Indexed OCR Text

Pages 121-140

١١٩ - بابُ الشهادة على الزِّنَى والرجوع عنها
الجزء الثاني عشر
(وإن أَنَكَرَ الإِحصانَ فشهدَ عليهِ رجلٌ وامرأتان، أو وَلَدَت زوجتُهُ (١) منه).
[١٨٦٢٢] (قولُهُ: وإنْ أنكرَ الإِحصانَ) أي: استجماعَ شرائِطِهِ المتقدِّمةِ كأنْ أنكرَ النِّكاحَ
والدُّخولَ فيهِ والحِرِّيَةَ.
(١٨٦٢٣) (قولُهُ: فشهدَ عليهِ رجلٌ وامرأتانٍ) أشارَ بهِ إلى أَنَّهُ يُقبَلُ شهادةُ النّساءِ في الإحصان
عندَنا، وفيهِ خلافُ "زفرَ" والأَئِمَّةِ الثَّلاثةِ، وكيفيَّةُ الشَّهادةِ بهِ أنْ يقولَ الشُّهودُ: تزوَّجَ امرأةً
وجامعَها أو باضعَها، ولو قالوا: دخلَ بها يكفي عندَهما؛ لأَنَّهُ متى أُضيفَ إلى المرأةِ بحرفِ الباءِ
يُرادُ بهِ الجماعُ، وقالَ "محمَّد": لا يكفي، وتمامُهُ في "الزَّيلعيِّ)(٢) و "الفتح"(٣).
[١٨٦٢٤] (قولُهُ: أو ولَدَت زوجَتُهُ منهُ) أي: إذا وَلَدَت في مدَّةٍ يُتصوَّرُ أنْ يكونَ منهُ جُعِلَ
واطئاً شرعاً؛ لأنَّ الحكمَ بثبوتِ النَّسبِ منهُ حكمٌ بالدُّخولِ بها، ولهذا يُعْقِبُ الرَّجعةَ، "زيلعيّ (٤).
یپِ
قلت: ظاهرُهُ: ثبوتُ الإحصانِ ولو كانَ ثبوتُ النَّسبِ بحكمِ الفراشِ، كتزوّجٍ مشرقيّ
بمغربيّةٍ، [٤/ق١٥٨/أ) وفيهِ نظرٌ، لكنْ في "الفتح"(٥): أنَّ الفَرَضَ أَنَّهما مُقَرَّانِ بالولدِ، ومثلُهُ في "شرح
الشِّلبِيّ"، تأمَّل.
(قولُهُ: لأَنَّه متى أُضيفَ إلى المرأةِ بحرفِ الباءِ يُرادُ به الجماعُ إلخ) بخلافِهِ بحرفِ ((على))؛ فإنّه
يُرادُ به الزِّيارَةُ.
(قولُهُ: لكنْ في "الفتحِ": أنَّ الفَرَضَ أنهَّمَا مُقَرّانِ بالولدِ إلخ) لا وجهَ لهذا الاستدراكِ، بل هو لما قبلَه
من التّنظيرِ، والظَّاهر: أنهَّما إذا لم يُقِرَّ بالولدِ لا يرفعُ الرَّجمُ إلا إذا تلاعنا، وأَلحَقَ القاضي الولدَ بأمِّهِ.
(١) في "ب": ((زجته))، وهو تحريف.
(٢) انظر "تببين الحقائق": كتاب الحدود - باب الشهادة على الزنى والرجوع عنها ١٩٥/٣.
(٣) انظر "الفتح": كتاب الحدود - باب الشهادة على الزنى والرجوع عنها ٧٥/٥.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب الشهادة على الزنى والرجوع عنها ١٩٤/٣ بتصرف يسير.
(٥) "الفتح": كتاب الحدود - باب الشهادة على الزنى والرجوع عنها ٧٤/٥.

حاشية ابن عابدين
١٢٠ - بابُ الشهادة على الزِّنَى والرجوع عنها
قبلَ الزِّنى، "نهر"(١) (رُجمَ، ولو خلا بها ثمَّ طلِّقَها وقالَ: وطِئْتُها وأنكرتْ فهو
مُحصَنٌّ) بإقرارِهِ (دونَها)؛ لما تقرَّرَ أنَّ الإقرارَ حجَّةٌ قاصرةٌ (كما لو قالتْ بعد الطَّلاق:
كنتُ نصرانيَّةً، وقالَ: كانت مسلمةً) فُيُرجَمُ المحصَنُ وَيُحَدُ غيرُهُ، وبه استُغنيَ عمَّا
يوجَدُ في بعضِ نُسَخِ المتنِ مِن قولِهِ: (إذا كانَ أحدُ الزَّانِيَينِ محصَناً يُحَدُّ كلُّ واحدٍ
....
منهما حَدَّهُ) فتأمَّل. (تزوَّجَ بلا وليٌّ فدخلَ بها لا يكونُ محصَناً عندَ "النَّاني").
[١٨٦٢٥ ] (قولُهُ: قبلَ الرِّنى) متعلِّقٌ بـ((وَلَدَت))، والظَّاهرُ أَنَّهُ غيرُ قيدٍ كما يُعلَمُ مِن تعليلِ
"الزَّيلعيّ" المذكورِ آنفاً(٢)، حَتَّى لو وَلَدَت بعدَ الزِّنى لدونِ سنَّةٍ أشهرٍ يثبتُ نسبُهُ، وَيُعْلَمُ أَنَّهُ وقتَ
الرِّنِى كانَ واطِئاً لزوجتِهِ، تأمَّل.
[١٨٦٢٦) (قولُهُ: فهو مُحصَنٌ بإقرارِهِ) أي: مؤاخذةً لهُ بإقرارِهِ فلا يُقالُ: إنّها بإنكارِها الوطءَ
لم تصرُّ محصنةً فلا يكونُ هو محصناً أيضاً.
١٦١/٣
[١٨٦٢٧ ) (قولُهُ: وبِهِ اسْتُغْنِيَ إلخ) وجهُ الاستغناءِ أَنَّهُ إذا كانَ أحدُهما محصناً دونَ الآخرِ،
عُلِمَ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما إذا زنى يحدُّبما يستوجبُهُ، فالمحصنُ يُرجَمُ وغيرُهُ يُحِلَدُ كما أفادَهُ النَّفْرِيعُ،
نَعَمْ ما في بعضِ النّسخِ أعمُّ؛ لأَنَّهُ يشملُ ما لو كانَ عدُ إحصانِ أحدِهما ببكارتِهِ، ولعلَّهُ أشارَ إلى
هذا بقولهِ: ((فتأمَّل))، لا يُقالُ: ما في بعضِ النَّخِ غيرُ صحيحٍ كما توهِّمَ؛ لأنَّ شرطَ الرَّحْمِ
إحصانُ كلِّ ولم يوجدْ؛ لأَنّا نقولُ: شرطُ الرَّجمِ إِحصادُ كلٍّ مِن الزَّوجينِ لا الزَّانِينِ، فيرجمُ
(قولُهُ: والظَّاهِرُ أَنَّه غيرُ قيدٍ إلخ) قالَ "الرَّحمتي": ((يتعَّنُ أنْ يكونَ ظرفاً للزَّوجةِ - أي: المَّصفةِ بأنهَّا
زواجُه قبلَ الرِّنى - سواءٌ ولدت قبلَه أو بعدَه ما لم يُنكِرِ الولدَ ويُلاعِنْ ويُلحِقِ القاضي الولدَ بأمِّهِ)) اهـ.
(قولُهُ: نعم ما في بعضِ النُّسخِ أعمُّ؛ لأَنَّه إلخ) لا يُستغنى بإحدى العبارتينِ عنِ الأُخرى؛ فإنَّ الأُولى لإفادةِ
قَبولِ إقرارِ أحدِ الزَّوجينِ بما يوجبُ الإحصانَ وإنْ أنكرَهُ الآخرُ، والثّانيةَ لإفادةِ أنَّ إحصانَ أحدِ الزَّانَيَينِ ليسَ
شرطً لإحصانِ الآخرِ، تأمَّل. وقد أفادَ نحوَ هذا العلاَّمةُ "السِّندِيُّ".
(١) "النهر": كتاب الحدود - باب الشهادة على الزنى والرجوع عنها ق ٣٠٥/أ باختصار.
(٢) في المقولة السابقة.

الجزء الثاني عشر
بابُ الشهادة على الزِّنَى والرجوع عنها
١ ١٢ _
الشبهةِ الخلافِ، "نهر"(١). واللهُ أعلمُ.
مَن زنى بامرأةٍ إذا كانَ فيهِ شروطُ الإِحصانِ الَّتي منها دخولُهُ بامرأةٍ محصنةٍ مثلِهِ، وأمَّا المرأةُ المزنيُّ
بها فلا يشترَطُ لرجِمِهِ أنْ تكونَ محصنةً، بل إحصانُها شرطٌ لرجِمِها هي، فإنْ كانَت محصنةً مثلَهُ
رُجِمَت معهُ وإلَّ جُلِدَت، وهذا ظاهرٌ نَّهنا عليهِ عندَ الإحصانِ أيضاً، فافهم.
والحاصلُ: أنَّ الزَّانبينِ إِمَّا محصناتِ فيرجمانِ أو غيرُ محصنينٍ فيجلدانٍ، أو مختلفانٍ فيرجَمُ
المحصنُ ويجلَدُ غیرُهُ.
[١٨٦٢٨] (قولُهُ: لشبهةِ الخلافِ) أي: خلافِ العلماءِ والأخبارِ في صحَّتِهِ، فلم تكنْ صحَّتُهُ
قطعيَّةً، وهذه المسألةُ نقَلَها في "البحر"(٢) عن "المحيط" كذلكَ، فُيُحَتَمَلُ أنْ يكونَ إسنادُها إلى "أبي
يوسف" لكونِهِ هو الَّذي خرَّجَها، لا لكونِ غيرِهِ قائلاً بخلافِهِ، ويحتمَلُ أنْ يكونَ فيها خلافُهما،
والأوَّلُ أظهرُ لعدمٍ ذكرِ المخالفِ، تأمَّل، واللهُ سبحانَه أعلمُ.
(١) "النهر": كتاب الحدود - باب الشهادة على الزنى والرجوع عنها ق ٣٠٥/أ بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الحدود - باب الشهادة على الزنى والرجوع عنها ٢٧/٥.

حاشية ابن عابدين
١٢٢
بابُ حدِّ الشَّرب
﴿بابُ حدِّ الشُّرب﴾.
المحرَّمِ (ُيُحَدُّ مسلمٌ) فلوِ ارتدَّ فسَكِرَ فأسلمَ لا يُحَدُّ؛ لأَنَّه لا يُقامُ على الكفّارِ،
"ظهيرِيَّة"(١). لكنْ في "منيةِ المفتي": ((سَكِرَ الذِّميُّ مِنَ الحرامِ (٢) حُدَّ في الأصحِّ؛ ........
﴿بابُ حدِّ الشُّرب﴾
أَخَّرَهُ عن الرِّنى، لأنَّ الزِّنى أقبحُ منهُ وأغلظُ عقوبةً، وقدَّمَهُ على حدِّ القذفِ لتيقُّنِ
الحرمة(٣) في الشَّاربِ دونَ القاذفِ لاحتمالِ صدقِهِ، وتأخيرُ حدِّ السَّرقةِ؛ لأَنَّهُ لصيانةِ الأموالِ
الَّابعةِ لُُّوسِ، "بحر "(٤).
[١٨٦٢٩] (قولُهُ: فلو ارتدَّ فَسَكِرَ إلخ) أقولُ: ذكرَ في "الدُّر المنتقى)"(٥): ((أنَّ المرتدَّ لا يُحَدُّ
للشُّربِ سواءٌ شربَ قبلَ ردَّتِهِ أو فيها فأسلمَ)) اهـ. ومثلُهُ في "كافي الحاكم"، وسيذكرُ(٦) "الشَّارح" في
حدِّ القذفِ عن "السِّرَاجِيَّة": ((لو اعتقدَ [٤/ق١٥٨ /ب] الذِّمِّيُّ حرمةَ الخمرِ فهو كالمسلمِ))، أي: فُحَدُّ.
[١٨٦٣٠] (قولُهُ: لأَنَّهُ لا يُقامُ على الكفارِ) يعني أنّهُ لَّا شربَ في ردَّتِهِ لم يكنْ أهلاً لقيامٍ حدّ
الشُّربِ عليهِ؛ لأَنَّهُ لا يُقامُ على الكفارِ، وإذا كانَ وقتَ الشُّربِ غيرَ موجِبٍ للحدِّ لا يحدُّ بعدَ
الإسلامِ، بخلاف ما إذا زنى أو سَرَقَ ثَمَّ أسلمَ فإنَّهُ يحدُّ لهُ لوجوبِهِ قبلَهُ كما يفيدُهُ ما في "البحر)"(٧)
عن "الظَّهِيرِيَّة"(٨)، فافهم.
(١٨٦٣١] (قولُهُ: حُدَّ في الأَصحِّ) أَقتى بهِ"الحسن"، واستحسنَهُ بعضُ المشايخِ، والمذهبُ: أَنَّهُ إذا
(١) "الظهيرية": كتاب الحدود - الفصل الخامس في أحكام الشرب والسكارى ق ١٥٣/ب.
(٢) في "و": ((المحرم)).
(٣) في النسخ جيمعها: ((الجريمة))، وما أثبتناه من عبارة "البحر".
(٤) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٧/٥.
(٥) "الدر المنتقى": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٦٠٢/١ بتصرف (هامش "مجمع الأنهر").
(٦) صـ ١٨٧ - "در".
(٧) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٨/٥.
(٨) "الظهيرية": كتاب الحدود - الفصل الخامس في أحكام الشرب والسكارى ق ١٥٣/ب بتصرف.

الجزء الثاني عشر
١٢٣
بابُ حدِّ الشّرب
لحرمةِ السُّكرِ في كلِّ مَلَّةٍ (ناطقٌ)
شربَ الخمرَ وسكرَ منهُ أَنَّهُ لا يُحَدُّ كما في "الَنَّهرِ"(١) عن "فتاوى قارئ الهداية"(٢)، ومشَى في
"المنظومة المحبَّة"(٣) على الأوَّلِ كما ذكرَهُ "الشَّارح" في "الدُّر المنتقى" (٤).
قلت: وعبارةُ "الحاكم" في "الكافي" مِن الأشربةِ: ((ولا حدَّ على الذِّمِّيِّ في الشَّرابِ)) اهـ.
ولم يَحكِ فيهِ خِلافً، وهو بإطلاقِهِ يشملُ ما لو سكرَ منهُ.
[١٨٦٣٢] (قولُهُ: لحرمةِ السُّكرِ في كلِّ مَّةٍ) هذا ذكرَهُ "قارئ الهدايةِ"(٥).
قلت: ولي فيهِ نظرٌ فإنَّ الخمرَ لم تكنْ محرَّمةً في صدرِ الإسلامِ، وقد كانَ الصَّحابةُ
يشربونَها، وربَّما سَكِرُوا منها كما جاءً صريحاً، فمن ذلكَ ما في "الفتح"(٦) عن "التّرمذي"(٧)
(١) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ق ٣٠٥/ب.
(٢) "فتاوى قارئ الهداية": مسألةٌ: الذمِّي إذا سكر هل يحدُّ أو لا؟ صـ ١٠٤ -.
(٣) "المنظومة المحبية": من كتاب الأيمان صـ ٢٦ -.
(٤) "الدر المنتقى": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ١٠٦/١ بتصرف (هامش "مجمع الأنهر").
(٥) "فتاوى قارئ الهداية" مسألة: الذمِّي إذا سكر هل يحدُّ أو لا؟ ص١٠٤ -.
(٦) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٨٦/٥.
(٧) أخرجه الترمذي (٣٠٢٦) في "التفسير" [النساء/٤٣] عن عبدُ بن حُميد في "مسنده" (٨٢) "منتخب"، والبزَّار
(٥٩٨) "بحر"، عن أبي جعفر (ح) وابن أبي حاتم (٥٣٥٢) في "التفسير"، وأبو دواد (٣٦٧١) في الأشربة -
باب تحريم الخمر، والنسائي كما في "التحفة" (١٠١٧٥)، وابن جرير الطبري في "التفسير" (٩٥٢٦) [النساء/٤٣]،
وصححه الحاكم في "المستدرك" ٣٠٧/٢ في "التفسير" عن سفيان الثوريِّ، وعزاه في "الدر المنثور" إلى النسائي
وابن المنذر والنخَّاس كلاهما (سفيان الثوري وأبو جعفر) عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السُّلَميِّ عن
علي ... فذكره بألفاظ متقاربة، ورواية ابن جَرير أنَّ عبد الرحمن بن عوف هو الإمام، وفي رواية الحاكم: أنَّهم
قدَّموا رجلاً فصلى بهم، قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وسفيانُ ثَمَن سمعَ من عطاء قديمَ حديثه قبلَ
اختلاطه، لكن أخرجَ ابن جرير عن حَمَّاد عن عطاء عن أبي عبد الرحمن أنَّ عبد الرحمن صنعَ طعاماً. ولعلَّ هذا
لأنَّ حماداً روى عن عطاء بعدَ اختلاطه.
قال البزَّار: وهذا الحديثُ لا نعلمُه يُروى عن عليّ متصلَ الإسناد إلا من حديث عطاء بن السائب عن أبي
عبد الرحمن اهـ.
قال المنذريُّ في "مختصر أبي دواد" ٢٥٩/٥: وراوه سفيان بن عيينة وإبراهيم بن طَهمان ودواد بن الزِّبرقان عن
عطاء بن السائب فأرسلوه.

حاشية ابن عابدين
١٢٤
بابُ حدِّ الشُّرُب
31
فلا يُحَدُّ أخرسُ للشُّبهةِ (مكلّفٌ) طائعٌ غيرُ مضطرً.
عن عليّ ◌َّهُ: ((صنعَ لنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ طعاماً فدعانا وسقانا مِن الخمرِ فأخذَت الخمرُ منَّا،
وحضرَتِ الصَّلاةُ فقدَّمُوُنِي فقرأتُ: قل(١) يا أَيُّها الكافرونَ لا أَعبدُ ما تعبدونَ، ونحنُ نعبدُ ما
تعبدونَ، قالَ: فأنزلَ الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ الآية
[انّساء -٤٣])) اهـ. فلو كانَ السُّكرُ حراماً لزمَ تفسيقُ الصَّحابةِ، ثمَّ رأيتُ في "تحفة ابن حجر"(٢)
قالَ: ((وشربَها المسلمونَ أوَّلَ الإِسلامِ قيلَ: استصحابً لِما كانَ قبلَ الإسلامِ، والأصحُّ أَنَّهُ بوحىٍ،
ثُمَّ قبلَ: المباحُ الشُّربُ لا غَبِبَةُ العقلِ ؛ لأَنَّهُ حرامٌ في كلِّ مَّةٍ، وزيَّفَهُ "المصنّف" - يعني: "الّوويّ" -
وعليهِ فالمرادُ بقولهم: بحرمتِهِ في كلِّ مَلَّةٍ أَنَّهُ باعتبارِ ما استقرَّ عليهِ أمرُ مَّتِنا)) اهـ. وهذا مؤيِّدٌ لِما
بحنْتُهُ لكنْ في جوابِهِ الأخيرِ نظَرٌ.
[١٨٦٣٣] (قولُهُ: فلا يُحَدُّ أخرسُ) سواءٌ شهدَ الشُّهودُ عليهِ أو أشارَ بإشارتِهِ المعهودةِ، وأفادَ
أنَّ الأعمى يُحَدُّ كما في "البحر "(٣).
[١٨٦٣٤] (قولُهُ: للشُّهةِ) لأَنَّهُ لو كانَ ناطقاً يحتمَلُ أنْ يخبرَ بما لا يُحَدُّ بِهِ كإكراهٍ أو غصُ
بنعمةٍ، قالَ في "البحر"(٤): ((ولو قالَ المشهودُ عليهِ بشربِ الخمرِ: ظننتُها لبناً أو: لا أعلمُ أَنَّها خمرٌ
لم يُقْبِلْ، وإِنْ قالَ: ظننتُها نبيذً قُبُلَ؛ لأَنَّهُ(٥) بعدَ الغَليانِ والشّدَّةِ يُشارِكُ الخمرَ في الذَّوقِ والرَّائحةِ)).
[١٨٦٣٥) (قولُهُ: طائعٌ) مكرَّرٌ معَ قولِ المتنِ: (طوعاً))، "ح) (٦).
[١٨٦٣٦ ] (قولُهُ: غيرُ مضطرٍّ) فلو شرِبَ للعطشِ [٤ /ق١٥٩/أ] المهلكِ مقدارَ ما يرويهِ فسكِرَ لم
يُحَدَّ؛ لأَنَّهُ بأمرٍ مباحٍ، وقالوا: لو شربَ مقدارَهُ وزيادةً ولم يسكرْ حُدَّ كما في حالةِ الاختيارِ،
(١) في "الفتح": ((كل))، وهو تحريف.
(٢) "تحفة المحتاج": كتاب الأشربة ١٦٦/٩ (هامش "حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي").
(٣) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٨/٥ نقلاً عن "الخانية".
(٤) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٨/٥ باختصار، نقلاً عن "الخانية".
(٥) أي: غير الخمر، كما في "البحر".
(٦) "ح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ق ٢٥٣/أ.

الجزء الثاني عشر
١٢٥
بابُ حدِّ الشُّرب
(شَرِبَ الخمرَ ولو قطرةً).
"قُهستانيّ"(١)، وبِهِ صرَّحَ "الحاكم" في "الكافي".
مطلبٌ في نَجاسةِ العَرَقِ ووجوبِ الحدِّ بشربِهِ
[١٨٦٣٧] (قولُهُ: شَرِبَ الخمرَ) هي النِّيْئُ مِن ماءِ العنبِ إذا غلا واشتدَّ وقذَفَ بالزَّدِ، فإنْ
لم يقذفْ فليسَ بخمرٍ عندَ "الإِمامِ"، خلافاً لهما، وبقولِهما أخذً أبو حفصِ الكبيرُ"، "خانَّة"(٢)،
ولو خُلِطَ بِالماءِ فإنْ كانَ مغلوباً حُدَّ، وإنْ كانَ الماءُ غالباً لايُحَدُّ إلاّ إذا سكِرَ، "نهر "(٣)، وفي أشربةِ
"القُهِستانيِّ (٤): ((مَن قالَ: إنَّها لم تبقَ حمراً بالطَّبخِ لم يُحُدَّ شاربَها إلاّ إذا سَكِرَ، وعلى هذا ينبغي
أنْ لا يُحَدَّ شاربُ العَرَقِ ما لم يَسْكَرْ، ومَن قالَ: إِنَّها بقيَت خمراً فالحكمُ عندَهُ بالعكسِ، وِإليهِ
١٦٢/٣ ذهَبَ "الإِمامُ السَّرخسيُّ"(٥)، وعليهِ الفتوى كما في "تتمَّةِ الفتاوى")) اهـ.
قلت: عُلِمَ بهذا أنَّ المعتمدَ المفتى بهِ أنَّ العَرَقَ لم يخرجْ بالطَّخِ والتَّصعيدِ عن كونِهِ خمراً،
فيحدُّ بشربِ قطرةٍ منهُ وإنْ لم يَسْكَرْ، وأمَّا إذا سكِرَ منهُ فلا شبهةَ في وجوبِ الحدِّ بهِ، وقد صرَّحَ
في "منية المصلِّي)(٦) بنجاستِهِ أيضاً، فلا يغرَّنَّكَ ما أشاعَهُ في زماننا بعضُ الفسقةِ المولَعينَ بشرِهِ مِن
أَنَّهُ طاهرٌ حلالٌ، كأنَّهُ قَلَهُ قياساً على ما قالوهُ في ماءِ الطَّابقِ، أي: الغطا مِن زجاجٍ ونحوِهٍ، فإنَّهُ
قياسٌ فاسدٌ؛ لأنَّ ذاكَ فيما لو أُحرِقَت نجاسةٌ في بيتٍ، فأصابَ ماءُ الطَّابِقِ ثوبَ إنسانٍ تنجَّسَ
قياساً لا استحساناً، ومثلُهُ حَمَّام فيها نجاساتٌ، فعرِفَ حيطانُها وكُوَّتُها وتقاطرَ، فإنَّ الاستحسان
فيها عدمُ النَّجاسةِ للضَّرورةِ لعدمٍ إمكانِ الَّحرُِّ عنهُ، والقياسُ الَّجاسةُ؛ لانعقادِهِ مِن عينِ النَّحاسةِ،
(١) "جامع الرموز" كتاب الحدود - فصل القذف ٢٩٥/٢.
(٢) "الخانية": كتاب الأشربة - فصل في معرفة الأشربة ٢٢٣/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ق ٣٠٥ / ب.
(٤) "جامع الرموز": ١٨٤/٢ باختصار.
(٥) "مبسوط السرخسي": كتاب الحدود - باب الرجوع عن الشهادات ٩ ١٠٥.
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": الشرط الثاني في الطهارة حتى الأنجاس صـ ١٩٣ -.

حاشية ابن عابدين
١٢٦
بابُ حدِّ الشُّرب
بلا قيدِ سُكْرٍ (أو سَكِرَ من نبيذٍ) ما، به يُفتى (طوعاً) عالمًا بالحرمةِ حقيقةً، أو حكماً ....
ولا شكَّ أنَّ العرقَ المستقطرَ مِن الخمرِ هو عينُ الخمرِ، تتصاعدُ مع الدُّخانِ وتقطرُ مِن الطَّابقِ
بحيثُ لا يبقى منها إلاَّ أجزاؤُها الْتُرابيّةُ، ولذا يفعلُ القليلُ منهُ في الإسكارِ أضعافَ ما يفعلُهُ كثيرٌ
الخمرِ، بخلافِ المتصاعدِ مِن أرضِ الحمَّامِ ونحوِهِ، فإنّهُ ماءٌ أصلُهُ طاهرٌ خالطَ نجاسةً مع احتمالِ أنَّ
المتصاعدَ نفسُ الماءِ الطَّاهرِ، ويمكنُ أنْ يكونَ هذا وجهَ الاستحسانِ في طهارتِهِ، وعلى كلِّ
فلا ضرورةَ إلى استعمالِ العَرَقِ الصَّاعدِ مِن نفسِ الخمرِ النّجسةِ العينِ، ولا يطهرُ بذلكَ، وإلاّ لزمَ
طهارةُ البولِ ونحوِهِ إذا اسْتُقْطِرَ في إناءٍ، ولا يقولُ بهِ عاقلٌ، وقد طُلِبَ مَنِّي أنْ أعملَ بذلكَ رسالةً،
وفيما ذكرناهُ كفايةٌ.
[١٨٦٣٨] (قولُهُ: بلا قيدِ سُكْرٍ) تصريحٌ بما أفادَهُ قولُهُ: ((ولو قطرةً)) إشارةً إلى أنَّ هذا هو
المقصودُ مِن [٤/ق١٥٩ /ب] المبالغةِ للتّفرقةِ بينَ الخمرِ وغيرِها مِن باقي الأشربةِ، وإلاَّ فلا يُحَدُّ بالقطرةِ
الواحدةِ؛ لأنَّ الشَّرطَ قيامُ الرَّائحةِ، ومَن شربَ قطرةَ خمرٍ لا يوجدُ منهُ رائحتُها عادةً، نعم يمكنُ
الحدُّ بها على قولِ "محمَّد" الآتي(١): مِن أَنَّهُ لو أقرَّ بالشُّربِ لا يشترطُ قيامُ الرَّائحةِ، بخلافِ ما إذا
ثبتَ ذلكَ بالشَّهادةِ، هذا ما ظهرَ لي، ولم أرَ مَن تعرَّضَ لهُ، فتأمَّل.
[١٨٦٣٩] (قولُهُ: أو سَكِرَ مِن نبيذٍ ما) أي: مِن أيِّ شرابٍ كانَ غيرِ الخمرِ إذا شربَهُ لا يُحَدُّ
بهِ إلَّ إذا سكرَ بِهِ، وعَبَّرَ بـ(ما)) المفيدةِ للتَّعميمِ إشارةً إلى خلافِ "الزيلعيِّ" (٢) حيثُ خصَّهُ
بالأنبذةِ الأربعةِ المحرمةِ بناءً على قولِهما، وعندَ "محمَّد": ما أسكرَ كثيرُهُ فقلُيُلُهُ حرامٌ، وهو نجسرٌ
أيضاً، قالوا: وبقولِ "محمَّد" نأخذُ، وفي طلاقِ "البزَّازِيَّةِ"(٣): ((لو سَكِرَ مِن الأشربةِ المتّخذةِ مِن
الحبوبِ والعسلِ المختارُ في زمانِنا لزومُ الحدِّ)). اهـ "نهر "(٤).
(١) المقولة [١٨٦٥٦] قوله: ((لاحتمال التقادم)).
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الأشربة ٤٤/٦.
(٣) "البزازية" ١٧١/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ق ٣٠٥/أ.

الجزء الثاني عشر
١٢٧
بابُ حدِّ الشُّرب
قلت: وما ذكرَهُ "الزَّيلعيُّ" تَبعَ فيهِ صاحبَ "الهداية"(١)، لكنَّهُ في "الهداية" مِن الأشربةِ ذكرَ
تصحيحَ قولِ "محمَّد"، فعُلِمَ أنَّ ما مشَى عليهِ هنا غيرُ المختارِ كما في "الفتح"(٢)، وقد حقَّقَ في
. "الفتح"(٣) قولَ "محمَّد": ((أنَّ ما أسكرَ كثيرُهُ حرُمَ قليلُهُ، وَأَنَّهُ لا يلزمُ مِن حرمةِ قليلِهِ أَنَّهُ يحدُّ بِهِ
بلا إسكارٍ كالخمرِ، خلافاً للأئمَّةِ الَّلاثةِ، وأنَّ استدلالَهم على الحدِّ بقليلِهِ بحديثِ "مسلمٍ" -: ((كلُّ
مُسْكِرٍ خَمٌ)(٤)، وبقولِ "عمر" في "البخاريِّ(٥)": ((الخمرُ ما خامرَ العقلَ)) وغيرِ ذلكَ - لا يدلُّ
(١) "الهداية": باب حدِّ الشرب ١١١/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٨١/٥ - ٨٢.
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٨٠/٥ - ٨١ باختصار.
(٤) أخرجه مسلم (٢٠٠٣) في الأشربة - باب بيان أنَّ كلَّ مُسكرٍ خمرٌ وكلَّ خمرٍ حرامٌ، وأحمد ١٦/٢، ٢٩، ٩٨،
١٣٤، ١٣٧، والنسائي ٢٩٦/٨ - ٢٩٧ في الأشربة - باب إثباتِ اسمِ الخمرِ لكلِّ مُسكرٍ من الأشربة.
من طريق عبيد الله وموسى بن عُقبة وأيوب ومحمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر عن النَّبِيِّ :﴿ قال: ((كلُّ
مُسكرٍ حرامٌ وكلُّ مُسكرٍ خمرٌ)).
وأخرجه أحمد ١٦/٢، والترمذي (١٨٦٤) في الأشربة - بابُ ماجاءَ كلُّ مُسكرٍ حرامٌ، والنسائي ٣٢٤/٨، وابن
ماجه (٣٣٩٠) في الأشربة - باب كلُّ مُسكرٍ حرامٌ، وغيرهم عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن ابن
عمرَ، قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ.
وأخرجه ابن ماجه (٣٣٨٧)، والنسائي ٣٢٤/٨عن سالم عن ابن عمرَ.
وكذلك رُوي عن أبي سلمة عن أبي هريرةَ وعائشةَ.
(٥) أخرجه البخاري (٥٥٨٨) و (٥٥٨٩) في الأشربة - بابُ ما جاءَ في أنَّ الخمرَ ما خامرَ العقلَ من الشَّراب،
ومسلم (٣٠٣٢) في التفسير - باب في نزول تحريم الخمر، وأبو داود (٣٦٦٩) في الأشربة - باب في تحريم الخمرِ،
والترمذي (١٨٧٤) في الأشربة - بابُ ما جاءَ في الحبوب الَّتِي يُنَّخذُ منها الخمرُ، والنسائي ٢٩٥/٨ في الأشربة -
بابُ ذكر أنواعِ الأشياءِ التي كانت منها الخمرُ حين نزلَ تحريُها، كلُّهم من طريق أبي حسان وزكريا بن أبي
زائدة وابن أبي السَّفْر ومحمد بن قيس جميعاً عن الشعبيِّ عن ابن عمرَ قال: خطب عمرُ على منبر رسول الله صَلّ فحمد
الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أمَّا بعدُ: أَلا وإنَّ الخمرَ نزلَ تحريُها يومَ نزلَ وهي من خمسةِ أشياءً : من الحِنطة
والشَّعير والتّمر والزَّبِيبِ والعَسلِ ، والخمرُ ما خامرَ العقلَ ... )).

حاشية ابن عابدين
١٢٨
بابُ حدِّ الشُّرب
بكونِهِ في دارِنا؛ لما قالوا: لو دَخَلَ حربيٌّ دارَنا فأسلمَ فشَرِبَ الخمرَ جاهلاً بالحرمةِ لا يُحَدُّ،
بخلافِ الزِّنى؛ لحرمتِهِ في كلِّ مَلَّةٍ، قلتُ: يرِدُ عليهِ حرمةُ السُّكرِ أيضاً في كلِّ مَلَّةٍ، فتأمَّل ....
على ذلكَ؛ لأَنَّهُ محمولٌ على النَّشبيهِ البليغِ كـ: زيدٌ أسدٌ، والمرادُ بهِ ثبوتُ الحرمةِ، ولا يلزمُ منهُ ثبوتُ
الحدِّ بلا إسكارٍ، وكونُ التَّشبيهِ خلافَ الأصلِ أوجبَ المصيرَ إليهِ قيامُ الدَّليلِ عليهِ لغةً وشرعاً،
ولا دليلَ لهم على ثبوتِ الحدِّ بقليلِهِ سوى القياسِ، ولا يثبتُ الحدُّ بهِ، نَعَمْ الثَّابتُ الحدُّ بالسُّكر
منه)). وقد أطالَ في ذلكَ إطالةً حسنةً، فجزاه الله خيراً، ويأتي(١) حكمُ البِنْجِ والأَفيونِ والحشيشِ.
[١٨٦٤٠) (قولُهُ: بكونهِ في دارِنا) أي: ناشئاً فيها.
[٤١ ١٨٦] (قولُهُ: لِمَا قَالُوا إلخ) تعليلٌ لتفسيرِ العِلمِ الحكميِّ: ((يكونِهِ في دارِنا)) لكنْ بالمعنى
الَّذي ذكرناهُ لا بمجرَّدِ الكونِ في دارِنا، وإلَّ لم يوافقِ الَّعليلُ المعَلَّلَ، ويوضِّحُ المقامَ ما في الكافي"
"الحاكم الشَّهيد" مِن الأشربةِ حيثُ قالَ: ((وإذا أسلمَ الحربيُّ وجاءَ إلى دارِ الإسلامِ ثمَّ شربَ الخمرَ
قبلَ أنْ يعلمَ أَنَّها محرمةٌ عليهِ لم يُحَدَّ، وإِنْ زنى أو سرقَ أُخِذَ بالحدِّ، ولم يُعذَرْ بقولِهِ: لم أعلمُ)،
[٤ /ق١٦٠/أ) وأمَّا المولودُ بدارِ الإسلامِ إذا شرِبَ الخمرَ وهو بالغٌ فعليهِ الحدُّ، ولا يصدَّقُ أَنَّهُ لم يعلمْ)).
١
[١٨٦٤٢) (قولُهُ: قلتُ: يُرِدُ عليهِ إلخ) أي: على ما يُفهمُ مِن قولهم: ((لحرمتِهِ)) أي: الزِّنِى في
كلِّ مَّةٍ حيثُ جعلوهُ وجهَ الفرقِ بينَ الشُّربِ والزِّنِى، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ منهُ أنَّ الشُّربَ لا يَحْرُمُ في كلِّ
مَّةٍ مع أنَّهُ منافٍ لِما مرَّ(٢) مِن حرمتِهِ كذلكَ، ودُفِعَ بأنَّ المحرَّمَ في كلِّ مَّةٍ هو السُّكْرُ لا نفسُ
الشُّربِ، والمرادُ التَّفرقةُ بينَ الشُّربِ والزِّنِى.
قلت: وفيهِ نظرٌ فإنَّ قولَهم: ((فشرِبَ الخمرَ جاهلاً بالحرمةِ لا يُحَدُّ)) أعمُّ مِن أنْ يكونَ
سكِرَ مِن هذا الشُّربِ أَوْ لا، بل المتبادِرُ السُّكْرُ، ولو كانَ المرادُ الشُّربَ بلا سُكْرٍ لكانَ الواجبُ
تقييدَهُ، أو كانَ يقالُ: فشربَ قطرةً، نعم قد يُدفَعُ أصلُ الإيرادِ بمنعِ حرمةِ السُّكْرِ في كلِّ ملَّةٍ،
(١) صـ١٣٧ -١٣٨ "در".
(٢) صـ ١٢٣ - "در".

الجزء الثاني عشر
١٢٩
بابُ حدِّ الشُّرب
(بعدَ الإِفاقةِ) فلو حُدَّ قبلَها فظاهرُهُ أَنَّه يُعادُ، "عينى"(١).
لِما قدَّمناهُ(٢)، فافهم.
(تتمَّةٌ)
لو شرِبَ الحلالُ ثُمَّ دخلَ الحرمَ حُدَّ، لكنْ لو التجأَ إلى الحرمِ لم يُحَدَّ؛ لأَنَّهُ قد عظَّمَهُ بخلاف ما إذا
شربَ في الحرمِ؛ لأَنُّ قد استخفَّهُ، "فُهِسَانِيّ (٣) عن "العماديّ"، ويأتي (٤) أَنَّهُ لو شربَ في دارِ الحربِ
لا يُحَدُّ، فَعُلِمَ مِن مجموعِ ذلكَ أَنَّهُ لا يُحَدُّ للشُّربِ عَشَرَةٌ: ذَمِّيٌّ على المذهبِ، ومرتدٌّ وإنْ شربَ قبلَ
ردَّتِهِ وإِنْ أسلمَ بعدَ الشُّرِبِ، وصبيٌّ ومجنونٌ وأخرسُ ومكرَةٌ، ومضطرٌّ لعطشٍ مهلِكٍ، وملتجىٌّ إلى
الحرمِ، وجاهلٌ بالحرمةِ حقيقةً وحكماً، ومن شربَ في غيرِ دارِنا، وبِهِ يُعَلَمُ شروطُ الحدِّ هنا.
(١٨٦٤٣) (قولُهُ: بعدَ الإِفاقةِ) أي: الصَّحوِ مِن السُّكْرِ، وهو متعلّقٌ بقولِهِ: (يُحَدُّ مسلمٌ)).
(١٨٦٤٤) (قولُهُ: فظاهرُهُ أَنَّهُ يُعادُ) حزَمَ بهِ في "البحر "(٥)، قالَ في "الشُّرُ نِبِلالَةً"(٦): ((وفيه
تأمُّلٌ)) اهـ. وبيَّنَ وجهَهُ فيما نقلَ عنهُ بأنَّ الألمَ حاصلٌ وإنْ لم يكنْ كاملاً ويصدُقُ عليهِ أَنَّهُ حُدَّ
١٦٣/٣
﴿بابُ حدِّ الشُّرب﴾
(قولُ "الشَّارِحِ": فلو حُدَّ قبلَها فظاهرُهُ أَنَّه يُعَادُ، "عيني") الاستظهارُ لصاحبِ "النهرِ"، وأصلُهُ
لـ:"البحرِ"، ولفظُ "النّهرِ" مع "الكنزِ": وصَحًا من سُكْرِهِ، هذا الشَّرطُ لوجوبِ الحدِّ ليفيدَ الضَّربُ
فائدتَه، قاَلَه "العينيُّ"، وهو ظاهرٌ في أَنَّه لو حُدَّ في حالِ سُكرِهِ لا يُكْنَفَى به لعدمٍ فائدتِه، فالعينِيُّ
لم يذكر إلا التَّعليلَ لتأخيرِ الحدِّ بعدَ الإفاقةِ. اهـ "سندي".
(١) "رمز الحقائق": كتاب في بيان أحكام الحدود - باب في بيان أحكام حدِّ الشرب ٢٨٧/١ بتصرف.
(٢) المقولة [١٨٦٣٢] قوله: ((لحرمةِ السُّكْر في كلِّ مِلَّة)).
(٣) "جامع الرموز": كتاب الحدود - فصل القذف ٢٩٦/٢.
(٤) ص ١٣٢ - "در".
(٥) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٩/٥.
(٦) "الشر نبلالية": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٧٠/٢ (هامش "الدرر والغرر").

حاشية ابن عابدين
١٣٠
بابُ حدِّ الشُّرب
(إذا أُخِذَ) الشَّارِبُ (وريحُ ما شَرِبَ) مِن خَمرِ أو نبيذٍ، "فتح"(١). فمَن قصَرَ الرَّائحةَ
على الخمر فقد قَصَّرَ (موجودةٌ) خبرُ الرِّيحِ،
فلا يُعادُ بعدَ صحوِهِ. اهـ.
قلتُ: وفيهِ نظرٌ لِما في "الفتح"(٢): ((ولا يُحَدُّ السَّكرانُ حَتَّى يزولَ عنهُ السُّكْرُ تحصيلاً لمقصودٍ
الانزجارِ، وهذا بإجماعِ الأئمَّةِ الأربعةِ ، لأنَّ غيبوبةَ العقلِ أو غلبةَ الطَّربِ تخفّفُ الألم))، ثمَّ ذكرَ (٢)
حكايةً حاصلُها: أنَّ سكرانَ(٣) وضعَ على ركبتِهِ جمرةً حَتَّى طُفِئَت وهو لا يلتفتُ إليها حتّى أفاقَ
فوجدَ الألمَ، قالَ(٤): ((وإذا كانَ كذلكَ فلا يفيدُ الحدُّ فائدتَهُ إلَّ حالَ الصَّحوِ، وتأخيرُ الحدِّ لعذرٍ
جائزٌ)) اهـ. وحينئذٍ فلا يلزمُ مِن أنَّ الإِمامَ لو أخطأَ فحدّهُ قبلَ صحوِهِ أنْ يسقطَ الواجبُ عليهِ مِن
إقامةِ الحدِّ بعدَ الصَّحوِ، ولا يُرِدُ [٤/ق١٦٢/ب] أَنَّهُ لو قُطِعَ يسارُ السَّارِقِ لا تُقْطَعُ بِينُهُ أيضاً للغرقِ
الواضحِ، فإنَّ الانزجارَ حاصلٌ باليسارِ أيضاً وإنْ كانَ الواجبُ قطعَ اليمينِ، ولأَنَّهُ لو قُطِعَت اليمينُ أيضاً
يلزمُ تفويتُ المنفعةِ مِن كلِّ وجهٍ وذلكَ إهلاكٌ، ولذا لا يُقطَعُ لو كانَت يسراهُ مقطوعةً أو إبهامُها.
[١٨٦٤٥] (قولُهُ: إذا أُخِذَ الشَّاربُ) شرطٌ تقدَّمَ دليلُ جوابِهِ، وهو قولُهُ: (يُحَدُّ مسلمٌ إلخ))
وضميرُ(أخذَ)) يعودُ عليهِ، وهو المرادُ بالشَّاربِ، والمرادُ أخذُهُ إلى الحاكمِ.
[٤٦ ١٨٦) (قولُهُ: وريحُ ما شَرِبَ إلخ) قالَ في "الفتح"(٥): ((فالشَّهادةُ بكلٌّ منهما - أي: مِن
شربِ الخمرِ والسُّكرِ مِن غيرِهِ - مقيّدةٌ بوجودِ الرَّائحةِ، فلا بدَّ مع شهادتِهما بالشُّربِ أنْ يثبتَ
عندَ الحاكمِ أنَّ الرِّيحَ قائمٌ حالَ الشَّهادةِ، وهو بأنْ يشهدا بهِ وبالشُّربِ، أو يشهدا بهِ(٦) فقط،
فيأمرَ القاضي باستنكاهِهِ فُيُستَنْكَهَ(٧)، ويُخْبُرَ بأنَّ رِيحَها موجودٌ)) اهـ.
(١) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٧٦/٥ بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٨٣/٥.
(٣) في "م": ((السكران))، وهو خطأ.
(٤) أي: صاحب "الفتح".
(٥) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٧٦/٥ بتصرف يسير.
(٦) أي: بالشُّرب، كما في "الفتح".
(٧) اسْتَنْكَهَهُ: شَمَّ رِيحَ فمِهِ، "القاموس" مادة ((نكه)).

الجزء الثاني عشر
١٣١
بابُ حدِّ الشُّرب
وهو مؤنَّثٌ سماعيٌّ، "غاية". (إلا أن تنقطعَ) الرَّائحةُ (لُبُعدِ المسافةِ) وحينئذٍ فلا بُدَّ
أنْ يشهدا بالشُّربِ طائعاً ويقولا: أخذناه وريحُها موجودةٌ (ولا يثبتُ) الشُّربُ
(بها) بالرَّائحةِ (ولا بتقايُئِها، بل بشهادةٍ.
[١٨٦٤٧] (قولُهُ: وهو مؤنَّثٌ سماعيٌّ) الأولى: ((وهي)) لعودِهِ إلى ((الرِّيحِ))، ولكنّهُ ذكَّرَ
ضميرَها لتذكيرِ الخبرِ، والمؤنَّثُ السَّماعيُّ: هو ما لم يقترنْ لفظُهُ بعلامةِ تأنيثٍ، ولكنَّهُسمِعَ مؤنَّاً
بالإِسنادِ إنْ كانَ رباعيّاً كـ: هذهِ العقربُ قتلُها، وبهِ أو بالتَّصغيرِ إنْ كانَ ثلاثيّاً كـ: عُبَيْنَةُ فِي
تصغيرِ عَينِ، وهذهِ النَّارُ أضرمتُها، وذلكَ في ألفاظٍ محصورةٍ.
[١٨٦٤٨] (قولُهُ: لِبُعْدِ المسافةِ) أفادَ أنَّ زوالَها لمعالجةِ دواءٍ لا يمنعُ الحدَّ كما في حاشيةِ
"مسكين"(١) معزيًّاً إلى "المحيط "(٢).
[١٨٦٤٩) (قولُهُ: ولا يَثْبُتُ الشُّربُ بها) لأَنّها قد تكونُ مِن غيرِهِ كما قيلَ: [طويل]
يقولونَ لي: إِنْكَهْ شربتَ مُدَامَةً فقلتُ لهِمْ: لا بل أكلتُ السَّفَرِ جَالاً(٣)
وانْكَه بوزنِ امْنعَ، ونَكَهَ مِن بابِهِ، أي: أَظهِرْ رائحةً فمِكَ، "فتح "(٤).
[١٨٦٥٠) (قولُهُ: بِالرَّائحةِ) بدلٌ مِن قولِهِ: ((بها)).
[١٨٦٥١] (قولُهُ: ولا بِتَقَائِها) مصدرُ تَقَايَاً، اهـ "ح "(٥)؛ لاحتمالِ أَنَّهُ شربَها مكرَهاً أو
مضطراً، فلا يجبُ الحدُّ بالشَّكِّ، وأشارَ إلى أنَّهُ لو وُجِدَ سكرانَ لا يُحَدُّ مِن غيرِ إقرارٍ ولا بيّةٍ؟
(١) "فتح المعين": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٣٧١/٢ بتصرف، نقلاً عن "الحموي" عن "البرجندي" عن "المحيط".
(٢) "المحيط البرهاني": كتاب الحدود - فصل في بيان حكم الشرب ١/ق ٤٣٧/ب.
(٣) البيت للأُقيشر الأسدي، ديوانه صـ١١٢-، و"الشعر والشعراء": ٥٦١/٢، و"الأغاني": ٢٦٧/١١، وفي النسخ
جميعها: ((قد شربت)). وما أثبتناه من الدِّيوان ومن مصادر التخريج.
(٤) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٧٧/٥.
(٥) "ح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ق ٢٥٣/أ.

حاشية ابن عابدين
١٣٢
بابُ حدِّ الشُّرب
رجلين يسألهُما الإِمامُ عن ماهيَّتِها، وكيفَ شرِبَ؟) لاحتمالِ الإكراهِ (ومتى
شَرِبَ؟) لاحتمالِ التّقادُمِ، (وأينَ شَرِبَ؟) لاحتمالِ شُرِبِهِ في دارِ الحربِ، فإذا بَّنوا
ذلك حَبَسَهَ حتى يسألَ عن عدالتِهم، ولا يَقْضِي بظاهرِها في حدٍّ ما، "خانَّةِ"(١) ..
الاحتمال ما ذكرنا، أو أَنَّهُ سَكِرَ مِن المباحِ، "بحر"(٢)، لكِنَّهُ يعزَّرُ بمجرَّدِ الرِّيحِ أو السُّكرِ،
كما في "القُهستانيِّ"(٣).
(١٨٦٥٢) (قولُهُ: رجلَينِ) احترازٌ عن رجلٍ وامرأتينِ؛ لأنَّ الحدودَ لا تثبتُ بشهادةِ النِّساءِ
للشُّبهةِ، كما في "البحر "(٤).
[١٨٦٥٣ ] (قولُهُ: يسألُهما الإِمامُ) أشارَ إلى ما في "البحر "(٥) عن "القُنية "(٦) مِن أَنَّهُ ليسَ لقاضي
الرُّسَاقِ أو فقيههِ أو المتفقِّهَةِ أو أيمةِ المساجدِ إقامةُ حدِّ الشُّربِ إلَّ بتوليَةِ الإِمامِ.
[١٨٦٥٤] (قولُهُ: عن ماهَّتِها) لاحتمالِ اعتقادِهم أنَّ باقيَ الأشربةِ [٤/ق١٦١ /أ] خَمْرٌ.
[١٨٦٥٥) (قولُهُ: لاحتمالِ الإكراهِ) لكنْ لو قالَ: أُكرهتُ لا يُقبَلُ؛ لأَنّهم شهدوا عليهِ
بالشُّربِ طائِعً، وإلاَّ لم تقبلْ شهادتُهم، وتمامُهُ في "البحر "(٧).
/١٨٦٥٦] (قولُهُ: لاحتمالِ التَّقادُمِ) هذا مبنيٌ على قولِ "محمَّد": بأنَّ التَّقادمَ مقدَّرٌ بالزَّمانِ
(قولُهُ: لأنَّ الحدودَ لا تَتْبُتُ بشهادةِ النّساءِ للشُّبهةِ إلخ) أي: شبهةِ البدلَّةِ عن الرِّجالِ؛ لقولِهِ
تعالى: ﴿فَإِ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾، فاعتبرَهما عندَ عدمِ الرَّجُلينِ، ولم يُرَدْ به حقيقَتُهُ
بالإجماع؛ لأنهَّما لو شهدتا مع إمكانِ الرَّجُلينِ صحَّ إجماعاً، "فتح".
(١) "الخانية": كتاب الأشربة - فصل في حدِّ الشرب ٢٣١/٣ (هامش "الفتاوى الهندية")
(٢) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٩/٥.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الحدود - فصل القذف ٢٩٦/٢ نقلاً عن "المنية" و"المحيط".
(٤) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٨/٥.
(٥) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٩/٥.
(٦) "القنية": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ق ٦٠/ب.
(٧) انظر "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٨/٥ - ٢٩، نقلاً عن "الخانّة".

الجزء الثاني عشر
١٣٣
بابُ حدِّ الشُّرب
ولوِ اختلفا في الزَّمانِ، أو شَهِدَ أحدُهما بسَكَرٍ منَ الخمرِ، والآخرُ مِن السَّكَّرِ، لم يُحَدَّ، ..
وهو شهرٌ، وإلاَّ فالشَّرطُ عندَهما أنْ يؤخذَ والرِّيحُ موجودةٌ كما مرَّ، أفادَهُ في "البحر"(١)، فالتَّقادمُ
عندَهما مقدرٌ بزوالِ الرَّائحةِ، وهو المعتمدُ كما مرَّ(٢) في البابِ السَّابقِ.
والحاصل: أنَّ النَّقادمَ يمنَعُ قَبَولَ الشَّهادةِ اتفاقاً، وكذا يمنعُ الإقرارَ عندَهما، لا عندَ ا"محمَّد"،
ورجَّحَ في "غاية البيان" قولَهُ، وفي "الفتح"(٣): أَنَّهُ الصَّحيحُ، قالَ في "البحر "(٤): ((والحاصلُ أنَّ
المذهبَ قولُهما إلاَّ أنَّ قولَ "محمَّد" أرجحُ مِن جهةِ المعنى)) اهـ.
[١٨٦٥٧) (قولُهُ: مِن السَّكَرِ) بفتحِ السِّينِ والكافِ، وهو عصيرُ الرُّطبِ إذا اشتدَّ، وقيلَ: كلُّ
شرابٍ أسكرَ، "عناية"(٥).
قلت: وهذا ظاهرٌ على قولِهما: إنَّهُ لا يُحَدُّ بالسُّكْرِ مِن الأشربةِ المباحةِ، وكذا على قولٍ
"محمَّد": إنَّهُ يُحَدُّ؛ لعدمٍ توافقِ الشَّاهدينِ على المشروبِ، كما لو شهدَ اثنانِ أَنَّهُ زنى بفلانةٍ واثنان
أَنَّهُ زنى بفلانةٍ غيرِها، تأمَّل.
(قولُهُ: فالشَّرطُ عندَهما أن يُؤْخَذَ والرِّيحُ موجودةٌ كما مرَّ، أفادَهُ في "البحرِ") قالَ فيه: ((ينبغي أن
يكونَ السُّؤالُ عن الوقتِ مبنيًّ على قولِ "محمَّدٍ"، أمَّا على المذهبِ فلا؛ لأنَّ وجودَ الرَّائحةِ كافٍ)) اهـ. وقد
يُقالُ: إنَّه مبنيٌ على قولِ الكلِّ، أما قولُ "محمَّدٍ" فظاهرٌ، وأمَّا قولُهُما؛ فلأنَّ الرَّائحةَ يُحتمَلُ أنهًّا رائحةُ الخمرِ
التي شهِدا بشربها لعدمِ الَّقادمِ، ويُحتمَلُ أنهًا رائحةُ غيرِها، وأنَّ الخمرَ المشهودَ بشربها زالت رائحتُها
بالتّقادمِ، وعلى النَّقديرِ الأوَّلِ يُحَدُّ، وعلى الثّاني لا، فلا يُحَدُّ بالشَّكِّ.
(١) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٩/٥.
(٢) المقولة [١٨٥٧١] قوله: ((هو الأصح)).
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٧٨/٥.
(٤) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٩/٥.
(٥) "العناية": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٨٤/٥ - ٨٥ بتصرف يسير (هامش "فتح القدير").

حاشية ابن عابدين
١٣٤
بابُ حدِّ الشُّرب
"ظهيرِيَّة"(١). (أو) يَتْبُتُ (بإقرارِهِ مرَّةً صاحياً ثمَانينَ سَوطاً) متعلِّقٌ بـ: ((يُحَدُّ))،
(للحرِّ ونصفَها للعبدِ، وفُرِّقَ على بدنِهِ كحدٌ الزِّنى) كما مرَّ(٢) ..
[١٨٦٥٨] (قولُهُ: "ظهيريَّةٌ") ومثلُهُ في "كافي الحاكم".
[١٨٦٥٩) (قولُهُ: أو بإقرارِهِ) عطفٌ على قولِهِ: ((بشهادةِ رجلينٍ))، وقدَّرَ "الشَّارحُ
((َثْبُتُ)) لطولِ الفصلِ، قالَ في "البحر"(٣): ((وفي حصرِهِ الثبوتَ في البِّنةِ والإقرارِ دليلٌ على أنَّ
مَن يوجدُ في بيتِهِ الخمرُ وهو فاسقٌ، أو يوجدُ القومُ مجتمعينَ عليها ولم يرَهُم أحدٌ شربُوها لا
يُحَدُّونَ، وإنَّا يُعزَّرُونَ، وكذا الرَّجلُ معهُ رَكْوَةٌ مِن الخمرِ)) اهـ. بل تقدَّمَ (٤) أَنَّهُ لو وُجِدَ سكرانَ
لا يُحَدُّ بلا بَيِّنةٍ أو إقرارٍ بل يعزَّرُ.
(١٨٦٦٠) (قولُهُ: مرَّةً) ردٌّ لقولٍ "أبي يوسف": إنَّهُ لا بدَّ مِن إقرارِهِ مرَتَينٍ، "بحر"(٥)، ولم
يتعرَّضْ لسؤالِ القاضي المُقِرَّ عن الخمرِ ما هي؟ وكيف شربَها؟ وأينَ شربَ؟ وينبغي ذلكَ كما في
الشَّهادةِ، ولكنْ في قولِ "المصنّف": ((وعُلِمَ شربُهُ طوعاً)) إشارةٌ إلى ذلكَ، "شُرُ نبلالَيَّةُ"(٦)، تأمَّل.
(١٨٦٦١) (قولُهُ: متعلّقٌ بـ: يُحَدُّ) أي: تعلُّقاً معنويًّا؛ لأَنَّهُ مفعولٌ مطلقٌ، عامُلُهُ ((يحدُّ)).
[١٨٦٦٢] (قولُهُ: كما مرَّ) فلا يضربِ الرَّأْسَ والوجهَ، ويُضرَبُ بسوطٍ لا ثمرةَ لَّهُ، ويُنزَعُ عنهُ
ثيابُهُ في المشهورِ إلَّ الإِزارَ احترازاً عن كشفِ العورةِ، "بحر "(٧)، وفي "شرح الوهبانيَّة "(٨): ((والمرأةُ
تُحَدُّ في ثيابِها)).
١٦٤/٣
(١) "الظهيرية" كتاب الحدود - الفصل الخامس في أحكام الشرب والسكارى ق ١٥٣/ب.
(٢) صـ٤٣ - "در".
(٣) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٨/٥ بتصرف يسير.
(٤) المقولة [١٨٦٥١] قوله: ((ولا بتقايئها)).
(٥) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٨/٥.
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٧٠/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٧) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٣١/٥ بتصرف.
(٨) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الحدود ق ١٢٤/ب.

الجزء الثاني عشر
١٣٥
بابُ حدِّ الشُّرب
(فلو أقرَّ سكرانَ، أو شهدوا بعدَ زوال ريحِها) لا لُبُعْدِ مسافةٍ (أو أقرَّ كذلكَ، أو رجعَ عن
إقرارِهِ لا) يُحَدُّ؛ لأَنَّه خالصُ حقِّ اللهِ تعالى، فيعملُ الرُّجوعُ فيه، ثمَّ ثبوتُه بإجماعِ
الصَّحابةِ، ولا إجماعَ إلا برأيٍ "عمر" و"ابنِ مسعودٍ"﴿ أجمعينَ، وهما شَرَطا قيامَ الرَّائحةِ.
(١٨٦٦٣) (قولُهُ: فلو أقرَّ سكرانَ) أي: أقرَّ على نفسِهِ بالحدودِ الخالصةِ حقّا للهِ تعالى، كحدٍّ
الرِّنى والشُّربِ والسَّرقةِ لا يُحَدُّ، إلاَّ أنَّهُ يضمنُ المسروقَ، بخلافِ حدِّ القذفِ؛ لأنَّ فيهِ حقَّ العبدِ،
والسكرانُ [٤/ق ١٦١/ب] كالصَّاحي فيما فيهِ حقوقُ العبادِ عقوبةً لَهُ؛ لأَنَّهُ أدخلَ الآفةَ على نفسِهِ،
فإذا أقرَّ بالقذفِ سكرانُ حُبُسَ حتَّى يصحوَ فيحدُّ للقذفِ، ثُمَّ يُحْبَسُ حَتَّى يخفَّ عنهُ الضَّرَبُ
فيحدَّ للسُّكرِ، وينبغي أنْ يقَّدَ حدُّهُ للسُّكرِ بما إذا شهدا(١) عليهِ بهِ، وإلاَّ فبمجرَّدٍ سُكْرِهٍ لا يُحَدُّ
بإقرارِهِ بالسُّكرِ، وكذا يؤاخذُ بالإقرارِ بسببِ القصاصِ وسائرِ الحقوقِ من المالِ والطَّلاقِ والعِتاق
وغيرِها، "فتح"(٢) ملخَّصاً، وقولُهُ: ((عقوبةً لهُ إلخ)) يدلُّ على أَنَّهُ لو سَكِرَ مُكرَهاً أو مضطرًّاً
لا يُؤَاخَذُ بحقوقِ العبادِ أيضاً.
[١٨٦٦٤) (قولُهُ: أو أقرَّ كذلكَ) أي: بعدَ زوالِ رِيحِها، وهذا على قولِهما: إنَّ التَّقادُمَ يُبْطِلُ
الإقرارَ، وأَنَّهُ مقدَّرٌ بزوالِ الرَّائحةِ.
[١٨٦٦٥] (قولُهُ: فيعمَلُ فيهِ الرُّجوعُ) لاحتمالِ صدقِهِ وأَنَّهُ كاذبٌ في إقرارِهِ، وإذا أقرَّ وهو
سكرانُ يزيدُ احتمالُ الكذبِ فُيُدرأُ عنهُ الحدُّ أيضاً.
/ ١٨٦٦٦] (قولُهُ: ثمَّ ثبوتُهُ إلخ) هذا بيانٌ لدليلِهما على اشتراطِ قيامِ الرَّائحةِ وقتَ الإِقرارِ، فعندَ
عدمٍ قيامِها ينتفي الحدُّ لعدمٍ ما يدلُّ عليهِ؛ لأنَّ الإجماعَ لم يَكمُلْ إلَّ بقولِ مَن اشترطَ قِيامَها، لكنْ
قدَّمنا(٢) تصحيحَ قولِ "محمَّد" بعدمِ الاشتراطِ، وبيانُهُ في "الفتح"(٤).
(١) في "آ": ((شهدوا)).
(٢) "الفتح" كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٨٧/٥ - ٨٨.
(٣) المقولة [١٨٦٥٦] قوله: ((لاحتمال التقادم)).
(٤) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٧٧/٥ - ٧٨.

حاشية ابن عابدين
١٣٦
بابُ حدِّ الشُّرب
(والسَّكرانُ مَن لا يفرِّقُ بِينَ) الرَّجُلِ والمرأةِ، و(السَّماءِ والأرضِ، وقالا: مَن يختلطُ
كلامُهُ) غالباً، فلو نصفُه مستقيماً فليسَ بسكرانَ، "بحر "(١). (ويُختارُ للفتوى)(٢) لضَعفٍ
دليلِ "الإمامِ"، "فتح"(٣). (ولوِ ارتدَّ السَّكرانُ) لم يصحّ،.
[١٨٦٦٧) (قولُهُ: والسَّكرانُ إلخ) بيانٌ لحقيقةِ السُّكْرِ الَّذي هو شرطٌ لوجوبِ الحدِّ في شربٍ
ما سوى الخمرِ مِن الأشربةِ، وَلَّا كانَ السُّكْرُ متفاوتاً اشترطَ "الإِمامُ" أقصاهُ دراً للحدِّ، وذلكَ بأنْ
لا يمِّزَ بينَ شيءٍ وشيءٍ؛ لأنَّ ما دونَ ذلكَ لا يَعْرَى عن شبهةِ الصَّحوِ، نعم وافقَهُما "الإِمامُ" في حقِّ
حرمةِ القَدْرِ(٤) المسكرِ مِن الأشربةِ المباحةِ، فاعتبرَ فيها اختلاطَ الكُلامِ، وهذا معنى قولِهِ
في "الهداية "(٥): ((والمعتبرُ في القَدْرِ المسكرِ في حقِّ الحرمةِ ما قالاهُ إجماعاً أخذاً بالاحتياطِ)) اهـ. وذكرَ
في "الفتح "(٦): أَنَّهُ ينبغي أنْ يكونَ قولُهُ كقولِهما أيضاً في السُّكرِ الَّذِي لا يَصِحُّ معهُ الإقرارُ بالحدودِ؛
الأَنَّهُ يكونُ أدراً للحدودِ، وكذا في الَّذي لا تصحُّ معهُ الرِّدَّهُ إذ لو اعتُبرَ فِيهِ أقصاهُ لزمَ أنْ تصحَّ ردّتُهُ
فيما دونَه مع أَنَّهُ يجبُ أنْ يُحتاطَ في عدمٍ تكفيرِ المسلمِ، و "الإِمامُ" إنَّا اعتبرَ أقصى السُّكرِ للاحتياطِ
في درءِ حدِّ السُّكرِ، واعتبارُ الأقصى هنا خلافُ الاحتياطِ، هذا حاصلُ ما في "الفتح".
قلت: لكنْ ينبغي أنْ تصحَّ ردَّتُهُ فيما دونَ الأقصى بالنّسبةِ [٤/ق ١٦٢/أ] إلى فسخ النكاحِ؛
لأنَّ فيهِ حقَّ العبدِ، وفيهِ العملُ بالاحتياطِ أيضاً كما لا يخفى.
/١٨٦٦٨] (قولُهُ: ولو ارتدَّ السَّكرانُ لم يَصِحّ) أي: لم يَصِحَّ ارتدادُهُ، أي: لم يُحكَمْ بهِ،
(١) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٣٠/٥ بتصرف، وذكر فيه: أن قولهما هو ما أفتى به المشايخ، وعزاه
إلى "الخانية"، وأيضاً أنَّه المختارُ للفتوى، وعزاه إلى "فتح القدير".
(٢) في "و": ((ويختار للفتوى قولهما)) بزيادة: ((قولهما)).
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٨٦/٥ بتصرف.
(٤) في "الهداية" و"شروحها": ((القدح)).
(٥) "الهداية": باب حدِّ الشرب ١١١/٢.
(٦) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٨٨/٥ بتصرف.

الجزء الثاني عشر
١٣٧ ٠
بابُ حدِّ الشَّرب
فـ (لا تحرمُ عِرسُه) وهذه إحدى المسائلِ السبعِ المستثناةِ من أنَّه كالصَّاحي كما
بِسَطَهِ "المصنّفُ" (١) معزّاً "للأشباهِ" وغيرِها، ونقلَ (٢) في الأشربةِ عن "الجوهرةِ"(٣)
حرمةَ أكلٍ بِنْجِ وحشيشةٍ وَأَفُونٍ.
قالَ في "الفتح"(٤): ((لأنَّ الكفرَ مِن بابِ الاعتقادِ أو الاستخفافِ، ولا اعتقادَ للسَّكران
ولا استخفافَ؛ لأنَّهما فرعُ قيامِ الإدراكِ، وهذا في حقِّ الحكمِ، أمَّ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى:
فإنْ كانَ في الواقعِ قصدَ أنْ يتكلّمَ بهِ ذاكراً لمعناهُ كَفَرَ، وإلاَّ لا)) اهـ. وقد علمتَ آنفاً
ما المرادُ بالسُّكرِ هنا.
[١٨٦٦٩] (قولُهُ: فلا تحرُمُ عِرْسُهُ) أي: بسببِ الرِّدَّةِ في حالةِ السُّكرِ، أمَّا لو طلّقَها فإنَّهُ يقعُ،
كما يأتي(٥) بيانُهُ.
(١٨٦٧٠] (قولُهُ: وهذهِ إلخ) يعني: أنَّ حكمَ السَّكرانِ مِن محرَّمٍ كالصَّاحي إلاَّ في سبعٍ:
لا تصحُّ رَّتُهُ، ولا إقرارُهُ بالحدودِ الخالصةِ، ولا إشهادُهُ على شهادةِ نفسِهِ، ولا تزويجُهُ الصَّغِيرَ
بأكثرَ مِن مهرِ المثلِ، أو الصَّغيرةَ بأقلَّ، ولا تطليقُهُ زوجةَ مَن وكَلَهُ بتطليقِها حينَ صحوهٍ، ولا بيعُهُ
متاعَ مَن وكَّلَهُ بالبيعِ صاحباً، ولا ردُّ الغاصبِ عليهِ ما غصبَهُ منهُ قبلَ سكرِهِ، هذا حاصلُ ما في
"الأشباه"(٢)، ونازعَهُ محشِّيهِ "الحمويُّ) (٧) في الأخيرةِ: ((بأنَّ المنقولَ في "العمادّة" أنَّ حكمَ
السَّكرانِ فيها كالصَّاحي، فيبرأُ الغاصبُ مِن الضَّمانِ بالرَّدِّ عليهِ، وفي مسألةِ الوكالةِ بالتّطليقِ
(١) "المنح": كتاب في بيان أحكام الحدود - باب في بيان أحكام الشرب ١/ق ٢٢٦/أ.
(٢) أي: "المصنّف" في "المنح": كتاب الأشربة ٣/ق ٨٠/ب.
(٣) "الجوهرة النيرة": كتاب الأشربة ٧٠/٢ بتصرف.
(٤) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٨٨/٥ بتصرف.
(٥) في المقولة الآتية.
(٦) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث: الجمع والفرق - أحكام السَّكران صـ٣٦٩ -٣٧٠ -٠
(٧) "غمز عيون البصائر": الفن الثالث: الجمع والفرق - أحكام السَّكران ٣/ ٣٣٢ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
١٣٨
بابُ حدِّ الشُّرب
لكنْ دونَ حرمةِ الخمر، ولو سَكِرَ بأكلِها لا يُحَدُّ، بل يُعزَّرُ، انتهى. وفي "النّهر "(١):
بأنَّ الصَّحيحَ الوقوعُ، نصَّ عليهِ في "الخانيّة"(٢) و"البحر "(٣)) اهـ. وقدَّمْناهُ(٤) أوَّلَ كتابِ الطَّلاق،
وكتبنا هناكَ(٥) عن "النَّحرير": ((أَنَّ السَّكرانَ إِنْ كانَ سكرُهُ بطريقٍ محرَّمٍ لا يبطُلُ تكليفُهُ فتلزَمُهُ
الأحكامُ، وتصحُّ عباراتُهُ مِن الطَّلاقِ والعتاقِ والبيعِ والإقرارِ، وتزويجِ الصِّغَارِ مِن كَفٍ،
والإقراضِ والاستقراضِ؛ لأنَّ العقلَ قائمٌ، وإنَّا عَرِّضَ فواتُ فَهمِ الخطابِ بمعصيتِهِ، فبقيَ في حقِّ
الإثمِ ووجوبِ القضاءِ، ويصحُّ إسلامُهُ كالُكرَهِ لا ردَّتُهُ لعدمِ القصدِ)) اهـ. وقدَّم (٦) "الشَّارِح"
هناكَ أَنَّهُ اخْتَلَفَ النَّصحيحُ في طلاقٍ مَن سكرَ مُكرهاً أو مُضطرّاً، وقدَّمنا(٧) هناكَ أنَّ الرَّاجحَ عدمُ
الوقوعِ، وقدَّمنا (٨) آنفاً عن "الفتح " أنَّهُ كالصَّاحي فيما فيهِ حقوقُ العبادِ عقوبةً لهُ.
(١٨٦٧١] (قولُهُ: لكنْ دونَ حرمةِ الخمرِ) لأنَّ حرمةَ الخمرِ قطعيَّةٌ يُكَفَرُ منكرُها بخلافِ هذهِ.
مطلبٌ في البَنْجِ والأفيونِ والحشيشةِ
[١٨٦٧٢) (قولُهُ: لا يُحَدُّ بل يعزَّرُ) أي: بما دونَ الحدِّ كما في "الدُّر المنتقى)"(٩) عن "المنح"(١٠)،
(١) "النهر": كتاب الحدود - باب حد الشرب ق ٣٠٦/أ بتصرف.
(٢) "الخانية": كتاب الطلاق - باب التعليق - فصل في الطلاق الذي يكون من الوكيل أو من المرأة ٥٢٤/١ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٣) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٣٠/٥.
(٤) المقولة [١٢٩٧٤] قوله: ((فإنِّ طلاقه صحيحٌ)).
(٥) المقولة [١٢٩٩٨] قوله: ((أو سكران)).
(٦) ١٢٩/٩ "در".
(٧) المقولة [١٣٠٠٣] قوله: ((واختلف التصحيح إلخ)).
(٨) المقولة [١٨٦٧٠] قوله: ((وهذه إلخ)).
(٩) "الدر المنتقى": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٦٠٢/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(١٠) "المنح": كتاب في بيان أحكام الأشربة ٣/ق ٨٠/ب.