "أبي نصر محمَّد بنِ سلامٍ"(١)))، "فتح"(٢).
[٢٠٠٨٦] (قولُهُ: وهو الأَصَحُّ) صحَّحَهُ في "الولوالحَيَّةَ (٣) أيضاً، قالَ في "الدُّرِّ المنتقى)"(٤).
((والصَّحيحُ في معرفةِ هؤلاءٍ: عُرْفُهم كما في "الكَرْمانيّ"، وهو المختارُ كما في "الإختيار"(٥)، ذكرَهُ
"القُهِسَانِيُّ" (٦)، واعترفَ في "الِحِ"(٧) تبعاً "للبحر "(٨) بأنَّهُ - أي: الَّحديدُ - لم يُذكَرْ في ظاهرِ الرِّوايةِ،
ولا يخفى أنَّ الأَوَّلَ - أي: اعتبارَ العُرْفِ - أقربُ لرأي صاحبِ المذهبِ، وأقرَّهُ في "الشُّرُ نبلالَّةٌ "(٩)،
وفي "شرح المجمع" وغيرِهِ: وينبغي تفويضُهُ للإمامِ، أي: كما هو رأيُ "الإِمامِ"، وفي
"الَّارِ خانَّةٌ"(١٠): أَنَّه الأَصُّ فتبصَّرْ)) اهـ. يعني: أنَّ رأيَ "الإِمامِ)" أنَّ المقدَّراتِ الَّتي لم يَرِدْ بها نصُّ
(١) في "الأصل": ((ابن نصر))، وهو خطأ.
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩١/٥.
(٣) "الولوالجية": كتاب الزكاة - الفصل الرابع: فيما يمرُّ على العاشر وفي العشر إلخ - وأما الجزية ق ٣٠/ب.
(٤) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في أحكام الجزية ٦٧٠/٥ (هامش "مجمع الأنهر").
(٥) "الإختيار": كتاب السِّير - فصل فيما يفعله الإمام مع الحربي إذا دخل دارنا بأمان ١٣٧/٤.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل في تمليك بعض الكفار ٣٢٣/٢.
(٧) "المنح": كتاب الجهاد - باب في بيان أحكام العشر والخراج والجزية - فصل في بيان أحكام الجزية ١/ق ٢٥١/أ.
(٨) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١١٩/٥.
(٩) "الشرنبلالية": كتاب الجهاد - باب الوظائف - فصل في الجزية ٢٩٨/١ (هامش "الدرر والغرر").
(١٠) "التاتر خانية": كتاب الخراج الفصل الثامن في المتفرقات - خراج الرؤوس - الجزية - مَنْ تُقبَلُ منه الجزية إلخ ٤٤١/٥.
الجزء الثاني عشر
٧٢٥
فصلٌ في الجزية
ويُعتَبرُ وُجُودُ هذه الصِّفاتِ في آخرِ السَّنَةِ، "فتح"(١)؛ لأَنَّه وقتُ وُجوبِ الأداء، "نهر" ..
٢٦٧/٣
لا تَنْبُتُ بالرأي، بل تُفُوَّضُ إلى رأي الُبْتَى، كما قالَ في الماءِ الكثيرِ وفي غَسْلِ النَّحاسةِ وغيرِ ذلكَ.
[٢٠٠٨٧] (قولُهُ: وَيُعَبرُ وُجُودُ هذهِ الصِّفَاتِ في آخرِ السَّنَةِ إلخ) قَالَ في "البحر "(٢): ((وينبغي
اعتبارُها في أوَّلِها؛ لأَنَّه وقتُ الوجوبِ)) اهـ. وردَّهُ فِي "الَّهر "(٣): ((بأنّهم اعتبروا وجودَها في
آخرِها؛ لأَنّه وقتُ وجوبِ الأداءِ، ومِن ثَمَّ قالوا: لو كانَ في أكثرِ السَّنةِ غنيّاً أُخِذَ منه جزْيةٌ
الأغنياءِ، أو فقيراً أُخذَت منه جِزْيَةُ الفقراءِ، ولو اعتُبرَ الأَوَّلُ لوَجَبَ إذا كانَ في أوَّلِها غنيّاً فقيراً في
أكثرِها أنْ يَجِبَ جِزْيةُ الأغنياءِ، وليسَ كذلكَ، نعم الأكثرُ كالكلِّ) اهـ. واعترضَهُ "محشِّي
مسكين"(٤): ((بأنَّ ما أوردَهُ على اعتبارِ الأوَّلِ مُشْتَركُ الإلزامِ؛ إذ هو واردٌ أيضاً على اعتبارِ الآخِرِ؛
الاقتضائِهِ وُجُوبَ جِزْيةِ الأغنياءِ إذا كانَ غنّاً في آخرِها فقيراً في أكثرِها)) اهـ.
قلتُ: وحاصلُهُ: أَنَّه إذا كانَ المُعَبرُ الوصفَ الموجودَ في أكثرِ السَّنَةِ فلا فرقَ بينَ كونِهِ في
أوَّلِها أو آخِرِها، وعلى هذا فمَن اعتبرَ آخرَها أرادَ إذا كانَ ذلكَ الوصفُ موجوداً في أكثرِها،
وعلى هذا فلا اعتبارَ لخصوصٍ(٥) الأوَّلِ والآخِرِ، لكنْ سَيَذكُرُ(٦) "المصنّف": ((أَنَّ المعتبرَ فِي الأَهلِيَّةِ
وعدمِها وقتُ الوَضْعِ، بخلافِ الفقيرِ إذا أَيسَرَ بعدَ الوَضْعِ حيثُ تُوضَعُ عليهِ)).
وحاصلُهُ على وجهٍ يَحصُلُ بِه الّوفيقُ بِينَهُ وبينَ اعتبارِ أكثرِ السَّنةِ: أنَّ مَن كانَ مِن أهلِها
وقتَ الوَضْعِ وُضِعَتْ عليهِ، وذلكَ بأنْ يكونَ حُرّاً مُكلَّفاً، وإلاّ لم تُوضَعْ عليهِ وإنْ صارَ أهلاً بعدَهُ
كما سيأتي(٧)، ومَن كانَ أهلاً وقتَ الوَضْعِ لكنْ قامَ به عُذْرٌ لم تُوضَعْ عليهِ إلَّ إذا زالَ العُذْرُ بعدَهُ،
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩١/٥.
(٢) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١١٩/٥.
(٣) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق ٣٣٢/أ.
(٤) "فتح المعين": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٤٥١/٢.
(٥) في "الأصل": ((لحصول)).
(٦) صـ٧٣٢-٧٣٣ - "در".
(٧) المقولة [٢٠١٠٦] قوله: ((لم توضع عليه)).
حاشية ابن عابدين
٧٢٦
فصلٌ في الجزية
(وتُوضَعُ على كِتَابِيٌّ) يَدخلُ في ..
كالفقيرِ إذا أيسرَ والمريضِ إذا صَحّ، لكنْ بشرطِ أنْ يبقى مِن السَّنةِ أكثرُها، وعلى هذا فُعتَبرُ
أوَّلُ السَّنّةِ لتعرُّفِ الأهلِ مِن غيرِهِ، وبعدَ تحقُّقِ الأهليّةِ لا يُعتَبرُ أَوْلُها في حقِّ تغيُّرِ الأوصافِ بل
يُعَتَبرُ أكثرُها فِيهِ، كما إذا كانَ مريضاً في أوَّلِها فيإنْ صَحَّ بعدَهُ في أكثرِها وجَبَتْ، وإلاَّ فلا،
وكذا لو كانَ فقيراً غيرَ مُعَتَمِلٍ ثُمَّ صارَ فقيراً مُعَتَمِلاً أو متوسِّطاً أو غنّاً في أكثرِها، وعلى هذا
يُحمَلُ ما في "الولوالجَّة"(١) وغيرِها: ((مِن أنَّ الفقيرَ لو أَيسَرَ في آخرِ السَّنةِ أُخِذَت منهُ)) اهـ.
أي: إذا أيسرَ أكثرَها، وعلى هذا عكسُهُ بأنْ كانَ غنيّاً في أوَّلِها فقيراً في آخرِها اعتُبرَ ما وُجِدَ في
أكثرِها، لكنْ على(٢) ما مرَّ(٣) : - مِن أَنَّه يؤخذُ في كلِّ شهرٍ قِسْطٌ - يُؤْخَذُ - ثَمن كانَ غنيّاً في
أوَّلِها شهرينِ مثلاً - قِسْطُ شهرينِ دونَ الباقي؛ لِما في "القُهِسنانِّ (٤) عن "المحيطِ" (٥): ((يَسقُطُ
الباقي في جِزْيةِ السَّنةِ إذا صارَ شيخاً كبيراً أو فقيراً أو مريضاً نصفَ سنةٍ أو أكثرَ)) اهـ. وأشارَ
إلى أنَّ ما نَقَصَ عن نصفِ [٤٨/٣/ ١] سنةٍ لا يُجعَلُ عُذْراً، ولذا قالَ في "الفتحِ" (٦): ((إِنَّا يُوظّفُ
على المُعَتَمِلِ إذا كانَ صحيحاً في أكثرِ السَّةِ، وإلاَّ فلا جِزْيَةَ عليهِ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَخُلُو عن قليلٍ
مرضٍ، فلا يُجعلُ القليلُ منهُ عُذْرً، وهو ما نَقَصَ عن نصفِ العامِ)) اهـ. هذا ما ظَهَرَ لي في
تحريرِ هذا المحلِّ، والله تعالى أعلمُ.
[٢٠٠٨٨] (قولُهُ: وَتُوضَعُ على كِتَابِيٍّ) أي: ولو عربيّاً، "فتح"(٧). والكتابيُّ: مَن يعتقدُ ديناً
(١) "الولوالجية": كتاب الزكاة - الفصل الرابع فيما يَمرُّ على العاشر في العشر إلخ - وأما الجزية ق ٣٠/ب.
(٢) ((على)) ساقطة من "م".
(٣) صـ ٧٢١ - "در".
(٤) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل في تمليك بعض الكفار ٣٢٤/٢.
(٥) "المحيط البرهاني": كتاب الخراج - الفصل الثامن في المتفرقات - النوع الثاني وهو خراج الرؤوس ١ /ق ١٥٤ /أ- ب.
(٦) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩١/٥ بتصرف.
(٧) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩١/٥.
الجزء الثاني عشر
٧٢٧
فصلٌ في الجزية
اليهودِ السَّامِرَةُ؛ لأَنَّهم يَدينونَ بِشَريعةِ "موسى" عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي النّصارى
الفِرَنجُ والأَرمنُ، وأمَّا الصَّابئةُ؛ ففي "الخانيةِ"(١): ((تُؤَخَذُ منهم عندَهُ، خلافاً لهما))
(ومَحُوسِيٍّ) ولو عَربّاً؛ لوَضعِهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ(٢) ..
سماوياً أي: مُنزَّلاً بكتابٍ كاليهودِ والنّصارى.
[٢٠٠٨٩] (قولُهُ: السَّامِرَةُ) فاعلُ: ((يدخلُ))، وهم فِرْقَةٌ مِن اليهودِ، وتُخالِفُ اليهودَ في أكثرِ
الأحكامِ، ومنهم السَّامريُّ الَّذِي وَضَعَ العِحْلَ وعَبَدَهُ، "مِصباح"(٣).
[٢٠٠٩٠] (قولُهُ: والأَرْمَنُ) نسبةٌ على خلافِ القياسِ إلى إرْمِنِيَةَ بكسرِ الهمزةِ والميمِ بينَهما
راءٌ ساكنةٌ، وبفتحِ الياءِ الَّنيةِ بعدَ النُّونِ، وهي ناحيةٌ بالرومِ كما في "المصباح"(٤).
(٢٠٠٩١] (قولُهُ: تُؤَخَذُ منهم عندَهُ، خلافً لهما) أي: بناءً على أنَّهم مِن النّصارى أو مِن اليهودِ
فهم مِن أهلِ الكتابِ عندَهُ، وعندَهما: يعبدون الكواكبَ فليسوا مِن الكتابِينَ، بل كعبدة الأوثانِ
كما في "الفتح"(٥) و "النّهر" (٦)، قالَ "ح"(٧): ((أقولُ: ظاهرُ كلامِهم: أنَّ الصَّابئةَ مِن العربِ؛ إذ لو
كانوا مِن العَجَمِ لَما تَأَنَّى الخلافُ؛ لِما علمتَ أنَّ العَجَمِيَّ تُؤخَذُ منهُ الجِزْيَةُ ولو مشركاً)) اهـ.
قلتُ: ويؤيِّدُهُ ما نقلَهُ "السائحانيُّ" عن "البدائعِ"(٨): ((مِن أَنَّه عندَهما تُؤَخَذُ منهم
[٤/ ق ٢٧٢/ ١] الجزيةُ إذا كانوا مِن العَجَمِ؛ لأَنّهم كعبدةِ الأوثانِ)) اهـ.
[٢٠٠٩٢] (قولُهُ: ومَحُوسِيٍّ) مَن يَعْبُدُ النَّارَ، "فتح"(٩).
(١) "الخانية": كتاب السِّير - باب الردَّة وأحكام أهلها - فصل في أهل الذمة وما يؤخذ منهم من الجزية إلخ ٥٨٨/٣
بتصرف. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) سيأتي تخريجه ص ٧٣٤ -.
(٣) "المصباح المنير": مادة ((سمر)).
(٤) "المصباح المنير": مادة ((رمن)).
(٥) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩١/٥.
(٦) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق ٣٣٢/ب.
(٧) "ح": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ق ٢٦٤ /أ.
(٨) "البدائع": كتاب السِّير - مطلب: وأما الصابئون ١١١/٧.
(٩) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩١/٥ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٧٢٨
فصلٌ في الجزية
على مَحُوسِ هَحَرَ (ووَتِنِيٌّ عَجمِيَّ) لجوازِ استِرقاقِهِ، فجاز ضَرْبُ الجزْيةِ عليه
(لا) على وَثِنِيَ (عربيّ)
[٢٠٠٩٣) (قولُهُ: على مَجُوسِ هَحَرَ (١)) بفتحتينِ(٢)، قالَ في "الفتح"(٣): ((بلدةٌ في
البحرينِ)) اهـ. وفي "المصباح"(٤): ((وقد أُطلِقَتْ على ناحيةِ بلادِ البحرينِ وعلى جميعِ الإقليمِ،
وهو المرادُ بالحديثِ)) اهـ. وفيهِ(٥) أيضاً: ((البحرانِ على لفظِ الَّثنيةِ: مَوضِعٌ بينَ البصرةِ
وعُمَانَ، وهو مِن بلادٍ نَحْدٍ)).
/٢٠٠٩٤] (قولُهُ: وَوَثَنِيٌّ عَجَمِيٍّ) الوَثَنُ: ما كانَ منقوشاً في حائطٍ ولا شَخْصَ لهُ، وَالصَّنَمُ:
ما كانَ على صورةِ الإِنسان، والصَّليبُ: ما لا نَقْشَ لهُ ولا صورةَ ولكنَّهُ يُعَبَدُ، "مِنح)"(٦) عن
"السِّراج"، ومثلُهُ في "البحر"(٢)، لكنْ ذكرَ (٧) قبلَهُ: ((الوَثَّنُ: ما لهُ جُنَّةٌ مِن خَشَبٍ أو حَجَرٍ أو فِضَّةٍ
أو جَوْهَرٍ يُنحَتُ، والجمعُ أوثاثٌ، وكانَت العربُ تَنَصِبُها وتَعْبُدُها)) اهـ. وفي "المصباح"(٨):
((الوَثَّنُ: الصَّنُمُ سواءٌ كانَ مِن خَشَبٍ أو حَجَرٍ أو غيرِهٍ)) اهـ. والعَجَميُّ: خلافُ العربيِّ.
[٢٠٠٩٥ ) (قولُهُ: جوازِ استرقاقِهِ إلخ) وإنّا لم تُضرَبِ الجِزْيَةُ على النّساءِ والصِّيانِ معَ جوازٍ
استرقاقِهم؛ لأَنَّهم صاروا أتباعاً لأصولِهم في الكفرِ فكانوا أتباعاً في حُكْمِهِم، فكانَتِ الجِزْيةُ عن
الرَّجلِ وأتباعِهِ في المعنى إنْ كانَ لهُ أتباعٌ، وإلاَّ فهيَ عنهُ خاصَّةً، "فتح"(٩).
(١) في "ك": ((خر))، وهو تحريف.
(٢) في "ب": ((فتتحتين))، وهو خطأ طباعيٌّ.
(٣) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩١/٥.
(٤) "المصباح المنير": مادة ((هجر)) بتصرف.
(٥) "المصباح المنير": مادة ((بحر)).
(٦) "المنح": كتاب الجهاد - باب في بيان أحكام العشر والخراج والجزية - فصل في بيان أحكام الجزية ١ /ق ٢٥١/ب.
(٧) "البحر": كتاب الشير - باب العشر والخراج والجرية - فصل في الجزية ١٢٠/٥.
(٨)
الجزء الثاني عشر
٧٢٩
فصلٌ في الجزية
لأنَّ المعجزةَ في حقِّه أظهرُ فلم يُعذَرْ (ومُرتَدٍّ) فلا يُقبَلُ منهُما إلَّ الإِسلامُ أو السَّيفُ،
ولو ظَهَرْنا عليهم فِنِساؤُهُم وصِبيانُهُمْ فَيٌّ ..
/٢٠٠٩٦) (قولُهُ: لأنَّ المعجزةَ في حقِّهِ أَظْهَرُ) لأنَّ القرآنَ نَزَلَ بلغتِهم فكانَ كفرُهم - والحالةُ
هذهِ - أغلظَ مِن كُفْرِ العَجَمِ، "فتح"(١)، وأوردَ في "النّهر" (٢): ((أنَّ هذا يَشْمَلُ ما إذا كانَ كتابّاً))
اهـ. فُيُخالِفُ ما مرَّ(٣) مِن أَنَّها تُوضَعُ عليهِ.
قلتُ: والجوابُ: أَنَّه وإِنْ شَمِلَهُ لكنْ خُصَّ بقولِهِ تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ﴾
[التوبة - ٢٩] اهـ. ثُمَّ رأيتُهُ في "الشُّرُ بِلالَةَ" (٤).
[٢٠٠٩٧] (قولُهُ: فلا يُقبَلُ منهما) أي: مِن العربيِّ الوثنيِّ والمرتدّ إلاَّ الإِسلامُ، وإنْ لم يُسْلِمَا
٢٦٨/٣ قُتِلا بالسَّيفِ، وفي "الدُّرِّ المنتقى" (٥) عن "البِرْجنديّ": ((أنَّ نسبةَ القَبولِ إلى السَّيفِ مُسامَحَةٌ)).
[٢٠٠٩٨] (قولُهُ: ولو ظَهَرْنا عليهم فنساؤُهم وصِبْيانُهم فَي ءٌ)؛ لأنَّ أبا بكرِ الظُّله استرقَّ نساءَ
بني حنيفةَ وصبيانَهم لَّا ارتدُّوا، وَقَسَمَهم بينَ الغانمِينَ(٦)، "هداية"(٧). قالَ في "الفتح"(٨): ((إلاَّ أنَّ
ذَرَاريَ المرتدِّينَ ونساءَهم يُجَبَرونَ على الإسلامِ بعدَ الاسترقاقِ، بخلافِ ذَراري عَبَدةِ الأوثان
(قولُ "الشَّارحِ": ولو ظَهَرْنا عليهم) أي: المرتدِّينَ ومشركي العربِ اهـ "سنديّ".
(قوله: أنَّ نِسَبَةَ القَبولِ إلى السَّيْفِ مُسامَحَةٌ) وقال "الرحمتي": معناه الاستسلام له. اهـ سندي.
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩٢/٥.
(٢) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق ٣٣٢/ب.
(٣) المقولة [٢٠٠٨٨] قوله: ((وتوضع على كتابي)).
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الجهاد - باب الوظائف - فصل في الجزية ٢٩٨/١ (هامش "الدرر الغرر").
(٥) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في أحكام الجزية ٦٧١/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٦) أخرجه الواقدي في كتاب الرِّدَّة كما قال الكمال في "الفتح" ٢٩٣/٥، والطبري في "تاريخه" ١١٨/٤ عن ابن اسحاق مرسلاً
مع أن هذا الأمر متواتر عن أبي بكر ظُه، ومحمد بن علي بن أبي طالب يسمى ابن الحنفية وزيد بن عبد الله بن عمر ابنُ امرأة
من ذلك السَّبِي.
(٧) "الهداية": كتاب السِّير - باب الجزية ١٦٠/٢.
(٨) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩٣/٥.
حاشية ابن عابدين
٧٣٠
فصلٌ في الجزية
(وصَبِيٌّ، وامرأةٍ، وعبدٍ) ومُكاتَبٍ ومُدَّرٍ ..
ءُ
لا يُجَرونَ)) اهـ. أي: وكذا نساؤُهم، والفرقُ: أنَّ ذَراريَ المرتدِّينَ تَبَعّ لهم فُيُحبَرونَ مثلَهم،
وكذا نساؤُهم لسَبْقِ الإسلامِ منهنَّ.
(تنبيةٌ)
مطلبٌ: الزِّنديقُ إذا أُخِذَ قبلَ الَّوبةِ يُقْتَلُ ولا تُؤْخَذُ منهُ الجِزْيَةُ
قالَ في "الفتح"(١): ((قالوا: لو جاءَ زِنْدِيقٌ قبلَ أنْ يُؤْخَذَ فأخبرَ بأَنَّه زِنْدِيقٌ وتابَ تُقبَلُ توبتُهُ،
فإنْ أُخِذَ ثُمَّ تابَ لا تُقبَلُ توبتُهُ ويُقْتَلُ؛ لأَنّهم باطنيّةٌ يعتقدونَ في الباطنِ خلافَ ذلكَ فُقْتَلُ
ولا تُؤْخَذُ منهُ الجِزْيَةُ)) اهـ. وسيأتي(٢) في بابِ المرتدّ أنَّ هذا النَّفصيلَ هو المفَتَّى بِهِ، وفي
"الْقُهِسَانِيِّ (٣): ((ولا تُوضَعُ على المبتدعِ ولا يُسْتَرِقُّ وإنْ كانَ كافراً، لكنْ يُبَاحُ قَلُهُ إذا أظهرَ
بِدْعَتَهُ ولم يَرْجِعُ عن [٣/ق٤٨/ب] ذلكَ، وتُقبَلُ توبتُهُ، وقالَ بعضُهم: لا تُقبَلُ توبةُ الإِباحيَّةِ والشيعةِ
والقرامطةِ والزَّنادقةِ مِن الفلاسفةِ، وقالَ بعضُهم: إنْ تابَ المبتدِعُ قبلَ الأخذِ والإظهارِ تُقبَلُ، وإنْ
تابَ بعدَهما لا تُقبَلُ كما هو قياسُ قولِ "أبي حنيفةً" كما في "التَّمهيدِ السَّالميّ" (٤)) اهـ. قالَ في
"الدُّرِّ المنتقى)" (٥): ((واعتمدَ الأخيرَ صاحبُ "التّويِ "(٦))).
[٢٠٠٩٩) (قولُهُ: وصَبِيِّ) ولا مجنونٍ، "فتح)(٧).
٢٠١٠٠١) (قولُهُ: وامرأةٍ) إلَّ نساءً بني تغلبَ، فإِنَّها تُؤخَذُ مِن نسائِهم كما تُؤْخَذُ من
رجالِهم؛ لوجوبِهِ بالصُّلْحِ كذلكَ كما سيأتي(٨).
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩٣/٥.
(٢) المقولة [٢٠٣٤٢] قوله: ((فبعد أخذه)).
(٣) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل في تمليك بعض الكفار ٣٢٢/٢.
(٤) "التمهيد في بيان التوحيد": لأبي شكور محمد بن عبد السيد بن شعيب الكشي السَّالمي. ("كشف الظنون" ٤٨٤/١).
(٥) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في أحكام الجزية ٦٧١/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٦) انظر "الدر" عند المقولة [٢٠٣٧٢] قوله: ((لكن في حظر "الخانية" إلخ)).
(٧) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩٣/٥.
(٨) المقولة [٢٠٢٢٠] قوله: ((تغلبيٍّ وتغلبيَّة)).
الجزء الثاني عشر
٧٣١
فصلٌ في الجزية
وابنِ أُمِّ وَلَدٍ (وزَمِنٍ) مِن زَمِنَ يَزِمَنُ زَمانةُ: نَقَصَ بعضُ أعضائِه أو تَعطَّلَ قُواهُ،
فدَخَلَ الَفُلُوجُ والشَّيخُ العاجزُ (وأعمَّى، وفقيرٍ غيرِ مُعتَمِلٍ، ورَاهبٍ لا يُخالِطُ)
الأَنَّه لا يُقتلُ، والجِزْيَةُ لإسقاطِهِ،.
[٢٠١٠١] (قولُهُ: وابنٍ أَمِّ ولدٍ) صورتُهُ: استولدَ جاريةً لها وَلَدٌ قد مَلَكَهُ معَها، فإنَّ الولدَ يَتَبَعُ
أمَّهُ فِي الْحُرِّية(١) والتَّدبيرِ والاستيلادٍ.
(تنبيةٌ)
قالَ في "الدُّرِّ المنتقى)"(٢): ((سَقَطَ مِن نُسَخِ "الهدايةِ"(٣) لفظُ: ((ابنِ))، وتبعَهُ
"القُهستانِيُّ" (٤)، بل زادَ: ((وأَمٍ)) ولا ينبغي؛ فإنَّ مِن المعلومِ أنْ لا حِزْيَةَ على النّساءِ الأحرارِ
فكيفَ بأمِّ الولدِ؟! وإنَّ المرادُ: ابنُ أمِّ الولدِ)).
[٢٠١٠٢] (قولُهُ: وفقيرٍ غيرِ مُعتَمِلٍ) تقدَّمَ (٥) الكلامُ عليهِ.
[٢٠١٠٣) (قولُهُ: لأَنَّه لا يُقْتَلُ إلخ) الأصلُ؛ لأنَّ الجِزْيَةَ لإسقاطِ القتلِ فمَن لا يَجِبُ قتُلُهُ
لا تُوضَعُ عليهِ الجزيةُ، إلاّ إذا أعانُوا برأيٍ أو مالٍ فَتَحِبُ الجِزْيَةُ كما في "الإختيار "(٦) وغيرِهِ، "درّ
منتقى"(٧) و"قُهِستانِيُّ)(٨).
(قولُهُ: صورتُهُ: استولَدَ جاريةً لها وَلَدٌ قد مَلَكَهُ إلخ) في هذهِ الصُّورَةِ لا يتَبَعُ الولدُ أُمَّهُ لانفصالِهِ
قبلَ كونِها أمَّ ولدٍ، تأمّل. نعم إذا زوجَ أمَّ ولدِهِ وأَتَتْ بولدٍ كانَ كأمِّهِ.
(١) في "الأصل": ((الجزية)).
(٢) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في أحكام الجزية ٦٧١/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٣) "الهداية": كتاب السِّير - باب الجزية ١٦٠/٢.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل في تمليك بعض الكفار ٣٢٤/٢.
(٥) المقولة [٢٠٠٨٣] قوله: ((على فقيرٍ مُعتَمِلٍ)).
(٦) "الإختيار": كتاب السِّير - فصل فيما يفعله الإمام مع الحربي إذا دخل دارنا بأمان ١٣٨/٤.
(٧) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في أحكام الجزية ٦٧٢/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٨) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل في تمليك بعض الكفار ٣٢٣/٢-٣٢٤.
حاشية ابن عابدين
٧٣٢
فصلٌ في الجزية
وجَزَمَ "الحدَّادِيُّ" بُوُجُوبِها، ونقلَ "ابنُ كمالٍ": ((أَنّه القِياسُ))، ومُفادُهُ: أنَّ
الاستحسانَ بخِلافِه، فتأمَّل. (والمُعتَبَرُ (١) في الأهليَّةِ) للجزْيةِ (وعَدمِها وقتُ الوضعِ)
فمَن أفاقَ أو عَتَقَ أو بَلَغَ أو بَرِئَ بعد وَضْعِ الإِمامِ،.
[٢٠١٠٤] (قولُهُ: وجَزَمَ "الحدَّادِيُّ"(٢) بوجوبِها) أي: إذا قَدَرَ على العمل؛ حيثُ قَالَ: ((قولُهُ:
ولا على الرُّهبانِ الَّذِينَ لا يخالطونَ النَّاسَ: هذا محمولٌ على أَنَّهم إذا كانوا لا يَقْدِرونَ على العملِ،
أمَّا إذا كانوا يَقْدِرُونَ فعليهم الجِزْيَةُ؛ لأنَّ القُدْرةَ فيهم موجودةٌ، وهم الَّذينَ ضيّعوها فصارَ كتعطيلٍ
أرضِ الخَراجِ)) اهـ. وبِهِ جَزَمَ في "الإختيار "(٣) أيضاً كما في "الشُّرُ نبلاليَّةُ (٤)، قالَ في "الَّهرِ"(٥):
((وجعلَهُ في "الخانَّةً "(٦) ظاهرَ الرِّوايةِ؛ حيثُ قالَ: وَيُؤْخَذُ مِن الرُّهبانِ والقسيسينَ في ظاهرِ الرِّوايةِ،
وعن "محمَّد": أَنَّها لا تُؤْخَذُ)) اهـ.
[٢٠١٠٥] (قولُ: وَقَلَ "ابنُ كمال": أَنَّهُ القياسُ) فيهِ نظرٌ؛ لأَنَّه قالَ في شرحٍ قولِهِ: ولا على
راهبٍ لا يُخالِطُ: ((فَأَمَّا الرُّهبانُ وأصحابُ الصَّوامعِ الَّذِينَ يخالطونَ النَّاسَ فقالَ "محمَّد": كانَ "أبو
حنيفةً": يقولُ بوَضْعِ الْجِرْبةِ إذا كانوا يَقْدِرونَ على العملِ، وهو قولُ "أبي يوسف"، قالَ "عمروُ بنُ
أبي عمر"(٧): قلتُ لـ "محمَّدٍ": فما قولُكَ؟ قالَ: القياسُ ما قالَ "أبو حنيفةً"، كذا في "شرح
الْقُدُورِيِّ" لـ "الأَقطع"(٨)) اهـ. وبِهِ عُلِمَ أنَّ هذا في المخالِطِ، على أنَّ هذهِ الصِّغةَ مِن "محمَّدٍ " تُفيدُ
اختيارَهُ قولَ "أبي حنيفةً" ولا تُفيدُ أنَّ مُقابلَهُ هو الاستحسانُ الَّذي يُقدَّمُ على القياسِ، ووجهُ كونِهِ
هو القياسَ: أَنَّا لو ظَهَرْنا على دارِ الحربِ لنا أنْ تَقْتُلَ الرَّاهبَ الْمُخالِطَ، بخلافِ غيرِ الْمُخالِطِ، وقد مرّ(٩)
(١) في "و": ((والعبرة)).
(٢) "الجوهرة النيرة": كتاب السِّير ٣٧٥/٢.
(٣) "الإختيار": كتاب السِّير - فصل فيما يفعله الإمام مع الحربي إذا دخل دارنا بأمان ١٣٨/٤.
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الجهاد - باب الوظائف - فصل في الجزية ٢٩٨/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق ٣٣٢/ب.
(٦) "الخانية": كتاب السِّير - فصل في أهل الذمة - وما يؤخذ منهم من الجزية ٥٨٧/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) عمرو بن أبي عمر، من أصحاب محمد بن الحسن. (الجواهر المضية ٦٧٧/٢، طبقات الفقهاء للشيرازي صـ١٣٩-).
(٨) تقدمت ترجمته ٣٧١/١.
(٩) المقولة [٢٠١٠٣] قوله: ((لأنه لا يُقتلُ إلخ)).
الجزء الثاني عشر
٧٣٣
فصلٌ في الجزية
لم تُوضَع عليه (بخلافِ الفقيرِ إذا أَيسَرَ بعد الوَضْعِ؛ حيثُ تُوضَعُ عليه) لأنَّ سُقوطَها
العَجْزِهِ وقد زال، "إختيار" (وهي) أي: الجِزْيَةُ ليست رضَى مَنَّا بكُفرِهم كما طَعَنَ
المُلْحِدةُ، بل إنَّما هي (عُقُوبٌ) لهم على إقامتِهِم (على الكُفْرِ)
((أَنَّ مَن لا يُقتَلُ لا تُوضَعُ الجِزْيةُ عليهِ))، وهذا القياسُ هو مفهومُ ما جرى عليهِ أصحابُ المتونِ،
فكيفَ هو المذهبُ؟! وما مرَّ(١) عن "الخانيّة" يُمكِنُ حَمُهُ عليهِ، فلا يلزمُ أنْ يكونَ "المصنّف" مَشَى
على خلافٍ ظاهرِ الرِّوايةِ، فافهم.
[٢٠١٠٦] (قولُهُ: لم تُوضَعْ عليهِ) لأنَّ وقتَ الوجوبِ أوَّلُ السَّهِحدَ وقطع الإنسان، فإنَّ الإِسما
يُحدِّدُ الوَضْعَ عندَ رأسِ كلِّ سنةٍ؛ لتغُّرِ أحوالِهِم ببلوغِ الصَّبِيِّ وَعِنْشِ الْعِيدْرِكُ ..
وعَتَقَ العبدُ بعدَ الوَضْعِ فقد مَضَى وقتُ الوجوبِ فلم يكُونَا أَثلاً :ٍ ..
[٢٠١٠٧) (قولُهُ: بخلافِ الفقيرِ) أي: غيرِ المُعْتَمِلِ إذا أبصر !...
[٢٠١٠٨] (قولُهُ: لأنَّ سُقُوطَها لَعَجْزِهِ) لأنَّ الفقِيرَ أهلٌ وَهُمٍاهلها
أي: لكونِهِ حُرَّ مُكلَّفاً، لكنَّهُ معذورٌ بالفقرِ، فإذا زالَتَ أُخِذَاتِ مِنْهُ لَكَرُ إِنْ بَغِ
على ما قدَّمنا(٥) تحريرَهُ.
[٢٠١٠٩] (قولُهُ: كما طَعَنَ المُلْحِدةُ) أي: الطَّاعنونَ في الدِّينِ، قالَ في "المصباحِ"(٦) ((لَحَدَ
الرَّجلُ في الدِّينِ لِحْدًاً وألحدَ إلحادً: طَعَنَ)).
[٢٠١١٠] (قولُهُ: إنَّ هي عُقُوبٌ لهم) ولأَنّها دعوةٌ إلى الإسلامِ بأحسنِ الجهاتِ، وهو أنْ يَسْكُنَ
(١) صـ ٧٢٧ - "در".
(٢) "الولوالجية": كتاب الزكاة - الفصل الرابع: فيما يمرُّ على العاشر وفي العشر إلخ - وأما الجزية فى ٣٠/ب.
(٣) "ط": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٤٧٠/٢.
(٤) "الإختيار": كتاب السِّير - فصل فيما يفعله الإمام في الحربي إذا دخل دارنا بأمان ١٣٨/٤.
(٥) المقولة [٢٠٠٨٧] قوله: ((ويعتبرُ وجود هذه الصفات في آخرِ السَّنة إلخ)).
(٦) "المصباح المنير": مادة ((أُلحَّ)).
حاشية ابن عابدين
٧٣٤
فصلٌ في الجزية
فإذا جاز إمهالُهُم للاستدعاء إلى الإيمان بدُونِها فبها أَوْلِى، وقال تعالى:
﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾[التوبة - ٢٩]، وأَخذَها عليه الصَّلاةُ
والسَّلامُ من مَجوسِ هَجَرَ ونَصارى نجرانَ وأَقرَّهم على دِينِهم،.
بينَ المسلمينَ فيرى محاسنَ الإسلامِ فُيُسْلِمَ معَ دَفْعِ شرِّهِ في الحالِ، "ُهِستانِيُّ) (١).
(٢٠١١١] (قولُهُ: فإذا جازَ إمهالُهُمْ) أي: تأخيرُهم بلا جِزْيَةٍ، ((للاستدعاءِ إلى الإِيمانِ)) أي:
لأجلِ دُعائِهم إليهِ بمحاربتهم وقتالِهم بدونِها، فبها أَوْلى، أي: فإمهالُهم للاستدعاءِ إلى الإِيمانِ
بالجزيةِ أَولى؛ لأنَّ مخالطَتَهم للمسلمينَ ورؤيتهم حُسْنَ سِيْرتِهم تدعوهم إلى الإسلامِ كما علمتَ،
فيحصُلُ المقصودُ بلا قتالٍ فيكونُ أَولى، هذا ما ظهرَ لي [٣/ق ٤٩ /١] في تقريرِ كلامِهِ. وقد صرَّحَ "أبو
يوسف" في "كتابِ الخراجِ"(٢) بأنَّه لا يجوزُ تركُ واحدٍ بلا جِزْيَةٍ، فَعُلمَ أنَّ المرادَ ما قرَّرناهُ، فتأمَّل.
٢٠١١٢١] (قولُهُ: وقالَ تعالى إلخ) لا حاجةً إلى سَوْقِ الدَّيلِ النَّقليِّ هنا؛ لأنَّ المُلْحِدَ مُعْتَرِضٌ
على مشروعيَّةِ هذا الحُكْمِ مِن أَصِلِهِ.
٢٦٩/٣
(٢٠١١٣] (قولُهُ: وَنَصَارَى نَحْرانَ) بلدةٌ مِن بلادِ هَمْدَانَ مِن الیَمنِ، "مِصباح"(٣)، وفي
"الفتحِ"(٤): («روى "أبو داود" عن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهما قالَ: صالحَ رسولُ اللهِ لَّ
أهلَ نجرانَ على ألفَي حُلَّةٍ، النّصفُ فِي صَغَرَ، والنّصفُ فِي رَحَبٍ)(٥).
(١) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل في تمليك بعض الكفار ٣٢٢/٢.
(٢) "الخراج": فصل فيمن تجب عليه الجزية صـ١٢٢ - باختصار (ضمن "موسوعة الخراج").
(٣) "المصباح المنير": مادة ((نجر)).
(٤) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٨٨/٥.
(٥) أخرجه أبو داود (٣٠٤١) كتاب الخراج والإمارة - باب في أخذ الجزية، والبيهقي ١٨٧/٩ في الجزية - باب
تُؤخذ الجزية منهم عرباً كانوا أو عجماً، (١٩٥) باب لا تهدم لهم كنيسة ولا بيعَة، والضياء المقدسي في
"المختارة" ٥٠٩/٩، وأبو الشيخ ابن حيَّان في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٤٠) من طريق أسباط بن نصر عن
إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدي القرشي عن ابن عباس فذكره مرفوعاً، وفي سماع السدي من ابن عباس نظر . =
الجزء الثاني عشر
٧٣٥
فصلٌ في الجزية
ثُمَّ فَرَّعَ عليه بقولِهِ: (فَتَسقُطُ بالإِسلامِ) ولو بعد تَمامِ السَّنَةِ، وَيسقُطُ الْمُعجَّلُ لسنةٍ
لا لسنتين، فيُرَدُّ عليه سنةٌ، "خلاصة" (١).
[٢٠١١٤) (قولُهُ: ثمَّ فَرَّعَ عليهِ) أي: على كونِها عقوبةً على الكفرِ.
[٢٠١١٥] (قولُهُ: ولو بعدَ تمامِ السَّنّةِ) يَجِبُ أنْ تُحمَلَ البعديَّةُ على المقارنةِ للتَّمامِ؛ لأَنَّه لو
أسلمَ بعدَ النَّمامِ بعدَّةٍ فالسقوطُ بالتّكرارِ قبلَ الإِسلامِ لا بالإِسلامِ. اهـ "ح)(٢).
قلتُ: لكنَّ تحقَّقَ التِّكرارِ بدخولِ السَّةِ الثّانيةِ فيهِ خلافٌ كما تعرفُهُ.
[٢٠١١٦] (قولُهُ: وَيَسقُطُ المُعَجَّلُ) على تقديرِ مضافٍ، أي: يَسقُطُ ردُّهُ، فالسُّقُوطُ هنا عن
الإمامِ لا عنهُ، بخلافِ الواقعِ في "المتنِ".
[٢٠١١٧] (قولُهُ: فَيُرَدُّ عليهِ سنةٌ) أي: لو عَجَّلَ لسنتينٍ؛ لأنّه أدَّى خَرَاجَ السَّنةِ الثّانيةِ قبلَ
(قولُهُ: لأَنَّه أدَّى خَرَاجَ السَّنةِ الثّانيةِ قبلَ الوجوبِ إلخ) هذا يقتضي أنَّه لو دَفَعَ حقَّ السَّنةِ الآتيةِ
في آخرِ السَّةِ الَّتِي هو فيها ثمَّ أسلمَ قبلَ أنْ تَدخُلَ السَّنةُ أَنَّه يُرَدُّ عليه ما دفعَهُ. اهـ "سنديّ".
= وأخرجه أبو عبيد في "الأموال" (٥٠٣) و(٥٠٤) من طريق سعدان بن أبي يحيى عن عبيد الله بن أبي حميد - وهو
متروك - عن أبي المليح الهذلي مرسلاً في كتاب النبي # في أهل نجران، و(٥٠٦) عن عثمان بن صالح ثنا ابن
لهيعة عن أبي الأسود عن عروة ... نحوه مرسلاً.
وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٢٨٨/١، وأبو يوسف في "الخراج" صـ ٢٧-، وأخرجه الفاكهي في "أخبار مكة"
١٠٧/٥ (٢٩١٨) عن سعيد بن عبد الرحمن ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار في كتاب النبي ® لأهل
نجران مرسل، وأخرجه أبو يوسف في "الخراج" صـ١٢٩ - حدثنا الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن دينار عن بَحَالة
ابن عبدة العنبري أنه كان كاتباً لجزء بن معاوية، قال: ((وكتب إليه عمر بن الخطاب ظلّه أن خُذْ ممن قِبَلك من
المجوس الجزية، فإن رسول الله ﴿ أخذ الجزية من مجوس هجر)) إلا أنَّ الحجاج فيه ضعف.
وأخرج أيضاً صـ٧٥- عن الحسن بن عُمَارة عن محمد بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن سابط عن يعلى بن أمية
قال: لما بعثني عمره على خراج أهل نجران .... وانظر في قصة وفد نجران وفرض الجزية عليهم "دلائل النبوة"
للبيهقي ٣٨٥/٥-٣٩١ و"الطبقات" لابن سعد ٣٥٧/١ - ٣٥٨
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الزكاة - الفصل العاشر: في العشر والخراج والجزية - نوع آخر في الجزية ق ٦٥/أ بتصرف.
(٢) "ح": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ق ٢٦٤/ب.
حاشية ابن عابدين
٧٣٦
فصلٌ في الجزية
(والموتِ والتَّكرارِ) للتَّداخُلِ كما سيجيءُ(١) (و) بـ (العَمَى والزَّمانةِ وصَيرورَتِه)
فقيراً أو (مُفْعَدً أو شيخاً كبيراً ...
الوجوبِ فَيُرَدُّ عليهِ، أمَّا لو عَجَّلَ لسنةٍ في أوَّلِها فقد أدَّى خَراجَها بعدَ الوجوبِ، قالَ في
"الولوالجَّة"(٢): ((وهذا على قولِ مَن قالَ بوجوبِ الجَزْيةِ في أوَّلِ الحولِ كما نصَّ عليهِ في "الجامع
الصَّغير"(٣)، وعليهِ الفتوى)).
[٢٠١١٨) (قولُهُ: والموتٍ) أي: ولو عندَ (٤) تمامِ السَّنَةِ في قولِهم جميعاً كما في "الفتح"(٥).
[٢٠١١٩) (قولُهُ: والتَّكرارِ) أي: بدخولِ السَّنّةِ الثّانيةِ، ولا يتوقّفُ على مُضِّها في الأصحِّ كما
يأتي (٦) قريباً، وسُقُوطُها بالتَّكرارِ قولُ "الإِمامِ"، وعندَهما: لا تَسقُطُ كما في "الفتح"(٧).
[٢٠١٢٠) (قولُهُ: وبالعَمَى والزَّمانِ إلخ) أي: لو حَدَثَ شيءٌ مِن ذلكَ وقد بَقِيَ عليهِ شيءٌ
لم يُؤْخَذْ كما في "الولوالحيَّة(٨) و"الخانيّة"(٩)، أي: لو بَقِيَ عليهِ شيءٌ مِن أقساطِ الأشهرِ، وكذا لو
كانَ لم يَدِفَعْ شيئاً، لكنْ قَدَّمنا (١٠) عن "القُهِسنانيّ" عن "المحيطِ": تقييدَ سُقُوطِ الباقي بما إذا
دامَت هذهِ الأعذارُ نصفَ سنٍ فأكثرَ، ومثلُهُ ما ذكرَهُ(١١) "الشَّارِحُ" أوَّلَ الفصلِ عن "الهداية"،
(١) صـ٧٣٧ - "در".
(٢) "الولوالجية": كتاب الزكاة - الفصل الرابع: فيما يمرُّ على العاشر وفي العشر إلخ - وأما الجزية ق ٣٠/ب.
(٣) "الجامع الصغير": كتاب الخراج صـ٢٧١-، وقد نَصَّ فيه على أنَّه قول الإمام "أبي حنيفة" رحمه الله.
(٤) في "آ": ((بعد)).
(٥) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩٧/٥.
(٦) صـ٧٣٧ - "در".
(٧) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩٧/٥.
(٨) "الولوالجية": كتاب الزكاة - الفصل الرابع: فيما يمرُّ على العاشر وفي العشر إلخ - وأما الجزية ق ٣٠/ب.
(٩) "الخانية": كتاب السِّير - فصل في أهل الذّمة وما يؤخذُ منهم من الجزية إلخ ٥٨٩/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(١٠) المقولة [٢٠٠٨٧] قوله: ((ويعتبرُ وجود هذه الصفات في آخرِ السَّنة إلخ)).
(١١) صـ ٧٢١ - "در".
الجزء الثاني عشر
٧٣٧
فصلٌ في الجزية
لا يَستطيعُ العَمَلَ) ثمَّ بَيَّنَ التِّكرارَ فقال: (وإذا اجتمعَ عليه حَولان تَداخلَتْ،
والأصحُّ: سُقُوطُ جِزْيةِ السَّنةِ الأُولى بدُخُولٍ) السَّنةِ (الثّانيةِ)، "زيلعيّ"(١)؛
لأَنَّ الوُجوبَ بأوَّلِ الحولِ، بَعَكسِ خَرَاجِ الأرضِ.
فافهم هذا. وفي "الَّار خانَّةٌ"(٢): ((قالَ في "المنتقى": قالَ "أبو يوسفَ": إذا أُغْميَ عليهِ أو أصابتْهُ
زَمانَّةٌ وهو مُوسِرٌ أخذتُ منهُ الجِزْيَةَ، قالَ الإِمامُ "الحاكمُ أبو الفضلِ": على هذهِ الرِّوايةِ يُشترطُ للأخذِ
أهليَّةُ الوجوبِ في أوَّلِ الحولِ، وعلى روايةٍ "الأصلِ"(٢) شرطُها مِن أوَّلِهِ إلى آخرِهِ)) اهـ مُلخَّصاً.
قلتُ: وحاصلُهُ: أَنّه على روايةِ "المنتقى" يُشْتَرِطُ وجودُ الأهلِيَّةِ في أوَّلِهِ فقط فلا يَضُرُّ زوالُها
بعدَهُ، وعلى روايةِ الأصلِ: يُشتَرطُ عدمُ زوالِها وهو ما مَشَى عليهِ "المصنّفُ"، وليسَ المرادُ عدمَ
الزَّوالِ أصلاً، بل المرادُ: أنْ لا يستمرَّ العُذْرُ نصفَ سنةٍ فأكثرَ، فلا ينافي ما مرَّ(٤)، فتدبّر.
[٢٠١٢١) (قولُهُ: لا يستطيعُ العَمَلَ) راجعٌ لقولِهِ: ((فقيراً)) وما بعدَهُ.
[٢٠١٢٢] (قولُهُ: والأصحُّ إلخ) وقيلَ: لا بدَّ مِن مُضِيّ النَّنيةِ ليتحقَّقَ الاجتماعُ.
(٢٠١٢٣) (قولُهُ: بِعَكْسِ خَرَاجِ الأرضِ) فإِنَّ وجوبَهُ بآخرِ الحولِ؛ لأنَّ بِهِ يتحقَّقُ الانتفاعُ.
(قولُهُ: فإنَّ وجوبَهُ بآخرِ الحولِ إلخ) قالَ "السِّنديُّ" قبلَ فصلِ الجِزْبةِ: ((وأوالُ وجوبِ الخَراجِ
عندَ "أبي حنيفةً" أوَّلُ السَّةِ، لكنْ يُشترَطُ بِقَاءُ الأرضِ النَّاميةِ في يدِهِ سنةً إمَّا حقيقةً أو اعتباراً، كذا في
"الدَّخيرة"، وفي كتابِ العُشْرِ والخَراجِ: وينبغي للوالي أنْ يُولِّيَ الخراجَ رجلاً يرفُقُ بِالنَّاسِ، وأنْ يأخذَهم
بالخراجِ كلَّما خَرَجَتْ عَلٌّ، فيأخذَهم كلَّما خَرَجَتْ بِقَدْرِ ذلكَ حَتَّى يستوفي تمامَ الخَراجِ، وأرادَ أنْ
يُوزِّعَ الَخَرَاجَ على قَدْرِ الغَلَّةِ إلخ)) اهـ. فتأمَّلُهُ. وقالَ في "البحر": ((إِنَّ الْخَرَاجَ يؤخَذُ لسلامةِ الانتفاعِ)).
(١) "تببين الحقائق": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٢٧٩/٣ بتصرف.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الخراج - الفصل الثامن: في المتفرقات - خراج الرؤوس: الجزية - مَن تُقبلُ منه الجزيةُ ومن
تجبُ عليه ٤٤٤/٥.
(٣) لم نجده في القسم المطبوع من كتاب "الأصل".
(٤) في هذه المقولة.
حاشية ابن عابدين
٧٣٨
فصلٌ في الجزية
(وَيَسقُطُ الخَراجُ ب) الموتِ في الأصحِّ، "حاوي"(١)، وبـ (التّداخُلِ) كـ: الجزيةِ (وقيل: لا)
يَسقُطُ ك: العُشْرِ، وينبغي تَرجيحُ الأَوَّلِ؛ لأنَّ الخَراجَ عُقُوبٌ، بخلافِ العُشْرِ، "بحر "(٢).
قال "المُصنّفُ" (٣): ((وعزاهُ في "الخانَيَّة" لصاحبِ المذهبٍ))؛ فكان هو المذهبَ، ........
[٢٠١٢٤)] (قولُهُ: ويَسقُطُ الخَرَاجُ) أي: خَرَاجُ الأرضِ.
(٢٠١٢٥] (قولُهُ: وقيلَ: لا) جَزَمَ بهِ في "الملتقى (٤).
[٢٠١٢٦)] (قولُهُ: "بحر") أقرَّهُ فِي "النّهر "(٥) أيضاً.
[٢٠١٢٧) (قولُهُ: وَزَاهُ في "الخالنَّة" (٦)) حيثُ قالَ: ((فإنْ اجتمعَ الخَراجُ فلم يُؤدِّ سنينَ، عندَ
"أبي حنيفةً": يُؤخَذُ بَخَرَاجِ هذهِ السََّةِ، ولا يُؤْخَذُ بَخَرَاجِ السَّةِ الأُولى ويَسقُطُ ذلكَ عنهُ كما قالَ
في الجِزْيةِ، ومنهم مَن قالَ: لا يَسْقُطُ الخَراجُ بالإجماعِ، بخلافِ الجِزْيَةِ، وهذا إذا عَجَزَ عن الزِّراعةِ،
فإنْ لم يَعْجِزْ يُؤْخَذْ بالخَراجِ عندَ الكَلِّ(٧))) اهـ.
قلتُ: وقد تَرَكَ "المصنّفُ" و"الشَّارِحُ" هذا القيدَ وهو العَجْزُ عن الزِّراعةِ، أي: في السَّنَةِ
الأُولى، وعلى هذا فلا مَحَلَّ لذكرِ الخَراجِ هنا؛ لأَنَّه لا يَجِبُ إلاَّ بالتّمكُّنِ مِن الزِّراعةِ، فإذا لم
يَجِبْ لا يُقالُ: إِنَّ سَقَطَ، وَيَظْهَرُ أنَّ الخلافَ المذكورَ لفظِيٌّ بِحَمْلِ القولِ الأَوَّلِ على ما إذا عَجَزَ،
والَّني على إذا لم يَعجِزْ؛ إذ لا يتأَتَّى الوجوبُ معَ العَجْزِ كما مرَّ(٨) في البابِ السَّابقِ، ولذا قالَ:
(فإنْ لم يَعْجِزْ يُؤْخَذْ بالخَراجِ عندَ الكلّ))، وعلى هذا فلم يقَ في المسألةِ قولانِ لكنَّهُ خلافُ الظَّهرِ
(١) "الحاوي القدسي": كتاب الزكاة - باب العشر والخراج - فصل الخراج نوعان ق٥٨/ب بتصرف.
(٢) "البحر" كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢١/٥.
(٣) المنح: كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في بيان أحكام الجزية ١/ق ٢٥٢/أ بتصرف.
(٤) "ملتقى الأبحر": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ٣٧٢/١.
(٥) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق٣٣٣/أ.
(٦) "الخانية": كتاب السِّير - فصل في خراج الأرض ٥٩٢/٣ -٥٩٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) في "م": ((لكل))، دون ألف وهو تصحيف.
(٨) المقولة [٢٠٠٥٠] قوله: ((فإن عطلها صاحبها)).
الجزء الثاني عشر
٧٣٩
فصلٌ في الجزية
وفيها: ((لا يَحِلُّ أَكلُ الغَلَّةِ حَتّى يُؤدِّيَ الَخَراجَ)) (ولا تُقبَلُ من الذِّميِّ لو بَعثَها
علی یدِ نائبهِ)
مِن كلامِهِم، فإنَّ الخلافَ مَحْكِيٌّ في كثيرٍ مِن الكتبِ، وقد علمتَ أنَّه لا يتأَتَّى الخلافُ معَ العَجْزِ،
فالظَّاهرُ: أنَّ الخلافَ عندَ عدمِهِ، وعليهِ فالمناسبُ إسقاطُ هذا القيدِ، ولذا ذكرَ في "الخانَّةِ"(١)
[٣/ق٤٩/ب] هذهِ المسألةَ في بابِ العُشْرِ بدونِهِ، ولم يَذْكُرْ أيضاً القولَ الثَّانِيَ، فاقتضى كلامُهُ اعتمادَ
قولِ "الإمامِ": إنّه لا يُؤخَذُ بَخَرَاجِ السَّنّةِ الأُولى، لكنْ في "الهنديَّةِ"(٢) عن "المحيطِ"(٢): ((ذكرَ "صدرُ
الإسلامِ"(٤) عن "أبي حنيفةً" روايتينِ، والصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُؤْخَذُ)) اهـ. وجَزَمَ بهِ في "الملتقى" كما
قدَّمناهُ(٥)، وبه ظَهَرَ أنَّ كلّ من القولَينِ مَرْوِيٌّ عن صاحبِ المذهبِ، والمصرَّحُ بتصحيحِهِ عدمُ
السُّقُوطِ فكانَ هو المعتمدَ، ولذا جَزَمَ به في "متنِ الملتقى"(٦)، وذكرَ في "العناية(٧) الفرقَ بينَهُ وبينَ
الجزيةِ: ((بأنَّ الْخَرَاجَ في حالةِ البقاءِ مَؤونَةٌ مِن غيرِ التفاتٍ إلى معنى العُقُوبةِ، ولذا لو شَرَى مسلمٌ
أرضاً خَرَاجِيَّةً لزمَهُ خراجُها فجازَ أنْ لا يتداخلَ، بخلافِ الجزيةِ فإنّها عُقُوبةٌ ابتداءً وبقاءً والعقوباتُ
تتداخل)) اهـ. وبه اندفعَ ما في "البحر".
[٢٠١٢٨) (قولُهُ: وفيها إلخ) أي: في "الخانيَّةِ"(٨)، ومحلُّ ذكرِ هذهِ المسألةِ البابُ السَّابقُ، وقد
ذكرَها(٩) في بابِ العُشْرِ وقدَّمنا (١٠) الكلامَ عليها.
(١) "الخانية": كتاب السِّير - فصل في خراج الأرض ٥٩٢/٣-٥٩٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الفتاوى الهندية": كتاب السِّير - الباب السابع في العشر والخراج ٢٤٢/٢.
(٣) "المحيط البرهاني": كتاب الخراج - الفصل السادس: في بيان الأسباب الموجبة لسقوط الخراج ١/ق١٥٣/أ.
(٤) تقدمت ترجمته ٣٤٥/١.
(٥) المقولة [٢٠١٢٥] قوله: ((وقيل لا)).
(٦) "ملتقى الأبحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٣٧٢/١.
(٧) "العناية": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩٧/٥ (هامش "فتح القدير").
(٨) "الخانية": كتاب السِّير - فصل في خراج الأرض ٥٩٢/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) ٥٠/٦ "در".
(١٠) المقولة [٨٤٥٥] قوله: ((ولا يحلُّ لصاحبِ أرضِ خراجيةٍ)).
حاشية ابن عابدين
٧٤٠
فصلٌ في الجزية
في الأَصَحِّ (بل يُكلِّفُ أن يأتيَ بنفسهِ فُيُعطِيَها قائماً، والقابضُ منه قاعدٌ)
"هداية"(١)، ويقولُ: أَعْطِ يا عدوَّ اللهِ، ويَصفَعُهُ فِي عُنُقِه،.
[٢٠١٢٩] (قولُهُ: في الأَصَحِّ) أي: من الرِّواياتِ؛ لأنَّ قبولَها مِن النَّائبِ يفوِّتُ المأمورَ بهِ مِن
إذلالِهِ عندَ الإِعطاءِ، قال تعالى: ﴿حَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَّةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة -٢٩]، "فتح"(٢).
[٢٠١٣٠] (قولُهُ: والقابضُ منهُ قاعدٌ) وتكونُ يدُ المؤدِّي أسفلَ ويدُ القابضِ أَعْلَى، "هنديَّةً"(٣).
٢٧٠/٣
[٢٠١٣١] (قولُهُ: ويقولُ إلخ) هذا في "الهداية"(٤) أيضاً، لكنْ لم يَجْزِمْ به كما فعلَهُ
"الشَّارِحُ" ، بل قال: ((وفي روايةٍ: يأخذُ بتلبيِبِهِ وَهُزُّهُ هَزًَّ ويقولُ: أعطِ الجزيةَ يا ذَمِّيّ)) اهـ.
ومُفَادُهُ: عدمُ اعتمادِها، وفي "غاية البيان": ((والَّيْبُ بالفتحِ: ما على موضعِ اللَّبِ مِن الثِّيَابِ،
واللََّبُ: مَوْضِعُ القِلادةِ مِنَ الصَّرِ)).
[٢٠١٣٢] (قولُهُ: يا عدوَّ اللهِ) كذا في "غاية البيانِ"، والّذي في "الهداية"(٤) و"الفتح "(٥)
و "الَِّينِ"(٦): ((يا ذمِّيُّ)).
[٢٠١٣٣) (قولُهُ: وَيَصِفَعُهُ فِي عُنُقِهِ) الصَّفْعُ: أَنْ يَبْسُطَ الرَّجلُ كفَّهُ فَيَضْرِبَ بها قَفَا الإِنسانِ
أو بدنَهُ، فإذا قَبَضَ كفَّهُ ثُمَّ ضربَهُ فليسَ بِصَفْعٍ بل يُقالُ: ضربَهُ بِحُمْعٍ، "مِصباح"(٧)، وما ذَكَرَهُ مِن
الصَّفْعِ نَقَلَهُ في "النَّتر خانَّةٍ (٨)، ونقلَهُ أيضاً في "النّهر" (٩) عن "شرح الطَّحاويِّ"، وقد حكاهُ
بعضُهم بـ: ((قيلَ))(١٠).
(١) "الهداية": كتاب السِّير - باب الجزية ١٦١/٢.
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩٨/٥.
(٣) "الفتاوى الهندية": كتاب السِّير - الباب الثامن في الجزية ٢٤٧/٢ نقلاً عن "التاتر خانية".
(٤) "الهداية": كتاب السِّير - باب الجزية ١٦١/٢.
(٥) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩٨/٥.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٢٧٩/٣.
(٧) "المصباح المنير": مادة ((صفع)).
(٨) "التاتر خانية": كتاب الخراج - الفصل الثامن في المتفرقات - خراج الرؤوس - بيان من تقبل منه الجزية ٤٣٩/٥.
(٩) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق٣٣٣/أ.
(١٠) نقول: ما ذُكِرَ هنا - في طريقة استحصال الجزية من أهل الذمة، وما يأتي كذلك بعد ورقات في طريقة معاملة =
الجزء الثاني عشر
٧٤١
فصلٌ في الجزية
الذّمِّيين عموماً من أن الذّمِّي ينبغي أن لا يركب خيلاً، وأن يُلازم الصَّغار، وأنه تُكرَهُ مصافحته ويُمنَعُ من القعود
=
حال قيام المسلم عنده، وغير ذلك مما فيه إذلالٌ وإهانة لأهل الذّمّة - لم يَنهَضْ على دليلِ من كتاب الله عزَّ وجلَّ
ولا سنة رسوله ﴿، ولا فَعَله أحدٌ من الخلفاء الراشدين، بل يتعارض والعموماتِ التي وردَتْ في كتاب الله عزَّ وجلّ
وسنّةِ النبيِّ ◌َ﴿ والتي تأمر بالإحسان والرِّفق بأهل الكتاب، وعدمٍ إيذائهم أو الإساءة إليهم ما داموا أهل ذمَّة غيرَ محاربين
لنا، كما يتعارض ذلك وسيرةً الخلفاء الراشدين في طريقة أخذهم الجزية ومعاملتهم لأهل الذمة.
فقد قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم
وتقسطوا إليهم إنَّ الله يحبُّ المقسطين﴾ [الممتحنة: ٨]، وهي آيَةٌ مُحكَمةٌ كما ذهب إليه أكثر أهل التأويل، وقد
شَرّعَ الله لنا بها أن نعاملَ من لا يقاتل المسلمين ولا يخرجهم من ديارهم بالبرِّ والقسط ما داموا غير محاربين،
والبرُّ في اللغة: الخيرُ والفضل والاتساع في الإحسان.
وروى أبو داود عن عدَّةٍ من أبناء أصحاب رسول الله ﴿ عن آبائهم عن رسول الله ﴿ أنه قال: ((ألا من ظلم
معاهِداً أو تنقّصه أو كُلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا خصمه يوم القيامة)).
وروى مسلمٌ في صحيحه والبيهقيُّ في سننه عن أبي ذرِّ قال: قال رسول الله ◌َ﴿: ((إنكم ستفتحون أرضاً يذكر
فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً فإنَّ لهم ذمَّة ورحماً)).
وروى البيهقيُّ من حديث جُوَيريةَ بن قدامة التميميِّ أنَّ عمرَ بن الخطاب أوصَى قبيل موته فكان من وصيَّته:
(( ... وأوصيكم بذمّة الله فإنها ذمَّة نبيِّكم ﴿)).
وروى البخاريُّ في صحيحه من حديث أبي بكر بن عياش والبيهقيُّ في سننه من حديث عمرو بن ميمون أنَّ عمر
ابن الخطاب قال: ((أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمَّة خيراً، أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يُقاتِلَ مَنْ وراءهم، وأن
لا يُكُلِّفوا (أي: من المال) فوق طاقتهم)).
فهذه النصوص - كما ترى - تأمر بالرِّفق بالذّمِّيين والاستيصاء بهم خيراً، وتبيِّنُ سيرةَ الخلفاء الراشدين في طريقة
معاملة أهل الذّمَّة كما يتجلّى ذلك لنا من وصايا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه .
وقد أنكر محقّقُو الفقهاء على اختلاف مذاهبهم هذه التزيُّدات المبتدعة في طريقة أخذ الجزية ومعاملة الكتابيين،
وحذّروا من اعتمادها والأخذ بها.
ومنهم الإمام النووي الذي شدَّد النكير على هذه التزُّيدات والمبتدعين لها؛ فقد قال في كتابه روضة الطالبين ٣١٥/١٠ -
٣١٦ - بعد أن عَرَضَ لبيان كثير من هذه المُقْحَمات الباطلة وعزاها إلى القائلين بها - ما نصه: ((قلت: هذه الهيئة المذكورة
أوّلاً لا نعلم لها على هذا الوجه أصلاً معتمداً، وإنما ذكرها طائفةٌ من أصحابنا الخراسانيين، وقال جمهور الأصحاب: تُؤخَذُ
الجزية برفقٍ كأخذ الديون، فالصواب الجزم بأنَّ هذه الهيئة باطلةٌ مردودٌ على من اخترعها، ولم يُنقَلْ أنَّ النبيَّ / ولا أحد
%
من الخلفاء الراشدين فَعَلَ شيئاً منها مع أخذهم الجزية)).
=
حاشية ابن عابدين
٧٤٢
فصلٌ في الجزية
= كما أوضح ابن قدامة في مغنيه ٨٣٥/١٢: أنَّ رسول الله ﴾ وأصحابه والخلفاء الراشدين كانوا يتواصون
باستحصال هذا الحقَّ بالرِّفْق واتّباع اللُّطْف في ذلك.
وقد عَقَدَ أبو عبيد في كتابه "الأموال" باباً بعنوان ((اجتباء الجزية والخراج وما يُؤَمُر به من الرِّفْق بأهلها ويُنهَى عنه من
العنف عليهم فيها))، فأكثر من ذكر الأحاديث والآثار التي تتضمن بيان ضرورة اتباع الرِّفْق في مُقاضاة الجزية والخراج.
وإنَّ مظاهر الرِّفْقى والبِرِّ والإِحسان بأهل الذّمة هي التي تُتْفِقُ ومبدأ العدالة الإنسانية الذي أرسى الإِسلامُ قواعده
في المجتمع الإسلامي خاصةً وفي المجتمع الإنساني عامةً، وإنَّ أهمَّ مظهر من مظاهر رعاية الإسلام للعدالة احترامُ
حرية الإنسان في تديّنه، فلا يُكرَه غيرُ المسلم على اعتناق الإسلام ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾،
ومن حقِّ غيرِ المسلم في المجتمع الإسلامي أن يحيى آمِناً على نفسه وماله وعِرْضه، تُحفَظُ له كرامتُهُ الإنسانية،
يؤدِّي ما عليه من واجبات، وينال ما له من حقوق، وفق المبدأ النبوي الإنساني ((لهم ما لنا وعليهم ما علينا))،
فحرياتهم مَصُونَةٌ، ومعابدهم وأنشطتُهم الدينيةُ مكلوءَةٌ بالحماية ضدَّ أيِّ معتدٍ أو متربِّصٍ، والوطنُ حقٌّ مشتركٌ
بين الجميع، وثمار التكافل الاجتماعيِّ لا يُعكّر صفوَ العدالة في توزيعها فارقُ عرقٍ أو دينٍ.
فقد روى البخاري عن سهل بن حنيف وقيس بن سعد: أنَّ النبيَّ# مرَّت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة
يهوديّ، فقال: ((أليست نفساً؟)).
قال ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" ١٨١/٣: واستدل بحديث الباب على جواز إخراج جنائز أهل الذّمة
نهاراً غير متميزة عن جنائز المسلمين، قال الزين بن المنير: وإلزامهم - أي: أهلِ الذِّمة - بمخالفة رسوم المسلمين وَقَعَ
اجتهاداً من الأئمة.
وذكر أبو عبيد في "الأموال" صـ٤٢-٤٥-٤٦ -: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرَّ بشيخ من أهل الذّمة يسأل
على أبواب الناس فقال: ((ما أنصفناك إن كنا قد أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضَيَّعناك في كِبَرِكَ)) قال: ثم
أُجْرَى له من بيت مال المسلمين ما يُصْلِحِه.
ومن أبرز مظاهر العدالة الإسلامية في هذا الباب ما نصَّ عليه الحنفية من أنه لا يُشترَطُ في حرمة الدماء التكافؤ في الحرية أو
الدين، وإنما يكفي التساوي في الإنسانية، وعليه فُيُقتَلُ المسلم بالذّمي أخذاً بعموم آيات القصاص من دون تفرقة بين نفسٍ
ونفس مثل قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ وقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾، وبعموم
حديث: ((العَمْدُ قَوَدٌ))، وبما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ أقاد مؤمناً بكافر وقال: ((أنا أحقُّ من وفّى بذمته)).
وختاماً: ففيما ذكرناه دليل واضحٌ على بطلان هذه التُزُّيدات المبتدعة وعدم اعتمادها في فقهنا الإسلامي العظيم
الذي أُرسِيَتْ قواعدُهُ على مراعاة حفظ الحقوق الإنسانية للناس كافة، وانظر ما كتبه فضيلة أستاذنا الدكتور
محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه "الجهاد في الإسلام" صـ١٣١ - وما بعدها عن مدى اهتمام الشارع بأهل
الذّمة وصيةً بهم ورعايةً لهم.