Indexed OCR Text
Pages 261-280
الجزء الحادي عشر
٢٥٩
کتاب الأيمان
(وايمُ اللهِ) أي: يمينُ اللهِ(١)
تقول: عَمْرَ اللهِ فعلْتُ(٢)، قال في "الفتح"(٣): ((وأمَّا قولُهُم: عَمْرَكَ اللهَ ما فعلْتُ فمعناهُ:
بِقْرارِكَ له بالبَقاءِ، ويَنْبَغِي أنْ لا يَنعقِدَ يَمِيناً؛ لأَنَّه بفعْلِ الْمُخاطَبِ(٤) وهو إِقرارُهُ واعتقادُهُ)) اهـ
"نهر "(٥) مُلخَّصاً.
[١٧٢٢١] (قولُهُ: وايمُ اللهِ) قال في "المصباحِ"(٦): ((وأيْمُنُ استُعمِلَ فِي القَسَمِ والتّزِمَ رَفَعُهُ
وهمزَّتُهُ عند البَصْرِيِّين وَصْلٌ، وَاشْتِقَاقُهُ عندَهُمْ مِن الْيُمْنِ وهو البَرَكَةُ، وعند الكُوفّينَ قَطَعٌ لأَنَّه
جَمِعُ يَمِينٍ عندَهُم، وقد يُختصَرُ منه فُيُقالُ: [٤ ق.٤/) وايْمُ اللهِ بحذْفِ الهَمْزَةِ وَالنُّونِ، ثُمَّ اخْتُصِرَ
ثانياً فقيْلَ: مُ اللهِ بضمِّ الميمِ وكَسرِها)) اهـ. قال "القُهِسَانِيُ)(٧): ((وعلى الَذهَبَيْنِ مُبتدأُ خبرُهُ
مَحذوفٌ وهو: يَمِيني، ومَعْنِى يَمِينُ اللهِ: ما حَلَفَ اللهُ به نحوَ: الشَّمسِ والضُّحَى، أو الْيَمِينُ الذي
يكُونُ بأَسمائِهِ تعالى كما ذكرَهُ "الرَّضِيُّ)(٨))
[١٧٢٢٢) (قولُهُ: أي: يَمِينُ اللهِ) هذا مَبنِيٌّ على قوْلِ البَصْرِيِّنَ: إِنَّه مُفرَدٌ، واشتِقَاقُهُ مِن الْيُمْنِ
وهو البرَكةُ، ويكُونُ ذلك تفسيراً لِحَاصِلِ الَعْنِى، وإلاَّ فَكَانَ الُنَاسِبُ أن يقوْلَ: أي: بركةُ اللهِ،
أويقولَ: أي: أَيْمُنُ اللهِ بصيغةِ الجَمْع على قَوْلِ الكُوفِّينَ، تأمَّل.
(قولُهُ: وايمُ اللهِ بحذفِ الهمزةِ إلخ) أي: الأصليةِ، والمرسومةُ همزةُ وصلٍ حُلِبَت لِيُمكِنَ النطقُ
بها، كهمزةِ ابنِ وامرئٍ من الأسماءِ السَّكنةِ الأوائلِ.
(قولُهُ: ومعنى ((يمينُ اللهِ)) ما حلفَ اللهُ به إلخ) في "البحرِ" عنِ "المجتبى": ((لو قالَ: يمينُ اللهِ
لأفعلنَّ كذا فهو يمينٌ)) اهـ.
(١) في "و": ((أي: يحِينُهُ)).
(٢) في "الأصل" و"آ": ((لعمر الله ما فعلت)).
(٣) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٦١/٤.
(٤) في "الفتح": ((لأَنَّه حلَفَ بفعل المخاطب)).
(٥) "النهر": كتاب الأيمان ق ٢٧٨/أ.
(٦) "المصباح المنير": مادة ((يمن)) باختصار.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الأيمان ٣٨٠/١.
(٨) انظر "شرح الرضي" على "الكافية": قسم الحروف - حروف الجر - أحرف القسم ٣٠٥/٤.
حاشية ابن عابدين
٢٦٠
كتاب الأيمان
(وعَهدِ اللهِ) ووجهِ اللهِ وسلطان اللهِ،
[١٧٢٢٣) (قولُهُ: وعَهْدِ اللهِ) لقولِهِ تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الَّهِإِذَا عَهَدْ تُمْ وَلَا تَنْقُضُوا ◌ْأَيْمَنَ﴾
[النحل - ٩١] فقد جعَلَ أهلُ التّفسيرِ المُرادَ بالأَيمانِ: العُهودَ السَّابقةَ فوَحبَ الحُكمُ باعتِبارِ
الشَّرعِ إِيَّاها أَيْماناً وإنْ لم تكُن حَلِفاً بصِفَةِ اللهِ، كما حُكِمَ بأنَّ ((أَشْهَدُ)) يَمِينٌ كَذَلِكَ،
وأيضاً غلَبَ الاستِعمالُ فلا يُصرَفُ عن الْيَمِينِ إلَّ بِنَّةِ عَدَمِهِ، وَتَمامُهُ في "الفتح"(١). وفي
"الجَوْهرةِ"(٢): ((إذا قال: وعَهْدِ اللهِ ولم يقُلْ: عليَّ عهْدُ اللهِ، فقال "أبو يُوسُف": هو
يَمِينٌ، وعندَهُما: لا)) اهـ.
قلت: لكِنْ جِزَمَ في "الخانّةِ"(٣): ((بأنَّه يَمِينٌ بلا حِكَايَةِ خِلافٍ)).
(تنبيةٌ)
أفادَ ما مرَّ(٤): أَنَّه لو قال: عليَّ عهْدُ الرَّسولِ لا يَكُونُ يَمِيناً، بل قدَّمنا (٥) عن "الصَّيرفيَّةِ": ((لو
قال: عليَّ عهْدُ اللهِ وعهْدُ الرَّسُولِ لا أَفْعَلُ كَذَا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ عهْدَ الرَّسُولِ صارَ فاصِلاً)) اهـ.
[١٧٢٢٤) (قولُهُ: وَوَجْهِ اللهِ) لأنَّ الوجْهَ الْمُضافَ إلى اللهِ تعالى يُرادُ به الذَّاتُ، "بحر "(٦)، أي:
على القوْلِ بالنّأْوِيلِ، وإِلاَّ فُيُرادُ به صِفَةٌ له تَعَالى هو أَعلَمُ بها.
(قولُهُ: كما حكم بأنَّ ((أشهد)) يمينٌ كذلك إلخ) عبارتُهُ - أي: "الفتح"- ((وإن لم يكنْ فيهِ ذلكَ)).
(قولُهُ: لو قالَ عليَّ عهدُ اللهِ وعهدُ الرسولِ لا أفعلُ كذا لا يصِحُّ إلخ) على ما يأتي عن "الفتحِ"
من ترجيحِ لزومِ الكفارةِ بعليَّ يمينٌ بدونِ ذكرٍ مخلوفٍ عليه ينبغي لزومُها هنا؛ لأنّهُ بذكرِ الفاصلِ بقيَ
((عليَّ عهدٌ)) بدونِ محلوفٍ عليه، فإذا نوى الإنشاءَ لزمتْهُ.
(١) انظر "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٦١/٤.
(٢) "الجوهرة النيرة": كتاب الأيمان ٢٩٠/٢ بتصرف يسير.
(٣) "الخانية": كتاب الأيمان ٤/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) في المقولة نفسها.
(٥) المقولة [١٧١٢٥] قوله: ((وشرطُها: الإسلامُ والتكليف)).
(٦) "البحر": كتاب الأيمان ٣١٠/٤.
الجزء الحادي عشر
٢٦١
كتاب الأيمان
إنْ نوى بِهِ(١) قدرتَهُ (وميثاقِهِ) وذمَّتِهِ، (و) القسَمُ أيضاً بقولِهِ: (أُقسمُ أو أحِلِفُ أو أعزِمُ
أو أَشهَدُ) بلفظِ المضارِعِ، وكذا الماضي(٢) ..
[١٧٢٢٥] (قولُهُ: إِنْ نَوَى بِهِ قُدرَتَهُ) وإلَّ لا يكُونُ يَمِيناً كما في "البحرِ"(٣)، وكأنّه احتِرازٌ
عمَّا إذا نَوَى بالسُلطانِ الْبُرهانَ والحُجَّةَ.
[١٧٢٢٦) (قولُ: وَمِيثَاقِهِ) هو عقدٌ(٤) مُؤُكَّدٌ بَيَمِينِ وعَهْدٍ كما في "المُفْرَدَاتِ" (٥)، "ُهِسَانِيّ" (٦).
[١٧٢٢٧] (قولُهُ: وذِمَّتِهِ) أي: عَهدِهِ، ولذا سُمِّيَ الذّمَيُّ مُعاهِدً، "فتح"(٧).
[١٧٢٢٨] (قولُهُ: أو أَعزِمُ) مَعناهُ: أُوجِبُ فكان إخباراً عن الإِيجابِ في الحالِ، وهذا مَعْنى
اليَمِينِ، وكذا لو قال: عزَمتُ لا أَفْعَلُ كَذَا كان حالِفاً، "بحر "(٨) عن "البدائِعِ"(٩).
[١٧٢٢٩) (قولُهُ: أو أَشهَدُ) بفَتْحِ الهَمزَةِ والهاءِ، وضَمُّ الهَمزَةِ وكسْرُ الهاءِ خَطَأٌ، "مُحْتَبى"،
أي: خَطَأُ فِي الدِّينِ؛ لِمَا يَأْتِي (١٠): ((مِن أَنَّه يَسْتَغْفِرُ اللهَ ولا كفَّارةَ لعدَمِ العُرفِ)).
[١٧٢٣٠) (قولُهُ: بلفْظِ المُضارِعِ) لأَنَّه لِلحالِ حقيقةً، ويُستعمَلُ للاستِقِبالِ بِقِينَةٍ، كالسِّينِ
وسَوْف، فجُعِلَ حالِفاً لِلحالِ بِلانيَّةِ هو الصَّحِيحُ، وَتَمامُهُ في "البحرِ"(١١).
(قولُهُ: أي: خطأٌ فِي الدِّينِ إلخ) لم يظهرْ كونُ هذا الضبطِ خطأً في الدِّينِ، وما يأتي من الاستغفارِ
إنما هو على المتكلّمِ؛ لمخالفتِهِ لِما أشهَدَ اللهَ تعالى عليه.
(١) ((به)) ساقطة من "و" و"د".
(٢) في "و": ((وكذا بالماضي)).
(٣) "البحر": كتاب الأيمان ٣١٠/٤، نقلاً عن "القدوري".
(٤) في النسخ جميعها و"القهستاني": ((عهد))، وما أثبتناه من "مفردات الراغب" هو الصواب.
(٥) "مفردات ألفاظ القرآن": مادة ((وثق)).
(٦) "جامع الرموز": كتاب الأيمان ٣٨٠/١.
(٧) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٦١/٤.
(٨) "البحر": كتاب الأيمان ٣٠٨/٤.
(٩) "البدائع": كتاب الأيمان ٧/٣.
(١٠) صـ ٢٦٩ - "در".
(١١) انظر "البحر": كتاب الأيمان ٣٠٧/٤.
حاشية ابن عابدين
٢٦٢
كتاب الأيمان
بالأَوْلى كـ: أقسمْتُ وحَلَفْتُ وعزَمْتُ وآليْتُ وشهدْتُ، (وإنْ لم يقُلْ: باللهِ) إذا علَّقَهُ
بشرطٍ، (وعليَّ نذْرٌ) فإنْ نوى بلفظِ النذرِ قربَةً لزمتُهُ، وإلا لزمتْهُ الكفارةُ.
[١٧٢٣١) (قولُهُ: بالأَوَّلَى) لِدَلاَتِهِ على النَّحقُّقِ؛ لعدَمِ احْتِمالِهِ الاستقبالَ.
[١٧٢٣٢] (قولُهُ: وَآلَيتُ) مَدِّ الهَمزَةِ مِن الأَلِيَّةِ وهي اليَمِينُ، كما في "البحر"(١).
[١٧٢٣٣] (قولُهُ: إذا علَّقَهُ بِشَرطٍ) يعني: بِمُقْسَمٍ عليه، [٤ /ق ٤٠/ب] قال في "النّهر"(٢): ((واعلم
أَنَّه وقَعَ في "النّهايةِ" وَتَبِعُهُ في "الدِّراَةِ": أنَّ مُحرَّدَ قَوْلِ القائِلِ: أُقْسِمُ وأَحلِفُ يُوجِبُ الكَفَّارَةَ مِن غيرِ
ذِكْرٍ مَحُلُوفٍ عليه، ولا حِنْثٍ، تَمسُّكاً بما في "الدَّخيرةِ": أنَّ قولَهُ : - عَلَيَّ يَمِينٌ - مُوجِبٌ للكَفَّارَةِ،
وأُقْسِمُ مُلحَقٌ به. وهذا وَهْمٌ بَيِّنٌ؛ إذِ اليَمِينُ بِذِكرِ الْمُقْسَمِ عليه، وما في "الذَّخيرةِ" معناهُ: إذا وُجدَ
ذِكرُ الْمُقْسَمِ عليه ونُقضتِ(٣) الْيَمِينُ، وتَركَهُ لِلعلمِ به؛ يُفْصِحُ عن ذلك قوْلُ "مُحمَّدٍ" في
"الأَصلِ"(٤): واليَمِينُ بالله تعالى، أو أَحلِفُ، أو أُقْسِمُ إلى أن قالَ: وإذا حَلَفَ بشَيءٍ مِنْهَا لَيَفْعَلنَّ
كذا فحَنِثَ وجَبتْ عليه الكفَّارَةُ)) اهـ.
قُلْتُ: وأصلُ الرَّدِّ لصاحِبِ "غايَةِ البيانِ"، وتَبِعُهُ في "الفتحِ"(٥) و"البحرِ"(٦) أيضاً، وهو وَجِيةٌ،
لكِنْ هذا في غيرِ: عَلَيَّ نَذْرٌ أو عَلَيَّ يَمِينٌ كما يأْتِي(٧) قريباً.
[١٧٢٣٤ ) (قولُهُ: فِإِنْ نَوَى) مُقابِلُه مَحذُوفٌ تقديرُهُ: إنَّما يَكُونُ يَمِيناً إذا لم يَنْوِ بِهِ قُرْبَةً، فإِنْ
نَوَى إلخ. قال في "كافي الحاكِمِ": ((وإذا حلَفَ بِالَّذْرِ، فإِنْ نَوَى شيئاً مِن حَجِّ أو عُمرَةٍ أو غيرِهِ
فعَلَيهِ ما نَوَى، وإنْ لم تكُنْ له ◌ِيَّةٌ فِعلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)).
(١) "البحر": كتاب الأيمان ٣٠٨/٤.
(٢) "النهر": كتاب الأيمان ق ٢٧٧/ب.
(٣) عبارة "النهر" و"ط": ((وانقضت))، وما أثبتناه من النسخ جميعها هو الأَوْلى، والله تعالى أعلم.
(٤) "الأصل": كتاب الأيمان ١٤٦/٣.
(٥) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٥٩/٤.
(٦) "البحر": كتاب الأيمان ٣٠٧/٤.
(٧) المقولة [١٧٢٣٧] قوله: ((إذا علَّقَهُ بشرطٍ)).
الجزء الحادي عشر
٢٦٣
كتاب الأيمان
وسيتْضِحُ، (و) عليَّ (يمينٌ أو عهدٌ وإن لم يضِفُ(١)) إلى اللهِ تعالى إذا علَّقَهُ بشرطٍ،
"مجتبى". (و) القسمُ أيضاً بقولِهِ: (إِن فَعَلَ كذا فهُوَ) يهوديٌّ أو نصرانيٌّ أو فاشهَدوا
عليّ بالنصرانَّةِ أو شريكٌ للكفارِ أو (كافرٌ).
[١٧٢٣٥) (قولُهُ: وَسَيَتَّضِحُ(٢) أي: قُبَيلَ البابِ الآتِي.
[١٧٢٣٦) (قولُهُ: وإنْ لم يُضَف إلى اللهِ تعالى) وكذا إِنْ أُضِيفَ بالأَوْلِى، كأَنْ قال: عَلَيَّ نَذرُ
اللهِ، أو يَمِينُ اللهِ، أو عَهَدُ اللهِ.
[١٧٢٣٧] (قولُهُ: إذا علَّقَه بشَرطٍ) أي: مَحُوفٍ عليه حَتَّى يَكُونَ يَمِيناً مُنعقِدةً، مِثلُ: عَلَيَّ
نَذْرُ اللهِ لَأَفْعَنَّ كَذَا، أو لا أَفْعَلُ كَذَا، فإذا لم يَفِ بما حَلَفَ لَزِمتَهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، لَكِنْ فِي لَفْظِ
النَّذرِ - إذا لم يُسمِّ شيئاً بَأَنْ قال: عَلَيَّ نَذرُ اللهِ - فإِنَّه - وإِنْ لم يكُنْ يَمِينَاً - تَلزَمُهُ الكَفَّارَةُ فِيكُونُ
هذا التِزامَ الكَفَّارَةِ ابتداءً بهذِهِ العِبَارَةِ كما في "الفتح"(٣)، وذكر في "الفتحِ"(٤) أيضاً: ((أَنَّ الحقَّ أنَّ:
عَلَيَّ يَمِينٌ مِثْلُهُ إذا قالَهُ على وجْهِ الإِنشاءِ لا الإِخبارِ ولم يَزِد عليه فُيُوجِبُ الكَفَّارَةَ؛ لأَنَّه مِن صِيَغِ
النَّذرِ، ولو لم يكُنْ كَذلِكَ لَغَا، بخِلاف: أَحِفُ وَأَشْهَدُ ونَحوِهِما فإِنّها ليسَتْ مِنْ صِيَغِ النَّذْرِ فَلا
يَتْبُتُ به الالتزامُ انِداءً)) اهـ.
وحاصِلُه: أنَّ: عَلَيَّ نَذرٌ يُرادُ بهِ نَذرُ الكَفَّارةِ، وكذا: عَلَيَّ يَمِينٌ هو نَذْرٌ لِلكَفَّارِ انِتِداءً
بِمَعْنى: عَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينِ لا حَلِفٌ إلَّ بعد تَعليقِهِ بمحلُوفٍ عليه فُيُوحِبُ الكَفَّارَةَ عند الحِنْثِ
الا قبلَهُ، وَرَدَّهُ في "البحرِ"(٥) بما في "المُجْتَبِى: ((لو قالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ يُرِيدُ به الإيجابَ لا كَفَّارَةَ عليه
إذالم يُعلّقَهُ بِشَيٍ)) اهـ
٥٤/٣
(١) في "و": ((يضفه)).
(٢) صـ ٣٣٦ - "در".
(٣) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٥٩/٤ -٣٦٠.
(٤) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٦٠/٤ بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب الأيمان ٣٠٨/٤.
حاشية ابن عابدين
٢٦٤
كتاب الأيمان
أقول: الذي في "الُحْتَبِى" بَعدَمَا رَمَزَ بلَغْظِ "ط" لـ "المُحِيطِ"(١): ((ولو قالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ، أو
يَمِينُ اللهِ فَيَمِينٌ))، ثُمَّ قالَ - أي: صاحِبُ الرَّمزِ الَذكُورِ -: ((عَلَيَّ يَمِينٌ يُرِيدُ به الإيجابَ لا كَفَّارَةً
[٤ /ق ٤١/أ) عليه إذا لم يُعلّقْهُ بشَيءٍ، وكذا إذا قالَ: للهِ عَلَيَّ يَمِينٌ، هكذا رُوِيَ عن "أبي يُوسُفَ"،
و"عن أبي حنيفة": عَلَيَّ يَمِينٌ لا كَفَّارَةَ لها يُرِيدُ الإيجابَ فعَلَيهِ يَمِينٌ لها كفَّارةٌ)). اهـ ما في
"الُحْتَبِى". وظاهِرُ كلامِهِ: أنَّ فِي المَسْأَةِ اخْتِلافَ الرِّوَةِ، وإذا كان: عَلَيَّ يَمِينٌ مِن صِيَغِ النَّذْرِ
تَرجَّحتِ الرِّوَايَةُ الَرِيّةُ عن أبي حنيفةً"، فالرَّدُّ على "الفتحِ" بِالرِّوَايَةِ الَروِيَّةِ عن "أبي يُوسُفَ" غيرُ
صَحِيحٍ، ثُمَّ رأيتُ في "الحاوِيّ" ما نَصُّهُ: ((ظم: عَلَيَّ نَذْرٌ، أو: عَلَيَّ يَمِينٌ ولم يُعلِّقَهُ فعليه كفَّارةُ
يَمِينٍ)) اهـ. فهذا صَرِيحُ ما في "الفَتَحِ"(٢)، فافهم.
(تنبيةٌ)
قدَّمنا(٣) أنَّ الْيَمِينَ تُطلَقُ على التَّعليقِ أيضاً، فلو علَّقَ طَلاقً أو عِثْقَاً فهو يَمِينٌ عند الفُقْهاءِ،
فصارَ لَفِظُ الْيَمِينِ مُشتَركاً، ولعلَّهُم إِنَّمَا صَرِفُوهُ هنا إلى اليَمِينِ بالله تعالى لأَنَّه هو الأَصلُ في
المشرُوعَّةِ، ولأَنَّه هو المَعْنَى اللُّغَوِيُّ أيضاً فيَنصَرِفُ عند الإطلاقِ إليه، ويَنْغِي أَنَّه لو نَوَى به الطَّلاقَ
أَنْ تَصِحَّنَِّهُ؛ لأَنَّ نَوَى مُحَتَمَلَ كَلامِهِ، فَيَصِيرُ الطَّلاقُ مُعلَّقً على ما حَلَفَ، وَتَقَعُ به عنْدَ الحِنثِ
طَلقةٌ رَجعيّةٌ لا بائِنةٌ؛ لأَنَّه ليْسَ مِن كِناياتِ الطَّلاقِ خِلافً لِمَن زَعمَ أَنَّه مِنْها ولِمَن زَعمَ
(قولُهُ: وإذا كانَ ((عليَّ يمينٌ)) مِن صِيَغِ النذرِ ترجحَّتِ الروايةُ المرويَّةُ عن "أبي حنيفةً" إلخ) نهايةُ
ما أفادَهُ كلامُ "المجتبى" اختلافُ الروايةِ، وليسَ فيهِ ما يدلُّ على ترجيحِ إحداهما على الأخرى، وكونُ
((عليَّ يمينٌ)) من صِيَغِ النذرِ هو محلُّ الخلافِ بينَ الروايتينِ، فلا معنى لجعلِهِ مرجِّحاً لروايةٍ "الإِمام"،
والأُولى في ترجيحِها قولُ "الفتحِ": ((إنَّ الحقَّ أنَّ: عليَّ يمينٌ مثلُهُ إلخ))، فإنَّهُ من أهلِ الترجيحِ.
(١) "المحيط البرهاني": كتاب الأيمان ١/ق ٣٦٢/ب.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٥٩/٤.
(٣) المقولة [١٧١٢٢] قوله: ((فإنه يمينٌ شرعاً)).
الجزء الحادي عشر
٢٦٥
كتاب الأيمان
أَنَّهَ لا يَلزمُهُ إِلَّ كَفَّارَةُ يَمِينِ كما حقَّقْناهُ(١) في باب الكِناياتِ. لَكِنْ بَقِيَ لو قال: أَيْمَانُ الْمُسلِمِينَ
تَلَمُنِي إِنْ فعَلْتُ كَذَا، فَقْتَى العلاّمة "الطُّوْرِيُّ" بأَنَّه إِنْ حَنِثَ وكانَتْ له زَوجَةٌ تَطُلُقُ وإِلاَّ لَزِمِتَهُ
كَفَّارَةٌ واحدةٌ، وردّهُ السِّدُ "محمَّد أبو السُّعودِ"(٢)، وأَفَتَى بأَنَّه لا يَلَمُهُ شيءٌ؛ لأَنَّه لَيْسَ مِن ألفاظِ
الْيَمِينِ لا صَريحاً ولا كِنايَةً وأقرَّهُ الُحشّي(٣)، ولا يَخْفِى ما فيه؛ فإنَّ أَيمَانَ جَمعُ يَمِينِ، والْيَمِينُ عند
الإطلاقِ يَنصرِفُ إلى الحَلِفِ باللهِ تعالى، وعند الّةِ يَصِحُّ إرادَةُ الطَّلاقِ به كما عَلِمتَ. وفي
"الخانية"(٤): ((رَجَلٌّ حَلَّفَ رَجُلاً على طَلاقٍ وعِنَاقٍ وهَدْيٍ وصَدَقَةٍ ومَشْىٍ إلى بَيْتِ الله تعالى،
وقال الحالِفُ لرجُلٍ آخَرَ: عليكَ هذِهِ الأيمانُ فقال: نَعَمْ يَلْزِمُهُ المَشْيُ والصَّدقةُ لا الطَّلاقُ والعِتاقُ؛
لأَنَّه فِيْهما بمنزلةٍ مَن قال: لله عَلَيَّ أنْ أُعْتِقَ عِبْدِي، أو أُطِّّقَ امرَأَتي، فلا يُحِبَرُ على الطَّلاقِ
والعِتَاقِ، ولكِنْ يَنْغي له أنْ يُعِقَ، وإنْ قال الحالِفُ لرجُلٍ آخَرَ: هذه الأَيمانُ لازمةٌ لك، فقال: نعم
يَلزمُهُ الطَّلاقُ والعِتاقُ أيضاً)) اهـ. أي: لأنَّ قولَهُ: نعم بمنزلَةِ قولِهِ: هذه الأيمانُ لازمةٌ لي، فصارَ
بمنزلَةِ إِنشائِهِ الحَلِفَ بها فَزَمُهُ كُلُّها حَتَّى الطَّلاقُ والعِتاقُ. [٤/ق٤١/ب] ومُقْتضى هذا: أنْ يلزَمَهُ
كلُّ ذلك في قولِهِ: أَبمانُ الْمُسلِمِين تَلزَمُني خُصُوصاً الهَدْيُ والمَشْيُ إلى بَيْتِ الله؛ لأَنَّها خاصَّةٌ
بالُسلِمِين، وكذا الطَّلاقُ والعِثْقُ والصَّدَقَةُ، فالقَوْلُ بعدَمِ لُزُومٍ شَيءٍ، أو بلُزُومِ الطَّلاق فقَطْ غِيرُ
ظاهرٍ إلاَّ أنْ يُفرَّق بأنَّ هذه الأَيمانَ مَذكُورةٌ صَريحاً في فرْعِ "الخالَّةُ" بخِلافِها فِي فِرْعِنَا الَذِكُورِ،
لكنّه بعيدٌ؛ فإنَّ لفْظَ (َيمان) جَمعُ يَمِينِ، ومع الإضافةِ إلى المُسلِمِين زادَتْ في الشُّمُول فِيَنْبَغِي لُزُومُ
(قولُهُ: فلا يُحبَرُ على الطلاقِ والعتاقِ، ولكنْ ينبغي له أن يَعْتِقَ إلخ) أي: يجبُ عليه ديانةً، فحينئذٍ
ساوى المشيَ والصدقةَ في اللزومِ ديانةً، فالأنسبُ في عبارةِ "الخانَّةِ " الاقتصارُ على نفيِ الطلاقِ.
(١) المقولة [١٣٤٣٢] قوله: ((ما لم يُوْضَعْ له إلخ)).
(٢) "فتح المعين": كتاب الطلاق - باب الكنايات ١٣٥/٢ - ١٣٦ بتصرف.
(٣) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٢/ب.
(٤) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل في يمين الفضولي ٢١/٢. (هامش "الفتاوى الهندية").
حاشية ابن عابدين
٢٦٦
كتاب الأيمان
فُكَفِّرُ بحنثهِ لو في المستقبل، أمَّا الماضي عالماً بخلافِهِ فغمُوسٌ، واختُلِفَ في كفرِهِ،
(و) الأصحُّ أنَّ الحالِفَ (لم يكفُرْ) سواءٌ (علِّقَهُ بماضٍ أو آتٍ إنْ كان عندَهُ).
أنواعِ الأَيْمانِ الَّتِي يَحِلِفُ بها المُسِلِمُون لا خُصُوصُ الطَّلاقِ ولا خُصُوصُ الْيَمِينِ باللهِ تعالى، هذا
ما ظهَرَ لي، والله تعالى أعلمُ.
[١٧٢٣٨) (قولُهُ: فيكفّرُ بحِنْنِهِ) أي: تلزَمُهُ الكَفَّارةُ إذا حِنِثَ إِلحاقً له بَتَحريمِ الحَلالِ؛ لأنه لَمَّا
جَعَلَ الشَّرطَ عَلَماً على الكُفْرِ - وقد اعتَقَدَهُ واجِبَ الامتناعِ وأَمَكَنَ القوْلُ بُوُجُوبِهِ لغيرِهِ - جَعلناهُ
يَمِيناً، "نهر"(١).
[١٧٢٣٩) (قولُهُ: أمَّ المَاضِي) كـ: إنْ كُنْتُ فعلْتُ كَذَا فِهُوَ كَافِرٌ أو يَهُودِيٌّ، ومِثْلُهُ الحالُ.
[١٧٢٤٠] (قولُ: عالِماً بِخِلافِ) أمَّا إذا كان ظَانً صِحَّتَهُ فَلَغْوٌ، "ح)"(٢).
[١٧٢٤١] (قولُهُ: فَغَمُوسٌ) لا كَفَّارَةَ فِيْهَا إلَّ الّوبةُ، "فتح"(٣).
[١٧٢٤٢] (قولُهُ: واختُلِفَ في كُفْرِهِ) أي: إذا كان كاذبً.
(١٧٢٤٣] (قولُهُ: والأصحُّ إلخ) وقَيْلَ: لا يُكفَّرُ، وقيْلَ: يُكَفَرُ لأَنَّه تَنْحِيزٌ مَعْنَى؛ لأَنَّه لَمَّا
علَّقْهُ بأمرٍ كائِنٍ فكأنَّه قال ابتداءً: هو كافِرٌ، واعلم أنَّه تَبَتَ في "الصَّحيحَيْنِ"(٤) عنهَِ أَنَّه قال:
(قولُهُ: أي: تلزمُهُ الكفارةُ إذا حِنِثَ إلحاقً له بتحريمِ الحلالِ إلخ) توضيحُ هذا ما في "الفتحِ"
بقولِهِ: ((وجهُ الإِلحاقِ: أنَّهُ لما جعلَ الشرطَ علماً على كفرِهِ، ومعتقَدُهُ حرمةُ كفرِهِ فقد جعلَهُ - أي:
الشرطَ - واجبَ الامتناعِ، فكأنَّهُ قالَ: حرَّمتُ على نفسي فعلَ كذا)) اهـ.
(قولُهُ: أي: إذا كانَ كاذباً) أو فعَلَ المحلوفَ عليهِ في المنعقدةِ.
(١) "النهر": كتاب الأيمان ق ٢٧٨/أ.
(٢) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٣/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٦٢/٤.
(٤) أخرجه البخاري (١٣٦٣) في الجنائز - قاتل النفس، و(٦٦٥٢) الأيمان، و(٦١٠٥) الأدب - من أكفر أخاه، ومسلم
(١١٠) (٧٧٧) في الأيمان - تحريم قتل الإنسان نفسه، وأحمد ٣٣/٤ - ٣٤، وأبو داود (٣٢٥٧) في الأيمان - الحلف
بالبراءة، والترمذي (١٥٢٧) (١٥٤٣) في النذور، و(٢٦٣٦) في الإيمان - من رمى أخاه بكفر، والنسائي
١٩،٦،٥/٧ في الأيمان - الحلف بلة غير الإسلام، وفي النذر فيما لا يملك، وابن ماجه (٢٠٩٨) في الكفارات =
الجزء الحادي عشر
٢٦٧
کتاب الأيمان
في اعتقادِهِ أَنَّهُ (يمينٌ، وإنْ كانَ) جاهلاً و(١) (عندَهُ أَنَّهُ يكفُرُ في الحِلِفِ) بالغموسِ،
وبمباشرةِ الشرطِ في المستقبل
(مَنْ حَلَفَ على يَمِينِ بِلَّةٍ غيرِ الإِسلامِ كاذِياً مُتَعمِّداً فَهُوَ كما قالَ)). والظَّاهرُ: أَنَّه أُخرِجَ مُخرَجَ
الغالِبِ ؛ فَإِنَّ الغالِبَ مِمَّن يحِلِفُ بِمثلِ هذهِ الأَيمَانِ أَنْ يَكونَ جَاهِلاً لا يَعْرِفُ إلَّ لُزومَ الكُفْرٍ عَلى
تَقْدِيرِ الحِنْثِ، فَإِنْ تَمَّ هَذا، وإلاّ فالحديثُ شاهدٌ لِمَنْ أَطْلَقَ القولَ بِكُفْرِهِ، "فتح"(٢).
[١٧٢٤٤ ) (قولُهُ: في اعتقادِهِ) تفسيرٌ لقولِهِ: ((عنده))، "ح"(٣). قال في "المِصْباح"(٤):
((وتكونُ (عند) بمَعْنِى الْحُكْمِ، يُقالُ: هذا عِنْدي أفضلُ مِن هذا أي: في حُكْمي)).
[١٧٢٤٥) (قولُهُ: وعندَهُ أَنَّهُ يُكْفَرُ عطفُ تفسيرٍ عَلى قولِهِ: جَاهِلاً، وعبارةُ "الفتح "(٥): ((وَإِنْ
كانَ في اعتقادِهِ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِهِ يُكْفَرِ؛ لأَنَّهُ رَضِيَ بالكفرِ حيثُ أقدمَ عَلى الفعلِ الَّذِي عَلَّقَ عَليهِ كُفْرَهُ
وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَكْفُرُ إِذَا فَعَلَهُ)) اهـ. وعبارةُ "الدرر)(٦): ((وَكَفَرَ إنْ كانَ جَاهِلاً اعتقدَ أَنَّهُ كُفْرٌ
إلخ))، وبهِ ظهرَ أنَّ عطفَ ((وعندَهُ)) بالواو هُوَ الصوابُ، وَمَا يُوجدُ في بعضِ النَّسَخِ مِنْ عطفِهِ
بـ: أَو خَطّ؛ لأَنّهُ يُفيدُ أنَّ المرادَ بالجاهِلِ هُوَ الَّذِي لا يَعْتقدُ شيئاً، وَلا وَجْهَ لِتَكَفِيرِهِ؛ لَمَا عَلِمْتَ مِنْ
أَنَّهُ إِنَّمَا يُكْفَرُ إِذَا اعتقدَهُ كُفْرَاً لِيَكُونَ رَاضِياً بالكُفْرِ، أمَّا الَّذي لا يعتقدُهُ كَذلِكَ لَمْ يَرْضَ بالكُفْرِ
[٤/ق ٤٢/ ١] حتَّى يُقَالَ: إِنَّهُ يُكْفَرُ، فافهم.
(قولُهُ: عطفُ تفسيرٍ على قولِهِ: جاهلاً إلخ) الظَّاهرُ: أنَّ العطفَ للتقييدِ.
= من حلف بملة غير الإسلام، والحميدي (٨٥٠)، والطيالسي (١١٩٧)، وعبدالرزاق (١٥٩٨٤)، وابن حبان
(٤٣٦٦) و(٤٣٦٧)، والطبراني (١٣٣١) و(١٣٣٦) و(١٣٣٨)، والبيهقي ٣٠/١٠ في الأيمان - باب من حلف
بغير الله ثم حنث أو ... إلخ وغيرهم من طرق عن خالد الحذاء، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، عن أبي قلابة، عن
ثابت بن الضحاك رَظُله عن النبيِحُّ فذكره مرفوعاً.
(١) في "و": ((أو)) بدل الواو، وما أثبتناه أَوْلى.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٦٢/٤ باختصار.
(٣) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٣/أ.
(٤) "المصباح المنير": مادة ((عند)).
(٥) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٦٢/٤، وفيه: ((يكفر فيهما؛ لأنَّه رَضِيَ)).
(٦) "الدرر والغرر": كتاب الأيمان ٤١/٢.
حاشية ابن عابدين
٢٦٨
كتاب الأيمان
(ُيُكَفَرُ فيهما) لرضاهُ بالكُفْرِ، بخلافِ الكافرِ فلا يصيرُ مسلماً بالتعليق؛ لأَنَّهُ تركٌ،
كما بَسَطَهُ المصنّفُ في "فتاويهِ". وهلْ يَكْفُرُ بقولِهِ: اللهُ يعلمُ أو يعلمُ اللهُ أَنَّهُ فعلَ
كذا أو لم يفعلْ كذا.
٥٥/٣
[١٧٢٤٦] (قولُهُ: يُكْفَرُ فِيهِمَا) أَي: في الغَمُوسِ وَالُنَعَقِدةِ، أمّا في الغموسِ فَفي الحالِ، وَأَمَّا في
المنعقدةِ فَعندَ مُباشَرةِ الشَّرطِ، كَمَا صرَّحَ بهِ في "البحر "(١) قُبِيلَ قولِهِ: ((وحروفُهُ))، "ح) (٢).
ولا يُقالُ: إِنَّ مَنْ نَوى الكُفْرَ في المستقبَلِ كَفَرَ في الحالِ، وَهَذَا بمنزِلَةٍ تَعَلِيقِ الكُفْرِ بِالشَّرطِ؛ لأَنَّا
نقولُ: إِنَّ مَنْ قالَ: إِنْ فعلتُ كذا فَأَنَا كافرٌ مُرادُهُ الامتناعُ بالتعليقِ، وَمِنْ عزمِهِ أنْ لا يفعلَ، فلْيْسَ
فيه رِضَّى بالكُفْرِ عند الَّعليقِ، بخلاف ما إذا باشَرَ الفِعلَ مُعتقِداً أَنَّه يَكْفُرُ بُباشَرتِهِ فإنَّ يَكْفُرُ وَقْتَ
مُبَاشَرِهِ لِرضاهُ بالكُفْرِ، وأمَّا الجوابُ - بأنَّ هذا تعليقٌ بما لَهُ خَطرُ الْوُجُودِ فلا يُكَفَرُ به في الحال،
بخِلافٍ قولهِ: إذا جاء يومُ كذا فهو كافِرٌ فَإِنَّه يُكَفَرُ في الحالِ؛ لأَنه تَعليقٌ بِمُحقَّقِ الوُجُودِ - ففيهِ (٣)
أنّه لو علَّقَهُ بِمَا لَهُ خَطَرٌ يُكَفَرُ أيضاً، كقولِهِ: إنْ كان كذَا غَدًا فأنا أَكْفُرُ، فإنّه يُكَفَرُ مِن ساعتِهِ كما
في "جامِعِ الفُصولَيْنَ"(٤)؛ لأَنَّ رَضِيَ في الحالِ بِكُفْرِهِ المُستَقبلِ على تقديرٍ حُصُولِ كذا، فافهم.
وعلى هذا لو كان الحالِفُ وَقْتَ الحَلِفِ نَاوِياً على الفِعلِ وقال: إنْ فعلْتُ كذا فهو كافِرٌ يَنْبَغي أن
يُكَفَرَ في الحالِ؛ لأَنَّه يَصيرُ عازِماً في الحالِ على الفِعلِ المستقبَلِ الذي يَعْتَقِدُ كُفْرَهُ به.
[١٧٢٤٧] (قولُهُ: بخِلافِ الكافِرِ) أي: إذا قال: إنْ فعلْتُ كذا فأنا مُسلِمٌ، قال "ح"(٥): ((في
بَعْضِ النُّسَخِ: ((بِخِلافِ الكُفْر))، وعليها فضَمِيرُ ((يَصِير)) عائِدٌ على الكافِرِ الَّذِي اسْتَزَمَهُ الكَفْرُ،
والأُوْلى أَظْهَرُ)) اهـ.
[١٧٢٤٨) (قولُهُ: لأَنَّه تَرْكٌ) أي: لأنَّ الكُفْرَ تَرِكُ الَّصديقِ والإقرارِ فَيَصِحُّ تَعليقُهُ بِالشَّرطِ،
(١) "البحر": كتاب الأيمان ٣١٠/٤.
(٢) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٣/أ.
(٣) هذا إيراد من ابن عابدين رحمه الله تعالى.
(٤) "جامع الفصولين": الفصل الثامن والثلاثون في مسائل كلمات الكفر ٢٩٧/٢.
(٥) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٣/أ.
٢٦٩
کتاب الأيمان
الجزء الحادي عشر
كاذباً؟ قالَ الزاهدِيُّ(١): الأَكْثَرُ نعمْ، وقال الشُّمُنِّي: الأصحُّ لا؛ لأَنَّهُ قصَدَ ترويجَ
الكذبِ دونَ الكفْرِ. وكذا لو وَطِئَ المصحَفَ قائلاً ذلكَ؛ لأَنَّهُ(٢) لِتَرْوِيجِ كَذِبِهِ
لا إهانةُ المصحفِ، "مجتبى". وفيهِ: أُشْهِدُ اللهَ لا أفعلُ يسْتَغْفِرُ اللـهَ ولا كفارةَ،
وكذا أُشْهِدُكَ وأُشْهِدُ ملائكَتَكَ؛
بِخِلافِ الإسلامِ فإِنَّه فِعلٌ، والأفعالُ لا يَصِحُّ تَعلِيقُها بالشَّرطِ، قال "ح"(٣): ((وبهذا النَّقريرِ عرفْتَ
أنَّ هذا تَعَليلٌ لقولِهِ: ((يَكْفُرُ فيهما)) لا لِقولِهِ: ((فلا يَصيرُ مُسلِماً بالتّعليقِ)))) اهـ.
قلْتُ: لكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّه تَعَليلٌ لِلمُخالَفةِ وبيانٌ لوَجِهِ الفَرْقِ وإِلَّ لَعطَفَهُ على الَّعليلِ الأوَّلِ.
[١٧٢٤٩) (قولُهُ: كاذباً) حالٌ مِن الضَّميرِ في: ((بقوله)).
[١٧٢٥٠] (قولُهُ: الأكثرُ نَعَم) لأَنَّه نَسَبَ خِلافَ الواقِعِ إلى عِلمِهِ تعالى فيَتَضمَّنُ نِسبةَ الْجَهْلِ
إليه تعالی.
[١٧٢٥١] (قولُهُ: وقال "الشُّمُنِّي": الأَصَحُّ لا) جعَلَهُ فِي "لُحْنَبِى" وغيرِهِ رِوايةً عن "أبي
يُوسُفَ"، ونقَلَ في "ُورِ العَيْنِ" عن "الفتاوى" تَصحِيحَ الأَوَّل، وعلى القوّلِ بعدَمِ الكُفْرِ قال "ح"(٣):
(يَكُونُ حِيْئِذٍ يَمِيناً غَمُوسً؛ لأَنّه على ماضٍ، وهذا إنْ تُعُورِفَ الْحَلِفُ به، وإِلاَّ فلا يكُونُ يَمِيناً،
وعلى كُلِّ فهو مَعصِيةٌ تَجِبُ النَّوبةُ منه)) اهـ. لكِنْ عَلِمتَ أنَّ النَّعارُفَ إِنَّمَا يُعتَبَرُ فِي الصِّفاتِ
الْمُشْتَرِكَةِ، تأمَّل.
[١٧٢٥٢) (قولُهُ: وكذا لو وَطِئَ المصحفَ إلخ) عبارةُ" المجتبى" بعدَ التعليلِ المنقولِ هنا
(قولُهُ: لكنْ علمتَ أنَّ التعارُفَ إنما يُعتَبرُ في الصفاتِ إلخ) اعتبارُ التعارفِ في الصفاتِ، أي: لا في أسمائِهِ
تعالى، وأمَّا في مثلِ هذهِ الجملةِ فلا بُدَّ فيهِ من التعارُفِ، وَيُفيدُ ذلكَ ما تقدَّمَ وما يأتي أيضاً.
(١) لم نعثر عليها في مظانها من نسخة "القنية" التي بين أيدينا.
(٢) ((لأَنَّه)) ساقط من "ط".
(٣) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٣/أ.
حاشية ابن عابدين
٢٧٠
کتاب الأيمان
لِعَدمِ العرفِ. وفي "الذخيرة": إن فعلتُ كذا فلا إلهَ في السماءِ يكونُ يميناً.
عن "الشُّمُنِّي" هكذا: ((قلتُ: فَعَلى هذا إذا وَطِئَ المصحفَ قائِلاً: إنَّهُ فَعَل كذا أَو لَمْ يَفْعَلْ كذا
وكانَ كَاذِبً لا يُكْفَرُ لأَنَّهُ يَقصِدُ بهِ ترويجَ كَذِبِهِ لا إهانةَ المصحفِ)). اهـ لكنْ ذَكَرَ في "القنية"(١)
[٤ /ق ٤٢/ ب] و "الحاوي": ((ولو قالَ لها: ضَعِي رجَلَكِ عَلَى الكُرَّاسَةِ إِنْ لَمْ تكُونِي فعلتِ ذلكَ،
فوضَعَتْ عَلَيْهَا رِجْلَهَا، لا يُكْفَرُ الرَّجلُ؛ لأنَّ مرادَهُ الَّخويفُ، وَتُكْفَرُ المرأةُ)). قالَ رحمه الله:
((فَعَلَى هَذا لو لَمْ يَكُنْ مرادُهُ التخويفَ يَنْبُغِي أنْ يُكْفَرَ، ولو وَضَعَ رِجَلَهُ عَلَى المصحفِ حَالِفَاً
يَتُوبُ، وفي غيرِ الْحَالِفِ اسْتِخِفَافاً يُكْفَرُ)) اهـ.
ومقتضاه: أنَّ الوضعَ لا يَسْتَلِمُ الاستخفافَ، ومثلُهُ في "الأشباه"(٢) حيثُ قَالَ: ((يُكْفَرُ
بوضعِ الرِّجْلِ عَلَى المصحفِ مُسْتَخِفًاً، وإلاَّ فَلا)) اهـ.
ويَظهَرُ لي أنَّ نَفْسَ الوَضْعِ بلا ضَرورةٍ يَكُونُ اسْتِخِفَافاً واستِهانةً لهُ، ولذا قالَ: ((لو لَمْ
يَكُنْ مرادُهُ التخويفَ يَنبَغِي أنْ يُكْفَرَ))، أي: لأَنَّهُ إذَا أرادَ التخويفَ يكونُ معظِّمَاً لَهُ؛ لأنَّ مرادَهُ
حملُهَا عَلَى الإِقرارِ بأَنَّها فَعَلَتْ، لِعِلْمِهِ بأنَّ وَضعَ الرِّجلِ أَمْرٌ عظيمٌ لا تفعلُهُ، فَتُقِرُّ بِمَا أَنْكَرَتْهُ، أمَّا
إِذَا لَمْ يُرِدِ التخويفَ، فَإِنَّهُ يُكْفَرُ؛ لأَنَّهُ أَمرَها بِمَا هُوَ كُفْرٌ؛ لَمَا فِيهِ مِنَ الاستخفافِ والاسِهانَةِ،
وَيَدِلُّ عَلَّى ذلكَ قولُ مَنْ قالَ: يُكْفَرُ مَنْ صَلَّى بلا طهارةٍ أو لِغَيرِ القِيْلَةِ؛ لأَنَّه استِهانَةٌ، فليتأمل.
[١٧٢٥٣) (قولُهُ: لِعَدَمِ الْعُرْفِ) قُلْتُ: هُوَ في زمانِنَا متعارَفٌ، وكذا: الله يَشْهِدُ أَنّي لا أَفْعَلُ،
ومِثُهُ: شَهِدَ اللهُ، عَلِمَ اللهُ أَنّي لا أَفعلُ، فَيَنْبَغِي في جميعِ ذلِكَ أنْ يَكُونَ يَمِيناً لِلَّعَارُفِ الآنَ.
[١٧٢٥٤) (قولُهُ: يَكُونُ يَمِيناً) قالَ في "البحرِ"(٣): ((وَينبغي أنَّ الحالِفَ إذا قصَدَ نَفْيَ المكانِ
(قولُهُ: ويظهرُ لي أنَّ نفسَ الوضعِ بلا ضرورةٍ إلخ) خلافُ الظَّاهرِ مِن كلامِهم، والظاهرُ: أَنَّهُ لا بدَّ
في تحقَّقِ الإهانةِ والاستخفافِ من قصدِهِما.
(١) "القنية": كتاب السير - باب فيما يكفر به الإنسان - النوع الخامس: فيما يتعلق بيوم القيامة ق ٦٥/أ، نقلاً عن
برهان الدين صاحب المحيط ونجم الأئمة البخاري.
(٢) "الأشباه والنظائر": كتاب السِّير صـ٢٢١ -.
(٣) "البحر": كتاب الأيمان ٣١٠/٤.
الجزء الحادي عشر
٢٧١
كتاب الأيمان
ولا يُكْفَرُ. وفي: فأنا بريءٌ من الشفاعةِ ليسَ(١) بيمين؛ لأنَّ مُنْكِرَها مْتَدِعٌ لا كافرٌ، ...
عن اللهِ تعالى أَنَّه لا يكُونُ يَمِيناً؛ لأَنَّ حِيْنَئذٍ ليْسَ بِكُفْرٍ بل هو الإِيمانُ)) اهـ "ح(٢).
[١٧٢٥٥] (قولُهُ: ولا يُكَفَرُ لَمَّا كان مُقْتَضى حَلِفِهِ كَونَ الإِلَهِ فِي السَّماءِ كان مَظِنَّةَ أنْ
يُتوهَّمَ كُفرَّهُ بنفسِ الحَلِفِ؛ لأنَّ فيهِ إثباتَ المكان له تعالى فقالَ: ((ولا يُكَفَرُ))، ولعلَّ
وجهَهُ أنَّ إِطلاقَ هذا اللَّفظِ وارِدٌ في النُّصوصِ، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَآءِ إِلَهٌ ﴾
[الزخرف - ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿َأَمِنْثُ مَّنْ فِالسَّمَاءِ﴾ [الملك - ١٦] فلا يُكَفَرُ بِطلاقِهِ عليه
تعالى وإِنْ كانَتْ حقيقةُ الظَّفَيَّةِ غيرَ مُرَادَةٍ، فبالنَّظَرِ إلى كَونِ هذا اللَّفظِ وارِدًاً في القُرْآنِ
كان نفيُّهُ كُفْراً، ولِذا انعقَدَتْ بِه الْيَمِينُ كما في نَظائِرِهِ، وبالنَّظَرِ إلى أنَّ اعتقادَ حقيقتِهِ
اللُّغَوِيَّةِ كُفْرٌ كان مَظِنَّةَ كُفْرِهِ؛ لاقِتِضاءِ حَلِفِهِ كَونَ الإِلَهِ فِي السَّماءِ، هذا غايةُ ما ظهَرَ لي في
هذا المحلِّ. وفي أَواخِرِ "جامِعِ الفُصُولَيْن)"(٣): ((قال: اللهُ تعالى في السَّماءِ عالِمٌ، لو أرادَ به
المكانَ كُفِرَ، لا لو أَرادَ به حِكايةً عمَّا جاءَ في ظاهِرِ الأَخْبَارِ، وَلَوْ لا نَّةَ له يُكَفَرُ عند
أكثَرِهِم)) اهـ. فتأمَّل.
[١٧٢٥٦] (قولُهُ: لأنَّ مُنكِرَها مُبْتَدِعٌ لا كافِرٌ) أي: واليَمِينُ إِنَّمَا تَنعقِدُ إذَا غُلِّقَت بِكُفْرٍ،
"ط " (٤).
(قولُهُ: أي: واليمينُ إنما تنعقدُ إلخ) ولو قيلَ: إنَّ منكِرَها كافرٌ لا يكونُ النبرِّي منها كفراً؛ لأَنَّهُ لم يعلّقِ
الكفرَ وهو إنكارُها بل التبرِّي منها.
(١) في "و": ((فليس)).
(٢) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٣/أ.
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الثامن والثلاثون في مسائل كلمات الكفر ٢٩٨/٢.
(٤) "ط": كتاب الأيمان ٣٣٢/٢، وفيه: ((إذا علَّقَ الكفرَ)) بدل ((إذا عُلُقَتْ بكفرٍ)).
حاشية ابن عابدين
٢٧٢
کتاب الأيمان
وكذا فصَلاتي وصِيامي لهذا الكافِرِ، وأمَّا فصَومي لليهودِ فيمينٌ إن أرادَ بهِ (١)
القُرْبةَ، لا إنْ أرادَ بهِ الثوابَ، (وقولُهُ : -) مبتدأُ خبرُهُ قولُهُ الآتي: لا (وحقاً)
[١٧٢٥٧] (قولُهُ: وكذا فَصَلاتِي إلخ) أي: أنَّه [٤٣٥/٤/أ) لِيْسَ بَيَمِينٍ، "بحر "(٢) عن "المُجْتَبِى"،
"ط"(٣).
[١٧٢٥٨) (قولُهُ: وأمَّا فصَوْمِي إلخ) في "حاوِي الزَّاهِدِيِّ": ((وصَلَواتِي وصِيامَاتِي لهذا الكافِرِ
فَلْسَ بَيَمِينٍ، وعليه الاستغفارُ، وقيْلَ: هذا إذا نَوَى الَّوابَ، وإنْ نَوَى القُرْبَةَ فَيَمِينٌ)) اهـ.
٥٦/٣
قلْتُ: وبه عُلِمَ أنَّ ما هُنَا قَوْلٌ آخَرُ؛ إذ لا يَظهَرُ فِرْقٌ بين صَلاتِي وصَوْمِي، بل النَّفصيلُ جارٍ
فيْهما على هذا القوْلِ، أي: إنْ أراد القُرْبةَ والعِبادةَ يكُونُ يَمِيناً لكَونِهِ تَعلِيقاً على كُفْرٍ، وأمَّا إِنْ أرادَ
الَّوَابَ فلا؛ لأنَّ الثّوابَ على ذلك أَمْرٌ غَنِيٌّ غيرُ مُحَقَّقٍ، ولأنَّ هِبَةَ النَّابِ لِلغَيْرِ جائِرَةٌ عندنا، فلعلَّهُ
أرادَ تَخْفِيفَ عَذِهِ وإنْ لم يكُنِ الكَافِرُ أَهْلاً لِتَوابِ العِبادة، تأمَّل.
[١٧٢٥٩] (قولُهُ: وحقّاً) في "المُحْتَبِى": ((وفي قولِهِ: وحَقّاً أو حَقّاً اختلافُ المشايخِ، والأكْثَرُ
(قولُ "الشَّارحِ": فيمينّ إنْ أرادَ بِهِ القربةَ إلخ) قالَ "ح": ((يجبُ أنْ يجريَ هذا التفصيلُ في قولِهِ:
فصلاتي وصيامي لهذا الكافرِ)) اهـ. وذلكَ لأَنَّهُ لا يظهرُ فرقٌ بين صَومي وصيامي، واليهوديِّ والكافرِ
كما أشارَ إليهِ "ط"، قلتُ: بل الفرقُ واضحٌ؛ لأنَّ الكافرَ المعيّنَ يُرجى له الصلاحُ بتوفيقِهِ تعالى، بخلافِ
مطلَقِ الكافرِ واليهوديِّ. اهـ "سندي".
(قولُهُ: إذ لا يظهرُ فرقٌ بين صلاِي وصومِي إلخ) كانَ المناسبُ زيادةُ ((ولا)) بين ((هذا الكافر))
و((اليهودي)).
(قولُهُ: بلِ التفصيلُ جارٍ فيهما إلخ) وحينئذٍ فَمَن قالَ بالتفصيلٍ في المعيّنِ يقولُ به في غيرِهِ أيضاً، ويظهرُ: أنَّ
من قالَ إنّه ليسَ بيمينٍ في المعيّنِ بدونِ تفصيلٍ يقولُ إِنَّه ليسَ يميناً في غيرِهِ أيضاً كذلكَ، ولم يظهر وجهُ هذا القول.
(١) ((به)) ساقطة من "و".
(٢) "البحر": كتاب الأيمان ٣٠٩/٤.
(٣) "ط": كتاب الأيمان ٣٣٢/٢.
الجزء الحادي عشر
٢٧٣
كتاب الأيمان
إلا إذا أرادَ بهِ (١) اسمَ اللهِ تعالى (وحقِّ الله تعالى) واختارَ في "الإختيار" أنّهُ يمينٌ
للعرفِ، ولو بالباءِ فيمينٌ اتفاقاً، "بحر " (٢).
على أنَّه لَيْسَ بَيَمِينٍ)) اهـ. أي: لا فرْقَ بين ذِكرِهِ بِالوَاوِ وبِدُوْنِها، فمَا في "المُلْتَقَى(٣) وغيرِهِ مِن
ذِكرِهِ بِدُوْنِها ليْسَ بِقَيدٍ، فافهم.
[١٧٢٦٠] (قولُهُ: إلاَّ إذا أرادَ به اسمَ اللهِ تعالى) مُكرَّرٌ مع ما يأتِي(٤) مَتْناً، وكأنّه أشارَ إلى أنَّ
المُنَاسِبَ ذِكْرُهُ هنا، "ح"(٥).
(١٧٢٦١] (قولُهُ: وحقِّ اللهِ) الحاصِلُ: أنَّ الحقَّ إِمَّ أنْ يُذكَرَ مُعرَّفً أو مُنكَّراً أو مُضَافاً، فالحقُّ
مُعرَّفاً - سواءً كانَ بالواوِ أو بالباءِ - يمينٌ اتفاقً كما في "الخانية" (٩) و"الظهيرية"(٧)، ومُنَكَّراً يميزٌ
عَلَى الأصحِّ إِنْ نَوَى، وَمُضَافً إنْ كانَ بالباءِ فَيَمِيْنٌ اتّفاقً؛ لأنَّ النَّاسَ يحِلِفُونَ بِهِ، وإنْ كانَ بالواوِ
فعندَهما وإِحْدَى الرِّوَايَتِينِ عَنْ "أبي يُوسُفَ" لا يكونُ يَمِيناً، وعنهُ روايةٌ أُخرَى أَنَّه يَمِينٌ؛ لأنَّ الحقَّ
مِنْ صِفاتِهِ تعالى، والحلفُ بِهِ مُتَعَارَفٌ، وفي "الإختيار "(٨): ((أَنَّه المختارُ اعتباراً بالعرفِ)) اهـ.
وبهذَا عُلِمَ أنَّ المختارَ أَنَّه يَمَينٌ في الألفاظِ الثَّلاثةِ مُطلقاً، أفادَهُ في "البحر "(٩) وتقدَّمَ (١٠)
(قولُهُ: وكأَنَّهُ أشارَ إلى أنَّ المناسبَ ذكرُهُ هنا إلخ) أو يقالُ: إنما ذكرَهُ هنا؛ لدفعِ توهُّمٍ أَّ ما يأتي
متناً خاصٌّ بما إذا أتى بهِ بدونِ الواوِ.
(قولُهُ: وبهذا عُلِمَ أنَّ المختارَ أَنَّهُ يمينٌ في الألفاظِ الثلاثةِ مطلقاً إلخ) بواوٍ أو باءٍ أو بدونِهما، وما تقدَّمَ
مِن أنَّ المنكرَ بدونهما ليسَ يميناً إنما هو معَ عدمِ النَّةِ، فلا ينافي ما في "البحرِ".
(١) ((به)) ساقطة من "و".
(٢) "البحر": كتاب الأيمان ٣١١/٤.
(٣) "ملتقى الأبحر": كتاب الأيمان ٣١٧/١.
(٤) في هذه الصحيفة.
(٥) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٣ /أ - ب.
(٦) "الخانية": كتاب الأيمان ٣/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "الظهيرية": كتاب الأيمان ق١٢٥ /ب.
(٨) "الإختيار": كتاب الأيمان ٥٢/٤.
(٩) "البحر": كتاب الأيمان ٣١١/٤.
(١٠) ص ٢٤٤ - "در".
حاشية ابن عابدين
٢٧٤
کتاب الأيمان
(وحرمتِهِ) وبحرمَةِ شَهدَ اللهُ، وبحرمةِ لا إلهَ إلا اللهُ، وبحقِّ الرسول أو الإِيمانِ أو الصلاةِ،
(وعذابِهِ وثوابِهِ ورضاهُ ولعنةِ اللهِ وأمانِهِ)،
أنَّ المُنَكَّرَ بدونٍ واوٍ أو باءٍ ليسَ بَيَمِينِ عندَ الأكثرِ. هذا وقدِ اعترضَ في "الفتح"(١) عَلَى ما في
"الإختيار": ((بأنَّ التَّعارِفَ يُعْتَبَرُ بعدَ كَونِ الصِّفَةِ مُشتركةً في الاستعمالِ بينَ صفةِ اللهِ تعالى وصفةٍ
غيرِهِ، ولفظُ ((حقّ)) لا يتبادرُ مِنْهُ ما هُوَ صفةُ اللهِ تعالى، بل ما هُوَ مِنْ حُقوقِهِ)). ثُمَّ قالَ(٢):
((ومِنَ الأقوالِ الضَّعيفةِ ما قالَ "البلْخِيُّ": إنَّ قولَهُ: بحقِّ اللهِ يَمِينٌ؛ لأنَّ النَّاسَ يُحْلِفُونَ بهِ، وضعفُهُ لما
علمْتَ أَنَّهُ مثلُ: وحقِّ اللهِ)).
[١٧٢٦٢) (قولُهُ: وحرمتِهِ) اسمٌ بمعنَى الاحترامِ، وحرمةُ اللهِ ما لا يَحِلُّ انِتِهَاكُهُ، فَهُوَ في
الحقيقةِ قَسَمٌ بِغَيْرِهِ تعالى، "حَمَوِيّ" عن "البِرِجَنْدِيِّ)، "ط)" (٣).
(٦٣ ١٧٢) (قولُهُ: وبحرمةِ شَهِدَ اللهُ(٤)) بالدَّالِ الْمُهمَلَةِ [٤/ق٤٣ /ب] في كثيرٍ مِنَ النُسخِ والكتبِ،
وفي بعضِها ((شهرِ اللهِ)) بالراءِ، وكلٌّ مِنَ النّسختينِ صحيحُ المعنَى، "ح"(٥).
[١٧٢٦٤) (قولُهُ: وبحقِّ الرَّسُولِ) فلا يَكونُ يِنَاً لكن حقُّهُ عظيمٌ، "ط)(٦) عن "الهنديَّةِ(٧).
[١٧٢٦٥) (قولُهُ: ورِضاهُ) مُكرَّرٌ مع ما مرَّ(٨) في قولِهِ: ((ولا بصِفةٍ لم يُتْعَارَفِ الَحَلِفُ
بها)) إلخ، وكونُهُ لَيْسَ يَمِيناً لا يُنافِي ما مرَّ(٩) في قولهِ: ((أو صِفةٍ فَعْلٍ يُوصَفُ بها وبضِدِّها)) إلخ،
(١) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٥٨/٤ بتصرف.
(٢) أي في "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٥٨/٤ بتصرف.
(٣) "ط": كتاب الأيمان ٣٣٢/٢.
(٤) في "الأصل" و"آ": ((شهداء الله)).
(٥) "ح": كتاب الأيمان ق٢٣٣/ب.
(٦) "ط": كتاب الأيمان ٣٣٢/٢.
(٧) "الفتاوى الهندية": كتاب الأيمان - الباب الثاني فيما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٥٥/٢، نقلاً عن "الخلاصة".
(٨) صـ ٢٥٦ - "در".
(٩) صـ ٢٤٧ - "درّ".
الجزء الحادي عشر
٢٧٥
كتاب الأيمان
لكن في "الخانية": أمانةُ اللهِ يمينٌ، وفي "النهر"(١): إن نوى العباداتِ فليسَ بيمينِ. (وإن
فعَلَهُ(٢) فعليهِ غضبُهُ أو سخْطُهُ أو لعنةُ اللهِ أو هوَ زانٍ أو سارقٌ أو شاربُ خمرٍ أو أكلُ
ربًّا - لا) يكونُ قسماً؛ ...
كما قدَّمناهُ(٣) هناك.
[١٧٢٦٦] (قولُهُ: لكِنْ في "الخانيَّةِ" إلخ) حيثُ قال (٤): ((وأَمانةِ اللهِ يَمِينٌ، وذكر "الطَّحَاوِيُّ":
أَنَّه لا يَكُونُ يَمِيناً، وهو رِوايَةٌ عن "أبي يُوسُف")) اهـ. وفي "البحر"(٥): ((ذَكرَ في "الأصلِ" (٦): أَنَّه
يكُونُ يَمِيناً خِلافً لـ "الطَّحَاوِيّ"؛ لأَنّها طاعتُهُ، ووَجهُ ما في "الأصل": أنَّ الأمانةَ المُضافةَ إلى اللـه
تعالى عند القَسَمِ يُرادُ بها صِفَتُهُ)) اهـ. وفي "الفتحِ"(٧): ((فعندنا و"مالِكٍ" و"أحمد ": هو يَمِينٌ،
وعند "الشَّافعيّ": بالنّةِ؛ لأَنّها فُسِّرت بالعِباداتِ، قُلْنا: غَلَبَ إِرادةُ الْيَمِينِ إذا ذُكِرت بعد حرْفٍ
القَسَمِ فَوَجَبَ عدَمُ تَوقُفِها على النِّةِ لِلعادَةِ الغَالِيَةِ)) اهـ. وبه عُلِمَ أنَّ المُعَتَمَدَ ما في "الخَالنَّةِ".
[١٧٢٦٧) (قولُهُ: فَلْسَ بَيَمِينٍ) أي: اتفاقاً؛ لأَنّهَا ليسَتْ صِفةً، لكِنْ على المُعَتَمَدِ يَنْبَغِي أَنْ
لا يُصدَّقَ في القضاء.
[١٧٢٦٨] (قولُهُ: فعليه غَضِبُهُ إلخ) أي: لا يكُونُ يَمِيناً أيضاً؛ لأَنّه دُعاءٌ على نفسِهِ،
ولا يَسْتَلزِمُ وُقُوعَ المَدْعوِّ، بل ذَلَكَ مُتعلِّقٌ باستِحابَةِ دُعائِهِ، ولأَنَّه غيرُ مُتَعَارَفٍ، "فتح"(٨).
[١٧٢٦٩) (قولُهُ: أو هو زَانٍ إلخ) لأنَّ حُرمةَ هذه الأشياءِ تَحتمِلُ النَّسْخَ والتّدِيلَ فلم تكُنْ
(١) "النهر": كتاب الأيمان ق ٢٧٨/أ.
(٢) في "و": ((فَعَلَ)).
(٣) المقولة [١٧١٨٢] قوله: ((كالغضب والرضى)).
(٤) "الخانية": كتاب الأيمان ٤/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "البحر": كتاب الأيمان ٣١٠/٤.
(٦) ذُكِرَتْ ((أمانة الله)) في "الأصل" في موضعين: موضع اقترنت فيه بحرف القسم وعدَّه "محمد" يميناً، وموضع اقترنت بـ:
((عليه غضب الله أو لعنته))، ولم يعدَّها هنا قسماً، ولا يخفى أنَّ المراد في كلام "ابن عابدين" الموضع الأول.
(٧) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٦١/٤.
(٨) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٦٣/٤.
حاشية ابن عابدين
٢٧٦
كتاب الأيمان
لعدمِ التعارُفِ، فلو تُعُورِفَ(١) هلْ يكونُ يميناً؟ ظاهرُ كلامِهمْ: نعم، وظاهرُ كلامِ
"الكمالِ": لا، وتمامُهُ في "النهر" (٢)،.
في مَعْنِى حُرمَةِ الاسمِ، ولأَنّه لَيْسَ بِمُتَعارَفٍ، "هداية"(٣). أي: أنَّ حُرمةَ هذِهِ الأشياءِ تَحتمِلُ
السُّقْوطَ للضَّرُورةِ أو نَحوِها.
[١٧٢٧٠) (قولُهُ: لِعِدَمِ النَّارُفِ) ظاهِرُهُ: أَنَّ عِلَّةٌ للجميع، وقد عَلِمتَ أنَّ العُرفَ مُعَبْرٌ في
الحَلِفِ بِالصَِّاتِ الْمُشترَكَةِ، تأمَّل.
(١٧٢٧١) (قولُهُ: فلو تُعُورِفَ إلخ) أي: في: هُوَ زَانٍ وما بعدَهُ، كما يُفِيدُهُ كلامُ "النّهرِ"
والظَّاهرُ: أَنَّ مِثلَهُ: فعلَيْهِ غَضَبُه إلخ.
[١٧٢٧٢) (قولُهُ: ظاهِرُ كلامِهِم: نَعَم) فيه نَظرٌ؛ لأَنَّهم لم يَقتصِرُوا على التَّعليلِ بِالنَّعَارُفِ بل
عَلَّلوا بما يَقْتَضِي عدمَ كونِهِ يَمِيناً مُطْلَقً وهو كونُ: عليه غَضِبُهُ ونَحوِهِ دُعاءً على نفسِهِ، وكَونُ:
هُوِ زَانٍ يَحتمِلُ النَّسْخَ، ثُمَّ عَلَّلوا بعدَمِ الَّعارُفِ لأَنَّه عند عدَمِ الَّعارُفِ لا يَكُونُ يَمِيناً وإنْ كان
مِمَّا يُمكِّنُ الْحَلِفُ به في غير الاسمِ، فكيف إذا كان ثَمّا لا يُمكِنُ.
(١٧٢٧٣) (قولُهُ: وظاهِرُ كلامِ "الكمالِ": لا) حيثُ قال(٥): ((إِنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ أنْ يُعلِّقَ
الحالِفُ ما يُوجِبُ امتناعَهُ مِن الفعْلِ بِسَبَبِ لُزُومٍ وُجُودِهِ [٤/ق٤٤/) أي: وُجُودٍ ما علَّقَهُ، كالكُفْرِ
عند وُجُودِ الفَعْلِ الَحُلُوفِ عليه كدُخُولِ الدَّارِ، وهنا لا يَصيرُ بُمجرَّدِ الدُّخُولِ زانياً أو سارِقاً حَتَّى
يُوجِبَ امتناعَهُ عن الدُّخُولِ، بخلافِ الكُفْرِ فإنَّ بُبَاشَرَةِ الدُّخولِ يَتحقَّقُ الرِّضا بالكُفْرِ فُوجِبُ
الكُفْرَ)). اهـ مُلخَّصاً مُوضَّحاً.
(١) في "د" : ((تعورفت)).
(٢) "النهر": كتاب الأيمان ق ٢٧٨/ب.
(٣) "الهداية": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٧٤/٢.
(٤) "النهر": كتاب الأيمان ق٢٧٨/ب.
(٥) "الفتح": كتاب الأيمان - باب ما يكون يميناً وما لا يكون يميناً ٣٦٣/٤ بتصرف.
الجزء الحادي عشر
٢٧٧
كتاب الأيمان
وفي "البحر"(١): ما يباحُ للضرورةِ لا يكفُرُ مستَحِلُّهُ كدمٍ وخنزيرِ (إلا إذا أرادَ) الحالِفُ
٠
(بقولِهِ: حقاً(٢) اسمَ اللهِ تعالى فيمينٌ على المذهبِ(٣) كما صحَّحَهُ في "الخانية" (٤)، .....
والمرادُ: أنَّه يُوجِبُ الكُفْرَ عند الجَهْلِ، والكفَّارَةَ عند العِلْمِ، ولا يَخْفَى أنَّ هذا النَّعليلَ يَصُلُحُ
أيضاً لِنحوِ: عليه غَضَبُهُ؛ لأَنَّه لا تَتَحقَّقُ استِحابَةُ دُعائِهِ بُباشَرةِ الشَّرطِ فلا يُوجِبُ امتناعَهُ عن
مُبَاشَرِهِ فلم يكُنْ فيه مَعْنِى الْيَمِينِ وإِنْ تُعُورِفَ.
[١٧٢٧٤] (قولُهُ: وفي "البحرِ" إلخ) هذا غيرُ مَنْقُولٍ، بل فَهِمَهُ في "البحرِ"(٥) مِن قوْل
"الوَلْوالِحِيَّةِ"(٦) في تعليلِ قولِهِ: ((هو يَستحِلُّ الدَّمَ أَو لَحْمَ الْخِنْزِيرِ إنْ فعَلَ كذا لا يَكُونُ يَمِيناً؛ لأنَّ
استِحلالَ ذلك لا يكُونُ كُفْراً لا مَحَالَةَ؛ فإنَّه حالَةَ الضَّرُورةِ يَصِيرُ حَلالاً)) اهـ. واعترَضَهُ
المُحْشِّي(٧): ((بأنَّهُ وَهْمٌ بَاطِلٌ؛ لأنَّ قَوْلَ "الوَلْوالِحَيَّةِ": (لا مَحَالَةَ) فَيْدٌ للمَنفِيِّ وهو: يكُونُ، لا
لِلَّغْيِ وهو: لا يكُونُ، فالمَعْنى: أنَّ كَونَ اسِتِحلالِهِ كُفْراً على الدَّوامِ مَنْفِيٌّ، بل قَدْ لا يَكُونُ كُفْراً،
يُوضِحُهُ ما في "المحيطِ"(٨): مِن أَنَّه لا يكُونُ يَمِيناً لِلشَّكِّ؛ لأَنَّه قد يَكُونُ استِحلالُهُ كُفْراً كما في
غيرِ حالَةِ الضَّرورَةِ، فيكُونُ يَمِيناً، وقد لا يكُونُ كُفْراً كما في حالَةِ الضَّرورة، فلا يَكُونُ يَمِيناً.
فَقَدْ حصَلَ الشَّكُّ فِي كَونِهِ يَمِيناً أَوْ لا، بخِلافِ: هو يَهُودِيٌّ إنْ فعَلَ كذا؛ لأنَّ الْيَهُودِيَّ مَن
يُنكِرُ رِسالَةَ مُحمَّدٍ وَّوذِلِكَ كَفْرٌ دَائِماً، فَكُلُّ مَا حَرُمَ مُؤَّداً فاستحلالُهُ مُعلَّقاً بالشَّرطِ يكُونُ
يَمِيناً، وما لا فَلا)). اهـ مُلَخَّصاً.
٥٧/٣
(١) "البحر": كتاب الأيمان ٣١٢/٤.
(٢) في "و": ((حق اسم)).
(٣) في "ب": ((المدهب)) بالدال المهملة، وهو خطأٌ طباعيٍّ.
(٤) "الخانية": كتاب الأيمان ٣/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "البحر": كتاب الأيمان ٣١٢/٤.
(٦) "الولوالجية": كتاب الأيمان ق ٨٩/أ بتصرف.
(٧) "ح": كتاب الإيمان ق ٢٣٣/ب.
(٨) "المحيط البرهاني": كتاب الأيمان ١/ ق ٣٦٣/ب.
حاشية ابن عابدين
٢٧٨
كتاب الأيمان
(و) مِنْ (حروفِهِ: (١) الواوُ والباُ والتاءُ) ولامُ القَسَمِ.
مطلبٌ: حُروفُ القَسَم
[١٧٢٧٥] (قولُهُ: ومِن حُرُوفِهِ) أفادَ أنَّ له حُرُوفً أُخَرَ نَحوُ: مِن اللهِ بكَسرِ المِيم وضَمِّها،
صرَّح به "القُهِستانِيُّ" (٢) عن "الرَّضِيِّ(٣)، "ح"(٤).
قلت: وفي "الدَّمامِنِيِّ" عن "الَسهيلِ"(٥): ((ومِن: مُثَلَّثُ الحَرفَيْنِ مع تَوَافُقِ الحَرَكَيْن)) اهـ، فافهم.
والمرادُ بالْحُرُوفِ: الأَدواتُ؛ لأنَّ مِن الله - وكذا المِيمُ - اسمٌ مُختصَرٌ مِن ايْمنُ كما مرَّ(٦).
والضَّمِيرُ في ((حُروفِهِ)) راجِعٌ إلى القَسَمِ أو الحَلِفِ أو إلى اليَمِينِ بتأويلِ القَسَمِ، وإلاّ فاليَمِينُ
مُؤَنَّثَةٌ سَماعاً.
[١٧٢٧٦] (قولُهُ: الواو والباء والنَّاء) قدَّمَ الواو؛ لأَنّها أكثرُ استعمالاً في القسمِ، ولذا لَمْ تقعِ الباءُ
في القرآنِ إلاَّ في ﴿يَِّنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان -١٣] معَ احْتِمَالِ تعلقِها بـ ﴿لَا تُشْرِكِ﴾
وقدَّمَ غيرُهُ الباءَ لأَنّهَا الأَصْلُ؛ لأَنَّهَا صِلَةُ أحِلِفُ وأَقْسِمُ، وَلِذا دَخَلَتْ فِي الْمُظْهَرِ وَالْمُضْمَرِ نحو:
بِكَ لِأَفْعَلَنَّ.
[١٧٢٧٧] (قولُهُ: ولامُ القَسَمِ) وهي المُخَتَصَّةُ بِاللهِ فِي الأُمُورِ العِظَامِ، "ُهِسْنانِيّ(٧). أي: لا تدخلُ
عَلَى غيرِ اسمِ الجَلالةِ [٤/ق٤٤/ب] وهيَ مَكَسُورةٌ، وحُكِيَ فْتْحُها كَما في "حواشي شَرْحِ الْجَرُومِيَّةُ(٨).
(١) في "ط": ((حروف))، وهو خطأ.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الأيمان ٣٨٢/١.
(٣) "شرح الرضي": قسم الحروف - حروف الجر ٢٧٠/٤، وأحرف القسم ٣٠٠/٤.
(٤) "ح": كتاب الأيمان ق ٢٣٤/أ.
(٥) "تسهيل الفوائد": باب القسم صـ ١٥١ -.
(٦) المقولة [١٧٢٢١] قوله: ((أي: وايم الله)).
(٧) "جامع الرموز": كتاب الأيمان ٣٨٢/١.
(٨) انظر حاشية العلامة أبي النِّحَا على شرح متن "الآجرُّومية" صـ١٦. ومقدمة الآجرُّومية في النحو: لأبي عبد الله
محمد بن محمد المعروف بابن آجُرُوم (ت٧٢٣هـ)، وعليها عِدّة شروحٍ منها: شرح للشيخ خالد الأزهريّ
(ت ٩٠٥هـ)، وعليه عدة حواشٍ، منها: ١- حاشية لأبي بكر بن إسماعيل الشِّنوانيّ (ت١٠١٩هـ)، ٢ - حاشية
لأحمد بن محمد الشَّلَبيّ (ت١٠٢٠هـ) ٣- حاشية لأحمد بن أحمد بن سلامة القَلْيُوبيّ (ت١٠٦٩هـ)، ٤- حاشية
لمحمد بن النّجا (كان حياً ١٢٢٣ هـ). ("كشف الظنون" ١٧٩٦/٢، "معجم المؤلفين" ٤٤/٣).