Indexed OCR Text
Pages 281-300
الجزء الحادي عشر
٢٧٩
كتاب الأيمان
وحرفُ التنبيهِ وهمزةُ الاستفهامِ وقطعُ ألفِ الوصلِ.
وفي "الفتح"(١): ((ولا تستعملُ اللامُ إلاَّ فِي قَسَمٍ مُتَضَمِّنٍ معنَى النَّعَجُّبِ، كَقَولِ ابنِ عِبَّاسٍ(٢) رَضِيَ
اللهُ تعالى عنهُما: ((دَخَلَ آدمُ الجنّةَ فـ: للهِ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ حَتَّى خَرَجَ))، وقولِهِم: ((للهِ ما يُؤَخَّرُ
الأجَلُ))، فاستعمالُها قَسَمَاً مُجَرَّدًاً عنهُ لا يَصِحُّ في اللُّغَةِ إِلَّ أَنْ يُتَعَارَفَ كذلكَ، وقولُ "الهدايةِ"(٣):
((في الْمُخْنَارِ)) - كَمَا فِي بِعْضِ النُّسَخِ - احترازٌ عمَّا عنْ "أبي حنيفةً": أَنَّهُ إذَا قالَ: للهِ عَلَيَّ أنْ
لا أُكَلِّمَ زيداً أنَّها ليسَتْ بِيَمِينٍ إلاَّ أنْ يَنْوِيَ؛ لأنَّ الصِّغَةَ للَّذرِ، وَيَحْتَمِلُ معنَى الْيَمِينِ)) اهـ.
[١٧٢٧٨) (قولُهُ: وحرفُ الَّبِيهِ) المرادُ بهِ: ((ها)) مَحذوفَ الأَلِفِ، أو ثابِتَها، معَ وَصْلِ أَلِفِ
الله وقطعِها، كَما في "الّسهيلِ" لـ "بنِ مالكٍ"(٤).
[١٧٢٧٩] (قولُهُ: وهمزةُ(٥) الاستفهامِ) هيَ همزةٌ بعدَها ألفٌ، ولفظُ الجلالةِ بعدَها مجرورٌ،
وتسمِيَتُها بهمزةِ الاستفهامِ مَحازٌ، كَذا في "الدَّعَامِيني" على "الّسهيلِ"، "ح"(٦). والظَّاهِرُ أنَّ الجرَّ
بهذِهِ الأحرُفِ لنياتِهَا عَنْ أَحْرُفِ القَسَمِ، "ط)(٧).
[١٧٢٨٠) (قولُهُ: وقطعُ أَلِفِ الوَصِلِ) أي معَ جَرِّ الاسمِ الشَّرِيفِ، "ح"(٨). أي: فالهمزةُ
ناَبَتْ عَنْ حَرِفِ القَسَمِ، وَلَيْسَ حَرْفُ القَسَمِ مُضْمَرًا؛ لأنَّ مَا يُضْمَرُ فِيهِ حَرْفُ القَسَمِ تَبْقَى همزْتُهُ
همزةَ وَصْلٍ، نَعَمْ عندَ ابتداءِ الكلامِ تُقْطَعُ الهمزةُ فَيَحْتَمِلُ الوَجهَينِ، أمَّا عندَ عَدَمِ الابتداءِ
- كقولك: يا زيدُ اللهِ لَأَفْعَلَنَّ - فإنْ قَطَعَتَها كانَ مَّا نحنُ فيهِ، وإلّ فهوَ مِنَ الإضمارِ، فافهم.
(١) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٥٧/٤.
(٢) لم نعثر على تخريجٍ لقول ابن عباس
(٣) "الهداية": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٧٣/٢.
(٤) "تسهيل الفوائد": باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك صـ ٢٤٤ -.
(٥) في "م": ((همزة)) بدون واو.
(٦) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٤/أ.
(٧) "ط": كتاب الأيمان ٣٣٣/٢.
(٨) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٤/أ.
حاشية ابن عابدين
٢٨٠
كتاب الأيمان
والميمُ المكسورةُ والمضمومةُ، كقولِهِ: لِلَّهِ وها اللهِ ومَُ اللهِ، (وقد تُضمَرُ) حروفُهُ
إيجازاً، فيختَصُّ اسمُ اللهِ ..
[١٧٢٨١) (قولُهُ: والميمُ المكسورةُ والمضمومةُ) وكَذا المفتوحةُ، فَقَدْ نَقَلَ "الدَّمَامِيني" فيها
الَّليثَ، وفي "ط)(١): ((لعَلَّهُمْ اعْتَبَروا صورَتَها فَعَهُّها مِنْ حروفِ القسَمِ، وإلاَّ فقد سَبَقَ أنَّها مِن
جُملة اللُّغَاتِ فِي: أَيْمنُ اللهِ كـ: مِن اللهِ)).
[١٧٢٨٢] (قولُهُ: لله) بكسرٍ لامِ القسَمِ وجرِّ الهاءِ كما قدَّمناهُ(٢)، فافهم.
[١٧٢٨٣) (قولُهُ: وها الله) مِثالٌ لحرْفِ الَّبِيهِ، والهاءُ مَجرُورةٌ، "ح"(٣).
[١٧٢٨٤) (قولُهُ: مُ الله) بنتِيثِ المِيمِ كما قدَّمناه(٤)، والهاءُ مَجرُورٌ.
[١٧٢٨٥] (قولُهُ: وَقد تُضمَرُ حُرُوفُهُ) فيه: أنَّ الذي يُضمَرُ هو الباءُ فقَطْ؛ لأَنّها حرْفُ القَسَمِ
الأَصلِيُّ كما نقلَهُ "القُهستانِيُّ))(٥) عن "الكَشْف"(٦) و"الرَّضِيِّ"(٧)، وأرادَ بالإِضمارِ عدمَ الذِّكرِ
فَيَصِدُقُ بالحذْفِ، والفرْقُ بِينَهُما: أنَّ الإِضْمَارَ بَبْقَى أَثْرُهُ بخِلافِ الحذْفِ، قال في "الفتحِ"(٨):
((وعليه يَنْغِي كَونُ الحرْفِ مَحذُوفاً في حالةِ النَّصبِ، ومُضمَراً في حالةِ الجَرِّ لِظُهورِ أَثَرِهِ)). وقولُهُ
في "البحرِ" (٩) - ((قالَ: تُضْمَرُ، ولم يَقُل: تُحذَفُ الفَرْقِ بِينَهُما إلخ)) - يُوهِمُ أَنَّه مع النَّصِبِ
لا يَكُونُ حالِفاً وليْسَ كذلِكَ، ولذا قال في "النَّهِ"(١٠): ((إِنَّه بِمَعْزِلٍ عن التَّحقيقِ؛ لأَنَّه كما
(١) "ط": كتاب الأيمان ٣٣٣/٢.
(٢) المقولة [١٧٢٧٧] قوله: ((ولامُ القسم)).
(٣) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٤/أ.
(٤) المقولة [١٧٢٢١] قوله: ((وايم الله)).
(٥) "جامع الرموز": كتاب الأيمان ٣٨٢/١.
(٦) "كشف الأسرار" للبخاري: باب حروف الجر - حروف القسم ٣٤٩/٢.
(٧) "شرح الرضي على الكافية": قسم الحروف - حروف الجر ٢٨٣/٤.
(٨) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٥٧/٤ بتصرف.
(٩) "البحر": كتاب الأيمان ٣١٣/٤.
(١٠) "النهر": كتاب الأيمان ق٢٧٩/أ. بتصرف.
الجزء الحادي عشر
٢٨١
كتاب الأيمان
بالحركاتِ الثلاثِ، وغيرُهُ بغيرِ الجَرِّ، والتُزِمَ رفعُ: أَيُنُ ولَعَمْرُ اللهِ، (كقولِهِ: اللهَ)
بنصبِهِ بنزْعِ الخافِضِ، وجرَّهُ الكوفُّونَ، "مسكين"(١). (لأفعلنَّ كذا).
يكُونُ حالِفاً مع بقاءِ الأَرِ يكُونُ أيضاً حالِفاً مع النّصبِ [٤/ق٤٥/أ] بل هو الكثيرُ في الاستعمال وذاكَ
شاذٌ)) اهـ. أي: شاذٌّ في غيرِ اسمِ الله تعالى، فافهم.
[١٧٢٨٦] (قولُهُ: بالحرَكاتِ الثّلاثِ) أمَّ الجرُّ والنَّصبُ فعَلَى إِضمارِ الحرْفِ أو حذْفِهِ مع
تقديرِ ناصِبٍ كما يأْتِيّ(٢)، وأمَّا الرَّفْعُ فقال في "الفتحِ" (٢): ((على إِضمارٍ مُبْتَدٍ، والأَوْلِى كَونُهُ على
إِضمارِ خَبَرٍ؛ لأنَّ الاسمَ الكَرِيمَ أعرَفُ المعارِفِ فهو أَوْلى بكَونِهِ مُبتدً، والتَّقديرُ: الله قَسَمِي،
أو قَسَمِي اللهُ)) اهـ
[١٧٢٨٧] (قولُهُ: وغيرُهُ) أي: ويختصُّ غيرُ اسمِ الْجَلالَةِ، كالرَّحمنِ والرَّحِيمِ بغيرِ الجرِّ، أي:
بالنَّصبِ والرَّفعِ، أمَّا الجرُّ فلا؛ لأَنَّه لا يَجوزُ حذْفُ الجارِّ وإِقاءُ عمَلِهِ إلَّ فِي مَوَاضِعَ، منها: لفْظُ
الجَلاَلَةِ فِي القَسَمِ دُوْنَ عِوَضٍ، نحو: اللهِ لأَفْعَلنَّ.
[١٧٢٨٨) (قولُهُ: بَنَصِبِهِ بَنَزْعِ الخَافِضِ) هذا خِلافُ أَهلِ العربيّةِ، بل هو عندَهُم بفِعلِ القَسَمِ
لَمَّا حُذِفَ الحرْفُ أَتَّصلَ الفِعلُ به إلاَّ أنْ يُرادَ عند انتزاعِ الخافِضِ أي: بالفِعلِ عندَهُ، كذا في
"الفتحِ"(٣). أي: فالباءُ في بـ(نزع)) للسَّبَّةِ لا صِلَةُ نَصِهِ؛ لأنَّ النَّرْعَ لَيْسَ مِن عَوامِلِ النَّبِ،
بل النَّاصِبُ هو الفِعلُ وَيَتَعدَّى بِنَفسِهِ تَوسُّعاً بسَبَبِ نَزْعِ الخافِضِ كما في: ﴿أَعَِلْتُمْ أَ فَرَبِّكُمْ ﴾
[الأعراف - ١٥٠] أي: عن أَمرِهِ، ﴿وَأَقْعُدُ واْلَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة -٥] أي: عليه.
[١٧٢٨٩) (قولُهُ: وجرَّهُ الكُوفُّونَ) كذا حَكَى الخِلافَ في "المبسوطِ"(٤). قال في "الفتح"(٥):
٥٨/٣
(١) "شرح منلا مسكين": كتاب الأيمان صـ ١٣١ - بتصرف.
(٢) المقولة [١٧٢٨٩] قوله: ((وجرَّهُ الكوفيون)).
(٣) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٥٧/٤.
(٤) "المبسوط": كتاب الأيمان ١٣٢/٨.
(٥) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٥٧/٤.
حاشية ابن عابدين
٢٨٢
کتاب الأيمان
((ونُظِرَ فيه بأنَّهُما أي: النَّصبَ والجَرَّ وَجْهانِ سَائِغانٍ للعَرَبِ ليْسَ أَحَدٌ يُنكِرُ أحَدَهُمَا لِيَتَأْتّى
الخِلافُ)) اهـ.
وسَكَتَ "الشَّارحُ" عن الرَّفْعِ مع أَنَّهَ ذَكَرَهُ أيضاً في قولِهِ: ((بالحَركَاتِ الَّلاثِ)).
(تنبيةٌ)
هذِهِ الأوجُهُ الَّلاَةُ وكذا سُكُونُ الهاءِ يَنْعَقِدُ بها الْيَمِينُ مع النّصريحِ بياءِ القسَمِ، ففي
"الظَّهِيرِيَّةِ"(١): ((بالله لا أَفْعَلُ كذا - وسكَّنَ الهاءَ أو نَصَبَها أو رَفعَها - يكُونُ يَمِيناً، ولو قال: الله
لا أَفْعَلُ كذا، وسكَّنَ الهاءَ أو نَصَبها لا يكُونُ يَمِيناً إلاَّ أن يُعرِبَها بالجَرِّ فِيكُونُ يَمِيناً، وقبْلَ: يَكُونُ
يَمِيناً مُطْلَقاً)) اهـ.
قُلْتُ: وقوْلُ المنُونِ: ((وقد تُضمَرُ)) يُشِيرُ إلى القَوْلِ الأوَّلِ لِمَا عِلِمتَ مِن أنَّ الإِضمارَ يَبْقى
أَثَرُهُ فلا بُدَّ مِن الجَرِّ، لكِنَّهُ خِلافُ ما مَشَى عليه في "الهِدايَةِ"(٢) وغيرِها: ((مِن تَجوِيزِ النَّصبِ))،
وقدَّمنا(٣) عن "الجوهرةِ": ((أَنَّه الصَّحِيحُ))، بل قال في "البحرِ"(٤): ((وينبغي أنَّه إذا نُصِبَ أَنَّه
يَكُونُ يَمِيناً بلا خِلافٍ؛ لأنَّ أهلَ اللُّغَةِ لم يَخَلِفُوا فِي حَوازٍ كُلِّ مِن الوجهَيْن، ولكِنَّ الَّصبَ
أكثرُ كما ذَكرَهُ "عبدُ القَاهِرِ" في "مُقْتَصَدِ"(٥)، كذا في "غايةِ البَيانِ)) اهـ.
قلْتُ: بَقِيَ الكلامُ على عدَمِ كَونِهِ يَمِيناً مع سُكُونِ الهاءِ، وقد رَدَّهُ في "الفتحِ"؛ حيثُ
(قولُهُ: ونظرَ فيه بأنَّهما إلخ) يجعلِ الخلافِ في الأرجحِ يندفعُ التنظيرُ، ويظهرُ وجهُ اقتصارِهِ على
النصبِ والجرِّ، تأمَّل.
(١) "الظهيرية": كتاب الأيمان - الفصل الأول فيما يكون يميناً بالعربية ق١٢٥/ب بتصرف.
(٢) "الهداية": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٧٣/٢.
(٣) المقولة [١٧١٦٨] قوله: ((ولو برفع الهاء)).
(٤) "البحر": كتاب الأيمان ٣١٣/٤.
(٥) "المقتصَد في شرح الإيضاح": ٧٦٩/٢، لأبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانيّ (ت ٤٧١ هـ)،
و"الإيضاح" لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسيّ النحويّ (ت٣٧٧ هـ) ("كشف الظنون" ٢١٢/١، و١٧٩٣/٢،
"فوات الوفيات" ٣٦٩/٢، "بغية الوعاة" ١٠٦/٢).
الجزء الحادي عشر
٢٨٣
کتاب الأيمان
أفادَ أنَّ إضمارَ حرفِ التأكيدِ فِي الْمُقْسَمِ عليهِ لا يجوزُ، ثُمَّ صرَّحَ بِهِ بقولِهِ: (الحِلِفُ)
بالعربِيَّةِ (في الإثباتِ لا يكونُ إلا بحرفِ التأكيدِ، وهوَ اللامُ والنونُ، كقولِهِ: واللهِ
لأفعلنّ كذا)
قال(١): ((ولا فرْقَ [٤/ق٤٥ /ب] فِي تُبُوتِ الْيَمِينِ بين أنْ يُعرِبَ الْمُقْسَمَ به خطأً أو صَواباً أو يُسكّنَهُ،
خِلافاً لِمَا في "الُحيطِ" فِيْما إذا سكَّهُ؛ لأنَّ مَعْنِى الْيَمِينِ - وهو ذِكرُ اسمِ الله تعالى لِلمَنعِ أو الحَمَلِ
مَعْقُوداً بِمَا أُرِيدَ مَنَعُهُ أَو فِعُهُ - ثَابِتٌ فلا يَتَوقّفُ على خُصُوصِيَّةٍ فِي اللَّفْظِ)) اهـ.
مطلبٌ: فِيْما لو أَسقَطَ اللَّمَ والنُّونَ مِن جَوابِ القَسَم
[١٧٢٩٠) (قولُهُ: أنَّ إِضِمارَ حرْفِ النَّكِيدِ) الإضافةُ في ((حرْفٍ)) لِلحِنسِ؛ لأنَّ المُرادَ اللَّمُ
والنُّونُ، فإِنَّ حِذْقَهُمَا فِي جَوابِ القَسَمِ المُستَقِبَلِ المُثَبَتِ لا يَجُوزُ، نعم حذْفُ أَحدِهِما حائِرٌ عند
الكُوفِيِّينَ لا عند البَصْرِيِّينَ، وكذا يَجُوزُ إِنْ كان الفِعلُ حالاً كَقِراءَةِ "ابنِ كثيرٍ" ﴿لَأقِْمُ بَوْمِ
الْقِيَمَةِ﴾ [القيامة - ١]، وقولِ الشَّاعرِ: [المتقارب]
يَمِيناً لأُبِغِضُ كُلَّ امرِئٍ يُؤَخِرِفُ قَوْلاً وَلا يَفْعَلُ(٢)
[١٧٢٩١) (قولُهُ: الحَلِفُ بالعربيَّةِ إلخ) على هذا أكثرُ ما يَقِعُ مِن العَوامِّ لا يكُونُ يَمِيناً لِعِدَمِ
اللَّمِ والنُّونِ فلا كفَّارَةَ عليهم فِيْها، "مَقدِسِيّ". يعني: لا يَكُونُ يَمِيناً على الإِثْباتِ، وقولُهُ: ((فلا
كَفَّارَةَ عليهِمْ فِيْها)) أي: إذا تَرَكُوا ذَلِكَ الشَّيءَ، ثُمَّ قال "الَقَدِسِيُّ": ((لكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تَلَزَمَهُم
◌ِتعارُفِهِمِ الحَلِفَ بِذَلِكَ))، وَيُؤَيِّدُهُ ما نَقَلناهُ عن "الظَّهِيرِيَّةِ"(٣): ((أَنَّه لو سَكَّنَ الهاءَ أو رَفَعَ أَو نَصَبَ
(قولُ "الشَّارحِ": أفادَ أنَّ إضمارَ إلخ) أي: مِن تقييدِ الإضمارِ بالحروفِ.
(١) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٥٧/٤ باختصار.
(٢) البيت بلا نسبة في "المقاصد النحوية" ٣٣٨/٤، و"شرح التصريح" ٢٠٣/٢، و"شرح الأشموني" ٤٩٦/٢،
و"فرائد القلائد" رقم (١٠٣١).
(٣) "الظهيرية": كتاب الأيمان - الفصل الأول فيما يكون يميناً بالعربية ق ١٢٥/ب بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٢٨٤
كتاب الأيمان
في: بالله يكُونُ يَمِيناً، مع أنَّ العَرَبَ ما نَطقَتْ بِغَيرِ الْجَرِّ، فليُتْأمَّل)). ويَنْغي أن يَكُونَ يَمِيناً وإِنْ
خَلَا مِن اللَّمِ والنُّونِ، ويدُلُّ عليه قولُهُ في "الوَّلْوالِحِيَّةِ"(١): ((سُبحانَ اللهِ أَفْعَلُ، لا إلهَ إلَّ اللهُ أَفْعَلُ
كَذَا لَيْسَ بَيَمِينِ إلاَّ أنْ يَنِيَهُ)) اهـ. واعترَضَهُ "الخَيرُ الرَّملِيُّ": ((بأنَّ ما نقَلَهُ لا يدُلُّ لِمُدَّعاهُ، أمَّا
الأوَّلُ: فلأَنَّه تَغْبِيرٌ إِعرابِيٌّ لا يَمَنَعُ المَعْنى الموضُوعَ فلا يَضُرُّ الَّسكينُ والرَّفِعُ والَنَّصبُ؛ لِمَا تقرَّرَ: أنَّ
اللَّحنَ لا يَمْنَعُ الانعقادَ، وأمَّ الثَّاني: فلأَنَّه لَيْسَ مِن المتنازَعِ فيه؛ إذ المتنازَعُ فيه الإِثْباتُ والَنَّهيُّ
لا أَنَّه يَمِينٌ، والنَّقْلُ يَجِبُ أَتْباعُهُ)) اهـ.
قُلْتُ: وفيه نظرٌ، أمَّا أوَّلاَ: فلأنَّ اللَّحنَ: الخَطأُ كما في "القامُوسِ"(٢)، وفي "المصباحِ"(٣):
((اللَّحنُ: الخَطأُ في العربيَّةِ))، وأمَّا ثانياً: فلأن قوْلَ "الوَلْوالِحِيَّةِ": ((سُبحانَ اللهِ أَفْعَلُ)) عَيْنُ المتنازَعِ
فيه لا غيرُهُ؛ فإنَّه أَتَى بالفِعلِ المُضارِعِ مُحرَّدًا مِن اللَّم والْنُونِ، وجعَلَهُ يَمِيناً مع النَّةِ، ولو كان على
النّهي لوَجِبَ أنْ يُقَالَ: إِنَّه مع النَّةِ يَمِينٌ على عدَمِ الفِعلِ كما لا يَخْفِى، وإنَّما اشتَرَطَ النِّيَّةَ لكَوْنِهِ
غيرَ مُتُعارَفٍ كما مرَّ(٤). وقال "ح "(٥): ((وَبَحثُ "الَقَدِسيِّ" وَجبةٌ، وقَوْلُ بعضِ النَّاسِ: إِنَّه يُصادِمُ
المنْقُولَ يُجابُ عنه بأنَّ الَقُولَ في المذهبِ كان على عُرفِ "صَدرِ الإِسلامِ" قَبْلَ أن تَتَغيَّرَ اللُّغَةُ،
وأمَّا الآنَ فلا يَأْتُونَ باللَّم والنُّونِ فِي مُثَبَتِ القسَمِ أَصلاً، ويُفرِّقُون بين الإِثْباتِ والنَّفيِ بُوُجُودٍ
(قولُهُ: قلتُ: وفيهِ نظرٌ، أمَّا أوَّلاً فلأنَّ اللحنَ إلخ) ما ذكرَهُ أوَّلاً وثانياً لا يُرُدُّ ما ذكرهُ "الرمليُّ"
كما هو ظاهرٌ لمن تدبَّرَ، تأمَّل.
(١) "الولوالجية": كتاب الأيمان - الفصل الأول في الألفاظ التي ينعقد بها اليمين ق٨٩/أ، نقلاً عن الإمام "محمد" رحمه الله.
(٢) "القاموس": مادة ((لحن)).
(٣) "المصباح المنير": مادة ((لحن)).
(٤) صـ ٢٥٨ - "در".
(٥) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٤/ ب، وقوله: ((لغةِ الفُرْسِ ونحوِها في الأيمان لمن تدبَّر)) ساقط من مخطوطة "ح" التي
بین أیدینا.
الجزء الحادي عشر
٢٨٥
كتاب الأيمان
((لا)) وعدَمِها، وما(١) اصطلاحُهُم على هذا إلاَّ كاصطِلاحِ لُغةِ الفُرْس وَنُحوِها في الأَيمانِ لِمَن
تَدبَّر)) اهـ.
قلْتُ: ويُؤَيِّدُهُ ما ذكرَهُ العلَّمَةُ "قاسم" وغيرُهُ: ((مِن أَنَّه يُحمَلُ كلامُ كُلِّ عاقدٍ وحالَفٍ
ووَاقفٍ على عُرفِهِ وعادتِهِ سواءٌ وافَقَ كلامَ العَرَبِ أَم لا))، ويَأْتِي(٢) نَحوُهُ عن "الفتحِ" في
أوَّلِ الفصلِ الآتي. وقد فرَّق أهلُ العربيّة بين ((بلى)) و((نعم)) في الجواب: بأنَّ ((بلى))
الإِيجَابِ ما بعد النّفيِ، و((نعم)) للتّصديقِ، فإذا قيلَ: ما قامَ زَيدٌ، فإنْ قُلْتَ: بَلَى كان مَعناهُ
قد قام، وإنْ قلتَ: نَعم كان معناه ما قام، ونقَلَ في "شرحِ الَّارِ" عن "التَّحقيقِ"(٣): ((أنَّ
المُعتبرَ في أحكامِ الشَّرعِ العُرفُ حَتَّى يُقَامُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَاٌ مُقَامَ الآخَرِ)) اهـ ومثلُهُ
في "التّلويحِ"(٤)، وقوْلُ "المحيطِ" هنا -: ((والحَلِفُ بالعربيّة أن يقولَ في الإِثباتِ: واللهِ لأفعلَنَّ))
إلخ - بَيَانٌ لِلحُكمِ على قواعِدِ العربيّةِ وعُرفِ العرَبِ وعادتِهِم الخاليةِ عن اللَّحنِ، وكلامُ
النّاسِ اليومَ خارِجٌ عن قواعِدِ العربِيَّةِ سِوَى النَّادِ فهو لغةٌ اصطلاحيَّةٌ لهم كباقِي
اللُّغَاتِ الأَعجمَّةِ، فلا يُعامَلُونَ بغير لُغَتِهِم وقَصدِهم إلاَّ مَن الَزَمَ منهُمُ الإِعرابَ، أو قصَدَ
الَعْنِى اللُّغوِيَّ فينبغي أنْ يُدَيَّنَ، وعن هذا(٥) قال شيخُ مَشايِخِنا "السَّائِحانيُّ": ((إِنَّ أَمانَنَا الآنَ
لا تَتْوقَّفُ على تَأكيدٍ، فَقَدْ وَضَعناها وَضْعاً حَدِيدً، واصطَلَحنا عليها وتَعَارَفناها فَيَجِبُ مُعامَلُنَا
على قدْرٍ عُقُولِنا ونِيَّاتِنا، كما أَوقعَ المُتْأَخِّرُون الطَّلاقَ بـ: عليَّ الطَّلاقُ، ومَن لم يَدْرِ بِعُرفِ أهلِ
زمانِهِ فھو جاهِلٌ)) اهـ.
(١) في "الأصل" و"آ": ((وأمَّا اصطلاحهم))، وكذا عبارة "ح" التي بين أيدينا، وهو خطأ.
(٢) المقولة [١٧٤٢٧] قوله: ((وعندنا على العرف)).
(٣) تقدمت ترجمته في ١٦٣/٣.
؟ قوله: ((كلُّ واحدٍ منهما إلخ)) أي: مِنْ نَعَمْ وَبَلَى. اهـ منه.
(٤) لم نعثر عليها في مظانها في "التلويح".
(٥) في "م": ((وعلى هذا)).
حاشية ابن عابدين
٢٨٦
كتاب الأيمان
قلْتُ: ونظيرُ هذا ما قالوه: مِن أَنَّه لو أَسقطَ الفاءَ الرَّابطةَ لِحوابِ الشَّرطِ فهو تَنَجِيزٌ
لا تَعليقٌ، حَتَّى لو قال: إنْ دَخلتِ الدَّارَ أنتِ طَالِقٌ تَطُلُقُ في الحالِ، وهذا مَبنِيٌّ على قواعدِ العربيّةِ
أيضاً، وهو خِلافُ المتعارَفِ الآنَ فَينبغي بناؤُهُ على العُرفِ كما قدَّمناهُ(١) عن "المقدِسيِّ" في باب
الَّعليقِ، وقدَّمنا هناك ما يُناسِبُ ذِكرَهُ هنا فراجعه، واللهُ سُبحانَهُ أعلمُ.
٥٩/٣
(تنبيةٌ)
ما مرَّ(٢) إِنَّما هو في القَسَم، بخِلاف النَّعليقِ فإنَّه وإِنْ سُمِّيَ عند الفقهاءِ حَلِفاً وَيَمِيناً لكِنَّه
لا يُسمَّى قَسَمً، فإنَّ القسَمَ خاصٌّ باليَمِينِ بالله تعالى كما صرَّح به "القُهستانيُ) (٣)، أمَّا الَّعليقُ فلا
يجري اشتراطُ اللَّمِ والنّونِ فِي الْمُثَبَتِ منه لا عند الفقهاءِ ولا عند اللُّغْوِيِّينَ، ومنه: الحَرَامُ يَلْزَمُنِي،
وعَليَّ الطَّلاقُ لا أَفْعَلُ كَذَا، فَإِنَّه يُرادُ به في العُرفِ: إِنْ فَعلتُ كذا فهِيَ طالقٌ، فَيَجِبُ إِمضاؤُهُ عليهم،
كما صرَّحَ به في "الفتح" وغيرِهِ كما يأْتِي (٤)، قال "ح"(٥): ((فاندَفعَ بهذا ما تَوَهَّمَهُ بعضُ الأَفَاضِلِ
مِن أنَّ في قوْلِ القائلِ: عَلَيَّ الطَّلاقُ أَجِيءُ اليومَ، إنْ جاءَ في اليومِ [٤ ق٤٦) وَقَعَ الطَّلاقُ، وإلاَّ فلا؟
العدَمِ اللَّمِ والنّونِ، وأنت خَبِيرٌ بأنَّ النُّحَاةَ إِنَّا اشْتَرَطُوا ذلك فِي جَوابِ القَسَمِ الْبَتِ لا في جوابِ
الشَّرطِ، وإلاَّ كان مَعْنى قولِكَ: إِنْ قَامَ زَيْدٌ أَقُم، إنْ قامَ زَيدٌ لم أَقُم: ولم يَقُل به عاقِلٌ فَضْلاً عن
فاضلٍ. على أنَّ قولَهُ: أَجِيُ لْيْسَ جوابَ الشَّرِطِ بل هو فِعلُ الشَّرِطِ؛ لأنَّالمَعْنى: إنْ لم أَجِئِ اليَومَ
فأنتِ طالقٌ، وقد وَقِعَ هذا الوَهُمُ بعَيْنِهِ لـ"الشَّخِ الرَّمِلِيِّ" في "الفتاوى الخَيرِيَّةِ"(٦) ولغيرِهِ أيضاً،
قال السيِّدُ "أحمدُ الحمَوِيُّ" في "َتَذكِرَتِهِ الكُبرى": رُفِعَ إليَّ سؤالٌ صُورَتُه: رَجَلٌ اغتَاظَ مِن ولدٍ
زَوجِتِهِ فقال: عَلَيَّ الطَّلاقُ إِنِّي أُصبِحُ أَشْتَكِيكَ مِن النَّقيبِ، فلما أصبَحَ تَركَهُ ولم يَشْتَكِهِ
(١) المقولة [١٣٨٦٥] قوله: ((وكذا لو حَذَفَ الفاءَ من الجواب)).
(٢) في هذه المقولة.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الأيمان ٣٧٨/١.
(٤) المقولة [١٧٣٥٢] قوله: ((ولكن الفتوى في زماننا)).
(٥) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٤/أ - ب بتصرف.
(٦) "الفتاوى الخيرية": كتاب الأيمان ٨٢/١.
الجزء الحادي عشر
٢٨٧
کتاب الأيمان
وواللهِ لقدْ فعلتُ كذا مقرُوناً بكلمةِ التَّوكيدِ، وفي النّفْيِ بحرفِ النَّفْيِ، حتّى لو قالَ:
واللهِ أفعلُ كذا اليومَ كانتْ يِمِينُهُ على النَّغْيِ، وتكونُ لا مضمرةً كأنَّهُ قالَ: لا أفعلُ كذا،
لامتناعِ حذْفِ حرفِ التوكيدِ في الإثباتِ لإضمارِ العربِ في الكلامِ الكلمةَ لا بعضَ
الكلمةِ، من "البحر"(١) عن "المحيط".
ومكَثَ مِدَّةً، فَهَلْ - والحالَةُ هذه - يَقعُ عليهِ الطَّلاقُ أَم لا؟ الجوابُ: إذا تَركَ شِكَايَتَهُ ومَضَى مدَّةٌ
بعد حَلِفِهِ لا يَقعُ عليهِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ الفِعلَ الَذكُورَ وقَعَ في جوابِ الْيَمِينِ وهو مُثَبَتٌ فَيُقدَّرُ النَّفْيُ
حَيْثُ لم يُؤكَّد، والله تعالى أعلم، كتبَهُ الفقيرُ "عبدُ المُنِعِمِ الَِّيُّ" فرفعَهُ إليَّ جماعةٌ قائلين: ماذا
يكُونُ الحالُ فقد زاد به الأمرُ وتقدَّم بين العوامِّ وتأخَّرَتْ أُولُو الفضْلِ، أَفِيدُوا الْجَوابَ؟ فأجبتُ بعدَ
الحَمْدُ للهِ: ما أَقْتَى به مِن عدَمٍ وُقُوعِ الطَّلاقِ - مُعلِّلاً بأنَّ المَعْلَ المَذكُورَ وقَعَ جواباً لِيَمِينِ، وهو
مُثَبَتْ فُقدَّرُ النَّهيُ حيثُ لم يُؤكَّد - فمُنبئ عن فرْطِ جَهلِهِ وحُمْقِهِ وكَثْرَةٍ مُجازَفَتِهِ فِي الدِّينِ وخَرَقِهِ
إذ ذاكَ في الفعْلِ إذا وقَعَ جواباً لِلقَسَمِ بالله، نحو: ﴿تَّهِ تَفْتَؤُأُ﴾ [يوسف - ٨٥] أي: لا تَفْتَؤُ،
لا في جواب الْيَمِينِ مَعْنى التَّعليقِ بما يَشُقُّ مِن طلاقٍ وعِتَاقٍ ونحوِهِما، وحِيْنئذٍ إذا أصبح الحالِفُ
ولم يَشْتَكِهِ وقَعَ عليه الطَّلاقُ الثَّلاثُ وبانَتْ زَوجَتُهُ مِنه بَيْنُونَةً كُبْرِى. إذا تقرَّر هذا فقد ظهَرَ لك أنَّ
هذا المُغْنِيَ أَخطأَ خَطَأَ صُرَاحاً لا يَصدُرُ عن ذِي دِينٍ وصلاحٍ، ولله دَرُّ القائِلِ: [طويل]
وعَنْ كُلِّ بِدْعِيِّ أَتَى بِالعَجائِبِ
مِن الدِّينِ كَشْفُ السَِّ عن كُلِّ كاذِبٍ
صَوَامِعُ دِينِ اللهِ مِن كُلِّ جانِبٍ
فَلَولاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ لَهُدِّمَتْ
واللهُ الهادي للصَّوابِ، وإليه الَرجِعُ والَمَآبُ.
[١٧٢٩٢] (قولُهُ: ووَاللهِ لقَدْ فعَلتُ) بصيغةِ الماضي، ولا بُدَّ فِيْها مِن اللَّمِ مَقْرُونةً بـ ((قَدْ))
أو ((رَبَّما)) إنْ كان مُتَصرِّفاً، وإلاَّ فغيرُ مَقْرُونٍ كما في "الَسهيلِ"(٢).
[١٧٢٩٣) (قولُهُ: وفي النّفْىِ إلخ) عَطفٌ على قولِهِ: ((في الإثبات))، أي: أنَّ الحَلِفَ إذا كان
(١) "البحر": كتاب الأيمان ٢١٣/٤ - ٢١٤ بتصرف.
(٢) "تسهيل الفوائد": باب القسم ص١٥٢ -.
حاشية ابن عابدين
٢٨٨
كتاب الأيمان
(وكفارتُهُ) هذهِ إضافةٌ للشرطِ؛ لأنَّ السَبَبَ عندنا الحنْثُ.
الجوابُ فيه مُضارِعاً مَنفِيًّاً لا يكُونُ باللّمِ والنُّونِ إلاّ لضرورةٍ أو شُذُوذٍ، [٤/ق١/٤٧) بل يكُونُ بحرْفِ
النّفْيِ ولو مُقَدَّراً كقوله تعالى: ﴿تَلِّنَفْتَؤْ﴾ [يوسف - ٨٥]. فقولُهُ: ((حَتَّى لو قال إلخ)) تَفَرِيعٌ
صحيحٌ أفادَ به أنَّ حرْفَ النّفْيِ إذا لم يُذكَر يُقدَّرُ، وأنَّ الدَّالَّ على تقديرِهِ عدَمُ شَرطِ كَوِهِ مُثبَتَاً وهو
حرْفُ الَّوكيدِ، وأَنَّه إذا دار الأمرُ بين تقديرِ الَّافِي وحرْفِ التَّوكيدِ تَعَّنَ تَقْدِيرُ الَّافِي؛ لأَنّه كلمةٌ
لا بعْضُ كلمةٍ، فافهم. لكِنْ اعتَرضَ "الخيرُ الرَّملِيُّ": ((بأنَّ حرْفَ التَّوكيدِ كلمةٌ أيضاً)). والجواب:
أنَّ المرادَ بالكلمةِ: ما يُتَكَلَّمُ بها بدُوْنِ غيرِها، أو ما ليسَتْ مُتَّصِلَةً بغيرها في الخَطِّ.
مطلبٌ: كَفَّارُ الْيَمِين
[١٧٢٩٤] (قولُهُ: وَكَفَّارَتُهُ) أي: اليَمِينِ مَعْنِى الْحَلِفِ أو القَسَمِ، فلا يَرِدُ أَنَّها مُؤنَّثٌ سَمَاعاً،
"نهر"(١).
نهر
[١٧٢٩٥) (قولُهُ: هذِهِ إضافةٌ للشَّرطِ) لَمَّا كان الأَصلُ في إضافةِ الأَحكامِ إضافةَ الحُكمِ إلى
سَبِهِ - كـ: حَدِّ الرِّنا، أو الشُّربِ، أو السَّرِقَةِ، وَاليَمِينُ لَيْسَ سَبَباً عندنا للكفَّارَةِ خِلافًاً لـ"الشَّافِعِيِّ"
رَحِمُهُ الله تعالى، بل السَّببُ عندنا هو الحِنْثُ كما يأتي(٢) - بَيَّنَ أنَّ ذلك خارِجٌ عن الأَصلِ، وأنّه
مِن الإضافةِ إلى الشَّرطِ مَجازًاً، وهي حائِرةٌ وثابتةٌ في الشَّرع، كما في كفّارةِ الإحرامِ وصَدَقةٍ
الفِطرِ. وكَونُ اليَمِينِ شَرْطً لا سَباً مُبَّنٌ بِأَدَّتِهِ في "الفتح"(٣) وغيرِهِ.
(قولُهُ: تفريعٌ صحيحٌ أفادَ بهِ أنَّ حرفَ النفيِ إلخ) فيهِ: أنَّ غايةَ ما أفادَهُ الكلامُ السَّابِقُ أنَّ الحلِفَ
في الإثباتِ لا بُدَّ فيه من التأكيدِ، والحلِفُ في النفيِ يكونُ بحرفِ النفي، ولا يُستفادُ من هذا أنَّهُ إذا خلا
الفعلُ عن التأكيدِ وعن النفيِ - بأنْ ذُكِرَ بمجرَّدًاً عنهما - يُقدَّرُ النفيُّ، بل تقديرُهُ مستفادٌ من التعليلِ بعدَهُ،
فلم يتمَّ التفريعُ، فالمناسبُ تركُهُ وذكرُ المسألةِ مستقلّةً.
(١) "النهر": كتاب الأيمان ق٢٧٩/أ.
(٢) المقولة [١٧٣١٥] قوله: ((ولم يُجْزِ التكفيرُ إلخ)).
(٣) انظر "الفتح": كتاب الأيمان - فصل في الكفارة ٣٦٨/٤.
الجزء الحادي عشر
٢٨٩
كتاب الأيمان
(تحريرُ رقبةٍ أو إطعامُ عشَرَةِ مساكينَ)
[١٧٢٩٦] (قولُهُ: تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) لم يَقُل: عِنْقُ رَقَةٍ؛ لأَنَّه لو وَرِثَ مَن يَعْتِقُ عليه فَنَوَى عن
الكَفَّارَةِ لم يُجْزِ، "نهر)(١).
[١٧٢٩٧] (قولُهُ: عشرةِ مَساكِين) أي: تَحقِيقاً أو تَقدِيراً حتّى لو أعطى مِسكِيناً واحداً في
عشَرَةِ أَيَّامٍ كُلَّ يَومٍ نِصِفَ صاعٍ يَجُوزُ، ولو أَعطاهُ فِي يَومٍ واحِدٍ بِدَفَعاتٍ في عَشْرِ سَاعاتٍ قَيْلَ:
يُجْزِئُ، وقيْلَ: لا وهو الصَّحِيحُ؛ لأَنّه إنّما جازَ إعطاؤُهُ فِي اليومِ الَّذِي تَنْزِيلاً له مَنْزِلَةَ مِسكينٍ آخَرَ
لَتَجَدُّدِ الحَاجَةِ، مِن "حاشِيةِ السِّدِ أبِي السُّعُودِ(٢)". وفيها(٢): ((يجوزُ أنْ يَكْسُوَ مِسكِيناً واحِداً في
عشْرِ ساعاتٍ مِن يَومٍ، عشَرَةَ أَثْوابٍ أو ثَوْباً واحِدًا؛ بأنْ يُؤدِّيَهُ إليه ثُمَّ يَسترِدَّهُ منه إليه أو إلى غيرِهِ،
بهِيةٍ أو غيرِها؛ لأنَّ لتَبَّدُّلِ الوصْفِ تَأثيراً في تبدُّلِ العَينِ، لكِنْ لا يجوزُ عند أكثَرِهِم، "ُهِسَانِيّ"(٣)
عن "الكَشْفَ"(٤). وقولُهُ: ((لكِنْ لا يجوزُ)) يُحتَمَلُ تَعُّقُهُ بالَّانِيةِ فقَطْ، أو بِهَا وبِالأُوْلى أيضاً وهو
الظَّاهرُ، بدليلٍ ما قدَّمناه)) اهـ.
٦٠/٣
قُلْتُ: ومُرادُهُ بِالثَّانِيةِ قولُهُ: ((أو ثَوْباً واحِدً)). وفي "الجوهرة"(٥): ((وإذا أَطعمَهُم بِلا إِدَامٍ
لم يُجْزِ إلَّ في خُبِ الحِنطَةِ، وإذا غَدَّى مِسكِيناً وعَشَّى غيرَهُ عشَرَةَ أَيَّامٍ لم يُجزِهِ؛ لأَنَّه فرَّقَ طعامَ
العَشَرَةِ على عشرين، كما إذا فرَّقَ حِصَّةَ المسكينِ على مِسكِينيْنِ، ولَو غَدَّى مِسكِيناً وأَعطاهُ
قِيمةَ العَشاءِ أَجزأَهُ، وكذا إذا فعلَهُ في عَشَرَةٍ مَساكِينَ، ولو عشَّاهُم في رَمضانَ عِشرين
[٤/ ق٤٧ /ب] ليلةً أَجزأَهُ)) اهـ.
(قولُهُ: لأَنّه لو ورِثَ مَنْ يعِقُ عليه فنوى إلخ) بخلاف ما لو اشتراهُ أو وُهِبَ أو أوصى به له فقبلَهُ
ناوياً العتقَ عن الكفارةِ فإنَّهُ يصِحُّ.
(١) "النهر": كتاب الأيمان ق ٢٧٩/أ.
(٢) "فتح المعين": كتاب الأيمان ٢٩٩/٢.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الأيمان ٣٨٢/١.
(٤) "كشف الأسرار": باب وجوه الوقوف على أحكام النظم ٤١١/٢.
(٥) "الجوهرة النيرة": كتاب الأيمان ٢٩٢/٢ باختصار.
حاشية ابن عابدين
٢٩٠
كتاب الأيمان
كما مرَّ(١) في الظهارِ (أو كُسْوتُهم بما (٢)) يَصْلُحُ للأوساطِ.
لكِنْ في "البزَّازِيَّةِ"(٣): ((إذا غَدَّاهُم في يَومٍ وعَشَّاهُم في يومٍ آخرَ، فَعَنِ الثَّاني فيه روايتان: في
رِوَايةٍ: شَرَطَ وُجودَهُما فِي يَومٍ واحِدٍ، وفي رِوَايَةِ "المُعَلَّى": لمْ يَشترِط)). وفي "كافي الحاكِمِ":
((وإنْ أَطِعَمَ عشَرَةَ مَسَاكِينَ كُلَّ مِسكِينٍ صَاعًاً عن يَمِينَيْنِ لم يُحزِهِ إلَّ عن إِحداهُما عندَهُما،
وقال "مُحمَّدٌ": يُحِزِيهِ عِنْهُما)).
[١٧٢٩٨) (قولُهُ: كما مرَّ في الظِّهارِ) أي: كالتَّحريرِ والإِطعامِ المارَّيْنِ في الظِّهارِ مِن كَونِ
الرَّقَةِ غيرَ فائِتَةٍ جِنْسَ الَفَعةِ ولا مُستَحِقَّةً للحرِّيَّةِ بجهةٍ، وفي الإطعامِ إِمَّا الَّمليكُ أو الإِباحَةُ
فُعْشِّهِم ويُغدِّيهِم، ولو أَطعَمَ خَمسةً و كَسَا خَمسةٌ أَجزأَهُ ذلك عن الإطعامِ إن كان أَرخَصَ مِن
الكُسوةِ، وعلى العَكسِ لا يَجوزُ، هذا في إطعامِ الإِباحَةِ، أمَّا إذا مَلَّكُهُ فَيَجوزُ ويُقامُ مُقَامَ الكُسوَةِ.
ولو أَعطَى عشَرَةً كُلَّ وَاحِدٍ أَلْفَ مَنُّ مِن الجِنِطَةِ عن كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لا يجوزُ إلَّ عن واحدَةٍ عند
الإمامِ والَّاني، وكذا في كفَّارةِ الظّهارِ، كذا في "الخلاصةِ"(٤)، "نهر "(٥).
قلْتُ: وبه عُلِمَ أنَّ حِيلَةَ الدَّورِ(٦) لا تَنفَعُ هنا بِخِلافِها في إسقاطِ الصَّلاة.
[١٧٢٩٩] (قولُهُ: بما يَصلُح للأَوساطِ) وقيْلَ: يُعتَبَرُ فِي الَّبِ حالُ القابِضِ: إنْ كان يَصِلُحُ له
يجوزُ، وإِلاَّ فلا، قال "السَّرْحَسِيُّ) (٧): ((والأوَّلُ أَشبَهُ بِالصَّوَابِ))، "بزَّازِيَّةٍ(٨).
(قولُهُ: ولا مستحقَّةً للحرّيةِ إلخ) فلو قالَ لعبدٍ: إنِ اشتريْتُكَ فأنتَ حرِّ، فاشتراهُ ينوي به الكفارةَ لا يجزيهِ؛
لأنَّ سببَ الحريةِ من جهةِ اليمينِ السَّابقةِ، وقد وُجِدَت من غيرِ مقارَنةٍ لنَّةِ الكفارةِ فلا يجزيهِ.
(١) ١٦٧/١٠ وما بعدها "در".
(٢) في "و": ((ما)).
(٣) "البزازية": كتاب الأيمان - الفصل الأول في المقدمة - نوع آخر في الكفارة ٢٦٦/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الأيمان - الفصل الأول في المقدمة ق ١١٠/ب.
(٥) "النهر": كتاب الأيمان ق ٢٧٩/أ.
(٦) في "م": ((الدرر))، وهو تحريف .
(٧) نقول: الذي في البزازية: ((شمس الأئمة))، والمرادُ ((شمس الأئمة الحلواني)) كما صرَّح به في "المحيط البرهاني"
١/ق ٤١٦/ب، وليس المرادُ ((السرخسي)) كما فهمه ابن عابدين من إطلاق "البزازية".
(٨) "البزازية": كتاب الأيمان - الفصل الأول: في المقدّمة - نوع آخر: في الكفارة ٢٦٥/٤ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
الجزء الحادي عشر
٢٩١
کتاب الأيمان
وينتفِعُ به فوقَ ثلاثةِ أشهُرٍ و (يسْتُرُ عامَّةَ البدنِ) فلمْ يُجْزِ(١) السراويلُ.
[١٧٣٠٠) (قولُهُ: ويَنتفِعُ به فوْقَ ثَلاثةِ أَشهُرِ) لأَنَّها أكثَرُ نِصفِ مُدَّةِ النَّوبِ الجديدِ كما
في "الخُلاصةِ"(٢)، فلا يُشترَطُ كَونُهُ جديداً، والظَّاهرُ أنّه(٣) لو كان جديداً رَقِيقاً لا يَبْقى هذه
المدَّةَ لا يُجزِي.
[١٧٣٠١] (قولُهُ: وَيَسْتُرُ عامَّةَ الْبَدَنِ) أي: أكثرَهُ كَالْمُلَاءَةِ أو الجُبَّةِ أو القَميصِ أو القَبَاءِ،
"قُهستانِيّ(٤). وهذا بيانٌ لأَدناهُ عندَهُما، والمَروِيُّ عن "مُحمَّدٍ": ما تجوزُ فيه الصَّلاةُ، وعليه:
فُيُحِزِيِهِ دَفعُ السَّراويلِ عندَهُ للرَّجُلِ لا للمَرأةِ.
[١٧٣٠٢] (قولُهُ: فلم يُجزِ السَّراوِيلُ) هو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ لابِسَهُ يُسمَّى عُرْياناً عُرْفاً، فلا بُدَّ
على هذا أنْ يُعطيَهُ قَمِيصاً أو حُبَّةً أَو رِداءً أو قَبَاءً أو إزاراً سَائِلاً بحيثُ يَتوشَّحُ بِهٌ عندَهُما
وإلاّ فهو كالسَّرَاوِيلِ، ولا تُحِزِئُ العِمامَةُ إِلاَّ إِنْ أَمْكَنَ أنْ يَتَّخَذَ مِنْهَا ثَوبٌ مُحرِىٌّ، وأمَّا القَلَنَسُوةُ
فلا تُجزِئُ بحالٍ، ولا بُدَّ للمَرأةِ مِن خِمارٍ مع الثَّوبِ؛ لأَنَّ صَلاَها لا تَصِحُّ بِدُوْنِه، وهذا أي:
التَّعَليلُ الَّذِكُورُ يُشابِهُ الَروِيَّ عن "مُحمَّدٍ" في السَّراِيلِ: (أَنّ لا يَكَفِي للمَرَأَةِ)). وظاهِرُ الجواب:
ما يَثْبُتُ به اسمُ الْمُكْسِي وَيَنْتَفِي عنه اسمُ العُرْيانِ لا صِحّةُ الصَّلاةِ وعدَمُها، والمرأةُ إذا كانَتْ
لابسةً قَمِيصاً سابلاً وخِماراً غَطَّى رَأْسَها وَأُذُنَيْها دُونَ [٤/ ق١/٤٨] عُنُقِها لا شَكَّ فِي تُبُوتِ اسمِ أنَّها
(قولُهُ: وأمَّا القلنسوةُ فلا تُجْزِي إلخ) إلا إذا كانت قيمةُ القلنسوةِ تساوي قيمةَ نصفِ صاعٍ من
بُرِّ، ودفَعَها في قيمةِ الإطعامِ. اهـ "سندي".
(١) في "د" و"و": ((تجز)).
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الأيمان - الفصل الأول في المقدمة ق ١١٠/ب بتصرف.
(٣) في "ب": ((أَنْ)).
(٤) "جامع الرموز": كتاب الأيمان ٣٨٣/١.
قوله: ((يَتَوَشَّح به)) يقال: توشَّح بثوبه، وهو أن يُدخلَهُ تحتَ إِيطِهِ الأيمن ويلقيَهُ على مَنْكِه الأيسرِ كما يفعَلُ
الْمُحْرِمُ، "مصباح". اهـ منه.
حاشية ابن عابدين
٢٩٢
كتاب الأيمان
إلا باعتبارِ قيمةِ الإطعامِ، (ولو أدَّى الكلَّ) جملةً أو مرتّباً ولم ينوِ إلا بعدَ تمامِها، ...
مُكَتَسِيةٌ لا عُرْيانَةٌ ومع هذا لا تَصِحُّ صَلاَتُها. اهـ مُلحَّصاً مِن "الفتح"(١).
وحاصِلُهُ: أَنَّه لا بُدَّ مع الَّّبِ مِن الخِمارِ، لكِنْ لا يُشترَطُ أنْ يَكُونَ الخِمارُ نَّا تَصحُّ به
الصَّلاَةُ، وقد اقْتَصَر في "البحر "(٢) على صَدْرٍ عِبارةِ "الفتحِ" فأَوهَمَ أَنَّه لا يُشترَطُ الخِمارُ أَصلاً
ولَيْسَ كذلك، فليُتَبَّه له. وفي "الشُّرُ نُبِلالَةِ"(٣): ((ولم أَرَ حُكمَ ما يُغْطِّي رَأْسَ الرَّجُلٍ)) اهـ.
قلْتُ: إنْ كان تَوقُّفُهُ فِي إِجزائِهِ فلا شَكَّ في عدَمِهِ، وإنْ كان في اشتراطِهِ مع الثَّوبِ فَظَاهِرُ
ما مرَّ(٤) عدَمُهُ. وفي "الكافي)"(٥): ((الكُسْوَةُ ثَوبٌ لكُلِّ مِسكِينٍ إزارٌ [أو](٦) رِداءٌ، أو قَمِيصٌ،
أو قَبَاءٌ، أو كِساءٌ)) اهـ. وقدَّمنا(٧): ((أَنَّ المرادَ ما يَسْتُرُ أكثرَ البَدَنِ)).
[١٧٣٠٣) (قولُهُ: إلَّ باعتبارِ قِيمةِ الإِطعامِ) ومِثْلُهُ لو أَعْطى نِصِفَ ثَوبٍ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ نِصفٍ
صَاعٍ مِن بُرِّ، أو صاعٍ من تَمرٍ، أو شَعِيرٍ أَجزَاهُ عن إِطعامٍ فقيرٍ، وكذا لو أَعْطى عشَرةَ مَساكِينَ
ثَوْباً كبيراً لا يَكَفِي كُلَّ واحِدٍ حِصَّهُ مِنْهُ للكُسوَةِ(٨) وتبلُغُ حِصَّةُ كُلِّ منْهُمْ قِيمةَ مَا ذَكَرْنَا أَجزَأَهُ
عن الكفّارَةِ بالإِطعامِ، ثُمَّ ظاهِرُ المَذهَبِ: أَنَّه لا يُشترَطُ للإِجْزَاءِ عن الإِطعامِ أَنْ يَنْوِيَ به عن
الإِطعامِ، وعن "أبي يُوسُفَ": يُشْتَرَطُ، "فتح"(٩).
(١٧٣٠٤) (قولُهُ: ولم يَنوِ إلاّ بعد تَمامِها) شَرطٌ في قولِهِ: ((مُرتَباً)) فقَطْ، وفيه: أنَّ النّةَ بعد
(قولُهُ: لا يكفي كلَّ واحدٍ حصَّتُه منه الكسوة إلخ) الذي في "الفتح": ((للكُسوةٍ)).
(١) "الفتح": كتاب الأيمان - فصل في الكفارة ٣٦٦/٤.
(٢) انظر "البحر": كتاب الأيمان ٣١٤/٤.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الأيمان ٤١/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) في المقولة نفسها.
(٥) "كافي النسفي": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً - فصل في الكفارة ٣/ق ١٩٣/ب.
(٦) في النسخ جميعها بالواو ((ورداءٌ))، والصواب ما أثبتناه من عبارة "الكافي"، وعبارةٍ "الفتح" ٣٦٦/٤،
و "البحرِ" ٣١٤/٤.
(٧) المقولة [١٧٣٠١] قوله: ((ويستُرُ عامَّةَ البدنِ)).
(٨) في النسخ جميعها : ((الكسوة))، وما أثبتناه من "م" هو الموافق لعبارة "الفتح"، وقد نَبَّه عليه "الرافعيُّ".
(٩) "الفتح": كتاب الأيمان - فصل في الكفارة ٣٦٧/٤ بتصرف.
الجزء الحادي عشر
٢٩٣
كتاب الأيمان
◌ِلُزُوِمِ النيةِ لصِحَّةِ التكفيرِ، (وَقَعَ عنها واحدٌ هو أعلاها قيمةً، ولو ترَكَ الكَلَّ عُوقِبَ
بواحدٍ هو أدناها قيمةٌ) لِسقوطِ الفرضِ بالأدنى (وإنْ عجزَ عنها) كُلِّهَا.
تَمامِها إِنَّمَا تُلَائِمُ الإطعامَ والكُسوةَ لِصِحَّةِ النَّّةِ بعد الدَّفْعِ مَا دَامَا فِي يَدِ الفقيرِ كما في الزَّكَاةِ، وأمَّا
الإِعتاقُ فلا إلاَّ أنْ تُصوَّرَ المَسأَلَهُ فِيْما إذا تَقَدَّمتِ الكُسوَةُ والإِطعامُ وعنْدَ الإِعتاقِ نَوَى الثَّلاثةَ عن
الكَفَّارَةِ. اهـ "ح"(١).
والمرادُ بالإِطعامِ التَّمِلِيكُ لا الإِباحةُ؛ لأنّهم لو أَكُلُوا عندَهُ ثُمَّ نَوَى لم يَصِحَّ فِيْما يَظهَرُ،
تأمَّل. ثُمَّ إِنَّ مُرادَ "الشَّارِحِ" بَيَانُ إِمكانٍ تَصويرِ المَسأَلَةِ وهو: وُقُوعُ الأَعَلَى قِيمةً عن الكفّارِةِ؛ لأَنَّه
إذا كان لا بُدَّ مِن النّةِ، فإذا فعَلَ الثَّلاثةَ فَمَا نَواهُ أَوَّلاً وَقَعَ عَنْها وإِنْ كان هو الأَدْنى، فَبَّنَ إِمكانَ
ذلك بما إذا فعَلَ الكُلَّ جُملةً أو مُرتَّباً لكِنَّه أَخَّرَ الَّةَ.
[١٧٣٠٥] (قولُ: لِلُزُومِ النَّّةِ) عِلَّةٌ لِما استُفِيدَ مِن الَقَامِ أَنَّه لا بُدَّ فِي النَّكفيرِ مِن النّةِ، وقد نَصَّ
عليه "الكَمالُ"(٢) وغيرُهُ، "ط"(٣).
[١٧٣٠٦] (قولُهُ: وإنْ عَجَزَ إلخ) قال في "البحرِ"(٤): ((أشارَ إلى أَنَّ لو كان عندَهُ واحِدٌ مِن
الأصنافِ الثَّلاثةِ لا يجوزُ له الصَّومُ وإنْ كان مُحتَاجاً إليه، ففي "الخانَيَّةِ"(٥): لا يجوزُ الصَّومُ لِمَن
يَمِلِكُ ما هو مَنصُوصٌ عليه في الكفَّرةِ أو يَمِلِكُ بدَّلَهُ فَوْقَ الكَفَافِ، والكَفَافُ: مَنزِلٌ يَسكّنُهُ
وَثَوبٌ يَلْبَسُهُ ويَستُرُ عورَتَهُ وَقُوتُ يَومِهِ، ولو له عبْدٌ يَحتاجُهُ للخِدمةِ لا يَجوزُ له الصَّومُ،
[٤/ق٤٨/ب] ولو له مالٌ وعليه دينٌ مِثْلُهُ فإِنْ قَضَى دَيْنَهُ به كفَّرَ بالصَّومِ، وإنْ صامَ قَبْلَ قَضائِهِ قَيْلَ:
٦١/٢
(قولُهُ: وأمَّا الإِعتاقُ فلا، إلاَّ أنْ تُصوَّرَ المسألةُ فيما إذا تقدَّمت إلخ) يُمكِنُ تصوُّرُهُ في الإعتاقِ
والإِباحةِ، بأنْ نوى أصلَ الكفّارَةِ بدونِ تعيينٍ ثُمَّ عيَّنَ، تأمَّل.
(١) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٥/أ.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - فصل في الكفارة ٣٦٧/٤.
(٣) "ط": كتاب الأيمان ٣٣٥/٢.
(٤) "البحر": كتاب الأيمان ٣١٥/٤.
(٥) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل في الكفارة ٢٠/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
حاشية ابن عابدين
٢٩٤
كتاب الأيمان
(وقتَ الأداءِ) عندَنا حتى لو وَهَبَ مَلَهُ وسلَّمَهُ ثمَّ صامَ ثمَّ رجَعَ بهيتِهِ(١) أجزأَهُ الصومُ،
"محتبى". قلتُ(٢): وهذا يُستَثَنَى منْ قولِهم: الرجوعُ في الهبةِ فسخٌ من الأصلِ. (صامَ
ثلاثةَ أيامٍ وِلاء) ويبطُلُ بالحيضِ بخلافِ كفَّارةِ الفطْرِ، وجوَّزَ الشافعيُّ.
يجوزُ، وقيْلَ: لا، ولو له مالٌ غائِبٌ أو دَينٌ مُؤجَّلٌ صام إلاّ إذا كان المالُ الغائِبُ عَبْدَاً لِقُدرَتِهِ على
إِعِتَاقِهِ)) اهـ، مُلخَّصاً.
وفي "الجوهرةٍ"(٣): ((والمرأةُ الْمُعسِرَةُ لِزوجِها مَنْعُها مِن الصَّومِ؛ لأنَّ كُلَّ صَومٍ وَجَبَ عليها
بإ يجابها له مَنْعُها منه، وكذا العبدُ إلَّ إذا ظاهَرَ مِنِ امرَأَتِهِ فلا يَمنَعُهُ المَوْلى لِتَعلَّقِ حقِّ المرأةِ به؛
لأَنَّه لا يَصِلُ إليها إلاَّ بالكفَّارَةِ)).
[١٧٣٠٧) (قولُهُ: وَقْتَ الأَداءِ) أي: لا وقْتَ الحِنْثِ، فلو حَنِثَ مُوسِراً ثُمَّ أَعسَرَ جازَ له
الصَّومُ، وفي عَكسِهِ لا، وعند "الشَّافِعِيِّ" على العَكسِ، "زَيلِعِيّ(٤).
[١٧٣٠٨) (قولُهُ: قُلْتُ: إلخ) قائلُهُ صاحِبُ "البحرِ"(٥)، ووَجِهُهُ: أَنَّه لو كان فَسْخاً - أي:
كأنَّه لم يَقِعْ - لَكانَ المالُ مَوجُودً في يدِهِ فلا يُحزِيهِ الصَّومُ، "ط)"(٦).
[١٧٣٠٩] (قولُهُ: ولاءً) بكسر الواو والمد أي: مُتابعةً(٧)؛ لِقراءةِ "ابنِ مَسعودٍ" و"أُبيِّ":
﴿فَصِيَامُ ثَلاَةِ أَيَامٍ مُتابِعاتٍ﴾ فَجَازَ التَقييدُ بِها؛ لأَنّها مَشهورَّةٌ فصارَتْ كخَبرِهِ المشْهورِ، وتَمامُهُ
سي !! (٨)
في "الزَّيلِعِيِّ"(٨).
[١٧٣١٠) (قولُهُ: بِخِلاَفِ كفَّارةِ الفِطرِ) أي: كفَّارةِ الإِفِطارِ في رَمضانَ فإنَّ مُدََّها لا تَخُلُو
(١) في "ب" و"م" و"ط": ((بهبةٍ)).
(٢) في "و" زيادة: ((تبعاً للبحر)).
(٣) "الجوهرة النيرة": كتاب الأيمان ٢٩٣/٢ بتصرف.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان ١١٣/٣ بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب الأيمان ٣١٥/٤.
(٦) "ط": كتاب الأيمان ٣٣٥/٢ بتصرف.
(٧) في "آ": ((متابعة)).
(٨) انظر "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان ١١٣/٣.
الجزء الحادي عشر
٢٩٥
كتاب الأيمان
التفريقَ، واعتَبَّرَ العجْزَ عندَ الحنثِ، "مسكين"(١). (والشرطُ استمرارُ العجْزِ إلى الفراغِ منَ
الصومِ فلو صامَ المُعسِرُ يومينِ ثمّ) قبْلَ فراغِهِ ولو بساعةٍ (أيسَرَ) ولو بموتِ مورِّتِهِ موسِراً
(لا يجوزُ لهُ الصومُ) ويستأنِفُ بِالمالِ(٢)، "خانية(٣). ولو صامَ ناسياً للمالِ لم يُخْزِ على
الصحيحِ، "مجتبى". ولو نسيَ كيفَ حلفَ باللهِ أو بطلاقٍ أو بصومٍ لا شيءَ عليهِ إلا أنْ
يتذكَّرَ، "حانية "(٤). (ولم يُجْزِ) التكفيرُ ولو بالمالِ، خلافاً "للشافعيِّ" (قَبْلَ حِنْثٍ(٥).
غالباً عن الحَيضِ.
[١٧٣١١) (قولُهُ: النَّفريقَ) أي: صومَ الثَّلاثةِ مُتَفرِّقَةً.
[١٧٣١٢) (قولُهُ: فلو صامَ المُعسِرُ) مثلُهُ: العَبْدُ إذا أُعْتِقَ وأَصابَ مالاً قَبْلَ فَراغِ الصَّومِ، كما في
"(٦)
"الفتح
[١٧٣١٣) (قولُهُ: ثُمَّ قَبْلَ فَراغِهِ) أي: مِن صومِ اليومِ الثَّالثِ بقرينةِ (ُثُمَّ))، فافهم. والأفضلُ
إكمالُ صومِهِ، فإنْ أفطَرَ لا قضاءَ عليه عندنا، كما في "الجوهرةِ"(٧).
[١٧٣١٤) (قولُهُ: لم يُحرِ على الصَّحيحِ) وقياسُهُ: أَنَّه لو صامَ لعَجزِهِ فَظَهَرَ أنَّ مُورِّتَهُ ماتَ قِبْلَ
صَومِهِ أنْ لا يُحِزِيَهُ، "نهر "(٨).
[١٧٣١٥] (قولُهُ: ولم يُجزِ النَّكفيرُ إلخ) لأنَّ الحنثَ هو السَّبَبُ كما مرَّ(٩)، فلا يجوزُ إلاّ بعد
(١) "شرح منلا مسكين": كتاب الأيمان صـ١٣٢ -.
(٢) في "و": ((المال)).
(٣) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل في الكفارة ١٩/٢ (هامش "الفتاوى الهندية")، وليس فيها: ((ويستأنف بالمال)).
(٤) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل في الكفارة ٢٠/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) في "د": ((حنثه)).
(٦) "الفتح": كتاب الأيمان - فصل في الكفارة ٣٦٧/٤.
(٧) "الجوهرة النيرة": كتاب الأيمان ٢٩٣/٢.
(٨) "النهر": كتاب الأيمان ق٢٧٩/ب، وقولُهُ: ((أَنَّ مورَّثَه مات قبل صومه أنْ لا يجزيَهُ)) ليست في مخطوطة "النهر"
التي بين أيدينا.
(٩) المقولة [١٧٢٩٥] قوله: ((هذه إضافةٌ للشَّرْطِ)).
حاشية ابن عابدين
٢٩٦
كتاب الأيمان
ولا يستَرِدُّهُ من الفقيرِ لوقوعِهِ صدقةً، (ومصرفُها مصرفُ الزكاةِ) فما لا فلا، قيلَ:
إلا الذّميَّ(١) خلافاً للثاني، وبقولِهِ يُفتى كما مرَّ(٢) في بابها. (ولا كفَّارةَ بيمينِ كافرِ وإِنْ
حِثَ مسِلِماً) بآيةٍ ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [ التوبة - ١٢]، وأمَّا ﴿ وَإِن تَّكَثُواْ أَيْمَنَهُمّ
[التوبة - ١٢] فيعني الصوريَّ كتحليفِ الحاكمِ. (وهو) أي: الكُفْرُ.
وُجُودِهِ، وفي "القُهِستانِيِّ) (٣): ((واعلَم أَنَّه لو أَخَّرَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ أَثِمَ ولم تَسقُط بالَوتِ والقَتْلِ، وفي
سُقُوطِ كَفَّارةِ الظّهارِ خِلافٌ كما في "الخِزانةِ")).
[ ١٧٣١٦] (قولُهُ: ولا يَسْتَرِدُّهُ) أي: لو كفَّرَ بالمالِ قَبْلَ الحِنثِ، وقُلْنا: لا يُحِزِيهِ فليْسَ (٤) له أنْ
يَسْترِدَّهُ مِن الفقيرِ؛ لأَنَّه تَمليكٌ لله تعالى قصَّدَ به القُرْبَةً مع شَيءٍ آخَرَ، وقد حَصلَ النَّقرُّبُ وَتَرتَّبَ
الثّوابُ فِليْسَ له أَنْ يَنْقُضَهُ وَيُبطِلَهُ، "فتح"(٥).
[١٧٣١٧] (قولُهُ: فمَا لا فَلا) أي: ما لا يجوزُ دُفعُ الزَّكَاةِ إليه لا يجوزُ دَفعُ الكَفَّارَةِ إليه.
[١٧٣١٨) (قولُهُ: إلاَّ الدِّمِّيَّ) فإنَّه لا يجوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إليه، ويجوزُ دَفْعُ غيرِها.
[١٧٣١٩) (قولُهُ: خلافاً للَّاني) فعندَهُ لا استثناءَ.
[١٧٣٢٠) (قولُهُ: في بابِها) أي: الزَّكَاةِ.
[١٧٣٢١) (قولُهُ: فيعني الصُّورِيَّ) أي: المرادُ بهذِهِ الآيةِ اليَمِينُ صُورةً، كَتَحلِيفِ القاضي لهم؛
إذ المقصُودُ مِنْها رَجاءُ [٤/ق٤٩/أ) النُّكُولِ، والكافِرُ وإنْ لم يَتْبُتْ في حقّهِ شَرْعاً اليَمِينُ الْمُسْتَعْقِبُ
◌ُحُكمِهِ لكنّهُ في نفسِهِ يَعْتَقِدُ تَعظيمَ اسمِ اللهِ تعالى وحُرمَةَ الْيَمِينِ به كاذباً فَيَمْتَنِعُ عنه فَيَحصُلُ
المقصُودُ فشُرِعَ إِلزامُهُ بصُورَتِها لهذِهِ الفائدَةِ، وَتَمامُهُ في "الفتح"(٦).
(١) في "و": ((للذمي)).
(٢) ١١٤/٦ "در".
(٣) "جامع الرموز": كتاب الأيمان ٣٨٤/١.
(٤) في النسخ جميعها : ((ليس))، وما أثبتناه من "الفتح".
(٥) "الفتح": كتاب الأيمان - فصل في الكفارة ٣٧٠/٤.
(٦) انظر "الفتح": كتاب الأيمان فصل في الكفارة ٣٧١/٤.
الجزء الحادي عشر
٢٩٧
كتاب الأيمان
(ُبطِلُها) إذا عرَضَ بعدَها، (فلو حلَفَ مسلماً ثم ارتدَّ) والعياذُ باللهِ تعالى (ثم أسلمَ
ثُمَّ حِنِثَ فلا كفارةَ) أصلاً؛ لما تقررَّ أنَّ الأوصافَ الراجعةَ للمحلِّ يستوي فيها
الابتداءُ والبقاءُ، كالمحرميَّةِ في النكاحِ، وكذا لو نذَرَ الكافرُ بما هوَ قربةٌ لا يلزمُهُ
شيءٌ، (ومَنْ حَلَفَ على معصيةٍ كعدمِ الكلامِ مع أبويهِ أو قتلٍ فلانٍ) وإنما قال:
(اليومَ)؛ لأنَّ وجوبَ الحِنْثِ لا يتأتّى إلا في اليمينِ الموقَّةِ، أمَّا الْمُطْلقَةُ فَحنتُهُ في آخر
حياتِهِ، فيوصي بالكفَّارَةِ بموتِ الحالِفِ، ويكفِّرُ عن يمينِهِ بهلاكِ المحلوفِ عليهِ،
"غاية". (وجَبَ الحِنْثُ والتكفيرُ) لأَنَّهُ أهونُ الأمرينِ،.
[١٧٣٢٢) (قولُهُ: يُبطِلُها) مُقتضاهُ: أَنَّه لا يَأْثَمُ بالحِنْثِ بعد الإِسلام.
[١٧٣٢٣] (قولُهُ: لِمَا تقرَّرَ إلخ) عَلَّةٌ لِكَونِ الكُفْرِ العارِضِ مُبطِلاً للّيَمِينِ كالكُفْرِ الأَصِلِيِّ
كحُرمَةِ المُصاهَرَةِ العارِضَةِ، كما إذا زَنَى بِأُمِّ امرَأْتِهِ فإنَّها تَمنَعُ بَقَاءَ الصِّحَّةِ كالْحُرمَةِ الأَصِلَيَّةِ؛
لأنَّ الكُفْرَ والمَحرَمِيَّةَ مِن الأَوصافِ الرَّاجعَةِ للمَحلِّ وهو الكافِرُ والَحْرَمُ فَيَسْتَوِي فِيْها الابتِداءُ
والبَقاءُ، أي: الطُّرُوُّ والعُرُوضُ، ولم أَرَ هذا الَّعلِيلَ لغيرِهِ، تأمُّل.
[١٧٣٢٤] (قولُهُ: أمَّ المُطْلَقَةُ فِنْتُهُ فِي آخِرِ حياتِهِ) هذا إذا كان الَحُلُوفُ عليه إثباتاً، أمَّا إنْ كان
نَفْياً فَيَتَأَّى الحِنْثُ في الحال بأَنْ يُكلِّمَ أَبَوَيهِ، وبهذا عرَفتَ أنَّ اليومَ قَيْدٌ في الثَّانِي فَقَطْ، "ح"(١).
[١٧٣٢٥) (قولُهُ: في آخِرِ حياتِهِ) الأَوْلى أنْ يقولَ: في آخِرِ الحياةِ لِيشمَلَ حياةَ الحالِفِ وحياةً
الَحُلُوفِ عليه.
[١٧٣٢٦] (قولُهُ: ويُكفِّرُ عَطفٌ على يُوصِي.
[١٧٣٢٧) (قولُهُ: لأَنَّ أَهونُ الأمرَيْن) لأَنَّ فيه تَفويتَ البِرِّ إلى جابٍ وهو الكفَّارةُ، ولا جابرَ
للمَعْصِيَةِ لو بَرَّ، كما في "البحر "(٢).
(قولُ "المصنّفِ": كعدمِ الكلامِ مع أبويهِ إلخ) أو غيرِهما؛ لأنَّ هجرَ المسلِمِ معصيةٌ، "سندي".
(١) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٥/أ.
(٢) "البحر": كتاب الأيمان ٣١٦/٤.
حاشية ابن عابدين
٢٩٨
كتاب الأيمان
وحاصلُهُ: أنَّ المحلوفَ عليهِ إمَّا فعلٌ أو ترْكٌ، وكلٌّ منهما(١) إمَّا معصيةٌ وهيَ مسألةُ
المتنِ، أو واجبٌ كحلِفِهِ لَيُصَلِيَنَّ الظهرَ اليومَ، وبِرُّهُ فرضٌ، أو هو أَوْلَى مِنْ غيرِهِ، أو غيرُهُ
أَوْلِى مِنْهُ كحلِفِهِ على تركِ وطءٍ(٢) زوجتِهِ شهراً ونحوِهِ، وحثُهُ أَوْلى، أو مستويان
ج
كحلِفِهِ لا يأكلُ هذا الخبزَ مثلاً وبِرُّهُ أَوْلى، وآيةُ ﴿وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ﴾ [المائدة - ٨٩] ..
[١٧٣٢٨) (قولُهُ: وحاصِلُهُ) أي: حاصِلُ ما قَيْلَ في هذا المقامِ لا حاصِلُ المَنْنِ؛ فإِنَّه قاصِرٌ على
الحَلِفِ بِمَعْصِيَّةٍ فِعْلاً وَتَرْكاً، "ط)" (٣).
[١٧٣٢٩) (قولُهُ: كحَلِفِهِ: لَيُصَلِّينَّ الظُّهرَ اليَومَ) هذا مِثالٌ للفِعلِ، ومِثالُ الَّركِ: واللهِ لا أَشْرَبُ
الخَمَرَ اليَومَ، "ح)"(٤).
[١٧٣٣٠) (قولُهُ: أو هو أَوْلى مِن غيرِهِ) مِثالُ الفِعلِ منه: واللهِ لُصلِّنَّ الضُّحَى اليَومَ، ومِثالُ
الّركِ: واللهِ لا آكُلُ البَصلَ، وحُكمُ هذا القِسمِ بِقِسمَيهِ: أنَّ بِرَّهُ أَوْلى، أو وَاجِبٌ، "ح"(٤). أي:
على ما بَحثَهُ "الكَمالُ"(٥) في القِسمِ الخامِسِ.
[١٧٣٣١] (قولُهُ: كحَلِفِهِ على تَرْكِ إلخ) هذا مِثالُ الَّركِ، ومِثالُ الفِعلِ: واللهِ لاَكُلَنَّ البَصلَ
اليَومَ، "ح"(٦).
(١٧٣٣٢) (قولُهُ: وَنَحوِهِ) أي: نَحوِ الشَّهرِ ثَّا لم يَلُغْ مُدَّةَ الإِيلاءِ وإلاَّ كان مِن قِسمِ المعصِيَةِ.
[١٧٣٣٣) (قولُهُ: أو مُسْتَوِيانٍ) أي: الفِعلُ والَّركُ بأنْ لم يَتْرجَّحِ أَحدُهُمَا قَبْلَ الحَلِفِ بُوُجُوبٍ
ولا أَولَوِيَّةٍ.
(١) قولُهُ: ((إمَّا فعلٌ أو تركٌ وكلٌّ منهما)) ساقط من "د".
(٢) ((وطء)) ساقطة من "د".
(٣) "ط": كتاب الأيمان ٣٣٦/٢.
(٤) "ح": كتاب الأيمان ٢٣٥/أ.
(٥) "الفتح": كتاب الأيمان - فصل في الكفارة ٣٧٠/٤.
(٦) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٥/أ.