Indexed OCR Text
Pages 641-660
الجزء الأول
٦٢٥
باب المیاه
فلو سَدَّ النهرَ من فوقُ، فتوضَّأَ رجلٌ بما يجري بلا مددٍ جازَ؛ لأَنَّه جار،.
...
"شرح الهداية" لـ "السِّراج الهنديِّ"، وقوَّاه بعدَما نقَلَ عن "الفتح"(١) اختيارَ خلافِه.
أقولُ: وَيَزِيدُه قوَّةً أيضاً ما مرَّ(٢) من أَنَّه لو سال دُ رِجْله مع العصير لا ينجُسُ خلافاً
لـ "محمَّدٍ"، وفي "الخزانة": ((إناءانِ، ماءُ أحدِهما طاهرٌ والآخرِ نجسٌ، فصُّبًّا من مكانٍ عالٍ، فاختلطا
في الهواء، ثمَّ نزَلا طهُر كلُّه، ولو أُجرِيَ ماءُ الإِناءين في الأرض صارَ بمنزلة ماءٍ جارٍ)) اهـ. ونحوُهُ
في "الخلاصة"(٣).
ونظَمَ المسألةَ "المصنّفُ" في منظومته "تحفةِ الأقران"(٤)، وفي "الذخيرة": ((لو أصابت الأرضَ
نجاسةٌ، فصُبَّ عليها الماءُ، فجرَى قدرَ ذراعِ طهُرت الأرض، [١/ق١٤١/ب] والماءُ طاهرٌ بمنزلة
الماء الجاري، ولو أصابَها المطرُ، وجرى عليها طهُرتْ، ولو كان قليلاً لم يَجْرِ فلا)).
[١٦٥٣) (قولُهُ: فلو سُدَّ إلخ) تفريعٌ على الأصحِّ وتأييدٌ له.
واعلمْ أنَّ هذه المسائلَ مبنيّةٌ على القول بنحاسة الماء المستعمَل، وكذا نظائرُها كما صرَّحَ
به في "الفتح"(٥) و"البحر"(٦) و"الحلبة"(٧) وغيرِها، فالتّريعُ صحيحٌ؛ لأَنَّه حينئذٍ من جنس وقوعِ
(قولُهُ: بعدَما نقَلَ عن "الفتح" إلخ) عبارة "الفتح": ((لا بدَّ من كونِ جريانه لمددٍ له كما في
"العينيّ" و"النهر"، هو المختارُ)) اهـ. فقد اختلَفَ التصحيحُ، ولفظُ المختار أقوى فيه.
(قولُهُ: تفريعٌ على الأصحِّ إلخ) ويصحُّ تفريعُها على القول بطهارته؛ لأَنَّه إذا لم يحتمل النجاسةَ فلا
يحتملُ التغيُّرَ بالاستعمال بالطريق الأَولى. اهـ "سندي".
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٦٩/١.
(٢) صـ٨ ٦١ - وما بعدها "در".
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الأول في المياه ق ٤/ب.
(٤) "تحفة الأقران": أرجوزة في الفقه، للمصنف التمرتاشي. ("إيضاح المكنون" ٢٤١/١).
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز الوضوء منه وما لا يجوز ٧٠/١.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ٩١/١.
(٧) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الحوض ١/ق ١٩٥/أ.
قسم العبادات
٦٢٦
حاشية ابن عابدين
وكذا لو حفَرَ نهراً من حوضٍ صغيرٍ، أو صبَّ رفيقُهُ الماءَ في طرف ميزابٍ، وتوضَّأَ فيه
وعند طرفِهِ الآخرِ إناءٌ يجتمعُ فيه الماءُ جازَ توضِّيه به ثانياً، وثُمَّ وَثُمَّ، وتمامُهُ فِي
"البحر"(١) (إِنْ لم يُرَ) أي: يُعَلَمْ (أَثْرُهُ)
النجاسة في الماء الجاري، فافهم.
[١٦٥٤] (قولُهُ: وكذا لو حَفَر نهراً إلخ) أي: وأَجرَى الماءَ في ذلك النَّهر، وتوضَّأ به حالَ
جريانه، فاجتمعَ الماءُ في مكانٍ، فحفَرَ رجلٌ آخرُ نهراً من ذلك المكان، وأجرَى الماءَ فيه، وتوضَّأ به
حالَ جريانه، فاجتمَعَ في مكانٍ آخرَ، ففعل ثالثٌ كذلك جاز وضوءُ الكلِّ إذا كان بين المكانِين
مسافةٌ وإِنْ قَلَّتْ، ذكَرَه في "المحيط"(٢) وغيره.
١٢٥/١
وحدُّ ذلك: أنْ لا يسقُطَ الماءُ المستعمَل إلاَّ في موضعٍ جريان الماء، فيكونُ تابعاً للجاري
خارجاً من حكم الاستعمال، وتمامُهُ في "شرح المنية"(٣).
[١٦٥٥] (قولُهُ: وَثُمَّ) الواوُ داخلةٌ على محذوفٍ معطوفٍ عليه بـ ((ثمَّ))، فلم يدخلْ حرفُ
العطف على مِثْله، أي: وجاز توضِّيه ثالثاً، ثمَّ رابعاً وخامساً، ثمَّ سادساً، والقصدُ التكثيرُ، "ط" (٤).
[١٦٥٦] (قولُهُ: أي: يُعَلَمْ) فسَّرَّهُ به ليشملَ الطعمَ واللّون أيضاً. اهـ "ح"(٥).
[١٦٥٧) (قولُهُ: أَتْرُهُ) الأَولى أثرُها، أي: النجاسةِ، لكنّه ذكَّرَ ضميرَها لتأوُلها بالواقع، وفي
"شرح هديّة ابن العماد" لسيِّدي "عبد الغنيّ"(٦): ((الظاهرُ أنَّ المرادَ بهذه الأوصافِ أو صافُ
النجاسة لا الشيءُ المتنِّسُ كماء الورد والخلِّ مثلاً، فلو صُبَّ في ماءٍ جارٍ يُعتَبَرُ أثرُ النجاسة التي
فيه لا أثرُه نفسِهِ لطهارة المائع بالغَسل))، إلى أنْ قال: ((ولم أرَ مَن نَبَّهَ عليه، وهو مهمٌّ، فاحفظْه)).
(١) انظر "البحر": كتاب الطهارة ٩١/١.
(٢) "المحيط البرهاني": كتاب الطهارات - المياه ١/ق ١٣/آ.
(٣) انظر" شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الحياض صـ١٠٢ -.
(٤) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٦/١.
(٥) "ح": كتاب الطهارة - باب المياه ق ١٣/ب.
(٦) "نهاية المراد": الطهارة من الخبث صـ٢٣٢ - بتصرف.
الجزء الأول
٦٢٧
باب المیاه
فلو فيه جيفةٌ، أو بالَ فيه رجلٌ، فتوضَّأَ آخرُ من أسفلِهِ جازَ مالم يَرَ في الْجَرِيةِ أثرَهُ
(وهو) إمَّا (طعمٌ أو لونٌ أو ريحٌ) ظاهرُهُ يعمُّ الجيفةَ وغيرَها، وهو ما رجَّحَهُ
"الكمال"، وقال تلميذُهُ "قاسمٌ": ((إنّه المختارُ))، وقوَّاهُ في "النهر"، وأقرَّهُ "المصنّف"،
وفي "القُهُستاني"(١) عن "المضمرات" عن "النّصاب": (( وعليه الفتوى))، ..
......
[١٦٥٨] (قولُهُ: فلو فيه جيفةٌ إلخ) أشارَ إلى ما قدَّمناه(٢) من شمولِ النجاسة المرئَّةَ وغيرها،
فُيُعتبرُ ظهورُ الأثر في كلٍّ منهما.
[١٦٥٩] (قولُهُ: من أسفلِهِ) أي: أسفلِ المكانِ الذي وقعتْ فيه الجيفةُ أو البولُ، "ط"(٣).
[١٦٦٠) (قولُهُ: في الجَرْية) بالفتح، اسمٌ للمرَّة من الجري، أي: الدفعةِ الواحدة، وأمَّا بالكسر
فذكَرَ في "القاموس"(٤): ((أَنَّها مصدرٌ))، وهو غيرُ مناسبٍ هنا؛ لأنَّ الأثر يظهرُ في العَين لا في
الحدَثِ، فافهم.
[١٦٦١] (قولُهُ: ظاهرُه يعُمُّ الجيفةَ وغيرها) أي: ظاهرُ إطلاق "المصنّف" النجاسةَ كغيره من
المتون، وهذا يُغني عنه ما قبله، فالأَولى حذفُه والاقتصارُ على ما بعده.
[١٦٦٢) (قولُهُ: وهو ما رجَّحَهُ "الكمالُ"(٥) إلخ) (٦) وأَيَّدَهُ تلميذه [١/ق١٤٢/ أ] العلاَّمة "ابن
أمير حاج" في "الحلبة"(٧)، وكذا أَيَّدَه سيِّدي "عبدُ الغنيِّ" بما في "عمدة المفتي" (٨): ((من أنَّ الماء
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة ٣١/١.
(٢) المقولة [١٦٤٨] قوله: ((وقعت فيه نجاسة)).
(٣) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٦/١.
(٤) "القاموس": مادة((جرى)).
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٦٩/١.
(٦) في "د" زيادة: ((قوله: وقواه في "النهر"، عبارته: وأقول: قد تقرر أنَّ الماء الجاري وما في حكمه لا يتأثر بوقوع
النجاسة فيه، ما لم يغلب عليه بأن يظهر أثرها فيه، فمجرد التيقن بوجود النجاسة لا أثر له، وإلا لاستوى الحال
بين جريته على الأكثر والأقل، فما في الفتح أوجه. انتهى))
(٧) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في المياه ١/ق ١٨٤/ب.
(٨) "عمدة المفتي والمستفتي": لأبي محمد عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه، حسام الدين المعروف بالصدر الشهيد
(ت ٥٣٦هـ). ("إيضاح المكنون" ١٢٤/٢، "الجواهر المضية" ٦٤٩/٢، "الفوائد البهية" صـ ١٤٩-).
قسم العبادات
٦٢٨
حاشية ابن عابدين
وقيل: إنْ جرى عليها نصفُهُ فأكثرُ لم يَجُزْ، وهو أحوطُ)).
الجاريَ يُطهِّرُ بعضُه بعضاً))، وبما في "الفتح"(١) وغيره: ((من أنَّ الماء النجس إذا دخَلَ على ماءٍ
الحوض الكبير لا يُنجِّسُه ولو كان غالباً على ماء الحوض))، قال: ((فالجاري بالأَولى))، وتمامُهُ في
"شرحه"(٢).
(١٦٦٣] (قولُهُ: وقيل إلخ) الأوَّلُ قولُ "أبي يوسف"، وهذا قولُهما كما في "السراج)"(٣)،
ومشى عليه في "المنية"، وقوَّه شارحُها "الحلبيُّ"(٤)، وأجاب عمَّا في "الفتح"، وفي "البحر"(٥): ((أَنَّه
الأوجهُ، وهو المذكورُ في أكثرِ الكتب، وصحَّحَهُ صاحب "الهداية" في "التجنيس" للتيقُّن بوجود
النجاسة فيه بخلاف غير المرئيّة؛ لأَنَّه إذا لم يظهرْ أثرُها عُلِمَ أنَّ الماءِ ذهَبَ بعينها))، وأَيَّدَهُ العلاَّمة
"نوح أفندي"، واعترَضَ على ما في "النهر"(٦)، وأطالَ الكلامَ، وأوضحَ المرامَ.
والحاصل: أَنَّهما قولان مصحَّحان، ثانيهما أحوطُ كما قال "الشارح"، قال في "المنية(٧):
((وعلى هذا ماءُ المطر إذا جرى في الميزاب وعلى السطح عَذِراتٌ، فالماءُ طاهرٌ، وإنْ كانت العَذِرةُ
عند الميزاب، أو كان الماءُ كلُّه أو نصفُه أو أكثرُه يلاقي العذرةَ فهو نجسٌ، وإلاَّ فطاهرٌ)) اهـ
وعلى ما رجَّحَهُ "الكمال"(٨) قال في "الحلبة" (٩): ((ينبغي أنْ لا يُعتَبَرَ في مسألة السطحِ سوى
تغيُّرِ أحد الأوصاف)) اهـ.
أقولُ: وعلى هذا الخلافِ ما في ديارنا من أنهارِ المساقط التي تجري بالنّجاسات وترسُبُ
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٧١/١.
(٢) انظر "نهاية المراد": الطهارة من الخبث صـ٢٣٥ -
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٣٢/ب.
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في المياه صـ ٩٢-٩٣ -.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٨٩/١.
(٦) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٣/أ.
(٧) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في المياه صـ٩٣ -.
(٨) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٦٩/١.
(٩) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في المياه ١/ق ١٨٧/أ.
الجزء الأول
٦٢٩
باب المياه
فيها، لكنّها في النّهار يظهرُ فيها أثرُ النجاسة وتتغيَّرُ، ولا كلامَ في نجاستها حينئذٍ، وأمَّا في الليل فإنَّه
يزولُ تغيُّرُها، فيجري فيها الخلافُ المذكور لجريان الماءِ فيها فوقَ النجاسة، قال في "خزانة
الفتاوى"(١): ((ولو كان جميعُ بطنِ النّهر نجساً فإنْ كان الماءُ كثيراً لا يُرى ما تحتَه فهو طاهرٌ، وإلاّ
فلا، وفي "الملتقط": قال بعضُ المشايخ: الماءُ طاهرٌ وإِنْ قلَّ إذا كان جارياً)) اهـ.
تنبيةٌ مهمٌّ في طرحِ الزِّبل في القَسَاطل
قد اعتيدَ في بلادنا إلقاءُ زِبْل الدوابِّ في مجاري الماء إلى البيوت لسدٍّ خلَلٍ تلك المجاري
المسمّاة بالقساطل، فيرسُبُ فيها الرِّبْلُ، ويجري الماءُ فوقَها، فهو مثلُ مسألة الجيفة، وفي ذلك حرجٌ
عظيمٌ إذا قلنا بالنجاسة، والحرجُ مدفوعٌ بِالنَّصِّ.
وقد تعرَّضَ لهذه المسألة العلاَّمةُ الشيخُ "عبد الرحمن العماديُّ" مفتي دمشقَ في كتابه "هدية
ابن العماد"(٢)، واستأنسَ لها ببعضِ فروعٍ وبالقاعدة المشهورة من أنَّ المشقّةَ [١/ق١٤٢/ب]
تجلِبُ التيسير، وبما فرَّعوا عليها كما ذكَّرَهُ في "الأشباه"(٣)، وقد أطالَ الكلامَ سيِّدي "عبد الغنيِّ"
النابلسيُّ في "شرحه"(٤) على هذه المسألةِ بما حاصلُه: ((أَنّ إذا رسَبَ الزِّلُ في القساطل، ولم يظهرْ
أثْرُه فالماءُ طاهرٌ، وإذا وصل إلى الحياض في البيوت متغيِّراً، ونزلَ في حوضٍ صغيرٍ أو كبيرٍ فهو
نجسٌ وإن زالَ تغُّرُه بنفسه؛ لأنَّ الماء النحس لا يطهُرُ بتغيُّره بنفسه إلاَّ إذا جرى بعد ذلك بماء
صافٍ، فإِنَّه حينئذٍ يطهُرُ، فإذا انقطعَ الجريانُ بعد ذلك فإنْ كان الحوضُ صغيراً والزِّبلُ راسبٌ في
أسفله تنجَّس مالم يصِرِ الرِّبل حمأةً، وهي الطِّين الأسود، فإنَّه إذا جرى بعد ذلك بماءٍ صافٍ، ثمَّ
انقطع لا ينجُسُ، وهذا كلُّه بناء على نجاسة الزِّبل عندنا، وعن "زفر": روثُ ما يؤكلُ لحمُه طاهرٌ،
(١) "خزانة الفتاوى": كتاب الطهارات - فصل في الوضوء وما يتعلق به ق٣/أ، لأحمد بن محمد بن أبي بكر (ت٥٢٢هـ)،
ولطاهر بن أحمد، افتخار الدين البخاري(ت٥٤٢هـ). ("كشف الظنون"٧٠٣/١، "الأعلام" ٢١٥/١، "فهرس
مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ٢٩٥/١).
(٢) انظر "نهاية المراد": الطهارة من الخبث صـ٢٧٢ -٢٧٤ -.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الرابعة - السبب السادس من أسباب التخفيف في العبادات صـ٨٥ -.
(٤) "نهاية المراد": الطهارة من الخبث صـ٢٧٢ -٢٧٤ -.
قسم العبادات
٦٣٠
حاشية ابن عابدين
١٢٦/١
وفي "المبتغى" - بالغين المعجمة - : الأرواتُ كُلُّها نجسةٌ إلَّ روايةً عن "محمَّدٍ" أنَّها طاهرةٌ للبلوى،
وفي هذه الروايةِ توسعةٌ لأرباب الدَّوابِّ، فقلَّما يَسلَمون عن التلطُّخ بالأرواث والأخثاء، فتحفَّظْ
هذه الروايةَ. اهـ كلامُ "المبتغى". وإذا قلنا بذلك هنا لا يبعُدُ؛ لأنَّ الضرورة داعيةٌ إلى ذلك، كما
أفْتَوا بقول "محمَّدٍ" بطهارة الماء المستعمَل للضَّرورة ونحوِ ذلك، وفي "شرح العباب" لـ "ابن
حجرٍ "(١) - بناءً على قول الإمام "الشافعيّ": إذا ضاق الأمرُ أَتَّسعَ - : أنَّه لا يضرُّ تَغُرُ أَنْهُرِ الشام بما
فيها من الزِّبل ولو قليلةً؛ لأَنَّه لا يُمكِنُ جريُها المضطرُّ إليه الناسُ إلاَّ به اهـ. وظاهرُه أنَّ المعفوَّ عنه
عنده أثرُ الرِّبل لا عينُهُ)). اهـ ما في "شرح الهديَّة" ملخَّصاً موضحاً.
أقولُ: ولا يخفى أنَّ الضرورة داعيةٌ إلى العفو عن العَين أيضاً، فإنَّ كثيراً من المحلاَّت البعيدةِ
عن الماء في بلادنا يكونُ ماؤها قليلاً، وفي أغلبِ الأوقات يَستصحِبُ الماءِ عينَ الزِّبل، ويرسُبُ في
أسفل الحياض، وكثيراً ما ينقُصُ الحوضُ بالاستعمال منه، أو ينقطِعُ الماء عنه، فلايبقى جارياً، ولا
سَّما عند كَرْىِ الأنهر وانقطاعٍ الماء بالكلّة أياماً، فإذا مُنِعوا من الانتفاع بتلك الحياضِ لِما فيها
من الزِّيل يلزمُهم الحرجُ الشديد كما هو مشاهَدٌ، فاحتياجُهم إلى التّوسعة أشدُّ من احتياج أرباب
الدوابِّ، وقد قال في "شرح المنية"(٢): ((المعلومُ من قواعد أئمَّتنا التسهيلُ في مواضع الضرورة
والبلوى العامَّةِ كما في مسألة آبارِ الفلوات ونحوها)) [١/ق١٤٣/ أ] اهـ. أي: كالعفو عن نجاسة
المعذور، وعن طينِ الشَّارع الغالبِ عليه النجاسةُ وغيرِ ذلك.
نعمْ في بعض الأوقات يزدادُ التغُّر، فينزلُ الماءُ إلى الحوض أخضرَ وفيه عينُ الزِّبل، فينجُسُ
الحوض لو صغيراً وإنْ كان جارياً؛ لأنَّ جريانه بماءٍ نجس، ولا ضرورةً إلى الاستعمال منه في تلك
(١) "الإيعاب": لأبي العباس أحمد بن محمد بن عليّ بن حجر، شهاب الدين الهيتميّ السعديّ الأنصاريّ(ت ٩٧٤هـ)
شرح "العباب المحيط بمعظم نصوص الشافعيّ والأصحاب" للقاضي أبي العباس أحمد بن عمر بن عبد الرحمن،
صفيّ الدين المعروف بابن المذحجيّ المراديّ اليمنيّ الشافعيّ(ت٩٣٠هـ). ("إيضاح المكنون" ٩١/٢، "النور السافر"
صـ ٢٨٧،١٣٧ -، "الأعلام" ١٨٨/١، ٢٣٤).
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - الشرط الثاني (الطهارة من الأنجاس) صـ٢٠٦ -.
الجزء الأول
٦٣١
باب المیاه
وألحقوا بالجاري حوضَ الحمَّام لو الماءُ نازلاً والغَرْفُ متدارَكٌ كحوضٍ صغيرٍ يدخلُهُ الماءُ
من جانبٍ، ويخرُجُ من آخرَ، يجوزُ التوضِّي من كلِّ الجوانبِ ..
الحالة، فيُنتظَرُ صفاؤه، ثمَّ يُعفى عمَّا في القساطل وما في أسفلِ الحوض لِما علمتَ من الضرورة،
ومن أنَّ المشقّة تجلِبُ التيسير، ومن أَنَّه إذا ضاق الأمرُ أَتَّسعَ، والله تعالى أعلمُ.
[١٦٦٤] (قولُهُ: وألحقوا بالجاري حوضَ الحمَّام) أي: في أَنَّه لا ينجُسُ إلاَّ بظهور أثر النجاسة.
أقولُ: وكذا حوضُ غيرِ الحمَّامِ؛ لأَنَّه في "الظهيريَّةِ"(١) ذكَرَ هذا الحكمَ في حوضٍ أقلَّ من
عشرٍ في عشرٍ، ثمَّ قال: ((وكذلك حوضُ الحمَّام)) اهـ، فليُحفظ.
[١٦٦٥] (قولُهُ: والغَرْفُ متدارَكٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: متابِعٌ، وتفسيرُه - كما في "البحر)"(٢)
وغيره ـ ((أَنْ لا يسكُنَ وجهُ الماءِ فيما بين الغَرفتين)).
مطلبٌ: لو دخَلَ الماءُ من أعلى الحوضِ وخرَجَ من أسفله فليس بجار
[١٦٦٦] (قولُهُ: ويخرجُ من آخرَ) أي: بنفسه أو بغيره لِما في "التاتر خانيَّة"(٣): ((لو كان
يدخلُه الماءُ ولا يخرجُ منه، لكنْ فيه إنسانٌ يغتسلُ، ويخرجُ الماءُ باغتسالِه من الجانب الآخرِ
متدارَكاً لا ينجُس)) اهـ.
ثُمَّ إِنَّ كلامهم ظاهرُهُ أنَّ الخروجَ من أعلاهُ، فلو كان يخرُجُ من ثقبٍ في أسفلِ الحوض لا
يُعَدُّ جارياً؛ لأنَّ العبرة لوجهِ الماءِ بدليل اعتبارهم في الحوض الطَّولَ والعرضَ لا العُمقَ، واعتبارِهم
الكثرةَ والقلَّةَ في أعلاهُ فقط كما سيذكرُهُ "الشارح"(٤).
وفي "المنية"(٥): ((إذا كانَ الماءُ يجري ضعيفاً ينبغي أنْ يَتوضَّأ على الوقار حتى يمرَّ عنه الماءُ
المستعمَل))، ولم أر المسألةَ صريحاً، نعم رأيتُ في "شرح سيِّدي عبد الغنيّ" (٦) في مسألة خزانة
(١) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الأول - الفصل الثاني فيما يتوضأ به وما لا يتوضأ به ق٣/ب.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٩١/١.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الرابع في المياه ١٨٠/١ عن "الفتاوى العتابية" باختصار.
(٤) ص ٦٤٢-٦٤٣ - "در".
(٥) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في المياه صـ٩٣ -.
(٦) "نهاية المراد": الطهارة من الخبث صـ٢٦٣ - بتصرف.
قسم العبادات
٦٣٢
حاشية ابن عابدين
مطلقاً، به يُفتَى،.
الحمَّام التي أُخبِرَ "أبو يوسف" برؤية فأرةٍ فيها قال: ((فيه إشارةٌ إلى أنَّ ماء الخزانة إذا كان يدخُلُ
من أعلاها، ويخرج من أنبوبٍ في أسفلها فليس بجارٍ)) اهـ.
وفي "شرح المنية"(١): ((يطهُرُ الحوضُ بمجرَّد ما يدخُلُ الماءُ من الأنبوب، ويَفيضُ من
الحوض، هو المختارُ لعدم تيقّنِ بقاءِ النجاسة فيه وصيرورته جارياً)) اهـ.
وظاهرُ التعليل الاكتفاءُ بالخروج من الأسفل، لكنَّه خلافُ قوله: ((ويَفيض))، فتأمَّل
وراجعْ.
[١٦٦٧) (قولُ: مطلقاً) أي: سواءٌ كان أربعاً في أربعٍ أو أكثرَ، وقيل: لو أكثرَ يتنجَّسُ؛ لأنَّ
الماء المستعمَل يستقرُّ فيه، إلاَّ أنْ يتوضَّأَ [١/ق١٤٣/ب] في موضع الدخول أو الخروج كما في
"المنية"(٢).
وظاهرُ الإطلاق أيضاً أنَّه إذا عُلِمَ عدمُ خروج الماء المستعمَل لضعف الجري لا يضرُّ، وليس
كذلك لِما في "المنية"(٣) عن "الخانَيَّة (٤): ((والأصحُّ أنَّ هذا التقديرَ غيرُ لازمٍ، فَإِنْ خَرَجَ الماءِ
المستعمَلُ من ساعته لكثرة الماء وقوَّته يجوزُ، وإلاَّ فلا)) اهـ وأقرَّهُ "الشارحان"(٥).
وزاد في "الحلبة"(٦) قوله: ((ولا شكَّ أَنَّه حسنٌ))، لكنْ قال في "التاتر خانَّة"(٧) بعدَما
مرَّ:(٨) ((وحُكِيَ عن "الحَلْوانيّ" أَنَّه قال: إنْ كان يتحرَّكُ الماءُ من جريانه يجوزُ، وأجاب ركنُ
(١) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الحياض صـ١٠٣-١٠٤-، وهو اختيار أبي جعفر الهندواني والصدر
الشهيد كما في "شرح المنية".
(٢) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الحياض صـ ١٠١ -.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الحياض صـ ١٠١-١٠٢ -.
(٤) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في الطهارة بالماء ٤/١ بتصرف (هامش"الفتاوى الهندية").
(٥) الشيخ إبراهيم الحلبي في "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الحياض صـ١٠٣-، والإمام ابن أمير حاج
في "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الحوض ١/ق ١٩٩/أ.
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الحوض ١/ق ١٩٩/أ.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الرابع في المياه ١٧٨/١ بتصرف عن "المحيط".
(٨) أي: بعد نقله نصّ" الخانية" السابق.
الجزء الأول
٦٣٣
باب المياه
وكعَيْنٍ هي خمسٌ في خمسٍ ينبعُ الماءُ منه، به يُفْتَى، "قُهُستاني"(١) معزيًّاً لـ "النَّمَّةِ".
(و كذا) يجوزُ (براكلٍ) كثيرٍ (كذلك) أي: وقَعَ فيه نجسٌ.
الإِسلام "السُّغدي"(٢) بالجواز مطلقاً؛ لأَنَّه ماءٌ جارٍ، والجاري يجوزُ التوضِّي به، وعليه الفتوى)) اهـ.
ثُمَّ هذا - كما في "الحلبة"(٣) - : ((مبنيٌّ على نجاسة الماء المستعمَل، وأمَّا على الأصحِّ المختارِ
فيجوزُ الوضوء ما لم يغلِبْ على ظنّه أنَّ ما يغترفُه أو نصفَه فصاعداً ماءٌ مستعمَلٌ)) اهـ.
أقولُ: لكنْ إذا وقَعَ فيه نجاسةٌ حقيقيّةٌ كان التفريعُ على حاله.
[١٦٦٨] (قولُهُ: وكعَينِ إلخ) يُغني عنه الإطلاقُ السابق كما أفاده "ح "(٤).
[١٦٦٩] (قولُهُ: ينبعُ المَاءُ منه) أي: من العَين، وذكَّرَ الضمير باعتبار المكان.
[١٦٧٠) (قولُهُ: معزيًّاً لـ "التمَّةُ") فيه أنَّ عبارة "القُهُستانيّ": ((كما في "الزاهديِّ" وغيره))(٥).
[١٦٧١] (قولُهُ: وكذا يجوزُ) أي: رفعُ الحدث.
[١٦٧٢) (قولُهُ: براكدٍ) الرُّكود: السُّكونُ والَّبات، "قاموس" (٦).
(١٦٧٣] (قولُهُ: أي: وقَعَ فِيهِ نَجَسٌ إلخ) شمِلَ ما لو كان النجَسُ غالباً، ولذا قال في
"الخلاصة"(٧): ((الماءُ النجسُ إذا دخل الحوضَ الكبير لا يُنجِّسُ الحوضَ وإنْ كان الماءُ النجِسُ غالباً
على ماء الحوض؛ لأَنّه كلَّما أَتَّصَلَ الماءُ بالحوض صار ماءُ الحوض غالباً عليه)) اهـ
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة ٣٠/١.
(٢) أبو الحسن علي بن الحسين، ركن الإسلام السُّغْديّ(ت٤٦١هـ). ("الجواهر المضية"٥٦٧/٢، "الفوائد البهية"صـ ١٢١-) ولم
نجد المسألة في "فتاواه".
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الحوض ١/ق ١٩٩/أ.
(٤) "ح": كتاب الطهارة - باب المياه ق١٣/ب.
(٥) اعتراض العلامة ابن عابدين رحمه الله على الشارح غيرُ متجه؛ إذ قول القهستاني: ((كما في الزاهدي)) راجع إلى مسألة
أخرى لا لهذه. وإليك عبارة القهستاني: ((وإلى جوازه من الحوض الصغير، إذا دخل الماء من جانب وخرج من جانب،
سواء كان أربعاً في أربع أو أكثر، وعليه الفتوى كما في الزاهدي. وكذلك لو كان عيناً هي سبع في سبع، أو خمس في
خمس ينبع منه الماء، وعليه الفتوى كما في "التتمة")) اهـ. "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الماء الجائز للوضوء ٣٠/١.
(٦) "القاموس": مادة: ((ركد)).
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الأول في المياه ق٢/ب.
قسم العبادات
٦٣٤
حاشية ابن عابدين
لم يَرَ أَثْرَهُ ولو في موضعٍ وقوعِ المرئَّةِ، به يُفتَى، "بحر"(١) (والمعتبرُ)
[١٦٧٤) (قولُهُ: لم يُرَ أَثْرُهُ) أي: من طعمٍ أو لونٍ أو ريحٍ، وهذا القيدُ لا بدَّ منه وإنْ لم يُذكَرْ
في كثيرٍ من المسائل الآتية، فلا تغفَلْ عنه، وقدَّمنا(٢) أنَّ المراد من الأثرِ أثرُ النجاسة نفسِها دونَ ما
خَالَطَهاً كخَلٍ ونحوِهِ.
[١٦٧٥) (قولُهُ: به يُفْتَى) أي: بعدمِ الفرق بين المرئيَّة وغيرها، وعزاه في "البحر"(٣) إلى "شرح
المنية" عن "النصاب"(٤)، وأراد بـ "شرح المنية" "الحلبةً"(٥) لـ "ابن أمير حاج"، وقد ذكَرَ عبارة
"النّصاب"(٦) في مسألة الماء الجاري لا هنا، على أنَّه يُشكِلُ عليه ما في "شرح المنية" لـ "الحلبيِّ(٧)
عن "الخلاصة"(٨): ((أَنَّه في المرئيّة ينجُسُ موضعُ الوقوع بالإجماع، وأمَّ في غيرها فقيل: كذلك،
وقيل: لا)) اهـ.
ومثلُه في "الحلبة"(٩)، وكذا في "البدائع"(١٠)، لكنْ عبَّرَ بظاهر الرواية بدلَ الإجماع، قال:
((ومعناه: أنْ [١/ق١٤٤ / أ] يَتْرُكَ من موضع النجاسة قدرَ الحوض الصغير، ثم يتوضَّأَ))(١١) اهـ.
١٢٧
وقدَّرَهُ في "الكفاية"(١٢) بـ: ((أربعِ أذرعٍ في مثلها))، وقيل: يتحرَّى، فإنْ وقع تحرِِّهِ أَنَّ
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٨٧/١.
(٢) المقولة [١٦٥٧] قوله: ((أثره)).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٨٧/١.
(٤) "نصاب الفقيه" أو "الفقهاء": لطاهر بن أحمد بن عبد الرشيد بن الحسين، إفتخار الدين البخاري(ت٥٤٢هـ).
("كشف الظنون" ١٩٥٤/٢، "الجواهر المضية" ٢٧٦/٢، "الفوائد البهية" صـ٨٤ -، "هدية العارفين" ٤٣٠/١).
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في المياه ١/ق ١٨٦/ب.
(٦) من ((وأراد بشرح "المنية")) إلى ((عبارة "النصاب")) ساقط من "الأصل".
(٧) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الحياض صـ٩٨ -.
(٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الأول في المياه ق ٢/أ.
(٩) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الحوض ١/ق ١٩٠/ب ١٩١/أ.
(١٠) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجساً ٧٣/١.
(١١) نقله في "البدائع"عن كتاب "الإملاء"عن الإمام أبي حنيفة.
(١٢) "الكفاية": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٧١/١ (ذيل "فتح القدير"). وليس فيه:
((في مثلها)).
الجزء الأول
٦٣٥
· باب المیاه
النجاسة لم تخلُصْ إلى هذا الموضعِ توضَّأَ منه، قال في "الحلبة"(١): ((قُلْتُ: وهو الأصحُ)) اهـ.
وكذا جزَمَ في "الخانَّة"(٢) بتُسِ موضعِ المرئيّة بلا نقلٍ خلافٍ، ثم نقلَ القولين في غير
المرئَّة، وصحَّحَ في "المبسوط"(٢) أوَّلَهما، وصحَّحَ في "البدائع"(٤) وغيرها ثانيهما، نعمْ قال في
"الخزائن"(٥): ((والفتوى على عدم التنُّس مطلقاً إلاَّ بالتغُر بلا فرق بين المرئيّة وغيرها لعموم
البلوى، حتى قالوا: يجوزُ الوضوء من موضع الاستنجاء قبلَ التحرُّك كما في "المعراج" عن
"المجتبى")) اهـ.
وقال في "الفتح"(٦): ((وعن "أبي يوسف" أَنَّ كالجاري، لا يتنجَّسُ إلاَّ بالتغيُّر، وهو الذي
ينبغي تصحيحُه، فينبغي عدمُ الفرق بين المرئيَّة وغيرها؛ لأنَّ الدليل إنَّما يقتضي عند الكثرة عدمَ
التنجُّس إلاَّ بالتغُرِ من غير فصلٍ)) اهـ.
فقد ظهَرَ أنَّ ما ذَكَرَهُ "الشارح" مبنيٌّ على ظاهر هذه الروايةِ عن "أبي يوسف"، حيث
جعلَه كالجاري، وقدَّمنا(٧) عنه أَنَّه اعتبرَ في الجاري ظهورَ الأثر مطلقاً، وأَنَّه ظاهرُ المتون، وكذا قال
في "الكنز"(٨) هنا: ((وهو كالجاري))، ومثلُهُ في "الملتقى"(٩).
وظاهرُه اختيارُ هذه الرواية، فلذا اختارَها في "الفتح"(١٠)، واستحسَنَها في "الحلبة" (١١)
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الحوض ١/ق ١٩٠/ب.
(٢) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في الطهارة بالماء ٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الوضوء والغسل ٧١/١.
(٤) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل فيما يصير به المحل نجساً ٧٣/١.
(٥) "الخزائن": كتاب الطهارة - باب المياه ق ٣٧/ب.
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٧٢/١.
(٧) المقولة [١٦٦٣] قوله: ((وقيل إلخ)).
(٨) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الطهارة ١٢/١.
(٩) "ملتقى الأبحر": كتاب الطهارة ٢٥/١.
(١٠) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٧٢/١.
(١١) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الحوض ١/ق ١٩٠/ب.
قسم العبادات
٦٣٦
حاشية ابن عابدين
في مقدارِ الراكد (أكبرُ رأيٍ المبتلَى فيه، فإنْ غَبَ على ظنّه عدمُ خلوصٍ) أي:
وصولِ (النجاسةِ إلى الجانب الآخرِ جازَ، وإلاّ لا) هذا ظاهرُ الرواية عن "الإِمام":
وإليهِ رجَعَ "محمَّدٌ"،.
لموافقتها لِما مرَّ عنه(١) في الجاري، قال: ((ويشهدُ له ما في "سنن ابن ماجه"(٢) عن "جابر" رَّه قال:
انتهيتُ إلى غدير، فإذا فيه حمارٌ ميتٌ، فكفَفْنا عنه حتى انتهى إلينا رسولُ اللـه ◌ُ﴿، فقال: ((إنَّ الماء
لاينجِّسه شيءٌ)، فاستقينا وأروينا وحملْنا)) اهـ. وهذا واردٌ على نقل الإجماع السَّابق(٣)، والله أعلمُ.
[١٦٧٦] (قولُهُ: في مقدار الرَّاكِد) يُغني عنه قولُ "المصنّف": ((فيه)) المتعلّقُ بـ ((المعتبرُ))،
فالأَولى ذكرُه بعده تفسيراً لِمَرجِع الضمير.
[١٦٧٧) (قولُهُ: أكبرُ رأيِ المبتلَى به) أي: غلبةُ ظنّه؛ لأَنّها في حكم اليقين، والأولى حذفُ
((أكبرُ)) ليظهرَ التفصيلُ بعدَه، "ط)"(٤).
[١٦٧٨] (قولُ: وإلاّ لا) صادقٌ بما إذا غَلَبَ على ظنّه الخُلوصُ، أو اشتبَهَ عليه الأمران، لكنَّ
الثانيَ غيرُ مرادٍ لِما في "التاتر خانَّة"(٥): ((وإذا اشتبَهَ الخلوصُ فهو كما إذا لم يخلُصْ)) اهـ، فافهم.
[١٦٧٩] (قولُهُ: وإليه رجَعَ "محمَّدٌ") أي: بعدَما قال [١/ق١٤٤ /ب] بتقديره بعَشْرٍ فِي عَشْرٍ،
(١) أي: عن أبي يوسف، في المقولة [١٦٦٣] قوله: ((وقيل إلخ)).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٥٢٠) كتاب الطهارة - باب الحياض، وفي إسناده طريف بن شهاب وقال البوصيري في "مصباح
الزجاجة في زوائد ابن ماجه"٢١٦/١: ((هذا إسناد فيه طريف بن شهاب، وقد أجمعوا على ضعفه))، وأخرجه
البيهقي ٢٥٨/١ كتاب الطهارة - باب الماء الكثير لا ينجس بنجاسة تحدث فيه ما لم يتغير، عن أبي سعيد الخدري،
وفيه طريف بن شهاب أيضاً، وقد اضطرب فيه فرواه مرة عن جابر، ومرة عن أبي سعيد، ورجح البيهقي رواية أبي
سعيد على رواية جابر، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه الترمذي رقم (٦٦) كتاب الطهارة - باب
في أن الماء لا ينجسه شيء، وقال: هذا حديث حسن، والنسائي ١٧٤/١ كتاب المياه - باب ذكر بئر بضاعة.
(٣) في هذه المقولة.
(٤) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٧/١. وفي "د"زيادة: ((في"معراج الدراية": هو المختار، وفي "الهداية": وعليه
الاعتماد، وقال الأكمل: لأن أبا حنيفة لا يقدر شيئاً بالرأي في مثل هذا مما يحتاج إلى التقدير، فكان هذا موافقاً
مذهبه. اهـ)).
(٥) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الرابع في المياه ١٦٩/١.
الجزء الأول
٦٣٧
باب المیاه
وهو الأصحُّ كما في "الغاية" وغيرها، وحقَّقَ في "البحر": ((أَنَّه المذهبُ، وبه يُعمَلُ،
وأنَّ التقدير بعشرٍ في عشرٍ لا يرجعُ إلى أصلٍ يُعتَمَدُ عليه))،
ثم قال: ((لا أُوَقّتُ شيئاً)) كما نقلَهُ الأَئِمَّةُ الثقاتُ عنه، "بحر "(١).
[١٦٨٠) (قولُهُ: وهو الأصحُّ) زاد في "الفتح"(٢): ((وهو الأَلْيَقُ بأصل "أبي حنيفة"، أعني عدمَ
التحكّمِ بتقديرٍ فيما لم يرِدْ فيه تقديرٌ شرعيٌّ، والتفويضَ فيه إلى رأىِ المبتلَى بناءً على عدم صحَّةٍ
ثبوتٍ تقديره شرعاً)) اهـ.
وأمَّا تقديرُه بالقلّتينِ - كما قاله "الشافعيُّ" - فحديتُه غيرُ ثابتٍ كما قاله "ابنُ المَدِيني"(٣)،
وضعَّفَهُ الحافظ "ابنُ عبد البَرِّ(٤) وغيرُهُ، وأطالَ الكلامَ عليه في "الفتح"(٥) و"البحر" (٦) وغيرهما من
المطوَّلات.
[١٦٨١) (قولُهُ: وحقَّقَ في "البحر"(٧) أنَّه المذهبُ) أي: المرويُّ عن أئمَّتنا الثلاثةِ، وأكثَرَ من
النقول الصريحة في ذلك، أي: في أنَّ ظاهر الرواية عن أئمَّتنا الثلاثةِ تفويضُ الخُلُوص إلى رأي المبتلَى
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٧٩/١.
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٦٨/١.
(٣) أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر المعروف بابن المَدِيْني السعدي البصري (ت٢٣٤هـ). ( "سير أعلام النبلاء"
٤١/١١، "شذرات الذهب"١٥٩/٣).
(٤) حديث القلتين، أخرجه أحمد ٢٣/٢-٢٧-١٠٧، والنسائي ٤٦/١ كتاب الطهارة - باب التوقيت في الماء، وأبو
داود(٦٣) كتاب الطهارة - باب ما ينجسه الماء، والترمذي (٦٧) كتاب الطهارة - باب منه آخر (أن الماء لا ينجسه
شيء)، وابن ماجه (٥١٧) كتاب الطهارة - باب مقدار الماء الذي لا ينجس، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
مرفوعاً: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث))، والحديث حوله كلام طويل الذيل، خلاصته: أن الحنفية أعلُّوه
بالاضطراب في سنده ومتنه فلم يأخذوا به، وأنَّ الشافعية رجحوا إحدى الروايات فاحتجوا بها وجعلوا ما سواها
من قبيل الشاذ. انظر للتوسع "نصب الراية" ١٠٤/١-١١٢، و"التلخيص الحبير" ١٦/١-٢٠.
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٦٥/١ وما بعدها.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ٨٥/١ وما بعدها.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ٧٩/١.
قسم العبادات
٦٣٨
حاشية ابن عابدين
به بلا تقديرٍ بشيءٍ، ثُمَّ قال(١): ((وعلى تقديرٍ عدمٍ رجوع "محمَّدٍ" عن تقديره بعشرٍ في عشرٍ لا
يَستلزِمُ تقديرَه إلاَّ في نظره، وهو لا يَلزَم غيرَه؛ لأَنَّه لَمَّا وجَبَ كونُه ما استكثرَه المبتلى فاستكثارُ
واحدٍ لا يلزمُ غيرَه، بل يختلفُ باختلاف ما يقعُ في قلبِ كلٍّ، وليس هذا من الصور التي يجبُ
فيها على العامِّيِّ تقليدُ المجتهد، ذكرَهُ "الكمال"(٢))) اهـ.
أقولُ: لكنْ ذَكَرَ في "الهداية"(٢) وغيرها: ((أَنَّ الغديرَ العظيم ما لا يتحرَّكُ أحدُ طرفيه
بتحريك الطرف الآخرِ))، وفي "المعراج": ((أَنّ ظاهرُ المذهب))، وفي "الزيلعيِّ" (٤)؛ ((قيل: يُعتبَرُ
بالتحريك، وقيل: بالمساحة))، وظاهرُ المذهب الأوَّلُ، وهو قولُ المتقدِّمين، حتى قال في
"البدائع"(٥) و "المحيط": ((اتَّققت الروايةُ عن أصحابنا المتقدِّمين أَنَّه يُعتَبرُ بالتحريك، وهو أنْ يرتفعَ
وينخفِضَ من ساعته لا بعد المُكْث، ولا يُعتَبَرُ أصل الحركة))، وفي "التاتر خانَّة"(٦): ((أَنَّه المرويُّ
عن أئمَّتنا الثلاثة في الكتب المشهورة)) اهـ
وهل المعتبرُ حركةُ الغُسل أو الوضوءِ أو اليدِ ؟ رواياتٌ، ثانيها أصحُّ؛ لأَنَّه الوسطُ كما في
"المحيط" و"الحاوي القدسيِّ"(٧)، وتمامُهُ في "الحلبة(٨) وغيرها.
ولا يخفى عليك أنَّ اعتبار الخُلوص بغلبة الظنِّ بلا تقديرِ بشيءٍ مخالفٌ في الظاهر لاعتبارِهِ
بالتحريك؛ لأنَّ غلبة الظنِّ أمرٌ باطنيٌّ يختلفُ باختلاف الظانّين، وتحرُّكُ الطرف الآخرِ أمرٌ حسِّيٌّ
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٨٠/١.
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٦٨/١ بتصرف.
(٣) "الهداية": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ١٨/١.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٢٢/١.
(٥) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجساً ٧٢/١ بتصرف.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الرابع في المياه ١٦٩/١.
(٧) "الحاوي القدسي": كتاب الطهارة - باب ما ينجس الماء ق ٢٨/أ.
(٨) انظر "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الحوض ١/ق ١٨٩/أ.
الجزء الأول
٦٣٩
باب المیاه
ورَدَّ ما أجابَ به "صدرُ الشريعة"،
مشاهَدٌ لا يَختلفُ، مع أنَّ كلاً منهما منقولٌ عن أثمَّتنا الثلاثة في ظاهر الرواية، ولم أرَ مَن تكلّمَ
[١/ق ١٤٥/أ] على ذلك.
ويظهر ليَ التوفيقُ بأنَّ المراد غلبةُ الظنِّ بأنَّه لو حُرِّك لَوَصَلَ إلى الجانب الآخرِ إذا لم يوجدِ
التحريكُ بالفعل، فليتأمَّل.
[١٦٨٢] (قولُهُ: ورَدَّ إلخ) حاصلُه: أنَّ "صدر الشريعة"(١) بنَى تقديرَه بالعشر على أصلٍ،
وهو قولُهُ مَّهِ: (مَنْ حفرَ بئراً فله حولَها أربعون ذراعاً)(٢)، فيكونُ له حريُها من كلِّ جانبٍ
عشرةً، فَيَمنعُ غيرَه من حفرِ بئرٍ في حريمها لئلاّ ينجذبَ الماءُ إليها، وينقُصَ ماءُ الأولى، ويَمنعُ أيضاً
من حفر بالُوعةٍ فيه لئلاّ تسريَ النجاسةُ إلى البئر، ولا يَمنعُ فيما وراءَ الحريم، وهو عشرٌ في عشرِ،
قال: ((فَعُلِمَ أنَّ الشرع اعتَبَرَ العشرَ في العشر في عدم سِراية النجاسة)).
وردَّهُ في "البحر"(٣): ((بأنَّ الصحيح في الحريم أَنَّه أربعون من كلِّ جانبٍ، وبأنَّ قِوامَ
١/ ١٢٨ الأرض أضعافُ قِوام الماء، فقياسُه عليها في عدم السِّراية غيرُ مستقيمٍ، وبأنَّ المختار المعتمدَ في الْبُعد
بين البئر والبالُوعة نفوذُ النجاسة(٤)، وهو يختلفُ بصلابة الأرض ورَخاوتها)).
(١) "شرح الوقاية": كتاب الطهارة - ١٦/١. (هامش"كشف الحقائق").
(٢) أخرجه أحمد ٤٩٤/٢، والبيهقي ١٥٥/٦ كتاب إحياء الموات باب ما جاء في حريم الآبار، عن أبي هريرة مرفوعاً
بنحوه. وفي إسناده عوف بن أبي جميلة، ثقة رمي بالقدر والتشيع، كما في "التقريب"٨٩/٢ وفيه رجل لم يُسَمَّ،
وقد سماه البيهقي في رواية أخرى محمد بن سيرين، وهو من الثقات الأثبات، وله شاهد من حديث عبد الله بن
مُغَفَّل عند ابن ماجه (٢٤٨٦) كتاب الرهون - باب حريم البئر.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٨٠/١.
(٤) عبارة "البحر "نقلاً عن "الخلاصة" وقاضيخان وغيرهما: ((نفوذ الرائحة))، وهي كذلك في رسالته"الخير الباقي في جواز
الوضوء من الفساقي"، لكن بعد الرجوع إلى قاضيخان تبيَّنَ أن المختار المعتمد نفوذ النجاسة كما نقلها ابن عابدين، أما
نفوذ الرائحة أو الطعم أو اللون فإنما هي آثار يُعرف من خلالها نفوذ النجاسة، وقد نص على ذلك في "البدائع" ٧٨/١
حيث قال: ((فدل على أنَّ العبرة الخلوص وعدم الخلوص، وذلك يعرف بظهور ما ذكر من الآثار وعدمه)).
قسم العبادات
٦٤٠
حاشية ابن عابدين
لكنْ في "النهر": ((وأنت خبيرٌ بأنَّ اعتبار العشر أضبطُ، ولا سيَّما في حقِّ مَنْ لا رأيَ له
من العوامِّ، فلذا أفَتَى به المتأخّرون الأعلامُ))،
[١٦٨٣) (قولُهُ: لكنْ في "النهر"(١) إلخ) قد تعرَّضَ لهذا في "البحر"(٢) أيضاً، ثم ردَّه: ((بأنّه
إنما يُعمَلُ بما صحَّ من المذهب لا بفتوى المشايخ))، والوجهُ مع صاحب "البحر"، وإذا اطَّعْتَ على
كلامهما جزمْتَ بذلك، أفاده "ط"(٣).
أقولُ: وهو الذي حطَّ عليه كلامُ المحقّق "ابن الهمام)(٤) وتلميذِه العلاّمة "ابن أمير حاج"(٥)،
لكنْ ذكَرَ بعضُ المحشِّين عن شيخ الإسلام العلاَّمةِ "سعد الدين الديريّ((٦) في رسالته "القول الراقي
في حكم ماء الفَساقي": ((أَنّه حقَّقَ فيها ما اختارَهُ أصحابُ المتون من اعتبارِ العشر، وردَّ فيها على
مَن قال بخلافه ردّاً بليغاً، وأورَدَ نحوَ مائة نقلِ ناطقةٍ بالصواب، إلى أنْ قال: شعرٌ [ خفيف ]
ثُمَّ أبصرْتَ حاذِقاً لا تُماري
وإذا كنتَ في المَدَارِكِ غِرّاً
لِأُناسٍ رَأَوْهُ بالأبصارِ))
وإذا لم تَرَ الهلالَ فَسَلِّمْ
اهـ.
ولا يخفى أنَّ المتأخّرين الذين أقتَوا بالعشر كصاحب "الهداية"(٧) و"قاضي خان(٨) وغيرِهما
من أهل الترجيح هم أعلمُ بالمذهب منَّا، فعلينا اتّباعُهم.
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٢/ب.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٨٠/١.
(٣) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٨/١.
(٤) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٦٨/١-٦٩.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الحوض ١/ق ١٩١/ب.
(٦) أبو السَّعادات سعد بن محمد بن عبد الله، سعد الدين المعروف بابن الديري النابلسي الدمشقي (ت٨٦٧هـ). ("الضوء
اللامع "٢٤٩/٣، "الفوائد البهية" صـ ٧٨-).
(٧) "الهداية": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ١٩/١.
(٨) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في الطهارة بالماء ٥/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
الجزء الأول
٦٤١
باب المیاه
أي: في المرَّعِ بأربعين، وفي المدوَّرِ بستٍّ وثلاثين، وفي المثلّث من كلِّ جانبٍ خمسةَ عشرَ
ويؤيِّدُه ما قدَّمَه "الشارح"(١) في "رسم المفتي": ((وأمَّا نحن فعلينا اتّباعُ ما رجَّحوه وما
صحَّحُوه كما لو أفتونا في حياتهم)).
[١٦٨٤) (قولُهُ: أي: في المرَّعِ إلخ) أشار إلى أنَّ المراد من اعتبار العشر في العشر ما يكونُ
وجهُه مائةَ ذراعٍ سواءً كان مربَّعاً - [١/ق١٤٥/ب] وهو ما يكونُ كلُّ جانبٍ من جوانبه عشرةً،
وحولَ الماءِ أربعون، ووجهُهُ مائةٌ - أو كان مدوَّراً، أو مثلًَّ، فإنَّ كلّ من المدوَّرِ والمثلّث إذا كان
على الوصف الذي ذكرَهُ "الشارح" يكون وجهُهُ مائةً، وإذا رُبِّع يكون عشراً في عشرٍ، فافهم.
[١٢٨٥) (قولُهُ: وفي المدوَّرِ بستٍّ وثلاثين) أي: بأنْ يكون دورُه ستّةً وثلاثين ذراعاً، وقطرُه(٢)
أحدَ عشرَ ذراعاً وخُمْسَ ذراعٍ.
ومساحتُهُ: أنْ تضرِب نصف القطر - وهو خمسةٌ ونصفٌ وعُشرٌ - في نصف الدَّور، وهو
ثمانيةَ عشر يعونُ مائةَ ذراعٍ وأربعة أخماسِ ذراعٍ. اهـ "سراج"(٣).
وما ذكرَهُ هو أحدُ أقوالٍ خمسةٍ، وفي "الدُّرر"(٤) عن "الظهيرِيَّةِ"(٥): ((هو الصحيحُ، وهو
مُبْرهَنٌّ عليه عند الحساب))، وللعلاّمة "الشرنبلاليّ" رسالةٌ سمَّاها "الزهرَ النضير على الحوض
(١) صـ ٢٥٦ - "در".
(٢) قوله ((وقطره إلخ)) القطر هو الخطَّ المارُّ على المركز حتى ينتهي إلى جانبي المحيط، ونصفه هو هذا القاطع لنصفه
بالمشاهدة بهذه الصورة:
1
10
1
نصف القطر ٥ , - و
2
5
1
القطر ١١ و -
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٣٤/أ بتصرف.
(٤) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ٢٢/١-٢٣.
(٥) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الأول - الفصل الثاني فيما يتوضأ به وما لا يتوضأ ق ٤/أ.
قسم العبادات
٦٤٢
حاشية ابن عابدين
وربعاً وخمساً بذراعِ الكِرْباس، ولو له طولٌ لا عرضٌ،.
المستدير"(١)، أوضَحَ فيها البرهانَ المذكورَ مع ردِّ بقيّةِ الأقوال، ولخَّصَ ذلك في "حاشيته" على
"الدرر"(٢).
[١٦٨٦] (قولُهُ: ورُبعاً وخُمساً) في بعض النسخ: ((أو خُمساً)) بــ ((أو)) لا بالواو، وهي
الأصوبُ بناءً على الاختلاف في التّعبير، فإنَّ بعضَهم كـ "نوح أفندي" عبَّرَ بالربع، وبعضهم
كـ "الشرنبلاليِّ" في رسالته عَّرَ بالخمس، وهو الذي مشى عليه في "السِّراج(٣)، حيث قال: ((فإنْ
كان مثلّاً فإنّه يُعتبرُ أنْ يكونَ كلُّ جانبٍ منه خمسةَ عشرَ ذراعاً وخُمسَ ذراعٍ حتى تبلغَ مساحته
مائةَ ذراعٍ، بأنْ تضربَ أحدَ جوانبه في نفسه، فما صحَّ أخذتَ ثُتَه وعُشرَه، فهو مساحتُه.
بيأنُه: أنْ تضرِبَ خمسةَ عشرَ وخُمساً في نفسه يكونُ مائتينٍ وإحدى وثلاثين وجزءاً من
خمسةٍ وعشرين جزءاً من ذراعٍ، فثلتُه على التقريب سبعةٌ وسبعون ذراعاً، وعشرُه على التقريب
ثلاثةٌ وعشرون، فذلك مائةُ ذراعٍ وشيءٌ قليلٌ لا يبلُغُ عُشرَ ذراعٍ)) اهـ.
أقولُ: وعلى التعبير بالرُّبع يبلغُ ذلك الشيءُ القليلُ نحوَ ربعٍ ذراعٍ، فالتعبيرُ بالخمس أَولى كما
لا يخفى، فكان ينبغي لـ "الشارح" الاقتصارُ عليه، فافهم.
[١٦٨٧] (قولُهُ: بذراعِ الكِرْباس) بالكسر، أي: ثيابِ القطن، ويأتي(٤) مقدارُه.
(تنبيةٌ)
لم يذكرْ مقدارَ العُمق إشارةٌ إلى أنّه لا تقديرَ فيه في ظاهر الرواية، وهو الصحيح، "بدائع"(٥).
(١) انظر "إيضاح المكنون" ٦١٩/١، و"هدية العارفين" ٢٩٢/١.
(٢) الشرنبلالي: كتاب الطهارة - فرض الغسل ٢٣/١ ("هامش الدرر والغرر").
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٣٣/ب بتصرف.
(٤) صـ ٦٥١ - وما بعدها "در".
(٥) لم نجد النقل المذكور في "البدائع" على حد بحثنا بعد بذل الوسع، والمذكور في "البدائع" من مسألة العمق: ((وأما
العمق فهل يشترط مع الطول والعرض؟ عن أبي سليمان الجوزجاني أنّه قال: إن أصحابنا اعتبروا البسط دون
العمق، وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني: إن كان بحال لو رفع إنسان الماء بكفيه انحسر أسفله ثم اتصل لا يتوضأ
به، وإن كان بحال لا ينحسر أسفله لا بأس بالوضوء منه، وقيل: مقدار العمق أن يكون زيادة على عرض الدرهم الكبير -
الجزء الأول
٦٤٣
باب المیاه
لكنَّه يبلغُ عشراً في عشرٍ جازَ تيسيراً، ولو أعلاهُ عشراً وأسفلُهُ أقلَّ جازَ.
وصحَّحَ في "الهداية"(١): ((أنْ يكون بحالٍ لا يَنحسِرُ بالاغتراف))، أي: لا ينكشِفُ، وعليه
الفتوى، [١/ق ١٤٦/أ] "معراج". وفي "البحر"(٢): ((الأوَّلُ أوجهُ لِما عُرِفَ من أصل "أبي
حنيفة")) اهـ.
وقيل: أربعُ أصابعَ مفتوحةٍ، وقيل: ما بلَغَ الكعبَ، وقيل: شبرٌ، وقيل: ذراعٌ، وقيل: ذراعان،
"ُهُستاني)(٣).
[١٦٨٨) (قولُهُ: لكنَّه يبلُغُ إلخ) كأنْ يكونَ طولُه خمسين وعرضُه ذراعين مثلاً، فإِنَّه لو رُّبِّعَ
صار عشراً في عشر.
[١٦٨٩] (قولُهُ: جازَ تيسيراً) أي: جاز الوضوءُ منه بناءً على نجاسة الماء المستعمَل، أو المرادُ:
جازَ وإِنْ وقعتْ فيه نجاسةٌ، وهذا أحدُ قولين، وهو المختارُ كما في "الدرر"(٤) عن "عيون
المذاهب"(٥) و"الظهيريَّة"(٦)، وصحَّحَهُ في "المحيط" و"الاختيار"(٧) وغيرِهما، واختارَ في "الفتح"(٨)
القولَ الآخرَ، وصحَّحَهُ تلميذُه الشيخ "قاسمٌ"؛ لأنَّ مَدارَ الكثرة على عدمٍ خُلُوص النجاسة إلى
= المثقال، وقيل: أن يكون قدر شير، وقيل: قدر ذراع ... اهـ ما في "البدائع" من كلام على العمق - كتاب الطهارة -
فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجساً ٧٣/١. ولكنه في "البحر" ٨١/١ نقل عن "البدائع"مثل ما نقله ابن
عابدین رحمه الله.
(١) "الهداية": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز التطهير به وما لا يجوز ١٩/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٨١/١.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الماء الجائز للوضوء ٣٠/١. وقوله: ((وقيل ذراع)) ليس في نسخة القهستاني التي
بین ایدینا.
(٤) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ٢٢/١.
(٥) "عيون المذاهب": كتاب الطهارة - فصل في المياه ق٣/ب.
(٦) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الأول - الفصل الثاني - النوع الثاني في الحياض والآبار ق٣/ب.
(٧) "الاختيار": كتاب الطهارة - فصل في الماء الذي يجوز به التطهير وما لا يجوز ١٤/١.
(٨) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٧٢/١.
قسم العبادات
٦٤٤
حاشية ابن عابدين
حتى يبلغَ الأَقلَّ،
الجانب الآخرِ، ولا شكَّ في غلبة الخُلُوص من جهة العرض، ومثلُه لو كان له عُمقٌ بلا سَعةٍ، أي:
بلا عرضٍ ولا طولٍ؛ لأنَّ الاستعمال من السطح لا من العمق.
وأجاب في "البحر"(١): ((بأنَّ هذا وإنْ كان الأوجهَ إلاَّ أنَّهم وسَّعوا الأمرَ على الناس، وقالوا
بالضمّ كما أشار إليه في "التجنيس" بقوله: تيسيراً على المسلمين)) اهـ.
وعلَّلهُ بعضُهم بأنَّ اعتبار الطُّول لا ينجِّسُه، واعتبار العرض ينجِّسُه، فيبقى طاهراً على أصلِهِ
للشكِّ في تنجُّسِهِ، وتمامُهُ في "حاشية نوح أفندي"، وبه فارَقَ ما لَهُ عمقٌ بلا سَعةٍ.
[١٦٩٠] (قولُهُ: حتى يبلُغَ الأَقلَّ) أي: وإذا بلغَ الأَقلَّ فوقَعَت فيه نجاسةٌ تنجَّسَ كما في
١٢٩/١ "المنية"(٢)، وتشملُ النجاسةُ الماءَ المستعمل على القول بنجاسته، ولذا قال في "البحر"(٣): ((وإنْ
نقَصَ حتى صار أقلّ من عشرةٍ في عشرةٍ لا يَتوضَّأُ فيه، ولكنْ يَغترفُ منه ويتوضأُ)) اهـ أمَّا على
القول بطهارته فهي مسألةُ التوضِّي من الفَساقي، وفيها الكلامُ الماءُّ(٤)، فافهم.
ثُمَّ لو امتلأ بعد وقوع النجاسة بقيَ نجِساً، وقيل: لا، "منية "(*). ووَجْهُ الثاني غيرُ ظاهرٍ،
"حلية" (٦).
قال في "شرح المنية"(٧): ((فالحاصلُ: أنَّ الماء إذا تنجَّسَ حالَ قَلَّتِهِ لا يعودُ طاهراً بالكثرة، .
وإنْ كان كثيراً قبل اتّصاله بالنجاسة لا ينجُسُ بها، ولو نقَصَ بعدَ سقوطها فيه حتى صارَ قليلاً
فالمعتبرُ قلَّه وكثرتُه وقتَ اتّصاله بالنجاسة سواءٌ وردتْ عليه، أو وردَ عليها، هذا هو المختارُ)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٨١/١.
(٢) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الحياض صـ١٠٠-١٠١ -.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٨١/١ نقلاً عن "التجنيس".
(٤) المقولة [١٦٠١] قوله: ((على ما حققه في "البحر" إلخ)).
(٥) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الحياض صـ ١٠١ - بتصرف.
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الحوض ١/ق ١٩٦/ب.
(٧) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الحياض صـ ١٠١ -.