Indexed OCR Text
Pages 601-620
٥٩٩ باب اليمين في البيع والشراء الجزء الحادي عشر النّكرة إلا المعرفةَ في الجزاء))، أي: فتدخُلُ في النّكرةِ التي هيَ في موضعِ الشرطِ، كـ: إن دخلَ داري هذهِ أحدٌ فأنتِ طالقٌ فدخَلَتْ هي طلقَتْ، ولو دخَلَها هو لم يحنث؛ لأنَّ المعرفةَ لا تدخُلُ تحتَ النَّكرةِ، وتمامُه في القِسمِ الثّالثِ من أيمانِ "الظَّهيرية"(١). (ويجبُ حجٌّ أو عمرةٌ ماشياً). ١٢٤/٣ كثيرٌ، فصارَ كأنَّهُ قالَ: مَن كَلَّمَ غلامَ رجلٍ مسمَّىَّ بهذا الاسمِ، ولو قالَ: كذلكَ لم يتعَيَّنِ الحالفُ فصحَّ دخولُهُ [٤/ق١١٨/ب] تحتَ النَّكرةِ الَّتِي هِيَ ((أحدٌ)). [١٨١١٥] (قولُهُ: إلَّ المعرفةَ في الجزاءِ إلخ) وكذا عكسُهُ، وهو المعرفةُ في الشَّرطِ، فإنّها تدخلُ تحتَ النَّكرةِ في الجزاءِ. وحاصلُهُ - كما في "شرح الَّلخيص" - : ((أَنَّ المعرفةَ لا تدخلُ تحتَ النَّكرةِ إذا كانَت في جملةٍ واحدةٍ، فلو في جملَتَينِ لا يمتنعُ دخولُها؛ لأنَّ الشيءَ لا يُتصوَّرُ أنْ يكونَ معرَّفً منكَّراً في جملةٍ واحدةٍ، بخلافِ الجملتَينِ لأَنَّهما كالكلامَينِ، ففي: إنْ دخلَ داري هذهِ أحدٌ فأنتِ طالقٌ، فدخلَتْها هيَ تطلقُ؛ لأَنّها وإن كانتْ معرَّفَةً بتاءِ الخِطابِ إلاَّ أنَّها وقعتْ في الجزاءِ، فلم يمتنعْ دخولُها تحتَ نكرةِ الشَّرْطِ وهي ((أحدٌ))، وفي قوله لها: إن فعلتِ كذا فنسائي طوالقٌ، ففعلَتِ المخاطَبَةُ تطلقُ معَهِنَّ؛ لأَنَّها معرفةٌ في الشَّرطِ فجازَ أنْ تدخلَ تحتَ الجزاءِ وتكونُ منكَّرةً في الجزاءِ يعني باعتبارِ كونها واحدةً غيرَ معِيَّةٍ مِن جملةٍ معلومةٍ ذُكِرَت في الجزاءِ)) اهـ. وبِهِ عُلمَ أنَّ ((نسائي)) نكرةٌ هنا وإنْ أضيفَ إلى الضَّميرِ؛ لأنَّ المرادَ بالنَّكرةِ ما ليسَ معرَّفاً مِن كلِّ وجهٍ وهذا كذلكَ، ولذا يصحُّ الاستفهامُ عنهنَّ فيقالُ: مَن نساؤُكَ؟ كما مرَّ(٢) في العلَمِ. [١٨١١٦) (قولُهُ: لأنَّ المعرفةَ إلخ) علَّةٌ لقولِهِ: ((لم يحنثْ))، والمرادُ بالمعرفةِ ياءُ المتكلّمِ في: ((داري))، وقولُهُ: ((لا تدخلُ تحتَ النَّكرةِ)) أي: أَّني في جملتها. مطلبٌ: قالَ: عليَّ المشيُ إلى بيتِ اللهِ تعالى أو الكعبةِ [١٨١١٧) (قولُهُ: ويجبُ حجٍّ أو عمرةٌ ماشياً إلخ) أي: استحساناً، وعلَّلَهُ في "الفتح"(٣): (١) انظر "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث من الكتاب - الفصل الثاني في تحليف الظلمة ق ١٣٩/أ. (٢) صـ ٥٩٨ - "در". (٣) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤٥١/٤. حاشية ابن عابدين ٦٠٠ باب اليمين في البيع والشراء من بلدِهِ (في قولِهِ: عليَّ المشيُ إلى بيتِ اللهِ تعالى أو الكعبةِ، وأراقَ دماً إنْ ركِبَ) ((بأنَّهُ تعورفَ إيجابُ أحدِ النُّسكينِ بهِ، فصارَ فيهِ مجازاً لغوياً حقيقةً عرفَّةً، مثلَ ما لو قالَ: عليَّ حبَّةٌ أو عُمرةٌ، وإلاَّ فالقياسُ أنْ لا يجبَ بهذا شيءٌ؛ لأَنَّهُ التزمَ ما ليسَ بقريةٍ واجبةٍ - وهو المشيُّ - ولا مقصودةٍ)) اهـ. وقدَّمنا (١) أوَّلَ الأيمانِ في بحثِ الَّذِرِ أنَّ مثلَهُ النَّرُ بذبحٍ؛ فإنَّهُ عبارةٌ عن النّذرِ بذبحِ شاٍ، وقدَّمنا(٢) أنَّ صيغةَ الَّذرِ تحتملُ اليمينَ، كما مرَّ(٣) بيانُهُ في آخرِ كتابِ الصَّومِ، فلذا ذكروا مسائلَ النَّرِ في الأيمانِ، فافهم. [١٨١١٨] (قولُ: مِن بلدِهِ) قالَ في "الَّهر"(٤): ((ثُمَّ إنْ لم يكنْ بمكةَ لزمَهُ المشيُ مِن بيتِهِ على الرَّاجحِ لا مِن حيثُ يحرِمُ مِن الميقاتِ، والخلافُ فيما إذا لم يحرِمْ مِن بيتِهِ، فإِنْ أحرمَ منه لزمَهُ المشيُّ منه اتفاقً، وإنْ كانَ بمكةَ وأرادَ أنْ يجعلَ الَّذي لزمَهُ حجًَّ، فإِنَّهُ يُحْرِمُ مِن الحرمِ، ويخرجُ إلى عرفاتٍ ماشياً إلى أنْ يطوفَ طوافَ الزِّيارةِ كغيرِهِ، وإِنْ أرادَ إسقاطَهُ بعمرةٍ فعليهِ أنْ يَخرُجَ إلى الحلِّ، ويُحْرِمَ منهُ، وهل يلزمُهُ المشيُ في ذهابِهِ؟ [٤/ق١١٩/أ] خلافٌ، والوجهُ يقتضي أنَّهُ يلزمُهُ؛ إذ الحاجُ يلزمُهُ المشيُّ مِن بلدِهِ مع أَنَّهُ ليسَ محرماً بل ذاهبٌ إلى محلِّ الإحرامِ لُيُحْرِمَ منهُ، فكذا هذا)) اهـ. والتّوجيهُ لصاحبِ "الفتح"(٥)، وتبعهُ في "البحر "(٦) أيضاً. [١٨١١٩] (قولُهُ: إن ركبَ) أي: في كلِّ الأوقاتِ أو أكثرِها فإنْ ركبَ في غيرِ ذلكَ تصدَّقَ بقدرِهِ، "ط"(٧). (١) المقولة [١٧٣٨١] قوله: ((وأن لا يكون واجباً عليه قبل النذر)). (٢) المقولة [١٧٣٦١] قوله: ((ومن نذر نذراً مطلقاً)). (٣) المقولة [٩٤٢٠] قوله: ((كفِّر فقط)). (٤) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ق ٢٩٤/أ. (٥) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤٥٣/٤. (٦) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٨٦/٤. (٧) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٧٨/٢. الجزء الحادي عشر ٦٠١ باب اليمين في البيع والشراء لإدخالِهِ النَّقصَ (١)، ولو أرادَ بيتِ اللهِ(٢) بعضَ المساجدِ لم يلزمهُ شيءٌ (ولا شيءَ بـ: عَلَيَّ الخروجُ أو الذهابُ إلى بيتِ اللهِ أو المشيُّ إلى الحرمِ أو) إلى (المسجدِ الحرامِ) أو بابِ الكعبةِ أو ميزابِها (أو الصفا أو المروةٍ) أو مزدلفةً أو عرفةَ؛ لعدمِ العرفِ (لا يعتقُ عبدٌ قبلَ لهُ: إن لم أحجَّ العامَ فَأنْتَ حرُّ ثم قالَ: حججتُ، وأنكرَ العبدُ وأتى بشاهدينِ (فشهِدا بَنَحْرِهِ) الأضحيته(٣) (بكوفة) لم تقبل؛ لقيامِها على نفيِ الحجِّ؛ إذ التضحيةُ لا تدخُلُ تحتَ القضاء، وقالَ "محمد": يعتقُ، ورجَّحَهُ "الكمالُ"(٤). (حَلَفَ لا يصومُ حِنِثَ بصومٍ ساعةٍ بِنَّةٍ). [١٨١٢٠] (قولُهُ: لإدخالِهِ النَّقصَ) أي: فيما التزمَهُ. [١٨١٢١) (قولُهُ: أو المشيُّ إلى الحرمِ أو إلى المسجدِ الحرامِ) هذا قولُهُ، وقالا: لزمَهُ في هذين أحدُ النُّسكينِ، والوجهُ أنْ يُحملَ على أَنَّهُ تعورفَ بعدَ الإِمامِ إيجابُ النَّسكِ فيهما فقالا: بهِ فيرتفعُ الخلافُ كما حقّقَهُ في "الفتح"(٤)، وتبعَهُ في "البحر" (٥) وغيرِهِ. (١٨١٢٢) (قولُهُ: لعدمِ العرفِ) علّةٌ لجميعِ ما تقدَّمَ، فليسَ الفارقُ في هذهِ المسائلِ إلا العرفَ، "ط)" (٦). مطلبٌ: إنْ لم أحجَّ العامَ فأنتَ حرٌّ فشهدا بنحرِهِ بالكوفةِ لم يَعتَقْ (١٨١٢٣) (قولُهُ: لم تُقبلْ إلخ) أي: عندَهُما، لأَنَّها قامتْ على النَّفيِ؛ لأنَّ المقصودَ منها نفيُ الحجِّ لا إثباتُ الَّضحيةِ لأَنَّها لا مطالبَ لها، فصارَ كما إذا شهدوا أَنَّهُ لم يحجَّ، غايةُ الأمرِ أنَّ هذا النَّفيَ ◌َما يحيطُ به علمُ الشَّاهِدِ لكِنَّه لا يميّزُ بينَ نفيٍ ونفيٍ تيسيراً، "هداية"(٧). مطلبٌ: شهادةُ النَّفيِ لا تُقبَلُ إلاَّ في الشُّروطِ وحاصلُهُ: أَنَّهُ لا يفصَّلُ فِي النَّفِيِ بينَ أنْ يحيطَ بهِ علمُ الشَّاهدِ فتقبلَ الشَّهادةُ بهِ، أو لا فلا، (١) في "د": ((النقض)) بالضاد، وهو تحريف. (٢) لفظ الجلالة ليست في "د". (٣) في "و" و"د": ((الأضحيةَ)). (٤) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤٥٣/٤. (٥) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٨٦/٤. (٦) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ١٧٨/٤. (٧) "الهداية": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٩١/٢. حاشية ابن عابدين ٦٠٢ باب اليمين في البيع والشراء بل لا تقبلُ على النَّفي مطلقاً، نعم تقبلُ على النَّفي في الشُّروطِ، حَتَّى لو قالَ لعبدِهِ: إنْ لم تدخلٍ الدَّارَ اليومَ فَأنتَ حرٌّ، فشهدَا أَنَّهُ لم يدخلْها قبلَت ويُقضى بعتقِهِ، كما في "المبسوط)"(١). وأُورِدَ: أنَّ ما نحنُ فيهِ كذلكَ، وأُجيبَ: بأَنَّها قامَت على أمرٍ مُعايَنٍ، وهو كونُهُ خارجَ البيتِ فيثبتُ النَّفيُ ضِمِناً، واعترضَهُ في "الفتح"(٢): ((بأنَّ العبدَ كما لا حقَّ لهُ في الّضحيةِ لا حقَّلهُ في الخروجِ، فإذا كانَ مناطُ القَبولِ كونَ المشهودِ بهِ أمراً وجودياً متضمناً للمدَّعَى بهِ، كذلكَ يجبُ قَبولُ شهادةِ النَّضحيةِ المتضمِّنَةِ للِّفي، فقولُ "محمَّد" أوجهُ)) اهـ، وتبعَهُ في "البحر "(٣) و"الَّهر "(٤)، لكنْ أجابَ "المقدسيُّ" في "شرحه": ((بأنَّالشَّهادةَ بعدمِ الدُّخولِ أُوَّلَت بالخروجِ الَّذي هو وجوديّ صورةً، وفي الحقيقةِ المقصودُ أنَّ الخروجَ يمكنُ الإحاطةُ بهِ بلا ريبٍ بِأَنْ يُشاهَدَ العبدُ خارجَ الدَّارِ في جميعِ اليومِ، فهي نفيٌ محصورٌ، بخلافِ الَّضحيةِ بالكوفةِ، ليستْ ضًَّ للحجِّ، على أنَّهُ يمكنُ أنْ يكونَ ذلكَ كرامةً لَهُ، (قولُهُ: على أَنَّه يمكِنُ أنْ يكونَ ذلكَ كرامةً له إلخ) فيه تأمُّلٌ، فقد قالَ في "المحيطِ البرهانيِّ" من الفصلِ السابعَ عشرَ مِن الشَّهاداتِ: شهِدا أَنَّه طَلَّقَ امرأتَهُ يومَ النحرِ بمنّى، وشهِدَ آخران أنَّه أعتقَ عبدَه بعد ذلكَ اليومِ بالرَّقَةِ قضى بالطَّلاقِ في الوقتِ الأَوَّلِ، ثُمَّ ينظرُ بعدَ ذلكَ: إنْ كانَ بينَ الوقتينِ ما يستقيمُ أنْ يكونَ في المكانينِ جميعاً بأسرعَ ما يقدِرُ عليه من السَّيْرِ قضى بشهادِهم جميعاً، وإنْ كانَ لا يستقيمُ بطلَ الوقتُ الثّاني؛ لأَنَّه لَّا وجبَ قَبُولُ الأُولى - لإثباتِها تاريخاً سابقاً - تعَيَّنَ البطلانُ في الثّانيةِ؛ لتعذُّرِ الجمعِ بينَهما، ولا يُقالُ: العملُ بهما ممكنٌ؛ فإِنَّهُ لا يستحيلُ كونُهُ في يومٍ واحدٍ بهذَينِ المكانِينِ، وكذلكَ في هذينِ الوقتينِ؛ لأَنَّهُ لا يَبْعُدُ منَ الأولياءِ؟ لأَنّا نقولُ: الوليُّ لا يَححَدُ ما فعَلَهُ حَتَّى تُقَامَ البَِّةُ عليه، فلا تُصوَّرُ المسألةُ فيه، ولأنَّ الأحكامَ إنما تُبنى على ما عليه قدرةُ النَّاسِ باعتبارِ العادةِ، ولا تُبنى على ما يُتصوَّرُ من أقدارِ اللهِ تعالى، ثمَّ رأيتُ عن "يحيى السِّيراميّ" ما نصُّهُ: إِعلمْ أنَّ الشَّهادةَ على النفيِ لا تُقبَلُ مطلقً عندَ صاحبِ "الهدايةِ"، وفصَّلَ غيرُهُ على وجوهِ ثلاثةٍ: أحدُها: أَنَّها تُقبَلُ إنْ أحاطَ الشَّاهِدُ علماً بالنفيِ وإلا فلا، وثانيها: أنَّها تُقبَلُ في الشُّروطِ دونَ غيرِها، وثالثها: أنَّها تُقبَلُ (١) "المبسوط": كتاب الدعوى - باب شهادة أهل الذمة في الميراث ٥٣/١٧ بتصرف. (٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤٥٤/٤. (٣) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٨٧/٤. (٤) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ق ٢٩٤/ب. الجزء الحادي عشر ٦٠٣ باب اليمين في البيع والشراء وإن أفطرَ لوجودٍ شرطِهِ،. وهي جائزةٌ كما قالوا في المشرقي والمغربِيَّةِ، فتأمَّل)) اهـ مطلبٌ: حلَفَ لا يصومُ حنثَ بصومِ ساعةٍ [١٨١٢٤] (قولُهُ: لوجودِ شرطِهِ) وهو الصَّومُ الشَّرعيُّ؛ إذ هو الإمساكُ عن المفطِِّ على قصدٍ التَّقْربِ وقد وُجِدَ تمامُ حقيقتِهِ، وما زادَ على أدنى إمساكٍ في وقتِهِ فهو تكرارُ الشَّرطِ، ولأَنَّهُ بمجردٍ الشُّروعِ في الفعلِ - إذا تمّت حقيقتُهُ [٤ /ق١١٩/ب] - يسمَّى فاعِلاً، ولذا نُزِّلَ "إبراهيمُ" عليهِ السَّلامُ ذابحاً بإمرارِ السِّكينِ في محلِّ الذَّبحِ، فقيلَ لهُ: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّبِيََّ﴾ [الصَّفَّات - ١٠٥]، بخلافٍ ما إذا كانت حقيقتُهُ تتوقّفُ على أفعالٍ مختلفةٍ كالصَّلاةِ كما يأتي (١)، "فتح"(٢)، واعتُرضَ بأنَّ الصَّومَ إذا قرنَ النفيَ بالإِثباتِ، ودليلُ صاحبِ "الهدايةِ": أنَّ الشَّاهِدَ بالنفي قد يَبقى على ظاهرِ العدمِ، وقد يكونُ عِلِمَهُ، فلو ألزمنا القاضيَ أنْ يسألَّهُ - أنَّ شهادتَه بالنفيِ بناءٌ على ظاهرِ العدمِ، أو لإحاطةِ علمِهِ بالنَّفيِ، أو الكونِهِ شرطاً - يلزمُهُ الجَرحُ ولزومُ ما لا يلزمُهُ، فلا يُقبَلُ مطلقاً تيسيراً، ودليلُ الوجوهِ الثلاثةِ، أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ الشَّهادةَ مبنيَّةٌ على التيقُنِ بالمشهودِ به، نفياً كانَ أو إثباتاً، فإذا تيقّنَ بالنفيِ فلا وجهَ لعدمٍ قَبَولِ شهادِهِ بهِ، وكونُهُ عدلاً دليلُ تَقُّنِهِ، فلا حاجةً إلى السُّؤالِ، فلا يلزمُ الجَرحُ، وأمّا الثَّاني: فلأنَّ النفيَ إذا كانَ شرطاً لا يُقْصَدُ لذاتِهِ، فُتحمَّلُ فيه ما لا يُتَحمَّلُ في غيرِهِ، ومراتِبُ الشَّهادةِ متفاوِتَةٌ، حَتّى شُرطَ للزِّنا ما لم يُشترط لغيرِهِ، وأمَّا الثالثُ: فلأَنَّه كم مِن شيءٍ ثبتَ ضِمناً وإنْ لم يثبت قصداً، ويَرِدُ على صاحبِ "الهداية": تعليقُ العتقِ بعدمِ الدُّخولِ، فإنْ أجابَ بأَنَّهُ شهادةٌ بالكونِ خارجَ الدارِ وهو وجوديٌّ، يَرِدُ عليه: أنَّ الشَّهادةَ في مسألةِ الكتابِ شهادةٌ بالكونِ خارجَ مَكَّةَ في أيامِ الحجِّ، وهو وجوديٌّ، ونسبةُ الكونينِ إلى الدُّخولِ تحتَ القضاءِ وعدمِه سواءٌ، ويَرِدُ على غيرِهِ: أنَّ الشَّهادةَ بالنفيِ في مسألةِ الكتابِ قد اجتمعَ فيها الوجوهُ الثَّلاثةُ المذكورةُ؛ لأنَّ علمَ الشَّاهدِ قد أحاطَ بنفي الحجِّ وهو شرطٌ، وقد قارنَ الإِثباتَ، فينبغي أنْ يُقبلَ الشَّهادةُ به عندَ الفِرَقِ الثّلاثِ، ولم يُقُبُل على قولِ "أبي حنيفةً" و"أبي يوسفَ"، وكفى قولُهُما حُجةً لصاحبِ "الهدايةِ"، ويُمكنُ أنْ يُتكلَّفَ لتوجيهِ قولِهِم: بأنَّ الشَّهادةَ في مسألةِ الكتابِ إنما هي بالتّضحيّةِ صريحاً وإنْ لزمَها الشَّهادةُ بنفيِ الحجِّ ضمناً، والتضحيةُ ليستْ بشرطٍ للحريَّةِ، فلا تدخُلُ تحتَ القضاءِ فلا يُقبل، حتَّى لو كانت بالنَّفيِ صريحاً لقُبَِت عندَهما، لكنْ يُحتاجُ إلى الرِّوايةِ ولم نجدها. (١) المقولة [١٨١٣٠] قوله: ((بركعة)). (٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤٥٤/٤. حاشية ابن عابدين ٦٠٤ باب اليمين في البيع والشراء ١٢٥/٣ الشَّرعيَّ أَقُّهُ يومٌ، وَأُجيبَ بأنَّهُ يطلقُ شرعاً على ما دونَهُ، ودفِعَ بأنَّ المطلقَ ينصرفُ إلى الكاملِ. قلتُ: جوابُهُ أنَّ هذا لو قالَ: ((صوماً)) كما يأتي (١)، أمَّ بدون تصريحٍ بمصدرٍ أو ظرفٍ، فالمرادُ الحقيقةُ وقد وجدَت بالأقلِّ، ولهذا يُقالُ في الشَّرعِ والعرفِ: إِنَّهُ صامَ ثمَّ أفطرَ، فيحنثُ لوجودِ شرطِ الحنثِ قبلَ الإفطارِ، ثُمَّ لا يرتفعُ بعدَ تحقَّقِه، فافهم. ثُمَّ اعلمْ أنَّ ما ذكرَهُ "المصنّف" هنا كبقيةِ المتونِ مخالفٌ لِما قدَّمهُ(٢) في هذا البابِ مِن أَنَّهُ: ((لو حلَفَ لا يصلي أو لا يصومُ فهو على الصَّحيحِ دونَ الفاسدِ)) كما قدَّمناهُ(٣)، وكنتُ أجبتُ عنهُ في بابِ نكاحِ الرَّقيقِ(٤) بأنَّ المرادَ بالصَّحيحِ ما وُجِدَت حقيقتُهُ الشَّرعيَّةُ على وجهِ الصِّحةِ، فلا يضرُّهُ عروضُ الفسادِ بعدَ ذلكَ، ويفيدُهُ ما ذكرناهُ(٥) عن "الفتح" مِن الَّعليلِ، وعليهِ فقولُهُ: ((دونَ الفاسدِ)) احترازٌ عن الفاسدِ ابتداءً، كما لو نوى الصَّومَ عندَ الفجرِ وهو يأكلُ، أو شرعَ في الصَّلاةِ محدِثاً، فليتأمَّل. ثُمَّ رأيتُ في "الفتح"(٦) ما يفيدُ المنافاةَ بينَ القولَينِ حيثُ استشكلَ(٧) المسألةَ المارَّةَ(٨) ثُمَّ أجابَ بأنَّ ما هنا أصحُّ؛ لأَنَّهُ نصُّ "محمَّد" في "الجامعِ الصَّغَير "(٩) لكنَّهُ بعدَ أسطرِ أجابَ مستنداً (قولُهُ: وأجيبَ بأَنَّه يُطلَقُ شرعاً على ما دونَهُ إلخ) هذا الجوابُ غيرُ دافعٍ للسُّؤَالِ، بل هو عينُه في المعنى؛ إذ إطلاقُهُ على ما دونَهُ ينافي أنَّ أقلَّه يومٌ، والأصوبُ في الجوابِ أنْ يقالَ: إِنَّ قولَهُم ((أقلُّه يومٌ)) إنما هو في الصَّومِ الذي يترتّبُ عليه الثَّابُ، وهذا لا ينافي أنَّه يتحقَّقُ بلحظَةٍ. (١) صـ ٦٠٥ - "در". (٢) ص٥٨٩- "در". (٣) المقولة [١٨٠٧٨] قوله: ((وكذا لو حلف لا يصلي إلخ)). (٤) المقولة [١٢٣٩٤] قوله: ((وصلاة)). (٥) في هذه المقولة. (٦) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤/ ٤٥٥. (٧) في "ب": ((الستشكل))، وهو خطأُ طباعيّ. (٨) في هذه المقولة. (٩) "الجامع الصغير": كتاب الأيمان - مسائل في كتاب الأيمان لم تدخل في الأبواب صـ٢٧٥ -. الجزء الحادي عشر ٦٠٥ باب اليمين في البيع والشراء (ولو قال:) لا أصومُ (صوماً أو يوماً حنِثَ بيومٍ)؛ لأَنَّ مطلَقٌ فيصرفُ إلى الكاملِ(١) (حَلَفَ ليصومَنَّ هذا اليومَ وكانَ بعدَ أكلِهِ أو بعدَ الزوالِ صحَّت) اليمينُ (وحَنِثَ للحالِ)؛ لأنَّ اليمينَ لا تعتمِدُ الصحةَ بل التصوُّرَ. لـ"الذَّخيرة" بأنَّ المرادَ بالفاسدِ ما لم يُوصفْ بوصفِ الصِّحةِ في وقتٍ بأنْ يكونَ ابتداءُ الشُّروعِ غيرَ صحيحٍ، وقالَ: وبهِ يرتفعُ الإشكالُ، وتبعَهُ في "البحر "(٢) و"الَّهر"(٣)، وهذا عينُ ما فهمتُهُ مِن الإشكال والجوابِ، والحمدُ لله على إلهام الصواب. [١٨١٢٥] (قولُهُ: لأَنَّهُ مطلقٌ إلخ) علَّةٌ للمسألتَينِ، أي: فلا يرادُ باليومِ بعضُهُ وكذا في ((صومٍ))؛ لأنَّ المرادَ بهما المعتبرُ شرعاً، فافهم. قالَ في "الفتح "(٤): ((أمَّا في (يوماً) فظاهرٌ، وكذا في (صوماً)؛ لأَنَّهُ مطلقٌ فينصرفُ إلى الكاملِ، وهو المعتبرُ شرعاً، ولذا قلنا: لو قالَ: لله عليَّ صومٌ وجبَ عليهِ صومُ يومٍ كاملٍ بالإجماعِ، وكذا إذا قالَ: عليَّ صلاةٌ تجبُ ركعتانٍ عندَنا، لا يقالُ: - المصدرُ مذكورٌ بذكرِ الفعلِ فلا فرقَ بينَ حلفِهِ لا يصومُ ولا يصومُ صوماً، فينبغي أنْ لا يحنثَ في الأَوَّلِ إلَّ يومٍ - لأَنَّا نقولُ: الثَّابتُ في ضمنِ الفعلِ ضروريٌّ لا يظهرُ أثرُهُ في غيرِ تحقَّقِ الفعلِ، بخلافِ الصَّرِيحِ فإنّهُ اختياريٌّ يترتَّبُ عليهِ حكمُ المطلقِ فيوجبُ الكمالَ)) اهـ. [١٨١٢٦] (قولُهُ: لأنَّ اليمينَ إلخ) جوابٌ عمَّا أوردَ [٤/ق١٢٠/أ] مِن أَنَّ اليمينَ هنا صحَّت مع (قولُهُ: جوابٌ عما أُورِدَ مِن أنَّ اليمينَ هنا صحَّت مع أنّه مقروٌ بذكرِ اليومِ إلخ) جعلَهُ في "الفتحِ" إيراداً على المسألةِ السَّابقةِ وتعليلها بأنَّه مطلقٌ، فيصرفُ إلى الكاملِ، وأوضحَ في "البنايةِ" الإشكالَ، وذكرَ له جواباً غيرَ جوابِ "الفتحِ" حيثُ قالَ: ((وعندَ ذكرِ المصدرِ صريحاً ينصرفُ إلى الكاملِ، وهو الصَّومُ لغةً وشرعاً، فإنْ قِيلَ: يُشكلُ هذا بما لو قالَ: واللهِ لأَصومُ هذا اليومَ، وكانَ ذلكَ بعد ما أَكَلَ أو شربَ، أو بعدَ الزوالِ صحَّ يميُهُ بالاتفاقِ، والصَّومُ مقرونٌ باليومٍ، ومع ذلكَ لم يُرِدْ به الصَّومَ الشَّرعيَّ؛ فإنَّه بعدَ ما ذُكِرَ غيرُ متصوَّرٍ، والجوابُ: (١) في "و": ((فينصرف إلى الكامل))، وفي "د": ((فيصرف للكامل)). (٢) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٨٧/٤. (٣) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ق ٢٩٤/ب. (٤) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤ / ٤٥٤. حاشية ابن عابدين ٦٠٦ باب اليمين في البيع والشراء كتصوُّرِهِ في النَّاسي، وهو (كما لو قالَ لامرأتِهِ: إن لم تُصَلِّي اليومَ فأنتِ كذا فحاضت مِن ساعتِها أو بعدَ ما صلَّت ركعةً) فإنَّ اليمينَ تصِحُّ وَتَطْلُقُ في الحالِ؛ لأنَّ دُرُورَ الدمِ لا يمنعُ أَنّهُ مقرونٌ بذكرِ اليومٍ ولا كمالَ، وردَّ في "الفتح"(١) الإيرادَ ((بأنَّ كلامَنا كانَ في المطلق وهو لفظُ ((يوماً)) ولغظُ ((هذا اليومَ)) مقيَّدٌ معرَّفٌ، وإنَّا تُشكِلُ هذه المسألةُ واأَّتي بعدَها على قولِ "أبي حنيفةً" و"محمَّد"؛ لأنَّ الَّصورَ شرعاً منتفٍ، وكونُهُ ممكناً في صورةٍ أخرى - وهي صورةُ النَّسيانِ والاستحاضةِ - لا يفيدُ؛ حيثُ كانَ في صورةِ الحلفِ مستحيلاً شرعاً؛ لأَنَّهُ لم يحلفْ إلاَّ على الصَّومِ والصَّلاةِ الشَّرعيَّيْنِ، أمَّا على قولِ أبي يوسفَ فظاهرٌ)) اهـ. [١٨١٢٧) (قولُهُ: كتصوُّرِهِ فِي النَّاسي) أي: في الَّذِي أكلَ ناسياً(٢)، فإنَّ حقيقةَ الصَّومِ وهي الإمساكُ عن المفطّراتِ غيرُ موجودةٍ مع أَنَّهُ اعتبرَهُ الشَّارِعُ صائماً، فقد وُجدَ الصَّومُ مع الأكلِ، أنَّ الدَّلالةَ [قامتٍ](٣) على أنَّ المرادَ به ليسَ الصَّومَ الشَّرعيَّ - وهو كونُ اليمينِ بعد ما ذُكر - فانصرفتْ إلى الصَّومِ اللَّغويِّ وانعقدتْ عليهِ بخلافٍ ما نحنُ فيه، فإِنَّه ليسَ فيه ما يمنعُهُ عن الصَّومِ الشَّرعيِّ فُيُصرفُ إليه)) اهـ. فأنتَ ترى أنَّ قولَ "الشَّارحِ": (لأنَّ اليمينَ إلخ)) لا يصلُحُ جواباً للإيرادِ المذكورِ، بل ليسَ فيه تعرُّضٌ له ولا الجوابِهِ في كلامِهِ أصلاً، بل إنما ذَكَرَ تعليلَ المسألتينِ بدونِ أنْ يتعرَّضَ لاستشكالِ "الفتح" له، وحاصلُ ما في "الفتحِ": أَنَّ أَورَدَ على تعليلِ المسألةِ السَّابِقَةِ بأَنَّهُ يَرِدُ عليهِ المسائلُ الثّلاثُ المذكورةُ في المتنِ، فَإِنَّها مقرونةٌ بذكرٍ اليومٍ ولا كمالَ، وأجابَ بما قَلَهُ "الشَّارِحُ": ((من أنَّ اليمينَ لا تَعَتَمِدُ إلخ))، وفي الحقيقةِ ليسَ هذا جواباً للإيرادِ، بل القصدُ منه توجيهُ صحَّةِ اليمينِ فيها، والجوابُ ما ذَكرَهُ بعدُ بقولِهِ: ((وهاتانِ المسألتانِ إنما يصلُحان مُبتدأَتَينِ لا مُوردتين؛ لأنَّ كلامَنَا كانَ في المطلقِ وهو لفظُ (يوماً))، ولفظُ ((هذا اليومَ)) ليسَ من قَبِيلِ المطلقِ؛ لأَنّه مقيَّدٌ معرَّفٌ، والمطلَقَاتُ هي النَّكراتُ، وهي أسماءُ الأجناسِ، وإلا فزيدٌ وعمرٌو مطلَقٌ، ولا يقولُ به أحدٌ، والمسألتانِ مشكلتانِ على قولِ "أبي حنيفةً" و"محمَّدٍ"؛ لأنَّ النَّصوُّرَ شرعاً منتفٍ، وكونُه ممكناً في صورةٍ أخرى - وهي صورةُ النّسيانِ والاستحاضةِ - لا يفيدُ؛ فإِنَّه حيثُ كانَ في صورةِ الحلفِ مستحيلاً شرعاً لم يُتصوَّرِ الفعلُ المحلوفُ عليه؛ لأَنَّه لم يحلف إلا على الصَّمِ والصَّلاةِ الشرعيّتينِ، أمَّا على قولِ "أبي يوسفَ" فظاهرٌ)) اهـ. (١) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤٥٤/٤ - ٤٥٥. (٢) في "٢": ((أي: في الذي نسي أكل ناسياً))، وهو خطأً. (٣) ما بين منكسرين من عبارة "البناية"، وهو ساقطٌ من مطبوعة "الرافعي"، والسياقُ يقتضيها. الجزء الحادي عشر ٦٠٧ باب اليمين في البيع والشراء كما في الاستحاضةِ، بخلافِ مسألةِ الكوزِ؛ وهذا نظيرُ قولِهِ: ((بعدَ أكلِهِ))، وأمَّا قولُهُ ((أو بعدَ الزَّوالِ)) فلم يوجدْ لهُ نظيرٌ، والنّاسي لا يصلحُ نظيراً لهُ، وعن هذا قالَ في "النَّهرِ "(١): ((وأنتَ خبيرٌ بأنَّ تصوُّرَهُ - فيما إذا حلفَ بعدَ الزَّوالِ في النَّاسِي الَّذي لم يأكلُ - ممنوعٌ)) اهـ. قلت: ويجابُ بأنَّ المرادَ إمكانُ تصوُّرِهِ مع فقدِ شرطٍ، وقد وُجدَ ذلكَ في النّاسي، ولا فرقَ بينَ شرطٍ وشرطٍ، فيصلحُ ذلكَ نظيراً لهما، ويدلُّ لِما قلنا ما في "الذَّخيرة": ((مِن أنَّ المرادَ بالتّصوُّرِ بعدَ الزَّوالِ وبعدَ الأكلِ: أنَّ اللهَ سبحانَهُ لو شرَعَ الصَّومَ بعدَهما لم يكنْ مستحيلاً، ألا ترى كيف شرَعَهُ بعدَ الأكلِ ناسياً، وكذلكَ الصَّلاةُ مع الحيضِ تتصوَّرُ؛ لأنَّ الحيضَ ليسَ إلَّ درورَ الدمِ، وأَنَّهُ لا ينافي شرعيَّةَ الصَّلاةِ، ألا ترى أنَّ الصَّلاةَ في حقِّ المستحاضةِ مشروعةٌ، وشرطُ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ مُعَامَ المدلولِ التّصوُّرْ لا الوجودُ، بخلافِ مسألةِ الكُوزِ إلخٍ)). اهـ ملخصاً. قلت: وبهذا يجابُ عن إشكالِ "الفتح"(٢)؛ لأنَّ المرادَ أَنَّهُ لو شرعَ لم يكنْ مستحيلاً شرعاً لهذه الشَّواهدِ، نعم يقوِّي إشكالَهُ ما قدَّمهُ(٣) "الشَّارح" في بحثِ مسألةِ الكوزِ: ((إنْ لم تُصَلِّي الصُّبْحَ غداً فأنتَ كذا لا يحنثُ بحيضِها بكرةً في الأصحِّ))، وعزَاهُ في "البحر"(٤) هناكَ لـ"المنتقى"(٥)، وقالَ هنا (٦): ((فحينئذٍ لا يحنثُ في مسألةِ الصَّومِ أيضاً على الأصحِّ، قالَ: لكنْ حزمَ في "المحيط" بالحنثِ فيهما، وفي "الظَّهِيرِيَّةِ"(٧): أَنَّهُ الصَّحيحِ)). اهـ فافهم. [١٨١٢٨] (قولُهُ: كما في الاستحاضةِ) فإنّها فُقِدَ معها شرطُ الصَّلاةِ مع حكمِ الشَّارعِ عليها بالصِّحةِ فعلمَ أنَّ شرعيَّتَها مع فقدِ شرطٍ غيرُ مستحيلةٍ، بمعنى: أنَّهُ تعالى لو شرعَها مع الحيضِ (١) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ق ٢٩٤/ب - ق٢٩٥/ أ. (٢) أي المتقدم صـ٦ ٦٠ - عند قول الفتح: ((وإنَّا تُشْكِلُ هذه المسألةُ والتي بعدها ... )). (٣) صـ ٤٧٦-٤٧٧ - "در". (٤) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب واللبس إلخ ٣٥٩/٤. (٥) نقول: بل عزاه في مسألة الكوز لـ"المبتغى" كما في مخطوطة ومطبوعة "البحر" اللتين بين أيدينا، ونقل المسألة نفسها في باب اليمين في البيع والشراء ٣٨٧/٤، وقال: ((ونقلناه عن "المنتقى"))، فليتأمَّل. (٦) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٨٨/٤. بتصرف (٧) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الثالث: في مسائل الوضوء والغسل ق ١٤٠/ب. حاشية ابن عابدين ٦٠٨ باب اليمين في البيع والشراء لأنَّ محلّ الفعلِ وهو الماءُ غيرُ قائمٍ أصلاً فلا يُتَصَوَّرُ بوجهٍ. (وحنِثَ في: لا يصلِّي بركعةٍ) لأمكنَ كما مرَّ(١)، فلا يردُ إشكالُ "الكمالِ"، فافهم. [١٨١٢٩] (قولُهُ: لأنَّ محلّ الفعلِ) أي: المحلوفِ عليهِ بقولِهِ: لا أشربُ ماءَ هذا الكوزِ والحالُ أنه لا ماءَ فیهِ. مطلبٌ: حلفَ لا يصلّي حنثَ بركعةٍ [١٨١٣٠] (قولُهُ: بركعةٍ) أي: استحساناً؛ لأنَّ الصَّلاةَ عبارةٌ عن أفعال [٤/ق ١٢٠/ب] مختلفةٍ فما لم يأتِ بها لا تسمَّى صلاةً، يعني لم يوجدْ تمامُ حقيقتِها، والحقيقةُ تنتفي بانتفاءِ الجزءِ، بخلافٍ الصَّومِ فَإِنَّهُ ركنٌ واحدٌ ويتكرَّرُ بالجزءِ الثَّاني، وأورِدَ: أنَّ مِن أركانِ الصَّلاةِ القعدةَ، وليسَت في الركعةِ الواحدةِ فيجبُ أنْ لا يحنثَ، وأجيبَ: بأنّها موجودةٌ بعدَ رفعٍ رأسِهِ مِن السَّحدةِ، وهذا إنّا يتُّ بناءً على توقُّفِ الحنثِ على الرفعِ منها، والأوجهُ خلاقُهُ، على أنَّهُ لو سلِّمَ فليسَت تلكَ القعدةُ هي الركنَ، والحقُّ أنَّ الأركانَ الحقيقيَّةَ هي الخمسةُ، والقعدةُ ركنٌ زائدٌ على ما تحرَّرَ، وإنَّ وجَبَت للخَتْمِ، فلا تعتبرُ ركناً في حقِّ الحنثِ. اهـ "فتح"(٢) ملخصاً. قال في "النّهر"(٣): ((وقدَّمنا أنَّها شرطٌ لا ركنٌ، وهو ظاهرٌ في توقُّفِ حنِهِ على القراءةِ في الركعةِ وإنْ كانَت ركناً زائداً، وهذا أحدٌ قولَينِ، وقيلَ: يحنثُ بدونِها، حكاهما في "الظَّهيريَّة"(٤)). ١٢٦/٣ (قولُهُ: أي: المحلوفِ عليه بقولِهِ: لا أشربُ ماءً هذا إلخ) كذا نسخةُ الخطّ بالنّفي، وحقُّهُ حذفُ أداةٍ النَّفيِ كما هو ظاهرٌ. (قولُهُ: والحقُّ أنَّ الأركانَ الحقيقيَّةَ هي الخمسةُ إلخ) لعلَّ الفرقَ بين القراءةِ - حيثُ تَوقّفَ الحنثُ عليها على القولِ به - وبينَ القعدةِ - حيثُ لم يتوقَّف مع أنَّ كلّ منهما ركنٌ زائدٌ - هو أنَّ القراءةَ يَتَوقَّفُ عليها صحةُ الأركان والاعتدادُ بها، فلذا شُرطَت للحنثِ بخلافِ القعدةِ، فإنَّ صحةَ الأركانِ متحقّقةٌ بدونِها قبلَ وجودِها، وإنما وجبتْ للختمِ. (١) صـ ٦٠٦ - "در". (٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤ / ٤٥٥ - ٤٥٦. (٣) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ق ٢٩٥/أ بتصرف. (٤) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الثالث: في مسائل الوضوء والغسل إلخ ق ١٤٠/أ. الجزء الحادي عشر ٦٠٩ باب اليمين في البيع والشراء بنفسِ السجودِ، بخلافٍ: إنْ صَّيتُ ركعةً فأنتَ حرٌّ لا يعتِقُ إلا بأُولى شفعٍ لتحقَّقِ الركعةِ، (وفي): لا يصلِّي (صلاةً بشَفْعٍ) وإن لم يقعد، بخلافٍ: لا يصلِّي الظُّهْرَ مثلاً، فإِنَّهُ يُشترطُ التَشْهُّدُ، (و) حنِثَ (في: لا يؤمُّ أحداً باقتداءِ قومٍ بِهِ (١٨١٣١) (قولُهُ: بنفسِ السُّجودِ) أي: بوضعِ الجبهةِ على الأرضِ لتمامِ حقيقةِ السُّجودِ بهِ بلا توقُّفٍ على الرفعِ، وهو الأوجهُ كما في "الفتح"(١). [١٨١٣٢) (قولُهُ: لتحقُّقِ الركعةِ) تقدَّمَ(٢) أنَّ الصَّلاةَ تتحقَّقُ بوجودِ الأركانِ الأربعةِ، لكنْ إذا قالَ: ((ركعةً)) فقد التزمَ زيادةً على حقيقةِ الصَّلاةِ، وهو صلاةٌ تسمَّى ركعةً، وهي الركعةُ الأُولى مِن شفعٍ، فلو صلَّى ركعةً ثمَّ تكلَّمَ لا يحنثُ؛ لأنّها صورةُ ركعةٍ لا صلاةٌ هي ركعةٌ، وقالَ في "الظَّهِيرَيَّةِ"(٣): (لأَنَّهُ ما صلَّى ركعةً لأَنّهَا بُثَرَاءُ، ولو صلَّى ركعتينِ حنثَ بالركعةِ الأُولى))، قالَ في "البحر "(٤): ((وقد عُلِمَ ثَما ذكرنا أنَّ النَّهيَ عن البَيراءِ مانعٌ لصحَّةِ الركعةِ، وهي تصغيرُ البتراءِ تأنيثُ الأبتِ، وهو في الأصلِ مقطوعُ الذَّنبِ ثُمَّ صارَ يقالُ: للَّاقصِ)) اهـ. (١٨١٣٣] (قولُهُ: وإنْ لم يقعد(٥) إلخ) مأخوذٌ مِن "الفتح" حيثُ قالَ (٦): ((حَلَفَ لا يصلّي صلاةً، فهل يتوقّفُ حنثُهُ على قعودِهِ قدرَ النَّشهدِ بعد الركعتَينِ؟ اختلفوا فيهِ، والأظهرُ أَنَّهُ إنْ عقدَ (قولُهُ: قالَ في "البحرِ": وقد عُلِمَ مما ذكرنا أنَّ النَّهيَ إلخ) وقالَ "السِّنديُّ": ((لأنَّ هذا الحِلِفَ يقعُ على الجائزِ، والجائزُ من الرَّكعةِ ضمُّ أُخرى إليها فكانَ شرطُ العتقِ ركعتينِ كما في "العمدةِ"، قال: "الحمَويُّ": المرادُ من الجوازِ الجوازُ من غيرِ كراهةٍ، فإنَّ التنقُّلَ بالبُثيراءِ مكروهٌ تحريماً لا حرامٌ)) اهـ. (١) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤٥٥/٤. (٢) المقولة [١٨١٣٠] قوله: ((بركعة)). (٣) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الثالث: في مسائل الوضوء والغسل إلخ ق ١٤٠/أ. (٤) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٨٨/٤ - ٣٨٩. (٥) في "آ": ((يعقد))، وهو خطأ. (٦) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤ / ٤٥٦. حاشية ابن عابدين ٦١٠ باب اليمين في البيع والشراء يمينَهُ على مجردِ الفعلِ - وهو ما إذا حلفَ لا يصلّي صلاةً - يحنثُ قبلَ القعدةِ لِما ذكرتُهُ، أي: مِن أنّها ركنٌ زائدٌ، وإنْ عقدَها على الفرضِ - كصلاةِ الصُّبْحِ أو ركعتَي الفجرِ - ينبغي أنْ لا يحنثَ حَتّى يقعدَ)) اهـ. وفي "النَّهر " (١) عن "العناية"(٢): ((أنَّ الصَّلاةَ لا تعتبرُ شرعاً بدونِها، وصلاةُ الركعتَينِ عبارةٌ عن صلاةٍ تامةٍ، وتمامُها شرعاً لا يكونُ إلَّ بالقعدةِ))، ثمَّ قالَ(٣) بعدَ نقلِ ما في "الفتح": ((وتوجيهُ المسألةِ يشهدُ لِما في "العنايةِ")) اهـ. وحاصلُهُ: أَنَّهُ لا بدَّ مِن القعدةِ مطلقاً، وهذا كلُّهُ مخالفٌ لِما في "البحر "(٤) عن "الظَّهِيرِيَّةِ "(٥) حيثُ قالَ: ((والأظهرُ والأشبهُ: إنْ عقدَ يمينَهُ على مجردِ الفعلِ [٤ /ق١/١٢١] - وهو إذا حلفَ لا يصلّي صلاةً - لا يحنثُ قبلَ القعدةِ، وإنْ عقدَها على الفرضِ وهي من ذواتِ المُتّى فكذلكَ، وإنْ كانَ مِن ذواتِ الأربعِ حنثَ، ولو حلفَ لا يصلّي الظُّهرَ لا يحنثُ حَتَّى يتشهَّدَ بعدَ الأَربعِ)) اهـ. لكنْ فِيهِ شِبْهُ المنافاةِ؛ إذ لا فرقَ يظهرُ بينَ قولِهِ: لا أصلِّي الفرضَ وقولِهِ: لا أصلّي الظُّهرَ مثلاً، تأمَّل. وفي "الَّاتر خانَّةٌ"(٦): ((لو حلفَ لا يصلّي الظُّهرَ أو الفحرَ أو المغربَ لا يحنثُ حَتَّى يقعدَ في آخرِها))، ويظهرُ لي: أنَّ الأوجهَ ما في "العنايةِ" كما مرَّ(٧) عن "النَّهر "، ويظهرُ منهُ أيضاً اشتراطُ (قولُهُ: لكنْ فِيهِ شِبْهُ المنافاةِ إلخ) ما ذكرَهُ في "الظهيريَّةِ" أخيراً -: مِن أَنَّه لو حَلَفَ لا يصلّي الظّهرَ لا يحنثُ حَتَّى يتشهَّدَ بعد الأربعِ - مبنيٌّ على روايةٍ، وما قبله - مِن أَنَّه في ذواتِ الأربعِ يحنثُ بدونِها - مبنيٌّ على روايةٍ أُخرى، هذا هو الظَّاهرُ في دفعِ المنافاةِ، لكنَّ الموافقَ التنبيهُ فيها على ذلكَ، أو يُقالُ: الفارقُ هو العرفُ. (١) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ق ٢٩٥/أ. (٢) "العناية": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤٥٦/٤ (هامش "فتح القدير"). (٣) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ق ٢٩٥/أ. (٤) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٨٩/٤. (٥) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الثالث: في مسائل الوضوء والغسل إلخ ق ١٤٠/أ. (٦) "التاتر خانية": كتاب الأيمان - الفصل الثاني عشر: في الحلف على الأفعال - نوع منه في الصلاة والصوم والحج ٥٠٦/٤. (٧) في المقولة نفسها. الجزء الحادي عشر ٦١١ باب اليمين في البيع والشراء بعدَ شروعِهِ وإِنْ) وصليةٌ (قصدَ أن لا يؤمَّ أحداً)؛ لأَنَّهُ أَمَّهم، (وصُدِّقَ ديانةً) فقط (إِنْ نواه) أي: أن لا(١) يؤمَّ أحداً، (وإنْ أشهد قبلَ شروعِهِ) أَنَّه لا يؤمُّ أحداً (لا يحنثُ مطلقاً) لا ديانةً ولا قضاءً، وصحَّ الاقتداءُ ولو في الجمعةِ استحساناً، (كما) لا حنثَ (لو أمَّهم في صلاةِ الجنازةِ أو سجدةِ التلاوةِ) القعدةِ في قولهِ: لا أصلِّي ركعةً، وإلاَّ فهي صورةُ ركعةٍ لا ركعةٌ حقيقيّةٌ، تأمَّل. [١٨١٣٤ ) (قولُهُ: بعدَ شروعِهِ) متعلِّقٌ ((باقتداءٍ)). [١٨١٣٥] (قولُهُ: وإنْ وصليَّةٌ) لكنِ الَّذي في نسخِ المتنِ المجردةِ ((صُدِّقَ)) بلا واوٍ، فتكونُ ((إِنْ)) شرطيَّةً وجوابُها ((صُدِّقَ)). مطلبٌ: حلفَ لا يومُّ أحداً [١٨١٣٦) (قولُهُ: لأَنَّهُ أَمَّهُم) أي: في الظَّاهرِ، قالَ في "الظَّهِيرِيَّةِ" (٢): ((وقصدُهُ أنْ لا يؤمّ أحداً أَمْرٌ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى))، ثمَّ قالَ(٢): ((وذكرَ "النَّاطفيُّ" أَنَّهُ إذا نوى أنْ لا يؤمَّ أحداً فصلَّى خلفَهُ رجلان جازَت صلاتُهما ولا يحنثُ؛ لأنَّ شرطَ الحنثِ أنْ يقصدَ الإمامةَ ولم يوجدْ)) اهـ. وظاهرُهُ: أَنَّهُ لا يحنثُ قضاءً أيضاً، ففي المسألةِ قولانٍ، ويظهرُ لي الثّاني؛ لأنَّ شروعَهُ وحدَهُ أوَّلاً ظاهرٌ في أنَّهُ لم يُرِدِ الإِمامةَ، وصحَّةُ اقتدائِهِم بِهِ لا يلزمُ منها نَُّهُ، ولذا لو أشهدَ لم يحنثْ مع صحَّةِ اقتدائِهِم(٣)؛ لأنَّ نَّةَ الإِمامِ الإمامةَ شرطٌ لحصولِ الثَّوابِ لهُ لا لصحَّةِ الاقتداء. [١٨١٣٧] (قولُهُ: ولو في الجمعةِ) لأنَّ الشَّرطَ فيها الجماعةُ وقد وُجِدَ، "فتح"(٤). وعبارةُ "البحر "(٥) عن "الظَّهِيرِيَّة"(٦): ((وكذلكَ لو صلَّى هذا الحالفُ بالنَّاس الجمعةَ فهو على ما ذكرنا)) اهـ. (١) في "و": ((لم)). (٢) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الثالث: في مسائل الوضوء والغسل إلخ ق ١٤٠/أ. (٣) في "ب": ((اقندائهم)) بالنون، وهو تحريف، وفي "آ": ((صحة الاقتداء بهم)). (٤) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤ / ٤٥٦. (٥) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٨٩/٤. (٦) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الثالث: في مسائل الوضوء والغسل إلخ ق ١٤٠/أ. حاشية ابن عابدين ٦١٢ باب اليمين في البيع والشراء ١ لعدمٍ كمالِها، (بخلافِ النَّفلةِ) فإنَّهُ يحنَثُ ومقتضاهُ: أَنَّهُ إِنْ أشهدَ لا يحنثُ أصلاً، وإلاَّ حنثَ قضاءً لا ديانةً إِنْ نوى، لكنْ في "البَزَّازِيَّةَ"(١): ((ولو أشهدَ قبلَ دخولهِ في الصَّلاةِ في غيرِ الجمعةِ أَنَّه يصلّي(٢) لنفسِهِ لم يحنثْ ديانةً ولا قضاءً)) اهـ. ومفهومُهُ: أَنَّهُ في الجمعةِ يحنثُ قضاءً وإِنْ أشهدَ، ولعلَّ وجهَهُ أنَّ الجماعةَ شرطٌ فيها، فإقدامُهُ عليها ظاهرٌ في أَنَّهُ أَمَّ فيها، تأمَّل. [١٨١٣٨) (قولُهُ: لعدمٍ كمالِها) قالَ في "الظَّهِيرِيَّةِ"(٣): ((لأنَّ يمينَهُ انصرفَت إلى الصَّلاةِ المطلقةِ)) اهـ، أي: والمطلقةُ: هي الكاملةُ ذاتُ الركوعِ والسُّجودِ، وما بحثَهُ في "الفتح"(٤) مِن أَنَّهُ ينبغي إذا أمَّ في الجنازةِ إنْ أشهدَ صُدِّقَ فيهما، وإلاّ ففي الدِّيانةِ خلافُ المنقولِ، كما في "النَّهر "(٥). قلت: وبحثُ "الفتح" وجيةٌ إلَّ إذا حلفَ أنْ لا يؤمّ أحدً في صلاةٍ (٦) فنتصرفُ الصَّلاةُ إلى الكاملةِ، أمَّا بدون ذكرِ الصَّلاةِ [٤/ق١٢١ /ب] فالإِمامةُ موجودةٌ في الجنازةِ، تأمَّل. [١٨١٣٩) (قولُهُ: فإنَُّ يحنثُ) أي: على النَّفصيلِ المارِ(٧) كما هو ظاهرٌ. (قولُهُ: لكنْ في "البزازيَّةِ": ولو أشهَدَ قبلَ دخوله في الصَّلاةِ إلخ) الذي يظهرُ: أنَّ ما يُفهَمُ من "البزازيَّةِ" مقابِلُ الاستحسانِ المذكورِ في الشَّرحِ. (١) "البزازية": كتاب الأيمان - الباب العاشر: في صلاة وصوم وقراءة وغسل ٢٩٧/٤ (هامش "الفتاوى الهندية"). (٢) في النسخ جميعها: ((أن يصلِّيَ))، وما أثبتناه من عبارة "البزازية" أوضح. (٣) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الثالث: في مسائل الوضوء والغسل إلخ ق ١٤٠/أ. (٤) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤٥٦/٤. (٥) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ق ٢٩٥/أ بتصرف. (٦) في "م": ((الصلاة)). (٧) في المقولة السابقة. الجزء الحادي عشر ٦١٣ باب اليمين في البيع والشراء وإنْ كانَتِ الإِمامةُ في النَّافلةِ منهيّاً عنها. ﴿فروعٌ﴾ إِنْ صَلَّيتَ فأنتَ حرٌّ فقالَ: صلَّيتُ وأنكرَ المولى لم يعتِقٍ؛ لإمكان الوقوفِ عليها بلا حَرَجٍ. قالَ: إنْ تركتِ الصلاةَ فطالقٌ فصلْها قضاءً طَلُقَت على الأظهر، "ظهيرية"(١). حَلَفَ ما أَخَّرَ صلاةً عن وقتِها وقد نامَ فقضاها استظهَرَ "الباقانيُّ" عدمَ حنثِهِ؛. [١٨١٤٠] (قولُهُ: منهيّاً عنها) أي: إذا كانَت على وجهِ النَّداعي، وهو أنْ يقتديَ أربعةٌ بِوَاحِدٍ، "ط" (٢). [١٨١٤١] (قولُهُ: لإمكان الوقوفِ عليها) أي: فكانَ القولُ للمولَى لإنكارِهِ شرطَ العتقِ، بخلافِ نحوِ المحبةِ والرِّضَى مِن الأمورِ القلبَّةِ، فإنَّ القولَ فيها للمخبرِ عنها. [١٨١٤٢] (قولُهُ: طُلُقَت على الأظهرِ) الظَّاهرُ أنَّ هذا في عرفِهم، وفي عرفِنا تاركُ الصَّلاةِ مَن لا يصلّي أصلاً. اهـ "ح"(٣). [١٨١٤٣] (قولُهُ: استظهرَ "الباقانيّ" إلخ) هو أحدُ قولَينِ، ومبنى الثّاني على انصرافِ الوقتِ (قولُ "الشَّارِحِ": منهيّاً عنها إلخ) النافلةُ بجماعةٍ وإن كانتْ منهيّاً عنها إلا أنَّ النَّهيَ بأمرٍ عارضٍ، فلا يُنافي كمالَها الذاتيَّ، بخلافِ صلاةِ الجنازةِ وسجدةِ التَّلاوةِ لفقدِ أركانِ الصَّلاةِ، والحاصلُ: أنَّ النّهيَ لا ينافي كمالَ النَّفلةِ، وبهذا يَسقطُ ما قيلَ: إِنَّهم قالوا: إنَّ الأداءَ الكاملَ أنْ يكونَ على وجهٍ غيرِ منهيّ عنه، والأداءُ مع النّهىِ أداءٌ ناقصٌ، والمطلَقُ ينصرفُ إلى الكاملِ، فكيفَ يتناولُ صلاةَ النَّافلةِ جماعةً مع النَّهيِ عنها؟! اهـ مِن "السِّنديّ". (١) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الثالث في مسائل الوضوء والغسل إلخ ق ١٤٠/ب بتصرف. (٢) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٧٩/٢. (٣) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ق٢٤٨/أ. حاشية ابن عابدين ٦١٤ باب اليمين في البيع والشراء الحديثِ: ((فإنَّ ذلكَ وقتُها)(١). اجتمعَ حدثان فالطهارةُ منهما. حلَفَ ليصلينَّ هذا اليومَ خمسَ صلواتٍ بالجماعةِ ويجامعَ امرأتَهُ ولا يغتسلَ، إلى الأصليِّ كما في "الفتح"(٢)، وهو الموافقُ للعرفِ، كما أفادَهُ "ح"(٣). لكنْ قد يقالُ لا تأخيرَ مِن النّائمِ، فالأظهرُ ما في "البزَّازيَّةِ"(٤): ((مِن أنَّ الصَّحيحَ أَنَّهُ إنْ كانَ ١٢٧/٣ نامَ قبلَ دخولِ الوقتِ وانتبَهَ بعدَهُ لا يحنثُ، وإنْ كانَ نامَ بعدَ دخولِهِ حنثَ)). [١٨١٤٤) (قولُهُ: اجتمعَ حدثَانِ فالطَّهارةُ منهما) أي: مطلقاً كحنابتينٍ مِن امرأتَينِ، أو جنابةٍ وحيضٍ، أو بولٍ ورُعافٍ، قالَ في "البحر"(٥): ((فلو حلفَ لا يغتسلُ مِن امرأتِهِ هذه فأصابَها، ثُمَّ أصابَ أُخرى أو بالعكسِ ثُمَّ اغتسلَ فهو منهما وحنثَ، وكذا لو حلفَت لا تغتسلُ مِن جنابةٍ أو مِن حيضٍ فأجنَبَت وحاضَت ثمَّ اغتسلَت فهو منهما، وقالَ "الجرجانيُّ": هو مِن الأوَّلِ اتَّحدَ الجنسُ أو لا، كبولٍ ورُعَافٍ، وقالَ "أبو جعفر": إن أَتَّحدَ فَمِنَ الأوَّلِ، وإلاَّ فمنهما، وقالَ الزَّاهِدُ "عبد الكريم"(٦): كنَّا نظنُّ أنَّ الوضوءَ مِن أغلظِهما، وإنْ استويًا فمنهما، وقد وجدنا (قولُ "الشَّارِحِ": لحديثِ: فإنَّ ذلكَ وقُتُها) لا يخفى أنَّ أصلَ الحديثِ مَتَّفقٌ عليهِ من حديثِ "قتادةً" عن "أنس" دونَ قولِهِ: ((فإنَّ ذلكَ وقتها))، وعندَ "الشَّيخين" بدلَ الزِّيادةِ: ((لا كفارةَ لها إلا ذلكَ))، وذلكَ لا يَدلُّ على المُدَّعَى الذي حامَ حولَه "الباقائِيُّ"؛ لأنَّ الكَفَّارَ تُنبِئُّ عن إثمٍ حاصلٍ من تأخيرِ الصَّلاةِ، لكنْ رَوى "الدارقطنيُّ" و "البيهقيُّ" من روايةِ "حفصِ بنِ أبي العطافِ" عن "أبي الزِّنَادِ" عن "الأعرجِ" عن "أبي هريرةً" ◌َّه مرفوعاً: ((من نسيَ صلاةً فوقتُها إذا ذكرها))، قال "ابنُ الملقّنِ": وا"حفصّ" ضعيفٌ جداً لا يُحتجُّ به، على أنَّ اللّفظَ المذكورَ إنّما يُفيدُ حكمَ الناسي، إلا أنَّه يمكنُ أنْ يقالَ: إِنَّه إذا كانَ كذلكَ في النَّاسي ففي النّائمِ بالأولى. اهـ "سندي". (١) أخرجه البخاري (٥٩٧) في المواقيت - باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، ومسلم (٦٨٤) في المساجد ... باب قضاء الصلاة الفائتة من حديث أنس، لكنه قال: لا كفارة لها إلا ذلك. وأخرجه الدار قطني ٤٢٣/٣ باب وقت الصلاة المنسية، والبيهقي في "الكبرى" ٢١٩/٢ في الصلاة - باب لا تفريط على من نام عن صلاة أو نسيها، وابن عدي في "الكامل" ٣٨٤/٢ وفيه حفص، قال البخاري: منكر الحديث. (٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الحج والصلاة والصوم ٤٥٦/٤. (٣) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ق ٢٤٨/أ. (٤) "البزازية": كتاب الأيمان - الباب العاشر: في صلاة وصوم وقراءة وغسل ٤ /٢٩٧ (هامش "الفتاوى الهندية"). (٥) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٩٠/٤ - ٣٩١، نقلاً عن "الظهيرية". (٦) هو العارف بالله عبد الكريم الجيليُّ، وقد تقدمت ترجمته ٣١٨/٣. الجزء الحادي عشر ٦١٥ باب اليمين في البيع والشراء يصلّي الفجرَ والظهر والعصرَ بجماعةٍ ثُمَّ يجامعُها ثمَّ يغتسلُ كَمَا غَرَبَتْ ويصلّي المغرب والعشاءَ بجماعةٍ فلا يحنَثُ. الرِّوايةَ عن "أبي حنيفةً" أَنَّهُ منهما فَرَجَعنا إلى قولِهِ)). اهـ ملخّصاً. وثمرةُ الخلافِ تظهرُ فيما لو حَلَفَ لا يتوضَّأُ من الرُّعافِ فَرَعَفَ ثُمَّ بالَ فتوضَّأَ حَنِثَ بلا خلافٍ وإِنْ بالَ أوَّلاً ثم رَعَفَ وتوضَّأَ فعلى قولِ "الجرجانيّ": لا يحنثُ، وعلى ظاهرِ الجوابِ وقولِ "أبي جعفرٍ" يحنثُ، "تاتر خانية"(١). قلت: وبه عُلِمَ أنَّ ما جزمَ بهِ "الشَّارِحُ" هو ظاهرُ الرِّوايةِ. [١٨١٤٥) (قوله: يُصلِّي الفجرَ إلخ) كذا أجابَ "ابنُ الفضلِ" حينَ سُئِلَ عنه فقالَ: ينبغي أنْ يُصلِّي الفجرَ إلخ. قال "ح"(٢): وفيهِ: أنَّهُ إنْ كانَ المرادُ باليومِ بقيةَ النهارِ إلى الغروبِ فَكيفَ يبرُّ بثلاثٍ صلواتٍ؟! فيهِ وإنْ كانَ المرادُ منه ما يشملُ الليلةَ بقرينةٍ الخمسِ صلواتٍ فما الحاجةُ إلى مجامعتِها قبلَ الغروبِ؟! على أنَّ قولَهُ: ((بجماعةٍ)) لا دَخْلَ له في الإلغازِ، فتأمل. (قولُهُ: على أنَّ قولَهُ: بجماعةٍ لا دَخْلَ له في الإلغازِ إلخ) قالَ "الرَّحمتىُّ": ((وإنَّا قَيَّدَها بالجماعةِ؛ لأنَّ جماعةَ المغربِ تكون أولَ الوقتِ، فيبعُدُ ثَمّن جامعَ في يومِهِ أنْ يتمكِّنَ بالغُسلِ، ثُمَّ لا يلزمُ مِن إخراجِ اليومِ عنْ حقيقتِهِ - في حقِّ الصَّلاةِ بالقرينةِ المذكورةِ - إخراجُهُ عن حقيقتِهِ في حقِّ الجماعِ والغسلِ، لكنْ ربما يَرِدُ عليه: أنّه ◌ُرِيدَ باللََّظِ حقيقتُه ومحازُهُ في آنٍ واحدٍ وهو مَنِعٌ)) اهـ. وقد يُقالُ: إنَّه أُريدَ به معناهُ المجازيُّ في حقِّ الصَّلواتِ الخمسِ للقرينةِ المذكورةٍ، ويُقدَّرُ بعد الفعلينِ الأخيرينِ نظيرُهُ، ويُرادُ به معناهُ الحقيقيُّ لعدمِ القرينةِ المذكورةِ فيهما؛ إذِ التجوُّزُ به إنَّما هو الضَّرورةِ، وهي تتقدَّرُ بِقَدْرِها، وبدونِ هذا لا يِتِمُّ الجوابُ الآخرُ الذي ذكرَهُ "المحشِّي"، فإنَّ اليمينَ عليه تكونُ غيرَ منعقدةٍ لعدمٍ تصوُّرِ البِرِّ؛ لعدمِ إمكانِ أداءِ خمسٍ مكتوباتٍ في يومٍ واحدٍ، ولا يقالُ: لانصرافِها(٣) إلى ما يتأَتَّى شرعاً وهو أداءُ الكَلِّ في أوقاتِها، فإِنَّه خارجٌ عن مقتضى التقييدِ باليومِ الحاضرِ، وليسَ كمسألةٍ حلفِهِ على تزوُّجٍ مَحْرَمِهِ، فإنَّ انصرافَهُ إلى ما يُمكنُ - وهو العقدُ الصُّوريُّ - لعدمِ تأنّي العقدِ الشَّرعيِّ مع عدمٍ وجودٍ ما ينافي إرادةَ العقدِ الصُّوريِّ. (١) "التاتر خانية": كتاب الأيمان - الفصل الثاني عشر: في الحلف على الأفعال - نوع آخر: في الوضوء والغسل ٤١٥/٤. (٢) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء ق ٢٤٨/أ. (٣) سياقُ الكلام: ((وقد يقال: إنَّه أريد به معناه المجازيُّ للقرينة المذكورة ولا يقالُ: لانصرافها إلى ما يتأَّى شرعاً)) والله تعالى أعلم. حاشية ابن عابدين ٦١٦ باب اليمين في البيع والشراء (حَلَفَ لا يحجُّ فعلى الصَّحيحِ منهُ)، فلا يحنَثُ بالفاسدِ (ولا يحنَثُ حتّى يقفَ بعرفةً عن "الثالثِ") أي: "محمدٍ"، (أو حتى يطوفَ أكثرَ الطوافِ) المفروضِ (عن "الثّاني")، وبه جزمَ في المنهاجِ. قلت: لعلَّ وجهَهُ أنَّ يِمِينَهُ بظاهرِها معقودةٌ على بقيَّةِ النَّهارِ، وبذكرِهِ [٤/ق١٢٢/ أ] الخمسَ احتملَ أَنَّهُ أرادَ ما يشملُ اللَّلَ، فإذا جامعَ واغتسلَ نهارً يحنثُ يقيناً، وكذا لو جامعَ واغتسلَ ليلاً؛ لأَنّهُ وُجدَ شرطُ الحنثِ على كلا الاحتمالَينِ؛ لأَنَّهُ فِي النّهارِ لم يجامعْ وفي اللّيلِ قد اغتسلَ، وقد حلفَ أَنَّهُ يجامعُ ولا يغتسلُ، أمَّا إذا جامعَ في النّهارِ واغتسلَ بعدَ الغروبِ فَإِنَّهُ على احتمالِ كونٍ المرادِ بقيَّةً اليومٍ لم يوجدْ شرطُ الحنثِ، وعلى الاحتمالِ الآخرِ وُجِدَ فلا يحنثُ بالشَّكِ، وأمَّا التَّقْبِيذُ بالجماعةِ فهو لتأكيدِ كونِ الخمسِ هي المكتوبةَ، ثُمَّ ظهرَ لي جوابٌ آخرُ وهو أنْ يقالَ: إِنَّها انعقدَت على النَّهارِ فقط، لكنْ لَّا لم يمكنهُ أداءُ الخمسِ في النّهارِ انصرفَت إلى ما يتصوَّرُ شرعاً، وهو أداءُ الكَلِّ في أوقاتِها، كما مرَّ(١) فيما لو حلفَ على تزوُّجٍ محرمِهِ فتزوَّجَها حنثَ؛ لأنَّ يِمِينَهُ تنصرفُ إلى ما يتصوَّرُ، وحينئذٍ فلا يَبَرُّ إلَّ إذا صلَّى كلَّ صلاةٍ في وقتِها وجامعَ قبلَ الغروبِ واغتسلِ بعدَهُ؛ إذ لو جامعَ واغتسلَ نهاراً حنثَ؛ لأَنَّهُ حلفَ أنْ لا يغتسلَ في هذا اليومِ، وإنْ كانا في اللَّلِ حنثَ أيضاً؛ لأَنَّهُ حلفَ أنْ يجامعَ فِي الَّهارِ، وأظنُّ أنَّ هذا الوجهَ هو المرادُ، وبهِ يندفعُ الإيرادُ فافهم، واللهُ سبحانه أعلمُ. مطلبٌ: حلفَ لا يحجُّ [١٨١٤٦] (قولُهُ: حلفَ لا يحجُّ) أي: سواءٌ قالَ: حجةً أوْ لا، كما في "البحر "(٢) وغيرِهِ. [١٨١٤٧) (قولُهُ: عن "الثّالثِ") أي: أنَّ هذا مرويٌ عنهُ. [١٨١٤٨] (قولُهُ: عن "الثَّاني") أي: عن "أبي يوسف". [١٨١٤٩) (قولُهُ: وبهِ جزمَ في "المنهاجِ") جزمَ بهِ أيضاً في "تلخيص الجامع الكبير"؛ لأنَّ الحجّ (١) ص ٥٩٤- "در". (٢) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٩٠/٤. الجزء الحادي عشر ٦١٧ باب اليمين في البيع والشراء للعلامةِ "عمرَ بنِ محمدٍ العَقيليّ الأنصاريّ"(١)، كانَ من كبارِ فقهاءِ بُخارى، وماتَ بها سنةَ سبعينَ وخمسِمِائَةٍ. ولا يحنَثُ في العمرَةِ حتى يطوفَ أكثرَها. (إِنْ لبسْتُ مِنْ مغزولِكِ فهوَ هدْيٌ) أي: صدقةٌ أتصدَّقُ بهِ بمكةً. عبارةٌ عن أجناسٍ مِن الفعلِ كالصَّلاةِ، فتناولَتِ اليمينُ جميعَها، وذلكَ لا يوجدُ إلَّ بأكثرِ طوافٍ الزِّيارةِ، فإنْ جامعَ فيها لا يحنثُ؛ لأنَّ المقصودَ مِن الحجِّ القربةُ، فتناولَتِ اليمينُ الحجَّ الصَّحِيحَ كالصَّلاةِ، "شرح الجامع". [١٨١٥٠] (قولُهُ: ولا يحنثُ في العمرةِ) أي: فيما لو حلفَ لا يعتمرُ. مطلبٌ: في معنى الھَدْي [١٨١٥١] (قولُهُ: أي: صدقةٌ أتصدَّقُ بهِ بمكةَ) ذكَّرَ ضميرَ ((بهِ)) على أنَّ الصَّدقةَ بمعنى المتصدَّقِ بهِ، قالَ في "الفتح"(٢): ((ومعنى الهَدْي هنا ما يُتصدَّقُ بهِ بمكةَ؛ لأَنَّهُ اسمٌ لِما يُهدى إليها، فإنْ كانَ نذرَ هدي شاةٍ أو بدنةٍ، فإنَّا يخرجُهُ عن العهدةِ ذِبُهُ في الحَرَمِ والتَّصدقُ بِهِ هناكَ، فلا يجزيهِ إهداءُ قِيمِتِهِ، وقيلَ: في إهداءِ قيمةِ الشَّةِ روايتانٍ، فلو سُرِقَ بعدَ الذَّبحِ فليسَ عليهِ غيرُهُ، وإنْ نذرَ ثوباً جازَ التَّصدقُ في مكةَ بعينِهِ أو بقيمتِهِ، ولو نذرَ إهداءَ ما لم يُنقلْ كإهداءِ دارٍ ونحوِها فھو نذرٌ بقیمتِها )) اهـ. فالحاصلُ: أنَّ في مسألِنا لا يخرجُ عن العهدةِ إلَّ بالتَّصدُّقِ بمكةَ، مع أنَّهم قالُوا: لو التزمَ التَّصدُّقَ على فقراء مكةَ بمكةَ ألغينا تعبِينَهُ الدِّرهمَ(٣) والمكانَ والفقيرَ، [٤/ق١٢٢ /ب] فعلى هذا يُفرَّقُ بِينَ الالتزامِ بصيغةِ الهَدْي وبينَه بصيغةِ الَّذْرِ، "بحر "(٤). مطلبٌ في الفرقِ بين تعيينِ المكان في الهدي دونَ النَّذرِ ووجهُهُ: أنَّ الهَدْيَ جُعِلَ الَتَّصدُّقُ بهِ في الَحَرَمِ جزءاً مِن مفهومِهِ، بخلاف ما لو نذرَ التَّصدُّقَ (١) "منهاج الفتاوى" لأبي حفصٍ عمرَ بنِ محمّدٍ بنِ عمر، شرفِ الدين العَقيليّ الأنصاريّ (ت٥٧٦ هـ). (كشف الظنون" ١٨٧٧/٢، "طبقات الفقهاء" لـ: "طاش كبري زاده" صـ٩٩-، "الفوائد البهية" صـ ١٥٠-، "هدية العارفين" ٧٨٤/١). (٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في لبس الثياب والحلي وغير ذلك ٤٥٦/٤. (٣) في "آ": ((الدراهم)). (٤) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٩٢/٤. حاشية ابن عابدين ٦١٨ باب اليمين في البيع والشراء (فمَلَكَ) الزوجُ (قطناً) بعدَ الحِلِفِ (فغزلنْهُ) ونُسِجَ (ولبِسَ (١) فهو هَدْيٌّ) عندَ "الإمامِ"، ولهُ التصدُّقُ بقيمتِهِ بمكةَ لا غيرَ، وشَرَطا ملكَهُ يومَ حَلَفَ(٢)، ويُفتَى بقولهما في ديارِنا؛ بدرهمٍ على فقراءِ الحرمِ، فإنَّ الدرهمَ لم يُجعل التَّصدُّقُ بهِ في الحَرَمِ جزءاً مِن مفهومِهِ، بل ذلك وصفٌ خارجٌ عن ماهيِّهِ، ومثلُهُ تعيينُ الزَّمانِ والدِّرهمِ، فلهذا لم يلزمْ بالنَّذرِ، ثمَّ رأيتُ نحوَهُ في "ط"(٣) عن "الشُّرُ بِلالية(٤)، وكالهدي الأضحيةُ فَإِنَّها اسمٌ لِما يُذَبَحُ في أيامِ النَّحرِ، فَالزَّمَادُ مأخوذٌ في مفهومِها كما سنذكرُ تحقيقَهُ(٥) في بابها إنْ شاءَ اللهُ تعالى، فالهديُ والأضحيةُ خارجان مِن قولِهِم : ألغينا تعيينَ الزَّمانِ والمكانِ، فإنَّ الزَّمَانَ متعَيِّنٌ في نذرِ الأضحيةِ، والمكانَ في الهدي، وكذا النَّذرُ المعلَّقُ كـ: إِنْ شَفَى اللهُ مريضي ◌َلَّهِ عليَّ صوُ شهرٍ مثلاً، فإِنَّهُ يَتَعَّنُ فِيهِ الزَّمانُ بمعنى أَنَّهُ لا يصحُّ صومُّهُ قبلَ وجودِ المعلَّقِ عليهِ، أمَّ المكانُ والدِّرِهِمُ والفقيرُ فلا تتعيَّنُ فيهِ كما حقَّقْنَاهُ (٦) في بحثِ النَّذْرِ أوَّلَ الأيمانِ، فافهم. مطلبٌ: إن لبستُ مِن مغزولِكِ فهو هَدْيٌ [١٨١٥٢] (قولُهُ: بعدَ الحلفِ) أفادَ أَنَّهُ لو كانَ مملوكاً وقتَ الحلفِ فغزلَتْهُ فلبسَهُ فإنَّهُ هَدْيٌ بالأَولى، وهو متفقٌ عليهِ، "بحر "(٧). [١٨١٥٣] (قولُهُ: وشرطا ملكَهُ يومَ حلفَ) لأَنَّ النَّذْرَ إنَّا يصحُّ في الملكِ أو مضافاً ١٢٨/٣ (قولُ "الشَّارِحِ": ونُسِجَ وَلَبِسَ إلخ) إنما قَّدَ بِهِ لأَنَّ يمِينَهُ تُحمَلُ على المنسوجِ عرفاً؛ لأَنَّهُ عقَدَها على ما يُتصوَّرُ لُبْسُه عرفً، فانصرفتْ إلى ما يُصنعُ منه، كما لو حلَفَ لا يَأْكُلُ من هذهِ النَّخلةِ. (١) في "د": ((فلبس)). (٢) في "و": ((حلفه)). (٣) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٨٠/٢. (٤) "الشرنبلالية": كتاب الأيمان - باب حلف الفعل ٥٣/٢ (هامش "الدرر والغرر"). (٥) المقولة [٣٢٥١٨] قوله: ((من تسمية الشيء باسم وقته)). (٦) المقولة [١٧٤٠٣] قوله: ((لما تقرر في كتاب الصوم)). (٧) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في البيع والشراء إلخ ٣٩١/٤.