Indexed OCR Text

Pages 601-620

الجزء العاشر
٥٩٩
باب النفقة
حقُّ الله تعالى فلا تَسقُطُ بحال، والنَّفقةَ حقُّها فَتَسقُطُ بالفُرقةِ بمعصيتِها.
(وتَسقُطُ النَّقةُ برِدَّتِها بعدَ البَتِّ) أي: إنْ خَرَجَتْ من بيتِهِ، وإلاّ فواجبةٌ،
"قُهُستاني"(١) (لا بتمكينِ ابنِهِ) لعدمٍ حَبْسِها، بخلافِ المرتدَّةِ، حتَّى لو لم تُحبَسْ
فلها النَّفقةُ، إلاَّ إذا لَحِقَتْ بدارِ الحرب ثمَّ عادَتْ وتابَتْ؛ لسقوطِ العِدَّةِ باللَّحاق؛
لأَنَّه كالموتِ، "بحر")) ..
صحَّ وَلَزِمَها الأُجْرةُ؛ لأنَّ ذلك مَحْضُ حقّها.
[١٢١٩٤] (قولُهُ: حقُّ اللّهِ) أي: مِنْ وجْهٍ؛ حيثُ أوجَبَ عليها القَرارَ في مَنْزِلِ الزَّوْجِ، وفيه
حقُّها مِنْ وجْهٍ لوُجُوبِهِ لها على الزَّوْجِ.
[١٦١٩٥) (قولُهُ: بعد البَتِّ) أي: الطَّلاقِ البائنِ بواحدَةٍ أو أكثرَ، وَتَقْيدُ "الهدايةِ"(٢) بالثَّلاثِ
اتّفاقيٌّ، واحتَرَزَ بِهِ عن مُعْتَدَّةِ الرَّجعيِّ إذا طاوَعَتِ بنَ زَوْجها أو قََّها بشهْوةٍ فلا نفقةً لها؛ لأنَّ
الغُرْقَةَ لم تَقَعْ بالطَّلَاقِ بل ◌ِمَعْصِيتِها، "بحر"(٣).
[١٦١٩٦] (قولُهُ: حَتَّى لو لم تُحْبَس فلها النَّفْقَةُ) يعني: إنْ بَقِيَتْ في بيته، كما هو صَرِيحُ عِبَارَةٍ
"الْقُهُسْتَانِيِّ" المَارَّةِ(٤)، وحينئذٍ يُسْتغنى عن هذه الحُمْلة بعِبارةِ "القُهُسْتَانِيِّ" ويُقالُ بدَلَها: ((فإِنْ
عادَتْ إلى بيتِهِ عادَتِ النَّفقةُ إلاّ إذا لَحِقَتْ بدار الحَرْبِ وحُكِمَ بِلَحَاقِها ثُمَّ عادَتْ)) اهـ "ح"(٥)،
والحاصِلُ - كما في "البحر " (٦): ((أَنَّه لا فَرْقَ بين الرِّدَّةِ والتَّمكينِ؛ لأنَّ الُرْتدَّةَ بعد البَيْنُونةِ لو
لم تُحْبس لها النَّفقةُ كالمُمَكَّةٍ، والمُمَكِنَّةُ إذا لم تَلَمْ بِيْتَ العِدَّةِ لا نفقةَ لها، فليس للرِّدَّةِ أو التَّمْكين
(قولُهُ: صَحَّ ولزِمَها الأُجرَةُ إِلخ) لكنَّ الظَّاهِرَ أَنَّها تَأَمُ بسُكناها في بِها؛ لعدَمِ اعتِدادِها في بيتٍ طَلْقَتْ فيه.
(١) "جامع الرموز": كتاب الطلاق - فصل في النفقة ٣٥٥/١.
(٢) "الهداية": كتاب الطلاق - باب النفقة ٤٥/٢.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٨/٤.
(٤) المقولة [١٦١٩٠] قوله: (("قهستاني" و"كفاية")).
(٥) "ح": كتاب الطلاق - باب النفقة ق٢١٧/أ.
(٦) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٨/٤.

قسم الأحوال الشخصية
٦٠٠
حاشية ابن عابدين
وهو مشيرٌ إلى أنَّه قد حُكِمَ بلَحَاقِها، وإلاَّ فتعودُ نفقتُها بعَوْدِها، فليحفظ.
(وتجبُ) النِّفقةُ بأنواعِها على الحُرِّ (لطفلِهِ).
دَخْلٌ في الإِسْقاطِ وعدَمِهِ، بل إنْ وُجِدَ الاحتباسُ في بَيْتِ العِدَّةِ وجَبَتْ، وإلاَّ فلا)) اهـ، ومِثْلُه
في "الفتح"(١).
[١٦١٩٧] (قولُهُ: وهو مُشِيرٌ إلخ) أي: التَّعليلُ بأَنَّه كالَوْتٍ، قال في "الشُّرُ بُلاليَّةِ"(٢): ((وهو
يُشيرُ إلى أنّه قد حُكِمَ بِلَحَاقِها، وهو مَحْمَلُ ما في "الجامِعِ"(٣): مِن عَدَمِ عَوْدِ الَّْقَةِ بعدَمَا لَحِقَتْ
وعادَتْ، ومَحْملُ ما في "الذَّخيرةِ": مِن أَنَّها تعودُ نفقتُها بعَوْدِها على ما إذا لم يُحْكُم بَلَحَاقِها
[٣/ ق ٤٦٥ /ب] توفيقاً بينَهُما، كما في "الفتح"(٤))) اهـ.
[١٦١٩٨] (قولُهُ: وإلاَّ فَتَعُودُ نفقتُها بِعَوْدِها) كالنَّاشرةِ إذا عادَتْ؛ لِزوالِ المائِعِ، بخلاف الُبَانَةِ
بالرِّدَّةِ إذا أُسَلَمَتْ لا تعودُ نَفقَتُها؛ لِسُقُوطِ نفقَتِها أصلاً(٥) بِمَعْصيتِها، والسَّقِطُ لا يَعودُ، "بحر"(٦).
[١٦١٩٩) (قولُهُ: بأنواعِها) من الطَّعام والكِسْوةِ والسُّكْنى، ولم أَرَ مَن ذَكَرَ هنا أُجْرةَ الطَِّيبِ
وَثَمَّنَ الأَدْوِيةِ، وإِنَّمَا ذَكَروا عدَمَ الوُجُوبِ للَّوجةِ، نعم صرَّحُوا بأنَّ الأبَ إذا كان مريضاً أو بِهِ
زَمَانَّةٌ يَحتاجُ إلى الخِدْمة فعلى ايِهِ خادِمُهُ، وكذلك الابنُ.
مطلبٌ: الكلامُ على نفقة الأقاربِ
[١٦٢٠٠] (قولُهُ: لطِفْلِهِ) هو الولَدُ حين يَسْقُطُ مِن بطْنِ أُمِّه إلى أن يَحتِلِمَ، ويقال: جاريةٌ
(قولُهُ: ولم أرَ مَنْ ذكَرَ هنا أُجرةَ الطَِّيبِ إلخ) عدَمُ الوجوبِ ظاهرٌ، فإنَّ المريضَ لا تَجِبُ عليهِ مداواةُ
نفسِهِ معَ غِناهُ، فِالأَولى أنْ لا تَجِبَ على غيرِهِ، وقد علَّلوا وجوبَ النَّفْقَةِ علَيهِ بأَنَّهُ جُزؤُهُ فصارَ كنفسِهِ.
(١) "الفتح": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٦/٤.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الطلاق - باب النفقة ٤١٧/١ -٤١٨ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "الجامع الكبير": كتاب القضاء - باب من النفقة أيضاً صـ١٩٤ -.
(٤) "الفتح": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٦/٤.
(٥) ((أصلاً)) ساقطة من "م".
(٦) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٨/٤.

الجزء العاشر
٦٠١
باب النفقة
يَعُمُّ الأُنْثِى والجَمْعَ (الفقير) الحُرِّ، فإنَّ نَفَقَةَ الَمْلوكِ.
طِفْلٌ وطِفْلةٌ، كذا في "المُغْرِبِ"(١)، وقيل: أوَّلُ ما يُولَدُ صِيِّ ثُمَّ طِفْلٌ، "ح"(٢) عن "النهر"(٣).
[١٢٢٠١) (قولُهُ: يَعُمُّ الأَنْثَى والجَمْعَ) أي: يُطْلقُ على الأُنْى - كما عِلِمْتَهُ - وعلى الجَمْعِ، كما
في قوله تعالى: ﴿أَوِاَلِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النُّور - ٣١]، فهو ثَّا يَسْتوي فيه المُفْرِدُ والجَمْعُ
كالْجُنُبِ والفُلْكِ والإِمامِ، ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان - ٧٤]، ولا يُنْفِيهِ جَمْعُهُ على:
أَطْفَالِ أيضاً، كما جُمِعَ إمامٌ على: أَئِمَّةٍ أيضاً، فافهم.
مطلبٌ: الصَّغَيرُ الْكْتَسِبُ نفقتُهُ فِي كَسْبِهِ لا علی ابِهِ
٦٧٠/٢
[١٦٢٠٢) (قولُهُ: الفقيرِ) أي: إنْ لم يَتْلُغْ حدَّالكَسْبِ، فإِنْ بَغَهُ كان للأبِ أَنْ يُؤْجِرَهُ أو يَدْفَعَهُ
في حِرْفَةٍ؛ لِيَكْسِبَ ويُنْفِقَ عليه مِن كَسْبِهِ لو كان ذَكَراً، بخلاف الأَنْنِى كما قدَّمَهُ(٤) في الحَضَانَةِ عن
"المُؤْيَّديَّةِ"، قال "الخيرُ الرَّمْلِيُّ": ((لو اسْتَغَنَتِ الأُنْتِى بَنَحْوِ خِيَاطَةٍ وَغَزْلٍ يَحِبُ أنْ تكونَ نفقتُها في
كَسْها كما هو ظاهِرٌ، ولا نقولُ: تَجِبُ على الأبِ مع ذلك إلاَّ إذا كان لا يَكْفِيها فَتَحِبُ على
الأب كِفِأَيْتُها بدَفْعِ القَدْرِ الَعْجُوزِ عنه، ولم أَرَهُ لأصحابنا، ولا يُنَافِيْه قولُهُم: بخلاف الأُنْشَى؛
لأنَّ الممْنُوعَ إيجارُها ولا يَلْزُمُ منه عدَمُ إلزامها بحِرْفَةٍ تَعْلَمُها)) اهـ، أي: الممنوعُ إيجارُها للخِدْمةِ
ونَحْوِها ثمّا فيه تَسْلِيمُها للمُسْتأجِرِ بدليل قولِهِم: لأنَّ الْمُسْتأجِرَ يَخْلُو بها وذا لا يَجُوزُ في الشَّرْع،
وعليه: فله دَفْعُها لامرأةٍ تُعَلِّمُها حِرْفَةً كَتَطريزٍ وخِيَاطَةٍ مَثَلاً.
(قولُهُ: قالَ "الخيرُ الرَّمليُّ": لو استغَنَتِ الأُنثَى بنحوِ خِياطَةٍ إلخ) عِبارتُهُ: ((لو قالَ بدلَ ((الطّفلٍ))
العاجز عن الكسْبِ لكانَ أَولى؛ لأَنَّه إذا قدَرَ عَلَيهِ سقَطَ الوجوبُ عن أبيهِ وإنْ لم يبلُغْ، حتَّى الأُنثَى
الصَّغيرةُ إذا استغَنَتْ إِلخ)).
(١) "المغرب": مادة ((طفل)).
(٢) "ح": كتاب الطلاق - باب النفقة ق٢١٧/أ.
(٣) "النهر": كتاب الطلاق - باب النفقة ق ٢٦٠/أ.
(٤) صـ ٤٧٠- ٤٧١ - "در".

قسم الأحوال الشخصية
٦٠٢
حاشية ابن عابدين
على مالكِهِ، والغنيِّ في مالِهِ الحاضرِ، فلو غائباً فعلى الأبِ، ثُمَّ يَرجِعُ(١)
(١٦٢٠٣] (قولُهُ: على مالِكِهِ) أي: لا على أبيه الحُرِّ أو العَبْدِ، "بحر"(٢).
[١٦٢٠٤] (قولُهُ: والغَنِيِّ في مالِهِ الحاضِرِ) يَشْمَلُ العَقَارَ والأَرْدِيةَ والنِّابَ، فإذا احتيج إلى
النَّفقةِ كان للأبِ بَيْعُ ذلك كلّه ويُنْفِقُ عليه؛ لأَنَّه غنيّ بهذه الأشياء، "بحر "(٣) و"فتح "(٤)، لكِنْ
سيذكُرُ (٥) "الشَّارِحُ" عند قولِهِ: ((ولكُلِّ ذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ)) أنَّ الفقيرَ: مَنْ تَحِلُّ له الصَّقَةُ ولو له
مَنْزِلٌ وخادِمٌ على الصَّوَابِ، ويأتي(٦) تمامُ الكلامِ عليه.
[١٦٢٠٥] (قولُهُ: فلو غائِباً) أي: فلو كان للولد مالٌ لكنَّهُ غائِبٌ فنفقتُهُ [٣/ق ٤٦٦/أ] على الأب
إلى أنْ يَحْضُرَ مالُهُ، وسُئِلَ "الرَّمْلِيُّ" عمَّا إذا كان له غَلَّةٌ فِي وَقْفٍ؟ فأجاب: بأنّه لم يَرَ مَنْ صرَّح
بالمسألةِ، والظَّاهِرُ أَنَّه بمنزلَةِ المالِ الغائِبِ.
(قولُهُ: لكنْ سيذكُرُ "الشَّارِعُ" عِندَ قولِهِ: ولكلِّ ذي رحِمٍ إِلى) ما سيأتي لا يُنافِي ما هنا، فإنَّ
المرادَ بالعَقارِ وما بعدَهُ في عِيارَةِ "الفتحِ": غيرُ المحتاجِ إِلَيهِ، ومَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدعَةُ: هو مَنْ لا يملِكُ نِصاباً
نامِياً أو غيرَ نامٍ زائِداً عن حاجَتِهِ الأصلِيَّةِ، والمنزِلُ والخادِمُ مِنَ الحوائِجِ الأَصِيَّةِ، ثمَّ رأيتُ في "حاشيتِ"
ما يُؤَيِّدُ ما ذكرتُهُ.
(قولُهُ: والظَّاهِرُ أَنَّهُ بمنزِلَةِ المالِ الغائِبِ) هذا ظاهِرٌ إذا كانَ له مالٌ في يدِ النَّاظرِ وعجَزَ عن أخذِهِ
مِنْهُ، لا إذا قدَرَ على أخذِهِ مِنْهُ، فإنَّهُ يأخذُهُ ويُنفِقُ مِنْهُ، أو إذا كانَت الغلّهُ لم تُحِبْ على المستأجِرِ، بأنْ
كانَ الوقفُ يُؤْجَّرُ أقساطاً قبلَ استحقاقِ القِسطِ، أو قبلَ صَيرورةِ الزَّرعِ مُتقوَّماً أو مُنعقِداً، على خِلافٍ
نقَلَهُ "الحانوتِيُّ"، فإِنَّ النَّفْقَةَ على الأبِ حينَئِذٍ لعدَمِ ملكِ الابنِ شيئاً مِنْهُ.
(١) في "ب": ((يرفع))، وهو تحريف.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٨/٤.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٨/٤ - ٢١٩.
(٤) "الفتح": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٢٠/٤.
(٥) المقولة [١٦٢٩٩] قوله: ((ولكل ذي رحم محرم)).
(٦) المقولة [١٦٣١٠] قوله: ((ولو له منزل وخادم)).

الجزء العاشر
٦٠٣
باب النفقة
إِنْ أَشْهَدَ لا إِنْ نَوَى إِلَّ ديانةً، فلو كانا فقيرين فالأبُ يَكتسِبُ أو يَتَكَفَّفُ ويُنفِقُ عليهم،.
[١٦٢٠٦] (قولُهُ: إِنْ أَشهَدَ) أي: على أَنَّه يُنْفِقُ عليه لِيَرْجِعَ، وكالإِشْهَادِ الإنفاقُ بإذْنِ
القاضي، كما في "البحر"(١).
[١٦٢٠٧] (قولُهُ: لا إِنْ نَوَى) أي: لا يَرْجِعُ إِنْ نَوَى الرُّجُوعَ بلا إشهادٍ ولا إِذْنِ قاضٍ، أي:
لا يُصَدَّقُ في القضاءِ أَنَّ نَوَى ذلك، وإنَّما يَتْبُتُ له الرُّجُوعُ فيما بينَهُ وبين رَبِّهِ تعالى.
[١٦٢٠٨) (قولُ: يَكْسِبُ أوْيَتَكَفَّفُ) قدَّمَ الكَسْبَ لأَنَّه الواجبُ أولاً؛ إذْ لا يَجُوزُ التَّكْفُّفُ
أي: طَلَبُ الكَفافِ بمسألةِ النَّاس إلاَّ عند العَجْز عن الاكتسابِ، قال في "الذَّخيرةِ": ((فَإِنْ قَدَرَ على
الكَسْبِ تُفْرَضُ النَّفْقَةُ عليه فَيَكْتَسِبُ ويُنْفِقُ عليهم، وإِنْ عجَزَ لِكَوْنِهِ زَمِنَاً أو مُقْعدَاً يَتَكَفَّفُ النَّاسَ
ويُنْفِقُ عليهم))، كذا في "نفقات الخصَّاف"(٢)، وذكَرَ "الخصَّفُ" في "أدبِ القضاء"(٣): ((أَنَّه في
هذه الصُّورةِ يَفْرِضُها القاضي على الأب ويَأْمُرُ المرأةَ بالاستِدانةِ على الزَّوْجِ فإِذا قدَرَ طالَبَتْهُ بما
استدانَتْ عليه، وكذا لو فَرَضَها عليه ثُمَّ امتَنَعَ مع قُدْرتِهِ)) اهـ، وقال أيضاً(٤): ((وإِن امتَنَعَ عن
الكَسْبِ حُبْسَ بخلاف سائرِ الدُّيُونِ، ولا يُحْبَسُ والدّ وإنْ علا في دَيْنِ ولدِهِ وإِنْ سَفَلَ إلاَّ في
النَّفقةِ؛ لأنَّ فيه إتلافَ الصَّغير)).
[١٦٢٠٩] (قولُهُ: ويُنفِقُ عليهم) أي: على أولادِهِ الصِّغارِ، وقَيْلَ: نفقَتُهُم في بَيْتِ المالِ،
"بحر "(٥)، وفي "القُهُسْتَانِيِّ" (٦) عن "المحيط )(٧): ((وتُفرَضُ على المُعْسِرِ بِقَدْرِ الكِفَايَةِ وعلى المُؤْسِرِ
بِقَدْرِ ما يَراهُ الحاكِمُ)).
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٨/٤ بتصرف.
(٢) "كتاب النفقات": صـ ١٧ -١٨ - بتصرف.
(٣) "أدب القضاء": الباب الثاني والتسعون: في نفقة الصبيان ٢٩٨/٤.
(٤) "كتاب النفقات": صـ١٧ - ١٨ - بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٩/٤ بتصرف.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الطلاق - فصل في النفقة ٣٥٥/١.
(٧) "المحيط البرهاني": كتاب النفقات - الفصل الثالث: في نفقة ذوي الأرحام ١/ق٣١٦/ب.

قسم الأحوال الشخصية
٦٠٤
حاشية ابن عابدين
ولو لم يَتَيسَّرْ أَنفَقَ عليهم القريبُ ورجَعَ على الأَبِ إذا أيسَرَ، "ذخيرة")).
[١٦٢١٠] (قولُهُ: ولو لم يَتَيسَّر) أي: الإنفاقُ عليهم أو الاكتسابُ، قال في "الفتح"(١): ((وإِنْ
لم يَفِ كَسْبُهُ بحاجتِهِم أو لم يَكْتسِب لعدَمِ تَيَسُّرِ الكَسْبِ أَنفَقَ عليهم القرِيبُ)) الخ، ومثّلُهُ في
"البحر"(٢)، وظاهرُهُ: أنَّ إنفاقَ القريبِ يَثْبُتُ بُمجرَّدٍ عجْزِ الأَبِ عن الكَسْبِ، ويُنافِيْهِ ما مرَّ(٣): مِن
أَنَّه إذا عجَزَ عنهُ يَتَكفِّفُ، وَلَعَلَّ الْمُرادَ: أَنَّه يَتكفَّفُ إنْ لم يُوجَدْ قريبٌ يُنفِقُ عليهم، وبه يُجمَعُ بين
الرِّوَايَتَيْن الْمنْقولتَيْن آنفاً عن "الخصَّاف"، لكِنْ في الثّانيةِ أَمَرَ الزَّوْجَةَ بالاستِدانِةِ.
والظّاهرُ: أنّه مَحمولٌ على ما إذا كانَتْ مُعْسِرةً، فلو مُؤْسِرَةً تُنْفِقُ مِن مالها لِترجِعَ، ويأتي(٤)
قريباً: أنَّها أَوْلى بالتّحمُّلِ مِن سائرِ الأقارِبِ.
[١٦٢١١) (قولُهُ: وَرَجَع على الأبِ إذا أيسَرَ) في "جوامعِ الفقهِ": ((إذا لم يكُنْ للأب مالٌ
والجَدُّ أو الأُمّ أو الخالُ أو العَمّ مُوْسِرٌ [٣/ ق ٤٦٦/ب] يُحْبُرُ على نفقةِ الصَّغير ويَرْجِعُ بها على الأب إذا
أيسَرَ، وكذا يُحْبَرُ الأَبعَدُ إذا غاب الأقرَبُ، فإنْ كان له أُمٌّ مُوْسِرةٌ فنفقَتُهُ عليها، وكذا إنْ لم يكُنْ
له أبٌّ إلَّ أَنَّها تَرْجِعُ في الأوَّل)) اهـ "فتح "(٥).
قلْتُ: وهذا هو الموافِقُ لِمَا يأتي(٦): مِن أَنَّه لا يُشارِكُ الأبَ في نفقةٍ أولادِهِ أحدٌ فلا يُجْعلُ
كالَيْتِ بمجرَّدٍ إِعْسارِهِ لتَحِبَ النّفقةُ على مَن بعدَهُ بل تُحْعلُ دَيْناً عليه، وسيذكُ(٧) "الشَّارِحُ"
تصحيحَ خِلافِهِ، وأَنَّه لابدَّ مِن إصلاحِ المُونِ، ويأتي(٨) الكلامُ فيه. وهذا إذا لم يكُنِ الأبُ زَمِناً
(١) "الفتح": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٧/٤.
(٢) انظر "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٩/٤.
(٣) المقولة [١٦٢٠٨] قوله: ((يكتسب أو يتكفف)).
(٤) المقولة [١٦٢١٩] قوله: ((وهي أولى من الجد الموسر)).
(٥) "الفتح": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٧/٤.
(٦) المقولة [١٦٢٣٥] قوله: ((ما لم يكن معسراً إلخ)).
(٧) صـ ٦١٠ - "در".
(٨) المقولة [١٦٢٣٥] قوله: ((ما لم يكن معسراً إلخ)).

الجزء العاشر
٦٠٥
باب النفقة
ولو خاصَمَتْهُ الأُمُّ في نفقتِهِم فرَضَها القاضي وأمَرَهُ بدَفْعِها للأمِّ ما لم تَثْبتْ خيانتُها،
فَيَدفَعُ لها صباحاً ومساءً، أو يأمُرُ مَن يُنفِقُ عليهم، وصَحَّ صُلْحُها عن نفقتِهم ولو بزيادةٍ
يسيرةٍ تَدخُلُ تحت النَّقدير، وإنْ لم تَدخُلْ طُرِحَتْ، ولو على ما لا يَكفِيهم.
عاجزاً عن الكَسْب، وإلاَّ قُضِيَ بالنَّقة على الجَدِّ اتّفاقاً؛ لأنَّ نفقةَ الأبِ حينئذٍ واجبةٌ على الجَدِّ
فكذا نفقةُ الصِّغار، ولا يَخْفِى أنَّ كلامَنا الآنَ في الأبِ العاجزِ عن الكَسْبِ، تأمَّل.
[١٦٢١٢] (قولُهُ: ولو خاصَمَتْهُ الأُمُّ) أي: بأنْ شَكَتْ منه أنَّه لا يُنفِقُ أو أَنَّه يُقَتِّرُ عليهم.
[١٦٢١٣) (قولُهُ: ما لم تَثْبُتْ خِياتُها) أي: أنَّه لا يُقْبِلُ قولُهُ: إنَّها لا تُنْفِقُ أوْ تُضَيِّقُ عليهم؛ لأنَّها
أمينةٌ، ودَعْوى الخِيانةِ على الأمينِ لا تُسْمِعُ بلا حُجَّةٍ، فَيَسألُ القاضي جِيْرِاتَها مَّن يُداخِلُها، فإنْ
أخبرُوهُ بما قال الأَبُ زَجَرَها ومَنَعها عن ذلك نَظَراً لهم، "ذخيرة".
[١٢٢١٤] (قولُهُ: فَيَدْفعُ لها الخ) هذا نقلَهُ في "الذَّخيرةِ" عن بعض المشايخِ عَقِبَ ما مرَّ( ١)،
فقال: ((إنْ شاءَ القاضي دَفَعَها إلى ثِقَةٍ يَدْفِعُ لها صباحاً ومَساءًّ، ولا يَدْفَعُ إليها جُمْلَةً، وإنْ شاء أمَرَ
غیرَها لِيُنفِقَ علیھم)).
[١٦٢١٥] (قولُهُ: وصحَّ صُلْحُها) قيْلَ فِي وَجْههِ: إِنَّ الأبَ هو العاقدُ مِن الجانبَيْن، وقيْلَ: مِن
جانبِ نفسِهِ، والأُمُّ مِن جانِبِ الصِّغار؛ لأنَّ نفقّتَهُم مِن أسباب الحَضانَةِ وهي للأُمِّ "ذخيرة".
[١٦٢١٦) (قولُهُ: تدخُلُ تحتَ التَّقديرِ) تفسيرٌ لليَسيرةٍ، وذلك كما لو وَقَعَ الصُّلْحُ على عَشَرَةٍ،
وإِذا نظَرَ النَّاسُ فبعضُهُمْ يُقَدِّرُ(٢) الكِفِائَةَ بِعَشَرَةٍ، وبعضُهُم بِتِسْعةٍ بخلاف ما لو وقَعَ الصُّلْحُ على
خمسةَ عشَرَ، أو على عِشرينَ؛ فإنَّ الزِّيادةَ حينئذٍ تُطْرحُ عن الأبِ.
٦٧١/٢
قلْتُ: وتقدَّم(٣) مَنْناً: ((أَنّه لو صَالَح على نفقة الزَّوْجةِ ثُمَّ قال: لا أُطِيقُ ذلك فهو لازِمٌّ،
إِلَّ إذا تغيّرَ سِعْرُ الطَّعامِ إِلخ))، والفرْقُ ما قدَّمناهُ(٤): مِن أنَّ النَّفقةَ في حقِّ القريبِ باعتبارِ الحاجةِ
(١) في المقولة السابقة.
(٢) في "م": ((بقدر)).
(٣) ص ٥٤٢-٥٤٣- "در".
(٤) المقولة [١٦٠٠٠] قوله: ((وقالوا إلخ)).

قسم الأحوال الشخصية
٦٠٦
حاشية ابن عابدين
زِيْدَتْ، "بحر"(١). ولو ضاعَتْ رَجَعَتْ بنفقتِهم دون حِصَّتِها، وفي "المنية": ((أبٌ
مُعَسِرٌ وأمّ موسرةٌ تُؤْمَرُ الأمُّ بالإنفاق، ويكونُ دَيْناً على الأبِ، وهي أولى من الجَدِّ
الموسِيرِ))، وفيها: ((لا نفقةَ على الحُرِّ لأولادِهِ من الأَمَةِ، ولا على العبدِ لأولادِهِ ....
والكِفايةِ، وفي حقِّ الزَّوْجةِ مُعاوَضٌ عن الاحتباسِ، ولذا لو مَضَى الوقْتُ وبَقِيَ منها شيءٌ يَقْضي
بأُخْرى لها لا لَهُ، وكذا لو ضاعَتْ.
[١٦٢١٧] (قولُهُ: زِيْدتْ) أي: إلى قَدْرِ الكِفايةِ.
[١٦٢١٨] (قولُهُ: ولو ضَاعَتْ الخ) الفَرْقُ ما ذَكرْناهُ(٢) آنفاً.
[١٦٢١٩] (قولُهُ: وهي أَوْلى مِن الجَدِّ المُؤْسِرِ) أي: لو كان مع الأُمِّ الْمُؤْسِرَةِ حَدٌّ [٣/ق١/٤٦٧]
مُؤْسِرٌ أيضاً تُؤْمَرُ الأُمُّ بالإنفاق مِن مالِها لِترجِعَ على الأبِ، ولا يُؤْمرُ الجَدُّ بذلك؛ لأَنّها أقرَبُ
إلى الصَّغير، فالأُمُّ أَوْلى بالتَّحمُّلِ مِن سائرِ الأَقارِبِ، وتمامُهُ في "البحر"(٣) عن "الذخيرة".
قُلْتُ: اعلم أنَّه إذا مات الأبُ فالَّقةُ على الأُمِّ والجَدِّ على قَدْرِ مِيْرَائِهِما أَثْلاناً في ظاهِرِ
الرِّوايةِ، وفي روايةٍ: على الجَدِّ وحدَهُ كما سيأتي(٤)، وأمَّا إذا كان الأبُ مُعْسِراً فهي على الأبِ
وتَسْتَدينُها الأُمُّ عليه؛ لأَنَّهَا أَقْرَبُ مِن الجَدِّ، هذا على ظاهِرِ الْمُنُونِ كما قدَّمناهُ(٥)، وأمَّا على ما
يأتي (٦) تصحيحُهُ مِن أَنَّ الْمُعْسِرَ يُحْعَلُ كَالَيْتِ فمُقْتضاهُ: أَنَّها تُجْعلُ عليهما أثْلاناً، تأمَّل.
[١٦٢٢٠] (قولُهُ: لأولادِهِ مِن الأَمَةِ) بل نَفَقْتُهُم على سيِّد الأَمَةِ، إلاَّ أنْ يَشترِطَ الزَّوْجُ حُرِّيَتَهُم
فنفقَّتُهُم عليه، والمرادُ بِالأَمَةِ: غيرُ الْمُكتَبَةِ، أمَّا هي فنفقَتُهُم عليها؛ لِتَبَعِيَّتِهِم لها في الكِتابةِ، "ط)(٧)،
وتقدَّمتِ (٨) المسألَةُ.
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٩/٤ بتصرف.
(٢) المقولة [١٦٢١٦] قوله: ((تدخل تحت التقدير)).
(٣) انظر "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٢٦/٤.
(٤) المقولة [١٦٢٣٥] قوله: ((ما لم يكن معسراً إلخ)).
(٥) في المقولة نفسها.
(٦) المقولة [١٦٢٣٥] قوله: ((ما لم يكن معسراً إلخ)).
(٧) "ط": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٧٣/٢.
(٨) المقولة [١٦٠٧٣] قوله: ((ولا نفقة ولده إلخ)).

الجزء العاشر
٦٠٧
باب النفقة
ولو مِن حُرَّةٍ، وعلى الكافرِ نفقةُ ولدِهِ المسلمٍ))، وسيجيءُ، "بحر".
(وكذا) تجبُ (لولدِ الكبيرِ العاجزِ عن الكسبِ) كأنثى مطلقاً وزَمِنٍ ..
[١٦٢٢١] (قولُهُ: ولو مِن حُرَّةٍ) بل النَّفقةُ عليها، وإنْ كانَتْ أَمَةً لمولاهُ فنفقةُ الجميع عليه،
أو لغيره فنفقَتُهُم على مَوْلى الأُمِّ كما عِلِمْتَ، ونفقةُ العَبْدِ على مَولاهُ.
(١٦٢٢٢] (قولُهُ: وعلى الكافِ إلخ) في "الجَوْهرةِ"(١): ((نِّيٌّ تزوَّجَ ذِمِيّةً ثُمَّ أَسَلَمَتْ ولها مِنْهُ
ولدٌ يُحْكُمُ بإسلامِ الوَلَدِ تَبَعاً لها، ونفقتُهُ على الأبِ الكافِرِ، وكذا الصَِّيُّ إذا ارتدَّ فارتدادُهُ صحيحٌ
عند "أبي حنيفةً" و"محمَّدٍ"، ونفقَتُهُ على الأبِ)) اهـ.
(١٦٢٢٣] (قولُهُ: وسَيَجِيءُ(٢) يأتي ذلك في عُمُومٍ قَوْلِ "المُصنّفِ": ((ولا نفقةَ مع الاختلافِ
دِيْناً إلا للزَّوجةِ والأُصُولِ والفُرُوعِ الذِّمِّين)).
(١٦٢٢٤) (قولُهُ: لولَدِهِ الكبيرِ الخ) فإذا طَلَبَ مِن القاضي أنْ يَفرِضَ له النَّقةَ على أبيه أجَابَهُ
ويَدِفَعُها إليه؛ لأنَّ ذلك حقُّهُ، وله ولايةُ الاستيفاءِ، "ذخيرة"، وعليه: فلو قال لَهُ الأَبُ: أنا أُطْعِمُكَ
ولا أدْفَعُ إليكَ لا يُحَابُ، وكذا الحُكْمُ فِي نفقة كُلِّ مَحْرِمٍ، "بحر"(٣).
[١٦٢٢٥] (قولُهُ: كأُنْتِى مُطْلِقاً) أي: ولو لم يكُنْ بها زَمَانَةٌ تَمْنُعُها عن الكَسْبِ فمُجرَّدُ
الأُنُوثةِ عجٌْ، إلاّ إذا كان لها زَوجٌ فنفَقَّتُها عليه ما دامَتْ زَوْجَةً، وهلْ إذا نَشَرَتْ عن طاعتِهِ تَجِبُ
لها النَّفقةُ على أبيها؟ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ، فتأمَّل. وتقدَّمُ(٤) أَنَّه ليس للأبِ أنْ يُؤَجِّرَها في عمَلٍ أو خِدْمةٍ،
وأَنَّه لو كان لها كَسْبٌ لا تَجِبُ عليه.
[١٦٢٢٦] (قولُهُ: وزَمِنٍ) أي: مَن ◌ِهِ مَرَضٌ مُزْمِنٌ، والمرادُ هنا: مَنْ بِهِ ما يَمْنَعُهُ عن الكَسْبِ
كعَمَىَّ وشَلَلٍ، ولو قَدَرَ على اكتسابِ ما لا يَكْفِيهِ فَعَلَى أبيه تَكْميلُ الكِفايةِ.
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب النفقات ١٧٠/٢.
(٢) صـ ٦ ٦٥ - "در".
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٠/٤ بتصرف يسير.
(٤) المقولة [١٦٢٠٢] قوله: ((الفقير)).

قسم الأحوال الشخصية
٦٠٨
حاشية ابن عابدين
ومَن يَلحَقُهُ العارُ بالتَّكسُّبِ وطالبِ عِلْمٍ لا يَتَفرَّغُ لذلك، كذا في "الزَّيلعيِّ" و"العينيّ)(١)،
وأفتى "أبو حامدٍ" بعدمِها لطلبةِ زماننا، كما بسَطَّهُ في "القنية").
[١٦٢٢٧] (قولُهُ: ومَنْ يَلْحَقُهُ العارُ بالنَّكسُّبِ) كذا في [٣/ق٤٦٧/ب] "البحر "٢) و"الزَّلعيِّ"(٣)،
واعتَرَضَهُ "الرَّحمنُّ": بأنَّ الكسْبَ لِمُؤْنَتِهِ ومُؤْنَةِ عِيالِهِ فرْضٌ فكيف يكونُ عارًاً؟ والأَوْلى ما في
"المنح"(٤) عن "الخلاصة"(٥): ((إذا كان مِنْ أبناء الكِرامِ ولا يَسْتأجِرُهُ النَّاسُ فهو عاجِزٌ)) اهـ، ومِثْلُهُ
في "الفتح"(٦)، وسيأتي(٧) تمامُّهُ.
[١٦٢٢٨) (قولُهُ: كما بَسَطَهُ في "القُنية "(٨) حاصِلُهُ: أنَّ السَّلْفَ قالوا بِوُجُوبِ نفقتِهِ على الأب،
لكِنْ أَفْتَى "أبو حامِدٍ"(٩) بِعَدَمِهِ؛ لفسادٍ أحْوالِ أَكْثَرِهِم، ومَن كان بخلافِهِم نادِرٌ في هذا الزَّمان فلا
يُفْرَدُ بالْحُكْمِ دَفْعًا لِحَرَجِ التَّمِيزِ بين الْمُصْلِحِ والمُفْسِدِ، قال صاحب "القُنْيَةِ" (١٠): ((لكِنْ بعد الفِتْةِ
العامَّةِ - يعني: فِتْنَةَ الَّاتَارِ التي ذَهَبَ بها أَكْثُرُ العُلَماءِ وَالْتَعلِّمين - نَرَى الْمُشْتَغِلْنَ بِالفِقْهِ وَالأَدَبِ اللَّذَيْنِ
هُما قواعِدُ الدِّين وأُصُولُ كَلامِ العَرَبِ يَمْنَعُهُمْ الاشتغالُ بالكَسْبِ عن الَّحصيلِ وَيُؤَدِّي إلى ضَيَاعِ
العِلْم والتّعطيلِ، فكان الْمُخْتَارُ الآنَ قَولَ السَّلَفِ، وهَفَواتُ البَعْض لا تَمْنَعُ الوُجُوبَ كالأولادِ
والأقاربِ)) اهـ مُلخّصً، وأقرَّه في "البحر"(١١)، وقال "ح(١٢): ((وأَقولُ: الحَقُّ الذي تَقْبُهُ الطَّاعُ
(١) "رمز الحقائق": كتاب الطلاق - باب في بيان أحكام النفقة ٢٣٥/١.
(٢) انظر "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٢٨/٤، نقلاً عن "التبيين".
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق - باب النفقة ٦٤/٣.
(٤) "المنح": كتاب الطلاق - باب في بيان أحكام النفقة ١/ق ١٧٤/أ.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح - الفصل التاسع عشر: في النفقات ق ٩٠/أ.
(٦) "الفتح": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢١٧/٤.
(٧) المقولة [١٦٣٠٦] قوله: ((أو لكونه من ذوي البيوتات)).
(٨) "القنية": كتاب الطلاق - باب في نفقة الأقارب ق ٤٧/أ.
(٩) هو أبو حامد السرخسي أحد من عزا إليهم صاحب "العربية" ("الجواهر المضية" ٣٣/٤).
(١٠) "القنية": كتاب الطلاق - باب في نفقة الأقارب ق٤٨/أ.
(١١) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٢٨/٤.
(١٢) "ح": كتاب الطلاق - باب النفقة ق٢١٧/ب.

الجزء العاشر
٦٠٩
باب النفقة
ولذا قَيَّدَهُ في "الخلاصة" (١) بـ ((ذي رُشْدٍ)). (لا يُشارِكُهُ) أي: الأبَ ولو فقيراً(٢)
(أحدٌ في ذلك كنفقةِ أبويه وعِرْسِهِ) به يُفتَى.
المُسْتقيمةُ ولا تَنْفُرُ منه الأذْواقُ السَّلِيمَةُ القوْلُ بُوُجُوبِها لِذِي الرُّشْدِ لا غَيْرِهِ، ولا حَرَجَ في التَّمييز
بين المُصْلِحِ والمفْسِدِ؛ لِظُهُورِ مَسالِكِ الاستقامةِ وتَمْسِزِهِ عن غيرِهِ، وباللهِ التّوفيقُ)).
[١٦٢٢٩] (قولُهُ: ولِذَا إلخ) أي: لكَوْنها لا تَحِبُ لطَةِ زمانِنا الغالِبِ عليهِمُ الفَسَادُ.
[١٦٢٣٠] (قولُهُ: لا يُشارِكُهُ) جملةٌ استئنافَّةٌ أو حاليّةٌ مِن الضَّمير المضافِ إليه في ((تَجِبُ
لِطِفْلِهِ الفقيرِ إلخ))، تأمَّل.
[١٦٢٣١) (قولُهُ: ولو فقيراً) هذا مُجاراةٌ لظاهِرِ إطلاقِ "المُصنّفِ" الأبَ تَبَعاً لإطلاقِ الْمُتُونِ،
فلا يُنافِيْهِ قولُهُ: ((ما لم يَكُنْ مُعْسِراً))، تأمَّل.
[١٦٢٣٢) (قولُهُ: في ذلك) أي: في نفقةِ طفْلِهِ وولَدِهِ الكبيرِ العاجِزِ عن الكَسْبِ.
[١٦٢٣٣] (قولُهُ: كنفقةٍ أَبَوَيْهِ وعِرْسِهِ) أي: كما لا يُشارِكُهُ أحدٌ في نفقة(٣) أَبَوَيْه
ولا في نفقةِ زَوْجتِهِ.
[١٦٢٣٤] (قولُهُ: بِهِ يُقْتَى) راجعٌ إلى مسألة (الفُرُوعِ)، ومُقابِلُهُ ما رُوِيَ عن "الإِمام": أنَّ نفقةً
الولدِ على الأبِ والأُمِّ أَثْلاَنَاً، يعني: الكبيرَ، أمَّا الصَّغِيرُ فعَلَى أبيه خاصَّةً بلا خلافٍ، قال
"الشُُّ نُبُلَالِيُّ"(٤): ((ووَجْهُ الفَرْقِ: أَنَّه اجتمع للأب في الصَّغير وِلاَيَّةٌ ومُؤْنَةٌ حَتَّى وَجَبَ عليه
صَدَقَهُ فِطْرِهِ فاختصَّ بُزُومٍ نفقَتِهِ عليه، ولا كذلك الكَبيرُ؛ لانعِدَامِ الوَلاَيَةِ فُتُشارِكُهُ الأُمُّ)) اهـ
٦٧٢/٢ "ط " (٥)، وصرَّح العلاَّمةُ "قاسم": بأنَّ عدَمَ الفرْقِ بينهُما هو ظاهِرُ الرِّوايةِ، وبأنَّ عليه الفَتْوى
(١) خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح - الفصل التاسع عشر في النفقات ق ٨٠/أ.
(٢) في "د" زيادة: ((وإنْ كان للفقير ابنان: أحدُهما فائقٌ في الغنى، والآخر يملك نصاباً، كانت النفقةُ عليهما على
السواء. ولو كان أحدهما مسلماً، والآخر ذمياً كانت النفقة عليهما على السواء، كذا في "فتاوى قاضي خان".
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة: قال مشايخنا: إنما تكون عليهما على السواء إذا تفاوتا في اليسار وتفاوتاً يسيراً، أما
إذا تفاوتا تفاوتاً فاحشاً يجب أن يتفاوتا في قدر النفقة، كذا في "الذخيرة"، "هندية")). ق ٢٣١/أ.
(٣) في "م": ((نفقته)).
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الطلاق - باب النفقة ٤١٩/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "ط": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٧٤/٢.

قسم الأحوال الشخصية
٦١٠
حاشية ابن عابدين
ما لم يكن مُعسِراً فيُلحَقُ بالميتِ، فتجبُ على غيره بلا رجوعٍ عليه على الصَّحِيحِ
من المذهب، إلاَّ الأمُّ(١) موسرةً، "بحر". قال: ((وعليه فلا بدَّ من إصلاحِ المتون، ....
فِلِذَا تَبِعَهُ "الشَّارِحُ".
[١٦٢٣٥) (قولُهُ: ما لم يَكُنْ مُعْسِراً الخ) [٣/ ق٤٦٨ /أ] الضَّميرُ راجعٌ للأب، قال في "الذَّخيرةِ":
((ولو كان للفقير أولادٌ صِغارٌ وجَدٌّ مُوْسِرٌ يُؤْمَرُ الجَدُّ بالإنفاق صيانةً لولَدِ الوَلَدِ، ويكونُ دَيْناً على
والِدِهِم، هكذا ذَكَرَ "القُدُورِيُّ"، فلم يَجْعَلِ النَّفْقةَ على الجَدِّ حالَ عُسْرَةِ الأبِ، وهذا قوْلُ
"الحَسَنِ(٢) بِنِ صَالِحٍ"، والصَّحِيحُ فِي المَذْهبِ: أنَّ الأبَ الفقيرَ يُلْحَقُ بالَيْتِ في استحقاقِ النَّفقةِ
على الجَدِّ، وإنْ كان الأَبُ زَمِناً يُقْضى بها على الجَدِّ بلا رُجُوعٍ اتفاقاً؛ لأنَّ نفقةَ الأب حينئذٍ على
الجَدِّ، فكذا نفقةُ الصِّغار)) اهـ.
وقال في "الذَّخيرةِ" أيضاً قبْلَ هذا: ((ولو لَهُمْ أٌّ مُؤْسِرَةٌ أُمِرتْ أنْ تُنْفِقَ عليهم فيكُونُ دَيْناً
تَرجِعُ به على الأبِ إذا أَيسَرَ، وهي أَوْلَى بِالنَّحمُّلِ مِن سائرِ الأَقارِبِ)) الخ. قال في "البحر"(٣).
((وحاصِلُهُ: أَنَّ الوُجُوبَ على الأب المُعْسِرِ إِنَّما هو إذا أنفقَتِ الأُمُّالْمُؤْسِرَةُ، وإلاَّ فالأبُ كَالَيْتِ
والوُجُوبُ على غيرِهِ لو كان مَيْنً، ولا رُجُوعَ عليه في الصَّحيح، وعلى هذا فلا بُدَّ مِن إِصلاحٍ
الْمُتُونِ والشُّرُوحِ، كما لا يَخْفَى)) اهـ، أي: لأنَّ قوْلَ الْنُونِ والشُّرُوحِ: إِنَّ الأَبَ لا يُشارِكُهُ في
نفقة ولَدِهِ أحدٌ يَقْتَضي: أَنَّه لو كان مُعْسِراً وَأَمَرَ القاضي غيرَهُ بالإنفاقِ يَرْجِعُ سواءٌ كان أُمّاً أو
جَدًَّ أو غيرَهُما؛ إذْ لو لم يَرجِعْ عليه لَحَصِّلَتِ المُشارَكَةُ، وأجابَ "لَقْدِسِيُّ": ((بَحَمْلِ ما فِي الْمُونِ
على حالَةِ اليَسَارِ))، لكِنْ قال "الرَّمَلِيُّ": ((لاحاجة إلى ذلك؛ لأنَّ ما في المُونِ مَبْنِيٌّ على الرِّواية
الثّانيةِ وقد اختارَهَا أهلُ الْمُونِ والشُّرُوحِ مُقْتَصِرِين عليها)) اهـ.
(١) في "ب" و"ط": ((لأم)).
(٢) في "آ": ((الحسين))، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه، وقد تقدمت ترجمته ٢٠٤/١.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٢٧/٤.

الجزء العاشر
٦١١
باب النفقة
١١٠,
جوهرة"))
١١
قلْتُ: وعلى هذا فلا فرْقَ بين كوْنِ الْنْفِقِ أُمّاً أو جَدَّ أو غيرَهُما في ثُبُوتِ الرُّجُوعِ على
الأبِ، ما لم يكُنِ الأبُ زَمِناً فَإِنَّه حينئذٍ يكونُ في حُكْمِ الَّيْتِ اتفاقاً، وقدَّمنا (١) عن "جوامعِ الفقه"
ما يُؤَيِّدُ ما فِي الْمُونِ، ومِثْلُهُ ما في "الخانَّةِ "(٢): ((مِن أنَّ نفقةَ الصِّغار والإناثِ المُعْسِراتِ على الأب،
لا يُشارِكُهُ في ذلك أحدٌ ولا تَسقُطُ بِفَقْرِهِ)) اهـ.
وكذا ما في "البدائعِ"(٣) مِن قولهِ: ((وإنْ كان لهم جَدٌّ مُؤْسِرٌ لم تُفرَضْ عليه، بل يُؤْمِرُ بها
لَيَرْجِعَ على الأبِ؛ لأَنَّها لا تَجِبُ على الجدِّ عند وُجُودِ الأبِ القادِرِ على الكَسْبِ، أَلا تَرَى أَنَّه
لا يَجِبُ على الجدِّ نفقةُ ابْنِهِ الَذكُورِ فنفقةُ أولادِهِ أَوْلى، نعم لو كان الأبُ زَمِناً قُضِيَ بنفقتِهِم
ونفقَةِ الأَبِ على الجدِّ)) اهـ. [٣/ق٤٦٨ /ب]
على أنَّ ما صحَّحهُ في "الذَّخيرِ" يَرِدُ عليه تَسْلِيمُهُ رُجُوعَ الأُمِّ مع أنَّها أقرَبُ إلى أولادِها مِن
الجدِّ والعمِّ والخالِ، فكيف يَرْجِعُ الأَقرَبُ دونَ الأبعدِ؟! ومسألةُ رُجُوعِ الأُمِّ مَنصُوصٌ عليها في
"كافي الحاكم" وغيرِهِ، وهي تُثْبِتُ رُجوعَ غيرِها بالأَوْلى، وهذا مُؤيِّدٌ لِمَا فِي الْتُونِ والشُّرُوح كما
لا یخْفی، فافهم.
(تنبيةٌ)
في "البحر"(٤): ((الفقيرُ لا يَجِبُ عليه نفقةُ غيرِ الأُصُولِ والفُرُوعِ والزَّوجةِ)) اهـ.
وشَمِلَ الفُرُوعُ الولدَ الكبيرَ العاجِزَ والأُثْنَى، وتقدَّم آنِفً(٥) في عبارةِ "الخانيّة".
[١٦٢٣٦] (قولُهُ: "جَوْهرة") كذا في عامَّةِ النِّسَخِ ولا وَجْهَ له، فإِنَّ هذا الكلامَ لم يَنْقُلْهُ
(١) المقولة [١٦٢١١] قوله: ((ورجع على الأب إذا أيسر)).
(٢) "الخانية": كتاب النكاح - باب النفقة ٤٤٥/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "البدائع": كتاب النفقة - فصل: وأما شرائط وجوب هذه النفقة ٣٥/٤ -٣٦.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٠/٤.
(٥) المقولة [١٦٢٣٥] قوله: ((ما لم يكن معسراً إلخ)).

قسم الأحوال الشخصية
٦١٢
حاشية ابن عابدين
(فروعٌ) لو لم يَقدِرْ إلاَّ على نفقةٍ أحدٍ والديه فالأمُّ أحقُّ. ولو له أبٌ وطفلٌ
فالطّفلُ أحقُّ به، وقيل: يَقسِمُها فيهما،.
في "البحر" عن "الجَوْهرةِ" ولا هُو مَوجُودٌ فيها، وفي نُسْخِةِ "الرَّحمِيِّ": ((وفي "الجَوْهرةِ": فروع))
إلخ، وهي الصَّابُ؛ فإنَّ هذه الفُرُوعَ إلى قولِهِ: ((وفي المُخْتَارِ)) ذَكَرَها في "الجَوْهرةِ"(١)، فيكونُ
الجارُّ والمجرورُ خَبَراً مُقدّماً، وفُرُوعٌ مُبتدأً مُؤخّراً.
[١٦٢٣٧) (قولُهُ: فالأُمُّ أَحَقُّ لأَنّها لا تَقَدِرُ على الكَسْب، وقال بعضُهُم: الأبُّ أحقُّ؛ لأنّه هو
الذي يَحِبُ عليه نفقةُ الابنِ فِي صِغَرِهِ دَوْنَ الأُمِّ، وقَيْلَ: يَقْسِمُها بينهُما، "جوهرة)"(٢).
قُلْتُ: وَيُؤيِّدُ الأوَّلَ مَا رَواهُ "أحمدُ"، و"أبو داودَ"، و"التِّرْمِذِيُّ" - وحسَّنَهُ - عن المُعاوِيةَ
القُشَيْرِيِّ": (قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، مَنْ أَبُّ؟ قال: أُمَّكَ، قَلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أُمَّكَ(٣)، قَلْتُ: ثُمَّ
مَنْ؟ قال: أباكَ ثُمَّ الأَقْرِبَ فالأقْرِبَ))، أورَدَ الحديثَ(٤) في "الفتح"(٥).
[١٦٢٣٨] (قولُهُ: وقَيْلَ: يَقْسِمُها فيْهِما) أي: في المسألتين.
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب النفقات ١٧٣/٢ بتصرف يسير.
(٢) "الجوهرة النيرة": كتاب النفقات ١٧٣/٢.
(٣) في هامش "ب": ((قولُهُ: (ثُمَّ أَمَّك إلخ) كذا بخطّ المحشِّي أَنَّه ﴿ أجابَهُ مرَّتين بقوله: أمّك، والذي في باب الهمزة
من "الجامع الصغير": عن ابن عبّاسٍ أَنَّه ◌ِ﴿ قال: أمَّك ثمَّ أمَّك ثمَّ أمَّك، ثمَّ أباك، ثمَّ الأقربَ فالأقرب )) قاله
نصرٌ. وفي هامش "م": ((والذي في الترمذيِّ عن معاويةَ المذكورِ أجابه ثلاثاً. اهـ مصححه)).
(٤) أخرجه أحمد ٣/٥ - ٥، وأبو داود (٥١٣٩) في الأدب - باب في برِّ الوالدين، والترمذي (١٨٩٧) في البر والصلة
- باب ما جاء في برِّ الوالدين، والبخاري في "الأدب المفرد" ٣٥/١، والحاكم ١٥٠/٤، في البرِّ والصلة، وقال:
صحيح الإسناد، والطبراني في "الكبير" ٤٠٤/١٩، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١٧٩/٤ في الزكاة - باب
الاختيار في صدقة التطوع، وفي "شعب الإيمان" ١٨٠/٦ باب في بر الوالدين عن بهز بن حكيم عن أبيه عن
جده. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي الباب عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وأبي الدرداء،
وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
(٥) "الفتح": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٢٤/٤.

الجزء العاشر
٦١٣
باب النفقة
وعليه نفقةُ زوجة أبيه وأمٌّ ولدِهِ، بل وتزويجُهُ أو تَسَرِّيه، ولو له زوجاتٌ.
مَطلبٌ في نفقةِ زوجَةِ الأبِ
[١٦٢٣٩] (قولُهُ: وعليه نفقةُ زوْجَةٍ أبيْهِ) أي: في روايةٍ، وفي أُخْرى: إنْ كان الأبُ مَرِيضاً أو
بِهِ زَمَانَةٌ يَحتاجُ الخِدْمةِ قال في "المحيط ": ((فعَلَى هذا لا فرْقَ بين الأبِ والابنِ؛ فإنَّ الابنَ إذا كان
بِهذِهِ المَثَابَةِ يُحْبرُ الأبُ على نفقةِ خادِمِهِ))، قال في "البحر"(١): ((وظاهِرُ "الذَّخيرةِ": أنَّ المذهبَ
عدَمُ وُجُوبِ نفقةِ امرأةٍ الأَبِ أو جارِيَتِهِ أو أُمِّ وَلَدِهِ؛ حيثُ لم يكُنْ بِالأَبِ عِلَّةٌ، وَأَنَّ الوُجُوبَ
مُطْلِقً رِوايةٌ عن(٢) "أبي يُوسُفَ)). وفي "حاشيةِ الرَّملِيِّ": ((والذي تَحرَّر مِنَ المَذهَبِ: أَنَّه لا فِرْقَ
بين الأبِ والابنِ في نفقةِ الخادِمِ، وأنّه إذا احتاجَ أحدُهُما لخادِمٍ وجَبَتْ نفقْتُهُ كما وجَبَتْ نفقةٌ
المَخْلُوم فكانَ مِن جُمْلةٍ نفقتِهِ، وإذا لم يَحَتَجْ إليه فلا تَجِبُ عليه، فاعلم ذلك واغتِمْهُ فإنّه كثيرُ
الوُقُوعِ، والله سُبحانَهُ أَعَلَمُ)) اهـ.
قُلْتُ: بَقِيَ ما إذا كانَتِ الزَّوجةُ أُمَّ الابنِ فهل تَجِبُ نفقتُها في هذه الحالةِ على الابنِ أمْ لا؟
فإنْ كانَتْ مُعْسِرَةً فالظَّاهرُ وُجُوبُها عليه [٥/٣ ٤٦٩/) ولو لم يكُنِ الأبُ مُحْتاجاً إليها؛ لقولِهِم:
لا يُشارِكُ الوَلَدَ في نفقة أَبَوَيْهِ أحَدٌ، وأمَّا لو كانَتْ مُؤْسِرَةً والأبُ مُحْتاجٌ إليها فكذلك،
وإلاَّ فالظَّاهِرُ أَنَّه يُؤْمِرُ بها لِيَرْجِعَ على أبيه، أو تُنْفِقُ هي لِتَرْجِعَ على الأب، وهذا أقرَبُ، تأمَّل.
[١٦٢٤٠) (قولُهُ: بل وتَرْوِيِجُهُ أو تَسَرِّيْهِ) ذكَرَهُ في "الشُّرُ بُلالَيَّةِ "(٣) أيضاً عن "الجَوْهرةِ"(٤)،
وهو مُخالِفٌ لِمَا مَّ(٥) في باب نكاح الرَّقِيقِ، وعَزَوْناهُ إلى "الزَّيلعيّ" و"الدُّرِ" وشُروحٍ "الهِدَايَةِ"،
(قولُهُ: فإنْ كانَتْ مُعسيرةً فالظَّاهِرُ وجوبُها عَلَيهِ إلخ) الظّهرُ عدَمُ وجوبِها على الابنِ؛ لسُقوطِها
عَنه بتزوّجها، ويجري فيها التفصيلُ الذي قيلَ في زوجةِ الأبِ، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٢٤/٤.
(٢) عبارة "م": ((عن رواية)).
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الطلاق - باب النفقة ٤١٨/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "الجوهرة النيرة": كتاب النفقات ١٧٣/٢.
(٥) المقولة [١٢٥١٥] قوله: ((لقصور الخ)). ووجهُ المخالفة أنَّ الشارح الحصكفي رحمه الله تعالى ذكر في باب نكاح
الرقيق عدمَ إجبار الابن على دفع جاريةٍ لأبيه لتسّريه، وذكر هنا أنَّه يجبر؛ فرَّجح ابن عابدين رحمه الله القول السابق.

قسم الأحوال الشخصية
٦١٤
حاشية ابن عابدين
فعليه نفقةُ واحدٍ يَدِفَعُها للأبِ لُيُوزِّعَها عليهنَّ، وفي "المختار)"(١) و"الملتقى"(٢): ((ونفقةُ
زوجة الابنِ على أبيه إنْ كان صغيراً فقيراً أو زَمِناً))، وفي "واقعات المفتين" لـ "قدري
أفندي": ((ويُحَبَرُ الأَبُ على نفقةِ امرأةِ ابنِهِ الغائبِ وولدِها، ..
فُقدَّمُ على ما هُنا.
[١٦٢٤١) (قولُهُ: فعليه نفقةُ واحِدَةٍ) بالإضافةِ، فلو مُؤْسِراتٍ فالوَسَطُ، أو مُعْسِراتٍ فالدُّونُ،
ولو مُخْتِلِفاتٍ فالظَّاهِرُ أَنَّه يَدْفِعُ نِصْفَ نفقةِ الوَسَطِ ونِصْفَ الدُّوْنِ، أفادَهُ "ط) (٣).
٦٧٣/٢
[١٦٢٤٢] (قولُهُ: لِيُوزِّعَها عليهِنَّ) ولَهُنَّ رَفْعُ أمْرِهِنَّ للقاضي ◌ِيَأْمُرَهُنَّ باستِدانةِ الباقي مِنْ
كِفَايَتِهِنَّ لَتَكونَ دَيْناً على الزَّوْجِ، وَتَجِبُ الإدانةُ على مَنْ تَجِبُ عليه نَفَقَتُهُنَّ كما تقدَّم(٤)، فافهم.
[١٢٢٤٣) (قولُهُ: وفي "لُخْتَارِ" و "المُلَقَى" الخ) هذا خلافُ نَصِّ المَذْهِبِ، كما قدَّمْناهُ(٥) أوَّلَ
البابِ، فافهم.
[١٦٢٤٤) (قولُ: أو زَمِناً) أي: أو كبيراً زَمِناً.
[١٢٢٤٥] (قولُهُ: لِ "قَدْرِي أَقْدِي") هو مِنْ مُتَأخْرِي عُلماءِ الرُّومِ، اسمُهُ: عبدُ القادِرِ.
[١٢٢٤٦) (قولُهُ: وَيُحْبَرُ الأبُ الخ) هذه العِبَارَةُ في "القُنْيَةِ"(٦) و "المُحْتَبَى"، وقد عِلِمْتَ أنَّ
الَذْهِبَ عدَمُ وُجُوبِ النَّفْعَةِ لزَوْجةِ الابنِ ولو صغيراً فقيراً، فلو كان كبيراً غائِباً بالأَوْلى، إلاَّ أنْ
يُحْمَلَ على أنَّ الوُجُوبَ هنا مَعْنى: أنَّ الأَبَ يُؤْمَرُ بالإنفاقِ عليها لِيَرْجِعَ بها على الابنِ إذا حضَرَ،
(قولُهُ: ولو مُخُتِلِفَاتٍ إِلخ) كأنْ كانَ لَهُ زوجتانِ موسِرةٌ ومُعسِرةٌ، "ط"، تأمَّل.
(١) انظر "الاختيار": كتاب الطلاق - باب النفقة ١٢/٤.
(٢) "ملتقى الأبحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٣٠٥/١.
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٧٥/٢.
(٤) المقولة [١٦٠٢٨] قوله: ((وتجب الإدانة إلخ)).
(٥) المقولة [١٢١٨٨] قوله: ((كما في النفقة)).
(٦) "القنية": كتاب الطلاق - باب في نفقة الأقارب ق٤٧ /ب.

الجزء العاشر
٦١۵
باب النفقة
وكذا الأمُّ على نفقةِ الولدِ لتَرجِعَ بها على الأبِ، وكذا الابنُ على نفقةِ الأُمِّ لَيَرجِعَ
على زوجٍ أُمِّهِ، وكذا الأخُ على نفقةٍ أولادٍ أخيه ليَرجِعَ بها على الأبِ،.
.....
لكِنْ تَقَدَّمَ(١) أنَّ زوجةَ الغائِبِ يَفرِضُ القاضي لها النَّفقةَ على زوْجِها ويأمُرُها بالاستِدانَةِ، وأَنَّه
تَجِبُ الإِدَانَةُ على مَنْ تَحِبُ عليه نفقتُها.
[١٦٢٤٧) (قولُهُ: وكذا الأُمُ إلخ) أي: إذا غاب الأبُ ولم يَترُكْ نفقةً تُحْبَرُ الأُمُّ على الإنفاقِ
على الولَدِ مِنْ مالِها إنْ كان لها مالٌ، كما في "الخانيّة"(٢)، وقدَّمَ(٣) "الشَّارِحُ" عن "البحر" تفريعاً
على قوْلِ "زُفَرَ " المُعْتَى به: ((أَنّها تُقبَلُ بَيِّتُها على النّكاح إنْ لم يكُنِ القاضي عالِماً به، ثُمَّ يَفرِضُ
لهم ويأمُرُها بالإنفاق والاستِدانةِ لِتَرْجِعَ)) اهـ.
ولا يَخْفِى أنَّ هذا كُلَّه فيما إذا لم يَتْرُكْ مالاً عند أو على مَنْ يُقِرُّ بِهِ وبالزَّوجَّةِ والوِلادِ
وإلاَّ فقد مرَّ(٤) أَنَّه يُفرَضُ لها في ذلك المال، وكذا لو تَرَكَ مالاً في بيتِهِ كما مرَّ(٥) بيانُهُ.
[١٦٢٤٨] (قولُهُ: وكذا الابنُ) أي: المؤْسِرُ إذا غاب زَوْجُ أُمِّهِ الفقيرةِ، هذا ظاهِرُ السِّياق لأنَّ
كلامَهُ فِي الغَنْيَةِ، وَيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ الْمُرادُ ما إذا كان الزَّوْجُ حاضراً وهو مُعْسِرٌ، لكِنَّ هذه
تقدَّمتْ(٦) قُبْلَ قولِهِ: ((قَضَى بنفقة الإِعْسارِ))، وهذا إذا كان زَوْجُها غيرَ أبيه، فلو كان أباهُ وهو
مُعْسِرٌ فَهْل يَرْجِعُ عليه إذا أَيسَرَ؟ [٣/ ق ٤٦٩/ب] قدَّمنا (٧) الكلامَ عليه قريباً.
[١٦٢٤٩) (قولُهُ: وكذا الأَخُ إلخ) الظَّاهرُ: أَنّه مُقِيَّدٌ بما إذا لم يكُنْ للأولادِ أُمّ مُؤْسِرَةٌ، لِمَا
مرَّ(٨) مِن أَنَّ الأُمَّ أَوْلَى بالنَّحمُّلِ مِن سائرِ الأقارِبِ؛ لأنَّها أقرَبُ إلى أولادِها.
(١) ص ٥٧٧-٥٨٧ - "در".
(٢) "الخانية": كتاب النكاح - باب النفقة - فصل في نفقة الأولاد ٤٤٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) ص ٥٩١ - "در".
(٤) ص ٥٨١ - "در".
(٥) المقولة [١٦١٤٤] قوله: ((عند أو على إلخ)).
(٦) المقولة [١٦٠٢٤] قوله: ((وبعد الفرض)).
(٧) المقولة [١٦٢٣٥] قوله: ((ما لم يكن معسراً إلخ)).
(٨) المقولة [١٦٢١٩] قوله: ((وهي أولى من الجد الموسر)).

قسم الأحوال الشخصية
٦١٦
حاشية ابن عابدين
وكذا الأبعدُ إذا غاب الأقربُ)) انتهى.
وفي "الفصولين"(١) من الرَّابع والثّلاثين: ((أجنبِيٌّ أنفَقَ على بعضِ الورثة فقال:
أنفقتُ بأمرِ المُوصِي، وأَقَرَّ به الوصيُّ، ولا يُعلَمُ ذلك إلاَّ بقولِ الوصيِّ بعدَما أَنفَقَ
يُقبَلُ قولُ الوصيِّ لو المُنفَقُ عليه صغيراً)) اهـ.
[١٦٢٥٠) (قولُهُ: وكذا الأبعَدُ إذا غابَ الأَقْرِبُ) عَطْفُ عامٍّ على خَاصِّ، فَيَشْمَلُ ما إذا كان
الغائِبُ ابناً أو أباً أو أُمّاً أو أَخاً، والحاضِرُ الْمُؤْسِرُ خالٌ أو عَمِّ أو حَدٌّ، وقد اسْتُفِيدَ ثَمّا هنا وكذا ئمًا
قدَّمناهُ(٢) عن "جَوَامِعِ الفِقْهِ" أَنَّ الغَيْبَةَ كالإِعْسَارِ فِي وُجُوبِ النَّقةِ على الأبعَدِ، ورُجُوعَهُ على
الأَقْرِبِ بعد خُضُورِهِ أو يَسارِهِ، وليس الرُّجُوعُ على الأبِ خاصّاً بالأُمّ، خلافاً لقولِهِ المارّ(٣):
((إلاَّ الأُمُّ مُوْسِرَةً)).
[١٦٢٥١) (قولُهُ: أجنبِيٌّ أَنفَقَ إلخ) ظاهِرُهُ: أَنَّ أَنفَقَ مِن مالِ نَفْسِهِ، مع أنَّه ذكَرَ في "جامِعِ
الفُصُولَيْنِ"(٤) قُبْلَ هذه المَسْأَةِ عَنِ "أدَبِ القاضي" (٥): ((ادَّعى وَصِيٌّ أَوْقِّمٌ أَنَّه أَنفَقَ مِن مالِ نَفْسِهِ
وأرادَ الرُّجُوعَ في مالِ اليَتِيمِ والوَقْفِ، ليس له ذلك؛ إذْ يَدَّعي دَيْناً لنفْسِهِ على اليَتِيمِ والوَقْفِ
فلا يَصِحُّ بُمجرَّدِ الدَّعْوى، فلو ادَّعى الإنفاقَ مِن مالِ الوَقْفِ واليَتِيمِ نفقةَ الِثْلِ في تلك المُدَّةِ
صُدِّقَ)) اهـ، إلاَّ أنْ يُحْمِلَ على أنَّ الأجنبيَّ أَنفَقَ مِن مال اليتيمِ، أو يُفَرَّقَ بين مالِ الأجنبيِّ ومالٍ
(قولُهُ: أو يُفرَّقَ بينَ مالِ الأجنبيِّ ومالِ الوَصِيِّ إلخ) الظَّاهرُ عدَمُ الفرقِ، فالمُتَعِيِّنُ الحمْلُ على أنّهُ
أَنفَقَ مِنْ مالِ اليتيمِ نفَقةَ المِثْلِ في تِلكَ المُدَّةِ، أو الحمْلُ على روايَةِ عدَمِ اشتراطِ الإشهادِ في الإنفاقِ عَلَيهِ
لا مِنْ مالِهِ، فكما أنَّ الوصِيَّ يرجِعُ بدونِهِ على هذهِ الرِّوايَةِ فكذلِكَ مَأمورُهُ إذا صدَّقَهُ.
(١) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون في الأحكام - أحكام العمارة في ملك الغير وما يوجب الرجوع وما لا يوجبه
٢٢٤/٢.
(٢) المقولة [١٦٢١١] قوله: ((ورجع على الأب إذا أيسر)).
(٣) صـ ٦١٠ - "در".
(٤) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون في الأحكام - أحكام العمارة في ملك الغير وما يوجب الرجوع
وما لا يوجبه ٢٢٣/٢.
(٥) انظر "شرح أدب القاضي": الباب الثالث والستون: فيما يجوز من فعل الوصي ٣٦٣/٣ بتصرف.

الجزء العاشر
٦١٧
باب النفقة
وفيه (١): ((قال: أنفِقْ عليَّ أو على عيالي أو على (٢) أولادي، ففعَلَ قيل: يَرجِعُ
بلا شرطِهِ، وقيل: لا، ولو قَضَى دَيْنَهُ بأمرِهِ رجَعَ بلا شرطِهِ، وكذا كلُّ ما كان
مُطالَباً به من جهةِ العباد ..
الوَصِيِّ، لكِنْ فيه ◌ِثْبَاتُ دَيْنٍ للأجنبيِّ على اليتيمِ بُمجرَّدٍ إِقْرَارِ الوَصِيِّ، ولم أَرَ صَرِيِحاً صِحَّتَهُ، نعم
في "القُنْةِ"(٣) وغيرِها: ((لو أنفَقَ مالَهُ على الصَّغيرِ ولم يُشْهِدْ، فلو كان المُنْفِقُ أباً لم يَرجِعْ، وفي
الوَصِيِّ اختلافٌ)) اهـ.
وقدَّمنا (٤) في باب الَهْر عند الكلامِ على ضَمانِ الوَلِيِّ الَّهْرَ: أنَّ اشترَاطَ الإِشْهادِ استحسانٌّ،
وعليه: فلا فرْقَ بين الوَصِيِّ والأبِ وإنْ كانَتِ العادَةُ أنَّ الأبَ يُنْفِقُ تَبرُّعاً، ومرَّ تمامُ الكلام هناك
فِرَاجِعْهُ، وسيأتي(٥) أيضاً آخِرَ الكِتَابِ إن شاءَ الله تعالى.
مَطلبٌ: أمَرَ غيرَهُ بالإنفاقِ ونَحْوِهِ هل يَرْجِعُ؟
[١٦٢٥٢] (قولُهُ: وفيه : إِخِ) أقولُ: في "الخانَيَّة"(٩): ((ذَكَر في "الأصلِ": إذا أمَرَ صَيْرفّاً في
المصارَفَةِ أنْ يُعْطِيَ رَجُلاً أَلْفَ دِرْهمٍ قضاءً عنه - أَوْ لم يَقُلْ: قضاءً عنه - ففَعَلَ يَرْجِعُ على الآمِرِ في
قوْلٍ "أبي حنيفةً"، فإنْ لم يكُنْ صَيْرِفَّاً لا يَرْجِعُ إلاَّ أنْ يَقوْلَ: عَنّي، ولو أمَرَهُ بِشِرائِهِ أو بِدَفْعِ الفِداءِ
يَرْجِعُ عليه استحساناً، وإنْ لم يَقُلْ: على أنْ تَرْجِعَ عليَّ بذلك، وكذا لو قال: أَنْفِقْ مِن مَالِكَ على
عِالِي أو في بِناءِ داري يَرْجِعُ بما أنفَقَ، وكذا لو قال: اقْضِ دَيْنِي يَرْجِعُ على كُلِّ حالٍ، ولو قَضَى
نَائِبَةَ غيرِهِ بِأَمْرِهِ رَجَعَ [٣/ق ١/٤٧٠] عليه وإنْ لم يُشْتَطِ الرُّجُوعُ، هو الصَّحِيحُ)) اهـ.
(١) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون في الأحكام - أحكام العمارة في ملك الغير وما يوجب الرجوع وما لا يوجبه
٢٢٤/٢.
(٢) ((على)) ليست في "د" و"و".
(٣) "القنية": كتاب الوصايا - باب فيما يتعلق بإنفاق الأب والوصي والورثة على الصغير ق ١٧١/أ بتصرف.
(٤) المقولة [١٢١٨٩] قوله: ((ولا رجوع للأب إلخ)).
(٥) المقولة [٣٦٧٦٧] قوله: ((قلت إلخ)).
(٦) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - فصل في الكفالة بالمال ٦٢/٣ و٦٥ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").

قسم الأحوال الشخصية
٦١٨
حاشية ابن عابدين
كجنايةٍ ومُؤَنِ ماليّةٍ))، ثمَّ ذكَرَ: ((أنَّ الأسير ومَن أخذَهُ السُّلطانُ لْيُصادِرَهُ لو قال
لرجلٍ: خَلَّصْني، فدفَعَ المأمورُ مالاً فخَلَّصَهُ قيل: يَرجِعُ،
قُلْتُ: والمرادُ بِالصَّيْرِفِيِّ: مَنْ يَستدِينُ منه التَّّارُ وَيَقْبِضُ لهم، فيَرْجِعُ بُمُحرَّدِ الأَمْرِ؛ للعُرْفِ
بأنَّ ما يُؤْمَرُ بإعطائِهِ هو دَيْنٌ على الآمِرِ، بخلافٍ غيرِ الصَّيْرفِيِّ فلا يَرْجِعُ بقولِهِ: أَعْطِ فُلاناً كذا
إلاَّ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ.
[١٢٢٥٣] (قولُهُ: كجنايَةٍ) الذي في "جامِعِ القُصُولَيْنِ"(١): ((جِبايَةُ))، بالباءِ بعد الجَيْمِ
لا بالنُّونِ، والمرادُ بها ما يَحْبِيهِ السُّلْطانُ بحقٍّ أو بغيرِهِ، وسيأتي(٢) في كتاب الكَفَالَةِ قُبَيْلَ كَفَالَةٍ
الرَّجُلَيْنِ: أَنَّه تَجوزُ الكَفالَةُ بِالنَّوائِبِ ولو بِغَيْر حقِّ كَحِبايَاتِ زَمانِنا فإِنَّها في المُطالَبَةِ كالدُُّونِ
بل فَوْقَها.
[١٦٢٥٤] (قولُهُ: ومُؤَنِ ماليّةٍ) الظَّاهِرُ: أَنّه مِن عَطْفِ العامّ على الخَاصِّ؛ لشُمُولِهِ مِثْلَ العُشْرِ
والخَرَاجِ، لكِنْ فِي "جامِعِ الفُصُولَيْنِ)"(٣) أيضاً: ((الأَمْرُ بإنفاقٍ وأدَاءِ خَرَاجٍ وصَدَقَاتٍ واجِبَةٍ
لا يُوجِبُ الرُّجُوعَ بلا شَرْطٍ، إلاَّ رِوايَةٌ عن "أبي يُوسُفَ")) اهـ، وعليه فيكونُ عَطْفَ مُرادِفٍ؛
لئلاّ يَشْمَلَ العُشْرَ وَالْخَرَاجَ.
[١٦٢٥٥) (قولُهُ: لِيُصادِرَهُ) أي: لِيَأْخُذَ منه مالَهُ.
٦٧٤/٢
(قولُهُ: الظَّاهرُ أَنّهُ مِنْ عطفِ العامِّ على الخاصِّ إلخ) ما ادَّعاهُ مِنْ أنَّ العطفَ عطفُ عامٍّ على
خاصٍّ أو مُرادِفٌ غيرُ صحيحٍ، والظَّاهرُ أنَّ بِينَهُما العمومَ والخصوصَ الوَجِهِيَّ، فالجِنايَةُ تنفرِدُ فيما ليسَ
مِنَ الْمُؤَنِ المالِيّةِ، وَالْمُؤَنُ فيما لا يَحْبِيهِ كجُعلِ الآبِقِ، ولعلَّ ما في "الفصولَينِ" مِنْ عدَمِ الرُّجوعِ في الأمرِ
بأداءِ الخَرَاجِ مبنِيٌّ على أصلِ المَذهَبِ، فإنَّ الْمُطالَبَةَ بهِ أشدُّ مِنَ المُطالَبَةِ بسائِرِ الدُّيونِ.
(١) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون في الأحكام - أحكام العمارة في ملك الغير وما يوجب الرجوع وما
لا يوجبه ٢٢٤/٢. وعبارتها أيضاً: ((ففعل المأمور فإنه يرجع الصيرفي على الآمر ... )).
(٢) انظر "الدر" عند المقولة [٢٥٧٢٨] قوله: ((وكذا النوائب)).
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون في الأحكام - أحكام العمارة في ملك الغير وما يوجب الرجوع وما
لا يوجبه ٢٢٥/٢.