Indexed OCR Text
Pages 641-660
الجزء الثاني عشر
٦٤٣
فصل في استئمان الكافر
أُجرةً على الحِفْظِ وعلى الحَمْلِ، وكلٌّ من المُودَعِ والأجيرِ المُشترَكِ لا يَضْمَنُ ما لا يُمكِنُ الاحترازُ
عنه كالموتِ والغَرَقِ ونحوِ ذلك.
فإن قلتَ: سيأتي(١) قُبيلَ بابِ كَفالةِ الرَّحَلَين: قال لآخر: أُسْلُكْ هذا الطَّرِيقَ فإنَّه آمِنٌ
فسَلَكَ وأُخِذَ مالُهُ، لم يَضْمَنْ، ولو قال: إنْ كان مَخُوفاً وأُخِذَ مَالُكَ فأنا ضامِنٌ ضَمِنَ، وعلّلَه
"الشَّارحُ" هناك(٢): ((بأَنَّه ضَمِنَ الغارُّ صِفةَ السَّلامةِ للمَغرُورِ نَصًّ)) اهـ، أي: بخلافِ الأُولى؛ فإنَّه
لم ينصَّ على الضَّمانِ بقولِهِ: فأنا ضامِنٌ، وفي "جامع الفُصولَين"(٣): ((الأصلُ أنَّ المَغَرُورَ إنَّما يَرجِعُ
على الغارِّ لو حصَلَ الغُرورُ فِي ضِمِنِ الْمُعَاوَضةِ، أو ضَمِنَ الغارُّ صِفةَ السَّلامةِ للمَغرُورِ، فصار
كقولِ الطَّخَّانِ لربِّ الْبُرِّ: اِجْعَلْهُ فِي الدَّلِ فِجَعَلَهُ فيه فَذَهَبَ مِن الَّقْبِ إلى الماءِ وكان الطَّحَّانُ عالِماً
به يَضْمَنُّ؛ إذ غَرَّهُ فِي ضِمِنِ العقْدِ، وهو يقتضي السَّلامَةَ)) اهـ
قلتُ: لا بُدَّ في مسألةِ التَّغريرِ من أن يكونَ الغارُّ عالِماً بالخَطَرِ كما يدلُّ عليه مسألةُ الطَّحَّان
المذكورةُ، وأنْ يكونَ المَغْرُورُ غيرَ عالِمٍ؛ إذ لا شكَّ أنَّ رَبَّ البُرِّ لو كان عالِماً بِنَقْبِ الدَّلوِ يكونُ
هو المُضّعَ لِمالِه باختِيارِهِ، ولفظ (المغرور)) يُنِىُّ عن ذلك لغةً؛ لِما في "القاموسِ"(٤): ((غَرَّهُ غَرَّاً
وغُرُوراً فهو مَغرُورٌ وغَرِيرٌ: خَدَعَه وأطمَعَه بالباطِلِ فاغتَرَّ هو)) اهـ، ولا يَخفى أنَّ صاحبَ
السُّوكرةِ لا يَقْصِدُ تَغْرِيرَ النّجَّارِ، ولا يَعلمُ بُحُصُولِ الغَرَقِ هل يكونُ أم لا وأمَّا الخَطَرُ من اللُّصوصِ
والقُطَّاعِ فهو معلومٌ له وللتّجَّارِ؛ لأَنَّهم لا يُعطونَ مالَ السُّوكَرَةِ إِلَّ عند شدَّةِ الخوفِ طَمَعاً في
أخذِ بدَلِ الهالِكِ، فلم تكنْ مَسألُتُنا من هذا القبيلِ أيضاً، نعم قد يكونُ للتَّاجرِ شريكٌ حربيٌّ
في بلادِ الحربِ فَيَعقِدُ شَرِيكُهُ هذا العقْدَ مع صاحبِ السُّوكَرَةِ في بلادِهم ويأخذُ منه بدَلَ
الهالِكِ ويُرسِلُهُ إلى التَّاجرِ، فالظَّاهرُ: أنَّ هذا يَحِلُّ للَّاجِرِ أخذُهُ؛ لأنَّ العقْدَ الفاسِدَ جرى
بين حَرْبِّينِ في بلادِ الحرْبِ وقد وصلَ إليه مالُهم برِضاهُم فلا مانعَ من أخذِهِ، وقد يكونُ
(١) انظر الدر عند المقولة [٢٥٧٣٩] قوله: ((فإن أمن)).
(٢) انظر الدر عند المقولة [٢٥٧٤٥] قوله: ((أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور نصاً)).
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الثالث والثلاثون في أنواع الضمانات الواجبة إلخ ١١٦/٢.
(٤) "القاموس": مادة ((غرر)).
حاشية ابن عابدين
٦٤٤
فصل في استئمان الكافر
وَتَحرُمُ غِيبتَهُ كالمُسلمِ)، "فتح"(١)، وفيه (١): ((لو ماتَ الْمُستَأَمِنُ في دارِنا ووَرَثَتُهُ ثَمّةَ
وُقِفَ مالُهُ لهم، ويأخذوهُ(٢) بِيِّنةٍ، ولو من أهلِ الذّمةِ فبكَفِيلٍ، ولا يُقبَلُ كتابُ
مَلِكِهِمْ)). (وإذا أرادَ الرُّجوعَ إلى دارِ الحربِ ...
التَّاجِرُ في بلادِهِم فَيَعْقِدُ معهم هناك ويَقبَضُ البدَلَ في بلادنا أو بالعكس، ولا شكَّ أنَّه في الأُولى إِنْ
حَصَلَ بينهُما خِصاٌ في بلادنا لا يُقضَى للتَّاجرِ بالبدَلِ، وإنْ لم يَحْصَل خِصامٌ ودَفَعَ له البدَلَ
وَكَيُلُهُ الُسنأمِنُ هنا يَحِلُّ له أخذُهُ؛ لأنَّ العَقْدَ الذي صَدَرَ في بلادِهِم لا حُكْمَ له فيكونُ قد أَخَذَ
مالَ حربيِّ برِضاهُ، وأمَّا في صُورةِ العكسِ؛ بأن كان العقْدُ في بلادِنا والقَبضُ في بلادهم، فالظَّاهرُ:
أَنَّه لا يَحِلُّ أخذُهُ ولو برِضى الحَربِيِّ لايتِنائِه على العَقْدِ الفاسِدِ الصَّادِ في بلادِ الإسلامِ، فُعَتَبِرُ
حُكْمُهُ، هذا ما ظهر لي في تحريرِ هذه المسألةِ فاغتِمهُ؛ فإنَّك لا تجدُهُ في غيرِ هذا الكتابِ.
١٩٩٠٤١] (قولُهُ: وَتَحْرُمُ غِيتُهُ كالمُسلِمِ) لأَنَّهِ بعَقْدِ الدّمةِ وَحَبَ له ما لنا، فإذا حَرُمَتْ غِيبَةٌ
الْمُسلمٍ حَرُمَتْ غِبُهُ، بل قالوا: إنَّ ظُلمَ الذِّميِّ أشدُّ.
[١٩٩٠٥) (قولُهُ: ويأخذُوهُ بِّةٍ) في بعضِ النَّسخِ: ((ويأخذونَهُ))، وهو المناسبُ؛ لعدمٍ ما
يَقتضي حذفَ النُّون.
[ ١٩٩٠٦) (قولُهُ: ولو من أهلِ الدِّمةِ إلخ) قال في "الفتح"(٣): ((فإنْ [٣ ق١/٣٧] أقاموا بيّنةً من أهلِ
الذّمةِ قُبِلَت استحساناً؛ لأَنّهم لا يُمْكِنُهم إقامتُها من المسلمين؛ لأنَّ أنسابَهُم في دارِ الحربِ لا يَعرِفُها
المسلمون، فصار كشَهادةِ النّساءِ فيما لا يَطَّعُ عليه الرِّجالُ، فإذا قالوا: لا نعلمُ له وارثاً غيرَهُم، دَفَعَ
إليهم المالَ، وأَخَذَ منهم كَفَيلاً؛ لِما يَظْهَرُ في المآلِ من ذلك، قيل: هو قولُهما لا قولُ "أبي حنيفة"،
(قولُهُ: قيل: هو قولُهما لا قولُ "أبي حنيفةً" كما في المسلمينَ إلخ) لكنَّ المذكورَ في شتى القضاءِ:
تَرِكَةٌ قُسِمَت بِينَ الورثةِ أو الغُرَماءِ بشهودٍ لم يقولوا: لا نَعَلَمُ له وارثاً غيرَهُ أو غريماً لم يكفّلُوا خلافاً
لهما، ولو قالَ الشُّهودُ: ذلكَ لا يكفَلُونَ اتفاقاً. اهـ تأمَّل.
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل وإذا دخل الحربي إلينا مستأمناً ٢٧٢/٥.
(٢) في "ط": ((ويأخذونه)).
(٣) "الفتح": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل وإذا دخل الحربي إلينا مستأمناً إلخ - فروع ٢٧١/٥.
الجزء الثاني عشر
٦٤٥
فصل في استئمان الكافر
بعدَ الحَوْلِ) ولو لِتِجارةٍ أو قضاءٍ (١) حاجةٍ كما يُفيدُه الإطلاقُ، "نهر" (مُنِعَ)؛ لأنَّ
عَقْدَ(٢) الذِّمةِ لا يُنقَضُ، ومُفادُهُ: مَنعُ الذِّميِّ أيضاً.
كما في المسلمينَ، وقيل: بل قولُهم جميعً، ولا يُقبَلُ كتابُ مَلِكِهم ولو ثبتَ أَنَّه كتابُهُ)) اهـ، أي:
لأَنَّ شهادَتَه وحدَهُ لا تُقَبَلُ، فكتابُهُ بِالأَولى.
[١٩٩٠٧] (قولُهُ: بعد الحَوْلِ) أي: بعد المُدّةِّ التي عَّنها له الإِمامُ حَوْلاً أو أقلَّ أو أكثرَ.
[١٩٩٠٨] (قولُهُ: كما يُفِيدُه الإطلاقُ) كذا بحثَهُ في "البحر"(٣)، وَتَبَعَهُ في "النهر "(٤)، وهذا
ظاهرٌ إِنْ خِيفَ عدمُ عَودِهِ، وإلاَّ فلا كما يُفيدُهِ الَّعليلُ الآتي (٥).
/١٩٩٠٩] (قولُهُ: لأنَّ عَقْدَ الذّمةِ لا يُنقَضُ) لكونِهِ خَلَفَاً عن الإسلام، "بحر "(٦). وعبارةُ
"الزَّلعِيِّ(٧): ((لأنَّ فِي عَوْدِهِ ضَرَراً بالمسلمين بِعَوْدِهِ حَرْباً علينا، ويتَوالُدِهِ في دارِ الحربِ وَقَطْعِ
الجِزْية)) اهـ، ولا يَخفى أنَّ المفهومَ منه: أنَّ المرادَ بالعَوْدِ اللَّحاقُ بدارِهِم بلا رُجُوعٍ.
(١٩٩١٠] (قولُهُ: ومُفادُهُ: منعُ الذّميِّ أيضاً) كذا في "النهر "(٨)، وهو مُصرَّحٌ به في "الفتح"(٦)؛
حيثُ قال: ((وَتَنْبُتُ أحكامُ الذِّميِّ في حقّهِ من مَنعِ الخُروجِ إلى دارِ الحرب إلخ)).
قلتُ: والمرادُ الخُرُوجُ على وجهِ اللَّحاقِ بهم؛ إذ لو خَرَجَ لتجارةِ مع أَمنِ عَوْدِه عادةً
لا يُمنَعُ، كالمُسلمٍ، بقرينةِ الَّعليلِ المارِّ فتدَّر، ثمَّ رأيتُ في "شرحِ السِّيرِ الكبيرِ"(١٠): ((أَنَّ الذِّميَّ
لو أراد الدُّخولَ إليهم بأمانٍ فإنَّه يُمنَعُ أن يُدْخِلَ فَرَساً معه أو سِلاحاً؛ لأنَّ الظَّاهرَ من حالِه
٢٥٠/٣
(١) في "و": ((وقضاء))، وفي "ط": ((لقضاء)).
(٢) في "ب": ((عهد)).
(٣) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١٠٩/٥.
(٤) "النهر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ق ٣٢٩/أ.
(٥) المقولة [١٩٩٠٩] قوله: ((لأن عقد الذمة لا ينقض)).
(٦) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١٠٩/٥.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل لا يُمَكَّنُ مستأمنٌ فينا سنةٌ ٢٦٩/٣.
(٨) "النهر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ق ٣٢٩/أ.
(٩) "الفتح": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل وإذا دخل الحربي إلخ - فروع ٢٧٢/٥.
(١٠) "شرح السِّير الكبير": باب ما يحل للمسلمين أن يُدْخِلوه دار الحرب من التجارات ١٥٧٢/٤-١٥٧٣.
حاشية ابن عابدين
٦٤٦
فصل في استئمان الكافر
(كما) يُمنعُ (لو وُضِعَ عليه الخَراجُ) بأنْ أُلزِمَ به وأُخِذَ منه عند حُلُول وقِهِ؛ لأنَّ
خَرَاجَ الأرضِ.
أَنَّه يَبِعُهُ منهم، بخلافِ المُسلمٍ، إلاَّ أن يكونَ معروفً بعَداوِهم، ولا يُمنَعُ من الدُّخُولِ بتجارةٍ على
البغالِ والحميرِ والسُّفُنِ؛ لأَنَّه للحَمْلِ، لكنْ يُستحلَفُ أَنَّه لم يُرِدْ بَيْعَ ذلك منهم)).
(١٩٩١١) (قولُهُ: كما يُمنَعُ) الأَولى أن يقولَ: ((كما يصيرُ ذِمِيّاً)) كما قالَه الإمامُ "محمَّدٌ
رحمه الله تعالى في "السِّيرِ الكبيرِ"(١): ((إذا دَخَلَ الحربيُّ دارَ الإِسلامِ بأمَانٍ فاشترى أرضَ خَرَاجٍ،
فُوُضِعِ عليه الخَراجُ فيها كان ذِمِيّاً)) اهـ، قال "السَّخسيُّ" (٢): ((فُوضَعُ عليه خَرَاجُ رأسِهِ،
ولا يُتْرَكُ أن يَخرُجَ إلى دارِهِ؛ لأنَّ خَرَاجَ الأرضِ لا يَجِبُ إلاَّ على مَن هو مِن أهلِ دارِ الإسلامِ،
فكان ذِمِيّا)). وفي "الهداية"(٣): ((وإذا لَزِمَه خراجُ الأرضِ فبعد ذلك تَلزمُه الجزيةُ لسَنةٍ مُستقبلَةٍ؛
لأَنّه يصيرُ ذِمِّاً بُزومِ الْخَرَاجِ، فُتُعَبرُ المدَّةُ من وَقْتِ وُجوِبِهِ)).
(١٩٩١٢) (قولُهُ: بأنْ أُلزِمَ به وأُخِذَ منه) الظَّاهرُ: أنَّ المرادَ بالأخذِ استحقاقُ الأَخذِ منه، وهو
مَعنى الوَضْعِ عليه في عبارةِ الإِمام "محمَّدٍ"، فليس المرادُ به الأخذَ بالفِعْلِ، بل هو تأكيدٌ لرَدِّ ما قَيْلَ:
إنَّه يصيرُ ذِمِيّاً بمجرَّدِ الشِّراءِ، وهو خلافُ ظاهرِ الرِّوايةِ؛ لأَنَّه قد يَشتريها للنّحارةِ، قال في
"الفتح "(٤): ((والمرادُ بوَضعِه: إلزامُهُ به وأخذُهُ منه عند حُلُولٍ وَقْتِه، وهو بُمباشرةِ السَّبَبِ، وهو
زِراعتُها أو تعطيلُها مع التَّمكُّن منها إذا كانت في مِلْكِه، أو زِراعتُها بالإِجارَةِ وهي في مِلْكِ غيرِهِ
إذا كان خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ؛ فإنَّه يُؤخَذُ منه لا من المالِكِ فيصيرُ به ذِمِيّاً، بخلاف ما إذا كان على
المالِكِ)) اهـ، أي: بأنْ كان خَراجاً مُوظّفً، أي: دراهمَ معلومةً؛ فإنَّه على مالكِ الأرضِ، فلا يصيرُ
به المُستأجِرُ ذِمًِّ؛ لأَنَّه لا يُؤخَذُ منه، أمَّا خَرَاجُ المُقَاسَمةِ - وهو: ما يكونُ جُزءً من الخارِجِ كِنِصِفِه
(١) انظر "شرح السِّير الكبير": باب متى يصير الحربي ذميًاً؟ ٢٢٤٤/٥-٢٢٤٥.
(٢) "شرح السِّير الكبير": باب متى يصير الحربي ذمياً؟ ٢٢٤٤/٥-٢٢٤٥ بتصرف.
(٣) "الهداية": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل وإذا دخل الحربي إلينا إلخ ١٥٤/٢.
(٤) "الفتح": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل وإذا دخل الحربي إلينا مستأمناً إلخ - فروع ٢٧١/٥ بتصرف.
الجزء الثاني عشر
٦٤٧
فصل في استئمان الكافر
كخَرَاجِ الرَّأسِ (أو صار لها) أي: المستأمِنةِ الكِتابَّةِ (زَوجٌ مُسلمٌ أو ذِمِّيٌّ)؛ لتَبعَّتِها
له وإنْ لم يدخُل بها ..
أو ثُلْتِه - فإنَّه يُؤْخَذُ من المستأجرِ، لكنْ هذا على قولِهما، أمَّا على قولِهِ فإنَّ الخَراجَ مُطلقاً على
المالِكِ، وكذا الخلافُ في العُشْرِ، وقد صرَّح بذلك "السَّرْخسيُّ)(١)، وهو الموافِقُ لِما تقدَّم(٢) في
باب العُشْرِ، وقدَّمنا تَرجيحَ قولِ "الإِمامِ" هناك، ففي إطلاقِ "الفتح " نَظَرّ؛ لإيهامِهِ أنَّ ذلك مُنَّفِقٌ
عليه عندنا، ولم يُنْبِّه على ذلك في "البحر" و"النهر"، فتدبّر.
[١٩٩١٣ ] (قولُهُ: كخَرَاجِ الرَّاسِ) أي: في أنَّه إذا التَزَمَه صار مُلتزِماً المقامَ في دارِنا،
"بحر "(٣).
١٩٩١٤١ ] (قولُهُ: أو صَارَ لها إلخ) أي: تصيرُ ذِمِّيّةً بذلك، وظاهرُهُ: أنَّ النّكاحَ حادثٌ بعد
دُخُولِها دارَنا، وليس بشرطٍ؛ فإنّهما لو دَخلا دارَنا ثمَّ صار الزَّوجُ مُسلماً أو ذِمِيّاً فهو كذلك كما
أفادَهُ في "البحر "(٤)، وقَّد بالكتابَّةِ؛ لأنّها لو كانت محوسيّةً وأسلَمَ زَوجُها يَعرِضُ القاضي عليها
الإِسلامَ؛ فإن أسلمَتْ وإلاَّ فَرَّقَ بينهُما، ولها أن تَرجِعَ بعد انقضاءِ عِدَّتِها كما في "شرحِ السِّر" (٥).
[١٩٩١٥) (قولُهُ: لَتَبَعَّتِها له) المرادُ بالتّبعيةِ كونُها التزَمَتِ المَقامَ معه كما في "البحر"(٦)، وهذا
شاملٌ للزَّوجِ الْمُسلمِ والدّميِّ، فافهم.
[١٩٩١٦) (قولُهُ: وإنْ لم يَدخُلْ بها) فالشَّرطُ مُجرَّدُ عَقْدِهِ عليها كما أشار إليه "الزَّلعيُّ)(٧)،
"بحر "(٨).
(١) "شرح السِّير الكبير": باب متى يصير الحربي ذمياً؟ ٢٢٤٧/٥.
(٢) المقولة [٨٤٦٦] قوله: ((والعشر على المؤجر)).
(٣) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١٠٩/٥.
(٤) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١١٠/٥.
(٥) "شرح السِّير الكبير": باب بيان الوقت الذي يتمكِّنُ المستأمن فيه إلخ ١٨٦٤/٥.
(٦) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١١٠/٥.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل لا يُمَكَّنُ مستأمن فينا سنةٌ ٢٦٩/٣.
(٨) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١١٠/٥.
حاشية ابن عابدين
٦٤٨
فصل في استئمان الكافر
(لا عَكْسُهُ) لإمكان طلاقِها، ولو نَكَحَها هنا فطالَبَتهُ بِمَهْرِها فلها مَنَعُهُ من الرُّجوعِ،
"تتار خانية"(١)، فلو لم يَفِهِ (٢) حَتَّى مَضَى حَوْلٌ ينبغي صَيرورتُهُ ذِمِيّاً على ما مرَّ عن
"الدرر"، ومنه عُلِمَ حُكْمُ الدَّينِ الحادِثِ في دارِنَا (فَإنْ رَجَعَ) الْمُستأمِنُ (إليهم) ولو لغيرِ
دارِهِ (خَلَّ دَمُهُ) لُبُطلانِ أمانِهِ (فإنْ ترِكَ وديعةً عند مَعصومٍ) مُسلمٍ أو ذِميّ (أو دَيناً)
عليهما (فَأُسِرَ أو ظُهِرَ) بالبناء للمجهول،
[١٩٩١٧] (قولُهُ: لا عَكْسُهُ) [٣/ق٣٧/ب] أي: لا يصيرُ المُستأمِنُ ذِمِيّاً إذا نَكَحَ ذِمَّةً؛ لأنّه
يُمكِّنُهُ طلاقُها فَيَرْجِعُ إلى بلدِهِ، فلم يكنْ مُلتزِماً المُقامَ، وكذا لو دَخَلا بأمان فأسلمَتْ، "بحر "(٣)،
وما في "الهداية"(٤) - في آخرِ كتابِ الطَّلاقِ: ((من أَنَّه يصيرُ ذِمًِّ بالتزوُّجِ في دارِنا)) - غَلطٌ من
الكاتِبِ مُخالِفٌ للنّسخةِ الأصلَيَّةِ، أفادَهُ في "النهر "(٥).
[١٩٩١٨) (قولُهُ: على ما مرَّ(٦) عن "الدرر") أي: مِنْ أَنَّه لا يُشتَرَطُ قولُ الإِمامِ: إِنْ أَقْمْتَ
سنةً وَضَعْنا عليكَ الجِزْيَةَ.
[ ١٩٩١٩] (قولُهُ: ومِنْهُ إلخ) أي: من حُكْمِ المهْرِ عُلِم حُكْمُ غيرِهِ من الدَّينِ؛ فإنَّ للدَّائنِ مَنَعَهُ
من الرُّجُوع أيضاً، فإذا مَنَعَه ومَضَى حولٌ صار ذِمِيّاً.
/١٩٩٢٠] (قولُهُ: فإنْ رَجَعَ الْمُسْتأمِنُ) ظاهرُهُ: أَنَّه لا فرْقَ بين كونِهِ قَبْلَ الحُكْم بِكَونِهِ ذِمَّاً أو
بعدَه؛ لأنَّ الذّميَّ إذا لَحِقَ بدارِ الحربِ صار حرباً كما سيأتي، "بحر "(٧).
[١٩٩٢١) (قولُهُ: فَأُسِرَ) أي: من غيرِ ظُهُورٍ على دارِهِم؛ بأَنْ وَجَدَهُ مسلمٌ فَأَسَرَه.
(١) "التتارخانية": كتاب السِّير - الفصل الخامس عشر في المسلم يدخل الأشياء في دار الحرب إلخ ٢٨١/٥ بتصرف.
(٢) في "و": ((يف)).
(٣) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١١٠/٥.
(٤) "الهداية": فصل: وإذا أرادت المطلقة أن تخرج بولدها إلخ ٣٩/٢.
(٥) "النهر": کتاب السِّير - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ق٣٢٩/ب
(٦) صـ ٦٣٩ - "در".
(٧) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١١١/٥.
الجزء الثاني عشر
٦٤٩
فصل في استئمان الكافر
بمعنى: غُلِبَ (عليهم فَأَخَذُوهُ أو قَتَلوهُ سَقَطَ دَيْنُهُ) وسَلَمُهُ وما غُصِبَ منه وأُحرةُ عين
آجَرَها (١) لسَبْقِ يدِهِ (وصار مالُهُ) كوديعتِهِ، وما عند شَرِيكِهِ ومُضارِبِهِ وما في بيتِهِ
في دارنا (فَيْئاً).
[١٩٩٢٢] (قولُهُ: بمعنى غُلِبَ) الأَولى تأخيرُهُ عن قولِهِ: ((عليهم))؛ لقولِ "المُغرِبِ"(٢): ((ظُهِرَ
عليه: غُلِبَ)).
[١٩٩٢٣) (قولُهُ: فَأَخَذُوه) احترازٌ عمَّا لو هَرَبَ كما يأتي(٣).
[١٩٩٢٤) (قولُهُ: سَقَطَ دَيْنُهُ) لأنَّ إثباتَ اليدِ عليه بواسطةِ الْمُطالَبةِ وقد سَقَطَتْ، ويدُ مَنْ عليه
أسبقُ إليه من يدِ العامَّةِ؛ فيختصُّ به فَسقُطُ، ولا طريقَ لجَعِلِهِ فَيْئاً؛ لأَنَّه الذي يُؤخَذُ قَهْراً
ولا يُتصوَّرُ ذلك في الدَّين، "نهر "(٤)، وهذا معنى قولِهِ الآتِي: ((لسَبَقِ يدِهِ))، فهو علّةٌ للكلِّ.
[١٩٩٢٥] (قولُهُ: وَسَلَمُهُ) أي: لو أَسْلَمَ إلى مُسلمٍ دَراهمَ على شيءٍ.
[١٩٩٢٦] (قولُهُ: وما غُصِبَ منه) ذكرَه في "البحرِ"(٥) بحثاً، وبَنَى عليه في "النهرِ"(٦) السَّلَمَ
والأُجرةَ.
[١٩٩٢٧] (قولُهُ: وصار مالُهُ) أفاد أنَّ الدَّينَ ليس مالَهُ؛ لأَنَّه مِلْكُ المَدُونِ، وللمالِكِ حقُّ
المُطالَبَةِ بِه لِيَستوفِيَ مِثَلَهَ لا عَيْنَه.
[١٩٩٢٨) (قولُهُ: كوديعتِهِ) أي: عند مُسلمٍ أو ذِمِيِّ، "ملتقى"(٧). قال "ط)(٨): ((وكذا غيرُهُ
(١) في "ط": ((أجرها)).
(٢) "المغرب": مادة ((ظهر)).
(٣) صـ ٦٥٠ - "در".
(٤) "النهر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ق٣٢٩/ب.
(٥) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١١١/٥.
(٦) "النهر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ق ٣٢٩/ب.
(٧) "ملتقى الأبحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل لا يقيم أكثر من سنة ٣٦٨/١.
(٨) "ط": كتاب الجهاد - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ٤٦٠/٢ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٦٥٠
فصل في استئمان الكافر
واختلفَ في الرَّهنِ، ورجَّح في "النهر": ((أنّه للمُرتِهِنِ بدَينِه))، وفي "السراج": ((لو
بَعَثَ مَن يأخذُ الوديعةَ والقَرْضَ وَجَبَ التَّسليمُ إليه)) انتهى، وعليه فُيُوفًّى منه دَيْنُهُ هنا
ولو صارتْ وديعتُهُ فَيْئاً (وإنْ قُتِلَ أو مات فقط) بلا غَلَبَةٍ عليه(١) (فَدِيَّتُه(٢) وَقَرْضُهُ
ووَديعتُهُ لَوَرَبْتِهِ) لأنَّ نفسَهُ لم تَصِرْ مَغْنُومةً فكذا مالُهُ، كما لو ظُهِرَ عليه فهَرَبَ ...
بالأَولى))، وفي "البحر "(٣): ((وإنَّما صارتْ وَدِيعُهُ غنيمةً؛ لأَنّها في يدِهِ تقديراً؛ لأنَّ يدَ الْمُودَع
كَيَدِهِ فَتَصِيرُ فَيْئً تَبَعاً لنفسِهِ، وإذا صار مالُهُ غَنِيمَةً لا خُمُسَ فيه، وإنَّما يُصرَفُ كما يُصرَفُ الخَراجُ
والجِزْيَةُ؛ لأَنَّه مأخوذٌ بقوَّةِ المسلمين بلا قتالِ، بخلاف الغَنيمةِ)).
[١٩٩٢٩) (قولُهُ: واخْتُلِفَ في الرَّهْنِ) فعند "أبي يوسف": للمُرتِهِنِ بدَيِنِه، وعند "محمَّد": يُباعُ
ويَسْتَوْفِي دَيْنَهُ، والزِّيادةُ فَيءٌ للمسلمين، وينبغي تَرجيحُهُ؛ لأنَّ ما زاد على قَدْرِ الدَّينِ في حُكْمٍ
٢٥١/٣ الوديعةِ، "بحر "(٣)، وردَّه في "النهر "(٤): ((بأنَّ تقديمَ قولِ "أبي يوسفَ" يُؤْذِنُ بَتَرجيحِهِ، وهذا لأنَّ
الوَدِيعةَ إِنَّما كانت فَيْئاً؛ لِما مرَّ: أَنَّها كانتْ في يدِهِ حُكْماً، ولا كذلكَ الرَّهنُ)) اهـ. وأجاب
"الحَمَويُّ": ((بأَنَّه على تسليمِ أنَّ الَّقديمَ يُفيدُ الَّرجيحَ دائماً، فيُفيدُ أرجحَيَّةَ الأوَّلِ فيما إذا كان
الرَّهْنُ قَدْرَ الدَّينِ، أمَّا الزِّيادةُ فقد صرَّحوا في كتابِ الرَّهنِ: بأَنَّها أمانةٌ غيرُ مَضْمُونٍ))، وكذا قال
" ح"(٥): ((الحقُّ ما في "البحر"))، وذَكَرَ نحوَ ذلك.
١٩٩٣٠١] (قولُهُ: وَجَبَ الَّسليمُ إليه) لأنَّ مالَه لا يصيرُ فَيْئاً إلَّ بأَسرِهِ أو بقَتِه، ولم يُوجَدْ
أحدُهُما، "ط"(٦).
[١٩٩٣١] (قولُهُ: وعليه) أي: على ما ذُكِرَ من وُجوبِ الَّسليمِ، ووجهُ البِناءِ: أنَّ طَلَبَ غَرِهِ
(١) في "و": ((عليهم)).
(٢) في "د": ((فدينه)) بالنون، وهو تحريف.
(٣) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١١١/٥.
(٤) "النهر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ق٣٢٩/ب.
(٥) "ح": كتاب الجهاد - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ق ٢٦٢/ب.
(٦) "ط": كتاب الجهاد - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ٤٦٠/٢.
الجزء الثاني عشر
٦٥١
فصل في استئمان الكافر
فمالُهُ له. (حَرْبِيٌّ هنا له ثَمّةَ عِرْسٌ وأولادٌ ووديعةٌ مع مَعْصُومٍ وغيرِهِ فأسلَمَ) هنا
أو صار ذِمِيّاً.
كطَلَبه بوكيلِهِ أو رسولِهِ، وهذه المسألةُ ذَكَرَها في "البحر" بحثاً، فقال(١): ((ولم أرَ حُكْمَ ما إذا كان
على المُستأمِنِ دَيْنٌ لمسلمٍ أو ذِمِيِّ أدانَهُ له في دارِنا ثمَّ رَجَعَ، ولا يَخفى أَنَّه باقٍ؛ لِبَقاءِ المُطالَبَةِ،
وينبغي أنْ يُوفَّى من مالِهِ لَمتروكِ ولو صارَتْ وَدِيعْتُهُ فَيْئاً)) اهـ، ولا يَخفى أنَّ فيما ذكرَهُ
"الشَّارِحُ" تَبَعاً لـ "النهر "(٢): ((من بناءِ المسألةِ على ما قبلَها)) تقويةً للبحثِ، وقد عَلِمْتَ وَجْهَهُ،
وقال في "النهر"(٢): ((فإنْ كانت الوديعةُ مِن غيرِ جِنسِ الدَّينِ باعها القاضي ووفَّى منها،
وقد أفتيتُ بذلك)) اهـ.
[١٩٩٣٢] (قولُهُ: فمالُهُ له) وكذا دَيْنُهُ، وَيَلزمُ من ذلك أنَّه لو أَرْسلَ من يأخذُهُ وَجَبَ تَسليمُهُ
كما لا يخفى.
[١٩٩٣٣] (قولُهُ: له ثَمَّة) أي: في دارِ الحربِ، ((عِرْسٌ)) بالكسر، أي: زوجةٌ.
[١٩٩٣٤] (قولُهُ: وأولادٌ) أي: ولو صغاراً؛ لأنَّ الصَّغيرَ إنَّما يَتَبَعُ أباهُ في الإسلام عند اتّحادِ
الدَّارِ، "بحر"(٣). أي: ولو حُكمً؛ لِما في "شرحِ التّحريرِ"(٤): ((وكذا يتبعُهُ إذا كان المتبوعُ في دارِ
الحرْبِ والتّابعُ في دارِ الإسلامِ)) اهـ، أي: لأَنَّ المُسلمَ في دار الحرْبِ من أهلِ دارِنا.
مطلبٌ مُهمّ: الصَّبيُّ يَتبِعُ أحدَ أبوَيهِ في الإسلام
وإن كان يَعْقِلُ ما لم يَبْلُغْ، وَخِلافُهُ خَطَّ
في "شرح السِّيرِ الكبيرِ"(٥): ((لو دَخَلَ الصَّغيرُ الذي يُعبِّرُ عن نفسه دَارَنا لزيارةٍ أَبوَيهِ؛
(تنبيةٌ)
(١) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١١١/٥.
(٢) "النهر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ق٣٢٩/ب.
(٣) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١١١/٥.
(٤) "التقرير والتحبير": المقالة الثانية: في أحوال الموضوع - الفصل الثاني: الحاكم لا خلاف في أنّه الله ١١٢/٢.
(٥) "شرح السِّير الكبير": باب بيان الوقت الذي يتمكَّن المستأمن فيه من الرجوع إلى أهله إلخ ١٨٧٦/٥ -١٨٧٧.
حاشية ابن عابدين
٦٥٢
فصل في استئمان الكافر
(ثَمَّ ظَهَرْنا عليهم فكلُّهُ فَي ءٌ) لعدمٍ يَدِهِ وولايتِهِ، ولو سُبِيَ طِفْلُهُ إلينا فهوٍ قِنٌّ مسلمٌ
(وإن أسلَمَ ثَمّةَ فجاء) هنا ( فظهرنا(١) عليهم فطِفُهُ حُرٍّ مسلمٌ)
فإنْ كانا ذِمِيِّينِ فله الرُّجُوعُ إلى دارِ الحربِ، بخلافِ ما إذا كانا مُسلمَين أو أَحدُهما؛ فإِنَّه يصيرُ
مُسلماً تبعاً للمُسلمٍ منهُما؛ لأنَّ الذي يُعبِّرُ عن [٣/ ق١/٣٨] نفسه - في حكمِ التّعَيَّةِ في الإسلامِ -
كالذي لا يُعبِّرُ عن نفسه))، قال: ((وبهذا تَبيَّنَ خطأُ مَن يقولُ من أصحابنا: إنَّ الذي يُعبِّرُ(٢) عن
نفسِهِ لا يصيرُ مُسلماً تَبَعاً لأبوَيْهِ، فقد نصَّ "محمَّدٌ" ههنا على أنَّه يصيرُ مُسلماً)) اهـ
والحاصلُ: أَنَّه تَنْقَطِعُ تبعيَّةُ الولدِ في الإِسلامِ لأحدٍ أَبوَيهِ بُبُلُوغِه عاقلاً كما صَرَّحَ به
"السَّر خسيُّ"(٣) قبلَ ذلك، ومُقتضاهُ: أَنَّه لو بَلَغَ مَجنوناً تَبْقَى الَّعيّةُ، وبه ظَهَرَ ما في "فتاوى العلاَّمةِ
ابنِ الشِّلْبِيِّ(٤): ((من أنَّ الصَّبِيَّ إذا عَقَلَ لا يصيرُ مُسلماً بإسلامِ أحدِ أبوَيهِ))، فقد علمتَ أنَّ هذا
القولَ خَطَأْ، وقد نَّهنا على ذلك في بابِ نكاحِ الكافرِ(٥)، وفي باب الجنائزِ(٦) عند قولهِ: ((كصبيّ
سُبِيَ مع أحدٍ أبوَيهِ))، وَبَقِيَ ما لو ادَّعى الابنُ الْبُلوغَ وَبَرِهَنَ وَادَّعى أبوه أَنَّه قاصِرٌ وبَرهَنَ أيضاً،
يُريهِ القاضي أهلَ الخِيْرةِ، وأمَّا لو كانت الدَّعوى بعد مُضيِّ مدَّةٍ تُقدَّمُ بَنَةُ الأَبِ أَنَّه قاصرٌ لِيُحعَلَ
الابنُ مُسلماً كما أفتى به "الرَّحيميُّ" وأطالَ في تحقيقِهِ في "فتاواه"(٧) في أواخرِ كتابِ الدَّعوى.
[١٩٩٣٥) (قولُهُ: ثُمَّ ظَهَرْنا عليهم) أي: على دارِهِم.
[١٩٩٣٦ ] (قولُهُ: فكلُّهُ) أي: كلُّ ما ذُكِرٍ من عِرْسِه وما بعدَها.
[١٩٩٣٧ ) (قولُهُ: ولو سُبِيَ طِفْلُهُ إلخ) قال في "البحر (٨): ((ولو سُبِيَ الصَّبيُّ في هذه المسألةِ
(١) في "و" و"د": ((فَظُهِرَ)).
(٢) في النسخ جميعها: ((لا يعبِّرُ))، والصواب ما أثبتناه من "شرح السَّر الكبير"، وقد نَبَّه عليه "ابن عابدين" رحمه الله
في منهواته فقال: ((قوله: ((لا يعبِّر)) لفظةُ ((لا)) زائدةٌ كما لا يخفى. اهـ تاجي)).
(٣) "شرح السِّير الكبير": باب بيان الوقت الذي يتمكّنُ المستأمن فيه من الرجوع إلى أهله ١٨٧٠/٥.
(٤) تقدمت ترجمته ٤٦٨/١.
(٥) المقولة [١٢٦٦٤] قوله: ((والولدُ يَتْبَعُ خيرَ الأبوين ديناً)).
(٦) المقولة: [٧٥٥١] قوله: ((كصبي سُبِيَ مع أحدِ أبويه)).
(٧) "الفتاوى الرّحيمية في واقعات السَّادة الحنفية": لعبد الرحيم بن أبي اللطف بن إسحاق المقدسي (ت ١١٠٤ هـ).
("إيضاح المكنون" ١٥٦/٢، "سلك الدرر" ٢/٣، "هدية العارفين" ٥٦٤/١).
(٨) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١١١/٥.
الجزء الثاني عشر
٦٥٣
فصل في استئمان الكافر
لاّحادِ الدَّارِ (ووديعتُهُ مع معصومٍ له) لأنَّ يدَه - كَيَدِه - مُحترَمةٌ (وغيرُهُ فَيءٌ) ولو
عَيْنَاً غَصَبها مسلمٌ؛ لعدمِ النِّيابِةِ، "فتح"(١)
وصار في دارِ الإسلامِ فهو مسلمٌ تَبعاً لأبيه؛ لأَنَّهُما اجْتَمَعا في دارٍ واحدةٍ، بخلافِ ما قبلَ إخراجِهِ،
وهو فَيٌّ على كلِّ حالٍ)) اهـ، لكنْ في "العَزميَّةِ": ((قولُ: ولو سُّبِيَ، أي: مع أُمِّه؛ فإنَّه لو سُبِيَ
بِدُونِها لا تَظْهَرُ فائدةُ الَّبْعَّةِ بِالأَبِ؛ فَإِنَّه يُحكَمُ بإسلامِهِ بَتَبعَيَّةِ الدَّارِ على ما مرَّ(٢) في كتابٍ
الصَّلاة)) اهـ، أي: في فصل الجنائز.
[١٩٩٣٨] (قولُهُ: لاتحادِ الدَّارِ) لأَنّه لَمَّا أسلمَ في دارِ الحرْبِ تَبَعَه طِفْلُهُ، "درر)"(٣).
فالمرادُ بالدَّار: دارُ الحرْبِ، فافهم، وذلك لأنَّ ما تَبَتَ يكونُ باقياً ما لم يُوجَدْ مُزِيلٌ، ومثلُهُ:
لو لم يُسِمْ بِل بَعَثَ إلى الإِمامِ: أَنِّي ذِمَّةٌ لكم أُقيمُ في دارِ الحرْبِ وَأَبَعَثُ بِالخَرَاجِ كُلَّ سنةٍ جاز،
ويكونُ طِفْلُهُ ذِمِيّاً بمنزلتِهِ(٤)، ويكونُ الأبُ أحقَّ به لِما قُلنا؛ لأنَّ الذّميَّ لا يُمَلَكُ بالقَهْرَ، وكذا لو
أسلمَ الأَبُ في دارِنا أو صار ذِمِيّاً ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى ظَهَرْنا على دارِهِمْ تَبْعَه طِفُلُه ولا سبيلَ عليه،
وتمامُهُ في "شرح السِّير "(٥).
١٩٩٣٩١ ] (قولُهُ: وغيرُهُ) أي: غيرُ ما ذُكِرَ من الطّفلِ والوديعةِ مع مَعْصُومٍ، وهو أولادُهُ الكبارُ
وعِرْسُه وعَقَارُهُ ووَدِيعْتُه مع حَرْبِيٍّ، "درر"(٦).
[١٩٩٤٠ ] (قولُهُ: لعدم الّيابةِ) أي: نيابةِ الغاصِبِ عنه.
(قولُهُ: وكذا لو أَسلَمَ الأبُ في دارِنا أو صارَ ذمًَّ ثمَّ رَجَعَ حتَّى ظَهَرْنا على دارِهمْ تَبِعَهُ طفُلُهُ
إلخ) أي: إذا رَجَعَ إلى دارِ الحربِ ولم يَصِرْ حربً، وإلَّ جازَ سَبِيهُ وابنَهُ أيضاً لنَقْضِ ذِمَّتِهِ باللَّحافِ.
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل وإذا دخل الحربي إلينا مستأمناً إلخ ٢٧٤/٥ بتصرف.
(٢) المقولة [٧٥٥٥] قوله: ((تبعاً للدَّار)).
(٣) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب المستأمن ٢٩٥/١.
(٤) ((ويكون طفله ذميا بمنزلته)) ساقط من "م".
(٥) انظر "شرح السير الكبير": باب بيان الوقت الذي يتمكّنُ المستأمن فيه من الرجوع إلى أهله إلخ ١٨٧٨/٥.
(٦) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب المستأمن ٢٩٥/١.
حاشية ابن عابدين
٦٥٤
فصل في استئمان الكافر
(و للإمامِ) حقُّ (أَخْذِ دِيَةِ مسلمٍ لا وَلِيَّ له) أصلاً (و) دِيَةِ (مُستأمِنِ أسلمَ هنا من عاقلةِ
قاتِلِه خطأً) لقتلِهِ نفساً مَعْصُومةً (وفي العمدِ له القتلُ) قِصاصاً (أو الدِّيَةُ) صُلْحاً (لا العَفْوُ)
١٩٩٤١١) (قولُهُ: وللإمامِ حقُّ أَخْذِ دِيَةِ إلخ) زاد لفظَ ((حقُّ)) إشارةً إلى ما في "البحر)"(١):
((من أنَّ أخذَهُ الدِّيةَ ليس لنفسه بل لَيَضَعَها في بيتِ المالِ، وهو المقصودُ من ذِكرِها هنا،
وإلاَّ فحُكمُ القتلِ الخطأِ معلومٌ، ولذا لم يُنُصَّ على الكفَّارةِ؛ لِما سيأتي في الجنايات)).
[١٩٩٤٢] (قولُهُ: ودِيةٍ مُستأمِنٍ أسلمَ هنا) أمَّا إذا لم يكن مُستأمِناً، أو لم يُسلِمْ لا شيءَ
على قاتِله كما في "شرح مسكين"(٢)، وتقدَّم(٣) قُبيل هذا الفصلِ: ((ما لو أسلَمَ في دارِ الحرْبِ
فَقَتَلَه مُسلمٌ)).
[١٩٩٤٣) (قولُهُ: له القَتْلُ قِصاصاً) لأنَّ الدِّيَّةَ وإنْ كانت أنفعَ للمُسلمين مِن قَتِلِه لكن قد تَعُودُ
عليهم مِنْ قتِلِهِ مَنفعةٌ أُخرى، وهي أنْ يَنزَجِرَ أمثالُهُ عن قتلِ المسلمين، "بحر "(٤).
(١٩٩٤٤) (قولُهُ: أو الدِيَةُ صُلْحاً) أي: برِضى القاتِلِ؛ لأنَّ مُوجَبَ العَمْدِ هو القَوَدُ، "بحر "(٤).
(قولُهُ: كما في "شرحِ مسكين") تَقَلَ في "الشُّرُ نِلالَيَّة " تصحيحَ عدمِ لزومِ الدِّيةِ بقتلِ المستأمِنِ عن
"الجوهرة" نقلاً عن "النّهاية"، وَقَلَ بعدَهُ عن "الزَّيلعيِّ" تصحيحَ النَّسويةِ بينَهُ وبينَ الذِّّيِّ، وسيأتي لـ "الشَّارِحِ"
في الدِّياتِ ذكرُ ما في "الجوهرة" والاستدراكُ عليه بما في "الإختيار" من النّسويةِ، وتصحيحُ "الزَّلعيِّ" لذلكَ،
ونَقَلَ "المحشِّي" هناكَ عن "الرَّمليِّ " استظهارَ ما صحَّحَهُ "الزَّيلعيُّ" وغيرُهُ، واختلافُ التَّصحيحِ إنَّا هو بعدَ تُبُوتِ
ما نقلَهُ في "الجوهرة" عن "النّهاية"، والله أعلم اهـ. فالأظهرُ لـ "المحشِّي" أنْ يقولَ: قَّدَبما إذا أسلمَ؛ لأَنَّه إذا
لم يُسْلِمْ يكونُ حقُّ أَخْذِ الدِّيّةِ للوارثِ لا للإمامِ.
(١) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١١٢/٥.
(٢) "شرح منلا مسكين على الكنز": كتاب السِّير - فصل: لا يُمكّن المستأمن صـ ١٥٨ -.
(٣) المقولة [١٩٨٩١] قوله: ((لأنه بالأسر إلخ)).
(٤) "البحر": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل: تأخيرُ استئمان الكافر عن المسلم ظاهر ١١٢/٥.
الجزء الثاني عشر
٦٥٥
فصل في استئمان الكافر
٢٥٢/٣
وحاصلُه: أنَّ للإمامِ أن يَقْتُلَ أو يُصالِحَ على الدِّيَّةِ إِنْ رَضِيَ القاتِلُ بالصُلْحِ، والظَّاهرُ: أَنَّه
ليس له الصُّلْحُ على أقلَّ من الدِّيَةِ كما يُفيدُه التَّعليلُ الآتي (١)، إلاّ إذا لم يمكنْ إثباتُ القَتْلِ عليه كما
في وَصِيِّ اليتيمِ، تأمَّل. قال في "الشُّرِنِبلاليّةٍ (٢): ((وهل إذا طَلَبَ الإِمامُ الدِيَةَ يَنْقِلِبُ القِصاصُ مالاً
كما في الوَلِيِّ؟ فلُنظَر)) اهـ.
قلتُ: الظَّاهرُ: نعم؛ لقَولِ "الفتح"(٣): ((وإنَّما كان للسُّلطانِ ذلك، أي: القتلُ أو الصُّلْحُ؛
لأَنَّه هو وليُّ المقتولِ، قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((السُّلطانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ له))(٤)) اهـ.
(قولُهُ: وهل إذا طَلَبَ الإِمامُ الدِّيّةَ يَنْقِلِبُ القصاصُ مالاً كما في الوليِّ؟ فلينظرْ اهـ. قلتُ: الظَّاهرُ: نعم
إلخ) الَّذي يظهرُ عدمُ انقلابِهِ مالاً، فإنَّ انقلابَهُ مالاً في الوليِّ - لو سُلِّمَ - إنَّا هو لشُبْهَةِ العَفْوِ ثَمَن يَمْلِكُهُ،
والسُّلطانُ لا يَمْلِكُ العفوَ صريحاً فلا تُعتبرُ الشُّهَةُ في حقِّهِ مُسقِطةً له، ثمَّ رأيتُ في "حاشيةِ عبد الحليم" من
كتابِ الجناياتِ عندَ قولِهِ: والقَوَدُ عَيْناً ما نصُّهُ: ((فلا يأخذُ وليُّ المقتولِ ديةً إلاَّ برضا القاتلِ حَتَّى لو ثَبَتَ على
أحدٍ قَتْلٌ يُوجِبُ القصاصَ أو أقرَّ به وطَلَبَ الوليُّ الدِّيّةَ ولم يَرْضَها القاتلُ سَقَطَ القصاصُ بطلبِهِ الدِّيّةَ، وَسَقَطَتْ
أيضاً لعدمٍ رضا القاتلِ كما في الشُّروحِ)) اهـ. فانظرْ من أينَ أتى لـ "الشُّرُ بلاليّ" لزومُ الدِّيةِ؟! ثمَّ رأيتُ في
"شرح الملتقى" من كتابِ الجناياتِ ما يوافِقُ ما نقلَهُ "عبد الحليم"، ونصُّهُ: ((لو قالَ الوليُّ: أنا آخذُ المالَ بدلَ
القصاصِ ولم يَرْضَ القاتلُ ليسَ له أَخْذُ المالِ لعدمِ الصُّلْحِ ويَسقُطُ القصاصُ بالعَفْوِ)) اهـ.
(١) في هذه المقولة.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الجهاد - باب المستأمن ٢٩٥/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "الفتح": كتاب السِّير باب المستأمن - فصل وإذا دخل الحربي إلينا مستأمناً إلخ ٢٧٧/٥.
(٤) لفظ الحديث: ((أَيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل (ثلاثاً)، فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها،
فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)).
رواه إسماعيل بن عُلَيَّة، وهَمَّام، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن رجاء، ومسلم بن خالد، وعبد المجيد بن أبي رَوَّاد،
وسعيد بن سالم، وابن المبارك، وإسماعيل بن زكريا، ومعاذ بن معاذ، وأبو عاصم الضَحَّاك بن مخلد، وسفيان
الثوري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وابن وهب، ومؤمَّل بن إسماعيل، وحجاج بن
محمد، وعبد الوهاب بن عطاء، ويحيى بن أيوب، وعبيد الله بن موسى كلهم رووه عن ابن جريج أخبرني سليمان بن
موسى وبشر بن المُفَضَّل ثنا الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعاً .... الحديث، زاد إسماعيل عن ابن جريج قال:
فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه، قال: وكان سليمان بن موسى وكان! فأثنى عليه اهـ.
=
حاشية ابن عابدين
٦٥٦
فصل في استئمان الكافر
= ورواه الشاذكوني - متروك - عن بشر بن المَفَضَّل عن ابن جريج نحو رواية إسماعيل، وزاد: أخافٍ أن يكون وهم
علي، قال ابن عدي: وهذه القصة معروفة بابن عُلَيَّة.
أخرجه أحمد ٤٧/٦، ١٦٥، وعبد الرزاق (١٠٤٧٢) في النكاح - باب النكاح بغير ولي، وابن أبي شيبة ٢٧٢/٣ في
النكاح - من قال لا نكاح إلا بولي أو سلطان، وإسحاق بن راهويه (٦٩٩)، والشافعي كما في "مسنده" ١١/٢،
والحُمَيدي (٢٢٨)، والطيالسي (١٤٦٣)، وسعيد بن منصور في "سننه" (٥٢٨) (٥٢٩) في النكاح - باب من قال لا
نكاح إلا بولي، وأبو داود (٢٠٨٣) في النكاح - باب في الولي، والترمذي (١١٠٢) في النكاح - باب ما جاء لا نكاح
إلا بولي، والنسائي في "الكبرى" (٥٣٩٤) في النكاح - باب الثيب يجعل أمرها لغير وليها، وابن ماجه (١٨٩٧) في
النكاح - باب لا نكاح إلا بولي، والدارمي (٢١٨٤) في النكاح - باب النهي عن النكاح بغير ولي، وابن الجارود
في "المنتقى" (٧٠٠)، والطحاوي ٧/٣ في النكاح - باب النكاح بغير وليٍ عصبة، والدرقطني في "السنن"
٢٢١/٣، ٢٢٦ و"العلل" (٥/ق١١٥-١١٧)، وأبو يعلى (٤٧٥٠)، وابن حبان (٤٠٧٤)، والحاكم ١٦٨/٢،
والبيهقي في "السنن" ١٠٥/٧، و"المعرفة" ٢٩/١٠، وابن عدي ٢٦٦/٣، وأبو نعيم في "الحلية" ٨٨/٦، وابن عبد البر
في "التمهيد" ٨٥/١٩، قال الترمذي: هذا حديث عندي حسن، قال الدار قطني في "العلل" (٥/ق١١٥/أ): ورواه
عبد الله بن فَرُّوخ الأندلسي عن ابن جريج عن أيوب بن موسى، ووَهِم فيه إنما هو سليمان بن موسى اهـ. وابن فروخ:
قال البخاري: تَعْرِف وتُنْكِرِ، ثم قال: وانفرد مُطَرِّف بن مازن، فرواه عن ابن جريج عن هشام ووَهِم فيه اهـ. ومطرِّفٌ
كذاب، قال: ورواه الهَيَّاج بن بسطام عن الثوري عن ابن جريج عن موسى عن الزهري، ووَهِم فيه، إنما هو سليمان بن
موسى، ورواه ضمرة بن ربيعة عن الثوري فأسقط سليمان بن موسى، ووَهِم في إسقاطه، وتابعه ابن لهيعة عن ابن
جريج عن الزهري، ووَهِم أيضاً، ثم أخرجه ٥/ق١١٨/أ عن الهيَّج وابن لهيعة قال: ورواه بكر بن الشَّرود [متهم] عن
التوري عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن شداد عن عائشة، تفرد به بكر اهـ.
أما زيادة إسماعيل: فقد سأل أبو حاتم الرازي أحمدَ بن حنبل عن هذا فقال: إن ابن جريج له كتب مدونة وليس
هذا في كتبه، وقال يحيى بن معين: ليس يقول هذا إلا ابنُ علية، وإنما عرض ابن علية كتب ابن جريج على
عبد المجيد بن أبي رَوَّاد فأصلحها، قال الدوري فقلت ليحيى: ما كنت أظن أن عبد المجيد هكذا، فقال: كان
أعلم الناس بحديث ابن جريج، ولكنه لم يبذل نفسه للحديث اهـ البيهقي ١٠٦/٧، وابن عدي ٢٦٥/٣. وهذا
يَدلُّ على تضعيف ابن علية في ابن جريج، وإن كان فيه تقوية لابن أبي رَوَّاد فيه.
ثم هذا ابن أبي رَوَّاد قد رواه بدون هذه الزيادة لكن مراد ابن معين أنه احتاج إلى غيره ليصلح كتبه منه، وهذا ضعف ولا شك.
وعلى فرض صحتها فقد قال ابن حبان: وليس هذا [عدم معرفة الزهري له] مما يَهِي الخبرُ بمثله، وذلك أن الخيِّر الفاضل
المتقن الضابط من أهل العلم قد يحدث بالحديث ثم ينساه وإذا سئل عنه لم يعرفه، بدليل نسيان النبي ◌ُ # في الصلاة وهو
المعصوم، فلما جاز ذلك كان من بعده من أمته الذين لم يكونوا معصومين جواز النسيان عليهم أجوز اهـ باختصار. وهذا
مذهب المحدثين والشافعية. انظر "اللمع" للشيرازي صـ١٧٠ -. و"شرح نخبة الفكر" ص ١١٨ -١١٩ -.
وقال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله يسقط الحديث، انظر "الإفاضة" صـ ١٣١-، "نسمات
الأسحار" و"التلويح على التوضيح" ١٣/٢.
=
الجزء الثاني عشر
٦٥٧
فصل في استئمان الكافر
= قال ابن عدي: وقد حدث به مع سليمان بن موسى حجاجُ بن أرطاة ويزيد بن أبي حبيب وقُرَّة وابن عيينة وإبراهيم بن سعد،
وكل هؤلاء طرقهم غريبة إلا حديث حجاج، فإنه مشهور رواه عنه جماعة اهـ. وزاد الدارقطني في "العلل": وعثمان الوقَّاصِي
ومحمد بن أبي قيس وإبراهيم بن أبي عبلة ويونس الأيلي ومحمد بن إسحاق اهـ. قال الترمذي: ورواه حَجَّاج بن أرطاة وجعفر
ابن ربيعة عن الزهري عن عروة عن عائشة، وروي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي { ## مثله اهـ.
أخرجه أحمد ٦٦/٦، وأبو داود (٢٠٨٤)، وأبو يعلى (٤٨٣٧)، والطحاوي في "شرح المعاني" ٧/٣، والبيهقي ١٠٦/٧،
وغيرهم من طريق ابن لهيعة حدثنا جعفر بن ربيعة عن ابن شهاب به. وقال أبو داود: جعفر لم يسمع من الزهري، كتب له
اهـ. والكتابة وإن كانت صحيحة في التحمل إلا أن احتمال الخطأ فيها وارد، فكيف وابن لهيعة فيه ضعف معروف ثم قد
اضطرب فيه، فأخرجه الدارقطني (٥/ق١١٨/أ) من طريق ابن لهيعة عن ابن جريج أنه كتب إليه يذكر أن الزهري حدثه
عن عروة، وهذا إما اضطراب منه، وإما أن الزهري تذكره وهذا بعيد، قال الدارقطني: ووَهِم فيه، ثم رواه في "العلل"
والطحاويُّ ٧/٣ عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن ابن شهاب به. وأخرجه أحمد ٢٥٠/١، و٢٦٠/٦، وابن
ماجه (١٨٨٠)، وابن أبي شيبة ٢٧٣/٣، والطبراني في "الكبير" (١١٢٩٨)، وأبو يعلى (٢٥٠٧) و(٤٦٩٢) و(٤٩٠٦)،
والدار قطني ٥/ق١١٩/أ والبيهقي ١٠٦/٧، ١٠٧ من طريق ابن المبارك وهشيم ومعمر وقيس كلهم عن الحجاج بن أرطاة
عن الزهري به. وعن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: ((لا نكاح إلا بولي)). واضطرب الحجاج فيه، فرواه حفص بن
غياث عنه عن هشام بن عروة عن أبيه به. وتابعه هشام بن يونس عن أبي مالك الجَنّبي عن حجاج به. والصحيح
عن حجاج (عن الزهري). ورواه سهل بن عثمان وإبراهيم بن يوسف عن أبي مالك الجنبي عن هشام، ولم
يذكروا فيه حجاجاً اهـ "العلل" (٥/ق١١٥/أ). وأبو مالك عمرو بن هشام صدوق ليّن الحديث، قال البخاري:
فيه نظر، وأخرجه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" ٢٣٩/٢، والحجاج مدلس كما مر، وأكثر ما أنكروا عليه تدليسه
عن الزهري وعمرو بن شعيب، وإنما يروي أحاديث داودبن الحصين عن عكرمة، وليس في حديث ابن عباس
((والسلطان ولي من لا ولي له))، ولعل الصواب فيه أنه موقوف. وأخرجه الدار قطني في "العلل" (٥/ق١١٨/ب)
من طريق قُرَّة بن حَيُوْئِيل وإبراهيم بن أبي عبلة ومحمد بن إسحاق ويونس بن يزيد عن الزهري عن عروة به.
وعن إسماعيل بن جعفر [وفيه عبد الرحمن بن قريش متهم، ومحمد بن الفضل كذاب] كلاهما عن أبي حازم عن
عروة به. والطبراني (٦٣٥٢) عن أبي الغُصْن ثابت بن قيس، (وفيه: خالد بن يزيد المكي، كذبه أبو حاتم ويحيى]
عن عروة به، ثم قال في "العلل": وأما حديث هشام بن عروة، فرواه عنه زَمْعة بن صالح ومِندَل وجعفر بن بُرقان
ويزيد بن سنان ويزيد بن خالد العُمَاني ... اهـ. أخرجه الترمذي في "العلل الكبير" ٤٣٠/١، وأبو يعلى (٤٦٨٢)،
والدار قطني في "العلل" (٥/ق١١٩/ب)، وأبو نعيم في "تاريخ إصبهان" ٣٠/٢ من طريق زَمْعَة بن صالح (ضعيف) (ح)
وأبو يعلى (٤٧٤٩) من طريق مِندل (ضعيف)، (ح) والطبراني في "الأوسط" (٦٩٢٣) من طريق علي بن جميل (ضعيف
كذبه ابن حبان) عن حسين بن عياش الباحُدَّائي عن جعفر بن بُرقان (ح)، والدار قطني في "العلل"، و"السنن" ٢٢٧/٣ عن
محمد بن يزيد بن سنان (ضعيف) عن أبيه (ح)، وابن عدي ٣٦٠/٢ من طريق حسين بن علوان (يضع الحديث) كلهم عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وهذه الأسانيد كلها واهية، وبعضهم يقول بشاهدين، وبعضهم لا يذكره اهـ. وروى
البيهقي عن الدوري عن ابن معين، قال: ليس يصح في هذا شيء إلا حديث سليمان بن موسى، فأما حديث هشام بن سعد
فهم يختلفون فيه، وحدث به الخَّاط يعني حماداً الخَّاط وابن مهدي، بعضهم يرفعه وبعضهم لا يرفعه، قال: سمعت يحيى
يقول: وروى مِنْدل عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وهذا ليس بشيء.
حاشية ابن عابدين
٦٥٨
فصل في استئمان الكافر
نَظَراً لحقِّ العامَّةِ. (حَرْبِيٌّ أو مُرْتَدٌّ أو مَن وَجَبَ عليه قَوَدُ التَجأَ بالْحَرَمِ لا يُقتَلُ، بل يُحَبَسُ
عنه الغِذاءُ لَيَخْرُجَ فُيُقْتَلَ)؛ لأنَّ مَن دخَلَهُ فهو آمِنٌ بِالنَّصِّ، وسيجيءُ(١) في الجناياتِ ......
[١٩٩٤٥) (قولُهُ: نَظَراً لحقِّ العامَّةِ) فإنَّ وِلايَتَه عليهم نظريَّةٌ، وليس من النّظرِ إسقاطُ حقّهِم
بلا ◌ِوضٍ، "فتح "(٢)، وفيه (٣) أيضاً: ((أَنّه لو كان المقتولُ لَقِيطاً للإمامِ أن يَقْتُلَ القائِلَ عندهُما،
خِلافً لـ "أبي يوسف"))، وتمامُهُ فيه.
[١٩٩٤٦) (قولُهُ: أو مَن وَجَبَ عليهِ قَوَدٌ) أي: في النَّفْسِ، أمَّا فيما دُونَها فَيُقْتَصُّ منه في الحَرَمِ
إجماعاً، ذكرَهُ(٤) "الشَّارِحُ" في الجناياتِ، "ط " (٥).
[١٩٩٤٧) (قولُهُ: التجَأَ بالْحَرَمِ) أفاد أنَّه لم يُنشِئِ القَتْلَ فيه، فلو أَنشأَه فيه قُتِلَ فيه إجماعاً،
ولو قَتَلَ في البيتِ لا يُقْتَلُ فيه، ذَكرَه "الشَّارِحُ" في الجناياتِ(٦)، [٣/ ق٣٨/ب] وفي "شرحِ السِّيرِ)(٧):
(قولُهُ: لو كانَ المقتولُ لَقِيطاً للإمامِ أنْ يَقْتُلَ القائلَ عندَهما، خلافاً لـ "أبي يوسف"، وتمامُهُ فيه)
أي: "الفتح"؛ حيثُ ذَكَرَ وجهَ قولِهِ: ((أَنّ لا يخلو عن وليِّ كالأبِ ونحوِهِ إنْ كانَ ابنَ رِشْدَةٍ(٨)، وكالأَمِّ إنْ كانَ
ابنَ زَنَّى، فاشتبِهَ مَن له حقُّ القصاصِ)) ولهما: أنَّ المجهولَ الَّذي لا يُمكِنُ الوصولُ إليه ليسَ بوليٍّ؛ لأنَّ الَّتَ
لا ينتفِعُ به فصارَ كالعدمِ، فنتقِلُ الولايةُ إلى السُّلطانِ؛ فإنَّه وليُّ مَن لا وليَّ له كما في الإرثِ اهـ. وهو يُفِيدُ كما
في "البحر": أنَّ مَن لا وارثَ له معلوماً فإرتُهُ لبيتِ المالِ وإنْ احْتُمِلَ أنْ يكونَ له وارثٌ، وإنْ أوصى بجميعِ مالِهِ
لأجنبِيِّ يُعطَى كُلَّهُ وإِنْ احْتُمِلَ محِيءُ وارثٍ لكنْ بعدَ الَّي اهـ. ويظهرُ أَنَّه إذا قُتِلَ شخصٌ وليسَ له وارثٌ
معلومٌ يكونُ للإمامِ حقُّ استيفاءٍ مُوْجَبِهِ ولو قصاصً وإِنْ احْتُمِلَ أنَّ له وارثً.
(١) انظر "الدر" عند المقولة [٣٤٩٢١] قوله: ((مباح الدم)).
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل وإذا دخل الحربي إلخ ٢٧٧/٥، نقول: والعبارة لـ"الهداية".
(٣) انظر "الفتح": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصلٌ وإذا دخل الحربي إلينا مستأمناً إلخ ٢٧٧/٥.
(٤) انظر "الدر" عند المقولة: [٣٤٩٢٣] قوله: ((فيقتص منه)).
(٥) "ط": كتاب الجهاد - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ٤٦٠/٢.
(٦) انظر "الدر" عند المقولة: [٣٤٩٢٤] قوله: ((ولو قتل في البيت إلخ)).
(٧) "شرح السِّير الكبير": باب الحربي يدخل الحرم غير مستأمن ٣٦٨/١ وما بعدها بتصرف.
(٨) رِشْدَة: أي صحيح النسب، بكسر الراء والفتح لغة. اهـ "مصباح".
الجزء الثاني عشر
٦٥٩
فصل في استئمان الكافر
(لا تَصِيرُ دارُ الإِسلامِ دارَ حربٍ إلاَّ) بأمورٍ ثلاثةٍ.
((لو كانوا جماعةً دخلوا الحَرمَ للقتالِ فلا بأسَ أنْ نُقاتِلَهم؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَةٍ﴾
[البقرة - ١٩١]؛ لأنَّ حُرْمَةَ الحَرَمِ لا تُلزِمُنَا تَحمُّلَ أذاهُم كالصَّيْدِ إذا صالَ على إنسانٍ فِي الْحَرَمِ
جاز قَتُه دَفْعً لأَذاهُ، ولو قاتلوا في غيرِهِ ثُمَّ انهزموا ودَخُلُوا فيه لا نَتعرَّضُ لهم، إلاَّ إذا كانت لهم
◌ِئَةٌ فِي الحَرَمِ وصارَتْ لهم مَنَعَةٌ؛ لأنَّ المُلتجِئَّ إلى فئةٍ مُحارِبٌ، وجميعُ ما ذُكرَ في أهلِ الحرْبِ هو
كذلك في الخوارجِ والْبُغاةٍ)) اهـ
مطلبٌ: فیما تَصيرُ فيه دارُ الإِسلامِ دارَ حرْبٍ وبالعكس
[١٩٩٤٨] (قولُهُ: لا تَصِيرُ دارُ الإِسلامِ دارَ حَرْبٍ إلخ) أي: بأن يَغْلِبَ أهلُ الحرْبِ على دارٍ
من دُورِنا، أو ارتدَّ أهلُ مِصرٍ وغَلْبُوا وأَجرَوا أحكامَ الكُفْرِ، أو نَقَضَ أهلُ الدّمَةُ العَهْدَ وَتَغَلُّوا على
دارِهِم، ففي كلِّ من هذه الصُّوَرِ لا تَصيرُ دارَ حرْبٍ إلاَّ بهذه الشُّروطِ الثَّلاثةِ، وقالا: بشرطٍ واحدٍ
لا غير، وهو إظهارُ حُكمِ الكُفْرٍ، وهو القياسُ، "هندية"(١). ويتفرَّعُ على كَونِها صارت دارَ
حرْبٍ: أنَّ الحُدودَ والقَوَدَ لا يجري فيها، وأنَّ الأسيرَ المُسلمَ يجوزُ له التعرُّضُ لِما دُونَ الفَرْجِ،
وتَعكسُ الأحكامُ إذا صارتْ دارُ الحَرْبِ دارَ الإِسلام، فتأمَّل، "ط((٢). وفي "شرحِ دُرر البحارِ"(٣):
((قال بعضُ الْمُتأخّرِين: إذا تحقّقتْ تلك الأُمورُ الثّلاثةُ فِي مِصرِ المُسلمين، ثمَّ حَصَلَ لأَهلِهِ الأمانُ
ونُصِّبَ فيه قاضٍ مسلمٌ يُنفّذُ أحكامَ المسلمين عادَ إلى دارِ الإسلامِ، فمَن ظَفِرَ من المُلَّكِ الأقدمين
بشيءٍ من مالِهِ بِعَينِه فهو له بلا شيءٍ، ومن ظَفِرَ به بعدَما باعَهُ مسلمٌ أو كافرٌ من مسلمٍ أو ذِميٌّ
أخذَهُ بالَّمنِ إنْ شاءَ، ومَنْ ظَفِرَ به بعدَما وَهَبَهُ مسلمٌ أو كافرٌ لمسلمٍ أو ذِمِيٌّ وسلَّمَه إليه أخذَهُ
بالقِيمةِ(٤) إنْ شاءَ)) اهـ.
(١) "الفتاوى الهندية": كتاب السِّير - الباب الخامس في استيلاء الكافر ٢٣٢/٢ بتصرف.
(٢) "ط": كتاب الجهاد - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ٤٦٠/٢.
(٣) "غرر الأذكار شرح درر البحار": كتاب السِّير ق ٢٨٧/أ
(٤) من ((بالثمن)) إلى ((بالقيمة)) ساقط من "ك".
حاشية ابن عابدين
٦٦٠
فصل في استئمان الكافر
(بإجراءِ أحكامِ أهلِ الشّركِ، وباتّصالِها بدارِ الحَرْبِ، وبأنْ لا يَبْقَى فيها مسلمٌ أو ذِمِيٌّ آمِناً
بالأمانِ الأوَّلِ) على نفسِهِ. (ودارُ الحربِ تَصِيرُ دارَ الإِسلامِ بإجراءِ أحكامِ أهلِ الإسلامِ
فيها) كجُمُعٍ وعِيدٍ (وإِنْ بَقِيَ فيها كافرٌ أصليٌّ، وإنْ لم تَتَصِلْ بدارِ الإسلامِ)، "درر)"(١) ..
قلتُ: حاصلُه: أَنَّه لَمّا صار دارَ حرْبٍ صار في حُكمٍ ما استَولَوا (٢) عليه في دارِهِم.
[١٩٩٤٩) (قولُهُ: بإجراءِ أحكامِ أهلِ الشِّركِ) أي: على الاشتِهارِ، وأن لا يُحْكَمَ (٣) فيها بحكم
أهلِ الإسلامِ، "هندية(٤). وظاهرُهُ: أَنَّه لو أُجريَت أحكامُ المسلمين وأحكامُ أهلِ الشِّركِ لا تكونُ
دارَ حرْبٍ، "ط "(٥).
[١٩٩٥٠) (قولُهُ: وباتّصالِها بدارِ الحَرْبِ) بأنْ لا يَتخلَّلَ بينهُما بلدةٌ من بلادِ الإسلامِ،
"هندية"(٦)، "ط"(٧). وظاهرُهُ: أنَّ البحرَ ليس فاصِلاً، بل قدَّمنا(٨) في بابِ استيلاءِ الكفّارِ أنَّ بحرَ
الِلْحِ مُلحَقٌ بدارِ الحرْبِ، خلافاً لِما في "فتاوى قارئِ الهدايةِ (٩).
قلتُ: وبهذا ظَهَرَ أنَّ ما في الشَّامِ من حَبَلٍ تَيْمِ الله الُسمَّى يَحَبَل الدُّروزِ وبعضِ البلادِ النَّابعةِ
له كُلُّها دارُ إسلامِ؛ لأَنّها وإِن كانَتْ لها حُكَّامٌ دُروزٌ أو نَصَارى ولهم قُضاةٌ على دِينِهم، وبعضُهم
يُعلِنُونَ بِشَتمِ الإسلامِ والمسلمين، لكنَّهم تحتَ حُكمٍ وُلاةِ أُمورِنا، وبلادُ الإسلامِ مُحيطةٌ بلادِهِم
من كلِّ جانبٍ، وإذا أراد وَلِيُّ الأَمرِ تنفيذَ أحكامِنا فيهم نفَّذَها.
[١٩٩٥١) (قولُ: بالأمانِ الأَوَّلِ) أي: الذي كان ثابتاً - قبلَ استيلاءِ الكُفَّارِ - للمسلمِ بإسلامِهِ،
(١) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب المستأمن ٢٩٥/١.
(٢) في نسخة "ك" اضطراب في هذا الموضع.
(٣) في "ك": ((وأن يحكم))، دون ((لا)) وهو خطأ.
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب السِّير - الباب الخامس في استيلاء الكافر ٢٣٢/٢.
(٥) "ط": كتاب الجهاد - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ٤٦٠/٢.
(٦) "الفتاوى الهندية": كتاب السِّير - الباب الخامس في استيلاء الكافر ٢٣٢/٢.
(٧) "ط": كتاب الجهاد - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ٤٦٠/٢ -٤٦١.
(٨) المقولة: [١٩٧٩٩] قوله: ((وأحرزوها بدارهم)).
(٩) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في دار الحرب صـ٧٨ -.
الجزء الثاني عشر
٦٦١
فصل في استئمان الكافر
وهذا ثابتٌ في نُسَخِ "المتنِ" ساقِطٌ من نُسَخِ "الشَّرح"، فكأنَّه تَركَهُ لِمَجيءِ بعضِهِ
ووُضُوحٍ باقِیهِ.
وللدّميِّ بعقْدِ الذِّمّةِ، "هندية "(١)، "ط)"(٢).
(تتمَّة)
ذَكرَ في أوَّلِ "جامعِ الفُصولَين"(٣) : ((كلُّ مِصرٍ فيه والٍ مسلمٌ من جهةِ الكَفَّارِ يجوزُ منه (٤)
إقامةُ الجُمَعِ والأعيادِ، وأخذُ الخَرَاجِ، وتقليدُ القضاءِ، وتزويجُ الأَيَامَى؛ لاستِيلاءِ المسلمِ عليهم، وأمَّا
طاعةُ الكَفَرَةِ فهي مُوادَعَةٌ ومُخادَعَةٌ، وأمَّا في بلادٍ عليها وُلاَّةٌ كُفَّارٌ فيجوزُ للمسلمين إقامةُ الجُمَعِ
والأعيادِ، ويصيرُ القاضي قاضياً بتَراضِي المسلمين، ويجبُ عليهم طَلَبُ والٍ مسلمٍ)) اهـ، وقدَّمنا(٥)
نحوَهُ في بابِ الجمعةِ عن "البزازيَّةِ"(٦).
[١٩٩٥٢) (قولُهُ: وهذا) أي قولُهُ: ((حربيٌّ أو مُرتدٌّ إلى آخرِ البابِ))، وقولُهُ: ((لِمَحِيءٍ
بعضِهِ)) أي: المسألةِ الأُولى؛ فإنّها سَتَجِيءُ(٧) في الجناياتِ، وقولُهُ: ((ووُضُوحِ باقِيه)) أي: مسألةِ
الدَّارِ، وفي وُضُوحِها نَظَرّ، واللهُ سبحانَه أعلَمُ.
(١) "الفتاوى الهندية": كتاب السِّير - الباب الخامس في استيلاء الكافر ٢٣٢/٢.
(٢) "ط": كتاب الجهاد - باب المستأمن - فصل في استئمان الكافر ٤٦١/٢.
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الأول في القضاء وما يتصل به من عزل قاض أو وصي أو وكيل أو مأمور ١٣/١.
(٤) في "آ": ((فيه)).
(٥) المقولة [٦٧٣٣] قوله: ((فيجوز للضرورة)).
(٦) "البزازية": كتاب السِّير - الفصل الثالث في الحظر والإباحة ٣١١/٦ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية")، لكنه
نسب ما تقدم في المقولة [٦٧٣٣] إلى "المبسوط"، وليست فيه، بل هي في "البزازية".
(٧) انظر "الدر" عند المقولة: [٢٤٩٢١] قوله: ((مباح الدم)).
حاشية ابن عابدين
٦٦٢
باب العشر والخراج والجزية
﴿بابُ العُشر والخَراج والجزية﴾
(أرضُ العَربِ) هي مِن حَدِّ الشَّامِ والكُوفةِ إلى أقصى(١) اليمنِ.
﴿بابُ العُشْر والخَراج والجزْية﴾
شُرُوعٌ فيما على المستأمِنِ في أرضِهِ مِن الوظائفِ الماليّةِ إذا صارَ ذمَّاً بعدَ الفراغِ عمَّا بِهِ
يصيرُ ذمّاً، وذَكَرَ العُشْرَ معَهُ تتميماً لوظيفةِ الأرضِ، وقدَّمَهُ لِما فيهِ من معنى العبادةِ، "نهر "(٢)،
وألحقَ بِهِ الجِزْيَةَ؛ لأنَّ الَصْرِفَ واحدٌ.
[١٩٩٥٣] (قولُهُ: أَرْضُ العَرَبِ) في مختصرِ "تقويمِ البلدانِ"(٣): ((جزيرةُ العربِ خمسةُ أقسامٍ:
تِهامةُ، وَنَجْدٌ، وحِجازٌ، وعَرُوضٌ، وَيَمَنٌ، فأمَّ تِهامةُ: فهي النَّاحيةُ الجنوبِيَّةُ مِن الحجازِ، وأمَّا نَحْدٌ:
فهي النَّاحيةُ الَّتي بينَ الحجازِ والعراقِ، وأمَّ الحِجازُ: فهو جبلٌ يُقبِلُ مِن اليمنِ حَتَّى يَتَّصلَ بِالشَّامِ،
وفيهِ المدينةُ وعمَّانُ، وأمَّ العَرُوضُ: فهو اليَمَامةُ إلى البحرينِ، وإنَّا سُمِّيَ الحِجازُ حِجازً [٣/ ق٣٩/أ]؛
لأَنَّهُ حَجَزَ بينَ نَحْدٍ وَالْيَمَامةِ، قالَ "الواقديُّ"(٤): الحِجازُ مِن المدينةِ إلى تَبُوكَ ومِن المدينةِ إلى طريقٍ
الكوفةِ، وما وراءَ ذلكَ إلى أنْ يُشارِفَ البصرةَ فهو نَجْدٌ، ومن المدينةِ إلى طريقِ مَكَّة إلى أنْ يبلغَ
هبطَ العَرْجِ حِجازٌ أيضاً، وما وراءَ ذلكَ إلى مكَّةَ وجدَّةَ فهو تِهامةُ، وما كانَ بينَ العراقِ وبينَ
وَجْرَةَ وَغَمْرَةِ الطَّائفِ فهو نَجْدٌ، وما وراءَ وَجْرَةَ إلى البحرِ فهو تهامةُ، وما بينَ تِهامةَ وَنَحْدٍ فهو
حِجازٌ)) اهـ.
٢٥٣/٣
[١٩٩٥٤) (قولُهُ: وهي مِن حَدِّ الشَّامِ) نَظَمَ بعضُهم حَدَّها طُوْلاً وعَرْضاً بقولِهِ: [ وافر]
(١) ((أقصى)) ساقط من "ط".
(٢) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ق٣٣٠/أ.
(٣) "تقويم البلدان" صـ٧٨-، للملك المؤيَّد عماد الدين إسماعيل بن محمد، المعروف بأبي فداء الشهير بصاحب حماة
(ت٧٣٢هـ). ("كشف الظنون" ٤٦٨/١، "الدرر الكامنة" ٣٧١/١، "النجوم الزاهرة" ٢٩٢/٩).
(٤) أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد السَّهمي الأسلمي (ت٢٠٧هـ). ("وفيات الأعيان" ٣٤٨/٤، "سير أعلام
النبلاء" ٤٥٤/٩، "الوافي بالوفيات" ٢٣٨/٤).