Indexed OCR Text
Pages 561-580
الجزء الأول
٥٤٥
ما يوجب الغسل وما لا يوجبه
وإنْ لم يتذكَّرِ الاحتلامَ) إلاَّ إذا عَلِمَ أَنَّه مذْيٌّ، أو شكَّ أَنَّه مذْيٌّ أو وديٌّ، أو كان
ذكرُهُ منتشراً قبيل النوم فلا غُسلَ عليه اتّفاقاً.
وأشارَ "الْقُهُستانيُ)(١) إلى الجواب، حيث فسَّرَ قوله: ((أو مذْياً)) بقوله: ((أي: شيئاً شكَّ فيه
أنّه منيٍّ أو مذيٌّ؛ لأَنّا لا نوجِبُ الغُسل بالمذْىِ أصلاً بل بالمنيِّ، إلاَّ أَنَّه قد يرِقُّ بإطالة الزمان، فالمرادُ
ما صورتُه صورةُ المذْىِ لا حقيقتُه كما في "الخلاصة"(٢)) اهـ. فليس فيه مخالفةٌ لِما تقدَّمَ (٣)، فافهم.
[١٣٨٧) (قولُهُ: وإنْ لم يتذكَّرِ الاحتلامَ) من الحُلُم بالضمِّ والسكون: اسمٌ لِما يراه النائمُ، ثم
غُلِّبَ على ما يراه من الجماعِ، "نهر "(٤).
واعلمْ أنَّه اختُلِفَ في الواو في نظير هذا التركيبِ، [١/ق١٢٣/ب] فقيل: إنّها للحال، أي:
والحالُ أَنَّه إنْ لم يتذكَّرِ الاحتلامَ يجبُ الغُسل، ويُفهَمُ وجوبُه إذا تذكَّرَ بالأولى، وقيل: للعطف
على مقدَّرٍ، أي: إنْ تذكَّرَ، وإنْ لم يتذكَّرْ.
[١٣٨٨] (قولُهُ: إلاَّ إذا عِلِمَ إلخ) استثناءٌ من قوله: ((أو مذْياً)) مع تقييده بعدم تذكُّرٍ
الاحتلام؛ لأَنَّه هو المنطوقُ، سواءٌ جُعلتِ الواوُ للحال أو للعطف، لكنْ على جعلها للحال أظهرُ؛
إذ ليس في الكلام شيءٌ مقدّرٌ، ولو جُعِلَتْ للعطف ربما يُتُوهَّمُ أنَّ الاستثناء مفروضٌ مع عدم
التذكُّر المنطوقِ ومع التذكُّر المقدَّرِ، فلا يصحُّ قولُهُ الآتي (٥): ((اتفاقاً)).
ثُمَّ اعلمْ أنَّ "الشارح" قد أصلَحَ عبارة "المصنّف" ، فإنَّ قوله: ((أو مذْياً)) يَحتمِلُ أنْ يكون
المرادُ به أنّه رأى مذْياً حقيقةً - بأنْ عِلِمَ أنَّه مذْيٌ - أو أَنَّه رأى مذْياً صورةً، بأنْ رأى بللاً، وشكّ
في أَنَّ مذْيٌ أو ودْيٌّ، أو شكَّ أنَّه مذْيٌّ أو منيٌّ، فاستثنى ما عدا الأخيرَ، وصار قولُهُ: ((أو مذْياً))
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - موجبات الغسل ٢٧/١ باختصار.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثاني في الغسل ق٥/ب.
(٣) في هذه المقولة.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق ١١/ب.
(٥) في هذه الصحيفة "در".
قسم العبادات
٥٤٦
حاشية ابن عابدين
كالودْيٍ، لكنْ في "الجواهر": ((إلاَّ إذا نامَ مضطجعاً،
مفروضاً فيما إذا شكَّ أنَّه مذْيٌّ أو منيٌّ فقط كما قدَّمناه(١)، فهذه الصورةُ يجبُ فيها الغُسلُ وإنْ لم
يتذكَّرِ الاحتلام، لكنْ بقيتْ هذه صادقةً بما إذا كان ذكَرُه منتشراً قبل النوم أوْ لا، مع أَنَّه إذا كان
منتشراً لا يجبُ الغُسل، فاستثناه أيضاً، فصار جملةُ المستثنيات ثلاث صورٍ لا يجبُ فيها الغُسلُ اتفاقاً
مع عدم تذكُّرِ الاحتلام كما قلنا.
وبهذا الحلّ(٢) الذي هو من فيض الفتّاح العليم ظهَرَ أنَّ هذه المتعاطِفاتِ مرتبطةٌ ببعضها،
وأنَّ الاستثناء فيها كلِّها مَتَّصلٌ. ولله دَرُّ هذا "الشارحِ" الفاضل، فكثيراً ما تخفى إشاراتُه على
المعترضين وإِنْ كانوا من الماهرين، فافهم.
[١٣٨٩] (قولُهُ: كالوديٍ) فإِنَّه لا غُسلَ فيه اتفاقاً وإنْ تذكَّرَ كما مرَّ(٣).
[١٣٩٠) (قولُهُ: لكنْ في "الجواهر" إلخ) استدراكٌ على المسألة الثالثة، وحاصلُه: أَنَّه أطلَقَ عدمَ
الغُسل فيها تبعاً لكثيرٍ، وهو مقَيَّدٌ بثلاثة قيودٍ: أنْ يكون نومُه قائماً أو قاعدً، وأنْ لا يَتِيقَّنَ أَنَّه منيٌّ،
وأنْ لا يتذكَّرَ حُلُماً، فإذا فُقِدَ واحدٌ منها - بأنْ نام مضطجعاً، أو تيقّنَ، أو تذكَّرَ - وحَبَ الغُسل،
وقد ذكَرَ المسألةَ في "منية المصلِّي)(٤)، فقال: ((وإن استيقَظَ فوجَدَ في إحليله بللاً، ولم يتذكَّرْ حُلُماً
إنْ كان ذكَرُه منتشراً قبل النوم فلا غُسلَ عليه، وإنْ كان ساكناً فعليه الغُسل، هذا إذا نام قائماً أو
قاعداً، أمَّا إذا نام مضطجعاً، [١/ق ١٢٤ /أ] أو تيقّن أَنَّه منيٌّ فعليه الغُسلُ، وهذا مذكورٌ في
"المحيط" و"الذخيرة"، وقال شمس الأئمّة "الحَلْواني": هذه مسألةٌ يكثُرُ وقوعُها والناسُ عنها
غافلون)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ الانتشار قبل النوم سببٌ لخروج المذْىِ، فما يراه يُحمَلُ عليه ما لم يتذكّرْ
(١) المقولة [١٣٨٦] قوله: ((منياً أو مذياً)).
(٢) في "٢": ((الحمل))، أي: وبما حَمَل عليه الكلام ظهر أنّ ... والله أعلم.
(٣) المقولة [١٣٨٦] قوله: ((منياً أو مذياً)).
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - الطهارة الكبرى صـ ٤٣ -.
الجزء الأول
٥٤٧
ما یوجب الغسل وما لا يوجبه
أو تيقَّنَ أنَّه منيٌّ، أو تذكَّرَ حلماً فعليه الغُسلُ، والناسُ عنه غافلون )).
(لا) يُفترَضُ (إِنْ تذكَّرَ ولو مع اللذّةِ) والإنزالِ (ولم يرَ) على رأسِ الذَّكَرِ (بللاً إجماعاً
(وكذا المرأةُ) مثلُ الرَّجُل على المذهب).
حُلُماً أو يعلمْ(١) أنَّه منيٌّ، أو يكنْ نام مضطجعاً؛ لأَنَّه سببٌ للاسترخاء والاستغراق في النوم الذي
هو سببُ الاحتلام، لكنْ ذكَرَ في "الحلبة"(٢): ((أَنّ راجَعَ "الذَّخيرة" و"المحيط البرهانيَّ(٣)، فلم يرَ
تقييدَ عدمِ الغُسل بما إذا نام قائماً أو قاعداً))، ثمَّ بَحَثَ وقال(٤): ((إِنَّ الفرقَ بينه وبين النوم
مضطجعاً غيرُ ظاهرٍ)).
[١٣٩١] (قولُهُ: أو تيقّنَ) عبَّرَ به تبعاً لـ "المنية"(٥)، ولو عَّر بالعلم لَكان أَولى؛ لأنَّ المراد غلبةُ
الظنِّ، والعلمُ يطَلَقُ عليها، وعبارة "الخانيَّة"(٦) في هذه المسألة: ((إلاَّ أنْ يكون أكبرُ رأيه أَنَّه منيٌّ،
فيلزمُهُ الغُسلُ)) اهـ
[١٣٩٢] (قولُهُ: ولو مع اللذّهَ والإنزال) أي: مع تذكِّرِهما، وليس المرادُ أَنّه أنزَلَ؛ لأنَّ
الموضوع أَنَّه لم يرَ بللاً، "ط))(٧).
(١٣٩٣] (قولُهُ: وكذا المرأةُ إلخ) في "البحر"(٨) عن "المعراج": ((لو احتلمت المرأة، ولم يخرج
الماءُ إلى ظاهرِ فرجها عن "محمَّدٍ": يجبُ، وفي ظاهر الرِّواية: لا يجبُ؛ لأنَّ خروج منّيِّها إلى
/١١٠
(١) في "ب" و"م": ((ويعلم)) بالواو، والصواب ما أثبتناه.
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - الغسل ١/ق٩٢/ب.
(٣) الذي راجعه صاحب "الجلبة" هو "محيط" رضي الدين السرخسي لا "المحيط البرهاني"، قال في "الحلبة": ((والظاهر
من مراد مصنفه [أي: صاحب "المنية"] بـ "المحيط" "المحيطُ" لصاحب "الذخيرة"[أي: "المحيط البرهاني"]، وإنّي لم
أقف عليه، وراجعت "محيط" الإمام رضي الدين السرخسي فلم أرَ لهذه المسألة فيه ذكراً)). اهـ
(٤) أي: صاحب "الحلبة": كتاب الطهارة - الغسل ١/ق٩٣/ب - ٩٤/أ باختصار.
(٥) انظر"شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - الطهارة الكبرى صـ٤٣ -.
(٦) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يوجب الغسل ٤٤/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٧) "ط": كتاب الطهارة ٩٣/١.
(٨) "البحر": كتاب الطهارة ٥٩/١.
قسم العبادات
٥٤٨
حاشية ابن عابدين
ولو وُجدَ بين الزَّوجين ماءٌ ولا مميِّزَ ولا تذكَّرَ، ولا نامَ قبلهما غيرُهما اغْتَسَلا (أُولَجَ
حشفتَهُ) أو قدْرَها (ملفوفةً بخرقةٍ ..
فرجها الخارجِ شرطٌ لوجوب الغُسل عليها، وعليه الفتوى)).
[١٣٩٤] (قولُهُ: ولو وُجِدَ إلخ) حاصلُه: أنَّه لو وجَدَ الزوجان في فراشهما منَّاً، ولم يتذكَّرا
احتلاماً فقيل: إنْ كان أبيضَ غليظاً فمنيُّ الرجل، وإنْ كان أصغرَ رقيقاً فمنيُّ المرأة، وقال في
"الظهيريَّة"(١) بعد حكايته لهذا القول: ((والأصحُّ أَنَّ يجبُ عليهما احتياطاً))، وعزا هذا الثاني في
"الحلبة"(٢) إلى "ابن الفضل"، وقال: ((ومشى عليه في "المحيط" و"الخلاصة"(٢))، واستظهَرَ في
"الفتح"(٤) الجمعَ بين القولين، فقَّدَ الوجوب عليهما بعدم التذكِّر وعدمِ المميِّزِ من غلَظٍ ورِقَّةٍ أو
بياضٍ وصُفْرةٍ، ثمَّ قال: ((فلا خلافَ إذاً))، واستحسنَهُ في "الحلبة"(٥)، وأقرَّهُ في "البحر "(٦)،
لكنْ في "شرح المنية"(٧): ((أنَّ المميّز يختلفُ باختلاف المزاج والأغذيةِ، فلا عبرةً به، والاحتياطُ
هو الأولى (٨))).
[١٣٩٥] (قولُهُ: ولا نامَ قبلَهما غيرُهما) ذكَرَهُ في "الحلبة"(٩) بحثاً، وتبعَهُ في "البحر"(١٠)، قال:
((فلو كان قد نامَ عليه غيرُهما، وكان المنيُّ المرئيُّ يابساً فالظاهر أَنَّه لا يجبُ الغُسل على واحدٍ
منهما)).
(١) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الثالث - الفصل الثالث فيما يوجب الغسل وما يتعلق به ق ٨/أ.
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - الغسل ١/ق ٩٦/ب.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثاني في الغسل ق٥/ب.
(٤) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٤/١ - ٥٥.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - الغسل ١/ق٩٦/ب.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ٥٩/١.
(٧) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - الطهارة الكبرى صـ٤٥ -.
(٨) في النسخ جميعها: ((الأول))، والصواب ما أثبتناه، كما في "شرح المنية الكبير".
(٩) "الحلبة": كتاب الطهارة - الغسل ١/ق٩٦/ب.
(١٠) "البحر": كتاب الطهارة ٥٩/١.
الجزء الأول
٥٤٩
ما يوجب الغسل وما لا يوجبه
إِنْ وجَدَ لذّةَ) الجماع (وجَبَ) الغُسلُ (وإلاّ لا) على الأصحِّ، والأحوطُ الوجوبُ.
(و) عند (انقطاعٍ حيضٍ ونفاسٍ).
(تنبيةٌ)
التقييدُ بالزوجين صريحٌ في أنَّ غيرَهما لا يجبُ [١/ق١٢٤/ب] عليه، "رملي" على
"البحر".
أقولُ: الظاهرُ أَنَّه اتّفاقيٌّ جرياً على الغالب، ولذا قال "ط)" (١): ((الأجنبيُّ والأجنبيَّةُ كذلك،
وكذا لو كانا رجُلين أو امرأتين، فالظاهرُ اتّحادُ الحكم)).
[١٣٩٦] (قولُهُ: إِنْ وجَدَ للَّهَ الجماعِ) أي: بأنْ كانت الخرقةُ رقيقةً، بحيث يجدُ حرارةَ الفرج
واللذَّةَ، "بحر "(٢).
[١٣٩٧] (قولُهُ: وإلاّ لا) أي: ما لم يُنزِلْ.
[١٣٩٨] (قولُهُ: على الأصحِّ) وقال بعضهم: يجبُ؛ لأنَّه يُسمَّى مولِجاً، وقال بعضهم: لا
يجبُ، "بحر "(٣)، وظاهرُ القولين الإطلاقُ.
[١٣٩٩] (قولُهُ: والأحوطُ الوجوبُ) أي: وجوبُ الغُسل في الوجهين، "بحر "(٤) و"سراج"(٥).
أقولُ: والظاهرُ أَنَّه اختيارٌ للقول الأوَّل من القولين، وبه قالت الأئمّة الثلاثة كما في "شرح
الشيخ إسماعيل"(٦) عن "عيون المذاهب"(٧)، وهو ظاهرُ حديثٍ: ((إذا التقى الختانان، وغابتٍ
الحشفةُ وجَبَ الغُسلُ))(٨).
(١) "ط": كتاب الطهارة ٩٣/١ باختصار.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق٢٦/أ.
(٦) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق١٠٩/أ.
(٧) "عيون المذاهب الكاملي": كتاب الطهارة - فصل الغسل ق ٢/ب لمحمد بن محمد بن أحمد، قِوَام الدين السِّنْجاريّ
الكاكيّ(ت ٧٤٩هـ). ("كشف الظنون" ١١٨٧/٢، "الفوائد البهية" صـ ١٨٦-).
(٨) أخرجه أحمد ١٧٨/٢، وابن ماجه (٦١١) كتاب الطهارة - باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان، من =
قسم العبادات
٥٥٠
حاشية ابن عابدين
هذا وما قبله من إضافةِ الحكم إلى الشرط، أي: يجبُ عنده لا به، بل بوجوبِ الصلاة أو
إرادةِ ما لا يحلُّ كما مرَّ (لا) عند (مذْىٍ.
(١٤٠٠) (قولُهُ: هذا إلخ) الإشارةُ إلى إسناد فرْضَّةِ الْغُسل إلى الانقطاع؛ لأنَّ المعنى: وفُرِضَ
عند انقطاعٍ حيضٍ ونفاسٍ، وأراد بما قبلَه إسنادَ الفرْضيّة إلى خروج المنيِّ والإيلاجِ ورؤيةٍ
المستيقظ، وأراد بالإضافة الإسنادَ والتعليقَ، أي: إسنادُ فرْضيّةِ الغُسل إلى هذه الأشياءِ وتعليقُها
عليها مجازٌ، من إسناد الحكم - وهو هنا الفرضيَّةُ - إلى الشَّرط وهو هنا هذه المذكوراتُ، وليس من
إسناد الحكم(١) إلى سببه كما هو الأصلُ.
[١٤٠١] (قولُهُ: أي: يجبُ عنده) أي: عند تحقَّقِ الانقطاع ونحوه، والمرادُ بعدَه.
[١٤٠٢) (قولُهُ: بل بوجوب الصلاة) أي: عند ضيق الوقت، وقولُهُ: ((أو إرادةِ ما لا يحلُّ))
أي: عند عدم ضيق الوقت، قال في "الشرنبلاليّة"(٢): ((واختُلِفَ في سبب وجوب الغُسل، وعند
عامَّة المشايخ: إرادةُ فعلٍ ما لا يحلُّ فعلُه مع الجنابة، وقيل: وجوبُ ما لا يحلُّ معها، والذي يظهرُ
أَنَّه إرادةُ فعلٍ ما لا يحلُّ إلاَّ به عند عدم ضيق الوقت، أوعند وجوبِ ما لا يصحُّ معها، وذلك عند
ضيق الوقت لِما قال في "الكافي)(٣): إنَّ سبب وجوب الغُسل الصلاةُ أو إرادةُ ما لا يحلُّ فعلُه مع
الجنابة، والإنزالُ والالتقاءُ شرطٌ)) اهـ.
[١٤٠٣] (قولُهُ: كما مرَّ(٤) أي: في الوضوء، وقدَّمنا(٥) الكلامَ عليه هناك.
[١٤٠٤) (قولُهُ: لا عندَ مذْىٍ) أي: لا يُفرَضُ الغُسلُ عند خروج مَذْىٍ - كظَنْىٍ، بمعجمةٍ
ساكنةٍ وياءِ مخفّفةٍ على الأفصح، وفيه الكسرُ مع التخفيف والتشديد، وقيل: هما لحنٌ - ماءٌ رقيقٌ
= طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، وله شاهد صحيح من حديث عائشة،
أخرجه أحمد ٢٣٩/٦، وابن حبان (١١٨٣) كتاب الطهارة - باب الغسل.
(١) من ((وهو هنا الفرضية)) إلى ((إسناد الحكم)) ساقط من "الأصل".
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - فرض الغسل ١٨/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - سنن الغسل ١/ق٦/ب.
(٤) صـ ٢٨٣ - "در".
(٥) المقولة [٥٩٩] قوله: ((ما لا يحل)) وما بعده.
الجزء الأول
ما يوجب الغسل وما لا يوجبه
-
٥٥١
أو ودْىٍ) بل الوضوءُ منه ومن البول جميعاً.
أبيضُ، يخرجُ عند [١/ق ١٢٥/أ] الشَّهوة لا بها، وهو في النساء أغلبُ، قيل: هو منهنَّ يسمَّى
القدی مفتوحتین، "نهر"(١).
[١٤٠٥) (قولُهُ: أو وَدْىٍ) بمهملةٍ ساكنةٍ وياءِ مخفّقةٍ عند الجمهور، وحكَى "الجوهريُ) (٢)
كسرَ الدَّال مع تشديد الياء، قال "ابن مكيّ" (٣): ((ليس بصوابٍ))، وقال "أبو عُبيدٍ"(٤): ((إِنَّه
الصواب، وإِعجامُ الدَّالِ شاذٌ))، ماءٌ ثخينٌ أبيضُ كلِّرٌ يخرجُ عقبَ البول، "نهر "(٥).
[١٤٠٦) (قولُهُ: بل الوضوءُ منه إلخ) أي: بل يجبُ الوضوء منه، أي: من الوديٍ ومن البول
جميعاً، وهذا جوابٌ عمَّ يقال: إنَّ الوجوب بالبول السابقِ على الودْىٍ، فكيف يجبُ به ؟!
وبيانُ الجواب: أنَّ وجوبه بالبول لا يُنافي الوجوبَ بالودْيٍ بعده، حتى لو حلَفَ لا يتوضَّأ
من رُعافٍ، فرعَفَ ثم بالَ أو بالعكس، فتوضَّأَ فالوضوءُ منهما، فيحنثُ، وكذا لو حلفتْ لا
تغتسلُ من جنابةٍ، فجومعَتْ وحاضت، فاغتسلتْ فهو منهما، وهذا ظاهرُ الرواية، "بحر "(٦).
وذكَرَ أربعةَ أجوبةٍ أُخَرَ، منها: ((أَنَّ الودْيَ ما يخرجُ بعد الاغتسال من الجماع وبعد البول،
وهو شيءٌ لزِجٌ))، كذا فسَّرَهُ في "الخزانة(٧) و"التبيين"(٨)، فالإشكالُ إنما يرِدُ على مَن اقتصَرَ في
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ١١/أ.
(٢) "الصحاح": مادة((ودى)).
(٣) "تثقيف اللسان وتلقيح الجنان": باب غلط أهل الفقه صـ٢٦٢-، وهو لأبي حفص عمر بن خلف بن مكي الصقلي
الأندلسيّ النحويّ اللغوي(ت ٥٠١هـ). ("إيضاح المكنون" ٢٢٦/١، "وفيات الأعيان" ١٥٥/٢، "هدية العارفين"
٧٨٢/١).
(٤) أبو عُبَيْد القاسم بن سَلَّمَ الهَرَوي الأَزْدي البغدادي(ت٢٢٤هـ) وفي وفاته اختلاف. ("تاريخ بغداد" ٤٠٣/١٢،
"وفيات الأعيان" ٦٠/٤) ولم نعثر على هذا النقل في كتابيه"غريب الحديث" و"الغريب المصنف".
(٥) "النهر": كتاب الطهارة ق١١/أ.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ٦٥/١ بتصرف، وفيه: ((حلفت لا تغتسل من جنابة أو حيض)).
(٧) "خزانة الفقه": كتاب الطهارة ق ٣/ب.
(٨) "تبين الحقائق": كتاب الطهارة ١٧/١، لأبي محمد - وقيل: أبو عمر - عثمان بن عليّ، فخر الدين الزيلعيّ(ت١٤٣هـ) =
قسم العبادات
٥٥٢
حاشية ابن عابدين
على الظَّاهر (و) لا عند (إدخالِ إصبعٍ ونحوِهِ) كذكرٍ غيرِ آدمىٍّ وذكرِ خنثى وميتٍ
وصبيّ لا يُشْتهَى وما يُصنَعُ من نحوِ خشبٍ (في الدُّبْرِ أو القبلِ) على المختار (و).
.
تفسيره على ما يخرجُ بعد البول.
[١٤٠٧) (قولُهُ: على الظاهر) أي: إنْ قلنا: إنَّ وجوبَ الوضوء منه ومن البول بناءً على ظاهر
الرِّواية من مسألتي اليمينِ السابقتين، وذكَرَ "المحقّقُ" في "الفتح"(١): ((أنَّ الوضوء من الحدث
السَّابق، وأنَّ السَّبب الثانيَ لم يوجِبْ شيئاً لاستحالةِ تحصيلِ الحاصل، إلاَّ إذا وقعا معاً، كأنْ رعَفَ
وبال معاً كما قرَّرَهُ "الآمِدِيُّ" (٢)))، قال(٣): ((وهو معقولٌ يجبُ قبولُه))، وهو قولُ "الجرجانيّ"(٤)
من مشايخنا.
والحقُّ أنْ لا تنافيَ بين كون الحدث بالأوَّلِ فقط وبين الحنث؛ لأَنّه لا يلزمُ بناؤه على تعدُّدٍ
١١١/١ الحدث بل على العُرف، والعرفُ أنْ يقال لمن توضَّ بعد بولٍ ورعافٍ: توضَّأَ منهما.
[١٤٠٨] ( قولُهُ: غيرِ آدمىٍّ) كجنيٍّ وقردٍ وحمارٍ.
[١٤٠٩) (قولُهُ: خُنثى) أي: مُشكِلٍ.
[١٤١٠) (قولُهُ: وما يُصنَعُ) أي: على صورة الذَّكَر.
[١٤١١) (قولُهُ: في الدُّبر) متعلقٌ بـ ((إدخالٍ)).
[١٤١٢] (قولُهُ: على المختار) قال في. "التجنيس": ((رجلٌ أدخَلَ أصبعه في دبره وهو صائمٌ
= شرح "كنز الدقائق" لأبي البركات عبد الله بن أحمد، حافظ الدين النسفيّ(ت٧١٠). ("كشف الظنون" ١٥١٥/٢،
"الجواهر المضية" ٢٩٤/٢، ٥١٩، "الدرر الكامنة" ٢٤٧/٢، ٤٤٦).
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٩/١.
(٢) عبارة "الفتح": ((في فصوله))، وهو تحريف، والصواب "أصوله"، انظر "الإحكام في أصول الأحكام": القسم الثاني
في شروط علة الأصل - المسألة السادسة ٢١٢/٣ - ٢١٣.
(٣) أي: صاحب "الفتح".
(٤) هو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مهدي، ركن الإسلام الجرجانيّ(ت ٣٩٨هـ، وقيل: ٣٩٧). ("الجواهر المضية"
٣٩٧/٣، "الفوائد البهية" صـ ٢٠٢-).
الجزء الأول
٥٥٣
ما يوجب الغسل وما لا يوجبه
لا عند (وطء بهيمةٍ أو ميتةٍ أو صغيرةٍ غيرِ مشتهاةٍ) بأنْ تصيرَ مُفضاةً بالوطءِ وإِنْ غابت
الحشفةُ، ولا ينتقِضُ الوضوءُ، فلا يلزمُ إلَّ غَسلُ الذِّكَرِ،
اخْتُلِفَ في وجوب الغُسل والقضاء، والمختارُ أَنَّه لا يجبُ الغُسل ولا القضاء؛ لأنَّ الأصبع ليست
آلةً للحماع، فصار بمنزلة الخشبة))، ذكَرَهُ في الصوم. [١/ق١٢٥/ب]
وقَيَّدَ بالدبر لأنَّ المختار وجوبُ الغُسل في القُبُل إذا قصدتِ الاستمتاع؛ لأنَّ الشهوة فيهنَّ
غالبةٌ، فيُقام السببُ مُقَامَ المسبّب دون الدُّبر لعدمها، "نوح أفندي".
أقولُ: آخرُ عبارة "التجنيس" عند قوله: ((بمنزلة الخشبة))، وقد راجعتُها منه، فرأيتُها كذلك،
فقولُهُ: ((وقَّدَ إلخ)) من كلام "نوح أفندي"، وقولُهُ: (لأنَّ المختار وجوبُ الغُسل إلخ)) بحثٌ منه
سبَقَهُ إليه "شارح المنية"(١)، حيث قال: ((والأَولِى أَنْ يجبَ في القُبُل إلخ))، وقد نَّهَ في "الإمداد"(٢)
أيضاً على: ((أَنَّه بحثٌ من "شارح المنية"))، فافهم.
٥
(١٤١٣) (قولُهُ: ولا عند وطءِ بهيمةٍ إلخ) محترزاتُ قوله: ((في أحدِ سبيلي آدميٍّ حيٍّ
يُحَامَعُ مثلُهُ(٣))، وفي "القنية(٤) برمزِ "أجناس الناطفيّ"(٥): ((فرجُ البهيمة كفِيها، لا غُسلَ فيه بغير
إنزالٍ، ويعزَّرُ، وتُذبَحُ البهيمةُ وتُحرق على وجهِ الاستحباب، ولا يحرُم أكلُ لحمها به)) اهـ.
وسيأتي(٦) في الحدود.
[١٤١٤) (قولُهُ: بأنْ تصيرَ مُفضاً) أي: مختلطةَ السبيلين، وفي المسألة خلافٌ، فقيل: يجبُ
(١) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - الطهارة الكبرى صـ٤٦ -.
(٢) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل عشرة أشياء لا يغتسل منها ق ٤١/أ.
(٣) في "د" زيادة: ((قال في "السراج الوهاج": ((ولو أولج صبيُّ في فرج امرأة، لم يجب عليه الغسل ووجب عليها)).
انتهى خير الدين. والمشتهاة التي يجامع مثلها هي بنت التسع في الصحيح، وما دونها غير مشتهاة، إلاّ أنّها إذا
كانت بنت سبع أو ثمان وهي عبلة قربت إلى حد الشهوة فالاحتياط وجوب الغسل وهو الأصحُّ، أما فيما دونهما
فالأصحُّ عدم الوجوب؛ لأنّه بمنزلة التبطين أو التفخيذ ومعالجة اليد . اهـ "شرح المنية الكبير" للحلبي)).
(٤) "القنية": كتاب الطهارة - باب الجنابة والغسل ق٣/ب.
(٥) "الأجناس": لأبي العباس أحمد بن محمد الناطفي الطبري (ت ٤٤٦هـ). (كشف الظنون" ١١/١، "الجواهر المضية" ٢٩٦/١).
(٦) المقولة [١٨٥٢٣]، قوله: ((وتُذْبَح ثم تُحرَّق)).
قسم العبادات
٥٥٤
حاشية ابن عابدين
"قهستاني" عن "النظم". وسيجيءُ أنَّ رطوبة الفرج طاهرةٌ عنده،.
......
الغُسلُ مطلقاً، وقيل: لا مطلقاً، والصحيحُ: أَنَّه إذا أمكنَ الإِيلاجُ في محلِّ الجماع من الصغيرة، ولم
يُفضِها فهي ممن تُجامَعُ، فيجبُ الغُسل، "سراج)"(١).
أقولُ: لا يخفى أنَّ الوجوب مشروطٌ بما إذا زالتِ البكارةُ؛ لأنّه مشروطٌ في الكبيرة كما يأتي
قريباً(٢)، ففيها بالأَولى، فقولُهُ في "البحر"(٣): ((قد يقال: إنَّ بقاء البكارة دليلٌ على عدم الإيلاج،
فلا يجبُ الغُسل كما اختاره في "النهاية")) فيه نظرٌ، فتدَّر.
[١٤١٥) (قولُهُ: "قُهُستاني") أقول: عبارتُه(٤): ((وطءُ البهيمة والميتة غيرُ ناقضٍ للوضوء بلا
إنزالٍ، فلا يلزمُ إلاَّ غَسلُ الذَّكَر كما في صوم "النظم"(٥))) اهـ. وكأنَّ "الشارح" قاسَ الصغيرة
عليهما، تأمَّل.
ويؤخذُ من هذا أنَّ المباشرة الفاحشةَ الناقضةَ للوضوء لا بدَّ أنْ تكون بين مشتهَيين كما
قدَّمناه(٦).
مطلبٌ في رطوبةِ الفرج
[١٤١٦] (قولُهُ: وسيجيءُ)(٧) أي: في باب الأنجاس.
[١٤١٧] (قولُهُ: الفرجِ) أي: الداخلِ، أمَّا الخارجُ فرطوبتُه طاهرةٌ باتفاقِ بدليل جعلهم غَسلَه
ء
سنةً في الوضوء، ولو كانت نجسةً عندهما لفُرِضَ غسلُه. اهـ "ح"(٨).
(١) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق٢٦/أ.
(٢) ص ٥٥٥- "در".
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - نواقض الوضوء ٢٤/١.
(٥) لعله "نظم الفقه": لأبي علي الحسين بن يحيى - وقيل: علي بن يحيى، وقيل: يحيى بن علي - البخاريّ الرَّنْدَوِيْسَتي.
("كشف الظنون" ١٩٦٤/٢، "الجواهر المضية" ٦٢١/٢، "تاج التراجم" ص ٩٤-، "الفوائد البهية" صـ ٢٢٥-).
(٦) المقولة [١٢٠٥] قوله: ((بتماس الفرجين)).
(٧) ٣٣٩/٢ "در".
(٨) "ح": كتاب الطهارة ق١٢/أ.
الجزء الأول
٥٥٥
ما يوجب الغسل وما لا يوجبه
فتنَبَّهْ (بلا إنزالٍ) لقصور الشهوة، أمَّا به فُحالُ عليه (كما) لا غُسلَ (لو أتى عذراءَ ولم
يُزِلْ عُذْرَتَها) بضمٍّ فسكونٍ: البكارةُ، فإِنّها تَمنَعُ التقاءَ الختانين.
أقولُ: قد يقال: إنَّ النجاسة ما دامتْ في محلَّها لا عبرةَ لها، ولذا كان الاستنجاءُ سنةٌ
للرجال والنساء في غير الغسل مع أنَّ الخارج نجسٌ باتفاقٍ، فلا تدلُّ سنَّةُ الغَسل على الطهارة،
فتدبّر [١/ق ١٢٦/ أ].
نعمْ يدلُّ على الاتّفاقِ كونُه له حكمُ خارجٍ البدن، فرطوبته كرطوبة الفم والأنف والعَرَقِ
الخارج من البدن.
, [١٤١٨) (قولُهُ: فتنبّهْ) أشارَ به إلى أنَّ ما في "النظم" مبنيٌّ على قولهما، فلا تغفَلْ وتظنَّ مِن
جزمِهِ به أنَّه متّفقٌ عليه.
[١٤١٩) (قولُهُ: لقصورِ الشهوة) أي: التي أقيمتْ مُقَامَ الإنزال في وجوب الغُسل عند
الإيلاج، لكنْ يُرِدُ عليه لو جامَعَ عجوزاً شوهاءَ لا تُشتَهَى أصلاً.
ويظهرُ لي الجوابُ بأنّها قد ثبَتَ لها وصفُ الاشتهاء فيما مضى، فيبقى حكمُه الآنَ ما
دامتْ حيَّةً كما ذكروه في مسألة المحاذاة في الصلاة بخلاف البهيمة والميتة والصغيرة، تأمَّل. وهذا
علَّةٌ لعدم وجوب الغُسل فيما تقدَّمَ(١).
[١٤٢٠] (قولُهُ: أمَّا به) أي: أمَّا فعلُ هذه الأشياءِ المصاحِبُ للإنزال فيُحالُ وجوبُ الغُسل
على الإنزال، "ط" (٢).
(١٤٢١] (قولُهُ: تَمنعُ التقاءَ الختانين) أي: ختانِ الرَّجُل - وهو موضعُ القطع - وختانِ المرأة،
وهو موضع قطعٍ جلدةٍ منها كُعُرف الدِّيك فوق الفرج، فإذا غابتِ الحشفةُ في الفرج فقد حاذَى
ختانُه ختانَها، وتمامُ بيانه في "البحر"(٣).
(١) صـ٥٥٢ - وما بعدها "در".
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٩٥/١.
(٣) انظر "البحر": كتاب الطهارة ٦١/١.
قسم العبادات
٥٥٦
حاشية ابن عابدين
إلاّ إذا حبلَتْ لإنزالها، وتعيدُ ما صلَّتْ قبل الغُسل، كذا قالوا، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ خروج
منيِّها من فرجها الداخلِ شرطٌ لوجوب الغُسل على المفتى به، ولم يوجدْ، قاله "الحلبيُّ".
(ويجبُ) أي: يُفْرَضُ (على الأحياءِ) المسلمين.
[١٤٢٢] (قولُهُ: إلَّ إذا حبلتْ) فيكونُ دليلَ إنزالها، فيلزمُها الغُسل، قال "أبو السُّعودِ"(١):
((وكذا يلزمُه؛ لأَنَّه دليلُ إنزاله أيضاً وإنْ خفي عليه)).
[١٤٢٣) (قولُهُ: قبلَ الغُسل) أي: لو لم تكنِ اغتسلت؛ لأَنَّه ظهَرَ أَنّها صلَّت بلا طهارةٍ.
[١٤٢٤] (قولُهُ: قال "الحلبيُّ") أي: في "شرحه الصغير"(٢)، وقال في "الكبير"(٣): ((ولا شكَّ
أَنَّه مبنيٌّ على وجوب الغُسل عليها بمجرَّدِ انفصال منيِّها إلى رحِمِها، وهو خلافُ الأصحِّ الذي هو
ظاهرُ الرِّواية))(٤).
[١٤٢٥] (قولُهُ: أي: يُفرَضُ) أشار به إلى أنّه ليس المرادُ بالوجوب هنا المصطلحَ عليه عندنا،
فكان الأَولى فيه وفيما بعده التعبيرَ بـ ((يُفْرَضُ)). اهـ "ح" (٥).
وممن صرَّحَ بالفرْضَيَّةِ هنا صاحبُ "الوافي"(٦) و"السروجيُّ))(٧) و"ابن الهمام"(٨) مع نقله
(١) "فتح المعين": كتاب الطهارة - موجبات الغسل ٥٧/١ إلا أن أبا السعود رجَّح - نقلاً عن والده - ((أنَّ العذراء لا
يجب عليها الغسلُ مطلقاً وإن حبلت، بناءً على ما هو الأصح مِنْ أنَّ وجوب الغسل عليها بإنزالها مقيَّدٌ بوصوله إلى
فرجها الخارج، وأمّا هو فيلزمه الغسل؛ لأنَّ ظهور حملها آية إنزاله وإن خفي عليه)).
(٢) "شرح المنية الصغير": كتاب الطهارة - الطهارة الكبرى صـ٢٣ -.
(٣) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - الطهارة الكبرى صـ٤٥-٤٦ -.
(٤) قال في "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الغسل ١٥٨/١ ((وفي ظاهر الرواية: يشترط الخروج من
الفرج الداخل إلى الفرج الخارج لوجوب الغسل، حتى لو انفصل منها عن مكانه، ولم يخرج عن الفرج الداخل إلى
الفرج الخارج، لا غسل عليها، وفي النصاب: وهو الأصحُّ)).
(٥) "ح": كتاب الطهارة ق١٢/ب.
(٦) "الوافي": لأبي البركات عبد الله بن أحمد، حافظ الدين النسفي(ت٧١٠هـ). شرحه فيما بعد وسماه "الكافي شرح
الوافي". ("كشف الظنون" ١٩٩٧/٢، "الجواهر المضية" ٢٩٤/٢، "الدرر الكامنة" ٢٤٧/٢).
(٧) أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني، شمس الدين السَّرُوجيّ الحَرّانيّ(ت٧١٠هــ، وقيل: ٧٠١). ("الجواهر
المضية"١٢٣/١، "الدرر الكامنة" ٩١/١).
(٨) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٧٠/١.
الجزء الأول
٥٥٧
(كفايةً) إجماعاً (أنْ يَغْسِلوا) بالتخفيف (الميتَ).
ما یوجب الغسل وما لا يوجبه
الإجماعَ عليه، لكنْ عَلَّل في "البحر"(١): ((بأنَّ هذا الذي سمَّه واجباً يُقُوت الجوازُ بفَوْته))، قال
"الشارح" في "الخزائن"(٢): ((قلت: هذا التعليلُ يفيدُ أَنَّه فرضٌ عمليٌّ لا اعتقاديٌّ، وهو كذلك؛
لأَنَّه ليس ثابتاً بدليل قطعيّ ولا متَّفقاً عليه، فلعلَّهم عبّروا بالواجب للإشعار بانحطاط رتبةِ هذا عن
ذاك، فتأمَّل)) اهـ
قلت: لكنَّ هذا ظاهرٌ فيما عدا غَسلِ الميت، فتأمَّل.
[١٤٢٦] (قولُهُ: كفايةً) أي: بحيث لو قام به بعضُهم سقَطَ عن باقيهم، وإلاَّ أتموا
[١/ق١٢٦/ب] كلُّهم إنْ علموا به، وهل يُشترَطُ لسقوطه عن المكلَّفين النَّةُ ؟ استظهَرَ في جنائز
"الفتح"(٣): ((نعمْ))، ونقَلَ في "البحر "(٤) عن "الخانَيَّة"(٥) وغيرها خلافَه.
[١٤٢٧) (قولُهُ: إجماعاً) قيدٌ لقوله: ((يُفرَضُ))، قال في "البحر "(٦): ((وما نقلَهُ "مسكين" من
قوله: وقيل: غَسلُ الميت سنّةٌ مؤكّدةٌ ففيه نظرٌ بعد نقل الإجماعِ)).
١١٢/١
[١٤٢٨] (قولُهُ: بالتخفيف) أي: تخفيفِ السِّين، وهو من الغَسل بالفتح، قال في "السِّراج"(٧):
((يقال: غُسل الجمعة وغُسل الجنابة بضمِّ الغين، وغَسلُ الميت وغَسل الثوب بفتحها، وضابطُه:
أَنَّك إذا أضفْتَ إلى المغسول فتحتَ، وإذا أضفتَ إلى غير المغسول ضممْتَ)) اهـ
[١٤٢٩) (قولُهُ: الميتَ) بالتخفيف وبالتشديد: ضدُّ الحيِّ، أو المخفّفُ الذي مات، والمشدَّدُ
الذي لم يمت بعدُ، أفاده في "القاموس"(٨).
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٦٩/١.
(٢) "الخزائن": كتاب الطهارة - فصل في الغسل ق ٣٠/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الغسل ٧٠/٢.
(٤) "البحر": كتاب الجنائز ١٨٧/٢.
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - باب غسل الميت ١٨٧/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ٦٨/١.
(٧) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٢٨/أ.
(٨) "القاموس": مادة ((موت)).
قسم العبادات
٥٥٨
حاشية ابن عابدين
المسلمَ إلاَّ الخنثى المشكلَ فَُمَّمُ (كما يجبُ على مَنْ أسلَمَ جنباً أو حائضاً) أو نفساءَ ولو
بعدَ الانقطاع على الأصحِّ كما في "الشرنبلاليَّةً"(١) عن "البرهان"، وعلَّلهُ "ابن الكمال"
ببقاءِ الحدث الحكميِّ (أو بلَغَ لا بِسِينٍ)
[١٤٣٠] (قولُهُ: المسلمَ) أمَّ الكافرُ إذا لم يوجدْ له إلاَّ ولُّهُ المسلمُ فُيُسيلُ عليه الماءَ كالخرقة
النجسة من غير ملاحظةِ السنَّة، "ط"(٢).
[١٤٣١) (قولُهُ: فَيَمَّمُ) وقيل: يُغسَّلُ بثيابه، والأوَّلُ أَولى، "بحر "(٣) و"نهر "(٤).
[١٤٣٢] (قولُهُ: كما يجبُ) أي: يُفرَضُ، "بحر "(٥).
[١٤٣٣] (قولُهُ: ولو بعد الانقطاع) أي: انقطاعِ الحيض والنفاس، لكنْ في دخول ذلك في
كلام "المصنّف" نظرّ؛ لأنَّ الحائض مَن أَنَّصفت بالحيض، وبعد انقطاعه لا تُسمَّى حائضاً، ولذا قال
في "الشرنبلاليّة"(٦): ((إنَّ فيه إشارةً إلى أنَّها لو انقطَعَ حيضُها، ثم أسلمتْ لا غُسلَ عليها)).
[١٤٣٤) (قولُهُ: على الأصحِّ) مقابلُهُ ما قيل: إنَّها لو أسلمتْ بعد الانقطاع لا غسلَ عليها
بخلاف الجنب.
والفرقُ: أَنَّ صفة الجنابة باقيةٌ بعد الإسلام، فكأنَّه أجنَبَ بعده، والانقطاعُ في الحيض هو
السببُ، ولم يتحقَّقْ بعدُ، فلذا لو أسلمتْ قبل الانقطاع لزِمَها.
[١٤٣٥] (قولُهُ: وعلَّهُ) أي: عَلَّلَ الأصحَّ.
[١٤٣٦] (قولُهُ: ببقاء الحدثِ الحكميِّ) حاصلُه منعُ الفرق بين الحيض والجنابة؛ لأنَّ التحقيق
أنَّ الانقطاع شرطٌ لوجوب الغُسل لا سببٌ.
(١) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - فرض الغسل ١٩/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٩٥/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٦٨/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق ١١/ب.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٦٨/١.
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - فرض الغسل ١٩/١ (هامش"الدرر والغرر").
الجزء الأول
٥٥٩
ما یوجب الغسل وما لا يوجبه
بل بإنزالٍ أو حيضٍ، أو ولَدَتْ ولم تَرَ دماً، أو أصابَ كلَّ بدنه نجاسةٌ، أو بعضَهُ
وخفِيَ مكانُها (في الأصحِّ)
ومبنى الفرقِ على أنَّه لا يثبتُ لها بالحيض والنفاس حدثٌ حكميٌّ يستمرُّ مثلَ الجنابة، وهو
ممنوعٌ بدليلٍ أنَّ المسافرة لو تيمَّمتْ بعد الانقطاع خرجتْ من الحيض، فإذا وَجَدتِ الماءَ وجَبَ
عليها الغُسل، فصارت بمنزلة الجنب، فقد ثبَتَ لها حدثٌ حكميٌّ بعد الانقطاع، هذا خلاصةُ ما
حقَّقَهُ "ابن الكمال"، وقد حقَّقَ في "الحلبة"(١) هذا المقامَ بما لا مزيدَ عليه.
[١٤٣٧] (قولُهُ: بل بإنزالٍ) عامٌّ في الغلام والجارية، والحيضُ قاصرٌ عليها [١/ق١٢٧/أ]
كالولادة، "ط" (٢). وقيل: لو بلَغَّ بالإنزال لا يجبُ عليه بخلاف ما لو بلغتْ بالحيض كما في
"البحر"(٣).
[١٤٣٨) (قولُهُ: أو وَلدتْ ولم ترَ دَماً) هذا قول "الإمام"، وبه أخَذَ أكثر المشايخ، وعند "أبي
يوسف" - وهو روايةٌ عن "محمَّدٍ" -: لا غُسلَ عليها لعدم الدَّم، وصحَّحَهُ في "التبيين" (٤)
و"البرهان" كما بسطَهُ في "الشرنبلالَيَّةِ"(٥)، ومشى عليه في "نور الإيضاح"(٦)، لكنْ في
"السراج"(٧): ((أنَّ المختار الوجوبُ احتياطاً، وهو الأصحُّ)) انتهى.
[١٤٣٩] (قولُهُ: أو أصابَ إلخ) كذا عدَّهُ بعضهم هنا من الاغتسالات المفروضة، قال في
"الحلبة"(٨): ((ولا يخفى أنَّه ليس مما نحن فيه، فعدُّه من ذلك سهوٌ)) اهـ. أي: لأنَّ الكلام في
النجاسة الحكميَّة لا الحقيقيّة.
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - الغسل - محظورات الجنب والحائض والنفساء ١/ق١٢٥/ب.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٩٥/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٦٨/١.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة - باب الحيض ٦٨/١.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - فرض الغسل ١٩/١ (هامش"الدرر والغرر").
(٦) "نور الإيضاح": كتاب الطهارة - فصل فيما لا يوجب الاغتسال صـ ٦٠ -.
(٧) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق٢٧/ب بتصرف.
(٨) "الحلبة": كتاب الطهارة - الغسل ١/ق١١٤/ب.
قسم العبادات
٥٦٠
حاشية ابن عابدين
راجعٌ للجميع، وفي "التتار خانيّة" معزيًَّ لـ "العتابَّةُ": ((والمختارُ وجوبُهُ على مجنونِ أفاقَ)).
قلت: وهو يخالِفُ ما يأتي متناً، إلاَّ أنْ يُحمَلَ أَنَّه رأى منَّاً، وهل السَّكرانُ والمغمى عليه
كذلك؟ يُراجَعُ (وإلاّ).
[١٤٤٠) (قولُهُ: راجعٌ للجميع) فيه نظرٌ، فقد ذكَرَ العلامة "نوح أفندي" الاتفاقَ على وجوب
الغُسل على مَن أسلمتْ حائضاً قبل الانقطاع، وعلى مَن بلغت بالحيض، وسيذكرُ "الشارح"(١) في
باب الأنجاس: ((أنَّ المختار أَنَّه لو خفِيَ محلُّ النجاسة يكفي غَسلُ طرف الثوب أو البدن)).
هذا، وفي بعض النسخ هنا ما نصُّه: ((وفي التاتر خانَّة"(٢) معزيًّاً لـ "العَنَّيَّةِ"(٣): والمختارُ
وجوبُه على مجنون أفاقَ. قَلْتُ: وهو يخالفُ ما يأتي(٤) متناً، إلاَّ أنْ يُحمَلَ أَنَّه رأى منَّاً، وهل
السكرانُ والمغمى عليه كذلك؟ يراجعٌ)) اهـ.
قيل: وهذا ثابتٌ في نسخة "الشارح" الأصليّةِ ساقطٌ من النسخة المصحَّحة.
أقولُ: ويؤيِّدُ هذا الحملَ ما في "التاتر خانَّة" (٥) أيضاً عن "السِّراجَّةِ"(٦): ((المجنونُ إذا
أُجَنَبَ، ثم أفاقَ لا غُسل عليه)) اهـ.
وكأنَّ مبنيٌّ على القول بعدم الغُسل على مَن أسلَمَ جنباً لعدم التكليف وقت الجنابة، لكنَّ
الأصحَّ خلافه كما علمتَ، فلذا كان المجنون كذلك.
وقوله: ((وهل السكرانُ والمغمى عليه كذلك؟)) أي: في جريان الخلاف فيهما لو رأيا منياً
لعدم التكليف، وقال: ((يُراجَعُ)) لعدم رؤيته ذلك، وفي "التاتر خانَّة"(٧): ((أُغشِيَ عليه، فأفاق
(١) ٣٨٣/٢ - ٣٨٤ "در".
(٢) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الغسل ١٦١/١.
(٣) هي "الفتاوى العتابية"، وهي المسماة بـ "جامع أو جوامع الفقه"، وتقدم التعريف بها صـ ٤٧٠ -.
(٤ ) ص ٥٦٤ - "در".
(٥) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الغسل ١٥٥/١.
(٦) "السراجية": كتاب الطهارة - باب الغسل ١٠/١ (هامش "الفتاوى الخانية") وفيها: قيل لا غسل عليه.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الغسل ١٥٨/١ بتصرف.
الجزء الأول
٥٦١
الغسل المسنون
(بأنْ أسلَمَ طاهراً، أو بلَغَ بالسنِّ (فمندوبٌ، وسُنَّ لصلاة جمعةٍ و) لصلاة)(عيدٍ)
ووجَدَ مذْياً أو منياً فلا غسلَ عليه)) اهــ.
ومقتضاه جريانُ الخلاف أيضاً، إلاَّ أنْ يقالَ: المرادُ أَنَّه رأى بللاً شكَّ أنَّه منيٌّ أو مذْيٌّ، وقدَّمَ
"الشارح" رحمه الله عند قوله: ((ورؤيةُ مستيقظٍ)): ((أَنَّه خرَجَ رؤيةُ السكران والمغمى عليه
المذيَ))، وقدَّمنا هناك(١) عن "المنية" وغيرها: ((أنَّ برؤية المنيِّ يجبُ الغُسل)).
[١٤٤١) (قولُهُ: بأنْ أسلَمَ طاهراً) [١/ق١٢٧/ب] أي: من الجنابة والحيض والنفاس، أي:
بأنْ كان اغتسَلَ، أو أسلَمَ صغيراً، تأمَّل.
[٤٢ ١٤) (قولُهُ: أو بلَغَ بالسِّنِّ) أي: بلا رؤية شيءٍ، وسنُّ البلوغ على المفتَى به خمسَ عشرةَ
سنةً في الجارية والغلام كما سيأتي في محلّ(٢).
(١٤٤٣) (قولُهُ: وسُنَّ إلخ) هو من سنن الزوائد، فلا عتابَ بتركه كما في "القُهُستاني)"(٣)،
وذهَبَ بعضُ مشايخنا إلى أنَّ هذه الاغتسالاتِ الأربعةَ مستحبَّةٌ أخذاً من قول "محمَّدٍ" في
"الأصل"(٤): ((إنَّ غُسل الجمعة حسنٌ))، وذكَرَ في "شرح المنية"(٥): ((أَنّه الأصحُّ))، وقوَّاه في
"الفتح"(٦)، لكن استظهَرَ تلميذه "ابن أمير حاج" في "الحلبة"(٧) استنانَه للجمعة لنقل المواظبة عليه،
وبسْطُ ذلك مع بيان دلائل عدم الوجوب والجوابِ عمَّا يخالفُها في "البحر "(٨) وغيره.
(١) المقولة [١٣٨٥] قوله: ((خرج رؤية السكران والمغمى عليه المذي)).
(٢) انظر المقولة [٣٠٨٨٨]، قوله: ((بالاحتلام)) وما بعده.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الغسل ٢٨/١.
(٤) "الأصل": كتاب الطهارة والصلاة - باب الوضوء والغسل من الجنابة ٨٩/١.
(٥) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - سنن الغسل صـ٥٥ ..
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٧/١.
(٧) "الحلبة": كتاب الطهارة - الغسل - أحكام وأقسام الاغتسال ١/ق١١٥/ب.
(٨) "البحر": كتاب الطهارة ٦٧/١.
قسم العبادات
٥٦٢
حاشية ابن عابدين
هو الصحيحُ.
[١٤٤٤] (قولُ: هو الصحيحُ) أي: كونُه الصَّلاة هو الصحيحُ، وهو ظاهرُ الرِّواية، "ابن
كمالٍ". وهو قولُ "أبي يوسف"، وقال "الحسن بن زيادٍ": إِنَّه لليوم، ونُسِبَ إلى "محمَّدٍ"،
والخلافُ المذكورُ جارٍ في غُسل العيد أيضاً كما في "القُهُستانيِ))(١) عن "التحفة".
وأثرُ الخلاف فيمَن لا جمعةَ عليه لو اغتسَلَ، وفيمن أحدَثَ بعد الغُسل، وصلَّى بالوضوءِ،
١١٣/١ نالَ الفضلَ عند "الحسن" لا عند "الثاني"، قال في "الكافي"(٢): ((وكذا فيمَن اغتسَلَ قبل الفجر
وصلَّى به، ينالُ عند "الثاني" لا عند "الحسن"؛ لأَنَّه اشترَطَ إيقاعه فيه إظهاراً لشرفه ومزيدٍ
اختصاصه عن غيره كما في "النّهر"(٣)، قيل: وفيمَن اغتسَلَ قبل الغروب، واستظهَرَ في "البحر "(٤)
ما ذكرَهُ "الشارح" عن "الخانيّة"(٥): من أنّه لا يُعتبَرُ إجماعاً؛ لأنَّ سبب مشروعيَّته دفعُ حصول
الأذى من الرائحة عند الاجتماع، و"الحسنُ" وإِنْ قال: هو لليوم لكنْ بشرط تقدُّمِه على الصلاة،
ولا يضرُّ تخلُّلُ الحدث بينه وبين الغُسل(٦) عنده، وعند "أبي يوسف": يضُرُّ) اهـ.
ولسيِّدي "عبد الغنيِّ النابلسيِّ" هنا بحثٌ نفيسٌ ذكرَهُ في "شرح هديَّة ابن العماد"(٧)، حاصلُه:
((أَنّهم صرَّحوا بأنَّ هذه الأغسالَ الأربعة للنظافة لا للطهارة مع أَنَّه لو تخلَّلَ الحدثُ
(قولُهُ: هنا بحثٌ نفيسٌ ذكَرَهُ إلخ) هذا البحثُ مصادٌ لتفريعات المسائل ومخالفٌ لم قالوه من بيانِ
ثمرة الخلاف، وليس المقصودُ من هذا الغُسلِ مجرَّدَ النظافة - حتَّى إنَّ مَن كان متَّصفاً بها يُسَنُّ له - بل
المقصودُ أيضاً أداءُ الصلاة بأكملِ الطهارتين.
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الغسل ٢٨/١.
(٢) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - باب الحيض - فصل: دائم الحدث ١/ق٧/ب بتصرف.
(٣) "النهر": كتاب الطهارة ق ١١/ب.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٦٧/١.
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - باب الجمعة ١٧٩/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) قوله: ((وبين الغسل)) كذا بخطه، ولعل صوابه ((وبين الصلاة)) كما هو في نسخة أخرى. اهـ مصححه
(٧) "نهاية المراد": الغسل صـ ١٨٨-١٨٩ -.
الجزء الأول
٥٦٣
الغسل المسنون
كما في "غرر الأذكار" وغيره، وفي "الخانيَّة"(١): (( لو اغتسَلَ بعد صلاةٍ الجمعة لا
يُعتَبَرُ إجماعاً))، ويكفي غُسلٌ واحدٌ لعيدٍ وجمعةٍ.
تزدادُ النظافة بالوضوء ثانياً، ولئِنْ كانت للطهارة أيضاً فهي حاصلةٌ بالوضوء ثانياً مع بقاء النظافة،
فالأَولى عندي الإجزاءُ وإنْ تخلَّلَ الحدثُ؛ لأنَّ مقتضى الأحاديث الواردة في ذلك طلبُ حصول
النظافة فقط)) اهـ.
أقولُ: ويؤيِّدُهُ [١/ق١٢٨/أ] طلبُ التبكير للصلاة، وهو في الساعة الأُولى أفضلُ، وهي إلى
طلوع الشمس، فربما يعسُرُ مع ذلك بقاءُ الوضوء إلى وقت الصلاة، ولاسيَّما في أطول الأيام،
وإعادةُ الغُسل أعسرُ، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج - ٧٨]، وربما أدَّه ذلك إلى أنْ
يصلّيَ حاقناً، وهو حرامٌ.
ويؤيِّدُهُ أيضاً ما في "المعراج": ((لو اغتسَلَ يوم الخميس أو ليلة الجمعة استَنَّ بالسنَّةِ(٢)
لحصول المقصود، وهو قطعُ الرائحة)) اهـ.
[١٤٤٥] (قولُهُ: كما في "غرر الأذكار"(٣) هو "شرح درر البحار"، المؤلّف في مذاهب "الأئمّة
الأربعة" الكبار، ومذهب الصاحبين على طريقة "مجمع البحرين"، مع غاية الإيجاز والاختصار،
للعلاّمة "القُوْنَويّ" الحنفيِّ، وقد ذكَرَ في آخره: ((أَنَّه ◌َلْفَهُ في نحو شهرٍ ونصفٍ سنةَ(٧٤٦)))،
وعندي شرحٌ عليه للعلامة "محمَّدٍ" الشهير بـ "الشيخ البخاريّ"، سمَّه "غررَ الأفكار"، وعليه شرحٌ
للعلاّمة "قاسمٍ قطلوبغا"(٤) تلميذِ "ابن الهمام"، ولعلَّه الذي نقَلَ عنه "الشارح".
[١٤٤٦] (قولُهُ: وغيرِهِ) كـ "الهداية"(٥) و"صدر الشريعة"(٦) و"الدرر"(٧) و"شروح المجمع"
(١) "الخانية": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٧٩/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) ((بالسنة)) ساقطة من "آ".
(٣) "غرر الأذكار": كتاب الطهارة - باب الغسل ق ١١/أ.
(٤) انظر "كشف الظنون" ٧٤٦/٢، و"التعليقات السنية على الفوائد البهية" صـ ٩٩ -.
(٥) "الهداية": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ١٧/١.
(٦) "شرح الوقاية": كتاب الطهارة ١٣/١ (هامش"كشف الحقائق").
(٧) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ٢٠/١.
قسم العبادات
٥٦٤
حاشية ابن عابدين
اجتمعا مع جنابةٍ (١) كما لفرضَيْ جنابةٍ وحيضٍ (و) لأجلِ (إحرامٍ و) في جبلِ (عرفة)
بعد الزوال.
(ونُدِبَ لمجنون أفاقَ) وكذا المغمى عليه، كذا في "غرر الأذكار"،.
و "الزيلعيّ"(٢).
[١٤٤٧) (قولُهُ: اجتمعا مع جنابةٍ) أقولُ: وكذا لو كان معهما كسوفٌ واستسقاءٌ، وهذا كلُّه
إذا نوى ذلك ليحصُلَ له ثوابُ الكلِّ، تأمَّل.
[١٤٤٨) (قولُهُ: ولأجلِ إحرامٍ) أي: بحجٍ أو عُمرةٍ أو بهما، "إمداد"(٣). ولا أظنُّ أحداً قال:
إِنَّه لليوم فقط، "نهر "(٤).
[١٤٤٩) (قولُهُ: وفي جبلٍ عرفةَ إلخ) أراد بالجبل ما يشملُ السهلَ من كلِّ ما يصحُّ الوقوفُ
فيه، وإنما أقحَمَ لفظ ((جبلٍ)) إشارةً إلى أنَّ الغُسل للوقوف نفسِهِ لا لدخول عرفاتٍ، ولا لليوم.
وما في "البدائع"(٥): ((من أنّه يجوز أنْ يكون على الاختلاف أيضاً، أي: أنْ يكون للوقوف
أو لليوم كما في الجمعة)) ردّهُ في "الحلبة"(٦): ((بأنَّ الظاهر أَنَّه للوقوف))، قال: ((وما أظنُّ أنَّ
أحداً ذهَبَ إلى استنانه ليوم عرفةَ بلا حضورِ عرفاتٍ)) اهـ. وأقرَّهُ في "البحر "(٧) و"النهر "(٨).
مطلبٌ: يومُ عرفةَ أفضلُ من يوم الجمعة
لكنْ قال "المقدسيُّ" في "شرحه" على "نظم الكنز": ((أقولُ: لا يُستبعَدُ أنْ يقول أحدٌ بسُنّته
(١) في "و":(( مع غسل جنابة)).
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ١٨/١.
(٣) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في آداب الاغتسال ق ٤٦/أ.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق ١١/ب.
(٥) "البدائع": کتاب الحج - فصل في بيان سنته ١٥١/٢ بتصرف.
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - أحكام وأقسام الاغتسال ١/ق١١٦/ب ١١٧/أ.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ٦٨/١.
(٨) "النهر": كتاب الطهارة ق١١/ب.