Indexed OCR Text
Pages 241-260
الجزء الثاني عشر
٢٤١
بابُ التَّعزير
(يَا قَرْطَبَانُ) مرادِفُ: دُّوث.
[١٨٩٦٨) (قولُهُ: يَا قَرْطَبَانُ) معرَّبُ قَلْبَان، "درر"(١)، ومثلُهُ يا كَشْحَانُ، وهو الحقُّ خلافاً لِما
في "الكنز "(٢) مِن أَنَّهُ لا تعزِيرَ فيهِ كما في "الفتح"(٣)، وهو بالخاءِ المعجمةِ كما في "القاموسِ"(٤)،
خلافاً لِما في "البحر"(٥) و"النّهر " (٦) مِن أَنَّهُ بالمهملةِ.
[١٨٩٦٩) (قولُهُ: مرادفُ: دُّوث) قالَ "الزَّيلعيُّ)(٧): ((هو الَّذي يرى معَ امرأتِهِ أو مَحْرِمِهِ
رجلاً فيدعُهُ خالياً بها، وقيلَ: هو المتسبِّبُ للجمعِ بينَ اثنينِ لمعنًى غيرِ ممدوحٍ، وقيلَ: هو الّذي
بعثُ امرأَتَهُ معَ غلامٍ بالغِ أو معَ مزارِعِهِ إلى الضَّيعةِ، أو يأذنُ لهما بالدُّخولِ عليها فِي غَيْتِهِ)).
(قولُهُ: ومثلُهُ يا كَشْخانُ) هو بمعنَى الدَّيُّوثِ، قالَ "الرَّمليُّ": ((أوردَهُ في "القاموس" في بابِ الخاءِ
فقالَ: الكَشْخانُ ويُكسَرُ: الدَّيُّوتُ، وكَشَّخَهُ تَكْشيخاً وكَشْخَنَهُ: قالَ له: يا كَشْخانُ)).
(قولُهُ: خلافاً لِما في "الكنز" مِنْ أَنَّه لا تعزيرَ فيه كما في "الفتح" إلخ) قالَ في "البحر": ((قالَ في "الفتح":
والحقُّ ما قالَهُ بعضُ أصحابنا أَنَّه يُعزَّرُ في الكَشْخانِ إذا قيلَ: إِنَّه بمعنى الدَّيُوثِ اهـ. فما في "المختصر" مُشْكِلٌ،
لكنْ قالَ في "ضياء الحلوم": كشحَ القومُ عن الشَّيءٍ إذا تفرَّقُوا عنه وذهبوا، وكشحَ له بالعداوةِ: أضمرَها في
كَشْحِهِ؛ لأنَّ العداوةَ فيه، وقيلَ: الكاشحُ المتباعدُ عن مودَّةِ صاحبِهِ، مِنْ قولهم: كشحَ القومُ عن الشَّيءٍ إذا ذهبوا
عنه، وفي الحديث: ((أفضلُ الصَّدقةِ على ذي الرَّحِمِ الكاشحِ)) اهـ. فإنْ صحَّ مجيءُ الكَشْحانِ منه فلا إشكالَ أَنَّه
ليسَ بمعنى القَرْطَانِ، فلذا فرَّقَ "المصنّفُ" بينَهما)) اهـ (٨). والأحسنُ جعلُهُ في عبارةِ "الكنز" بالمهملةِ بمعنى ما في
"ضياء الحلوم"؛ ليستقيمَ ما في "الكنز"، وإنْ كانَ بالمعجمةِ ففيه التَّعزيرُ.
(١) "الدرر والغرر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٧٦/٢.
(٢) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢٩٢/١ وفيه: ((كشحان))
بالحاء المهملة بدل ((كشخان)).
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٤/٥.
(٤) "القاموس": مادة ((كشخ)).
(٥) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥١/٥.
(٦) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١٢/أ.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢٠٨/٣.
(٨) أي: انتهى كلام "البحر".
حاشية ابن عابدين
٢٤٢
بابُ النَّعزيرِ
بمعنى مُعرِّ (يا شاربَ الخمرِ، يا آكلَ الرِّبًا، يا ابنَ القَحْبةِ) فيه إيماءٌ إلى أَنَّه إذا شَتَمَ
أصلَهُ عُزِّرَ بطلبِ الولدِ ك: يا ابنَ الفاسقِ، يا ابنَ الكافرِ، وأَنَّه يُعزَّرُ بقولِه: يا قَحْبَةُ،
لا يقالُ: القَحَبَةُ عُرْفً أفحشُ مِن الرِّانية لكونها تُجَاهِرُ به بالأجرةِ؛ لأَنَّا نقولُ: لذلك
المعنى لم يُحَدَّ؛ فإنَّ الزِّنى بالأجرةِ يُسقِطُ الحدَّ عندَه خلافاً لهما، "ابن كمال". لكن
صرَّحَ في "المضمراتِ" بوجوبِ الحدِّ فيه، قال "المصنفُ))(١) :.
[١٨٩٧٠) (قولُهُ: معنى معرِّصٍ) في بعضِ النُّسخِ: معرِّسٍ بالسِّينِ، قالَ في "النَّهر "(٢) - بعدَ ما
مَّ(٣) عن "الزَّيلعيِّ" - : ((وعلى كلِّ تقديرٍ فهو المعنيُّ بالمعرِّسِ بكسرِ الرَّاءِ والسِّينِ المهملةِ، والعوامُّ
2(٤)
يلحنونَ فِيهِ فيفتحونَ الرَّاءَ ويأتونَ بالصَّادِ، قَالَهُ "العينِيُّ"
[١٨٩٧١] (قولُهُ: عُرِّرَ بطلبِ الولدِ) لأَنَّهُ هو المقصودُ بالشَّتَمِ، والظَّاهرُ أنَّ لهُ الطَّبَ وإنْ كانَ
أصلُهُ حيّا، بخلافِ قولِهِ: يا ابنَ الرَّانيةِ، وأَنَّهُ يُعزَّرُ أيضاً بطلبِ الأصلِ، تأمَّل.
[١٨٩٧٢] (قولُهُ: وأَنَّهُ يُعزَّرُ إلخ) عطفٌ على قولِهِ: ((أَنّهُ إذا شَتَمَ)) أي: أنَّ في كلامٍ
"المصنّفِ" إيماءً أيضاً إلى أنَّ موجَبَهُ النَّعزيرُ لا الحدُّ.
(١٨٩٧٣) (قولُهُ: لا يُقالُ إلخ) حاصلُهُ: أَنَّهُ كانَ ينبغي أنْ يُوجبَ الحدَّ لا الَّعزيرَ.
[١٨٩٧٤] (قولُهُ: يُسقِطُ الحدَّ) أي: حدَّ الرِّنَى لشبهةِ العقدِ، فلم يكنْ قاذفاً بالزِّنى الخالي عن
الملكِ وشبهتِهِ، فلا يُحَدُّ القاذفُ أيضاً لكنَّهُ يُعرَّرُ، وكَتَبَ "ابنُ كمال" بهامشِ "شرحِهِ" هنا: ((أَنَّ
الّسبةَ إلى فعلٍ لا يجبُ الحدُّ بذلكَ الفعلِ لا تُوْجِبُ(٥) الحدَّ)) اهـ. فافهم.
(١) "المنح": كتاب الحدود - باب في بيان أحكام التعزير ١/ق ٢٣١/ب.
(٢) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١١/ب بتصرف.
(٣) المقولة [١٨٩٦٩] قوله: ((مرادفُ دُّوث)).
(٤) "رمز الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢٩٢/١ بتصرف.
(٥) في "م": ((لا يوجب)).
الجزء الثاني عشر
٢٤٣
بابُ التَّعزير
((وهو ظاهرٌ))، (يا ابنَ الفاجرةِ، أنتَ مأوى اللُّصُوصِ، أنتَ مأوى الزَّواني، يا مَن
يلعبُ بالصِبيانِ، يا حرام زاده) معناه: المتولّدُ مِنَ الوطءِ الحرامِ، فَيَعُمُّ حالةَ الحيضِ،
لا يقالُ: في العرفِ لا يرادُ ذلك، بل يُرَادُ ولدُ الزِّنى؛ لأَنَّا نقولُ: كثيراً ما يُرادُ به
الخدَّاعُ اللئيمُ، فلذا لا يُحَدُّ.
(فرعٌ)
أقرَّ على نفسِهِ بالدِّياثةِ أو عُرِفَ بها لا يُقتلُ ما لم يستحلَّ، ويُبالَغُ في تعزیرِهِ
أو يلاعَنُ، "جواهر الفتاوى". وفيها: ((فاسقٌ تابَ وقالَ: إِنْ رجعتُ إلى ذلكَ فاشهدوا عليهِ
أَنَّه رافضيٌّ فرجعَ لا يكونُ رافضّاً بل عاصياً، ولو قالَ: إن رجعتُ فهوَ كافرٌ فرجعَ.
[١٨٩٧٥] (قولُهُ: وهو ظاهرٌ) لعلَّ وجهَهُ أَنَّهُ صارَ [٤/ ق١٨٣ /أ] حقيقةً عرفيَّةً بمعنى الرَّانيةِ، فهو
قذفٌ بصريحِ الرِّنى، ولأنَّ القَحْبَةَ لا تلتزمُ عقدَ الإجارةِ الَّذي هو علَّهُ سقوطِ الحَدِّ عندَ "الإمامِ".
[١٨٩٧٦] (قولُهُ: يا مَن يلعَبُ بالصِّبيانِ) أي: معَهم، "نهر"(١)، والظّاهرُ: أنَّ المرادَ بهِ في
١٨٤/٣ العرفِ مَن يفعلُ معَهم القبيحَ بقرينةِ الشَّتْمِ والغضبِ.
[١٨٩٧٧) (قولُهُ: فَعُمُّ حالةَ الحيضِ) أي: فلم يكنْ قذفاً بصريحِ الزِّنى فلا يوجِبُ الحدَّ بل الَّعزيرَ.
[١٨٩٧٨] (قولُهُ: ويُبالَغُ في تعزيرِهِ) أي: فيما إذا عُرِفَ بالدِّياثةِ، وقولُهُ: (أو يُلاعِنُ))
أي: فيما إذا أقرَّ بها، ففيهِ لفٌ ونشرٌ مشوَّشرٌ كما تُفِيدُهُ عبارةُ "المنح"(٢) عن "جواهر الفتاوى"؛
لأَنّهُ إذا لاعَنَ لا يُحتاجُ إلى النَّعزيرِ، وإذا أكذبَ نفسَهُ يلزمُهُ الحدُّ كما في "الجواهر" أيضاً،
(قولُهُ: والظَّاهرُ أنَّ المرادَ به في العُرفِ مَن يفعلُ إلخ) وربَّما يُقالُ: إنَّ اللَّعبَ معَ الصِبيانِ
والمعرِضَ عمَّا يشتغِلُ به العقلاءُ دليلٌ على قلَّةِ عقلِهِ بمنزلةِ قولِهِ: يا أحمقُ. اهـ "سنديّ".
(١) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١١/ب.
(٢) "المنح": كتاب الحدود - باب في بيان أحكام التعزير ١/ق ٢٣١/ب.
حاشية ابن عابدين
٢٤٤
بابُ التَّعزير
تلزمُهُ كفارةُ يمينٍ)). (لا) يُعزَّرُ (بـ: يا حمارُ، يا خنزيرُ، يا كلبُ، يا تيسُ، يا قردُ)،
يا ثورُ، يا بقرُ، يا حيَّةُ؛ لظهور كذبهِ، واستحسنَ في "الهدايةِ" التَّعزيرَ لوِ المخاطَبُ
مِن الأشرافِ، وتبعَه "الزيلعيُّ"(١) وغيرُهُ (يا حجّامُ،.
واعترضَ بأنَّ الدَُّّوثَ مَن لا يغارُ على أهلِهِ أو محرمِهِ، فهو ليسَ بصريحِ الزِّنَى، فكيفَ يجبُ
اللِّعاثُ بإقرارِهِ بالدِّياثةِ.
قلتُ: الظَّاهرُ أنَّ المرادَ إقرارُهُ بمعناها لا بلفظِها، أي: بأنْ قالَ: كنتُ أُدْخِلُ الرِّجالَ على
زوجتي يزنونَ بها.
[١٨٩٧٩] (قولُهُ: تلزمُّهُ كفارةُ يِمِينٍ) لأَنَّهُ عَلَّقَ رجوعَهُ على الكفرِ فينعقِدُ يميناً كما مرَّ(٢) في
بابهِ، وأشارَ إلى أنَّهُ لا يصيرُ كافراً برجوعِهِ، لكنَّ هذا إذا عَلِمَ أَنَّهُ برجوعِهِ لا يصيرُ كافراً،
وإلَّ كفرَ لرضاهُ بالكفرِ كما مرَّ(٣) في محلِّهِ، وإلى أنَّهُ لا يلزمُهُ كفارةٌ في المسألةِ الأُولى؛ لأَنَّهُ ليسَ
كلُّ رافضيٍّ كافراً كما مرَّ(٤)، فلم يكنْ تعليقاً على الكفرِ.
[١٨٩٨٠)] (قولُهُ: لظهورِ كذبهِ) أي: يقيناً كما في "الهداية"(٥)، وفي "البحر"(٦) عن "الحاوي
القدسيِّ))(٧): ((الأصلُ أنَّ كلَّ سبِّ عادَ شَيْنُهُ إلى السَّابِّ فإنَّهُ لا يُعزَّرُ، فإنْ عادَ الشَّيْنُ فيهِ إلى
المسبوبِ عُزِّرَ)) اهـ. وإنَّا يعودُ شَيْئُهُ إلى السَّابِّ لظهورِ كذبِهِ.
[١٨٩٨١) (قولُهُ: واستحسنَ في "الهداية"(٨) وكذا في "الكافي" كما في "النَّاتر خانيَّةً"(٩)، ونقلَ
(قولُهُ: لأَنَّه عَلَّقَ رجوعَهُ على الكفرِ إلخ) في كلامِهِ قلبٌ.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢٠٩/٣.
(٢) المقولة [١٧٢٣٨] قوله: ((فيكفُرُ بحِنِثِه)).
(٣) المقولة [١٧٢٤٥] قوله: ((وعنده أنَّه يُكْفَرُ)).
(٤) المقولة [١٨٩٦١] قوله: ((يا رافضي)).
(٥) "الهداية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٦/٢ - ١١٧.
(٦) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٠/٥.
(٧) "الحاوي القدسي": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ١٥٥/أ.
(٨) "الهداية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٦/٢ - ١١٧.
(٩) "التاتر خانية": كتاب الحدود - الفصل الثامن في التعزير ١٤٦/٥.
الجزء الثاني عشر
٢٤٥
بابُ التَّعزيرِ
"القُهستانيُّ)(١) تصحيحَهُ عن "الفتاوى"، وعبارةُ "الهداية": ((وقيلَ: في عرفِنا يُعزَّرُ؛ لأَنَّهُ يُعَدُّ شَيْئً،
وقيلَ: إنْ كانَ المسبوبُ مِن الأشرافِ كالفقهاءِ والعلويَّةِ يُعزَّرُ؛ لأَنَّهُ يلحقُهم الوحشةُ بذلكَ، وإنْ
كانَ مِن العامَّةِ لا يُعزَّرُ وهذا أحسنُ)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ ظاهرَ الرِّوايةِ أَنَّهُ لا يُعزَّرُ مطلقاً، ومختارُ "الهِنْدوانِيِّ " أنَّهُ يُعزَّرُ مطلقاً، والتَّفصيلُ
المذكورُ كما في "الفتح"(٢) وغيرِهِ، قالَ السَّيِّدُ "أبو السُّعود"(٣): ((وقوَّى شيخُنا ما اختارَهُ
"الهِنْدوانيُّ" بأَنَّهُ الموافقُ للضَّابِطِ: كلُّ مَن ارتكبَ منكراً أو آذى مسلماً بغيرِ حقِّ بقولٍ أو فعلٍ أو
إشارةٍ يلزمُهُ التَّعزِيرُ)).
قلتُ: ويؤيِّدُهُ أنَّ هذهِ الألفاظَ لا يُقْصَدُ بها حقيقةُ [٤/ق١٨٣ /ب] اللَّفْظِ حَتَّى يقالَ بظهورٍ
كذبهِ، ولولا النَّظرُّ إلى ما فيها مِن الأذى لَما قبلَ بالَّعزيرِ بها في حقِّ الأشرافِ، وإلاَّ فظهورُ
الكذبِ فيها موجودٌ في حقِّ الكلِّ، فينبغي أنْ يُلْحَقَ بهم مَن كانَ في معناهم مَّن يحصُلُ لهُ بذلكَ
الأذى والوحشةُ، بل كثيرٌ مِن أصحابِ الأنفسِ الأَبيَّةِ يحصُلُ لهُ مِن الوحشةِ أكثرُ مِن الفقهاء
والعلويَّةِ، وقد يجابُ: بأنَّ المرادَ بالأشرافِ مَن كانَ كريمَ النَّسِ حسنَ الطبعِ، وذكرَ الفقهاءَ
والعلويَّةَ؛ لأنَّ الغالبَ فيهم ذلكَ، فمَن كانَ بهذهِ الصِّفةِ يلحقُهُ الشَّينُ بهذهِ الألفاظِ المرادِ لازمُها
مِن نحوِ البَلاَدَةِ وخُبْثِ الطِّباعِ، وإلاَّ فلا؛ لأَنَّهُ هو الَّذي ألحقَ الشَّيْنَ بنفسِهِ، فلا يُعتبَرُ لحوقُ
الوحشةِ بهِ كما لو قيلَ لفاسقٍ: يا فاسقُ، فُرْجَعُ إلى ما استحسنَهُ في "الهداية،" وغيرِها، ثمَّ رأيتُ
"الشَّارح" في "شرح الملتقى"(٤) قالَ: ((ولعلَّ المرادَ بالعَلَويِّ كلُّ مَقٍ، وإلاَّ فَالَّخصيصُ غيرُ ظاهرٍ،
بل قالَ الفقيهُ "أبو جعفر": إنَّهُ فِي الأَخِسَّةِ، أمَّا في الأشرافِ فَالَّعزيرُ)) اهـ. فافهم.
(١) "جامع الرموز": كتاب الحدود - فصل القذف ٢٩٩/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٥/٥.
(٣) "فتح المعين": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٣٨٦/٢ بتصرف.
(٤) "الدر المنتقى": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٦١٢/١. (هامش "مجمع الأنهر").
حاشية ابن عابدين
٢٤٦
بابُ التَّعزير
يا أبَلَهُ، يا ابنَ الحجّامِ، وأبوهُ ليسَ كذلكَ)، وأوجب "الزيلعيُّ" التعزيرَ في: يا ابنَ
الحجامِ. (يا مؤاجِرُ)؛ لأنّه عرفاً بمعنى المؤجِّر.
(تنبيهٌ)
ذكرَ في "شرحِهِ على الملتقى"(١) أيضاً: ((أَنَّهُ لو على وجهِ المزاحِ يُعزَّرُ، فلو بطريقِ الحقارةِ
كُفِرَ؛ لأنَّ إهانةَ أهلِ العلمِ كفرٌ على المختارِ، "فتاوى بديعيّة"(٢)، لكنَّهُ يُشكِلُ بما في "الخلاصة" (٣)
أنَّ سبَّ الختنينِ ليسَ بكفرٍ)) اهـ. والمرادُ بالخَتَينِ "عثمانُ" و"عليّ" رضي الله تعالى عنهما.
[١٨٩٨٢] (قولُهُ: يا أبلهُ) بمعنى الغافلِ.
[١٨٩٨٣] (قولُهُ: وأبوهُ ليسَ كذلكَ) أي: ليسَ بحجَّامٍ، وكذا لا تعزيرَ لو كانَ كذلكَ بالأَولِى.
[١٨٩٨٤) (قولُهُ: وأوجبَ "الزَّيلعيُّ" إلخ) كأنَُّ لعدمٍ ظهورِ الكذبِ في: ((يا ابنِ الحجَّامِ)) لموتِ
أبيهِ فالسَّمعونَ لا يعلمونَ كذبَهُ فلحقَهُ الشَّيْنُ، بخلافِ قولِهِ: يا حجامُ؛ لأَنّهم يشاهدونَ صنعتَهُ،
"بحر "(٤)، ودفعَهُ فِي "الَّهر "(٥): ((بأنَّ النَّفرقةَ تحُّمٌ؛ لأنَّ الحكمَ بتعزيرِهِ غيرُ مقَيَّدٍ بموتِ أبيهِ)) اهـ.
قلتُ: وَالَّذِي رَأيْتُهُ في "الزَّيلعيِّ (٦) هكذا: ((ومِن الألفاظِ الَّتي لا تُوجِبُ النَّعزيرَ قولُهُ: يا
رُسْناقيُّ، و: يا ابنَ الأسودِ، و: يا ابنَ الحجَّامِ وهو ليسَ كذلكَ)) اهـ. فقولُهُ: ((وهو ليسَ كذلكَ))
أي: ليسَ بهذهِ الصَِّةِ، فليسَ المرادُ نفيَ الحكمِ المذكورِ كما فهمَهُ "الشَّارِح" وغيرُهُ، فافهم.
[١٨٩٨٥] (قولُهُ: لأَنَّهُ عُرفً بمعنى المؤجِّرِ) قال "منلا خسرو"(٧): ((المؤاجِرُ يستعمَلُ فيمَن
يُؤَجِّرُ أهلَهُ للزِّنى، لكنَّهُ ليسَ معناهُ الحقيقيَّ المتعارفَ بل بمعنى المؤجٍِّ)).
(١) "الدر المنتقى": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٦١٢/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٢) لعلها "فتاوى بديع الدين": ("كشف الظنون" ١٢٢١/٢).
(٣) لم نعثر عليها في مظانها من "خلاصة الفتاوى".
(٤) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٠/٥.
(٥) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١٢/أ.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢٠٩/٣.
(٧) "الدرر والغرر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصلٌ في التعزيرُ ٧٧/٢، وفيه: ((المؤاجر يستعمل فيمن يؤاجر
أهله للزنى)).
الجزء الثاني عشر
٢٤٧
بابُ التَّعزير
(يا بغًا) هو المأبون بالفارسيَّةِ. وفي "الملتقطِ": ((في عرفِنا.
[١٨٩٨٦] (قولُهُ: يا بغًا) هو بالباءِ الموخَّدةِ والغين المعجمةِ المشدَّدَةِ، ويقالُ: باغا، وكأنَّهُ انْتُرَعَ
مِن البغاءِ، "بحر"(١) عن "المغرب" (٢).
[١٨٩٨٧) (قولُهُ: هو المأبونُ) أي: الَّذي لا يَقدِرُ على تركِ أنْ يُؤْتَّى في دبرِهِ لدودةٍ ونحوِها،
"بحر "(٣).
قلتُ: [٤/ ق ١٨٤/أ) لكنْ قالَ "المصنّف"(٤) في "شرحِهِ " تبعا لـ "الدُّرر"(٥): ((إِنَّ البغًا مِن شتمٍ
العوامِ يتفوَّهونَ بِهِ ولا يعرفونَ ما يقولونَ)) اهـ. وهذا هو المناسبُ لِما مشى عليهِ تبعاً للمتونِ مِن
أَنَّهُ لا تعزيرَ فيهِ، أمَّا على تفسيرِهِ بالمأبونِ فلا، ولذا قالَ في "البحر" (٦) بعدَ ما نقلَ عن "المغرب" أَنَّهُ
المأبونُ، وينبغي أنْ يجبَ النَّعزيرُ فيهِ اتّفاقً؛ لأَنَّهُ الحقَ الشَّيْنَ بهِ لعدمٍ ظهورِ الكذبِ فيهِ، ثُمَّ استشهدَ
لذلكَ بما صرَّحَ بِهِ فِي "الظَّهِيرِيَّة"(٧) مِن وجوبِ الَّعزيرِ في: يا معفوجُ، وهو المأتيُ في الدُّرِ معلّلاً
بأَنَّهُ ألحقَ الشَّينَ بهِ، بل البغًّا أقوى؛ لأنَّ الابنةَ عيبٌ شديدٌ.
قلت: وحاصله: أنَّ المأبونَ هو الَّذي يَطْلُبُ أنْ يؤتَى، بخلافِ المعموجِ وهو بالعينِ المهملةِ
١٨٥/٣ والفاء والجيم، وفسَّرُهُ في "التّاتر خانَّة"(٨) بالمضروبِ في الدُّبرِ، وفي "القاموس" (٩) عَفَجَ يَعْفِجُ:
ضرَبَ، وجاريتَهُ: جامعَها.
(قولُهُ: وكأنَّه انتزِعَ من البِغَاءِ إلخ) بكسرِ الموحدةِ وتخفيفِ المعجمةِ.
(١) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٠/٥ بتصرف.
(٢) "المغرب": مادة ((شخ)) وفيه: ((انتزع من البغي)).
(٣) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٠/٥.
(٤) "المنح": كتاب الحدود - باب في بيان أحكام التعزير ١/ق ٢٣٢/أ.
(٥) "الدرر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٧٧/٢ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٠/٥.
(٧) "الظهيرية": كتاب الحدود - الفصل الرابع في القذف والتعزير ق ١٦٣/أ.
(٨) "التاتر خانية": كتاب الحدود - الفصل الثامن في التعزير ١٤٧/٥.
(٩) القاموس": مادة ((عفج)).
حاشية ابن عابدين
٢٤٨
بابُ التَّعزير
يُعزَّرُ فيهما وفي: ولدِ الحرام، "نهر"(١). والضابطُ: أَنَّه متى نسبَهُ إلى فعلِ اختياريّ محرَّمٍ
شرعاً ويُعدُّ عاراً عُرْفً يُعَزَّرُ، وإلَّ لا، "ابن كمال". (يا ضُحْكَةُ) - بسكون الحاءِ - مَن
يَضْحَكُ عليه النَّاسُ، أمَّا بفتحِها: فهو مَن يَضْحَكُ على النّاسِ، وكذا (يا مَسْخَرَةً(٢))،
واختارَ في "الغايةِ" النَّعزِيرَ فيهما.
[١٨٩٨٨) (قولُهُ: يُعَرَّرُ فيهما) أي: في: ((يا مؤاجرُ ويا بِغَّا)) بناءً على أنَّ عرفَهم استعمالُ
مواجرَ فيمَن يواجِرُ أهلَهُ للزِّنى، وبعًّا في المأبونِ، وهذا مؤيّدٌ لِما بحثَهُ في "البحر "(٣).
قلتُ: ولا يُستعملُ في عرفِنا هذانِ اللَّفْظانِ فِي الشَّنَمِ، فينبغي عدمُ النَّعزيرِ فيهما كما عليهِ المتونُ.
[١٨٩٨٩) (قولُهُ: وفي: ولدِ الحرامِ) هذا ذكرَهُ في "النَّهر "(٤) بحثاً حيثُ قالَ: ((وينبغي أنْ
يُعزَّرَ في ولدِ الحرامِ، بل أَولِى مِن حرام زاده))، ولم يذكرْ في "النّهر" عبارةَ "الملتقط "، ففي
كلامِ "الشَّارِحِ" إيهامٌ.
[١٨٩٩٠) (قولُهُ: والضَّابطُ إلخ) قالَ "ابنُ كمال": ((فخرجَ بالقيدِ الأَوَّلِ النّسبةُ إلى الأمورِ
الخَلْفَيَّةِ، فلا يعزَّرُ في: يا حمارُ ونحوِهِ، فإنَّ معناهُ الحقيقيَّ غيرُ مرادٍ، بل معناهُ المجازيُّ كالبليدِ، وهو
أمرٌ خُلُقِيٌّ، وبالعيدِ الثَّانِي النّسبةُ إلى ما لا يحرمُ في الشَّرعِ، فلا يُعزَّرُ في يا حجَّامُ ونحوِهِ ثَمَا يُعَدُّ عاراً
في العُرفِ ولا يحرُمُ في الشَّرعِ، وبالقيدِ الثَّالثِ إلى ما لا يُعَدُّ عاراً في العُرفِ، فلا يُعزَّرُ في: يا لاعبَ
الَّردِ ونحوِهِ ثَمّا يحرُمُ في الشَّرعِ)) اهـ
قلتُ: وهذا الضَّابطُ مبنيٌّ على ظاهرِ الرِّوايةِ، وقد علمتَ(٥) تفصيلَ "الهداية".
(١٨٩٩١) (قولُهُ: بسكونِ الحاءِ) أي: معَ ضمٍّ أوَّلِهِ في الموضعَينِ.
(قولُهُ: وبالقيدِ الثَّالثِ إلى ما لا يُعدُّ عاراً في العُرفِ إلخ) فيه: أنَّ ما كانَ محرَّماً شرعاً كيفَ لا يُعَدُّ
عاراً في عُرْفِ المسلمينَ. اهـ "سنديّ".
(١) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق٣١١/ب بتصرف.
(٢) في "ب": ((سخرة)) بالزاي وهو تحريف، وفي "و": ((سخرة)).
(٣) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٠/٥.
(٤) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق٣١٢/أ.
(٥) المقولة [١٨٩٨١] قوله: ((واستحسن في "الهداية")).
الجزء الثاني عشر
٢٤٩
بابُ التَّعزير
وفي: يا ساحرُ، يا مُقَامِرُ. وفي "الملتقى"(١): ((واستحسنوا التَّعزيرَ لوِ المقولُ له فقيهاً
أو عَلَوِيًّا(٢))). (ادَّعى سرقةً) على شخصٍ (وعَجَزَ عن إثباتِها لا يُعزَّرُ، كما لوٍ
ادَّعى على آخرَ بدعوَّى تُوْجِبُ تكفيرَهُ وعَجَزَ) المدَّعِي (عن إثباتِ ما ادَّعاه)، فإنَّه
لا شيءَ عليهِ إذا صَدَرَ الكلامُ على وجهِ الدَّعوى عندَ حاكمٍ شرعيٍّ، أمَّا إذا صدَرَ
على وجهِ السَّبِّ أو الانتقاصِ(٣) فإِنّهُ يُعزَّرُ، "فتاوى قارئ الهدايةِ"(٤). (بخلافٍ
دعوى الزِّنى)؛ فإنَّه إذا لم يُثْبِت يُحدُّ.
(١٨٩٩٢] (قولُهُ: وفي: يا ساحرُ) رأيْتُهُ في "البحر "(٥) بالخاء المعجمةِ، تأمَّل.
(١٨٩٩٣] (قولُهُ: يا مُقَامِرُ) مِن: قامرَهُ مُقَامَرةً وقِمَاراً فقَمَرَهُ: إذا راهنَهُ فغلبهُ كما في "القاموس"(٦).
(١٨٩٩٤) (قولُهُ: وفي "الملتقى" إلخ) هذا بمعنى ما مرَّ(٧) عن "الهداية" و"الزَّلعيّ"، لكنَّهُ في
"الملتقى" ذكرَهُ بعدَ جميعٍ ما مرَّ مِن الألفاظِ، وعبارةُ "الهداية،" و "الزَّلِعِيِّ " تُوهِمُ أنَّ هذا النَّفصيلَ في
نحوِ حمارٌ وخنزيرٌ مَا يُتيقّنُ [٤ ق١٨٤ /ب] فيهِ بكذبِ القائلِ، فأعادَهُ "الشَّارحُ" آخراً لدفعِ هذا
الإيهام، فافهم.
[١٨٩٩٥) (قولُهُ: ادَّعى سرقةً) ذكرَ في "البحر "(٨) هذهِ المسألةَ عن "القنية" (٩)، وذكرَ (١٠) الثّانيةَ
(١) "ملتقى الأبحر": كتاب الحدود وأحكامها - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٣٤٣/١.
(٢) في "و": ((علوياً كما لو))، والمرادُ بالعلويِّ هنا مَنْ كان من سلالة سيدنا علي كرم الله وجهه ورضي عنه وعن
صحابة رسول الله عليهم أجمعين.
(٣) في "ط": ((الانتقاض)) بالضاد.
(٤) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في دعوى موجبة للتكفير صـ٩٦ -.
(٥) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥١/٥.
(٦) "القاموس": مادة ((قمر)) بتصرف.
(٧) ص ٢٤٤ - "در".
(٨) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٧/٥.
(٩) "القنية": كتاب الحدود - باب في التعزير ق ٦١/ب.
(١٠) أي: "البحر": كتاب الحدود - - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٧/٥.
حاشية ابن عابدين
٢٥٠
بابُ التَّعزيرِ
لما مرَّ(١). (وهو) أي: التَّعزيرُ (حقُّ العبدِ) غالبٌ فيه، (فيجوزُ فيه الإِبراءُ، والعفوُ)،
عن "فتاوى قارئ الهداية"، وقولُهُ: ((بخلافِ دعوى الرِّنَى)) مِن كلامِ "القنية"، وأشارَ "الشَّارِحُ"
إلى المسألَينِ بقولِهِ فيما تقدَّمَ(٢): ((ما لم يَخْرِجْ مَخْرجَ الدَّعوى))، وقدَّمنا(٣) أَنَّهُ دخلَ في ذلكَ
دعوى ما يُوجِبُ النَّعزيرَ حقّاً للهِ تعالى.
[١٨٩٩٦) (قولُهُ: لِما مرَّ) أي: قبيلَ هذا البابِ مِن أَنَّهُ مندوبٌ للدرءِ، أي: مأمورٌ بالسََّرِ، فإذا
لم يقدرْ على إثباتِهِ كانَ مخالفاً للأمرِ، وذكَرْنا الفرقَ فيما تقدَّمَ(٣) بورودِ الَّصِّ على جَلْدِهِ إذا لم
يأتِ بأربعةِ شهداءً. وأمَّا ما في "البحر" عن "القنية" - مِن الفرقِ بأنَّ دعوى الرِّنَى لا يمكنُ إثباتُها
إلاَّ بنسيتِهِ إلى الرِّنَى بخلافِ دعوى السَّرَقةِ، فإنَّ المقصودَ منها إثباتُ المالِ، ويمكنُهُ إِثْبَتُهُ بدونٍ نِسْتِهِ
إلى السَّرقةِ، فلم يكنْ قاصداً نسبتهُ إلى السَّرقةِ - ففيهِ نظرٌ لاقتضائِهٌِ عكسَ الحكمِ المذكورِ فيهما،
ثُمَّ رأيتُ "الخير الرَّمليّ" نَبَّهَ على ذلكَ أيضاً كما أوضحتُهُ فيما علَّقْتُهُ على "البحر" (٤)، فافهم.
مطلبٌ فيما لو شَتَمَ رجلاً بألفاظٍ متعدّدةٍ
[١٨٩٩٧] (قولُهُ: وهو أي: التَّعزيرُ إلخ) لَّا كانَ ظاهرُ كلامِ "المصنّف" - كـ "الزَّلعِيِّ"(٥)
و "قاضي خان"(٦): أنَّ كلَّ تعزيرِ حقُّ العبدِ معَ أنَّهُ قد يكونُ حقَّ اللهِ تعالى كما يأتي(٧) -
(قولُهُ: من أَنَّه مندوبٌ للدَّرءِ إلخ) هذا الفرقُ غيرُ كافٍ للفرقِ بينَ دعوى الزِّنا والسَّرقةِ؛ إذ في
كلِّ الدَّرَءُ مندوبٌ إليه.
(١) صـ ١٩٧ - "در".
(٢) صـ ٢٤٠ - "در".
(٣) المقولة [١٨٩٦٦] قوله: ((ما لم يَخْرِج مُخرَجَ الدَّعوى)).
قوله (لاقتضائه عَكْسَ الْحُكْمِ) لأنَّ المالَ حيثُ أمكنَ إثباتُهُ بدونِ نِسْبته إلى السَّرقة يصيرُ بدعواها ظاهراً قاصداً
نسبتهُ إليها، وإلا لعَدَلَ عنها إلى دعوى المال، بخلاف دعوى الزِّنَى؛ لأَنَّه لا يمكن إثباتها إلا بنِسْبة الزِّنى إليه، فلم
يكن قاصداً نسبته إليه، فيقتضي التعزيرَ في دعوى السَّرقةِ لا في دعوى الزِّنَى، وهذا عَكْسُ الحكم. اهـ منه.
(٤) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٧/٥.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢١١/٣.
(٦) "الخانية": كتاب الحدود - فصل فيما يوجبُ التعزيرَ وما لا يوجبُ إلخ ٤٧٩/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) المقولة [١٩٠٠٤] قوله: ((ويكون أيضاً حقاً لله تعالى)).
الجزء الثاني عشر
٢٥١
بابُ التَّعزير
زادَ "الشَّارِحُ" قولَهُ: ((غالبٌ فيهِ)) تبعاً لـ"الدُّرر"(١) وشرحِ "المصنّف" (٢)، فصارَ قولُهُ: ((حقُّ
العبدِ)) مبتدأً، وقولُهُ: ((غالبٌ فِيهِ)) خبرَهُ، والجملةُ خبرَ قولِهِ: ((وهو))، والمرادُ - كما أفادَهُ
"ح"(٣) - أنَّ أفرادَهُ الَّتي هي حقُّ العبدِ أكثرُ مِن أفرادِهِ الَّتي هي حقُّاللهِ، وليسَ المرادُ أنَّ الحقَّينِ
اجتمعًا فيهِ وحقُّ العبدِ غالبٌ، كما قيلَ بعكسِهِ في حدِّ القذفِ اهـ.
قلتُ: هذا وإِنْ دَفَعَ الإِيرادَ المارَّ لكنَّ المتبادرَ خلاقُهُ: وهو أنَّهُ اجتمعَ فيهِ الحقَّانِ وحقُّ العبدِ
غالبٌ فِيهِ عكسَ حدِّ القذفِ، وقد دفعَ "الشَّارِحُ" الإيرادَ بقولِهِ بعدَهُ(٤): ((ويكونُ أيضاً حقّاً للهِ
تعالى))، فَعُلِمَ أنَّ المرادَ بالأوَّلِ ما كانَ حقّاً للعبدِ، وأنَّ فيهِ حقَّ اللهِ تعالى أيضاً، ولكنَّ حقَّ العبدِ
غالبٌ فيهِ على عكسِ حدِّ القذفِ، وبيانُ ذلكَ أنَّ جميعَ ما مرَّ(٥) مِن ألفاظِ القذفِ والشَّتَمِ الموجبةِ
للتَّعزيرِ منهيٌّ عنها شرعاً، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَ لْقَبٍ﴾ [الحجرات -١١] فكانَ فيها حقُّ
اللهِ تعالى وحقُّ العبدِ، وغُلِّبَ حقُّ العبدِ لحاجتِهِ، ولذا لو عفا سقطَ الَّعزيرُ، بخلافِ حدِّ القذفِ
فإنَّهُ بالعكسِ كما مرَّ(٦)، وربَّما [٤ ق١٥٨ /أ] تمخَّضَ حقُّ العبدِ كما إذا شَتَمَ الصَّبِيُّ رجلاً، فإِنَّهُ غيرُ
مكلّفٍ بحقِّ اللهِ تعالى، هذا ما ظهرَ لي في تحقيقِ هذا المحلِّ، فافهم.
(قولُهُ: هذا ما ظهرَ لي في تحقيقِ هذا المحلِّ) وهذا هو الصَّوابُ، ولا دليلَ على ما ذهبَ إليه "الحلبيُّ)
من تمخُّضٍ حقِّ العبدِ عن حقّهِ تعالى، فإنَّ امتثالَ أمرِ الشَّرعِ والكفَّ عن تعدِّي حدودِهِ وتعظيمَ المسلمِ وعدمَ
الاستخفافِ به ورفعَ الفسادِ من العبادِ من حقوقِهِ تعالى، وصيانةَ عِرْضِ المسلمِ ونحوَهُ من حقوقِ العبدِ، ولا
دليلَ لِمَا قَالَهُ "الحلبيُّ" من أنَّ أفرادَهُ الَّتي هي حقُّ العبدِ أكثرُ من أفرادِهِ الَّتي هي حقُّ اللهِ تعالى.
(١) "الدرر والغرر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٧٧/٢.
(٢) "المنح": كتاب الحدود - باب في بيان أحكام التعزير ١/ق ٢٣٢/أ.
(٣) "ح": كتاب الحدود - باب التعزير ق ٢٥٥/أ.
(٤) صـ ٢٥٣ - "در".
(٥) صـ ٢٢٩ - وما بعدها "در".
(٦) المقولة [١٨٧٨٥] قوله: ((ولا عفو)).
حاشية ابن عابدين
٢٥٢
بابُ التَّعزير
والتّكفيلُ، "زيلعي"، (واليمينُ)، ويحلِّفُهُ: باللهِ ما له عليكَ هذا الحقُّ الذي يدَّعِي،
لا: باللهِ ما قُلْتَ، "خلاصة" (١). (والشَّهادةُ على الشَّهادةِ.
(تنبيةٌ)
ذكرَ "ابنُ المصنّف" في حواشيهِ على "الأشباه"(٢): ((أَنَّهُ يؤخَذُ مِن كونِهِ حقَّ عبدٍ جوابُ
حادثةِ الفتوى، هي: أنَّ رجلاً شتمَ آخرَ بألفاظٍ متعدِّدةٍ مِن ألفاظِ الشَّتَمِ المُوجِبِ اللَّعزيرِ، وهو أنَّهُ
يُعزَّرُ لكلِّ واحدٍ منها؛ لأنَّ حقوقَ العبادِ لا تَدَاخُلَ فيها، بخلافِ الحدودِ، ولم أرَ مَن صرَّحَ بِهِ،
لكنَّ كلامَهم يفيدُهُ، نعم النَّعزيرُ الَّذي هو حقُّ الله تعالى ينبغي القولُ فيهِ بالتّداخُلِ)) اهـ. وأصلُ
البحثِ لوالدِهِ "المصنّف"(٣)، وجزمَ بِهِ "الشَّارِحُ" كما مرَّ(٤) قبيلَ هذا البابِ.
قلتُ: ومقتضى هذا تعدُّدُهُ أيضاً لو شتمَ جماعةً بلفظٍ واحدٍ، مثلُ: أنتم فسقةٌ، أو بألفاظٍ
بخلافِ حدِّ القذفِ كما مرَّ(٥) هناكَ.
[١٨٩٩٨] (قولُهُ: والتَّكفيلُ) أي: أخذُ كفيلٍ بنفسِ الشَّاتِ ثلاثةَ أيامٍ إذا قالَ المشتومُ: لي عليهِ
بِّنةٌ حاضرةٌ كما في "كافي الحاكم".
[١٨٩٩٩] (قولُهُ: "زيلعيّ") تمامُ عبارةِ "الزَّيلعيِّ" (٦): ((وشُرِعَ في حقِّ الصِّيانِ)) اهـ.
وسيأتي(٧) متناً.
١٩٠٠٠١) (قولُهُ: واليمينُ) يعني: إذا أنكرَ أَنَّهُ سبَّهُ يُحَلَّفُ وَيُقَضَى عليهِ بالنّكولِ، "فتح"(٨).
١٩٠٠١١] (قولُهُ: لا: باللهِ ما قلتَ) أي: لا يحلِّفُهُ: باللهِ ما قلتُ لهُ: يا فاسقُ؛ لاحتمال أنّهُ
١٨٦/٣ قالَ ذلكَ وردَّ عليهِ المشتومُ بمثْلِهِ أو عفا عنهُ، أو أنَّهُ فاسقٌ في نفسِ الأمرِ ولا بَيِّنةَ للشَّاتِمِ، ففي ذلكَ
(١) لم نعثر عليها في مظانّها من "خلاصة الفتاوى" التي بين أيدينا.
(٢) المسماة "زواهر الجواهر النّضائر على الأشباه والنظائر"، وقد تقدّمت ترجمتها ٦١٩/٣.
(٣) "المنح": كتاب الحدود - باب في بيان أحكام القذف ١/ق٢٢٩/ب.
(٤) صـ ١٩٦ - "در".
(٥) صـ ١٩٠ - وما بعدها "در".
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢١١/٣.
(٧) صـ ٢٦٧ - "در".
(٨) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٣/٥.
الجزء الثاني عشر
٢٥٣
بابُ التَّعزيرِ
وشهادةُ رجلٍ وامرأتينٍ) كما في حقوقِ العبادِ، ويكونُ أيضاً حقّاً للهِ تعالى،
فلا عفوَ فيه، إلاّ إذا عَلِمَ الإِمامُ انزجارَ الفاعلِ،.
كُلِّهِ ليسَ عليهِ للمشتومِ حقُّ الَّعزيرِ الَّذِي يدَّعي، كما لو ادَّعى على آخرَ أَنَّهُ استقرضَ منهُ كذا
وأنكرَ فإنّهُ يحلّفُهُ: مَا لَهُ عليكَ الألفُ الَّذي يدَّعي؛ لاحتمالِ أَنَّهُ استقرضَ وأوفاهُ أو أبرأَهُ المدَّعِي.
(١٩٠٠٢] (قولُ: وشهادةُ رجلٍ وامرأتينٍ) صَرَّحَ بِهِ "الزَّيلِعِيُّ)(١)، وكَذَا في "النَّترخائَّةُ"(٢) عن
"المنتقى"، ويُخالفُهُ ما في "الجوهرة(٣): ((لا تُقْبَلُ فِي الَّعزيرِ شهادةُ النِّساءِ معَ الرِّجالِ عندَهُ؛ لأَنَّهُ
عقوبةٌ كالحدّ والقصاصِ، وعندَهما: تقبلُ؛ لأَنَّهُ حقٌّ آدميٍّ)) اهـ. أفادَهُ "الشُّرُ بِلالِيُّ) (٤).
قلتُ: ومقتضى هذا أَنَّهُ لا تُقَبَلُ فيهِ الشَّهادةُ على الشَّهادةِ أيضاً عندَهُ، معَ أَنَّهُ حزمَ "الزَّيلِعِيُّ" (٥)
وكذا في "الفتح"(٦) و "البحر"(٧) عن "الخانَيَّة " (٨) بأَنَّها تُقبَلُ، فلذا جزمَ "المصنّف" بقبولِها في الموضعَينِ.
/١٩٠٠٣ ] (قولُهُ: كما في حقوقِ العبادِ) أي: كما في باقِيها.
[١٩٠٠٤] (قولُهُ: ويكونُ أيضاً حقّاً للهِ تعالى) أي: خالصاً لَهُ تعالى، كتقبيلٍ أجنبيّةٍ وحضورِ
مجلسٍ فِسْقٍ.
[١٩٠٠٥] (قولُهُ: فلا عفوَ فيهِ) كذا قالَهُ في "فتح القدير"(٩)، لكنْ في "القنية" (١٠) [٤ / ق ١٨٥ /ب]
عن "مُشْكلِ الآثار"(١١): ((أَنَّ إقامةَ النَّعزيرِ إلى الإِمامِ عندَ أئمتنا الثَّلاثةِ و"الشَّافِعِيِّ"، والعفوَ إليهِ
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢١١/٣.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الحدود - الفصل الثامن في التعزير ١٤٥/٥.
(٣) "الجوهرة النيرة": باب حدِّ القذف ٢٥٤/٢.
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصلٌ: التعزيرُ تأديبٌ دون الحدِّ ٧٧/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢١١/٣.
(٦) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٣/٥.
(٧) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٩/٥.
(٨) "الخانية": كتاب الحدود - فصل فيما يوجبُ التعزيرَ وما لا يوجبُ إلخ ٤٧٩/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٣/٥.
(١٠) "القنية": كتاب الحدود - باب في التعزير ق ٦١/أ.
(١١) "شرح مشكل الآثار": باب بيان مُشْكِلٍ ما روي عن رسول الله خلال في إقالة ذوي الهيئات عثراتهم إلخ ١٥٠/٦-١٥١ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٢٥٤
بابُ التَّعزيرِ
ولا يمينَ،
أيضاً)) قالَ "الطَّحاويُّ)(١): ((وعندي أنَّ العفوَ للمجنيِّ عليهِ لا للإمامِ))، قالَ صاحبُ
"القنية"(٢): ((ولعلَّ ما قالوهُ في الَّعزيرِ الواجبِ حقّاً للهِ تعالى، وما قَالَهُ "الطَّحاويُّ" فيما إذا جَنَى
على إنسانٍ)) اهـ. فهذا مُخالِفٌ لِما في "الفتح"(٣) كما في "البحر "(٤) و"النَّهر!" (٥).
قلتُ: لكنْ ذَكَرَ في "الفَتْحِ" (٦) أَوَّلَ البابِ: ((أَنَّ مَا نُصَّ عليهِ مِن النَّعزيرِ - كما في وطءِ
جاريةِ امرأتِهِ أو المشتركةِ - وجَبَ امتثالُ الأمرِ فيهِ، وما لم يُنَصَّ عليهِ إذا رَأى الإِمامُ المصلحةَ، أو
عُلِمَ أَنَّهُ لا ينزجرُ إلَّ بِهِ وجبَ؛ لأَنَّهُ زاجرٌ مشروعٌ لحقّهِ تعالى كالحدِّ، وما عُلِمَ أنَّهُ انزجرَ بدونِهِ لا
يجبُ)) اهـ. فعِلِمَ أنَّ قولَهم: ((إنَّ العَفْوَ فيهِ للإمامِ)) بمعنى تفويضِهِ إلى رأيهِ، إنْ ظهرَ لهُ المصلحةُ فيهِ
أَقَامَهُ، وإنْ ظهرَ عَدمُها أو عَلِمَ انزجارَهُ بدونِهِ يتركُهُ، وبِهِ تندفعُ المخالفةُ، فافهم.
[١٩٠٠٦] (قولُهُ: ولا يمينَ) عَطفٌ على قولِهِ: ((فلا عفوَ))، وهذا أخذَهُ في "النّهر"(٧) مِن قولِهم
في الأوَّلِ: واليمينُ، فقالَ: ((وهو ظاهرٌ في أنَّ مَا كانَ منهُ حَقَّ اللهِ تعالى لا يُحلّفُ فيهِ إلخ)).
(قولُهُ: فقالَ: وهو ظاهرٌ في أنَّ ما كانَ منه حقَّ اللهِ تعالى لا يُحلَّفُ فيه إلخ) فيه: أَنَّهم ذكروا أنَّ ما
تُسمَعُ فيه الدَّعوى حسبةً مَّا لا يندرِىُّ بالشُّبهةِ تجري فيه اليمينُ معَ أَنَّه من حقوقِ تعالى، فالظَّاهرُ أنَّ ما كانَ من
حقوقِهِ تعالى من النَّعازيرِ كذلكَ، بل وقعَ الخلافُ في التّحليفِ حِسْبةً من غيرِ دعوى، ففي "نَتَمَّة الفتاوى" من
الفصلِ النَّاسعِ في دعوى الطَّلاقِ ما نصُّهُ: ((القاضي يَسمَعُ البَِّةَ على الطَّلاقِ وعلى عِثْقِ الأمةِ من غيرِ دعوى،
وهل يُحلّفُ على ذلكَ حِسبةً من غيرِ دعوى؟ ذكرَ "محمَّدْ" في آخرِ بابِ النَّحرِّي إذا طلّقَ امرأةً من نسائِهِ بعينِها
ثلاثاً ثُمَّ نسيَ، ثُمَّبِنَّ إلاَّ واحدةً، لا يَحِلُّ له وطؤُها، والقاضي لا يُخلّي بينهما حَتَّى يُخبِرَ الزَّوجُ أَنَّها غيرُ المطلّقةِ
(١) "شرح مشكل الآثار": باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله ﴿ل في إقالة ذوي الهيئات عثراتهم إلخ ١٥٣/٦ بتصرف.
(٢) "القنية": كتاب الحدود - باب في التعزير ق ٦١/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٣/٥.
(٤) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٩/٥.
(٥) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١١/أ.
:
(٦) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٣/٥.
(٧) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١١/أ.
الجزء الثاني عشر
٢٥٥
بابُ التَّعزير
كما لو ادَّعى عليهِ أَنَّه قبّلَ أختَه مثلاً، ويجوزُ إثباتُهُ بمدَّع شهدَ به، فيكونُ مدَّعياً
شاهداً لو معَهُ آخرُ، وما في "القنيةِ"(١) وغيرِها -: ((لو كانَ المدعَى عليه.
[١٩٠٠٧] (قولُهُ: كما لو ادَّعى عليه أنَّهُ قَبَّلَ أُختَهُ) أي: أختَ نفسِهِ، والَّذي في "النَّهر)"(٢):
((أجنبيّةً))، وهو المناسبُ؛ لأَنَّها لو كانَت أختَ المدَّعي، فالظَّاهِرُ أَنَّهُ يكونُ حَقَّ عبدٍ؛ لأَنَّهُ يلحقُهُ
بذلكَ عَارٌ شَدِيدٌ يحملُهُ على الغَيْرَةِ لمحارمِهِ كما لا يخفى، إلاَّ أنْ يُرادَ أختُ المقبّلِ.
[١٩٠٠٨ ] (قولُهُ: ويجوزُ إثباتُهُ إلخ) عطفٌ على قولِهِ: ((فلا عفوَ))، فهو مِن التَّفريعِ أيضاً على
كونِهِ حَقَّ اللهِ تعالى.
[١٩٠٠٩] (قولُهُ: لو معهُ آخرُ) كذا في "الفتحِ"(٣) ويأتي(٤) أُنَّه يَكَفِي فيهِ إخبارُ عدلٍ واحدٍ،
وعليهِ: فلو كان المدَّعي عَدْلاً يكفي(٥) وحدَهُ.
١٩٠١٠١) (قولُهُ: وغيرِها) كـ "الخانيّة"(٦) و"الكافي".
ثلاثً، فإذا أخبرَ استحلفَهُ: ما طلَّقْتَ هذهِ ثلاثً، ولم يُشتَرَطْ دعواها، وذكرَ "شمس الأئمَّةِ" أَنَّه لا يُستحلَفُ
وأنَّ تقدُّمَ الدَّعوى شرطٌ))، وفي آخرِ الدَّعوى من هذا الكتابِ: ((أَنَّ الدَّعوى شرطُ التَّحليفِ على عتقِ العبدِ
بالإجماع، إنَّا الخلافُ في اشتراطِ الدَّعوى على قَبَولِ الشَّهادةِ)).
(قولُهُ: إلاّ أنْ يُرادَ أختُ المقبّلِ) الظَّاهرُ: جوازُ عودِ الضَّميرِ للمدَّعي أو المدَّعى عليه، واحترزَ
بالأختِ عمَّا لو ادَّعى أنَّه قَبَّلَ زوجتَهُ، فإنَّه هناكَ حقُّ العبدِ غالبٌ، وعلى هذا: لو كانَ لها بعلٌ فإنْ
طالبَ أخوها لا يُحَلَّفُ المدَّعَى [عليه](٧) وإنْ بعلُها حُلَّفَ. اهـ "سنديّ".
(١) لم نعثر عليها في مظانها من "القنية".
(٢) "النهر": كتاب الحدود - باب حد القذف - فصلٌ في التعزير ق ٣١١/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - باب حد القذف - فصلٌ في التعزير ١١٣/٥.
(٤) المقولة [١٩٠١٦] قوله: ((يكفي فيه خبر العدل)).
(٥) في "آ": ((لا يكفي))، وهو تحریف.
(٦) "الخانية": كتاب الحدود - فصل فيما يوجبُ التعزيرَ وما لا يوجبُ ٤٨٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) نقول: ما بين منكسرين يقتضيه السِّياق؛ إذ البيّنة على المدَّعِي، واليمين على المدَّعَى عليه، والله أعلم.
حاشية ابن عابدين
٢٥٦
بابُ التَّعزيرِ
ذا مُرُوءةٍ وكانَ أوَّلَ ما فعلَ يُوعَظُ استحساناً ولا يُعزَّرُ)) - يجب أن يكونَ في حقوق
اللهِ؛ فإنَّ حقوقَ العبادِ ليسَ للقاضي إسقاطُها، "فتح". وما في كراهَيَّةِ "الظهيرِيَّةِ"(١)
-: ((رجلٌ يصلِّي وَيَضُرُّ(٢) الناسَ بيدِهِ ولسانِهِ فلا بأسَ بإعلامِ السلطانِ بهِ؛ لينزَجِرَ)) -
[١٩٠١١] (قولُهُ: ذا مُرُوءةٍ) قال "محمَّد" رحمهُ اللهُ: ((والمرُوءَةُ عندي في الدِّينِ والصَّلاحِ))
كما في "الفتحِ"(٣) وغيرِهِ.
[١٩٠١٢] (قولُهُ: "فتح") أَقولُ: اختصرَ عبارةً "الفتحِ" اختصاراً مُخِلاَّ تَبعَ فِيهِ "النّهرَ)(٤)، فإِنَّهُ
في "الفتح"(٥) ذكَرَ أوَّلاً أنَّ ما وجَبَ مِن التَّعزيرِ حَقّاً للهِ تعالى لا يجوزُ للإِمامِ تركُهُ، ثمَّ استشكلَ
عليهِ ما في "الخانيَّة"(٦)، وهو ما نقلَهُ "الشَّارحُ" عن "القنية"، فقالَ: إِنَّهُ يجبُ أنْ يكونَ في حقوق
اللهِ تعالى إلخ، أي: وإذا كانَ كذلكَ ناقضَ قولَهُ أوّلاً: (إِنَّهُ لا يجوزُ للإمامِ تركُهُ))، ثمَّ أجابَ عنهُ
بأنَّ ما ذُكِرَ عن "القنية" و"الخانَيَّة" - سواءٌ حُمِلَ على أنَّهُ مِن حقوقِ اللهِ تعالى أو مِن حقوقِ العبادِ
- لا يناقضُ ما مرَّ(٧) [٤/ق ١٨٦/ أ]؛ لأَنَّهُ إذا كانَ المدَّعى عليهِ ذا مُرُوءٍ فقد حصَلَ تعزيرُهُ بالجرِّ إلى
بابِ القاضي والدَّعوى، ويكونُ قولُهُ: ((ولا يُعزَّرُ))، معناهُ: لا يُعزَّرُ بالضَّربِ في أوَّلِ مرَّةٍ، فإنْ
عادَ عزَّرَهُ بالضَّربِ)) اهـ. ملحَّصاً، وبِهِ تعلمُ أنَّ "الشَّارحَ" اقتصرَ على محلِّ الاستشكالِ المخالفِ
لقولِهِ أوَّلاً(٨): ((فلا عفوَ فيهِ))، وتَرَكَ المقصودَ مِن الجوابِ، فافهم.
أقولُ: ويظهرُ لي دفعُ المناقضةِ مِن وجهٍ آخرَ، وهو أنَّ ما وجبَ حقّاً للهِ تعالى لا يجوزُ
للإمامِ تركُهُ إلاّ إذا عِلِمَ انزجارَ الفاعلِ كما مرَّ(٩)، ولا يخفى أنَّ الفاعلَ إنْ كانَ ذا مُرُوءةٍ فِي الدِّينِ
(١) "الظهيرية": ق ١٧٧/أ- ق١٧٨/ب.
(٢) في "ب" و"ط": ((ويضرب)).
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٤/٥.
(٤) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١٠/ب.
(٥) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٣/٥ - ١١٤.
(٦) "الخانية": كتاب الحدود - فصل فيما يوجبُ التعزيرَ وما لا يوجبُ ٤٨٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) في هذه المقولة.
(٨) في "الأصل": ((وإلا فلا عَفْوَ فيه)).
(٩) المقولة [١٩٠٠٥] قوله: ((فلا عَفْوَ فيه)).
الجزء الثاني عشر
٢٥٧
بابُ التَّعزير
يُفِيدُ أَنَّه مِن بابِ الإخبارِ، وأنَّ إعلامَ القاضي بذلكَ يكفي لتعزيرِهِ، "نهر"(١).
قلتُ: وفيه (٢) من الكفالةِ معزيّاً "للبحرِ"(٣) وغيرِهِ: ((للقاضي تعزيرُ المتّهم .........
والصَّلَاحِ يُعلمُ مِن حالِهِ الانزجارُ مِن أوَّلِ الأمرِ؛ لأنَّ ما وقعَ منهُ لايكونُ عادةً إلاَّ عن سهوٍ
ونَفْلةٍ، ولذا لم يُعزَّرْ في أوَّلِ مرَّةٍ ما لم يَعُدْ، بل يُوعَظُ ليتذكَّرَ إنْ كانَ ساهياً، ولِيتعلَّمَ إن كانَ
جاهلاً بدون جرِّ إلى بابِ القاضي، ويؤيِّدُ هذا ما سيذكرُهُ(٤) "الشَّارِحُ" آخرَ البابِ مِن بناءِ ما هنا
على استثناءِ ذوي الهيئاتِ من وجوبِ النَّعزيرِ.
(١٩٠١٣] (قولُهُ: يُفِيدُ أَنَّهُ مِن بابِ الإخبارِ) أي: فلا يحتاجُ إلى لفظِ الشَّهادةِ، ولا إلى مجلسِ
القضاءِ كما في كفالةِ"الَّهر " (٥)، فهذا يخالفُ ما مرَّ(٦) مِن اشتراطِ الشَّهادةِ.
قلت: لكنَّ غايةَ ما أفادَهُ فرعٌ"الظَّهِيرِيَّة (٧): أَنَّهُ لا يَأْتُمُ مَن أَعلمَ السُّلطانَ بِهِ، وظاهرُ إطلاقِهِ:
أَنَّهُ لا فرقَ بينَ كونِ السُّلطانِ عادلاً أو جائراً يُخشَى منهُ قتلُهُ لِما مرَّ(٨) أَنَّهُ يباحُ قتلُ كلِّ مؤذٍ، أي:
إذا لم ينزَجِرْ، ولا يخفى أَنَّهُ ليسَ في هذا تعرُّضٌ لثبوتِ تعزيرِهِ بمجرَّدِ الإخبارِ عندَ السُّلطانِ فضلاً
عن ثبوتِهِ عندَ القاضي، على أنَّهُ يمكنُ أنْ يرادَ بإعلامِ السُّلطانِ الشَّهادةُ عليهِ عندَهُ، تأمَّل.
مطلبٌ في تعزيرِ المتَّهمِ
[١٩٠١٤] (قولُهُ: للقاضِي تعزيرُ المَّهمِ) ذكرُوا في كتابِ الكفالةِ أنَّ النُّهَمَةَ تثبتُ بشهادةٍ
مستورَينٍ أو واحدٍ عدلٍ، فظاهرُهُ: أَنَّهُ لو شهدَ عندَ الحاكمِ واحدٌ مستورٌ وفاسقٌ بفسادِ شخصٍ
(١) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١١/أ.
(٢) "النهر": ق ٤١٥ /ب.
(٣) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٤/٦.
(٤) صـ ٢٧٦ - "در".
(٥) "النهر": ق ٤١٦/أ.
(٦) المقولة [١٨٩٣٧] قوله: ((بلا بيان سببه)).
(٧) "الظهيرية": كتاب الكراهية - الفصل الخامس في ملاقاة الملوك والتواضع لهم والسؤال عن الأخبار والغيبة إلخ ق ١٨٧ /أ.
(٨) ص ٢١٩ - "در".
حاشية ابن عابدين
٢٥٨
بابُ التَّعْزِيرِ
١٨٧/٣ ليسَ للحاكمِ حبسُهُ، بخلاف ما إذا كانَ عدلاً أو مستورَينٍ فإنَّ لهُ حبسَهُ، "بحر "(١).
قلت: ومثلُهُ ما لو كانَ الَّهمُ مشهوراً بالفسادِ فيكفي فيهِ علمُ القاضي كما أفادَهُ
كلامُ "الشَّارِحِ"(٢)، وفي "رسالة دده أفندي في السِّيّاسِ"(٣) عن "الحافظِ ابنِ قَيِّمِ الجوزيَّةِ الحنبليِّ" (٤):
((ما علمتُ أحداً مِن أئمَّةِ المسلمينِ يقولُ: إنَّ هذا المدَّعى عليهِ بهذهِ الدَّعوى [٤/ق ١٨٦ /ب] وما
أشبهَها يُحَلَّفُ ويُرسَلُ بلا حبسٍ، وليسَ تحليفُهُ وإرسالُهُ مذهباً لأحدٍ مِن الأئمَّةِ الأربعةِ ولا
غيرِهِم، ولو حلَّفنا كلَّ واحدٍ منهم وأطلقناهُ - معَ العلمِ باشتهارِهِ بالفسادِ في الأرضِ وكثرةٍ
سرقاتِهِ، وقلنا: لا نأخذُهُ إلَّ بشاهدَي عدل - كانَ مخالفاً للسِّياسةِ الشَّرعيَّةِ، ومَن ظنَّ أنَّ الشَّرعَ
تحليفُهُ وإرسالُهُ فقد غَلِطَ غلطاً فاحشاً لنصوصِ رسولِ اللهِ ﴿ والإجماعِ الأئمَّةِ، ولأجلِ هذا الغلطِ
الفاحشِ تجرَّأَ الولاةُ على مخالفةِ الشَّرعِ، وتوهَّمُوا أنَّ السِّياسةَ الشَّرعيّةَ قاصرةٌ عن سياسةِ الخلقِ
ومصلحةِ الأمَّةِ فتعدّوا حدودَ اللهِ تعالى، وخرجوا عن(٥)الشَّرعِ إلى أنواعٍ مِن الظُّلمِ والبدع في
السِّياسةِ على وجهٍ لا يجوزُ))، وتمامُهُ فيها. وفي هذا تصريحٌ بأنَّ ضربَ المَّهِمِ بسرقةٍ مِن السِّياسةِ،
وبهِ صرَّحَ "الرَّيلعيُّ" أيضاً كما سيأتي(٦) فِي السَّرقةِ، وبِهِ عُلِمَ أنَّ للقاضي فعلَ السِّياسةِ، ولا يختصُّ
بالإمامِ كما قدَّمْناهُ(٧) في حدِّ الزِّنى معَ تعريفِ السِّياسةِ.
(١) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٦/٥.
(٢) في "الأصل": ((كلام النهر)).
(٣) المسمّى: "السياسة والأحكام" لأبي المكارم محمد بن دَدَهْ بن مصطفى بن حبيب الأرضروميّ زين الدين، المعروف
بـ: دَدَهْ أفندي (ت ١١٤٦ هـ). ("هدية العارفين" ٣٢١/٢، "معجم المؤلفين" ٢٨٦/٣).
(٤) في كتابه "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية": القسم الثاني في دعاوى المتهم: القسم الثالث: أن يكون المّهم معروفاً
بالفجور صـ١٠٤-، وهو لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر، شمس الدين المعروف بابن قيم الجوزية الحنبليّ (ت ٧٥١ هـ)
("كشف الظنون" ١١١١/٢، "الدرر الكامنة" ٤٠٠/٣، "شذرات الذهب" ٢٨٧/٨، "هدية العارفين" ١٥٨/٢).
(٥) في "م" : ((من)).
(٦) المقولة [١٩١٤٣] قوله: ((ثم نقل)).
(٧) المقولة [١٨٤٣٤] قوله: ((إلا سياسة وتعزيراً)).
الجزء الثاني عشر
٢٥٩
بابُ الَّعزيرِ
وإنْ لم يَثْبُتْ عليهِ، وكلُّ تعزيرِ للهِ تعالى يكفي فيه خبرُ العدل؛ لأَنَّه في حقوقِهِ تعالى
يَقضي فيها بعِلِمِه اتفاقاً، وَيَقبَلُ فيها الجرحَ المجرَّدَ كما مرَّ(١)، ..
[١٩٠١٥) (قولُ: وإنْ لم يَتْبُتْ) أي: ما أُّهمَ بهِ، أمَّا نفسُ النُّهَمَةِ - أي: كونُهُ مِن أهلِها -
فلا بدَّ مِن ثبوتِها كما علمتَ.
[١٩٠١٦] (قولُهُ: يكفي فيه خبرُ العدلِ) مُخَالِفٌ لِما قدَّمَهُ(٢) مِن أَنَّهُ يجوزُ إثباتُهُ بمدَّعِ شهدَ بهِ
لو معَهُ آخرُ، وهو مصرَّحٌ بهِ في "الفتح " (٣)، ولعلَّهُ محمولٌ على عدمِ العدالةِ.
[١٩٠١٧] (قولُهُ: يَقْضِي فيها بعلمِهِ اتّفاقاً) وأمَّا ما ذهبَ إليهِ المتأخرونَ - وهو المفتى بهِ - مِن
أَنَّهُ لا يَقضِي بعلمِهِ في زمانِنا، فيجبُ حملُهُ على ما كان مِن حقوقِ العبادِ، كذا في كفالةٍ
"النَّهر"(٤)، وفيهِ كلامٌ كتبناهُ في قضاءِ "البحر"(٥).
حاصلُهُ: أنَّ ما ذكرَهُ غيرُ صحيحٍ، وسيأتي(٦) تمامُهُ هناكَ إنْ شاءَ اللهُ تعالى(٧).
[١٩٠١٨] (قولُهُ: كما مرَّ) الَّذي مرَّ تقييدُهُ بما إذا بَيَّنَ سبَهُ، كنقبيلٍ أجنبيّةٍ وعناقِها، وقد فسَّرَ
(قولُ "الشَّارِحِ": لأَنَّه في حقوقِهِ تعالى يَقْضِي فيها بعلمِهِ إلخ) أي: فالشَّاهدُ الواحدُ أَولى. اهـ "سنديّ".
لكنْ سيذكرُ "المحشِّي" في كتابِ القضاءِ نقلاً عن "الفتح" أنَّه في حدِّ الشُّربِ والرِّنى لا ينفذُ قضاؤُهُ بعلمِهِ اتّفاقً،
وأنَّ ما ذكرَهُ في "النّهر" في الكفالةِ بحثً - أنَّه يجبُ أنْ يُحمَلَ الخلافُ بينَ المتقدِّمِينَ والمتأخّرِينَ على ما كانَ من
حقوقِ العبادِ، أمَّا حقوقُ اللهِ تعالى المحضةُ فَقْضِي فيها بعلمِهِ اتفاقاً - خطأٌ صريحٌ مخالِفٌ لكلامِهم، نعم ما كانَ
من التّعزيرِ من حقوقِهِ تعالى لا يتوقّفُ على الدَّعوى ولا على النُّبوتِ، بل إذا أخبرَ القاضيَ عدلٌ بذلكَ عزَّرَهُ.
(١) صـ ٢٣١- ٢٣٢ - "در".
(٢) صـ ٢٥٥ - "در".
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٣/٥.
(٤) "النهر": ق ٤١٦/أ.
(٥) لم نره في القضاء، بل في الكفالة، انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": ٢٣٤/٦.
(٦) المقولة [٢٦٥٧١] قوله: ((فمن جوّزه جوّزها)) وما بعدها.
(٧) من ((حاصله أن)) إلى ((إن شاء الله تعالى)) ساقط من "الأصل".
حاشية ابن عابدين
٢٦٠
بابُ التَّعزيرِ
وعليه فما يُكَتَبُ من المحاضِرِ في حقِّ إنسان يُعمَلُ بهِ في حقوقِ اللهِ تعالى، ومَن أفتى
بتعزيرِ الكاتبِ فقد أخطأَ)). انتهى ملخَّصاً. وفي كفالةِ "العينيّ"(١) عنِ "الثاني": ((مَن
يجمعُ الخمرَ ويشربُهُ ويتركُ الصلاةَ أحبسُهُ وَأُؤَدِّبُه ثمَّ أُخرِجُه، ومن يُتَّهِمُ بالقتلِ .......
المحرَّدَ بما لم يُبَّنْ سببُهُ، فالمرادُ بالمجرَّدِ هنا ما لم يكنْ في ضِمْنِ ما تَصِحُّ بهِ الدَّعوى، وقدَّمنا(٢)
الكلامَ فيهِ، فافهم.
[١٩٠١٩] (قولُهُ: وعليهِ) أي: على ما ذكِرَ مِن: ((أَنَّهُ مِن بابِ الإخبارِ)) وأَنَّهُ: ((يكفي فيهِ
خبرُ العدلِ)).
[١٩٠٢٠] (قولُهُ: مِن الَحاضِرِ) جمعُ مَحْضٍَ، والمرادُ بهِ هنا ما يُعْرَضُ على السُّلطانِ ونحوِهِ في
شكايَةٍ متوَلِّ أو حاكمٍ، ويُثْبُتُ فيهِ خطوطُ أعيانِ البلدةِ وختمُهُم، ويسمَّى في عرفِنا عرضَ محضرٍ.
(١٩٠٢١) (قولُهُ: يُعمَلُ بِهِ إلخ) قالَ في كفالةِ "النَّهر"(٣): ((وظاهرُهُ: أنَّ الإخبارَ كما يكونُ
بالِّسانِ يكونُ بِالبَنَانِ، فإذا كَبَ إلى السُّلطانِ بذلكَ ليزجرَهُ جازَ وكانَ لهُ أنْ يعتمدَ عليهِ حيثُ
كانَ [٤ /ق ١٨٧/أ] معروفاً بالعدالةِ)).
[١٩٠٢٢] (قولُهُ: فقد أخطأً) والفرعُ المتقدِّمُ - أي: عن"الظَّهيريَّة"- يُنادِي بخطئِهِ، "نهر " (٤).
[١٩٠٢٣] (قولُهُ: وفي كفالةِ "العينيّ" إلخ) ذكرَهُ في "البحر"(٥) في هذا البابِ، ومثلُهُ في
"الخانَيَّة"(٦).
[١٩٠٢٤] (قولُهُ: وَأُؤَدِّبُهُ) الظَّاهرُ: أنَّ المرادَ بهِ الضَّرَبُ، ويُحتمَلُ أَنَّهُ عطفُ تفسيرِ، "ط)(٧).
(١) "رمز الحقائق": ٧١/٢.
(٢) المقولة [١٨٩٣٧] قوله: ((بلا بيان سببه)).
(٣) "النهر": ق ٤١٦/أ.
(٤) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٦/أ.
(٥) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٦/٥.
(٦) "الخانية": كتاب الحدود - فصل فيما يُوجبُ التعزيرَ وما لا يُوجب ٤٨٠/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية")
(٧) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٦/٢ بتصرف.